
تاريخ العلويين: من حلب القروسطية إلى تركيا الجمهورية
الموضوع المحوري لكتاب ستيفن وينتر "تاريخ العلويين: من حلب في العصور الوسطى إلى الجمهورية التركية" هو تفكيك الأسطورة التاريخية التي تصوّر العلويين كأقلية مضطهَدة بشكل دائم في التاريخ الإسلامي، واستبدالها بسردية أكثر تعقيداً تركز على تفاعلهم البراغماتي مع الدول المتعاقبة التي حكمت سوريا. الإجابة التي يدافع عنها المؤلف طوال الكتاب هي أن العلويين لم يكونوا ضحايا سلبيين لاضطهاد ديني منهجي، بل كانوا فاعلين في تاريخهم، يتفاوضون مع السلطة ويندمجون فيها ويقاومونها وفق حسابات سياسية واقتصادية واجتماعية، وليس بدوافع هوياتية أو دينية بحتة. يرفض وينتر بوضوح مفهوم "عقدة الاضطهاد" التي تطبع الكثير من الكتابات التاريخية حول العلويين، ويدعو إلى قراءة تاريخهم من خلال الوثائق الإدارية (كدفاتر الضرائب وسجلات المحاكم) بدلاً من الاعتماد على الفتاوى الدينية أو المرويات السردية المتأخرة.
تسير حجة الكتاب عبر الزمن، من القرن العاشر الميلادي حتى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، بمنطق يربط بين التحولات الداخلية للجماعة العلوية وتغيرات السياقات الإقليمية والدولية. يبدأ الكتاب بإظهار أن الأفكار النصيرية الأولى لم تكن انحرافاً هامشياً عن الشيعة الإمامية، بل كانت جزءاً من تيار صوفي نخبوي داخل المشهد الشيعي الفكري. ثم ينتقل إلى تحول الجماعة من دعوة تبشيرية عالمية في العصر الحمداني والفاطمي، إلى طائفة قبلية ريفية معزولة في جبال الساحل السوري نتيجة انحسار المد الشيعي وصعود الدولة السنية القوية. في الفترة العثمانية، وهي محور ثقل الكتاب، يركز وينتر على أن العلويين لم يكونوا هدفاً لحملات تطهير ديني، بل كانوا رعايا خاضعين للضريبة، ثم أصبحوا وجهاء ومتلزمي ضرائب يمثلون الدولة في مناطقهم، مما أكسبهم "استقلالية" نسبية كانت نتاجاً للسياسة العثمانية البراغماتية وليس لبنية قبلية داخلية. في القرن التاسع عشر، يتناول الكتاب تأثير سياسات الإصلاح والاستعمار الداخلي، حيث تعرض العلويون لضغوط "التحضير" القسري، لكنهم في الوقت نفسه تعلموا استخدام أدوات الدولة الحديثة (كالأرشيف والمدارس) للدفاع عن مصالحهم. وأخيراً، يصل الكتاب إلى مفترق الطرق في أوائل القرن العشرين، حيث وجد العلويون أنفسهم ممزقين بين الانفصالية الطائفية تحت الانتداب الفرنسي والاندماج القومي القسري في تركيا الكمالية، وكلاهما تركهم في "طريق مسدود هوياتي".
من بين الوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، يذكر وينتر أن الحملة العسكرية المملوكية ضد العلويين في جبلة عام 1318، والتي يُستشهد بها غالباً كمثال على الاضطهاد الديني، كانت في الأصل رد فعل على ثورة ضريبية محلية، وأُعيد تفسيرها كصراع ديني في كتابات سنية لاحقة. كما يرفض المؤلف بشكل قاطع قصة "مذبحة حلب" التي يزعم بعض المؤرخين العلويين المعاصرين أن السلطان سليم الأول ذبح فيها 40 ألف علوي، ويؤكد أن هذا الرقم مجرد أسلوب أدبي تكرر في نصوص عثمانية أخرى، ولا يوجد أي دليل من المصادر المعاصرة على وقوع صراع طائفي خلال فتح حلب. من بين الأرقام المهمة، يشير الكتاب إلى أن سجلات التحرير العثماني في 1526 حددت 35 قرية علوية تدفع ضريبة "الدرهم الرجال" في لواء طرابلس، وهي ضريبة تميز العلويين كجماعة قانونية مستقلة عن المسلمين وغير المسلمين. أما في العصر الحميدي، فتشير التقديرات إلى أن 120 ألف علوي كانوا بحاجة إلى "إعادة تعليم" لتحويلهم إلى المذهب الحنفي، وصدرت 60 ألف بطاقة هوية جديدة لهم في يوليو 1893. في الخاتمة، يورد وينتر تفصيلاً صادماً عن السياسة الكمالية، حيث تم تخصيص 2000 ليرة تركية في 1937 لتنظيم زيجات بين العلويين والأتراك "الحقيقيين" بهدف خلق اندماج ديموغرافي قسري، وصدرت أوامر تنفيذية بتوقيع الرئيسين أتاتورك وإينونو في يوليو 1938 وأغسطس 1939 لدعم مهور هذه الزيجات المختلطة وتعليم "التركية الأم" للعلويين.
يقر المؤلف صراحة بوجود حدود وتحفظات مهمة في فصوله الأخيرة. فهو يعترف بأن استنتاجات الفصل السادس "مؤقتة ومفتوحة" وقد تثير أسئلة أكثر مما تجيب، ويتخذ قراراً واضحاً بعدم تناول التاريخ المعاصر للعلويين، وخاصة صعودهم داخل سوريا المستقلة وصولاً إلى الحرب الأهلية، تاركاً هذا المجال لمتخصصين آخرين بسبب اختفاء الإمبراطورية العثمانية وطبيعة المصادر المتاحة، حيث إن الوثائق الأرشيفية الغنية المتوفرة عن الفترات السابقة تصبح إما غير متاحة أو غير قابلة للوصول للفترات الأحدث. كما يشير إلى أن دراسته عن العصر العثماني استفادت بشكل كبير من مصادر داخلية مثل كتاب "خير السنية" الذي يعتبر كنزاً من المعلومات عن الشخصيات والقبائل والصراعات اللاهوتية العلوية، لكنه لا يخفي تساؤله حول مدى تمثيل هذا النص لجميع فئات المجتمع العلوي، وما إذا كان يعبر فقط عن رأي النخبة الدينية المثقفة التي كانت تسعى لترسيخ سلطتها.
من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة، تبرز مقاربة وينتر لعلاقة العلويين بالدولة العثمانية. فبينما يقدم أدلة مادية من سجلات الضرائب والأوامر الإمبراطورية تظهر أن الدولة لم تعامل العلويين ككفار بل كرعايا متمردين، يمكن القول إن التمييز بين الدافع الديني والإداري في دولة تدعي ولاية دينية هو تمييز نظري صعب التطبيق عملياً. كذلك، يمكن مناقشة مدى نجاح حجته في فصل تاريخ العلويين عن سياق الاضطهاد الديني، خاصة في الفترة الحميدية حيث كانت سياسة "تصحيح العقائد" واضحة ودينية الطابع. على الرغم من ذلك، ينجح وينتر في تقديم سردية بديلة قوية تستند إلى وثائق الأرشيف العثماني، وتقدم العلويين كجماعة كانت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والسياسي لسوريا، وليس كاستثناء تاريخي أو شاذ مذهبي.
