
الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني 1896-1892
يستكشف كتاب تيسير خلف «الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية: تجربة الكاتبة هنا كسباني كوراني 1896-1892» جذور الصحوة النسائية في المشرق العربي أواخر القرن التاسع عشر، متخذاً من شخصية هنا كسباني كوراني نموذجاً للدراسة. الكتاب لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية فحسب، بل يحلل التحولات الفكرية التي مرت بها هذه الناشطة السورية، ويكشف عن التوترات العميقة بين الدعوات الإصلاحية المحافظة من جهة، والتيارات الراديكالية المطالبة بالمساواة الكاملة من جهة أخرى، وذلك ضمن سياق سياسي عثماني متشدد وبيئة محلية تتأثر بالأفكار النهضوية والتبشيرية الغربية. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف هو أن جذور الحركة النسائية السورية لم تكن وليدة التأثير الغربي وحده، بل نتاج تفاعل معقد بين جهود فردية محلية، ونقاشات فكرية داخلية، وتجارب شخصية جريئة كتجربة هنا كوراني في أميركا، والتي حوّلتها من كاتبة محافظة إلى خطيبة عالمية تطالب بحق المرأة في التصويت.
يسير بناء الكتاب وفق ترتيب زمني ومنطقي في آن واحد، حيث يبدأ من الجذور ليكشف عن الثمار. يخصص القسم التمهيدي لتقديم هنا كوراني وبيئتها الثقافية في بيروت أواخر القرن التاسع عشر. لا يكتفي المؤلف بسرد سيرة مولودة في قرية كفرشيما عام 1870 أو 1871، بل يرسم خريطة للخطاب الفكري الذي تشكلت فيه. يبدأ من دعوات رواد النهضة كـبطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق في أربعينيات وخمسينيات القرن، ثم ينتقل إلى المحاولات النسائية الأولى في الصحافة، مثل مقالة مريانا مراش الحلبية في مجلة الجنان عام 1870 بعنوان «شامة الجنان» ، وصولاً إلى تأسيس جمعية «باكورة سورية» في بيروت عام 1880، وهي أول جمعية نسائية علمية أدبية. يتابع الفصل تطور الأفكار بعدها عبر محاضرة شبلي شميل الداروينية عام 1887 التي حصرت دور المرأة في «دائرتها» الخاصة، وهي الأفكار التي أصبحت كبرنامج عمل للناشطات في المدارس الإنجيلية. في هذا السياق الخصب، تظهر هنا كوراني ككاتبة أخلاق وصحفية، قبل أن تتلقى الدعوة الأبرز في حياتها.
يتخذ الفصل الأول نقطة تحول دراماتيكية مع مشاركة هنا كوراني في مؤتمر شيكاغو النسائي عام 1893. يُظهر المؤلف كيف أن هذه المشاركة الفردية كشفت عن انقسام فكري حاد داخل الحركة المبكرة. فبينما قبلت هنا الدعوة التي وجهتها بيرثا هونوريه بالمر، امتنعت عنها زينب فواز لأسباب شرعية تتعلق بـ«المحرم»، واعتذرت استير أزهري بعد اشتراط شروط على إدارة المؤتمر. يقدم المؤلف خلفية هذا الخلاف عبر جدال صحفي دار في جريدة لبنان وجريدة النيل عام 1892، حيث هاجمت زينب فواز أفكار هنا كوراني المحافظة التي رأت أن الواجبات المنزلية هي طبيعة النساء ولا يجوز لهن تخطيها، بينما دعت زينب إلى مساواة كاملة. في شيكاغو، ألقت هنا خطابها الشهير «مجد الأنوثة» ناقدة جان جاك روسو، وخلُصت إلى أن مجد المرأة في «التقوى والطهارة» لا في الحرب أو السياسة. ورغم أن الخطاب نال إعجاب الحاضرات، إلا أن المؤلف يلفت الانتباه إلى تناقض جوهري: فهي تسافر وتخطب وتدافع عن الشرق في محفل عالمي، وهو عمل عام بامتياز، بينما تظل نصوصها تدعو المرأة للقناعة بمقامها المنزلي. هذا التوتر بين التجربة العملية والإطار الفكري المحافظ هو ما سيحسمه الفصل التالي.
