
جيش التحرير الفلسطيني في الحرب السورية
يتناول كتاب "جيش التحرير الفلسطيني في الحرب السورية" ليوسف فخر الدين، مع مراجعة قانونية لأنور البني، الصادر عن المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية، موضوعاً شائكاً هو تورط جيش التحرير الفلسطيني في الحرب السورية. يدافع المؤلف عن موقف واضح: مشاركة هذا الجيش في الحرب إلى جانب النظام السوري تمثل خروجاً صارخاً عن شرعية وجوده القانونية والتاريخية، والتي تنص على أن واجبه القومي الوحيد هو تحرير فلسطين والعمل تحت إشراف منظمة التحرير الفلسطينية. وبذلك، يحوّله النظام السوري من أداة لتحرير فلسطين إلى أداة لقمع السوريين وتدمير المخيمات الفلسطينية، مما يجعله شريكاً في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. يخلص الكتاب إلى أن هذه المشاركة غير شرعية وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي وللاتفاقيات المؤسسة للجيش.
يسير الكتاب في حجته بشكل منهجي، بدءاً من تأصيل نشأة الجيش والصراع على مرجعيته، ثم انتقاله إلى سرد كيفية تحكم النظام السوري به، وصولاً إلى تفصيل تورطه المتدرج في الحرب السورية مروراً بأكبر عدد ممكن من المحافظات. يبدأ الكتاب بمدخل يوثق الأثر الكارثي للحرب على اللاجئين الفلسطينيين في سورية، حيث دُمّر مخيم اليرموك ومخيم الحسينية ومخيم حندرات ومخيم درعا بشكل شبه كامل، ويشير إلى أن عدد الفلسطينيين السوريين الذين قضوا جراء الحرب بلغ 3871 ضحية، وأن عدد اللاجئين منهم إلى دول العالم يزيد عن 146 ألف لاجئ وفق تقديرات ناشطين حقوقيين. ويذكر أن الأجهزة الأمنية السورية اعتقلت أكثر من 1500 فلسطيني للانتقام، لا يزال مصير الكثيرين منهم مجهولاً، وقتلت منهم تحت التعذيب 556 فلسطينياً. ثم ينتقل لتعريف جيش التحرير الفلسطيني، موضحاً أن المادة 22 (المعدلة) من النظام الأساسي لمنظمة التحرير تنص على أنه جيش نظامي تابع للمنظمة وواجبه القومي أن يكون الطليعة في خوض معركة تحرير فلسطين، ويضم نحو 6000 عنصر، منهم 3000 انخرطوا في الأعمال العسكرية، موزعين على ثلاثة ألوية مشاة هي: قوات حطين ومقرها قطنا، وقوات أجنادين ومقرها جبل الشيخ، وقوات القادسية ومقرها قرب محافظة السويداء.
يُفصل الكتاب ظروف النشأة والصراع على المرجعية، ويوضح أن الجيش أُنشئ بقرار من المؤتمر الفلسطيني الأول عام 1964، بتأثير من مندوب فلسطين في الجامعة العربية أحمد الشقيري. يكشف الكتاب عن صراع مبكر بين منظمة التحرير والدول المضيفة للجيش، وخاصة النظام السوري، حول تبعيته، حيث سعى الشقيري لانتزاع الشراكة في مرجعية الجيش، بينما سعت الحكومات للحفاظ على سيطرتها عليه. ويصف الكتاب هذا الصراع بأنه "شاغل رئيسي" لقيادة المنظمة حتى عام 1967، وظهر هذا الصراع جلياً في معارك 1970 في الأردن، وفي عامي 1976 و 1983 في لبنان، حين اضطر الجيش للقتال تحت لواء النظام السوري ضد منظمة التحرير نفسها، مما أدى إلى انشقاقات كبيرة، أبرزها انشقاق العقيد عطية عوض عام 1983 الذي رفض قتال حركة فتح في طرابلس، ليتم اعتقاله من قبل المخابرات السورية ويُعلن عن وفاته مطلع عام 2003 دون تسليم جثمانه. ويخلص إلى أن النظام السوري تحت حكم حافظ الأسد وبشار الأسد نجح في تقليص علاقة الجيش بمنظمة التحرير، وجعله أداة طيعة في يده، بعد أن أنهى دوره الفلسطيني الحقيقي.
