
سياسة عُلماء دمشق, أسئلة الإصلاح والهويّة
هذا ملخص شامل وأمين لكتاب "سياسة عُلماء دمشق, أسئلة الإصلاح والهويّة" لحسان القالش، بناءً على ملخصات الفصول المقدمة.
يتمحور الكتاب حول سؤال جوهري: كيف شكّل علماء دمشق علاقتهم مع السلطة عبر التاريخ، وكيف تفاعلوا مع التحولات السياسية والهوياتية الكبرى، وصولاً إلى موقفهم من الانتفاضة السورية (الربيع العربي)؟ يدافع المؤلف عن أطروحة أساسية مفادها أن ولاء علماء دمشق للدولة العثمانية على مدى قرون كان ثابتاً وأساسياً، وأن محاولات بعض المؤرخين إرجاع نزعة عروبية مبكرة إلى هذه النخبة هي قراءة مسقطة ومبالغ فيها. فالكتاب لا ينطلق من سؤال راهن فحسب، بل يعود إلى جذور تاريخية عميقة يراها ضرورية لفهم هذه العلاقة المعقدة بين السلطة والدين والهوية في دمشق.
يسير الكتاب بتسلسل زمني منظم، مبتدئاً بوصول السلطان سليم الأول إلى دمشق عام 1516. يصف الكاتب كيف أظهر العلماء "براغماتية تقليدية" في التكيف مع الحكم العثماني الجديد، إذ قبلوا تعيين قاضٍ عثماني لكنهم استعادوا مناصبهم الأخرى، وأهمها منصب المفتي. يؤكد الكاتب أن عملية "العثمنة" لم تكن هوياتية بل إدارية وتطبيقية، وشملت أيضاً الطرق الصوفية التي شكلت جسراً ثقافياً بين الحكام والمحكومين، مستشهداً بزيارة سليم الأول لضريح الصوفي محيي الدين بن عربي مباشرة بعد فتح المدينة. وهكذا، أصبح قبول العلماء للعثمانيين بمثابة تصريح بشرعية نظامهم.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تفنيد نظرية "العروبة المبكرة" عند الدمشقيين، والتي طرحها المؤرخ عبد الكريم رافق، وذلك بدراسة سيرة اثنين من أبرز علماء القرن الثامن عشر: عبد الغني النابلسي ومراد المرادي. فالنابلسي، بحسب المؤلف، كان عالماً صوفياً مخلصاً لعثمانيته ومهتماً بمخاطر السلطنة، وليس دليلاً على اعتداد عربي مبكر كما صوره رافق. أما مراد المرادي، وهو من أصول بخارية، فقد كرس حياته لنشر الطريقة النقشبندية في دمشق وكسب ثقة الطبقة الحاكمة في إسطنبول. ويشير الكاتب إلى أنه حتى خلال فترة حكم آل العظم، لم يجد دليلاً مقنعاً على وجود "عروبة مبكرة".
يواصل الكتاب تتبع ولاء العلماء العثماني في لحظات تاريخية مفصلية، مثل مقاومة الحركة الوهابية في الحجاز، حيث قاد علماء دمشق (مثل حسن الشطي ومحمد أمين بن عابدين) جهود مقاومتها فقهياً. أما الاختبار الأصعب فكان خلال فترة احتلال محمد علي باشا لسوريا (1831-1840)؛ هنا يصف الكاتب خيار العلماء بالبقاء على الولاء العثماني بأنه حكيم وبراغماتي، رافضاً الرواية القومية العربية التي تصور مشروع محمد علي كحلم عربي مستقل. ويشير الكاتب إلى أن إصلاحات محمد علي "الاستبدادية" لم تراع خصوصية المدينة وأدت في النهاية إلى تفجير قنبلة اجتماعية موقوتة تمثلت في "مذبحة 1860" ضد المسيحيين في دمشق.
يحلل الكتاب مذبحة 1860 في سياق الاحتقان الديني الذي غذته عدة عوامل، ويقدم مقاربة نقدية جريئة، إذ يحمل علماء دمشق، ككتلة اجتماعية ذات نفوذ، "جزءاً من المسؤولية تجاه المجزرة". ويخلص إلى أن هناك أسباباً جوهرية مهملة، منها تغير أفكار العلماء نحو معاداة المسيحيين، وانشغال الكثير منهم بمصالحهم الشخصية على حساب معالجة "العقد الاجتماعي الجديد". بعد المذبحة، يبرز الفصل حدثين مهمين: إخضاع دمشق لـ"التنظيمات" العثمانية، وبروز نخبة جديدة من العلماء الإصلاحيين بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري. كما يبرز الكتاب دوراً هاماً لـفؤاد باشا، وزير الخارجية العثماني، في خلق "الهوية السورية العثمانية" كإطار جامع، وذلك عبر رعاية العلماء الإصلاحيين والمثقفين اللبنانيين المسيحيين، وتم تطبيق قانون الولايات وإنشاء ولاية سوريا عام 1865.
يخصص الكتاب قسماً كبيراً لصعود تيار "السلفية الدمشقية" أو الإصلاحيين، معتبراً إياه وليداً أصيلاً لتعاليم علماء محليين، وأبرز رواده: طاهر الجزائري، محمد جمال القاسمي، وعبد الرزاق البيطار. وقد عمل هؤلاء على إحياء الاجتهاد الشرعي مستلهمين أفكار ابن تيمية، ومحاولين التوفيق بينها وبين الصوفية "الحقيقية". وبجهود الجزائري، تم إنشاء المدرسة الظاهرية وأول مكتبة عمومية في المشرق (المكتبة الظاهرية). ومع ظهور جيل جديد من الشباب (مثل رفيق العظم، محمد كرد علي، شكري العسلي، عبد الرحمن الشهبندر)، تحول خطابهم من الإصلاح الديني إلى القضايا الوطنية والعلمانية.
بعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909 وعودة الدستور، اصطدمت حماسة هذا الجيل مع سياسات الاتحاديين القائمة على المركزية الشديدة وتتريك الأقليات، مما دفعهم إلى تبني سياسة "عروبية" بدأواها المطالبة باللامركزية الإدارية، وبلغت أوجها بعقد مؤتمر عربي جامع في باريس عام 1913. ويصف الفصل الأخير من الكتاب انقسام العروبيين الدمشقيين قبل الحرب العالمية الأولى، ومصائرهم المتباينة بين الإعدام على يد جمال باشا "السفاح"، والتعاون معه، أو دعم الثورة العربية. يختتم الكتاب بتأكيد أن علماء دمشق برعوا في "الانحناء للريح"، أي التكيف مع السلطة دون استسلام كامل، مما سمح لهم بالحفاظ على استقلال نسبي لمؤسستهم الدينية.
من أبرز الأرقام والوقائع التي يصعب نسيانها في الكتاب: عدد مؤلفات عبد الغني النابلسي التي تقدر بحوالي 230 عنواناً؛ ومجزرة 1860 التي راح ضحيتها حوالي ألفي مسيحي وأعقبها إعدام 172 شخصاً ونفي أبرز أعيان المدينة؛ وتاريخ إنشاء ولاية سوريا عام 1865؛ وصدور أول جريدة إسلامية في ولاية سوريا "ثمرات الفنون" في 1875؛ وانتقال طاهر الجزائري إلى القاهرة عام 1907 بعد تفتيش منزله؛ وحادثة "المجتهدين" الشهيرة عام 1893 التي مثل فيها الإصلاحيون أمام المحكمة الشرعية.
يقر المؤلف بحدود في بحثه، مثل صعوبة الحصول على تفاصيل دقيقة عن حياة بعض الشخصيات كمراد البخاري وبدر الدين الحسني، وعدم وجود أدلة قاطعة على دور بعض الشخصيات في أحداث معينة. كما يترك أسئلة مفتوحة، أهمها: كيف تطورت العلاقة مع "العثماني" كإطار مرجعي بعد سقوط السلطنة مباشرة وصولاً إلى اللحظة الراهنة (الربيع العربي) التي انطلق منها البحث؟ مما قد يشير إلى أن الإجابة المرجوة عن سؤال موقف المؤسسة الدينية من الثورة قد تأتي في أجزاء لاحقة من الكتاب.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح، الطريقة التي يتعامل بها الكاتب مع مفهوم "العثمنة"، والتي قد تخفي توترات وصراعات أعمق مما يصوره. كما أن تأكيده على أن رفيق العظم كان أول من طرح فكرة العلمانية قبل عشرين سنة من علي عبد الرازق، وتصنيفه لـبدر الدين الحسني كـ"قائد ديني شعوبي"، وقراءته لرسالة الشيخ علوان على أنها مجرد نصيحة تقليدية وليست دليلاً على جرأة مبكرة، كلها نقاط تفتح المجال لنقاشات معمقة حول تفسير النصوص التاريخية.
الأشخاص
الفصول(13)
1.ملخص تنفيذي11–22▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل التمهيدي حول تفسير موقف المؤسسة الدينية الدمشقية من الانتفاضة السورية (الربيع العربي) من خلال العودة إلى تاريخها الطويل، وتقديم إجابة مفادها أن ولاء علماء دمشق للدولة العثمانية على مدى قرون كان ثابتاً وأساسياً، وأن محاولات بعض المؤرخين العرب إرجاع نزعة عروبية مبكرة إلى هذه النخبة الدينية هي قراءة مسقطة ومبالغ فيها. ويرى الكاتب أن فهم سلوك العلماء في اللحظة الراهنة يتطلب تتبع مسارهم السياسي والاجتماعي منذ بداية العهد العثماني في القرن السادس عشر. فالكتاب يبدأ من سؤال راهن (موقف المؤسسة الدينية من الثورة) ليعود إلى جذور تاريخية عميقة يراها ضرورية لفهم هذه العلاقة المعقدة بين السلطة والدين والهوية في دمشق.
يسير الفصل زمنياً متتبعاً تطور علاقة علماء دمشق بالحكم العثماني منذ دخول السلطان سليم الأول إلى المدينة عام 1516. يصف الكاتب كيف أظهر العلماء "براغماتية تقليدية" في التكيف مع الحكم الجديد، حيث قبلوا تعيين قاضٍ عثماني لكنهم استعادوا مناصبهم الأخرى، وأهمها منصب المفتي، على أن يكون مذهبه الحنفي المذهب الرسمي للسلطنة. ويؤكد أن عملية "العثمنة" لم تكن هوياتية بل تطبيقية إدارية، وشملت أيضاً الطرق الصوفية التي شكلت جسراً ثقافياً بين الحكام والمحكومين، مستشهداً بزيارة سليم الأول لضريح الصوفي محيي الدين بن عربي مباشرة بعد فتح المدينة. ويخلص الكاتب إلى أن قبول العلماء للعثمانيين كان تصريحاً بشرعية نظامهم، وأن بعض المؤرخين الرواد مثل عبد الكريم رافق قللوا من قيمة هذا السياق بسبب غلبة العاطفة القومية العربية لديهم.
ينتقل الفصل إلى التدقيق في أفكار عبد الكريم رافق وتحديداً نظريته حول "العروبة المبكرة" عند الدمشقيين، وذلك عبر دراسة سيرة اثنين من أبرز علماء القرن الثامن عشر هما عبد الغني النابلسي ومراد المرادي. فبالنسبة للنابلسي، يوضح الكاتب أنه كان عالماً صوفياً مخلصاً لعثمانيته ومهتماً بمخاطر السلطنة، وأن رافق بالغ في تأويل إحدى رسائله الشهيرة (كتاب القول) باعتبارها دليلاً على اعتداد عربي مبكر. أما مراد المرادي، وهو من أصول بخارية، فقد كرس حياته لنشر الطريقة النقشبندية في دمشق وكسب ثقة الطبقة الحاكمة في إسطنبول، مما سهل عليه تثبيت مكانة أسرته في المدينة. ويشير الكاتب إلى أنه حتى خلال فترة حكم آل العظم (الذي امتد قرابة قرن والذي يعتبر أول حكم عربي في دمشق)، لم يجد دليلاً مقنعاً على وجود "عروبة مبكرة"، إذ أن الإشارات إلى "أولاد العرب" جاءت من مسيحيين محليين كانوا راضين عن سياسات بعض الحكام، بينما ظل آخرون ينظرون إلى آل العظم كأغراب.
يواصل الفصل تتبع ولاء العلماء العثماني في لحظات تاريخية مفصلية، مثل محاولة محمد أبو الذهب احتلال المدينة عام 1771، وأول ثورة عربية على السلطنة والمتمثلة بالحركة الوهابية في الحجاز، حيث قاد علماء دمشق (مثل حسن الشطي ومحمد أمين بن عابدين) جهود مقاومتها فقهياً. أما الاختبار الأصعب فكان خلال فترة احتلال محمد علي باشا لسوريا (1831-1840)؛ هنا يصف الكاتب خيار العلماء بالبقاء على الولاء العثماني بأنه حكيم وبراغماتي، رافضاً الرواية القومية العربية التي تصور مشروع محمد علي كحلم عربي مستقل. وفي نقده لهذه الرواية، يشير الكاتب إلى أن إصلاحات محمد علي "الاستبدادية" لم تراع خصوصية المدينة وأدت في النهاية إلى تفجير قنبلة اجتماعية موقوتة تمثلت في "مذبحة 1860" ضد المسيحيين في دمشق.
يحلل الفصل مذبحة 1860 في سياق الاحتقان الديني الذي غذته عدة عوامل: الحروب العثمانية مع روسيا وأوروبا، وثورة الاستقلال اليونانية عام 1821، وتعاليم الطريقة النقشبندية الخالدية تحت الشيخ خالد النقشبندي الذي استقر في دمشق عام 1823، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الناتجة عن دخول المنطقة في الاقتصاد الأوروبي. ويقدم الكاتب مقاربة نقدية جريئة، إذ يحمل علماء دمشق، ككتلة اجتماعية ذات نفوذ، "جزءاً من المسؤولية تجاه المجزرة"، مشيراً إلى أن تفسيرات الدارسين السابقة تراوحت بين إنكار انخراط الدمشقيين أو التركيز الحصري على العامل الاقتصادي، الأمر الذي "لم يُساعد الطابع الأكاديمي الذي اتخذته هذه الأبحاث في الصمود أمام الوقائع". ويخلص إلى أن هناك أسباباً جوهرية مهملة، منها تغير أفكار العلماء نحو معاداة المسيحيين، وانشغال الكثير منهم بمصالحهم الشخصية على حساب معالجة "العقد الاجتماعي الجديد" المطلوب لتحسين أوضاع المسيحيين.