في الفصل الثاني، يرصد المؤلف تحولاً فكرياً جذرياً خلال عامي 1894 و1895. لم تعد هنا كوراني مجرد ممثلة في مؤتمر، بل تحولت إلى خطيبة محترفة ومطلوبة في أهم منصات النخبة الأميركية. يعزو المؤلف هذا التحول إلى الصداقة التي نشأت بينها وبين ماي رايت سيوول، إحدى أبرز رموز حركة حق المرأة في التصويت. تحت تأثير هذه الصداقة والاختلاط بنخبة من المثقفين والناشطين التقدميين في إنديانابوليس، أعلنت هنا تراجعها العلني عن موقفها السابق خلال المؤتمر السنوي الـ26 لحق المرأة في التصويت في واشنطن العاصمة بين 15 و 20 فبراير 1894. نقلت صحيفة ذي إيفنينغ ستار قولها إنها اقتنعت بوجود أسباب وجيهة تدعو السيدات للتصويت، ولم تر سيئاً واحداً يمنعهن من ذلك. صارت بعدها نجمة إعلامية، وأطلقت عليها الصحافة لقب «جورج إليوت السورية»، وتسابقت كبريات الصحف كـنيويورك تايمز وبوسطن بوست لإجراء مقابلات معها. استغلت فضول الأميركيين لتقديم صورة ناقدة عن العادات الشرقية، وهاجمت تعدد الزوجات وتزويج الفتيات الصغيرات، لكنها حافظت على نقدها للمادية الغربية أيضاً. يطرح المؤلف تساؤلاً مفتوحاً: لم يعثر على أثر لكتابها الأول «رسالة في الأخلاق والعادات» الذي ذكرته في مقابلاتها، مما يترك مساحة للشك حول حقيقته.
من بين الوقائع التي يصعب نسيانها في الكتاب، يبرز امتناع الكاتبة زينب فواز عن السفر إلى شيكاغو لأسباب شرعية بحتة، رغم مواقفها الراديكالية التي تطالب بالمساواة الكاملة مع الرجال، مما يكشف تعقيد العلاقة بين الأفكار الثورية والقيود الاجتماعية والدينية في تلك الفترة. كما تبرز حادثة دفاع هنا كوراني عن عروض الرقص الشرقي التي قدمتها فرقة أبي خليل القباني في منطقة ميدوي بليزانس، حيث دعت ثلاث عضوات من مجلس إدارة المبنى النسائي لمشاهدتها وأثنت على الرقص ووصفته بأنه «يشبه حركات الجمباز» – وهو موقف متناقض مع تحفظها الأخلاقي الظاهري، لكنه يظهر هاجسها الأول: الدفاع عن الشرق أمام النظرة الأميركية المتعالية. الأرقام أيضاً لافتة: شارك في مؤتمر شيكاغو أكثر من 150,000 مستمع و500 متحدثة، مما يعطي فكرة عن حجم المحفل العالمي الذي مثلت فيه هذه المرأة السورية وحدها.
يقر المؤلف بصراحة بعدة حدود وتحفظات. فهو لا يخفي غياب دليل أرشيفي على حصول هنا كوراني على وسام الشفقة من السلطان عبد الحميد الثاني، رغم ذكره في المصادر. كما يعترف بأنه لم يعثر على صورة المقالة الأصلية التي كتبتها هنا في جريدة لبنان، واضطر للاعتماد على الرد الذي نشرته زينب فواز. ويترك أيضاً غموضاً حول أسباب امتناع استير أزهري عن السفر، مكتفياً بالإشارة إلى رسائل غير منشورة. هذه الاعترافات تضيف مصداقية للبحث، وتكشف عن صعوبة توثيق تاريخ النساء في فترة لم تكن كتاباتهن محفوظة بعناية كافية.