الأشخاص
الفصول(7)
1.النصيريون في سوريا الوسيطة: من الفرقة الدينية إلى الجماعة المذهبية (القرن العاشر – الثاني عشر الميلادي)11–42▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل بمناقشة الأصول الفكرية والطائفية المبكرة للعلويين (النصيريين) في سوريا في العصور الوسطى، معارضاً بشدة الصورة النمطية التي تقدمهم كـ«فرقة هامشية» أو «منشقة عن الإسلام الشيعي». يوضح المؤلف أن الأفكار التي نُسبت لاحقاً إلى النصيرية لم تكن انحرافاً عن تعاليم الشيعة الاثني عشرية السائدة في القرن التاسع، بل كانت تمثل اتجاهاً مهماً داخل المشهد الشيعي الفكري غير المستقر آنذاك. يشير المؤلف إلى أن مصطلح «غلاة» (الذي أُطلق لاحقاً على النصيريين) كان تسمية فضفاضة لأي فكر شيعي مبكر لم يُدمج في الشرع الشيعي الرسمي الذي تبلور لاحقاً تحت رعاية الدولة البويهية في بغداد في القرن الحادي عشر. ويجادل بأن كثيراً من المعتقدات التي أصبحت أساسية في الشيعة الاثني عشرية، مثل لعن الخليفتين الأولين وإنكار موت الإمام الثاني عشر وانتظار عودته، كانت في الأصل معتقدات «غالية» قبل أن تتبناها الجماعة الأوسع. وهكذا، لم ينشق النصيريون عن المذهب الشيعي بقدر ما مثلوا تياراً صوفياً نخبوياً لم يحظ في النهاية بالقبول الكنسي الرسمي.
بعد وفاة مؤسس المذهب، محمد بن نصير (توفي عام 883)، الذي ادعى أنه الباب أو البوابة الروحية للأئمة الشيعة، واصل الدعوة تلميذه الحسين بن حمدان الخصيبي (توفي حوالي 957). يُعتبر الخصيبي المؤسس الحقيقي للجماعة النصيرية المنظمة. انطلق في مهمة تبشيرية (دعوة) واسعة النطاق من بغداد إلى حلب، وتمكن من نشر المذهب في جميع أنحاء الشرق الأوسط تحت رعاية الأسرة الحمدانية في حلب، التي كانت ذات ميول شيعية. بحسب المصادر، وصلت الدعوة النصيرية إلى مدن مثل حلب، بغداد، حران، القدس، الخليل، القاهرة، وصولاً إلى إيران واليمن. يوضح الفصل أن هذه الدعوة لم تكن منحصرة في الفئات المهمشة، بل كان لها أتباع بين الطبقات الحرفية الحضرية، وحتى بين النخبة السياسية، بما في ذلك ربما دوائر البلاط الحمداني والبويهي والفاطمي. كانت الدعوة النصيرية في منافسة مباشرة مع الدعوة الإسماعيلية الفاطمية والإسحاقية وغيرها من الفرق الغالية، مما يجعل هذه الفترة عصراً من التعددية والتنافس المذهبي داخل الإسلام الشيعي.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن التحول الاجتماعي والطائفي للجماعة بعد انحسار الدعوة النصيرية المنظمة. أدى ظهور الحروب الصليبية وتأسيس الممالك اللاتينية في بلاد الشام إلى قطع طرق التواصل بين معاقل النصيريين وأضعف قدرة دعوتهم على المنافسة. نتيجة لذلك، تحول النصيريون تدريجياً من جماعة دينية ذات طابع نخبوي وحضري إلى جماعة مذهبية قبلية ريفية معزولة في جبال الساحل السوري. شهدت هذه الفترة أيضاً صراعات داخلية حادة حول تعريف العقيدة الصحيحة، مثل الصراع مع فرقة «الثمنة» التي كانت تدعو إلى حلول الله في المخلوقات. توج هذا الصراع في بداية القرن الثالث عشر بتدخل شخصية بارزة هي مكزون السنجاري، الذي قام بإعادة تنظيم الجماعة على أسس قبلية وتوحيد صفوفها، مما عزز هويتها الجديدة كجماعة مذهبية متميزة.
في القسم الأخير، يتناول الفصل العلاقة بين النصيريين والدول المتعاقبة التي حكمت سوريا في العصور الوسطى، مثل الأيوبيين والمماليك. يجادل المؤلف بشكل أساسي أن فكرة «الاضطهاد التاريخي» للعلويين هي فكرة مبالغ فيها وغير مدعومة بأدلة تاريخية كافية. ويشير إلى أن المصادر السردية والأدبية (مثل الفتاوى والمدونات التاريخية) تركز بشكل طبيعي على حالات الصراع الديني النادرة، متجاهلة الأدلة الإدارية التي تظهر حياة يومية عادية وتكاملاً اجتماعياً. كمثال رئيسي، يناقش الفصل الحملة العسكرية ضد العلويين في جبلة عام 1318، والتي يُستشهد بها غالباً كمثال على الاضطهاد المملوكي. ولكن المؤلف يوضح أن هذه الحملة كانت رد فعل على ثورة ضريبية محلية وليس على أساس ديني، وأن إعادة تفسيرها كصراع ديني جاءت لاحقاً في الكتابات السنية.
يختتم الفصل بمناقشة فتوى ابن تيمية الشهيرة التي تدعو إلى إبادة النصيريين. يرى المؤلف أن هذه الفتوى، رغم شهرتها اليوم، لم يكن لها أي تأثير يذكر على سياسات الدولة المملوكية أو العثمانية تجاه العلويين، وأن ابن تيمية نفسه كان شخصية منبوذة في وقته. الأدلة الأفضل لفهم سياسة المماليك، كما يزعم، هي دفاتر الضرائب العثمانية المبكرة التي ورثت النظام المملوكي واعترفت رسمياً بالعلويين كفئة خاضعة للضريبة، مما أضفى الطابع المؤسسي على وجودهم في الدولة. وهكذا، يقدم الفصل صورة أكثر تعقيداً للعلويين في العصور الوسطى: هم لم يكونوا جماعة هامشية ومضطهدة باستمرار، بل كانوا تياراً دينياً حيوياً تحول مع الزمن إلى جماعة مذهبية ريفية، كانت علاقاتها مع السلطة الحاكمة قائمة على التكيف والاندماج الوظيفي بقدر ما كانت تقوم على التمايز والصدام.
2.ما وراء الملجأ الجبلي: العلوية والدولة السنية (القرن الثالث عشر – الخامس عشر)43–73▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحوّل العلويين من جماعة دينية تبشيرية عالمية إلى طائفة مغلقة ذات هوية سياسية واجتماعية متميزة خلال القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين، في ظل حكم الأيوبيين ثم المماليك. يقدم المؤلف ستيفن وينتر أطروحة أساسية مفادها أن هذا التحول لم يكن نتيجة اضطهاد ديني منظم، بل كان نتاجاً لتفاعل معقد بين عوامل محلية وإقليمية، أبرزها تراجع شعبية التشيع الإمامي في المدن، وصعود الدولة السنية القوية التي عملت على ترسيخ المذهب السني عبر بناء المؤسسات الدينية، وليس عبر ملاحقة الأقليات، مما جعل العلويين "جزراً بقيت بعد أن انحسر المد الشيعي".