بعد المذبحة، يركز الفصل على حدثين مهمين غيرا وجه المدينة: الأول هو إخضاعها لـ"التنظيمات" العثمانية، والثاني هو بروز نخبة جديدة من العلماء الإصلاحيين بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري الذي استقر في دمشق منذ عام 1855، حيث قام بدور حماية المسيحيين أثناء المجزرة وهيمن على طبقة العلماء بفضل مكانته السياسية وقدرته المادية ودروسه الدينية. ويبرز الكاتب دوراً هاماً لـفؤاد باشا، وزير الخارجية العثماني، في هذه الفترة، وهو دور "لم يحظ بعناية الدارسين"؛ فقد ساهم في خلق "الهوية السورية العثمانية" كإطار جامع يسبق الأفكار الانفصالية القومية أو الدينية، وذلك عبر رعاية العلماء الإصلاحيين في دمشق والمثقفين اللبنانيين المسيحيين الذين صاغوا فكرة الوطن السوري ضمن الولاء العثماني. تابع محمد راشد باشا هذه السياسة، وتم تطبيق قانون الولايات وإنشاء ولاية سوريا عام 1865.
أما الفصل الأخير من التاريخ الذي يغطيه الملخص فيتناول صعود تيار "السلفية الدمشقية" أو الإصلاحيين. يصف الكاتب هذا التيار بأنه وليد أصيل لتعاليم علماء محليين (على عكس كونه امتداداً لتيار خارجي) وأبرز رواده: طاهر الجزائري، محمد جمال القاسمي، وعبد الرزاق البيطار. وقد عمل هؤلاء على إحياء الاجتهاد الشرعي مستلهمين أفكار ابن تيمية، ومحاولين التوفيق بينها وبين الصوفية "الحقيقية" لتنقية الدين من الجمود ومواكبة العصر. وبجهود الجزائري، تم إنشاء المدرسة الظاهرية وأول مكتبة عمومية في المشرق (المكتبة الظاهرية) والجمعية الخيرية. ومع ظهور جيل جديد من الشباب المتأثر بهؤلاء الإصلاحيين (مثل رفيق العظم، محمد كرد علي، شكري العسلي، عبد الرحمن الشهبندر)، تحول خطابهم من الإصلاح الديني إلى القضايا الوطنية والعلمانية والمرأة. وبعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909 وعودة الدستور، اصطدمت حماسة هذا الجيل مع سياسات الاتحاديين القائمة على المركزية الشديدة وتتريك الأقليات، مما دفعهم إلى تبني سياسة "عروبية" بدأواها المطالبة باللامركزية الإدارية في البرلمان والصحف، وبلغت أوجها بعقد مؤتمر عربي جامع في باريس عام 1913 كآخر محاولة للتفاهم مع الاتحاديين قبل انهيار السلطنة.
في الختام، يمكن القول إن هذا الفصل يقدم قراءة تاريخية بديلة ونقدية للرواية القومية العربية السائدة حول دور علماء دمشق. حجته الأساسية قوية ومبنية على نقد مصدري، لكنها تفتح الباب للنقاش حول إمكانية الإفراط في نفي أي نزعة هوياتية محلية لدى العلماء، وهل يمكن الفصل بشكل قاطع بين البراغماتية السياسية والولاء الهوياتي؟ الملاحظ أن الفصل يركّز بشكل شبه حصري على العلاقة مع "العثماني" كإطار مرجعي، ويترك سؤالاً مفتوحاً حول كيفية تطور هذه العلاقة بعد سقوط السلطنة مباشرةً وصولاً إلى اللحظة الراهنة (الربيع العربي) التي انطلق منها البحث، مما قد يشير إلى أن الإجابة المرجوة عن سؤال موقف المؤسسة الدينية من الثورة ستأتي في فصول لاحقة من الكتاب.
1.الفصل الأول: شام شريف27–40▼ ملخص
يطرح هذا الفصل التأسيسي من كتاب "سياسة علماء دمشق" سؤالاً محورياً: كيف تشكلت هوية علماء دمشق كطبقة اجتماعية متميزة تحت الحكم العثماني، وكيف تفاعلوا مع التحديات التي فرضها هذا الحكم الجديد عليهم؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن علماء دمشق لم يكونوا مجرد تابعين سلبيين، بل خاضوا عملية معقدة من "العثمنة" والاندماج، حافظوا خلالها على نفوذهم واستقلالهم النسبي، بينما أعادوا تشكيل أنفسهم ومدينتهم في إطار الدولة العثمانية. ويؤكد الكاتب أن فهم هذه العملية لا يكتمل دون دراسة الدور الحيوي للتصوف والأولياء، وهو موضوع يرى أنه أغفله المؤرخون السوريون الرواد مثل ليلى الصباغ وعبد الكريم رافق.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة محاور مترابطة. يبدأ بوصف الصدمة الأولى التي أحدثها العثمانيون عند دخولهم دمشق عام 1516، والتي تمثلت في تغييرات جوهرية كاعتماد المذهب الحنفي مذهباً رسمياً للدولة، وفرض قوانين جديدة مثل "الياسق العثماني" الذي رفضه العلماء وأطلقوا عليه "يسق الكفر"، وتعيين علماء "روم" (أتراك) في مناصب دينية مهمة. لكن الكاتب يوضح فوراً الوجه الإيجابي لهذه التغييرات، مثل تنظيم مؤسسة الإفتاء بإنشاء منصب المفتي الحنفي المرتبط بشيخ الإسلام في إسطنبول، واهتمام العثمانيين بترميم المدارس وبنائها. في مواجهة هذه المتغيرات، وجد العلماء أنفسهم أمام تحديين رئيسيين: الاندماج في النظام الجديد، وتهيئة مدينتهم لتقبل هذا النظام. ويشير الكاتب إلى أن العلماء لم يتأخروا في الاستجابة، ويتجلى ذلك في إقبال بعضهم على التحول إلى المذهب الحنفي لتعزيز فرصهم في المناصب، وتوجههم إلى إسطنبول لبناء شبكات علاقات وإكمال تحصيلهم العلمي في نظامها التعليمي الذي كان يهدف لتخريج العلماء لشغل وظائف الدولة. وبمرور الوقت، استعاد الدمشقيون منصبَيْ المفتي الحنفي ونقيب الأشراف، ونجحوا في تثبيت أنفسهم في السلطنة الجديدة، وصار لهم وجود ملحوظ في العاصمة، حتى وصلوا في مناسبات إلى قصر السلطان.
الجزء الثاني والأكثر تفصيلاً في الفصل مخصص للتصوف. يصف الكاتب دمشق كأحد مراكز التصوف في العالم الإسلامي، حيث شهدت الصوفية ازدهاراً وانتشاراً بدأ منذ الفتح العثماني بتشجيع من السلاطين. ويلفت النظر إلى أن طريقة انتشار الصوفية اعتمدت على أساليب مبتكرة في كسب مريدين جدد، لم تقتصر على العامة بل شملت الطبقة المثقفة من علماء وأدباء، وهو ما لاحظه الباحث مهند مبيضين في دراسته عن الطبقة المثقفة في دمشق في القرن الثامن عشر. ويستشهد المؤلف على هذا الازدياد بمقارنة أسماء العلماء في تواريخ نجم الدين الغزي (القرن 16) ومحمد خليل المرادي (القرن 18)، حيث يلاحظ ازدياداً في عدد الأسماء التي أضيف إليها اسم الطريقة الصوفية التي ينتمي إليها المترجم له، ويعتبر الكاتب أن هذا الأمر، رغم شكليته الظاهرية، يدخل الطريقة كمفخرة إلى جانب النسبة للأسرة والمولد.
يستعرض الفصل بعد ذلك نماذج من الطرق الصوفية المحلية التي كانت فاعلاً في ترسيم علاقة دمشق بالحكم الجديد. أولها الطريقة الجباوية، وهي طريقة عائلية محلية نشأت في قرية جبا بحوران وانتقلت إلى دمشق. يبرز دور حسين الجباوي (ت 1519)، الذي كان من الوجهاء الذين قرروا تسليم دمشق للسلطان سليم الأول، وزاره السلطان في زاويته، مما يدل على مكانة عائلته بين العائلات الدينية الكبرى. نموذج آخر هو الطريقة الصمادية، وهي أيضاً من حوران وتعتبر فرعاً من الطريقة القادرية في دمشق. أسس وجودهم في دمشق محمد بن خليل الصمادي (ت 1541)، الذي كان يُعد "من أولياء الله" لدى العامة والخاصة، ومنحه السلطان قريتين أوقفتا لزاويته. ويوضح الكاتب أن عملية "العثمنة" اختلفت بين الطريقتين؛ فنال الجباويون الاعتراف فوراً، بينما تأخر الأمر للصمادية إلى أن سافر محمد وابنه أبو مسلم إلى إسطنبول ونالا اعتراف السلطان. ويفسر الباحث جوناثان آلن هذه الرحلة كإشارة إلى "العثمنة" أو الاندماج في المحيط العثماني، وهو ما يتجلى أيضاً في تحول بعض الصمادية من المذهب الشافعي إلى الحنفي بدءاً من محمد أبي مسلم.
ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن نموذج الولي أو القِدّيس، باعتباره نموذجاً صوفياً مختلفاً عن هيكلية الطرق. يعرف الكاتب الولي بأنه شخص يمتلك قداسة تثبتها مقدرته غير البشرية وعلاقته الاستثنائية بالله، وهو فوق الانتماءات الدنيوية. هناك أولياء محليون يرتبطون بذاكرة مكان معين، وآخرون يتخطون الحدود ليصبحوا على مستوى العالم الإسلامي، كعبد القادر الجيلاني (ت 1165) وجلال الدين الرومي (ت 1273). ويؤكد المؤلف أن سلطة الأولياء الروحية كانت تتجاوز العامة لتصل إلى الحكام، الذين كانوا يكتسبون القوة ببركة القديسين. ويشير إلى أن حضور الأولياء أصبح فاعلاً أكثر في القرن السادس عشر بسبب حضور "أرباب الدولة" العثمانيين الذين آمنوا بهؤلاء الأولياء الشبيهين بالرجال الصالحين في الأناضول. ويعتبر الكاتب أن "عثمنة" الطرق المحلية مثل الجباوية والصمادية، والتي غلب عليها الطابع الروحي، كانت جزءاً من تثبيت شرعية الحكم الجديد، حيث سعى العثمانيون من خلال التقرب من الصوفيين لنيل القبول وضمان الاستقرار. ويستشهد بدراسة آلن عن الطريقة العلوانية في حماة كمثال على ذلك، حيث تحول الشيخ علي بن علوان (ت 1530) من موقف محتمل المعارضة إلى ولي عثماني تكريسه، وتظهر قصص مشاركة الأولياء روحياً في الفتوحات العثمانية مثل فتح جزيرة رودوس وفتح بغداد رغبتهم في الاندماج في الثقافة العثمانية الأوسع.
تصل ذروة الفصل بمناقشة حالة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (ت 1240). يوضح الكاتب أن ابن عربي حظي باستقبال جيد في دمشق وتقدير من علمائها بعد استقراره فيها عام 1221، لكن أفكاره تعرضت لنقد شديد بعد موته وصل حد التكفير، خاصة من قبل التيار الإحيائي الذي يمثله ابن تيمية وابن كثير. ويرصد الفصل تطور موقف مؤرخي دمشق منه، حيث كان ابن طولون ونجم الدين الغزي في القرنين 16 و17 متحفظين ومتجنبين مهاجمته صراحة، بينما تحول الموقف مع الجيل اللاحق من المؤرخين كالمحبي والمُرادي في القرن 18، والذين كانوا من أعيان الطرق الصوفية الجديدة الخلوتية والنقشبندية، وأظهروا تقديساً لابن عربي. في المقابل، كان العثمانيون يقدرون ابن عربي ويعتبرونه الولي الحارس لسلالتهم. لذا، لم يكن مفاجئاً أن يبادر السلطان سليم بعد فتح دمشق إلى زيارة قبره وبناء تكية "السليمية" بجواره، وترتبط بذلك أساطير عن رؤى منامية ربطت بين السلطان والشيخ. ويخلص الكاتب إلى أن ابن عربي احتاج إلى تدخل العثمانيين لتعود ذكراه إلى الحياة في دمشق، التي ستنافس إسطنبول في النهاية على تكريسه ولياً حارساً لها.
في ختام الفصل، يقر المؤلف بحدود البحث، مشيراً إلى أن الصورة عن دمشق وعلمائها لا تكتمل من دون الحديث عن التصوف، وأن هذا الموضوع أهمله المؤرخون السوريون الرواد. كما يترك أسئلة مفتوحة حول كيفية تطور دور ابن عربي ليصبح جسراً لهوية دمشق الخاصة.
من النقاط القابلة للنقاش في الفصل نفسه، الطريقة التي يتعامل بها الكاتب مع مفهوم "العثمنة"؛ هل هو عملية اندماج إيجابي وحوار متبادل كما يصوره، أم أنه يخفي توترات وصراعات أعمق؟ كما أن التمييز بين "العثمنة" الإيجابية لدى العلماء و"السياسة العثمانية الصادمة" الأولى قد يبدو تفصيلاً دقيقاً لكنه يحمل طابعاً تفسيرياً يفضل أن يترك للقارئ ليستنتجه من خلال الأمثلة والحجج المقدمة.