يبقى الكتاب مادة غنية للنقاش حول مفهوم «التحرر» نفسه. فبينما يمكن قراءة مسار هنا كوراني كنموذج لتحرر امرأة شرقية عبر التجربة الأميركية، يطرح المؤلف تساؤلاً مهماً: هل كانت أفكار شبلي شميل التي حصرت دور المرأة في «دائرتها» الخاصة هي البرنامج الفعلي الذي التزمت به ناشطات المدارس الإنجيلية، ومن ضمنهن هنا كوراني في بداياتها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الصحوة «تحررية» وهي لا تزال تعمل ضمن حدود مجتمع ذكوري يعيد تعريف أدوار المرأة دون كسرها بالكامل؟ التحول الجذري لهنا كوراني إلى مناصرة لحق التصويت في أميركا يفتح الباب أمام سؤال آخر: هل كان هذا التحول أصيلاً وعميقاً، أم كان خطاباً انتهازياً يتلاءم مع جمهورها الأميركي الجديد؟ الكتاب لا يجيب قطعياً، لكنه يقدم المادة الخام لهذا النقاش المفتوح، ويؤكد في النهاية أن جذور الحركة النسائية السورية ليست بسيطة ولا خطية، بل هي حقل من التناقضات والتوترات بين المحافظة والجرأة، وبين التأثير الغربي والجذور المحلية، وبين الخطاب النظري والممارسة العملية.
الأشخاص
الفصول(3)
1.مقدمة: هنا كوراني وبيئتها الاجتماعية والثقافية11–27▼ ملخص
هذا الفصل التمهيدي من كتاب تيسير خلف عن الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية يُعرف القارئ بالكاتبة والناشطة هنا كسباني كوراني، ويضعها في سياقها الاجتماعي والثقافي. المحور الأساسي للفصل هو تقديم سيرة ذاتية لهنا كوراني، وربط نشأتها وتكوينها الفكري بالحركة النهضوية الأوسع في بيروت، وتحديداً بتيار الأفكار المتعلق بحقوق المرأة الذي كان يتطور في تلك الفترة. يقدم الفصل هنا كوراني كمنتج طبيعي لبيئتها، وليس كشخصية منعزلة.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. يبدأ بتحديد هوية هنا كوراني ومكان ولادتها في قرية كفرشيما المشرفة على بيروت، مع الإشارة إلى اختلاف المصادر حول تاريخ ولادتها، حيث يذكر أدهم الجندي أنها ولدت في 1 شباط 1870، بينما يذكر مصدر آخر أنها ولدت في 1871. ينقل الفصل عن الجندي وصفاً لنشأتها في "بيت علم وأدب"، وتفوقها الدراسي في مدرسة المرسلين الأميركان في قريتها، ثم في مدرسة البنات الأميركية الكبرى في بيروت لمدة أربع سنوات، حيث درست قواعد اللغتين العربية والإنجليزية وشتى العلوم. كما يذكر الفصل أن من أساتذتها العلامة الشيخ إبراهيم الحوراني، وأنها نسبت لمجلة هاربرز بازار الأميركية الفضل لوالدتها كأول معلمة لها.
يواصل الفصل رواية مسيرتها الشخصية والمهنية مستنداً إلى مصادر متعددة. بعد تخرجها، دُعيت للتدريس في مدرسة البنات الأميركية في طرابلس لمدة عام، ثم عادت وتزوجت في السادسة عشرة من أمين كوراني. في عام 1891، بدأت نشاطها الكتابي بنشر كتاب عن الأخلاق والعادات، وتذكر المصادر أنها حصلت على وسام الشفقة من السلطان عبد الحميد الثاني، لكن الفصل يتحفظ على هذه المعلومة مشيراً إلى عدم العثور على دليل عليها في الأرشيف العثماني. يقدم الفصل وصفاً لشخصيتها من خلال وصف جرجي نقولا باز لها بأنها "لطيفة الأسلوب، ذات صوت رنان... جريئة مقدامة". كما يحلل الفصل أسلوبها الكتابي، مشيراً إلى تأثره بثقافتها الإنكليزية وبالأسلوب المنطقي والمباشر للمبشرين الإنجيليين، على عكس لغة كتّاب القرن التاسع عشر المتكلفة، ويضيف أن خطابها بالإنكليزية كان يوصف بأنه بسيط ذو لكنة واضحة.