يبدأ الفصل بمناقشة كيفية تشكل العلويين كجماعة متميزة في السجلات التاريخية. يوضح وينتر أن مصطلح "نصيري" بدأ يظهر في أدبيات الدولة البيروقراطية في دمشق كفئة اجتماعية تُعرّف بمخالفتها للسنة، واقترن في الغالب بالثورة والفساد والالتزامات الضريبية. لكنه يحذّر من تبني نموذج "الاضطهاد" كتفسير شامل لعلاقة العلويين بالدولة، مشيراً إلى أن فكرة "ملجأ الجبل" التي تعتبر أن الأقليات هربت إلى الجبال هرباً من الاضطهاد هي فكرة غير مدعومة بأدلة كافية، ويرى أن تركز العلويين في الساحل الجبلي جاء لأن الأيوبيين والمماليك نجحوا في ترسيخ المذهب السني في كل مكان آخر، دون أن تكون هناك حاجة لمطاردة الهرطقات الريفية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الصراع الداخلي داخل المجتمع العلوي حول تحديد ملامح الأرثوذكسية، ويخص بالذكر صراعهم مع الفرقة الإسحاقية، وهي فرقة غالية منافسة. يصف الفصل نقاشاً لاهوتياً حاسماً عقده مكزون السنجاري (ت. 1240) بعد فتوحه، أعدم فيه قادة الإسحاقيين وأحرق كتبهم. ثم يتناول بالتفصيل "مناظرة" الشيخ يوسف بن العجوز النشابي الحلبي، والتي تعود للقرن الثالث عشر، حيث جاب النشابي منطقة حمص وحماه لمواجهة شيوخ محليين اتهمهم بالانحراف إلى أفكار الحلولية والتجسيم (اعتقاد حلول الإله في الجسد)، وهي أفكار نسبها للإسحاقيين. لم يقتصر الصراع على فرق خارجية، بل شمل أيضاً نزاعات داخلية حول تفسير العقيدة، مثل ظهور من يُبجّل الخصيبي نفسه كباب، أو من يعبد الشمس، أو من يرى أن الإله يتجسد في البشر. يُظهر هذا الصراع الداخلي محاولة النخبة الدينية العلوية فرض سلطتها وتوحيد العقيدة، مما أدى إلى إخراج الدين من نطاق الحياة اليومية العامة.
يتناول الفصل أيضاً التحدي الذي مثّلته المذاهب الشيعية الأخرى، وخصوصاً الإسماعيلية. على عكس العلاقة التكاملية بين العلويين والإماميين الإثني عشريين، كانت العلاقة مع الإسماعيلية أكثر صعوبة وتنافسية. وصِف كل من الدروز والنزارية الإسماعيلية بأنهم كانوا منافسين رئيسيين للعلويين على قلوب وعقول سكان الريف في غرب سوريا. انخرط العلويون في صراعات مع الإسماعيليين، أبرزها في عهد رشيد الدين سنان (ت. 1193) الذي يُنظر إليه على أنه ضغط على الطائفة العلوية. ومع ذلك، يوضح الفصل أن العلاقة لم تكن عدائية بشكل كامل، فبعض العلويين انضموا إلى سنان لمحاربة الصليبيين، مما يعكس أن التحالفات كانت تُبنى على أسس استراتيجية وليست عقائدية بحتة.
يناقش الفصل شخصية مكزون السنجاري المحورية، الذي يعتبره المؤلف الشخصية الأبرز في التاريخ العلوي. وُلد مكزون حوالي عام 1188 أو 1193 في جبل سنجار في شمال العراق، ويُعتقد أنه جاء لغرب سوريا مع جيش ضخم لإنقاذ العلويين المستضعفين. لم يكن دوره عسكرياً فحسب، بل كان أيضاً شاعراً صوفياً ومصلحاً دينياً. تشمل إسهاماته الفكرية انتقاده للتصوف المفرط في الوحدة (وحدة الوجود)، ورفضه الظاهري لمبدأ التقية، وتبنيه لمبدأ الجهاد كواجب على كل مؤمن. يرى وينتر أن مكزون ساهم في "علمنة" المجتمع العلوي ودمجه بشكل أوضح كطائفة متميزة. وبعد وصوله، استولى على قلعة أبو قبيس وجعلها مركزاً له، بينما استولى ابنه على قرية بعـرين القديمة. الأهم من ذلك أن القبائل التي يُنسب إليها العلويون اليوم، مثل الهدادية والمطاورة والمحالبة والنميلاتية وبني علي، يُعتقد أنها تنحدر من جنود مكزون وعائلاتهم الذين هاجروا معه.
على عكس السردية التقليدية للاضطهاد، يقدم الفصل أدلة على أن العلويين كانوا مندمجين بشكل جيد في إدارة الدولة المملوكية. يستشهد المؤلف بمصادر متنوعة، من الحكايات الشخصية والمناظرات اللاهوتية إلى دواوين البلاط المملوكي وسجلات الضرائب العثمانية، لإظهار أن "الجبل العلوي" لم يكن منعزلاً عن العالم المحيط. يرفض وينتر الاعتماد على فتاوى ابن تيمية أو أي نصوص معيارية أخرى كمقياس فعلي للتجربة العلوية تحت حكم المماليك، محذراً من أن هذه النصوص لا تعكس بالضرورة الواقع. حتى أن الفصل يذكر أن إحدى الحوادث النادرة الموثقة للعنف الطائفي، وهي ثورة ضريبية ذات دوافع مسيانية في قضاء جبلة عام 1318، قد تم تضخيمها في الدراسات الحديثة باعتبارها نموذجية لمصير العلويين، بينما يرى المؤلف أنها ربما لم تكن سوى حادثة استثنائية أُسيء فهمها.
أخيراً، يخلص الفصل إلى أن تحول العلويين من "دعوة" دينية عالمية إلى "أقلية" متميزة يعكس التحولات الكبرى في مجتمع الشرق الأوسط في العصور الوسطى. العلويون، بحسب وينتر، لم يكونوا "شاذين دينياً" قبل أن يضع علماء العصر العباسي والبويهي معايير الأرثوذكسية، ولم يكونوا "طائفيين" قبل مواجهتهم لأقرانهم الدروز والإسماعيليين والإماميين والسنة، ولم يكونوا "قبليين" قبل أن يُجبروا على التنظيم العسكري بهذه الطريقة في القرن الثاني عشر. حقيقة أن النصيريين أو العلويين لا يظهرون تقريباً في أي سجلات العصور الوسطى تشير إلى أنهم لم يكونوا محسوسين كـ "آخر" طائفي أو قبلي داخل المجتمع الإسلامي الأوسع في ذلك الوقت. لكن تدوينهم كجماعة مميزة في سجلات الدولة، وهجمات الإسماعيليين والصليبيين، وفتاوى علماء السنة المتشددين، وحملات مكزون السنجاري، كلها ساهمت في نحت هويتهم كأقلية مضطهَدة ومناضلة ومرتبطة بأرضها، وهي هوية ستستمر معهم عبر العصور.
يمكن القول إن الفصل يقدم مراجعة نقدية وجريئة للسردية التاريخية التقليدية حول العلويين، والتي تختزل تاريخهم في دائرة من الاضطهاد المستمر. حجة المؤلف القائلة إن تركز العلويين في الجبال كان نتاج "انحسار مد" تشيعي وليس هروباً من اضطهاد، إلى جانب الأدلة على اندماجهم في الدولة المملوكية، تشكل تحدياً كبيراً للخطابات القومية والدينية المعاصرة. الفصل يستند بشكل كبير على مصدر داخلي هو كتاب "خير السنية" الذي يعتبر كنزاً من المعلومات عن الشخصيات والقبائل والصراعات اللاهوتية العلوية، مما يعطي عمقاً وموثوقية للتحليل. مع ذلك، قد يترك القارئ مع تساؤل حول مدى تمثيل "خير السنية" لجميع فئات المجتمع العلوي في العصور الوسطى، وما إذا كان صوته يعبر فقط عن رأي النخبة الدينية المثقفة التي كانت تسعى لترسيخ سلطتها، بينما قد تكون الأغلبية من عامة العلويين قد عاشت تجربة مختلفة تماماً، لم توثقها هذه النصوص بل انعكست في الممارسات الشعبية التي ينتقدها شيوخ مثل الخليفة التنوخي.