2.الفصل الثاني: إشراقات شُموس الدين41–70▼ ملخص
الفصل الثاني من كتاب "سياسة علماء دمشق" يحمل عنوان "إشراقات شُموس الدين"، ويتمحور حول ظهور عالمين بارزين في دمشق في أواسط القرن السابع عشر هما مراد البخاري وعبد الغني النابلسي، ويبحث في دورهما المحوري في الحياة الدينية والاجتماعية في المدينة، وكيف أسس كل منهما لنهج مختلف في الإصلاح والهوية. يقدم المؤلف الإجابة عبر سيرة مفصلة لكل منهما، موضحاً كيف ساهم الأول في إرساء طريقة صوفية جديدة ذات أبعاد سياسية، بينما مثل الثاني نموذجاً للمثقف المستقل المدافع عن التصوف والعقلانية.
يسير الفصل بتسلسل تاريخي، مبتدئاً بقصة مراد البخاري الذي وصل إلى دمشق قادماً من مصر عام 1670، وهو شيخ في الثلاثين من عمره، بهدف نشر الطريقة النقشبندية المُجَدَّدِيَّة التي ظهرت في الهند على يد أحمد سرهندي (ت 1624) كرد فعل على التوفيقية الدينية، ودعوة للعودة إلى الشريعة وإصلاح التصوف. يشرح المؤلف كيف أن مراداً، المنحدر من عائلة دينية من سمرقند، تلقى تعليمه وأخذ الطريقة عن ابن سرهندي محمد معصوم، ثم تنقل بين مكة وبغداد وبخارى قبل أن يستقر بدمشق، متخذاً إياها قاعدة لنشر دعوته لكونها بوابة لإسطنبول ومحطة للحجاج. يشير الفصل إلى أن العشرة أعوام الأولى لمراد في دمشق غامضة، وأنه واجه صعوبات في نشر طريقته بسبب ازدهار طرق صوفية أخرى، ومعارضة علماء دمشق لأفكار سرهندي التي تنتقد بعض أفكار ابن عربي.
يؤرخ الفصل لرحلة مراد إلى إسطنبول عام 1688، بحثاً عن الدعم في فترة كانت تشهد نفوذاً لـ "حركة قاضي زاده" المتشددة بزعامة محمد واني أفندي، الذي حظي بدعم الصدر الأعظم فضل أحمد باشا كبريلي ونجح بإقناع السلطان بإصدار مرسوم عام 1666 يمنع "السماع" و"الدوران" في الطرق الصوفية. وبعد أن بدأ نفوذ واني أفندي يتلاشى بوفاة داعمه عام 1676، وجد مراد في إسطنبول ترحيباً واكتسب أتباعاً، لكنه غادرها عائداً إلى دمشق عام 1686 بعد أن وضع أساساً لطريقته. ويشير الفصل إلى أن النقلة النوعية في مسيرة مراد جاءت مع تولي السلطان مصطفى الثاني (1703-1695) الحكم، الذي استدعى شيخه فيض الله أفندي وجعله شيخاً للإسلام، والذي بدوره دعم مراداً ومنحه قرى في دمشق وأقطاعاً، مما مكنه من بناء مدرستين في دمشق حوالي عام 1697، وتأسيس عائلة "المرادي" بعد خمسة وعشرين عاماً من العمل.
يوضح الفصل دوافع دعم فيض الله أفندي لمراد، حيث كان يهدف لتعزيز وجود عائلة دينية موالية للسلطان في دمشق لتدعيم شرعية السلالة العثمانية، وفي إطار سعيه للسيطرة على المؤسسة العلمية. ومع ذلك، لم ينجح مراد في ترسيخ وجود قوي لطريقته في دمشق، وبعد مقتل داعمه فيض الله وإزاحة السلطان، غادر مراد إلى إسطنبول عام 1708 حيث واجه مصاعب، لكنه حظي بحماية الصدر الأعظم الجديد لاحقاً. توفي مراد عام 1720 عن عمر يناهز 77 عاماً بعد أن نال اعترافاً واسعاً، وانتشرت طريقته في القرن الثامن عشر بين النخبة الحاكمة، ويربطها المؤلف بظهور الحاجة للتقوى والعودة للدين في زمن التحديات السياسية، معتبراً أنها قدمت بديلاً فكرياً لـ"حركة قاضي زاده" دون أن تستفز المجتمع.
ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن عبد الغني النابلسي (1731-1641)، من عائلة "النابلسي" التي تعود أصولها للقدس. يقدم الفصل سيرة جده إسماعيل النابلسي (ت 1535-1530) الذي كان من كبار علماء دمشق ومفتي الشافعية، وتميز بنفوذه وعلاقاته القوية مع الحكام، وظهر ذلك في حادثة "فتنة ميراث محمود الأعور" حوالي عام 1582 حيث تمكن عبر علاقته بشيخ الإسلام من تخليص نفسه ورفاقه من السجن. ثم يتناول حياة عبد الغني الذي نشأ يتيماً بعد وفاة والده وهو في الثانية عشرة، لكنه أظهر نبوغاً مبكراً وتتلمذ على نخبة علماء دمشق، وتعمق في دراسة التصوف وخاصة أفكار ابن عربي. في حدود عام 1666، سافر النابلسي إلى إسطنبول لكنه لم يمكث طويلاً (25 يوماً فقط) وعاد إلى دمشق، ويفسر الفصل ذلك بعدم ارتياحه للأجواء المعادية للصوفية هناك، مما جعله يدرك الفجوة بين الفقه والروحانية.
يتناول الفصل بالتفصيل شخصية النابلسي كنموذج للمثقف المتميز، حيث كان شاعراً وكاتباً غزير الإنتاج، يقدر مجموع مؤلفاته بحوالي 230 عنواناً، شملت دواوين شعر وكتباً ضخمة ورسائل قصيرة يمكن تشبيهها بالمقالات. وقد تميزت كتاباته بأسلوبها الحيوي واهتمامها بقضايا اجتماعية يومية مثل شرب القهوة والتدخين (التبغ)، حيث كتب أشهر كتبه في هذا المجال مثل "الصلح بين الإخوان في حكم إباحة الدخان". ويشير الفصل إلى أن النابلسي دافع عن هذه العادات انطلاقاً من مبادئ الحرية الفردية والمصلحة العامة، معارضاً بذلك التشدد الذي ساد لدى بعض العلماء، بل وعارض السلطان نفسه في تحريمها. ومن الجوانب الفريدة في شخصيته تسامحه وانفتاحه على غير المسلمين، وخاصة المسيحيين، حيث زار كنائس وناقش قضايا دينية مع شخصيات مسيحية بارزة كالمطران دباس، مؤسس أول مطبعة عربية في حلب عام 1706.
أخيراً، يصف الفصل دور النابلسي في الدفاع عن التصوف وعن ابن عربي بشكل خاص، موضحاً كيف كرس جزءاً كبيراً من حياته لإحياء عقيدة الشيخ الأكبر والدفاع عنها ضد هجمات المتشددين، معتبراً نفسه مفسراً لأقواله وأحواله. ويخلص الفصل إلى أن النابلسي، على عكس مراد البخاري، لم ينشغل بالتبشير لطريقة صوفية محددة أو بتأسيس زاوية خاصة، بل اختار نموذج الشيخ المربي المستقل، مما أكسبه عدداً كبيراً من التلاميذ من أبرز العائلات الدينية في دمشق. ويرى المؤلف أن هذا النهج يعكس دفاع النابلسي عن الفردانية في مواجهة هوية جماعية متصلبة، وأنه يمثل أزمة أوسع بين الفرد والجماعة في التاريخ الإسلامي. ويقر الفصل بصعوبة الحصول على تفاصيل دقيقة عن حياة كلا الشخصيتين، معتمداً على دراسات المؤرخين مثل بطرس أبو منّة حول مراد البخاري ومهند مبيضين حول عائلة المرادي. كما يترك الفصل تساؤلات مفتوحة حول أسباب غموض فترات معينة من حياة هذين العالمين وطبيعة الضغوط التي تعرضا لها.
3.الفصل الثالث: زنديّةُ أولاد العرب71–90▼ ملخص
يطرح هذا الفصل من كتاب حسان القالش سؤالاً محورياً حول كيفية تعامل علماء دمشق مع انتقال الحكم من المماليك إلى العثمانيين بعد ضم السلطنة العثمانية للأراضي العربية عام 1516، وهل أدى هذا الانتقال إلى ظهور وعي مبكر بالهوية العربية في أواخر القرن السابع عشر. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن مواقف العلماء تباينت بين الرفض والقبول والحذر، ولكن الجيل اللاحق من العلماء أظهر إشارات واضحة إلى وعي بالهوية العربية، وإن بقي هذا الوعي محصوراً ضمن إطار الانتماء العثماني العام، ولم يصل إلى مستوى التعارض معه أو تشكيل هوية وطنية مستقلة.
ينطلق الفصل من فكرة أن ضم البلاد العربية لم يكن مجرد حدث عسكري، بل أحدث تغييرات جذرية في السلطنة، إذ جعل المسلمين يشكلون الأغلبية لأول مرة، وانتقل بها من الهامش الجغرافي والثقافي للعالم الإسلامي إلى السيطرة على مراكزه التاريخية. وركز الكاتب على أن سهولة الضم العسكري لم تقابل بسهولة في انتقال الحكم، مما أثار سؤالين: كيف تعامل العلماء العرب مع هذا الانتقال؟ وهل أدى إلى وعي مبكر بالعروبة؟
لمعالجة هذه الأسئلة، يبدأ الفصل بعرض نظرية المؤرخ السوري عبد الكريم رافق عن "الوعي بالعروبة" المبكر، مشيراً إلى أن رافق طرح الفكرة لكنه لم يطورها في إطار شامل، مما استدعى محاولة إعادة صياغتها ووضعها في سياقها التاريخي المناسب. وكانت نقطة الانطلاق هي مسألة شرعية الحكم العثماني، والتي عمل عليها العثمانيون على ثلاثة مستويات متداخلة: الشرعية الصوفية، والشرعية الإسلامية، والشرعية المحلية.
فيما يتعلق بـ الشرعية الصوفية، يوضح الكاتب أن العثمانيين اعتمدوا تاريخياً على التصوف لمنح حكمهم شرعية، وسعوا عند ضم البلاد العربية إلى الحصول على شرعية صوفية عربية، ليس فقط لمد الجسور بين التصوف الرومي والعربي، بل لقدرة الصوفيين على التأثير في الرأي العام الشعبي. ويذكر مثالاً على ذلك رسالة الشيخ علوان إلى السلطان سليم الأول، والتي اعتبرها رافق دليلاً على وجود جرأة مبكرة، بينما يراها المؤلف مجرد نصيحة ضمن أدب النصيحة التقليدي، ومعترفة بشرعية الحكم العثماني. ويشير الفصل إلى أن ذروة هذه الشرعية تمثلت في تكريم السلطان سليم للصوفي الأندلسي ابن عربي في دمشق، والذي كان له حضور كبير في الثقافة العثمانية، حيث اعتبرته النخبة المثقفة نبؤة بظهور السلطنة العثمانية، مما جعله جسراً روحياً يربط العثمانيين بالمجتمع الجديد.
أما الشرعية الإسلامية، فكانت حجة العثمانيين لضم البلاد العربية هي محاربة الصفويين الشيعة، متهمين المماليك بالتقاعس عن حماية المسلمين من خطرهم والتحالف معهم ضد العثمانيين. وأضاف العثمانيون إلى هذه الحجة ادعاءهم بأنهم الأحق بحكم المدن المقدسة (مكة والمدينة) ورعايتها، وهي القضية التي تمثل أقصى درجات الشرعية الإسلامية. ويذكر الفصل أن العثمانيين عملوا على تقديم نموذجهم الخاص عن الإسلام، والذي يعرف بـ "الإسلام العثماني"، وأكدوا أن حكمهم هو امتداد طبيعي للخلافة العباسية، مستخدمين نظرية وراثة الحكم من السلاجقة. وقد استغل سليم الأول وابنه سليمان القانوني الحرب ضد الصفويين كأداة دعائية، فطلب سليم فتاوى تكفيرهم، بينما أكد سليمان نفسه كحامٍ للدين الإسلامي بعد استعادته بغداد، وصولاً إلى حادثة ادعاء العثور على قبر الإمام أبي حنيفة لتكريمه.
أما الشرعية المحلية، فهي الأهم في نظر الكاتب، لأنها تتعلق بمدى قبول العرب وعلماء دمشق بالحكم العثماني الجديد. وهنا يميز الفصل بين ثلاثة مواقف: موقف سلبي صريح، وآخر إيجابي، وثالث حذر. الموقف السلبي الأبرز تمثل في ابن الحمصي (ت 1527) الذي ترحم على السلطان المملوكي ونال من سليم وسليمان. أما ابن طولون (ت 1546) فكان أكثر حذراً، إذ سجل ملاحظاته السلبية على سلوك العثمانيين عند دخولهم دمشق، لكنه في الوقت نفسه أظهر إعجاباً بهيبة الحكم الجديد وانقسمت مواقفه بين انتقاد المماليك ورفض تمرد حاكم دمشق المملوكي المعين من قبل العثمانيين. وقد كان ابن طولون أول من عين لإمامة جامع ابن عربي، أول بناء عثماني في دمشق. ويقارن الفصل بينه وبين المؤرخ المصري ابن إياس (ت 1524) الذي نقد العثمانيين بشدة لكنه اعتنى بترجمة سلاطينهم ونسبهم إلى العرب.
في المقابل، يقدم الفصل أمثلة على الموقف الإيجابي، مثل رسالة محمد بن سلطان الدمشقي (ت 1543) التي صنف فيها سليم كحاكم مثالي، وكتاب محمد بن محاسن الأنصاري الذي مدح سليمان وأكد شرعية الحكم العثماني. ويبرز في هذا السياق العالم نجم الدين الغزي (ت 1551) من عائلة علمية عريقة ذات علاقة جيدة بالعثمانيين، والذي تبنى الرواية الرسمية بخصوص تحالف المماليك مع الصفويين، وشارك في صنع صورة السلطان الولي، مثل روايته لرؤية سليمان للنبي في منامه. ومع ذلك، يظهر الغزي في كتاب آخر له إشارات واضحة على تعلقه بهويته العربية، مستشهداً بأحاديث وآيات عن مكانة العرب ولغتهم، وهو ما استخدمه رافق كدليل على نظريته عن العروبة المبكرة. ويجمع الفصل بين هذين الموقفين عند الحسن البوريني (ت 1615)، الذي أظهر ولاءً للسلطنة واعترف بشرعيتها المطلقة، لكنه في الوقت نفسه سجل ملاحظات على العلماء العثمانيين بخصوص موقفهم من العرب، واصفاً أحد القضاة بأنه كان "محيًا لأولاد العرب".