الجزء الأكبر من الفصل لا يقتصر على السيرة الذاتية، بل ينتقل إلى رسم السياق الفكري الأوسع الذي نشأت فيه هنا كوراني. يُظهر الفصل كيف أن دعوات المشاركة في المؤتمر النسائي العالمي في شيكاغو عام 1893 برئاسة بيرثا هونوريه بالمر، والتي وجهت لهنا كوراني ولناشطات سوريات أخريات، أعادت إشعال النقاش العام حول حقوق المرأة. وقبل ذلك، يوثق الفصل تطور هذا الخطاب على مر العقود. يبدأ بذكر أفكار بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، حيث ركز الأول على حق المرأة في التعليم لأجل تربية أبنائها، بينما ذهب الثاني أبعد نحو المساواة الكاملة.
بعدها، يتتبع الفصل المساهمات الأولى للنساء في الصحافة العربية. يخصص الفصل مساحة مهمة لـ مريانا مراش الحلبية التي نشرت مقالة في مجلة الجنان عام 1870 بعنوان "شامة الجنان"، ردت فيها على بيت للمتنبي ووضحت مفاهيم الشجاعة الأدبية والحرص بما يليق بالمرأة في المجتمع الحديث. ويشرح الفصل كيف أن مقالتها كانت بمثابة الشرارة الأولى، حيث تبعها مقالات لنساء أخريات مثل وستين مسرّة وفريدة شكور اللواتي أكدن على أهمية تعليم البنات ودور النساء في تربية أسرة متمدنة.
يصل الفصل إلى نقطة محورية أخرى وهي تأسيس جمعية "باكورة سورية" في بيروت عام 1880، وهي أول جمعية نسائية علمية أدبية في المنطقة. ينقل الفصل من مجلة المقتطف أن الجمعية كانت تجتمع كل أسبوعين لترويض العقول بالخطب والمباحثات. ويحلل الفصل بالتفصيل "دستور الجمعية" وخطبها، ويخصص اهتماماً خاصاً للخطبة السادسة عن "حقوق النساء"، التي ربطت انحطاط وضع المرأة بحالة الانحطاط العام، وأكدت على المساواة العقلية بين الرجل والمرأة، وهاجمت الخرافات التي تنكر قدرات النساء. كانت هذه الجمعية، بحسب الفصل، نتيجة طبيعية لدعوات مريانا مراش وغيرها من الرائدات.
في الثمانينيات، يوثق الفصل ازدياد جرأة الطروحات، مثل مقالة مريم جرجي إليان التي طالبت بالمساواة الكاملة في الهيئة الاجتماعية. ثم يصل إلى محاضرة شبلي شميل عام 1887 التي ناقش فيها فكرة المساواة من منظور دارويني تطوري، وخلص إلى تصور لدور المرأة "تابعة للرجل في ارتقائه... متقاسمين الأعمال كل منهما في دائرته". يلاحظ الفصل أن أفكار شميل هذه أصبحت كبرنامج عمل للعديد من الناشطات في المدارس الإنجيلية، مما يُظهر كيف حاولت بعض الأفكار التوفيق بين المطالبة بحقوق المرأة والحفاظ على أدوار تقليدية معينة. يختتم الفصل بالعودة إلى هنا كوراني، ليؤكد أنها ظهرت كاتبة في هذا الجو النهضوي الحيوي، كاتبة عن الأخلاق ومترجمة للأطفال وصحفية داعية لتعليم المرأة، قبل أن تتلقى دعوة من بيرثا بالمر لحضور مؤتمر شيكاغو.