3.المسح والعقاب: اندماج العلويين في الإمبراطورية العثمانية (1516–1645)74–118▼ ملخص
هذا ملخص أمين للفصل الثالث من كتاب "A History of the Alawis" لـStefan Winter، بعنوان "المسح والعقاب: اندماج العلويين في الإمبراطورية العثمانية (1516–1645)".
يتناول هذا الفصل محوريًا فترة حاسمة من تاريخ العلويين، وهي اندماجهم في الإمبراطورية العثمانية بعد الفتح العثماني لسوريا في بدايات القرن السادس عشر. الإجابة التي يقدمها المؤلف واضحة ومباشرة: خلافًا للروايات التاريخية الشائعة التي تتحدث عن اضطهاد ممنهج، لم تكن سياسة الدولة العثمانية تجاه العلويين قائمة على أساس ديني أو أيديولوجي بحت. بدلاً من ذلك، كانت سياسة براغماتية تهدف إلى تعظيم العائدات الضريبية وفرض السيطرة الإدارية على منطقة جبلية نائية، مع استعداد كبير للتسامح مع الهرطقة الدينية مقابل تحقيق الاستقرار المالي والأمني.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئًا بمناقشة الفتح العثماني نفسه وتفنيد أسطورة "مذبحة حلب". ويشير إلى أن الادعاءات التي يروجها بعض المؤرخين العلويين المعاصرين، مثل أمين طويل، بأن السلطان سليم الأول ذبح "ملايين" العلويين في حلب غير مدعومة بأي دليل من المصادر التاريخية العثمانية أو العربية المعاصرة. يوضح المؤلف أن رقم 40 ألف ضحية هو في الواقع أسلوب أدبي تكرر في النصوص العثمانية عن حملات أخرى، ولا يوجد أي ذكر لصراع طائفي خلال فتح حلب. في الواقع، يبدو أن العلاقة بين المماليك والصفويين، خصوم العثمانيين، لم تكن جيدة أبدًا، مما يضعف فكرة أن العلويين كانوا مستهدفين بسبب تحالف مزعوم مع الشيعة الصفويين. يستنتج المؤلف بثقة أن رواية "مذبحة حلب" هي بناء هوياتي متأخر وليست حقيقة تاريخية.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة واقع أكثر تعقيدًا وهو تمرد العلويين في المناطق الجبلية الساحلية مباشرة بعد الفتح. باستخدام سجلات التحرير العثمانية (Tahrir Defterleri) كمصدر رئيسي، يكشف المؤلف أن العلويين لم يستسلموا ببساطة، بل قاوموا الوجود العثماني لعقود. تشير الإشارات الهامشية في سجلات 1519 (TD 68) إلى أن قرى بأكملها كانت في حالة ثورة، مما أدى إلى قيام حملة عسكرية عثمانية في 1529 بقيادة فرهاد باشا. هذه الحملة لم تكن استئصالًا دينياً، بل كانت عملية عقابية لفرض السيطرة وجباية الضرائب. النتيجة النهائية بحلول منتصف القرن السادس عشر لم تكن إبادة، بل إعادة إدماج، حيث عاد معظم العلويين إلى أراضيهم كفلاحين خاضعين للضريبة.
يخصص القسم الأكبر من الفصل لتحليل متعمق لضريبة الدرهم الرجال (dirhemü'r-rical)، وهي ضريبة على الذكور وُجدت في العصر المملوكي وواصل العثمانيون فرضها. هذه الضريبة، التي تُجمع فقط من القرى المعروفة بأنها علوية، تصبح أداة رئيسية للمؤرخ. من خلال تتبعها في سجلات التحرير، يقدم المؤلف خريطة ديموغرافية وإدارية دقيقة للمجتمع العلوي. الضريبة كانت مؤشراً على الاعتراف الرسمي بالعلويين كجماعة متميزة (طائفة)، ولكنها لم تكن بالضرورة أكثر قسوة من الضرائب الأخرى، ولم تكن تعبيراً عن اضطهاد ديني بقدر ما كانت أداة مالية. يشير المؤلف إلى أن العثمانيين ألغوا ضرائب أخرى كانت تميز ضد الشيعة، مثل ضريبة السرحة على الإسماعيليين وضريبة على الشيعة الإثني عشرية المسافرين إلى النجف. هذا يؤكد أن الهدف العثماني لم يكن أيديولوجياً بل بيروقراطياً: توحيد الإدارة وزيادة الإيرادات.
يواصل الفصل توثيق اندماج العلويين الإداري من خلال تقديم قوائم تفصيلية مستخلصة من سجلات التحرير. على سبيل المثال، في سجلات 1526 (TD 996) لواء طرابلس، تم تحديد 35 قرية علوية تدفع الدرهم الرجال، من بينها خربة عفرين وبدروسية ومشتى الحلو. في سجلات 1564 (TD 372)، كان العدد 21 قرية. هذه الأرقام، رغم محدوديتها، تدل على وجود مجتمع زراعي منظم ومعترف به رسمياً. التحليل الأهم يتعلق بضريبة الدرهم الرجال على الأزواج العزاب، التي لم تكن جزءاً من الشريعة الإسلامية (حيث لا يدفع غير المسلمين مثل هذه الضريبة عن العزوبية). يشير المؤلف إلى أن هذا يدل على أن العثمانيين تعاملوا مع العلويين كجماعة مستقلة، وليس كمسلمين أو غير مسلمين، مما يمنحهم وضعاً قانونياً غامضاً ومتميزاً.
في الأقسام الأخيرة، ينتقل الفصل من السجلات الضريبية المجردة إلى الوثائق الإدارية الحية: الأوامر الإمبراطورية (الأحكام) المرسلة من إسطنبول إلى ولاية جبلة. هذه الوثائق تكشف عن صراع السلطة اليومي بين الدولة والطائفة العلوية. التهديد الرئيسي لم يكن العقيدة الدينية، بل العصيان المسلح واللصوصية، وأبرزها تمرد قبيلة كلبية في أواخر القرن السادس عشر. يورد الفصل مثالاً لأمر في 1573 (رقم 980) يأمر بالقبض على زعيم عشيرة كلبية، ابن أبي ريشة. وفي مثال آخر في 1586، يأمر السلطان مراد الثالث بالقبض على "الخونة من قبيلة الكلبية" بعد أن هاجموا القوافل والتجار. في كل هذه الوثائق، يلاحظ المؤلف أن سبب التمرد يُعزى دائماً إلى العصيان المالي أو الفوضى الأمنية (الحرابة)، وليس إلى الهرطقة الدينية. المصطلحات المستخدمة هي "الرفض" أو "الحرابة" وليس "الكفر" أو "الزندقة". هذا يؤكد الأطروحة المركزية للفصل: أن الدولة العثمانية نظرت إلى العلويين كمجموعة قبلية متمردة يجب إخضاعها إدارياً، وليس كطائفة هرطقة يجب استئصالها دينياً.