يستعرض الكتاب "العلاقة المالية" بين منظمة التحرير وجيش التحرير، موضحاً أن المنظمة كانت تمول الجيش من الصندوق القومي الفلسطيني، وأن مخصصات الجيش في عامي 1972-1973 بلغت مليون وخمسمئة ألف دينار أردني. هذا الدليل المالي يؤكد شرعية تبعية الجيش للمنظمة، ويعزز موقف المؤلف بأن هذه التبعية ظلت قائمة حتى بعد سيطرة النظام السوري، مما يجعل المنظمة والجامعة العربية مسؤولين عن تقاعسهم في منع تورطه في الحرب. ثم يصف "التنازع مع الحكم البعثي في سورية على جيش التحرير الفلسطيني"، ويذكر أن النظام السوري فرض سيطرته على الجيش من خلال تعيين القادة، وفرض تبادل المراسلات عبر الاستخبارات العسكرية السورية، وإجبار الجيش على المشاركة في حروبه ضد منظمة التحرير في لبنان، والتي تمت بقيادة اللواء محمد طارق الخضراء الذي لا يزال رئيساً للأركان حتى اليوم. ويذكر أن الخضراء نفسه أقر في برنامج "خفايا التاريخ" على القناة الإخبارية السورية في 22 سبتمبر 2015 أنه كان يتلقى الأوامر من اللواء حكمت الشهابي والرائد غازي كنعان، وهما ضابطان في الأمن السوري وليسا من الجيش.
في الجزء الأهم من الكتاب، وهو "جيش التحرير في الحرب السورية"، يشرح الكتاب "إستراتيجية التوريط التدريجي" التي اتبعها النظام السوري، والتي اعتمدت على: أولاً، اغتيال المعارضين: حيث اغتال النظام ضباطاً رفضوا المشاركة، مثل العقيد قاسم الخضراء والعقيد عبد الناصر قريميط، وغيرهم، ثم ألقى باللائمة على المعارضة السورية. ويثبت الكتاب أن عمليات الاغتيال توقفت بعد تورط الجيش في الحرب، مما يشير إلى أن النظام هو الفاعل. ثانياً، التكليف بمهام غير قتالية ثم التصعيد: بدأ الجيش بحماية المنشآت المدنية كـ"محطة تشرين الحرارية"، ثم تحول إلى القتال الهجومي. ثالثاً، تجييش المخيمات: عبر إنشاء ميليشيات مثل "لواء القدس" في حلب، التي تم حشدها للقتال. رابعاً، الإعدام: أقدمت قوات النظام على إعدام خمسة ضباط من الجيش في شباط/ فبراير 2015 بعد رفضهم إرسال عناصرهم للمشاركة في القتال. خامساً، إيجاد غطاء سياسي: عبر دعم فصائل فلسطينية موالية ودعوة مؤسسات مجتمع مدني لتكريم ضحايا الجيش في الحرب. سادساً، إغراق المخيمات: قام النظام بدفع مجموعات من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى محيط تمركز الجيش لافتعال اقتتال معه، وإرهاق السكان بالحصار حتى يصبح دخول الجيش "أهون الشرور". سابعاً، إعدام الرافضين: إعدام ضباط رفضوا تنفيذ الأوامر.
يخصص الكتاب فصلاً لـ"الانشقاقات عن التورط"، ويوثق انشقاق عقيدين، هما قحطان إبراهيم طباشة (الذي أعلن انشقاقه في 20 تموز/ يوليو 2012 وقضى في المعارك إلى جانب المعارضة في درعا) و خالد إسماعيل حسن (الذي أعلن انشقاقه في نيسان/ أبريل 2013 وقاد مجموعات إلى أن اغتاله تنظيم داعش في مخيم اليرموك عام 2015). ويشكل هذا الفصل دليلاً على وجود مقاومة داخل الجيش للانخراط في الحرب.