في الختام، يمكن القول إن الفصل بنيته واضحة: يبدأ من الفرد (هنا كوراني) ليتسع تدريجياً ليغطي الحركة الفكرية والاجتماعية الأوسع. نقاط القوة في الفصل تتمثل في تتبعه الدقيق لتطور الأفكار والأحداث، وتقديمه لوثائق ومصادر متعددة، مع تحفظ صحي بشأن بعض المعلومات (مثل وسام الشفقة). النقطة القابلة للنقاش في الفصل نفسه هي التأكيد على أن الخطاب الذي تبنته ناشطات مثل هنا كوراني كان متأثراً بشكل كبير بالأفكار التي طرحها مفكرون مثل شبلي شميل، التي حصرت دور المرأة في "دائرتها" الخاصة، مما يطرح تساؤلاً حول مدى "جرأة" أو "تحرر" هذه الصحوة النسائية المبكرة ضمن حدود المجتمع الذكوري. ينجح الفصل في الإجابة عن سؤاله المحوري من خلال وضع حياة هنا كوراني وإنجازاتها في إطار تاريخي وفكري غني، مما يمنح القارئ فهماً عميقاً للجذور المعقدة للحركة النسائية في سوريا العثمانية.
1.الفصل الأول: مؤتمر شيكاغو النسائي27–45▼ ملخص
يتركز الفصل الأول حول مشاركة الكاتبة هنا كسباني كوراني في مؤتمر شيكاغو النسائي عام 1893، والإشكاليات التي أحاطت بتمثيل المرأة السورية في هذا المحفل العالمي. يقدم المؤلف الإجابة بأن هذه المشاركة الفردية كشفت عن صراع فكري عميق داخل الحركة النسائية المبكرة في سوريا العثمانية، وتناقضت مع رغبة السلطات العثمانية، مما جعلها تجربة شخصية أكثر منها وفوداً رسمياً أو تمثيلاً جماعياً للسوريات.
يسير الفصل بتسلسل زمني وسردي، مبتدئاً بالظروف التي سبقت السفر. يوضح كيف أن بيرثا بالمر، المنظمة للمؤتمر، أرسلت دعوات لست سوريات، لكن هنا كوراني كانت الوحيدة التي قبلت السفر. ويشرح المؤلف أسباب امتناع الأخريات، كاشفاً عن خلفيات فكرية مختلفة. استير أزهري اشترطت شروطاً على إدارة المؤتمر ثم اعتذرت، بينما اعتذرت الكاتبة زينب فواز لأسباب شرعية تتعلق بعدم جواز سفر المرأة دون "محرم". أما هنا كوراني فقبلت الدعوة رغم موقفها المحافظ الذي عبرت عنه في مقال سابق بعنوان "المرأة والسياسة"، حيث رأت أن الواجبات المنزلية هي طبيعة النساء ولا يجوز لهن تخطيها، وهو ما جعلها على خلاف مباشر مع زينب فواز التي دعت إلى مساواة كاملة ودخول معترك السياسة.
يقدم المؤلف هذا الخلاف كدليل على الانقسام الفكري في تلك الفترة: أفكار هنا كوراني الإصلاحية المحدودة (الاكتفاء بتعليم المرأة لبناء الأسرة) مقابل أفكار زينب فواز الراديكالية (المساواة الكاملة والحق في العمل والسياسة). هذا الجدل الصحفي، الذي دار بين المرأتين في جريدة لبنان وجريدة النيل في 1892، يشكل الإطار الفكري لرحلة هنا. كما يشير المؤلف إلى أن امتناع استير أزهري، على الرغم من أفكارها التقدمية التي دعت فيها للمساواة، يظل لغزاً لم يُحل بالكامل، مكتفياً بالإشارة إلى رسائل غير منشورة بينها وبين المجلة.