وفي خاتمة الفصل، يعود Stefan Winter إلى الإطار المفاهيمي الأوسع الذي طرحه في بداية الفصل السابق، وهو "عقدة الاضطهاد". يقر المؤلف بحقيقة أن الخوف بين العلويين من "السنّة" هو خوف حقيقي وليس غير عقلاني، خاصة في ظل استشهاد الإسلاميين المعاصرين بفتاوى ابن تيمية لتبرير العنف ضدهم. ومع ذلك، يصر على أن تحميل الماضي العثماني (أو المملوكي) مسؤولية هذا الصراع الحالي هو إسقاط تاريخي خاطئ. الفصل لا ينفي وقوع عنف وقمع، لكنه يقدمه في سياقه الصحيح: ليس كجزء من عداء ديني أبدي، بل كجزء من صراع دولت-قبيلة، دولة-ريف، على الموارد والسيادة. كان العلويون "متمردين" لأنهم كانوا فلاحين في جبال نائية يقاومون دفع الضرائب للدولة المركزية البعيدة، وليس لأنهم كانوا "كفرة". التفسير الأخير هو بناء لاحق لكتابات التاريخ المتأثرة بالسياسة الحديثة.
في المجمل، ينجح الفصل في تحقيق هدفه بتقديم صورة معقدة ودقيقة. إنه يرفض السردية التبسيطية التي تصور العلويين كضحايا دائمين للاضطهاد السنّي، ويقدم بدلاً من ذلك دليلاً على أنهم كانوا فاعلين في تاريخهم، يقاومون ويتفاوضون ويندمجون مع الدولة العثمانية وفق قواعد الإمبراطورية البراغماتية. التحليل العميق للسجلات الضريبية والإدارية، على الرغم من جفافها، يكشف عن واقع حيوي ومتغير، بعيداً عن الصور النمطية للاضطهاد أو العزلة الجبلية. الفصل دعوة قوية لإعادة النظر في تاريخ العلويين، ليس كقصة استثنائية من الاضطهاد، بل كجزء لا يتجزأ من تاريخ الدولة العثمانية وصراعاتها المألوفة على السلطة والموارد في الريف السوري. التحدي الأكبر في حجة المؤلف هو صعوبة الفصل الكامل بين الدافع الديني والإداري في الدولة العثمانية، التي ادعت لنفسها ولاية دينية. لكن الأدلة الواردة من الوثائق الرسمية تدعم بشكل مقنع وجهة نظره البراغماتية.
4.عصر الاستقلالية: الوجهاء العلويون كملتزمي الضرائب العثمانيين (1667–1808)119–160▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحوّل جوهري في تاريخ العلويين خلال الفترة الممتدة بين 1667 و1808، حيث ينتقل بهم المؤرخ من كونهم مجرد رعايا خاضعين للتعداد والضرائب، إلى ظهور طبقة من الوجهاء العلويين الذين أصبحوا هم أنفسهم ملتزمي ضرائب وممثلين للدولة العثمانية في المناطق الجبلية الساحلية. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن حالة "الاستقلالية" النسبية التي تمتع بها هؤلاء الوجهاء لم تنشأ من بنية قبلية داخلية أو تقليدية، بل كانت نتاجاً مباشراً لتحولات في السياسة الإدارية العثمانية، وتحديداً نظام الالتزام (إقطاع الضرائب) الذي ظهر بقوة في القرن الثامن عشر، إضافة إلى الظروف الاقتصادية الملائمة مثل ازدهار زراعة التبغ التجارية في مرتفعات اللاذقية.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه الفكرة، مبتدئاً بمناقشة مفهوم "القبلية" العلوية نفسها. يوضح المؤلف أن الانقسامات القبلية الشهيرة مثل الشميسية والقمرية لم تكن نتاجاً طبيعياً لبنية اجتماعية قديمة، بل إن الإدارة العثمانية هي التي عززت و"اصطنعت" هذه القبائل من خلال تعاملها معها كوحدات إدارية وجباية. يُستشهد برأي عالم الأنثروبولوجيا ديفيد سنيث الذي يصف فكرة "المجتمع القبلي العضوي" بأنها "خيال تام"، ويجادل بأن التنظيم تحت رؤساء معينين هو "فعل إداري" أكثر منه نتاج صلة قرابة أصلية. هذا يعني أن الوجهاء والزعماء العلويين، مثل عائلة الشمسين (شبلي) في صافيتا وعائلة آل الشليف في الشمال، هم نتاج مباشر لسياسة الدولة العثمانية التي كانت تحتاج إلى وسطاء محليين لجمع الضرائب وفرض النظام.
لتأكيد هذه الفكرة، يستند الفصل إلى وثائق تاريخية غنية، أبرزها سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس والتي تعود لأواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر. هذه السجلات تقدم لمحة نادرة عن الحياة الاقتصادية والعائلية والسياسية لوجهاء علويين مثل الأخوين محمد وزيدان بن شمسين. في أقدم عقد التزام لصافيتا يعود لشهر مارس 1667، نرى أن هذين الأخوين يحصلان على حق جباية ضرائب المنطقة مقابل 15,000 قرش سنوياً. الوثيقة لا تظهرهم كزعماء قبليين بالوراثة، بل كأفراد تقدموا لطلب الالتزام، واضطروا إلى تقديم رهائن (من أبنائهم ونسائهم) لدى السلطات في طرابلس لضمان السداد. هذا الإجراء القياسي يظهر أنهم كانوا جزءاً من نظام إداري بيروقراطي، وليس زعماء يتمتعون بسلطة ذاتية.
يستخدم الفصل العديد من الأمثلة لتطوير هذه الحجة، ويبرز كيف أن علاقة الوجهاء بالدولة كانت متقلبة ومبنية على النفعية المتبادلة. فمن جهة، كانت عائلة الشمسين تتمتع بنفوذ واسع في صافيتا طوال القرن الثامن عشر، حيث نرى شخصيات مثل الشيخ شبلي (الذي هرب في 1721 متخلفاً عن التزاماته المالية) وابنه درويش بن شبلي (الذي ظهر كشخصية بارزة في عقد التزام بقيمة 27,000 قرش في 1729). هذه العقود تُظهر أيضاً تورط العائلة الممتدة بشكل جماعي؛ ففي عقد مارس 1740، نجد أكثر من اثني عشر فرداً من العائلة يوقعون كضامنين، إلى جانب شيوخ قرى ومقدمين علويين آخرين. هذا التطور يوضح كيف أصبحت العائلة بأكملها ملزمة بشكل جماعي تجاه الدولة، وليس مجرد زعيم فردي.
من ناحية أخرى، لم يخلُ حكمهم من المشاكل والديون المتراكمة وصراعات النفوذ. في 1749، كان على درويش وملحم أن يتعاقدا على جزء من إلتزام صافيتا مقابل 24,050 قرش، بينما بلغت متأخراتهم السابقة 20,143 قرشاً إضافية. هذا المديونية المتزايدة لم تكن بالضرورة علامة ضعف بقدر ما كانت أداة بيد الدولة للحفاظ على تبعية الوجهاء وولائهم، كما يشير المؤلف. هذه الحالة من التبعية المالية والضغوط كانت هي القاعدة، وليست حالة الحرية والاستقلال المطلقة التي قد يوحي بها عنوان الفصل.