يصل الفصل إلى ذروته مع عبد الغني النابلسي، حيث يرى أن إشارات الوعي بالهوية العربية بلغت مرحلة متقدمة في رسالته "القول السديد في جواز خلُف الوعيد والرد على الرومي الجاهل العنيد"، التي دافع فيها عن العرب بلهجة حادة ضد اتهامات عالم رومي لهم بالكفر، دون أن تصل إلى مستوى العداء للسلطنة. ويشير الكاتب إلى أن هذا الوعي بالهوية ظهر كرد فعل لسياسات بناء الهوية الرومية التي انتهجها العثمانيون، والتي سعت في القرن السابع عشر إلى استبعاد الأثر العربي والفارسي على الثقافة العثمانية، مؤكدة أن بلاد الروم أصبحت المركز الجديد للتعليم الإسلامي. ويرى المؤلف أن كتابات الغزي والنابلسي انتمت في العموم إلى نفس السياق الثقافي-السياسي الذي هيمن على كتابات أقرانهما الروم، حيث ساهمت في تكريس الصورة الرسمية للسلطنة والدفاع عن سياساتها، مما يعني أن مشاعر الانتماء للعروبة بقيت محصورة ضمن الانتماء العثماني. والدليل على ذلك هو أن النابلسي نفسه، الذي بلغ الحد الأقصى في التعبير عن هويته العربية، أرسل رسالة إلى الصدر الأعظم يدعو له بالنصر ويمدحه، وكان مفتي الإسلام يطلب منه الصلاة من أجل انتصار العثمانيين في الحرب.
في خلاصة الفصل، يجيب الكاتب على السؤال الرئيسي بأن الوعي المبكر بالهوية العربية عند علماء دمشق، كما ظهر في كتابات الغزي والنابلسي، لم يصل إلى درجة جعل هذه الهوية حيوية وأساسية وتتعارض مع الانتماء العثماني، وبالتالي لم يتطور إلى هوية وطنية محلية. ويقر الكاتب بأن هذه النواة من الوعي بقيت بحاجة للتفاعل مع الظروف التاريخية للمراحل المقبلة لتتبلور بشكل كامل، تاركاً السؤال مفتوحاً حول متى وكيف سيحدث هذا التطور. وتظهر في الفصل حجة قابلة للنقاش تتعلق بتفسير نصوص مثل رسالة الشيخ علوان وكتابات الغزي: هل هي دليل على جرأة ووعي بالهوية كما يرى رافق، أم أنها مجرد تكريس للشرعية العثمانية ضمن سياقها الثقافي السياسي الأوسع كما يرجح المؤلف؟
4.الفصل الرابع: على أعتاب المسألة الشرقية وفي خضمّها91–126▼ ملخص
يقدّم الفصل الرابع من كتاب "سياسة علماء دمشق، أسئلة الإصلاح والهوية" لحسان القالش دراسةً معمّقة لتطوّر وعي علماء دمشق ومواقفهم السياسية والهوياتية خلال مرحلتين مفصليّتين هما: حكم آل كُبرلي (في النصف الثاني من القرن السابع عشر) وحكم آل العظم (من الربع الأول من القرن الثامن عشر فصاعداً)، وصولاً إلى حملة نابليون على مصر والاحتلال المصري لدمشق. محور الفصل هو تتبّع كيف تفاعل علماء دمشق مع التحولات الكبرى التي شهدتها الدولة العثمانية (بدايات "المسألة الشرقية")، وكيف تطوّرت مشاعر انتمائهم المتعدّدة: العثماني، العربي، والديني، مع ميل واضح نحو تثبيت الأولوية للانتماء المحلي لمدينتهم دمشق.
يسير الفصل خطوة بخطوة فيبدأ بمراجعة موقف علماء دمشق من آل كُبرلي، العائلة الإصلاحية التي حكمت قرابة نصف قرن (بين 1656 و1702). يُظهر المؤلف انحيازاً واضحاً للعلماء، وخصوصاً المُحبّي وعبد الغني النابلسي، لهذه الأسرة. يستشهد المؤلف بترجمة المُحبّي المطوّلة لثلاثة من آل كُبرلي، مادحاً فضل أحمد باشا الذي "عزّت به السلطنة"، ومنتقداً بحذر قره مصطفى باشا بسبب "خب الباشا المالّ وغروره" وإخفاقه في حصار فيينا. كما يُظهر رسالة النابلسي إلى فضل مصطفى باشا في 1691 كدليل على هذا الانحياز، مرجحاً أن الدافع كان هوية فضل مصطفى كعالم دين أولاً. يخلص المؤلف إلى أن هذا التأييد كان "مؤمّراً على حرصهم وتخوّفهم على مصير الدولة التي انتموا إليها"، مشيراً إلى أن آل كُبرلي لم يتمكنوا من إنهاء الصراعات الداخلية، خاصة مع ظهور حسين باشا أمزة زادة (1699-1702) الذي مهد الطريق لسياسات المفتي فيض الله أفندي الفاسدة، والتي انتهت بهزائم كبيرة كمعاهدة كارلوفيتز (1699).
ينتقل الفصل إلى حقبة محورية: حكم آل العظم (1725-1808 تقريباً)، حيث يعين السلطان حاكماً عربياً لأول مرة في دمشق، هو إسماعيل العظم. يشرح المؤلف الأسباب التي جعلت السلطنة تلجأ لهذا الخيار، مثل ضعف القوى المحلية وفشل النظام العسكري التقليدي، والحاجة لضمان أمن الحج. يذكر أن صعود آل العظم ارتبط بثورة شعبية في أيار/ مايو 1724 قادها المفتي محمد خليل البكري، والتي أدت لعزل الحاكم السابق. يُفصّل المؤلف كيف تطورت العلاقة بين العلماء وآل العظم، فبينما تعاونوا أحياناً (كما في شراكات تجارية بين آل المرادي وأسعد العظم)، إلا أن آل العظم كانوا يسعون أحياناً لتحييد العلماء القادة، كما يُرجح أن إسماعيل العظم أزاح المفتي البكري وعين مكانه حامد العمادي الأكثر مسالمة. ويشير إلى بروز شخصية فتحي الدفتردار كخصم قوي لآل العظم، والذي حظي بدعم بعض العلماء مثل سعيد السمان، قبل أن يتم القضاء عليه بمساعدة أسعد باشا العظم في 1743، مما أسعد الدمشقيين وأدى لاستقرار طويل.
يركز الفصل بعد ذلك على صعود أسرة المرادي، ممثلةً بعلي المرادي الذي تولى الإفتاء في 1758 "بإجماع من أعيان المدينة". يصف المؤلف نموذجه الخاص الُمبني على استثمار الثروة في الأعمال الاجتماعية، وانفتاحه اللافت على مسيحيي المدينة (كما في ترميم كنيسة دير صيدنايا في 1762) لتعزيز مصالحه، ومصاهرته لشخصيات نافذة. يوضح المؤلف أن نموذجاً كهذا يُظهر تطوراً في الانتماء المحلي للعلماء تجاه مدينتهم، ويتجلى ذلك في أعمال ابن كنان والبديري. ابن كنان مثلاً، عبر عن فخره بدمشق من خلال وصف تفاصيل الحياة اليومية وجمال الطبيعة، مبتعداً عن التحميل السياسي المباشر. أما البديري فتميز بكتاباته التي تجنبت تمييز آل العظم عن غيرهم، وأظهرت استياءً من أوضاع المدينة الداخلية وصراعاتها. يُعد هذا التحول في نمط التأريخ دليلاً على تعمق الانتماء المحلي على حساب الهويات الأخرى.
يواصل الفصل تتبع التطورات بتناول حملة أبو الذهب المملوكي على دمشق في 1771، والتي كشفت ضعف السلطنة وبروز "المسألة الشرقية" مع التحالف الروسي. ثم ينتقل إلى مرحلة حكم أحمد باشا الجزار، "الطاغية البُشناقي"، الذي حكم بعنف من 1775 إلى 1804. يصف المؤلف كيف استهدف الجزار طبقة العلماء عموماً وآل المرادي خصوصاً، حيث قتل ثلاثة مفتين أحناف (منهم عبد الله وعبد الرحمن المرادي وأسعد المحاسني)، مما شكل "انتكاسة قويّة" لهم. ثم يتناول المرحلة التالية وهي حملة نابليون على مصر في 1799، والتي أشعلت استقطاباً إسلامياً-مسيحياً في المنطقة، حيث احتفل الدمشقيون بفك الحصار عن عكا مع وصول رؤوس فرنسيين مسيحيين. وأخيراً، يعرض الفصل ظهور الدعوة الوهابية في الحجاز في بداية القرن التاسع عشر، وتأثيرها على دمشق. يوضح أن علماء دمشق (مثل حسن الشطي ومحمد أمين بن عابدين) ردوا "بعدائية" على الأفكار الوهابية، مكفرين إياهم ومتهمينهم بأنهم "خوارج"، مع تأكيدهم على الولاء للسلطان، في مقابل تعاطف نادر من عالم واحد هو محمد العطار الذي قوبل بالعزلة.
يختتم الفصل بتحليله لمرحلة الاحتلال المصري لدمشق (1832-1841) بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي. يُظهر المؤلف أن هذا الاحتلال كان بمثابة "انقلاب" اجتماعي، حيث طُبقت المساواة بين المسلمين والمسيحيين، مما أثار حفيظة الدمشقيين بسبب استفزازات بعض المسيحيين وظهور قناصل أوروبيين في المدينة "المقدسة" لأول مرة. يبرز الفصل موقف العالم الكبير محمد أمين بن عابدين، الذي كان ناقداً لسوء الإدارة العثمانية لكنه رفض الحكم المصري بشدة، متشدداً في آرائه الفقهية حول المسيحيين (مثل تحريم بناء الكنائس). يلخص المؤلف موقف العلماء العام بأنه غلب عليه "طابع ديني على حساب الولاء العثماني"، مع ملاحظة عدم تأثير الانتماء العربي للجيش المحتل في موقفهم الرافض. يُختم الفصل بنقد لمحاولات بعض المؤرخين (مثل أسد رستم ومحمد غسان سبانو) تفسير مقاومة الدمشقيين للمصريين من منطلقات قومية، مؤكداً أن هذه التفسيرات بعيدة عن الواقع التاريخي وأن مقاومة الدمشقيين نجمت أساساً عن أسباب دينية واجتماعية وحفاظاً على تقاليدهم الموروثة.
في المحصلة، يُقرّ المؤلف ضمنياً أن الفصل يترك سؤالاً مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الوعي المحلي الناشئ على التحول إلى وعي قومي عربي واضح، ويلمح إلى أن القوى الخارجية والاضطرابات حالت دون ذلك. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، يمكن مناقشة تعميم تأييد علماء دمشق لآل كبرلي، أو مدى تمثيل شخصية ابن عابدين لكافة التيارات الدينية في المدينة، حيث قد يُعتبر موقفه المتشدد تجاه المسيحيين متطرفاً مقارنة بمواقف أكثر انفتاحاً (كموقف علي المرادي).
5.الفصل الخامس: ضيوف السنيّة الدمشقية127–180▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل التحوّلات الكبرى التي شهدتها دمشق في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مركزاً على دور العُلماء والطرق الصوفية في إعادة تشكيل المشهدين الاجتماعي والديني. يطرح المؤلف إجابة محورية مفادها أن وصول الشيخ خالد النقشبندي إلى دمشق لم يكن مجرد حدث صوفي عابر، بل كان إعلاناً عن برنامج إصلاحي سنّي متشدّد، أدّى إلى بروز طبقة جديدة من العلماء، وأسهم في تراجع نفوذ الأسر العلمية العريقة، ومهّد الطريق لانقسام اجتماعي حادّ بلغ ذروته في مجزرة 1860. يتتبع الفصل هذه التحولات من خلال ثلاث مراحل: وصول الخالدية وتجذّرها، ثم تحديات مرحلة التنظيمات العثمانية، وأخيراً تصاعد الاحتقان الطائفي الذي أدى إلى المجزرة.
يبدأ الفصل بوصول الشيخ خالد إلى دمشق في 1823، ليستقر في المدينة بعد رحلة طويلة من كردستان والهند حافلة بالضغوط. يلفت المؤلف إلى الاستقبال الاستثنائي الذي حظي به الشيخ، ورعاية آل الغزي له، حيث دخل في طريقته كل من إسماعيل وعمر الغزي (مفتي الشافعية آنذاك)، وكذلك الشيخ محمد أمين بن عابدين. يشير المؤلف إلى أن هذه الشعبية الكبيرة تكشف عن فراغ روحي وقيادي في المدينة؛ فرغم وجود علماء كبار، لم تكن هناك شخصية قادرة على جمعهم. هذا النجاح السريع للطريقة، التي شددت على "إحياء السُّنّة" والالتزام بالشريعة، أزمّن مع تراجع دور أسرة المرادي في رعاية الطرق الصوفية، وأدى إلى بروز شخصيات جديدة كـ محمد سعيد القاسمي وحسن البيطار، مما غيّر الخريطة الاجتماعية للمدينة وأكسب أحياء مثل الميدان وحي الأكراد سمعة دينية جديدة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة مرحلة التنظيمات، التي بدأت بإعلان مرسوم خط كولخانة في 1839 ومحاولة الدولة العثمانية بناء "أمة عثمانية" على مبادئ المساواة. لكن تطبيق هذه الإصلاحات في دمشق كان أعرج، كما يصفه المؤلف، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، إضعاف منصب الحاكم بشكل أضرّ بهيبة الدولة. ثانياً، هيمنة العلماء والأعيان على "مجلس شورى الشام العالي" الذي تحوّل إلى كيان شبه مستقل، يدافع عن مصالحه المحلية ويعارض إرادة الحكومة المركزية، كما يتجلى في شخصية عمر الغزي الذي كان يرفض تنفيذ أوامر السلطان. ثالثاً، الدور المتنامي للقناصل الأوروبيين، وفي مقدمتهم البريطاني ريتشارد وود، في شؤون المدينة من خلال استخدامهم لحق "الحماية"، مما عمّق الفجوة بين المسلمين وغير المسلمين. يخلص المؤلف إلى أن عقد الأربعينيات كان فترة انتقالية، نضج فيها الانقسام الاجتماعي على أساس ديني، وأصبح علماء المدينة أمام تحدّي الموازنة بين الإصلاحات الجديدة والمحافظة على استقلاليتهم وإدارة العلاقة مع الأقليات.