بعد هذه المقدمات، ينتقل الفصل إلى تفاصيل رحلة هنا كوراني. وصلت إلى نيويورك في 24 نيسان/ أبريل 1893، ومنها إلى شيكاغو حيث افتتح مبنى النساء في 1 أيار/ مايو، وانطلق المؤتمر في 15 أيار/ مايو بمشاركة أكثر من 150,000 مستمع و500 متحدثة. ألقت هنا كوراني خطابها الشهير "مجد الأنوثة" أمام المؤتمر. يستعرض الفصل محتوى الخطاب نقلاً عن النص المطبوع في كتاب المؤتمر، حيث استهلته بانتقاد جان جاك روسو الذي رأى أن مجد المرأة في كونها مجهولة، ثم رفضت أن يكون مجد المرأة في الحرب أو السياسة أو العروش، وخلُصت إلى أن مجدها الحقيقي كامن في "التقوى والطهارة"، وأن المساواة لا تعني تساوي الجنسين في العمل بل في المساهمة في الخير البشري. هذا الخطاب، الذي ألقته بالإنكليزية مرتدية زياً تقليدياً، نال إعجاب الحاضرات وأثار اهتمام الصحافة الأميركية، بينما تجاهلته جريدة كوكب أميركا النيويوركية الموالية للسلطنة العثمانية.
لم تقتصر مشاركتها على إلقاء الخطاب، بل تضمنت أيضاً دوراً دفاعياً. يخصص الفصل مساحة لموقفها في الجدل المحتدم حول "الرقص الشرقي" الذي قدمته فرقة أبي خليل القباني (المسرح التركي) في منطقة الترفيه المحاذية للمعرض ميدوي بليزانس. حين انقسمت عضوات مجلس إدارة المبنى النسائي حول هذه العروض، دافعت هنا كوراني عنها، ودعت ثلاث عضوات لمرافقتها لمشاهدتها عن كثب، وأثنت على الرقص ووصفته بأنه "يشبه حركات الجمباز". هذا الموقف، كما يذكر المؤلف، يُظهر هاجسها الرئيسي الآخر؛ وهو الدفاع عن الشرق ومواطنيها أمام النظرة الأميركية المتعالية.
مع اقتراب نهاية المؤتمر، تظهر في الفصل أولى بوادر تحول فكري عند هنا كوراني. ففي رسائلها إلى صديقتها هند نوفل، رئيسة تحرير مجلة الفتاة، وصفت تجربتها في المعرض بأنها "مدرسة عامة مجانية"، وفكرت في إصدار مجلة بالإنكليزية لرفع مكانة الشرق في عيون الغربيين، ونسجت علاقات مع نخبة المجتمع الأميركي. لكن هذا لم يمنعها من انتقاد نساء أميركا لـ"منازعة الرجل على إدارة أمور السياسة"، وهو ما رأته مفسداً للسعادة البيتية. هذا التناقض الظاهري بين التجربة الجديدة والمواقف المحافظة القديمة يعكس تحولاً تدريجياً بدأ يظهر، كما تشير تصريحاتها اللاحقة للصحافة الأميركية حول حقوق المرأة والمشاركة السياسية.
يختتم الفصل بالإشارة إلى العراقيل التي واجهتها عند العودة، إذ اغتيل عمدة شيكاغو فألغيت احتفالات الاختتام، وتأخرت هنا كوراني بسبب أخبار مقلقة عن "إهانات" لحقت بسوريين عائدين بسبب وشايات. ويكشف المؤلف عن أن هذا التعنت الرسمي كان نتيجة نظرة السلطنة العثمانية المريبة لنشاطها، معتبراً إياها جزءاً من نزعة استقلالية بدأت تظهر في سوريا العثمانية. وفي سرده، يعترف المؤلف بأنه لم يعثر على صورة المقالة الأصلية التي كتبتها هنا في جريدة لبنان، معتمداً على الرد الذي نشرته زينب فواز، كما يقرّ بوجود غموض حول سبب امتناع استير أزهري.
الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل تكمن في التناقض الظاهري بين أفعال هنا كوراني وأقوالها. فهي قبلت السفر وتمثيل النساء السوريات في محفل عالمي، وهذا بحد ذاته عمل خارج المنزل وأداء لواجب عام، بينما كانت نصوصها وخطابها لا تزال ترفض خروج المرأة وتدعوها للقناعة بمقامها المنزلي. هذا التوتر بين التجربة العملية (السفر والخطابة والدفاع والعلاقات العامة) والإطار الفكري المحافظ هو ما يحاول الفصل تتبعه وتحليله، مما يجعله محورياً لفهم تطور شخصية هنا كوراني وفكرها.
2.الفصل الثاني: خطيبة محترفة في بلاد العم سام45–60▼ ملخص
بدأت هنا كوراني، بعد اختتام مؤتمر النساء العالمي ومعرض شيكاغو عام 1893، مرحلة جديدة ومختلفة تماماً في الولايات المتحدة. لم تعد مجرد ممثلة لنساء سورية في المؤتمر، بل تحولت إلى خطيبة محترفة ومطلوبة في أهم منصات النخبة الأميركية. يتتبع هذا الفصل تحولها الفكري الجذري خلال عامي 1894 و1895، منتقلاً من مواقفها المحافظة الأولى التي كانت تنتقد فيها النساء المطالبات بالمساواة التامة مع الرجال، إلى تبنيها العلني لحق المرأة في التصويت والمساواة السياسية.
يرجع المؤلف السبب الرئيسي وراء هذا التحول في تفكير هنا كوراني إلى الصداقة الوثيقة التي نشأت بينها وبين ماي رايت سيوول، إحدى أبرز رموز حركة حق المرأة في التصويت وأكثر الناشطات الأميركيات تأثيراً. كانت سيوول قد أسست نادي إنديانابوليس النسائي، وشغلت مناصب قيادية في جمعية حقوق المرأة الوطنية الأميركية. بعد انتهاء المؤتمر، استضافتها سيوول وزوجها في منزلهما بإنديانابوليس، حيث اختلطت هنا كوراني بنخبة من المثقفين والناشطين التقدميين، مما كان له الأثر العميق في صقل وعيها السياسي والاجتماعي.
يُظهر الفصل أولى بوادر هذا التحول من خلال محاضرة ألقتها هنا كوراني في شيكاغو تحت عنوان «انطباعاتي عن أميركا». فبينما عبرت عن حبها لأميركا، كان موقفها من حق المرأة في التصويت لا يزال خجولاً ومتذبذباً؛ إذ أشارت إلى أن الرجال يجب أن يتخلوا عن مقاعدهم النيابية للسيدات، لكنها في الوقت نفسه وجهت انتقادات للنساء اللواتي يطلبن المساواة التامة. ومع ذلك، سرعان ما تطور موقفها بسرعة مذهلة، ليجسد مشاركتها التاريخية في المؤتمر السنوي الـ26 لحق المرأة في التصويت، الذي عقد في واشنطن العاصمة في الفترة من 15 إلى 20 فبراير 1894.
في ذلك المؤتمر، قدمت هنا كوراني كخطيبة رئيسية، وتحدثت نيابة عن النساء في «العالم القديم» كما وصفتها الصحافة. والأهم من ذلك، تراجعت علناً عن رأيها السابق المتحفظ بشأن حق المرأة في التصويت. نقلت صحيفة ذي إيفنينغ ستار قولها: «إن عوالم الماضي البعيد أظهرت أن المرأة شاركت في جميع الشؤون الإنسانية» وأضافت: «إنى اقتنعت بوجود أسباب وجيهة تدعو السيدات للتصويت. ولم أر سيئاً واحداً يمنعهن من التصويت». كان هذا الإعلان بمثابة نقطة تحول كبرى في مسارها الفكري، حيث تحولت من كاتمة محافظة إلى خطيبة تتحدث بجرأة عن المساواة والاستقلالية. لقد عبرت عن هذا التحول في رسالة إلى صديقتها سيوول، قائلة إنها شعرت بأن «الحرية والاستقلالية جوهرتان كريمتان بالنسبة إلى المرأة» وأنها بدأت تشعر بأنها مؤثرة وتتطور يومياً.
يخصص المؤلف جزءاً كبيراً من الفصل لتوثيق صعود هنا كوراني كنجمة إعلامية وأيقونة في المجتمع الأميركي. فبعد خطابها في نادي سوروسيس النسائي الشهير في نيويورك، تسابقت كبريات الصحف الأميركية مثل نيويورك تايمز وبوسطن بوست لإجراء مقابلات معها ونشر صورها. وقد أظهرت هذه المقابلات شخصية قوية وذكية وسريعة البديهة، لا تتردد في مناكفة الصحافيين. على سبيل المثال، عندما سألها صحافي من نيويورك تايمز عن «المرأة الشرقية»، ردت بسخرية: «ألم تتعبوا من الحديث عن المرأة؟ لماذا لا نتحدث عن الناس بشكل عام؟». وفي لقاء آخر، ناقشت الموضة وأزياء النساء، مدعية أن الأزياء السورية أجمل من الأوروبية، وأنها تحضر من باريس أسرع من الأميركيين أنفسهم.
وسط كل هذا التألق، يسلط الفصل الضوء على الموضوع المحوري الذي سيطر على محاضراتها في تلك الفترة: العادات والتقاليد الشرقية. لقد استغلت هنا كوراني فضول الأميركيين وافتتانهم بنظرية التطور والأنثروبولوجيا، لتقديم صورة عن الحياة في سورية. لكنها لم تكن مجرد ناقلة للفولكلور، بل استخدمت أسلوباً مباشراً ومثيراً في بعض الأحيان. في إحدى المحاضرات في جمعية الشابات المسيحيات في نيويورك، بدأت بانتقاد الكرسي غير المريح الذي تجلس عليه، مقارنة إياه بالمجالس المكسوة بالصوف الناعم في سورية. ثم انتقلت للحديث عن عادات الطعام التي لا تستخدم الشوكة والسكين، وعن زواج الأطفال في سن مبكرة، وعن عادات الموت والدفن. كانت تقدم مقارنات ناقدة للمجتمع الأميركي أيضاً، معتبرة أن بيوت الأميركيين مكتظة بالأثاث والستائر التي تحجب ضوء الشمس، على عكس البيوت السورية المشرقة.
في ختام الفصل، يوثق المؤلف كيف أصبحت هنا كوراني من مشاهير المجتمع الأميركي، وأطلقت عليها الصحافة ألقاباً مثل «جورج إليوت السورية» إعجاباً بذكائها وقدراتها الأدبية. بدأت تتلقى دعوات لا تعد ولا تحصى من مختلف المدن والمنتديات. ورغم حفاظها على بعض التحفظات وانتقادها للمادية الغربية، إلا أن تحولها الفكري كان واضحاً. لقد أصبحت أكثر جرأة في نقد المجتمع الذكوري في المشرق، وانتقدت بشدة تعدد الزوجات وتزويج الفتيات الصغيرات. ومع ذلك، بقيت مخلصة لقضية التعليم غير الطائفي كمفتاح لنهضة المرأة والمجتمع في سورية. يطرح الفصل تساؤلاً مفتوحاً حول تحقيق التحول الفكري بشكل كامل، حيث يذكر أن المؤلف لم يعثر على أثر لكتابها الأول «رسالة في الأخلاق والعادات» الذي ذكرته في مقابلاتها، مما يترك مساحة للشك حول ما إذا كان كتاباً حقيقياً أم كراساً محاضرتها. ولكن من الواضح أن الفصل يرسم صورة امرأة خاضت تجربة تحررية فريدة في قلب أميركا، محولة إياها من ممثلة شرقية إلى خطيبة عالمية وسفيرة لحركة نسائية ناشئة.