أما بالنسبة لشمال سوريا ومنطقة جبلة، فالتاريخ أكثر غموضاً بسبب فقدان سجلات المحكمة المحلية. لكن الفصل يستخدم وثائق عثمانية أخرى لإلقاء الضوء على عائلة آل الشليف، ويظهر تداخلهم مع أمراء الإقطاع الأقوياء مثل رستم أغا. في نهاية 1691، أصدر الباب العالي أمراً بطرد أو قتل عدد من المقدمين العلويين في جبلة، من بينهم محمد بن شليف، بتهمة التآمر مع عشائر تركمانية والتسبب بعجز في الضرائب. هذا المثال يوضح أن العديد من العائلات العلوية الشمالية كانت تواجه قمعاً وتهديداً مباشراً أكثر من غيرها، مما يسلط الضوء على التباين في العلاقة بين الدولة والوجهاء في المنطقتين الجنوبية والشمالية.
في الختام، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش بوضوح، وهي أن تجربة العلويين في العصر العثماني لم تكن استثنائية أو مبنية على الاضطهاد الديني كما هو شائع في الكتابات التاريخية الحديثة. بدلاً من ذلك، يثبت الفصل باستخدام الوثائق أن الدولة العثمانية تعاملت مع العلويين كمواطنين (رعايا) يجب جباية أموالهم وضبطهم، تماماً مثل أي جماعة سكانية أخرى. الوجهاء العلويون لم يكونوا مقاومين للإمبراطورية، بل كانوا "تجسيداً حقيقياً" لسلطتها في المناطق الريفية. هذه العلاقة لم تكن خالية من العنف والثورات، لكن القلق العثماني الأساسي كان موجهاً نحو استغلال القادة المحليين للفلاحين، وعدم وجود قيادة واضحة بين العلويين، وقدرتهم على دفع الضرائب، دون أي اهتمام يذكر بمعتقداتهم الدينية. هذا الطرح ينقض بشكل جذري فكرة أن تجربة العلويين مع الحكم العثماني كانت محددة سلفاً بالظلم والقمع الديني.
5.الإصلاح الإمبراطوري والاستعمار الداخلي: المجتمع العلوي في مواجهة الحداثة (1808–1888)161–217▼ ملخص
ملخص الفصل الخامس: «الإصلاح الإمبراطوري والاستعمار الداخلي: المجتمع العلوي في مواجهة الحداثة (1808–1888)»
يتناول هذا الفصل التحولات الجذرية التي شهدها المجتمع العلوي في سوريا خلال القرن التاسع عشر، في ظل تراجع السلطة العثمانية المركزية وبروز سياسات إصلاحية حديثة. يرى المؤلف أن هذه الفترة لم تكن مجرد سردية لسيطرة الدولة الحديثة على المجتمع، بل كانت مرحلة تفاعل معقد، تمكن فيها العلويون، رغم الضغوط الهائلة، من تكييف خطاب الحداثة لصالحهم والمشاركة في تشكيل تاريخهم الخاص.
يبدأ الفصل بوصف اختفاء إيالة طرابلس العثمانية ككيان إداري مستقل، بسبب صعود نجم بيروت وعكا وتنافس ولاة صيدا ودمشق على النفوذ. في هذا الفراغ السياسي، برز مصطفى آغا بربر، وهو شخصية محلية من أصل متواضع، ليصبح الحاكم الفعلي للمنطقة منذ عام 1801. يشير الفصل إلى أن علاقة بربر بالعلويين كانت متوترة ومتقلبة، وتراوحت بين تحصيل الضرائب عبر القوة والحملات العسكرية الوحشية، كما حدث في حملته على جبة والقرداحة في خريف 1811، والتي انتهت بهدنة بعد أن أحرق العلويون قراهم ترقباً لهجومه. يوضح المؤلف أن هذه الصراعات لم تكن دينية بحتة، بل كانت غالباً ورقة سياسية في لعبة التنافس الإقليمي بين بربر وأعدائه مثل جنچ يوسف باشا والي دمشق.
يسلط الفصل الضوء على تصاعد خطاب الكراهية الطائفي ضد العلويين خلال هذه الفترة، ويتناول شخصية الشيخ المغربي، وهو شيخ ديني من اللاذقية، يُذكر أنه أحد أبرز المنظرين للتمييز ضد العلويين في القرن التاسع عشر. كان الشيخ المغربي قد هاجر من المغرب الأقصى، وعُرف بعدائه الشديد للعلويين، متهماً إياهم بالكفر والزندقة، ومحرضاً ولاة الأمر على قتالهم بوصفهم "أهل البغي والفساد". يُظهر الفصل أن هذه الدعوات التحريضية وجدت أرضاً خصبة في ظل السياسات المتقلبة للحكام المحليين، مما أدى إلى تدهور أوضاع العلويين ووصفهم بأنهم "مارقون" عن الدين والدولة، وصولاً إلى ممارسات وحشية مثل قطع الرؤوس وعرضها كجوائز حرب.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة الاحتلال المصري (1831-1841) بقيادة إبراهيم باشا، والتي تمثل عودة قوية للسلطة المركزية. يوضح المؤلف أن العلويين، تحت حكم زعمائهم الإقطاعيين مثل سقر بن محفوظ الشمصين، عانوا بشدة من سياسات التجنيد الإجباري وزيادة الضرائب التي فرضها المصريون. أدى هذا القمع إلى دفع النخبة العلوية إلى الانقلاب ضد الحكم المصري، ودعم العثمانيين الذين كانوا يمثلون سلطة أضعف وأكثر بعداً. كانت هذه لحظة مفصلية، حيث أدرك العلويون أن السلطة البعيدة (العثمانية) أفضل لهم من السلطة القريبة والفعالة (المصرية). يقدم الفصل وثائق تظهر أن زعماء علويين مثل دنادش ابن سقر، تعاونوا مع العثمانيين والمقاومة الشعبية، مما ساهم في إضعاف الحكم المصري.
في مرحلة التنظيمات (العهد الإصلاحي العثماني)، يشير الفصل إلى تناقض واضح في سياسة الدولة تجاه العلويين. فمن جهة، سعت التنظيمات إلى دمج جميع الرعايا بغض النظر عن مذهبهم، وأصدرت قوانين للمساواة بين المسلمين وغير المسلمين. وشمل ذلك العلويين نظرياً، الذين تم الاعتراف بهم كـ "رعايا عثمانيين". لكن من جهة أخرى، تضمنت هذه الإصلاحات إجراءات جديدة للسيطرة الاجتماعية، مثل التجنيد الإجباري، والتعليم الحديث، وفرض قوانين تنظيم الأراضي والمقابر. يوضح المؤلف أن هذه السياسات كانت بمثابة "استعمار داخلي"، حيث سعت الدولة إلى اختراق المجتمع العلوي وتنظيمه و"تحضيره" وفق نموذج الدولة الحديثة، مما هدد استقلاليته التقليدية.
يكشف الفصل كيف استجاب العلويون لهذه التحديات بطرق مرنة. بدلاً من المقاومة العمياء، تبنى بعض زعمائهم خطاب الإصلاح وتقديم الولاء للسلطان. وثائق الأرشيف العثماني تشير إلى أن شيوخاً علويين، مثل يوسف بك من بانياس، تواصلوا مع السلطان عبد الحميد الثاني، طالبين بناء مدارس حديثة في مناطقهم وأرسلوا ممثلين عنهم إلى إسطنبول للتأكيد على ولائهم. هذا التوجه أظهر أن العلويين فهموا أدوات الدولة الحديثة واستخدموها للدفاع عن مصالحهم، مع الحفاظ على هويتهم المذهبية. كما بدأ بعض العلويين بالعمل كموظفين في الدولة، أو كتجار في المدن الكبرى، مما ساهم في تغيير صورتهم النمطية كجماعة جبلية منعزلة.