يخصّص الجزء الأخير من الفصل لتفصيل الأحداث التي سبقت مجزرة 1860، بدءاً من حادثة دمشق الشهيرة في 1840. حين اتهم مسيحيو المدينة اليهود بقتل الأب توماس بشكل طقسي، وبتعذيبهم، وتدخل القنصل الفرنسي أوليس دو راتّي-مونتون والحاكم المصري شريف باشا. يوضح المؤلف كيف أن هذه القضية، التي انتهت ببراءة اليهود بفرمان من السلطان، خلّفت أثراً نفسياً عميقاً لدى المسلمين، إذ شعر العُلماء بالتهميش بعدم إحالة القضية إلى المحكمة الشرعية. ثم ينتقل الفصل إلى "فتنة حلب" في 1850 كرد فعل على ازدياد نفوذ الكاثوليك وبناء الكنائس، وأحداث نابلس في 1856 كتعبير عن الغضب من تداعيات تحالف الدولة العثمانية مع أوروبا بعد حرب القرم. هذه الأحداث كلها مهّدت لانفجار الوضع في دمشق، حيث كان المجلس المحلي والعلماء في حالة من التصدّع والتنافس، وزادت حرب القرم والضغوط الاقتصادية من الاستياء الشعبي، الذي بلغ ذروته مع إعلان مرسوم المساواة. في 9 تموز 1860، اندلعت المجزرة التي راح ضحيتها حوالي ألفي مسيحي، وأعقبتها إجراءات عقابية قاسية من الدولة العثمانية، بقيادة فؤاد باشا، شملت إعدام 172 شخصاً ونفي أبرز أعيان المدينة وعلمائها كـ عمر الغزي وعبد الله الحلبي، متهمين بالتحريض أو التقصير، وإن كان دورهم الفعلي يبقى محلّ جدل. يختتم الفصل بالتأكيد على أن أسباب المجزرة لا يمكن اختزالها في التعصّب الإسلامي وحده، بل هي نتيجة لشبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما أن العلماء فقدوا القدرة على ضبط الشارع، بينما كانوا هم أنفسهم جزءاً من النخبة المتنافسة التي شعرت بأن النظام الجديد يهدد مكانتها.
6.الفصل السادس: نضوج الانتماء المحليّ181–226▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول تطور الهوية المحلية السورية لدى علماء دمشق بين عامي 1860 و1909، ويطرح المؤلف أن هذه الفترة شهدت نضوج انتماء محلي جديد يمكن تسميته "الهوية السورية العثمانية"، والتي تطورت بالتوازي مع ظهور منهج السلفية الدمشقية. يرى المؤلف أن هذه الهوية لم تكن معطى جاهزاً، بل نتاج تفاعل معقد بين سياسات الدولة العثمانية الإصلاحية، وتداعيات أحداث 1860، ودور شخصيات محلية بارزة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تتبع التحولات السياسية والاجتماعية في دمشق. يبدأ المؤلف بنقطة تحول رئيسية: مجزرة 1860 ووصول الوزير العثماني فؤاد باشا إلى دمشق بصلاحيات استثنائية. يوضح أن فؤاد باشا لم يكن معادياً للعلماء بشكل مطلق، بل كان يعمل على إدماجهم في نظام الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) بطرق منها تعيين مفتٍ جديد من خارج دمشق هو أمين محمد الجندي، ونقيب للأشراف هو أحمد مسلم الكزبري، مع الإبقاء على علماء آخرين. والهدف الأساسي كان تجنيب دمشق وبلاد الشام "المصار البلقاني"، أي التدخل الأوروبي المباشر.
يواصل الفصل شرح كيف أن فؤاد باشا، بالتعاون مع عالي باشا، ابتكر استراتيجية جديدة للتعامل مع المسألة الشرقية: بدلاً من قمع الهويات المحلية، قررا رعايتها وتطويرها كجزء من "رابطة عثمانية" جامعة ومرنة. ويتجسد ذلك في قانون الولايات الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 1864، والذي منح الأقاليم هامشاً من اللامركزية، وفي اختيار تسمية "سوريا" للولاية الجديدة التي تشكلت في 1865. ويبرز المؤلف خطاب فؤاد باشا الوداعي الذي خاطب فيه أهل المنطقة بـ"يا أهل سورية" مدعياً أنه "سوريًا" مثلهم، معتبراً ذلك خطوة متعمدة لتكريس الانتماء الجديد. ويناقش الفصل أطروحات باحثين مثل فرومة زيكس حول أصول التسمية، ويشير إلى أن علماء دمشق قبلوا بالتسمية الجديدة وحاولوا "أسلمتها"، كما يظهر في كتابات عبد الرزاق البيطار.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى دور الوالي محمد راشد باشا (1868-1871)، الذي تابع سياسة تطوير الهوية السورية العثمانية، لكنه ركز على بيروت أكثر من دمشق. ويدرس المؤلف هنا العلاقة بين الوالي ومثقفين مسيحيين مثل خليل خوري وبطرس البستاني، اللذين روّجا عبر صحفهما (مثل "حديقة الأخبار" و"الجنان") لمفاهيم "الوطن" و"سوريا" ضمن الولاء للسلطنة. يوضح الفصل أن علماء دمشق بقوا بعيدين عن هذا المناخ الثقافي البيروتي، وظل دور المثقف محصوراً في "علماء النزعة المحلية" المرتبطين بالأمير عبد القادر الجزائري، مثل محمود الحمزاوي وسليم العطار.
يتناول الفصل بعد ذلك مرحلة تراجع الإصلاحات بعد وفاة عالي باشا عام 1871، وازدياد الاستياء الشعبي في سوريا بسبب الأزمات الاقتصادية وحملات التجنيد الإجباري خلال الحرب الروسية-العثمانية (1877-1878). في هذا المناخ المضطرب، ظهرت فكرة استقلال سوريا لأول مرة بين أعيان المنطقة، وتوجت بعقد "مؤتمر دمشق" الذي شاركت فيه شخصيات مثل أحمد باشا الصلح، واتفقوا على تسمية الأمير عبد القادر الجزائري حاكماً لسوريا المستقبلية. يخلص الفصل إلى أن هذه الحركة لم تكن قومية بالمعنى اللاحق، بل كانت تهدف للحفاظ على الرابطة العثمانية مع منح سوريا استقلالاً ذاتياً. ويناقش المؤلف مواقف علماء دمشق من هذه الحركة، مشيراً إلى غياب أدلة قاطعة على مشاركتهم، ومرجحاً أن الأمير عبد القادر نفسه كان حذراً وأراد تجنيبهم المشاركة المباشرة.
يختتم الفصل بفترة ولاية مدحت باشا (1878-1880)، الذي وصل إلى دمشق محملاً بسمعة "أبي الدستور"، لكنه واجه انقساماً حاداً في المجتمع الدمشقي. فبينما دعمه علماء الإصلاح مثل المفتي محمود الحمزاوي والأمير عبد القادر، تكونت ضده مجموعة من العلماء المحافظين الذين عارضوا سياساته في تحقيق المساواة بين المسلمين والمسيحيين وتشجيع المسرح (مثل أبي خليل القباني) والتعليم المدني. ويشير المؤلف إلى أن هذه الفترة شهدت تطوراً في الوعي بالهوية المحلية، حيث نُقل عن الشيخ سليم العطار قوله إنه "من الآن وصاعداً لا يجب أن يكون هناك تفريق بين المسلمين والمسيحيين... بل يجب التفكير بالمصلحة العامة... مصلحة السوريين".
يقر الفصل ضمنياً بحدود في الرواية التاريخية، مثل عدم وضوح أسباب نجاح أو فشل بعض التعيينات، وصعوبة تحديد مواقف علماء دمشق الدقيقة من أحداث مثل مؤتمر دمشق بسبب الرقابة العثمانية. كما يترك أسئلة مفتوحة حول حقيقة القطيعة بين الأمير عبد القادر والمفتي الحمزاوي، وهل كانت بسبب حادثة "البسيط" أم تعبيراً عن صراع أعمق حول النفوذ والاستقلالية.
من بين الحجج القابلة للنقاش في الفصل، تركيزه على أن الهوية "السورية العثمانية" كانت نتاجاً لسياسة عثمانية متعمدة أكثر مما كانت تعبيراً عن وعي محلي ناضج، وهو ما يمكن مناقشته في ضوء نشاط المثقفين المحليين قبل وصول فؤاد باشا. كما أن قراءة دور الأمير عبد القادر كشخصية سياسية حذرة ومحورية يمكن أن تختلف باختلاف تفسير المصادر.
7.الفصل السابع: بين ابن تيمية وابن عربيّ: تسلّم وتسليم227–254▼ ملخص
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو نشأة وتطور "السلفية الدمشقية" كتيار فكري إصلاحي جديد في دمشق خلال العقود الأخيرة من الحكم العثماني، خصوصاً بين ولايتي مدحت باشا وحمدي باشا. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن هذا التيار لم يكن وافداً من الخارج أو بقيادة زعيم واحد، بل نتج عن تطوّر ذاتي لأفكار علماء دمشق الإصلاحيين، الذين سعوا إلى إضعاف مبدأ "التقليد" وإعلاء شأن "الاجتهاد"، معيدين الاعتبار لتراث ابن تيمية كمرجعية أساسية، وذلك في سياق تحديات سياسية واجتماعية وفكرية متسارعة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مراحل متعددة. يبدأ بمناقشة الجدل العلمي حول جذور السلفية الدمشقية، حيث يمثل كومينز رأيًا يرى تأثيراً خارجياً عبر علماء من أمثال خير الدين الألوسي في العراق وصديق حسن خان في الهند، بينما يمثل وايزمن رأياً آخر يؤكد الأصالة المحلية نظراً لأن تراث ابن تيمية جزء من المدرسة الحنبليّة الدمشقيّة العريقة. ثم ينتقل إلى استعراض دور رواد هذه المرحلة التمهيدية، وفي مقدمتهم محمد الشطي (1832-1890) وأحمد الجزائري (1833-1902)، اللذين عملا على إعادة الاعتبار لتراث ابن تيمية والتمهيد لقبول الاجتهاد. يبرز المؤلف رسالة الشطي "توفيق المواد النظامية" كمثال على الأفكار الجريئة التي تضمنتها، كدعوته إلى حماية "أهل الذمّة" ومطالبة الحاكم بأن "يُقاتل عن أهل الذمّة كما يُقاتل عن المسلمين"، وهو ما يراه المؤلف تجاوزاً للموقف التقليدي نحو مساواة رمزية. كما يذكر دور المفتي الحمزاوي (المتوفى 1887) في الترويج غير المباشر للاجتهاد ودعمه لهذه الأفكار، قبل أن يموت تاركاً إرثه للجيل التالي.
يواصل الفصل بتفصيل ظهور جيل جديد من السلفيين يتكون من فرعين: الأول يقوده عبد الرزاق البيطار وجمال الدين القاسمي (1914-1866) وأحمد الجزائري، المتأثرين بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. والثاني يمثله طاهر الجزائري (1920-1852) وسليم البخاري (1928-1848)، المنخرطان في النظام التعليمي الرسمي والمهتمان بإحياء التراث العربي. يخصص المؤلف مساحة كبيرة لشخصية طاهر الجزائري، موضحاً تميزه بكونه عالماً من خارج المؤسسة الدينية الرسمية، وتأثيره الكبير من خلال "صالونه" العلمي والأدبي الذي ضم نخبة من العلماء والشباب، مثل محمد كرد علي وشكري القوتلي وفخري البارودي، الذين سيصبحون لاحقاً من الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة. ويرى أن نقطة البداية السياسية لظهور هذا النشاط تعود إلى إعلان الدستور العثماني ثم انقلاب السلطان عبد الحميد على مدحت باشا، مما خلق حالة من الشراكة بين العلماء الإصلاحيين والإصلاحيين العثمانيين، خاصة شخصية بهاء الدين بك الذي كان له دور في تعيين طاهر الجزائري مفتشاً للمعارف وتأسيس "الجمعية الخيرية".
في القسم الثاني من الفصل، ينتقل المؤلف إلى استعراض أبرز خصوم التيار الإصلاحي الذين شكلوا "تياراً معارضاً". يبدأ بـ أبي الهدى الصيّادي (1909-1850) مستشار السلطان عبد الحميد، ويصفه بأنه شخصية مثيرة للجدل استطاع الوصول إلى البلاط بفضل براعته في الصوفية الشعبية والسحر، وأصبح أحد أعمدة سياسة "الجامعة الإسلامية" للسلطان، وإن كان تأثيره في دمشق أقل مما يُعتقد. ثم ينتقل إلى أسعد الصاحب (1928-1855) من عائلة الشيخ خالد النقشبندي، الذي فتح معركة على زعامة الطريقة ووقف في وجه الإصلاحيين، مكيّفاً الطريقة مع سياسة السلطان. وأخيراً، يتناول بالتفصيل شخصية بدر الدين الحسني (1935-1850)، واصفاً إياه بـ"قائد ديني شعوبي" استطاع بذكائه أن يخلق مساحة شعبية واسعة بين عوام الناس، متبنياً خطاباً وسطاً يمزج بين التقليد وبعض الأفكار الإصلاحية. يستعرض أيضاً شخصيات أخرى معارضة كالأخوين عارف وصالح المنيّر، وبعض الطرق الصوفية التي دعمت سياسة السلطان كالـيَشْرُطيّة والـدَنْدَراويّة.