ثم يصبح الكتاب أشبه بـ"خريطة معارك جيش التحرير الفلسطيني في سورية"، مفصلاً مشاركته في محافظات متعددة. يذكر المؤلف أن قائد الأركان اللواء محمد طارق الخضراء أعلن في مقابلة مع صحيفة "الوطن" الموالية في أيلول/ سبتمبر 2015 أن الجيش يقاتل في أكثر من 15 موقعاً في أرياف درعا والسويداء ودمشق وحمص. من أبرز المعارك التي شارك فيها الجيش:
- ريف دمشق: معارك عدرا وتل كردي وتل صوان (أواخر عام 2015)، شارك في حصار مخيم خان الشيح (تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، قصف مدينة الزيداني في القلمون الغربي (تموز/ يوليو 2015)، قتال في الغوطة الشرقية (بداية عام 2018).
- محافظة درعا: معركة الشيخ مسكين (كانون الثاني/ يناير 2016)، معارك بصر الحرير ومليحة العطش (حزيران/ يونيو 2018)، معارك حوض اليرموك ضد داعش (تموز/ يوليو 2018).
- محافظة السويداء: معارك محيط مطار "الثعلة" العسكري (صيف 2015)، معارك ضد داعش في بادية السويداء (صيف 2017 وما بعده).
- محافظة حمص: معارك ضد داعش في منطقة "القريتين" (آب/ أغسطس 2017).
- محافظة حماة: معارك ضد داعش في ريف حماة الشرقي (تشرين الأول/ أكتوبر 2017)، وشارك فوج الاستطلاع وكتيبة دبابات من لواء القادسية في هذه المعارك.
- محافظة دمشق: معركة جنوبي دمشق (نيسان/ أبريل 2018).
- محافظة دير الزور: معارك هناك في أيلول/ سبتمبر 2016.
يقدم الكتاب أرقاماً دقيقة لخسائر الجيش، حيث صرح رئيس الأركان اللواء طارق الخضراء بأن الجيش فقد 213 قتيلاً ونحو 420 جريحاً حتى تموز/ يوليو 2017، بينما قدر ناشطون حقوقيون عدد القتلى بـ 258 عسكرياً حتى تموز/ يوليو 2018. كما يوثق الكتاب حادثة مقتل عشرة مجندين من الجيش اختطفوا في طريق عودتهم إلى مخيم النيرب في حلب في تموز/ يوليو 2012، والتي اتهم النظام المعارضة بارتكابها، بينما كشفت صور وجدت في أحد الأفرع الأمنية في إدلب أنهم ماتوا تحت التعذيب على يد الأمن السوري.
في خاتمة الكتاب وتوصياته، يؤكد المؤلف أن جيش التحرير نشأ بقرار من منظمة التحرير الفلسطينية، وأن هذه التبعية القانونية هي شرعية وجوده الوحيدة. يخلص إلى أن مشاركة الجيش في الحرب السورية غير شرعية، وأن قيادة منظمة التحرير (التي هي نفسها قيادة السلطة الفلسطينية) والجامعة العربية تتحملان مسؤولية التقاعس في منع هذه الجرائم، سواء بحق المدنيين السوريين أو بحق المجندين الفلسطينيين قسراً. ويوصي بضرورة إنهاء هذا التناقض بإعادة الجيش إلى نطاق مشروع الدولة الفلسطينية جغرافياً، كمؤسسة من مؤسساتها. ويرى أن العدالة للضحايا هي الطريق العملي لعلاقات دولية أكثر صواباً.
من الجدل الذي يمكن إثارته حول الكتاب هو تصويره لجيش التحرير الفلسطيني كأداة صماء في يد النظام السوري، بينما يمكن القول إن قيادة الجيش كانت شريكاً فاعلاً في هذه الحرب، وليس مجرد ضحية. كما أن تمسك الكتاب بالمرجعية القانونية لمنظمة التحرير وتجاهل تحولها إلى سلطة سياسية تتفاوض مع إسرائيل، يفتح باباً للتساؤل عن مدى واقعية أو فعالية هذه التوصيات في ظل الواقع السياسي الراهن.