يوثق الفصل أن سياسات الاستعمار الداخلي والنزعة الطائفية أدت إلى تفاقم الفقر داخل المجتمع العلوي نفسه. يشير المؤلف إلى أن ادعاءات الفقر المدقع التي استخدمها دعاة النظام لاحقاً لتبرير ظلم العلويين، أو استخدمها العلويون أنفسهم لاستجداء التعاطف، هي تبسيط مفرط للواقع. الحقيقة هي أن هناك تفاوتات اقتصادية كبيرة داخل المجتمع العلوي نفسه، حيث كان كبار الملتزمين (مثل آل شمصين وآل رسلان) يسيطرون على الثروة ويفرضون نفوذهم على الفلاحين الفقراء. هذه الفجوة الاقتصادية الداخلية، وليس فقط الاضطهاد الخارجي، كانت سبباً في هجرة العديد من العلويين للعمل كأجراء في المدن الكبرى مثل حمص وحماة، مما ساهم في اندماجهم وتحولهم التدريجي.
في الختام، يعترف الفصل بأن هذه الفترة شهدت ضغوطاً هائلة على المجتمع العلوي، لكنه يطرح حجة قابلة للنقاش: أن العلويين لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين للحداثة، بل لعبوا دوراً فاعلاً في تكييفها وفق مصالحهم. استخدامهم للأرشيف العثماني، ومطالبتهم بالمدارس، وولائهم المشروط للدولة الحديثة، كلها كانت استراتيجيات سمحت لهم بالبقاء والازدهار ضمن إطار الدولة القومية الناشئة. مع ذلك، يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مدى نجاح هذه الاستراتيجيات في تحقيق اندماج حقيقي، وحول الجذور العميقة للتوترات الطائفية التي ستظهر مجدداً في القرن العشرين، مما يجعله مدخلاً مهماً لفهم تعقيدات الهوية العلوية في سوريا الحديثة.
6.ليسوا بعدُ قوميين: العروبة والكمالية والعلويون (1888–1936)218–268▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على علاقة العلويين المتوترة مع المشاريع السياسية الكبرى في أواخر العصر العثماني وفترة الانتداب الفرنسي، أي العروبة والكمالية والاستعمار الفرنسي، ويجادل بأن العلويين وجدوا أنفسهم مراراً في "غرفة انتظار التاريخ"، حيث كان يُطلب منهم استيفاء شروط قبل قبولهم كمواطنين كاملي الحقوق. يوثق الفصل كيف أن كل نظام حاول "رفع" وتطوير العلويين، سواء كان السلطان عبد الحميد الثاني أو جمعية الاتحاد والترقي أو الإدارة الفرنسية أو الحكومة الكمالية، جعلهم يدركون أن هويتهم وولاءهم خاضعان للتعريف وإعادة التعريف من قبل الآخرين، وأن رغباتهم الخاصة لم تكن مهمة في القرارات التي تتخذ باسمهم.
يسير الفصل بتسلسل زمني، مبتدئاً بسياسات إعادة التعليم الحميدية. في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، حظي بناء المدارس في المناطق الساحلية للعلويين بدفع جديد. فمنذ أكتوبر 1889، شرعت الدولة في حملة "تصحيح العقائد" لتحويل العلويين إلى المذهب الحنفي، مدفوعة بالرغبة في مواجهة النفوذ التبشيري المسيحي وتعزيز الوحدة الإسلامية. في ربيع 1890، أبلغت وزارة الداخلية القصر بأن خمسة عشر ألفاً من العلويين في اللاذقية وأربعين ألفاً في مرقب قد اعتنقوا الإسلام، وأوصت ببناء مساجد ومدارس لهم. لعب المسؤولون المحليون مثل محمد ضياء بك، متصرف اللاذقية (1885–1892)، دوراً كبيراً في إغلاق المدارس التبشيرية البروتستانتية والضغط لصالح عودة العلويين إلى الإسلام. بحسب تقديرات ضياء بك، كان هناك أكثر من 120 ألف شخص من الطائفة النصيرية منتشرين بين الأناضول والعربستان بحاجة إلى إعادة تعليم. توضح الوثائق أن 60 ألف بطاقة هوية جديدة صدرت للعلويين في يوليو 1893 مع تصحيح تسمية طائفتهم.
بالانتقال إلى عهد جمعية الاتحاد والترقي (1908–1914) وما بعده، يناقش الفصل استمرار إجراءات السيطرة والتطوير، مع تركيز خاص على كيف استغل العلويون فرص التعليم الحديث والاتصال بالعالم الخارجي لتعزيز "إصلاحية" محلية خاصة بهم. ثم ينتقل الفصل إلى علاقة العلويين بالحرب العالمية الأولى والنضال من أجل الاستقلال، مسلطاً الضوء على تعاون صالح العلي، زعيم المقاومة العلوي، مع الحكومة الكمالية في أنقرة. تُظهر وثائق أرشيف ATASE العسكري مدى تنسيق صالح العلي مع الأتراك الكماليين، وهي حقيقة معقدة غالباً ما تُغفل في الروايات القومية العربية.
يقارن الفصل بين السياسة الفرنسية الانفصالية القائمة على الطائفية، والتي تجلت في إنشاء "دولة العلويين" (لاحقاً "حكومة اللاذقية") بهدف إعاقة الوحدة السورية، وبين العزم التركي على دمج واستيعاب علويي كيليكيا ولواء الإسكندرونة (هاتاي). تصل الدراسة إلى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، وتنتهي بنقاش حول المصير غير المؤكد للعلويين في كل من الدولة السورية والتركية. يشير المؤلف إلى أن مصادر الجمهورية التركية حول التعليم وتحسين النسل كشفت عن رغبة الحكومة الكمالية في جعل العلويين أتراكاً خالصين، عبر إعادة تعريفهم كأتراك "حيثيين" بهدف تسريع اندماجهم واختفائهم في الأمة التركية الكبرى.
يعترف المؤلف صراحةً بحدود هذا الفصل، حيث يصف الاستنتاجات بأنها "مؤقتة ومفتوحة" وقد تثير أسئلة أكثر مما تجيب. يقرر المؤلف عدم تناول التاريخ المعاصر للعلويين، وخاصة صعودهم داخل سوريا المستقلة وصولاً إلى الحرب الأهلية، تاركاً هذا المجال لمتخصصين آخرين. يُعزى هذا القرار إلى الانقطاع الذي أحدثه اختفاء الإمبراطورية العثمانية وطبيعة المصادر المتاحة؛ فبينما تتوفر وثائق أرشيفية غنية عن الفترات السابقة، فإنها إما غير متاحة أو غير قابلة للوصول بالنسبة للفترات الأحدث. يخلص المؤلف إلى أن اندماج العلويين في الجمهوريتين السورية والتركية العلمانيتين يجعل معاملتهم كـ"مجتمع" طائفي منفصل أمراً متزايد الإشكالية، داعياً إلى النظر إلى تطورهم الاجتماعي ضمن أطر أكثر شمولية مثل التحديث الريفي والتعبئة السياسية الجماهيرية والمحسوبية الاقتصادية والعسكرية. من نقاش الفصل، تبرز فكرة أن العلويين اختبروا القوميات المتنافسة (العربية والتركية) ليس كخيار أيديولوجي، بل كإطار عملي للبقاء والتفاوض على مكانتهم، وهو ما يتحدى السرديات القومية الأحادية.