يعترف المؤلف بحدود في التحليل، مثل صعوبة تحديد تاريخ دقيق لدخول عبد الرزاق البيطار إلى السلفية، وغياب معلومات مفصلة عن شخصية بهاء الدين بك المؤثرة، وعدم وجود أدلة قاطعة على دور مباشر لـأبي الهدى الصيّادي في التضييق على المفتي الحمزاوي أو طاهر الجزائري في دمشق. كما يطرح أسئلة مفتوحة حول أسباب اختيار والدة بدر الدين الحسني لمشايخ معينين لتعليم ابنها، ويعترف بصعوبة تتبع سيرة الحسني قبل عام 1882 لعدم كفاية المصادر الموثوقة.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح، التناقض الظاهري في شخصية عبد الرزاق البيطار، الذي يمدح في كتابه "حلية البشر" شخصيات صوفية شعبية وحتى أبا الهدى الصيّادي نفسه، مما يثير تساؤلاً حول ما إذا كان ذلك تمّلقاً أم إيماناً حقيقياً، وعلامة على التغير الجذري في أفكاره. كما أن تصنيف بدر الدين الحسني كـ"قائد ديني شعوبي" "مبتدع" يختلف عن الصورة التي رسمها له تلاميذه كـ"وارث النبوة" و"المرشد المطلق"، مما يظهر جدلاً حول هويته ودوره الحقيقي.
8.الفصل الثامن: الاستعداد لمغادرة البيت العثماني255–336▼ ملخص
ملخص الفصل الثامن: الاستعداد لمغادرة البيت العثماني
يُعالج هذا الفصل مرحلة النصف الثاني من عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ويركز على نشاط العلماء الإصلاحيين في دمشق في ظل سياسة بوليسية مشددة وتغيرات اجتماعية وطبقية عميقة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الإصلاحيين الدمشقيين، رغم كونهم أقلية نخبوية، استطاعوا الموازنة بين ولائهم للسلطنة وواجبهم الإصلاحي، مستخدمين أدوات العصر كالتعليم والصحافة، لكنهم ظلوا في مواجهة مستمرة مع خصومهم من العلماء المحافظين وحلفائهم في السلطة، وانتهى بهم الأمر إلى التشتت والهجرة قبيل انقلاب 1908.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة محاور رئيسية. يبدأ برسم صورة الوضع العام في السلطنة، حيث ازدادت وتيرة نشاط العلماء الإصلاحيين في الوقت الذي كانت فيه التركيبة التعددية للدولة تتغير بفقدانها أراضيها الأوروبية، مما جعل العرب أقلية كبيرة وحيوية. هذا التغيير أثر على سياسة الجامعة الإسلامية التي اعتمد عليها السلطان، والتي رافقتها سياسة بوليسية طابعها التشديد على الرقابة ونشر شبكة من الجواسيس. وفي دمشق، ظهر التغير الاجتماعي الطبقي بوضوح، حيث ازداد ارتباط الطبقة العليا (علماء وموظفين وتجار) بالمركز، وفقدت هامش الاستقلال الذي كانت تحتفظ به سابقاً.
في هذا السياق، انتشرت أفكار جديدة فرضت نفسها على الحياة العامة، كأفكار محمد عبده في مصر، وأفكار عبد الرحمن الكواكبي عبر كتابيه "طبائع الاستبداد" و**"أم القرى"**، وأفكار "الفتيان الأتراك" أو "الأحرار العثمانيين". هذه الأفكار جميعها دارت حول مقاومة الاستبداد والمطالبة بالحرية وإعادة الدستور. وكان العلماء الإصلاحيون أمام معادلة صعبة: كيف يواصلون نشاطهم وهم أقلية نخبوية؟ وما الضامن لاستمراريتهم؟ وكيف يوازنون بين ولائهم للسلطنة وواجبهم الأخلاقي تجاه معتقداتهم والمجتمع؟
يقدم الفصل الأدوات التي استخدمها الإصلاحيون، وعلى رأسها التعليم والصحافة. ففي مجال التعليم، لم يقتصر جهدهم على إصلاح المدارس وتأليف الكتب، بل شمل انفتاح الجيل القديم على جيل الشباب المتعلم من المدارس والجامعات. فاستوعبت مجالس جمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري فئة الشباب، مما أحدث تلاحقاً ثقافياً بين الجيلين: اكتسب الشباب تنشئة عميقة بأفكار الإصلاح الديني والوعي الثقافي والوطني، بينما استفاد العلماء من تفوق الشباب في العلوم الحديثة والاطلاع على الثقافة الغربية. ويشير المؤلف إلى أن تركيز الإصلاحيين لم يكن باتجاه تشكيل تلاميذ دينيين أو تخريج علماء جدد، بل كان الأمر مختلفاً عن النمط التقليدي.
أما على مستوى الصحافة، فلم تكن الأمور سهلة بسبب وضع الصحافة في دمشق والرقابة الحميدية. فلم يكن للإصلاحيين منبر خاص بهم في المدينة، التي لم تشهد سوى جريدتي "سورية" الرسمية و**"الشام"** الخاصة، وكلاهما مقيد بسياسة الدولة. ظهرت جريدة "ثمرات الفنون" في 1875 لصاحبها عبد القادر القباني، لتكون أول جريدة إسلامية في ولاية سوريا، وشكلت متنفساً صغيراً للإصلاحيين، فعبرها عُرف أن طاهر الجزائري زار معرض باريس في 1889، وأن القاسمي زار القدس في 1903 ثم القاهرة برفقة عبد الرزاق البيطار، وعبرها أعلن عن تخرج شكري العسلي من المكتب الملكي في إسطنبول في 1902 وعن تخرج عبد الرحمن الشهبندر من الجامعة الأميركية في بيروت في 1906. لكن الجريدة لم تكن المنبر المثالي للإصلاحيين، بسبب انتمائها البيروتي والتزام صاحبها بولاء مطلق للسلطان.
تبدأ مرحلة جديدة في 1899 مع صدور مجلة "المنار" لمؤسسها محمد رشيد رضا (1865-1935)، الذي كان نموذجاً فريداً كعالم ومثقف. كان رضا، المولود في إحدى قرى القلمون التابعة لـطرابلس، قد هاجر إلى مصر للانضمام إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأصبح أبرز تلاميذ عبده والمفسر لتعاليمه. كانت "المنار" منبر التيار الإصلاحي في المشرق العربي، وتناولت مواضيع تمس الإصلاحيين الدمشقيين بشكل عام، كنقد الصوفية الشعبية والدعوة إلى نبذ التفرقة والتعصب. كما ناقش رضا موضوع الوطنية، مما ساهم في تطوير أفكار الإصلاحيين حولها، خاصة مع اطلاعهم على أفكار مصطفى كامل (1874-1908) في مصر.
يؤكد الفصل أن "المنار" كانت أكثر من مجرد منبر، بل كانت أشبه بمؤسسة رافقت الإصلاحيين من الجيلين الأول والثاني. وكان رفيق العظم (1925-1867)، أحد رواد حلقة طاهر الجزائري، أول الدمشقيين الذين هاجروا إلى القاهرة في 1894، حيث أصبح أحد مريدي محمد عبده وأصدقاء رشيد رضا، وكان وراء تقوية العلاقة بين الإصلاحيين الدمشقيين والمجلة. كما يشير الفصل إلى تعاون الإصلاحيين مع جرائد مصرية أخرى كـ**"المقتطف"** لـيعقوب صروف و**"المؤيد"** لـالشيخ علي يوسف، الذي أصبح صديقاً لـطاهر الجزائري. ويبرز الفصل بدايات عمل محمد كرد علي (1876-1953) الذي راسل "المقتطف" قبل أن يؤسس جريدته "المقتبس" في 1908.
ينتقل الفصل إلى استعراض أولى المعارك الكبرى بين الفريقين الإصلاحي والمناهض للإصلاح، وهي "حادثة المجتهدين" في أواخر يناير 1893. استدعت الشرطة كلاً من عبد الرزاق البيطار، محمد سعيد القاسمي وابنه جمال الدين، أحمد الجزائري، وبدر الدين الحسني إلى المحكمة الشرعية بتهمة ممارسة الاجتهاد. كان وراء الوصول إلى هذه الدرجة اثنان من العلماء وأحد الأعيان، حرضوا الوالي على المجموعة. ترأس المحاكمة القاضي التركي مكي بك أفندي، وأظهرت تفاصيل المحاكمة شراسة المفتي محمد المنيني تجاه الإصلاحيين، لكن الأمور انتهت بالتنبيه والتوبيخ فقط لعدم وجود دليل. خرج الإصلاحيون من هذه القضية منتصرين، وعلت مكانة جمال الدين القاسمي خاصة، الذي كان الوحيد الذي أمر المفتي بحبسه ثم أطلق بعد ضغوطات. ويرى الفصل أن هذه المحاكمة شكلت تأكيداً على انهيار مكانة منصب المفتي، الذي بدأ بعد وفاة المفتي الحمزاوي آخر المفتين الأقوياء، حيث كان اختيار محمد المنيني رغم إجماع العلماء على تنصيب نسيب الحمزاوي دليلاً على تدهور المنصب.
المعركة الثانية كانت من مبادرة الإصلاحيين، حيث خرق عبد الحميد الزهراوي (1916-1871)، وهو عالم من حمص، سياستهم القائمة على تجنب المواجهة المباشرة بنشر كتابه "الفقه والتصوف" في 1901، الذي هاجم فيه مبادئ أساسية في علوم الدين. تعرض الزهراوي لحملة شرسة وصلت حد تكفيره، وانتهى الأمر بمصادرة نسخ الكتاب. ويعتبر الفصل هذا الكتاب أول منشور سلفي يثير الجدل في دمشق.
المعركة الثالثة كانت أكثر تعقيداً، حيث فتحها بدر الدين الحسني ضد عبد الرزاق البيطار، متهمًا إياه بنشر الوهابية. انقسم العلماء بين مؤيد للحسني ومؤيد للبيطار، وانتهت المسألة بإهمال الوالي للقضية. ويشير الفصل إلى أن هذه المواجهة اختلفت عن سابقاتها، إذ باتت أقرب إلى معركة إلغاء وإثبات للذات، مما دفع الإصلاحيين للتخلي تدريجياً عن سياستهم في تجنب الاشتباك. قام القاسمي بنشر "مجموع الرسائل في أصول الفقه" رداً على هجوم الحسني، محاولاً أن يكون متسقاً مع أفكار الإصلاحيين. كما يروي الفصل محاولة أسعد الصاحب تحريض الوالي على القاسمي، وتهمته للبيطار بالاشتراك في مؤامرة مصرية لفصل سوريا عن السلطنة، وهي تهمة دافع عنها كل من عبد الرحمن اليوسف ومحمد باشا العظم.
إلى جانب هذه المواجهات، يتناول الفصل قضايا ثقافية واجتماعية أخرى شغلت المجتمع الدمشقي. ففي 1899، نشر قاسم أمين كتابه الأول "تحرير المرأة" في القاهرة، ورد عليه مختار المؤيد العظم (ت 1921) بكتابه "فصل الخطاب أو تفليس إبليس من تحرير المرأة ورفع الحجاب" في مايو 1901. وظهرت مقالات مجهولة في "ثمرات الفنون" تنتقد تعليم البنات الفرنسية وعزف البيانو. هذه المعارك الثقافية لم تشهد صداماً مباشراً بين الفريقين، بل ركزت على الموضوع أكثر من الأشخاص.
كانت قضية تحرير المرأة فرصة لبروز تلاميذ الإصلاحيين من الجيل الشاب، كـشكري العسلي (1878-1916) الذي نشر مقالاً بعنوان "الزواج في دمشق" في أواخر 1903، وأثار جدلاً واسعاً ردت عليه إحدى الفتيات بتوقيع الأحرف الأولى من اسمها (ف.ع) بمقال بعنوان "الرجل في دمشق"، في سابقة صحفية مهمة. ويشير الفصل إلى تعاطف جمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري مع قضية المرأة.
تناول الفصل أيضاً موضوع تخلف دمشق الثقافي والحضاري مقارنة بـبيروت، التي كانت "مدللة السلطان عبد الحميد". ويقدم أمثلة على هذا الفارق: لم يكن في دمشق سوى صحيفتين، بينما كانت بيروت أحد مراكز الصحافة؛ سبقت بيروت دمشق في تجهيز ساحتها المركزية (ساحة الحميدية) في مايو 1884 بينما انتهى تحديث ساحة المرجة في دمشق في 1895؛ وصلت الإنارة الكهربائية إلى بيروت في 1884 وتأخرت في دمشق حتى 1907. هذه المقارنة حفزت نزعة النقد الذاتي لدى المثقفين الدمشقيين، وظهرت معركة ثقافية على صفحات "ثمرات الفنون" بين أفراد من فريق إصلاحي واحد، بدأت بمقال لـمحمد هاشم الكتبي عن تفاوت البلاد في عوائدها، ورد عليها عبد القادر القاسمي وأديب نظمي، ثم تدخل رفيق العظم مؤكداً صحة رأي الكتبي. ويرى الفصل أن هذه الحادثة ذات أهمية كمؤشر على وعي المثقفين بسياسة الدولة التي أدت لتخلف مدينتهم، ودور الدمشقيين أنفسهم في هذا التخلف، ونجاح العلماء الإصلاحيين في نقل منهج الإصلاح الاجتماعي إلى الجيل الشاب.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن رفيق العظم كمثقف فريد، صاغ فكرة العلمانية قبل عشرين سنة من علي عبد الرازق. ففي 1904، كتب العظم مقالاً في "المنار" بعنوان "هذا أوان العبر" طرح فيه فكرة فصل الدين عن الدولة بقوله "الدين غير الدولة"، وبنى قوله على ثلاثة أمور: الاستبداد، وطرق الحكومة، ومرج المسلمين الحياة الدينية بالحياة السياسية. أثار المقال جدلاً ورد عليه صالح بن علي اليافعي، أحد علماء الهند، ليعود العظم ويرد عليه رداً واضحاً ورصيناً. ويؤكد الفصل أن رفيق العظم كان أول المثقفين الإسلاميين الذين طرحوا فكرة العلمانية، وذلك قبل عشرين سنة من كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لـعلي عبد الرازق.
في النصف الثاني من الفصل، يتناول المؤلف الفترة التي سبقت انقلاب 1908. يحدد الفصل ثلاث فئات في المجتمع الدمشقي: الإصلاحيون، المناهضون للإصلاح، وفئة ثالثة "حائرة" من الأعيان الأثرياء (كـأحمد باشا الشمعة، عبد الرحمن باشا اليوسف، ومحمد باشا العظم) يصعب تصنيف مواقفهم المتناقضة. كما يشير إلى ظهور أول جمعية سرية عسكرية معارضة في دمشق أسسها الضابط مصطفى كمال في حدود 1906 باسم "وطن"، وانتشار أفكار "تركيا الفتاة" بين العسكريين وبعض المدنيين. كان طاهر الجزائري على تواصل مع الضباط الأتراك المتعاطفين مع مدحت باشا، مما قد يكون بداية العلاقة بين الإصلاحيين والاتحاديين.
نتيجة القمع والتضييق، انقطع رفيق العظم عن زيارة دمشق منذ 1905، وهاجر محمد كرد علي إلى القاهرة في السنة نفسها، ولحقه معلمه طاهر الجزائري بعد عامين بعد أن فتشت السلطات مكتبته وبيته، وفعلت الأمر نفسه مع القاسمي. شكل انتقال الجزائري إلى القاهرة نكسة لنشاط الإصلاحيين، إذ انكسر مثلث الأضلاع الذي كان يتألف منه ومن البيطار والقاسمي، فبات الأخير شبه وحيد في نشاطه.
مع إعلان السلطان عبد الحميد إعادة العمل بدستور 1876 في 24 يوليو 1908 بعد سيطرة الاتحاديين، بات على العلماء الإصلاحيين مهمة صعبة وخطيرة: تشريع الدستور وإثبات توافقه مع الشريعة. يوضح الفصل الفرق بين تطبيق الدستور في المرة الأولى والثانية؛ أهمها اختلاف طبيعة طبقة العلماء، ففي المرة الأولى كان على رأسهم الأمير عبد القادر الجزائري والمفتي الحمزاوي اللذان كان لهما قدرة على احتواء أي فتنة، بينما في المرحلة الثانية افتقد الإصلاحيون هذه المكانة. كما أن وجود شخصيات سياسية بارزة كـمدحت باشا في المرة الأولى لم يكن موجوداً في المرة الثانية، حيث كان وراء العودة للدستور ضباط عسكريون غير معروفين.
يصف الفصل رد فعل الدمشقيين بأنه كان حذراً ومتشككاً، إذ "لم يكن من السهل إقناع أولئك الذين عاشوا أكثر من ثلاثين عاماً في ظل الشرطة السرية والمخبرين والرقابة أنه أخيراً وفجأة قد انتهى القمع". وأشار مراسل "لسان الحال" في 1 أغسطس إلى أن الناس "فدهشوا وبكوا من فرحهم وخافوا". وأكدت رسالة من دمشقي إلى "ثمرات الفنون" وجود معارضة وازنة للدستور، حيث كان هناك قسم "مستفيد من الاستبداد" يود رجوع الحالة الماضية، ووصف الكاتب دمشق بأنها "بلد لم تصلها أنوار العلوم الحديثة إلا قليلاً".
يدرك الإصلاحيون ضرورة التدخل، فيدعو الشيخ محمد علي الكزبري إلى اجتماع في 13 أغسطس ضم أعياناً وعلماء، بينهم جمال الدين القاسمي ورفيق العظم وممثل عن جمعية الاتحاد والترقي. ألقى ظافر القاسمي خطبة والده بعنوان "منزلة القانون من الفقه"، وكانت تخاطب المشككين بالدستور وتوافقه مع الشريعة. يشير الفصل إلى أن مسألة اتفاق علماء دمشق على الدستور بقيت معلقة، رغم تكوينهم جمعية انتخبوا أعضاءها وأعلنوا دعمهم للدستور. يبدو أن القاسمي نفسه، رغم حماسه الأولي (حيث كتب في يومياته: "في 4 تموز حرية أميركا، وفي 14 حرية فرنسا، وفي 24 حرية المملكة العثمانية")، تبرم بالأجواء المعارضة وتوقع حدوث شيء.
تصل المواجهة ذروتها مع "فتنة الأموي" في رمضان، حيث استخدم العلماء المناهضون للإصلاح مشاعر التديّن عند العامة لمواجهة خصومهم. بدأت في أواخر سبتمبر عندما رفعوا تقريراً إلى الوالي يعترضون فيه على تبرج النساء المسلمات ويلتهسون إصلاح ملابسهن، وضايقوا أولياء النساء المتبرجات. هذه الحادثة شكلت ذروة الأزمة التي واجهت الإصلاحيين.
في ختام الفصل، يطرح المؤلف ثلاث مسائل رئيسية أنتجتها هذه الأحداث: مسألة الإصلاح الديني والاجتماعي، ومسألة الوطنية أو القومية العربية، ومسألة الحكم الذاتي أو اللامركزية الإدارية. ويؤكد أن الفصل ركز على المسألة الأولى، على أن يترك المسألتين الأخريين لفصول لاحقة.
من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، تأكيد المؤلف على أن رفيق العظم كان "أول المثقفين الإسلاميين الذين طرحوا فكرة العلمانية"، مما يستدعي مقارنة مع أفكار أخرى سابقة أو معاصرة. كما أن وصفه "لفتنة الأموي" كذروة للمواجهة يفتقر إلى تفاصيل أكثر وضوحاً، حيث يكتفي الفصل بالإشارة إليها دون شرح وافٍ لأحداثها، مكتفياً بقوله إنها "تحدثت عنها كل من جمال الدين القاسمي ورشيد رضا وغيرهم، فضلاً عن الصحافة". هذا الإيجاز يجعل القارئ يتساءل عن طبيعة هذه الفتنة وتداعياتها.
9.الفصل التاسع: وداع السلطنة337–366▼ ملخص
يُشكّل الفصل التاسع "وداع السلطنة" من كتاب حسان القالش محطةً حاسمةً في تيار النشاط العروبي الدمشقي، حيث ينتقل من مرحلة المطالبة بالإصلاح ضمن إطار الدولة العثمانية إلى مواجهة حتمية القطيعة معها. يُجيب المؤلف عن سؤال محوري: كيف تحوّل الإحباط العروبي من سياسة الاتحاديين إلى مشروع سياسي واضح للمطالبة بالحكم الذاتي، ثم إلى انقسامات داخلية حادة على أبواب الحرب العالمية الأولى؟ يُظهر الفصل أن العوامل الخارجية (الحروب العثمانية) والداخلية (تضييق الحكومة) دفعت العروبيين إلى تغيير استراتيجيتهم، لكنها كشفت أيضاً عن تناقضات جوهرية في رؤاهم وعلاقاتهم بالقوى الأوروبية وبالصهاينة.
يبدأ الفصل برسم صورة الإحباط العارم الذي أصاب العروبيين بعد خسارة الدولة العثمانية في حربها مع إيطاليا في ليبيا، والتي اعتبروها صفعة قوية. وبلغت هذه الصدمة ذروتها بعد اتفاق الصلح في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1912، الذي رأوا فيه "عاراً على العثمانيين". ثم جاءت حرب البلقان الأولى لتكون الصدمة الأخيرة، إذ يقول رشيد رضا إنها هدمت "آخر ركن للاستقلال في آخر مملكة مستقلة". كل هذه الأحداث أقنعت العرب باستحالة تحقيق مطالبهم عبر الوسائل البرلمانية والصحافية التقليدية، مما دفعهم نحو برنامج سياسي واضح يقوم على المطالبة بالحكم الذاتي في كانون الثاني/يناير 1913، وهو مشروع "اللامركزية الإدارية" الذي أصبح اسم الحزب الجديد.
لتوضيح هذا التطور، يستعرض المؤلف ثلاث تجارب حزبية سابقة مثلت تحولاً في العمل العروبي. أولها: "الجمعية القحطانية" التي أسسها سليم الجزائري وعزيز علي المصري في نهاية 1909، والتي ركزت على الجانب الثقافي قبل أن تحل. ثانيها: "جمعية العهد" التي أسسها الضابطان العروبيان لاحقاً. والأهم هو "جمعية العربية الفتاة" التي تأسست في 1909 في إسطنبول على يد شباب دمشقيين كـ أحمد قدري وجميل مردم بك، واعتبرت أول تنظيم سري يهدف لاستقلال العرب. يوضح المؤلف أن الجيل الأصغر من العروبيين تجاوز براغماتية الجيل الأول وبدأ بتأسيس جمعيات سرية.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن الأوضاع في دمشق التي ساءت بفعل الحرب والبطالة وارتفاع الأسعار، مع إصرار السلطات المحلية على سياسة التتريك، كتسمية شوارع بأسماء تركية في نهاية 1912. وفي هذا المناخ، برزت بيروت كعاصمة فعلية للعمل العروبي، رغم أن العروبيين الدمشقيين اعترفوا بمكانتها. يشرح المؤلف أسباب ذلك، منها أن الحرية السياسية والصحافية كانت أكبر في بيروت مقارنة بدمشق التي شهدت قمعاً، فضلاً عن قوة أعيان دمشق الاتحاديين. في نيسان/ أبريل 1913، أُغلقت الجمعية الإصلاحية البيروتية، مما أثار استنكاراً عربياً. وجاء هذا القرار كرد فعل على فشل الحكومة في شراء ذمم بعض الزعماء العروبيين، مثل شكري العسلي الذي رفض منصباً في اللاذقية، وعبد الوهاب الإنكليزي الذي رفض منصباً في طرابلس.
في هذه الأثناء، عمل العروبيون على فكرة عقد مؤتمر في باريس. ولإحباطه، حشد الاتحاديون أعياناً دمشقيين في اجتماع سُمي "المؤتمر اليوسفي" في منتصف أيار/ مايو 1913، بقيادة عبد الرحمن اليوسف، الذي ادعى أن المشاركين في المؤتمر لا يمثلون العرب. استخدم خصوم العروبيين الدين كسلاح، حيث حرض أسعد الصاحب المشايخ باتهام المشاركين في مؤتمر باريس بمخالفة "الله ورسوله". ورغم ذلك، أرسل العروبيون برقية مضادة للحكومة يدافعون فيها عن حقهم في عقد المؤتمر. يبرز الفصل هنا موقف أحمد الشمعة الذي دافع عن العروبيين رغم اتهام اليوسف له، مما يقدم نموذجاً للتغير في طبقة الأعيان.
بعد انعقاد المؤتمر العربي في حزيران/ يونيو 1913، توصل الطرفان لاتفاق على الخطوط العريضة، لكن الحكومة ماطلت في التنفيذ. وجد الاتحاديون في استعادة أدرنة فرصة للمناورة، فحشدوا وفداً معارضاً من الأعيان إلى العاصمة، محاولين استمالة بدر الدين الحسني الذي رفض في البداية ثم تراجع. سادت الفترة بين آب/ أغسطس 1913 ونيسان/ أبريل 1914 تناقضات شديدة، فبينما فرضت الحكومة المزيد من الضغوط وأغلقت صحفاً عربية، أظهر العروبيون الدمشقيون (كـ محمد كرد علي وشكري العسلي) نبرة معتدلة تجاه الحكومة، على عكس زملائهم في القاهرة الذين كانوا أقل تفاؤلاً. يصف المؤلف هذا الموقف بأنه يعكس رغبة في عدم التصعيد. لكن هذه الدبلوماسية انهارت مع اعتقال عزيز علي المصري، الذي كشف نوايا الاتحاديين الحقيقية، وأدى إلى انتخابات نيابية خالية من الزخم في نيسان/ أبريل 1914، فشل فيها عروبيو دمشق باستثناء فارس الخوري.
في خضم هذه الأجواء، يُطل طاهر الجزائري بعد غياب طويل في القاهرة، ثم زار سورية من تشرين الأول/ أكتوبر 1913 إلى حزيران/ يونيو 1914. ورغم نقص المعلومات عن نشاطه الدقيق، تشير المصادر إلى أنه لم يكن بعيداً عن الأحداث. يكشف الفصل أن المؤتمر العربي في باريس خلف عدة دروس خطيرة. أولها: تغييب مسألة الاستعمار الصهيوني لفلسطين عن النقاشات الرئيسية، وهو أمر يفسره نيفل مانديل بوجود تفاهمات سرية مع الصهاينة. فقبل المؤتمر، جرت مباحثات بين عروبيين وسامي هوكبرغ، ممثل الحركة الصهيونية، اتفقوا خلالها على أن يخفف العرب من حملاتهم المناهضة للصهيونية مقابل دعم الصهاينة لمطالبهم الإصلاحية. وكان رفيق العظم من أبرز المتفاعلين مع هذا التوجه. ثانيها: هيمنة المشاعر القطرية على المؤتمر، حيث غابت تمثيلات واسعة لعرب الحجاز واليمن والعراق، مما جعله "سورياً- لبنانياً" أكثر منه عربياً. وبرز توجه لبناني داخل المؤتمر سعى لاستقلال بيروت عن دمشق وقبول بحماية فرنسا، ممثلاً بـ خليل زينية وغيره. في المقابل، كان موقف العروبيين الدمشقيين من هذه التوجهات متبايناً؛ فبينما كان رفيق العظم منفتحاً على التسويات، التزم محمد كرد علي بالدعاية لصالح العثمانية، بينما تغيب شكري العسلي عن المؤتمر احتجاجاً أو تحفظاً.
يختتم الفصل بوصول جمال باشا "السفاح" إلى دمشق في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1914 كحاكم مطلق. يشرح المؤلف أن سياسته القاسية وخطابه الإسلامي الذي استهدف المسيحيين، بالإضافة إلى المجاعة، أدى إلى تحول المزاج الشعبي ضد السلطنة. كما كشف وصوله الانقسامات العميقة بين العروبيين: فبينما انخرط البعض في النشاط العسكري السري، انتهى آخرون إلى الإعدام على يد جمال باشا، كـ شكري العسلي وعبد الوهاب الإنكليزي. أما محمد كرد علي فاتخذ موقفاً مثيراً للجدل، إذ انخرط في الدعاية لجمال باشا وأصدر صحيفة باسمه، وهو ما يراه المؤلف خيانة لقضية العروبة. في المقابل، حافظ شكيب أرسلان على علاقته مع الاتحاديين دون أن يفقد احترامه. وبعد مغادرة السفاح، تنوعت مسارات العروبيين: انخرط عبد الرحمن الشهبندر في التعاون مع البريطانيين لدعم الثورة العربية، بينما تحول محب الدين الخطيب وكامل القصاب إلى معارضة المشروع الهاشمي. ويُنهي الفصل بمصير طاهر الجزائري الذي أدرك تعقيد المسألة السورية، وقبل بالوصاية البريطانية كحل وحيد في رسالة إلى غيرترود بل في حزيران/ يونيو 1919، قبل وفاته في كانون الثاني/ يناير 1920 بعد أن رأى انقسام تلاميذه ومآسي إعدام أقاربه.
11.خلاصة وخاتمة367–374▼ ملخص
هذا الفصل الختامي من كتاب "سياسة علماء دمشق" يقدّم خلاصة شاملة لسياسة علماء دمشق خلال العهد العثماني، ويجيب عن السؤال المحوري: كيف استطاع هؤلاء العلماء الحفاظ على دورهم ونفوذهم عبر قرون من الحكم العثماني؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أنهم برعوا في "الانحناء للريح"، أي في سياسة التكيّف والمواءمة مع السلطة العثمانية دون استسلام كامل، مما سمح لهم بالحفاظ على استقلال نسبي لمؤسستهم الدينية ومكانة مدينتهم.
يسير الفصل خطوة زمنية منظمة، مبتدئاً بوصول السلطان سليم الأول إلى دمشق في 1516، حيث قرر الدمشقيون وعلماؤهم تسليم المدينة طواعيةً إدراكاً لعدم جدوى المقاومة ورغبة في تجنيب مدينتهم المقدسة الدمار. لكنهم في المقابل لم يرضوا بطاعة غير مشروطة، إذ استطاعوا الحفاظ على استقلال نسبي للمؤسسة الدينية. فبينما قبلوا بالمذهب الحنفي كمذهب رسمي للدولة، مما دفع العديد منهم للتحول إليه، حافظوا على مكانة دمشق كمركز هام للفقه الشافعي والحنبلي. وقد استُخدمت الصوفية الدمشقية كأداة سياسية وتكيّف من قبل الطرفين، العثمانيين والدمشقيين، للوصول إلى تفاهم متبادل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة "زمن الاختلال" أو انحطاط السلطنة، حيث واجه علماء دمشق تحديات جديدة تمثلت في إهمال السلطنة لشؤون المدينة وسوء إدارة الحكام المرسلين إليها. وقد تصدّر العلماء المشهد كزعماء محليين، وقادوا الناس في أول ثورة اجتماعية في العهد العثماني عام 1727. أدى ذلك إلى تعزيز دورهم وتنبّه السلطنة لأخطائها، فاختارت أسرة آل العظم العربية لحكم المدينة، ومنحتهم امتيازات كإمارة الحج الشامي. ومع ذلك، عادت الأمور إلى سيرتها التقليدية، حيث طمع حكام دمشق في استغلال مناصبهم.
يبرز في هذه الأثناء الدور المتميز لآل المرادي الذين تدمشقوا قبل قرن ونصف، فاجتهدوا مع غيرهم من العلماء في حل مشكلات المدينة. تتصاعد الأحداث بوصول أحمد باشا الجزار حاكماً لدمشق، مما أهان المدينة. ثم جاءت محاولتا احتلال من حكام مصر، حيث وقف العلماء في الصف الأول دفاعاً عن مدينتهم. وفي محاولة الاحتلال الثانية بقيادة محمد علي باشا التي استمرت تسعة أعوام، فشل في انتزاع شرعية محلية لحكمه بسبب مقاومة الأهالي، لكنه نجح في خلق شرخ بينهم عبر فرض المساواة بين المسيحيين والمسلمين بالقوة، وهو ما أجهض المسار البطيء للعلاقة بين الطرفين.
يكتمل هذا الشرخ الأهلي في مرحلة التنظيمات بين عامي 1839 و1856، حيث تحول إلى استقطاب تغذّى على احتدام فصول المسألة الشرقية وتراجع قوة السلطنة وازدياد النفوذ الأوروبي. بلغت الأحداث ذروتها بمجزرة ضد مسيحيي دمشق عام 1860، والتي مثلت أهم اختبار مصيري لعلماء المدينة. فقد اكتشفوا تراجع قدرتهم على ضبط الشارع والعيوب الداخلية في طبقتهم. بعد هذه الأحداث، تصدّر العقلاء من العلماء الذين شاركوا في إنقاذ المدينة، وتوصلوا إلى قناعة أن الحل يكمن في الإصلاح. وقد ساعدهم في ذلك شخصيتان بارزتان هما فؤاد باشا رجل الإصلاحات والأمير عبد القادر الجزائري.
دخل العلماء بفضل هاتين الشخصيتين مرحلة جديدة اشتغلوا فيها على مسألتين: الإصلاح والهوية. في مسألة الإصلاح، تأثروا بتعاليم الأمير عبد القادر التي أعادت الاعتبار لأفكار محيي الدين بن عربي وهدّبت الأفكار المتشددة. أما في مسألة الهوية، فقد شجعت سياسة فؤاد باشا على نضوج الهوية المحلية في عموم سورية، وقبل العلماء نتاج تلك الأفكار بتأسيس ولاية سوريا عام 1865. لكن أولوية العلماء الإصلاحيين ظلت لمسألة الإصلاح، خاصة مع وصول السلطان عبد الحميد إلى العرش وانقلابه على التنظيمات والدستور، واعتماده سياسة الرابطة الإسلامية. وقد نجح أتباعه في دمشق في كبح المسار الإصلاحي.
في هذه الفترة تشكل جيل جديد من العلماء الإصلاحيين المعروفين بأتباع "السلفية"، وأبرزهم عبد الرزاق البيطار، جمال الدين القاسمي، وطاهر الجزائري. وقد اتبعوا سياسة إصلاحية انقلبت على كثير من المسلّمات، كإعادة الاعتبار لمدرسة ابن تيمية والاعتماد على الاجتهاد، والتخلي عن العصبية العلمائية، والانفتاح على الصحافة. وقد ضيّق نظام عبد الحميد البوليسي على نشاطهم، مما دفعهم لإضافة نسبة أعلى من السياسة إلى نشاطهم، حيث طوروا اهتماماً بالهوية المحلية والانتماء العربي، ولجأ بعضهم إلى المنفى الاختياري في القاهرة.
مع سقوط السلطان عبد الحميد ووصول حزب "الاتحاد والترقي" إلى السلطة عام 1908، اصطدم الإصلاحيون بأيديولوجية النظام القائمة على القومية التركية. وتولى الجيل الجديد من تلاميذهم المطالبة بالإصلاح السياسي واللامركزية. تعززت هويتهم العربية تدريجياً لتصل إلى ما سُمي "العروبة"، لكن سياسة الاتحاديين القمعية للحوار أغلقَت باب التوصل إلى حل، مما وضع العروبيين في حيرة تجاه فكرة الانفصال عن السلطنة. بعد استنفاد محاولات التفاهم، انتهى الأمر بأغلبيتهم في مؤتمر باريس عام 1913 إلى التحالف مع بريطانيا للخلاص من الحكم العثماني.
يختتم الفصل بتوضيح انقسام العروبيين الدمشقيين قبل الحرب العالمية الأولى بين يائسين غير منخرطين، ومن انقلب على العروبة، ومن انخرط في المشروع الهاشمي المدعوم من بريطانيا. بعد زوال الحكومة العربية القصيرة وتشكيل الانتداب البريطاني والفرنسي، انتقلت العروبة إلى القومية العربية التي واجهت معضلة عدم قدرتها على تجاوز الحمولة الرومانسية وعدم تكيفها مع الميول القطرية. وفي هذا السياق، بقيت الوطنية السورية ضعيفة وأسيرة لدور دمشق المركزي، حيث وُلدت ضعيفة بين 1946 و1963 بسبب التطورات التي أجهضت مسيرة نضوجها مع سيطرة التامة للعسكر على الحكم.
12.المراجع375–392▼ ملخص
هذا الفصل هو قائمة مراجع شاملة للكتاب، وليس فصلاً تحليلياً أو سردياً. يقدم المؤلف حسان القالش في هذه القائمة المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في كتابة دراسته عن سياسة علماء دمشق وإشكاليات الإصلاح والهوية. تهدف القائمة إلى توثيق المادة العلمية للكتاب وتمكين القارئ من الرجوع إلى المصادر الأصلية للتحقق أو التعمق.
تتوزع المراجع في قائمتين رئيستين: الأولى للمصادر العربية، والثانية للمصادر الأجنبية. تحتوي القائمة العربية على مئات العناوين التي تشمل كتب التراث والتاريخ، مثل أعمال ابن طولون وابن كثير والغزي والنابلسي، بالإضافة إلى كتب السير والتراجم كمؤلفات الشطي والبيطار. كما تضم مذكرات وأعمال شخصيات سياسية وثقافية من العصر الحديث مثل محمد كرد علي ورفيق العظم ولطفي الحفار. وتشمل القائمة أيضاً دراسات أكاديمية معاصرة بالعربية، منها ما كتبه فيليب خوري ووجيه كوثراني وخالد زيادة، والتي تتناول التاريخ الاجتماعي والسياسي لدمشق وبلاد الشام.
القائمة الثانية للمراجع الأجنبية، ومعظمها باللغة الإنجليزية، وتضم دراسات ومقالات من دوريات أكاديمية متخصصة. هذه المصادر تغطي فترات تاريخية مختلفة، من العصر العثماني المبكر وحتى فترة الانتداب الفرنسي، مع تركيز على سياسات الدولة العثمانية في سورية، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية لمدينة دمشق، ودور العلماء في الحياة العامة. يظهر من كثافة المصادر الأجنبية وحداثة بعضها، مثل الأعمال الصادرة في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، أن الكتاب يعتمد على أحدث المناهج البحثية في دراسة التاريخ.
لم يضع المؤلف أي قيود أو تحفظات في هذا القسم، إذ أن طبيعة فصل المراجع لا تستدعي ذلك. كما لا يتضمن الفصل حججاً قابلة للنقاش، فهو مجرد أداة توثيقية لعمل المؤلف. الملاحظ أن القائمة متنوعة وغنية، وتجمع بين المصادر الكلاسيكية والحديثة، العربية والأجنبية، مما يدل على أن الدراسة تسعى إلى تقديم رؤية شاملة ومعمقة لموضوعها.
13.فهرس عام393–406▼ ملخص
هذا الفصل هو فهرس عام لكتاب "سياسة عُلماء دمشق, أسئلة الإصلاح والهويّة" للمؤلف حسان القالش. لا يحتوي الفهرس على أي نص سردي أو حجج أو تحليلات. بدلاً من ذلك، هو قائمة طويلة ومنظمة بالترتيب الأبجدي لجميع الأعلام (أسماء أشخاص ومؤسسات وأماكن وأحداث) التي تم ذكرها في متن الكتاب مُرفقاً بها أرقام الصفحات التي وردت فيها.
يغطي الفهرس نطاقاً زمنياً وجغرافياً واسعاً جداً. الأسماء المذكورة تتراوح من شخصيات تاريخية مثل ابن تيمية الحراني (تقي الدين أحمد بن عبد الحليم) وابن عربي (محيي الدين) وجلال الدين الرومي، إلى سلاطين عثمانيين مثل سليم الأول وسليمان القانوني وعبد الحميد الثاني، وصولاً إلى شخصيات من القرن العشرين مثل جمال باشا (السفاح) وفيصل بن الحسين. كما يتضمن أسماء العديد من علماء دمشق (مثل عبد الرزاق البيطار وجمال الدين القاسمي ومحمد كرد علي) وشخصيات سياسية (مثل مدحت باشا ومحمد علي باشا). لا يمكن استخلاص موضوع محوري أو إجابة لسؤال معين من الفهرس وحده، فهو مجرد أداة مرجعية للبحث داخل الكتاب.
بما أن هذا الفصل هو مجرد فهرس، فإنه لا يحتوي على حجج أو أمثلة أو أدلة يستخدمها المؤلف. الغرض الوحيد منه هو تنظيم الإشارات إلى الأسماء الواردة في الكتاب، مما يسمح للقارئ بتحديد موقع كل اسم بسرعة. على سبيل المثال، يظهر اسم "عبد القادر الجزائري (الأمير)" مرات عديدة في الصفحات 17، 18، 21، 158، 159، 163، 164 وغيرها، مما يشير إلى ثقل حضوره في النص، لكن الفهرس لا يشرح سبب ذلك أو وظيفته. كذلك، تظهر عناوين لأحداث ومفاهيم مثل "التنظيمات العثمانية" و"المسألة الشرقية" و"الوهّابية" مع أرقام صفحاتها، مما يعطي فكرة عن الموضوعات التي يتناولها الكتاب لكن دون تفصيل.
لا يطرح هذا الفصل أي أسئلة مفتوحة أو تحفظات من قبل المؤلف، كونه مجرد أداة تقنية بحتة. لا توجد فيه حدود معرفية أو نقاشات. الحجج القابلة للنقاش لا تنطبق على فهرس، حيث أن وظيفته هي التسجيل والإحالة فقط، وليس التحليل أو الإقناع. خلاصة القول، هذا الفهرس هو دليل مرجعي للعبور عبر صفحات الكتاب، وليس فصلاً يقدم محتوى فكرياً أو جدلياً.
التحليل والكلمات المفتاحية
كلمات مفتاحية
أحداث