7.خاتمة: من الطائفي إلى المحلي269–325▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل الختامي من كتاب "تاريخ العلويين" لستيفان وينتر نقطة تحوّل حاسمة في مسار الجماعة العلوية، حيث ينتقل من التركيز على هويتها الدينية المنفردة إلى موقعها كمجموعة محلية تتقاسمها دولتان قوميتان حديثتان هما سوريا وتركيا. الموضوع المحوري للفصل هو فشل كل من سياسات التمايز الطائفي التي انتهجتها فرنسا في سوريا وسياسات الاندماج القومي القسري التي طبقها الكماليون في تركيا في تحقيق هدفهما النهائي: جعل العلويين مواطنين كاملي الحقوق في أي من البلدين. الإجابة التي يقدّمها المؤلف هي أن كلا النهجين قدّم خدمة سيئة للعلويين، إذ تركهم في "طريق مسدود هوياتي" بين رفض الاندماج الكامل وعدم القبول به.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تتبع انهيار ثورة صالح العلي، قائد المقاومة العلوي ضد الفرنسيين، التي انتهت بهزيمته النهائية في 2 يونيو 1922. في البداية، يوضح كيف تحوّل صالح العلي من حليف للحركة الكمالية التركية، كما يظهر في مراسلاته مع مصطفى كمال أتاتورك في يناير 1921 حيث خاطبه بـ"مجاهد" وطلب السلاح، إلى قائد محاصر يائس يرسل استغاثته الأخيرة إلى أنقرة في 17 يوليو 1921 مهدداً بالسير إلى الصحراء إن لم يتلقّ المساعدة. كان السبب الجذري لهزيمته هو توقيع اتفاقية أنقرة بين فرنسا وتركيا في 20 أكتوبر 1921، التي أنهت أي دعم خارجي للثوار وأدّت إلى استسلام آخر مساعديه. بعد هذا الهزيمة، تم تشكيل "دولة العلويين" في 31 أغسطس 1922 ككيان منفصل تحت الانتداب الفرنسي، وتمّ إخضاع صالح العلي للإقامة الجبرية.
يُظهر الفصل كيف أنشأت فرنسا إطاراً قانونياً وسياسياً للتمييز الطائفي. فإلى جانب إنشاء دولة منفصلة، تمّ الاعتراف بقانون أحوال شخصية علوي منفصل في عام 1922، مما أخرج قضايا الأسرة والأوقاف من اختصاص القضاة السنة وجعلها تحت محاكم علوية معترف بها من الدولة. كما استفاد العلويون بشكل كبير من التجنيد الجماعي في الجيش السوري الاستعماري (الفيلق السوري أو القوات الخاصة في المشرق)، حيث يشير الفصل إلى أن الفقر في الجبال الساحلية جعلهم الطائفة الأكثر تمثيلاً في هذا الجيش خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. هذه السياسات، بحسب المؤلف، عرّفت العلويين لأول مرة ككيانات سياسية فعلية، لكنها أثارت انقساماً عميقاً داخل المجتمع العلوي نفسه بين "انفصاليين" يفضلون الحكم الفرنسي و"اتحاديي" يطالبون بالوحدة مع سوريا. ويكشف الفصل عن وثيقة مهمة في أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، وهي عريضة موقعة من 87 شخصية علوية بارزة في يوليو 1936، من بينها علي سليمان الأسد والد الرئيس السوري المستقبلي، والتي تندد بشدة بـ"الديكتاتورية المتقلبة" و"الاستبداد الخائن" للحاكم الفرنسي إرنست شوفلر، وتؤكد أن العلويين مسلمون مثل غيرهم وأن دينهم لا يمكن أن يكون أساساً لدستور شعب.
في المقابل، يركز الفصل على سياسة الاندماج القومي القسري التي اتبعتها تركيا الكمالية تجاه العلويين في منطقة كيليكيا ولاحقاً في لواء إسكندرون (هاتاي). فبعد توقيع اتفاقية أنقرة، بدأت السلطات التركية في عام 1924 حملة "تتريك" شاملة طالت العلويين. ويوضح الفصل أن هذه الحملة لم تقتصر على إنكار الحكومة للوظائف ومنع استخدام اللغة العربية، بل تجاوزت ذلك إلى تدخل في العلاقات الاجتماعية. ففي العام 1937، قررت "لجنة الثقافة" التابعة لحزب الشعب الجمهوري في أضنة وميرسين أن التحدث بأي لغة غير التركية هو "جريمة وطنية" لأبناء العلويين. والأكثر تطرفاً، تم تخصيص ميزانية رسمية تبلغ 2000 ليرة تركية في العام نفسه "لترتيب زيجات بين الإيتي [العلويين] والأوغوز [الأتراك الحقيقيين]"، بهدف خلق اندماج ديموغرافي قسري. وقد صدرت أوامر تنفيذية رسمية في يوليو 1938 وأغسطس 1939 بتوقيع الرئيسين أتاتورك وإينونو لتخصيص أموال لتعليم "التركية الأم" للعلويين ودعم مهور الزيجات المختلطة. هذا مفهوم "الإيتي ترك" (الأتراك الحثيين) الذي طورته الدعاية القومية لحرمان العلويين من هويتهم العربية وإثبات أنهم أصل الأتراك.
في القسم الأخير من الفصل، يقرّ المؤلف بوجود تحفظات وحدود واضحة في بحثه. فهو يعترف بأن "دراسة شاملة" لتطور العلويين في سوريا وتركيا الحديثتين تحتاج إلى مصادر أكثر تنوعاً ويجب أن تترك لدراسات لاحقة. ويشير إلى أن تاريخ العلويين لم يُكتب بعد بشكل كامل في أي من البلدين. كما يطرح أسئلة مفتوحة حول مدى نجاح الاندماج الفعلي للعلويين في أي من النظامين: ففي سوريا، يتساءل إن كانت النجاحات في المجال السياسي والعسكري قد أخفت وأبرزت في نفس الوقت موقعهم على هامش المجتمع السني "الأرثوذكسي". أما في تركيا، فيؤكد أن العلويين "في طي النسيان الهوياتي" بعد أن رفضوا القومية العربية ورفضوا بدورهم الاندماج الكامل كأتراك، فأصبحوا مهمشين بشكل مضاعف كـ"عرب أتراك".
يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش في هذا الفصل، استناداً إلى النص نفسه، هي تأكيد المؤلف على أن كلا المسارين - التمايز الفرنسي والاندماج التركي - فشلا في النهاية. النص يظهر بوضوح أن بعض الشخصيات العلوية البارزة، مثل زكي الأرسوزي الذي قاد الحركة العربية في لواء إسكندرون وانتهى به المطاف في المنفى، وآخرين مثل صادق معروف الذي تحالف مع الأتراك وأصبح نائباً لرئيس "هاتاي"، قد اختاروا ولاءاتهم بناءً على مصالحهم السياسية والاقتصادية اللحظية أكثر من أي انتماء هوياتي ثابت. هذا يضعف فكرة وجود هوية علوية "جامدة" أو مسار تاريخي "حتمي"، ويدعم بدلاً من ذلك رؤية المؤلف القائلة بأن السياقات المحلية والفرص المادية هي التي شكلت الخيارات الهوياتية للجماعة. وفي الختام، يطرح المؤلف رؤيته بأن "التاريخ المحلي" هو السبيل الوحيد لفهم حقيقي للعلويين، مبتعداً عن السرديات الكبرى للاضطهاد أو القومية، ليكتشف بدلاً من ذلك واقعاً اجتماعياً واقتصادياً يومياً أكثر اعتيادية وتنوعاً.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص