المورد
حلب في العصر العثماني

حلب في العصر العثماني

أندره ريمونar

ملخص شامل لكتاب "حلب في العصر العثماني" لأندره ريمون

يُشكّل كتاب "حلب في العصر العثماني" للمؤرخ الفرنسي أندره ريمون عملاً تأسيسياً في إعادة قراءة تاريخ المدن العربية الكبرى تحت الحكم العثماني. الموضوع المحوري للكتاب هو تفنيد النظرة الاستشراقية الكلاسيكية التي صورت المدينة العربية التقليدية، وخاصة في العصر العثماني، على أنها كتلة فوضوية متدهورة، تعاني من غياب النظام والتنظيم، وتعيش عصر انحطاط شامل. يدافع المؤلف عن أطروحة معاكسة تماماً، مفادها أن هذه المدن، وأبرزها حلب والقاهرة ودمشق وتونس، لم تكن فوضوية بل تمتعت ببنية مكانية واجتماعية واقتصادية واضحة ومنظمة، وأن الفترة العثمانية، وخاصة القرنين السادس عشر والسابع عشر، شهدت ازدهاراً ونمواً حضرياً حقيقياً، لا انحطاطاً.

تتقدم حجة الكتاب من خلال تفكيك المفهوم الاستشراقي أولاً، ثم بناء رؤية بديلة تعتمد على وثائق تاريخية موثوقة ودراسات ميدانية حديثة. يبدأ ريمون بنقد جذري لمفهوم "المدينة الإسلامية" الذي صاغه المستشرقون، ويبين أن هذا المفهوم كان نتاجاً لسياقات استعمارية وفكرية معينة، وانهيار تلك المدينة واصفاً إياها بالمتاهة التي تمتاز بالأزقة الملتوية والطرق المسدودة، والمنازل ذات الباحة المركزية الثابتة، وغياب المؤسسات البلدية. يشرح المؤلف كيف أن هذا التصور استند إلى مقارنة خاطئة مع النموذج الكلاسيكي الروماني، وكيف أن المستشرقين الفرنسيين مثل جان سوفاجيه وجاك ويليرس رسخوا صورة "الاستبداد التركي" و"المدينة الطفيلية". ثم ينتقل ليعلن "نهاية الاستشراق" مع ظهور باحثين جدد مثل إيرا لابيدوس وكلود كاهن، واستخدام الوثائق العثمانية الهائلة التي غيرت الصورة تماماً، وأثبتت الدور الكبير للقضاة والمحتسبين ومؤسسات الحرف والأحياء. ويقر المؤلف في النهاية بصعوبة الحديث عن مدينة "إسلامية" بالمعنى الدقيق، مقترحاً تسمية "المدينة العربية التقليدية" التي توجد في "مجال متوسطي مشترك".

بعد تفكيك الأسطورة، ينتقل الكتاب لبناء نموذج بديل عن البنية المكانية للمدينة العربية. المبدأ الأساسي هو الفصل بين قطاعين رئيسيين: قطاع عام في المركز وقطاع خاص للسكن في المحيط. المركز يدور حول الجامع الكبير ويضم الأنشطة الاقتصادية الأكثر أهمية مثل القيساريات والبدستانات (مثل خان الخليلي) والخانات المخصصة للتجارة الدولية. هذا المركز يتميز بشوارع عريضة ومستقيمة نسبياً، وهو ما يتناقض مع الصورة النمطية للفوضى. يذكر المؤلف أرقاماً دقيقة لمساحة هذه المراكز التجارية، ففي حلب بلغت 10.69 هكتاراً من مساحة إجمالية قدرها 367 هكتاراً، بينما بلغت في القاهرة 58 هكتاراً من أصل 660 هكتاراً. ومن اللافت أن هذه المنطقة المركزية في حلب كانت تحمل اسم "المدينة"، وشكلت خاناتها وحدها نصف مساحتها. أما القطاع السكني فيتكون من أحياء شبه مستقلة ( حارة، محلة، حومة ) تغلق أبوابها ليلاً، وتتميز بشوارع ضيقة ومتعرجة وكثيرة الطرق المسدودة، لكن هذا التصميم لم يكن عشوائياً، بل كان يهدف لحماية خصوصية الحياة العائلية. يوضح المؤلف أن نسب الطرق المسدودة تختلف بشكل حاد بين المركز والمحيط، ففي الجزائر مثلاً بلغت 24.5% في المدينة التجارية مقابل 59.9% في المدينة السكنية.

يكشف الكتاب النقاب عن قانون آخر يحكم هذه البنية، وهو التوزيع الطبقي للسكن. على عكس فكرة المساواة الاجتماعية التي يفترضها مفهوم "المدينة الإسلامية"، يثبت ريمون بشكل قاطع وجود تفرقة اجتماعية-اقتصادية واضحة تأخذ شكل حلقات متتالية. يعتمد في ذلك على أبحاث دقيقة في تونس والقاهرة وحلب، مستخدماً وثائق المحاكم الشرعية وسجلات التركات. ففي القاهرة نهاية القرن الثامن عشر، استأثرت 3% من الحاصلين على التركات بـ 50.1% من إجمالي الثروات، بينما لم تحصل 49.9% منهم إلا على 4.3%. هذا التفاوت ترجم مكانياً إلى تمركز المساكن الفخمة قرب المركز الاقتصادي، وانتشار المساكن المتوسطة في الأحياء المحيطة، وتكدس الفقراء في أحواش وأكواخ في الأطراف. وفي حلب، وجد الباحثون أن المساكن الكبيرة والغنية (من 400 إلى 900 متر مربع) تتركز حول القلعة والمركز التجاري في أحياء راقية مثل البندرة والفرافرة والبياضة، بينما انتشر المسكن الشعبي الفقير في الأطراف الشرقية والجنوبية للضواحي. يتحفظ المؤلف على هذا النموذج مشيراً إلى عدم قبوله في الأوساط الأكاديمية السابقة، لكنه يؤكد أنه حقيقة واقعية مدعومة بالأدلة.

يتعمق الكتاب في تحليل العلاقة بين المكان العام والمكان الخاص، وهي علاقة تفسر "اللامنتظم" الظاهر للمدينة. يعرض ريمون مفهوم "الفناء" عند الفقهاء (مثل ابن عابدين و بابر جوهانسن )، وهو الفسحة الإضافية حول البناء والتي تعتبر نصف خاصة ومملوكة جماعياً. سمح هذا المفهوم للسكان باستغلال الطرق العامة ببناء دكك ومشربيات وغرف فوق الطريق، مما أدى تدريجياً إلى ضيق الشوارع. ويضرب مثالاً على ذلك من المدينة المنورة عام 1794، حيث سمح القاضي لمالك منزل ببناء غرفة تغطي الطريق. يخلص المؤلف إلى أن المكان العام كان في هذه المدن "فئة مهددة" و"باقية" أو "متبقية" من المكان الخاص، وأن عجز السلطة عن السيطرة الكاملة على هذه التوسعات هو ما يفسر عدم الانتظام في البنى المادية. لكنه في المقابل، يصف الحي كـ "مكان جماعي" متماسك، يخضع لضبط اجتماعي شديد، حيث يمكن لسكان حارة في القاهرة طلب طرد شخص مشبوه، أو شنق رجل على باب حارتهم بتهمة القوادة عام 1804.

لا يكتفي ريمون بالوصف الثابت، بل يتتبع ديناميكية النمو الحضري خلال العهد العثماني. يستخدم أدلة مبتكرة لتأكيد الازدهار، مثل نقل المدابغ المزعجة من داخل المدن إلى أطرافها. ففي حلب، تم نقل المدابغ نحو عام 1570 إلى خارج باب إنطاكية بمنشأة ضخمة تضم 53 حجرة في الطابق الأرضي و58 في الطابق العلوي. وفي القاهرة، نقلت المدابغ جنوب باب زويلة بين عامي 1592 و1687، مما أتاح بناء مساجد هامة مثل جامع الملكة صفية (1610) وجامع البرديني (1629) مكانها. وفي تونس، حدث النقل نحو عام 1770 بأمر من علي باي، ووصفه المؤرخ المحلي حمودة بن عبد العزيز في نص معاصر. يعتبر المؤلف أن هذا التلاقي بين ثلاث مدن مختلفة يقدم دليلاً مادياً لا يقبل الجدل على النمو السكاني والعمراني. كما يستخدم الحمامات العامة كمؤشر إحصائي غير مباشر، فوجد أن النسبة بين السكان والحمام الواحد تتكرر في نطاق ضيق جداً بين 3,000 و5,000 ساكن لكل حمام، مما يجعله أداة مفيدة لفحص التقديرات السكانية التقليدية.

يخصص الكتاب قسماً مهماً لدراسة آليات النمو هذه، وأبرزها نظام الأوقاف الكبرى الذي لعب دوراً حاسماً في تنظيم وتوسيع المكان الحضري في غياب إدارة مدنية حديثة. يحلل أربع عمليات عمرانية متتالية في حلب بين عامي 1544 و1583، قام بها كبار المسؤولين العثمانيين: خسرو باشا ببناء مجمعه حول جامع الخسروية على مساحة 4-5 هكتارات، ومحمد باشا دو غاكين زاده بمجمع العادلية على 3 هكتارات ضم ثلاثة خانات كبرى وأربعة أسواق، ومحمد باشا إبراهيم خان زاده بمجمع خان الحمرك على هكتار واحد ضم 937 محلاً تجارياً، وبهرام باشا بمجمع جامع البهرامية. يصف المؤلف هذه المشاريع بأنها كانت تنفذ غرب المشروع السابق وكأنها مخطط مسبق، مما أدى إلى مضاعفة مساحة "المدينة" التجارية في حلب من حوالي 4 هكتارات إلى أكثر من 9 هكتارات. وفي القاهرة، يدرس عمليات مشابهة قام بها رضوان بك جنوب باب زويلة نحو 1645، وإبراهيم آغا في حي التبانة. يخلص الفصل إلى أن الأوقاف كانت الأداة الأكثر فاعلية لتنظيم المدينة، إذ جمعت بين المشروع الديني والمباني الاقتصادية المدرة للدخل، مما خلق مجمعات عمرانية متكاملة تشبه عمليات التطوير الحضري الحديثة.

في الفصل الأخير، يقدم تحليلاً شاملاً للنمو الحضري، رابطاً إياه بالفوائد التي جناها العالم العربي من الوحدة السياسية التي أوجدتها الإمبراطورية العثمانية. يرى ريمون أن تشكيل كيان سياسي واسع من المغرب إلى فارس خلق سوقاً داخلية ضخمة، وأمناً خارجياً سمح للمدن بالنمو خارج أسوارها. ففي دمشق، لم يعد سكان حلب يصنعون سور مدينتهم، بل غزته المنازل، وتحول خندقه إلى طريق للمرور. ويضرب مثلاً على هيمنة التجارة الداخلية بأن 36% من تجارة مصر كانت مع الشرق، و50% مع ولايات الإمبراطورية، و14% فقط مع أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر. ويعرض أمثلة مدهشة على حركة الأفراد عبر الإمبراطورية، كالتاجر التركي حسين القيصرلي (توفي عام 1777) الذي كانت له أسرتان متنقلتان بين القاهرة وتركيا في رحلة تتجاوز 2000 كم. ونتيجة لهذا الازدهار، تشير الأرقام إلى توسع مذهل في المساحات المعمورة: ففي حلب نمت المساحة من 238 هكتاراً عام 1516 إلى 367 هكتاراً بداية القرن التاسع عشر، وفي دمشق من 212 هكتاراً إلى 313 هكتاراً، وفي القاهرة من 450 هكتاراً في العصر المملوكي إلى 660 هكتاراً نحو عام 1798، أي بنسبة تقل قليلاً عن 50% لكل منها.

يقر المؤلف بصراحة بحدود معرفتنا، معترفاً بأن فهمنا للتاريخ الاقتصادي للولايات العربية العثمانية ليس دقيقاً بما يكفي، وأن أصول النظام المديني ومعرفة النماذج العربية السابقة لا تزال غامضة وتحتاج للمزيد من الحفريات والتنقيبات. كما يترك أسئلة مفتوحة حول التناقض الظاهري بين هذا التقدم المادي والجمود الفكري والثقافي الذي شهدته المنطقة، وحول آليات التنفيذ الفني للمشاريع العمرانية والعلاقة بين الواقفين وأصحاب الحرف. ومع ذلك، يقدم الكتاب حجة قوية وقابلة للنقاش، مفادها أن السردية التاريخية عن "الانحطاط العثماني" بحاجة إلى مراجعة جذرية بناءً على أدلة مادية وتاريخية جديدة. إن دراسة أندره ريمون لا تقتصر على حلب وحدها، بل تقدم نموذجاً متكاملاً لفهم المدينة العربية التقليدية، مؤكدة أنها لم تكن كتلة فوضوية، بل كانت نظاماً معقداً ومتوازناً، يعكس تنظيماً وظيفياً واقتصادياً واجتماعياً فريداً، يستحق الدراسة والتقدير.

الفصول(19)

1.الفصل الأول: مدينة إسلامية، مدينة عربية: أساطير استشراقية وبحوث حديثة11–42▼ ملخص

ملخص الفصل الأول: «مدينة إسلامية، مدينة عربية: أساطير استشراقية وبحوث حديثة»

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو نقد المفهوم الاستشراقي الكلاسيكي لـ«المدينة الإسلامية»، وتفكيك أسسه الفكرية والتاريخية، وتقديم رؤية بديلة تستند إلى البحوث الحديثة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا المفهوم لم يكن وصفاً محايداً للواقع، بل كان نتاجاً لسياقات استعمارية وفكرية معينة، وأنه ينهار عند مواجهته بالوثائق التاريخية والدراسات الميدانية المعاصرة.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تتبع أصول المفهوم الاستشراقي. يحدد المؤلف أن هذا المفهوم هو «من صنع فرنسي إلى حد بعيد»، مشيراً إلى المدرسة الفرنسية في الجزائر التي يمثلها الأخوة مارسيه (ويليام مارسيه وكتابه «الدراسات الإسلامية والحياة الحضرية» عام 1928)، ومدرسة دمشق في الثلاثينيات (جان سوفاجيه وجاك ويليرس). يوضح أن الباحثين الفرنسيين أولوا اهتماماً خاصاً بالحياة الحضرية، وأنتجوا سلسلة دراسات عن مدن مثل المراكش وحلب والرباط وفاس والجزائر والقاهرة.

ثم يكشف المؤلف عن الخلفية الأيديولوجية لهذا التصور، مبيناً أن المستشرقين سلّموا من البداية بالدور الرئيسي للإسلام في تشكيل المكان. لكن ما يهم حقاً هو البيئة الفكرية والسياسية التي عاش فيها هؤلاء المنظرون، والتي تمثلت في الاستعمار الفرنسي الذي انتشر في بقاع حملت طابع الحضارتين اليونانية والرومانية. هذا جعل المستشرقين يقارنون المدن العربية باستمرار بالنموذج الكلاسيكي (الروماني)، معتبرين غياب الطرق المتعامدة والمؤسسات البلدية دليلاً على الفوضى والتخلف. كما أن المدن العربية كانت خارجة لتوها من السيطرة التركية، مما دفعهم لتعزيز صورة «الاستبداد التركي» مقابل «النظام والتقدم» الذي تعد به السيطرة الفرنسية.

يستشهد المؤلف بمقتطفات من كتابات جان سوفاجيه عن حلب ليوضح هذه الرؤية السلبية، حيث يصفها بأنها «صورة خادعة» لا وراءها إلا الخراب، وأن عناصر الانحلال تعمل فيها باستمرار. كما ينقل عن جاك ويليرس مفهوم «المدينة الطفيلية» المنفصلة عن محيطها الريفي، والتي تستهلك دون أن تنتج، مستشهداً بأمثلة مثل أنطاكية (التركية) في وسط محيط علوي وحماة (العربية) في وسط محيط بدوي.

في القسم الثالث، يشرح المؤلف المعطيات الأساسية لهذا المفهوم السلبي كما لخصها جوستاف فون جرونباوم في مقاله «بنية المدينة المسلمة» (1955). فالمدينة الإسلامية توصف بأنها فقدت انتظام المدينة القديمة، واستبدلت الطرق المتعامدة بشوارع متعرجة ومسدودة تشبه المتاهة. مبانيها لا تعدو كونها انحطاطاً للزخرفة الحضرية القديمة (الأسواق والقيساريات انحطاط للشارع ذي الأعمدة). وهي تفتقر إلى المؤسسات البلدية، حيث لا ينظر إليها ككيان حي بل كتجمع لأفراد ذوي مصالح متضاربة. كما توصف المدينة بأنها «لازمنية»، وكأنها لم تتغير منذ العصور الكلاسيكية، وكذلك المنزل ذو الباحة المركزية يُنظر إليه كصورة ثابتة أبدية.

ثم ينتقل المؤلف إلى القسم الرابع والأخير، الذي يحمل عنوان «نهاية الاستشراق: منظور جديد للمدينة». يحدد تاريخ نهاية الاستشراق الكلاسيكي بنشر المجلد الثاني من كتاب هـ. أ. ر. جيب وهارولد بوين «المجتمع الإسلامي والغرب»، ومقال فون جرونباوم نفسه عام 1955 الذي يمثل «نُحاتة الإبداع في هذا المضمار». العامل الرئيسي في هذا التحول هو نهاية الفترة الاستعمارية (بين 1945 و1962)، مما أدى إلى زوال شعور الاكتفاء الذاتي لدى المستعمرين وتحول السكان الأصليين من مجرد مقدمي معلومات إلى باحثين شركاء.

يذكر المؤلف دوراً رئيسياً لباحثين جدد مثل إيرا لابيدوس (كتابه «المدن المسلمة في نهاية العصور الوسطى» الذي أظهر الطابع التاريخي للمدينة) وكلود كاهن. لكن التطور الأهم هو توظيف الوثائق العثمانية الهائلة (سجلات القضاة، وثائق ضريبية، سجلات مركزية، وثائق الأوقاف) التي غيرت الصورة تماماً. هذه الوثائق أتاحت إعادة النظر في فرضية «الانحطاط العثماني»، وأثبتت الدور الكبير الذي يؤديه القضاة في إدارة المدينة، وأظهرت أهمية مؤسسات مثل اتحادات الحرف وجماعات الأحياء والجماعات الدينية والإثنية، مما نقض فكرة المدينة المتروكة للفوضى والمصالح الفردية.

يتناول المؤلف تفنيداً مفصلاً لفرضيات المدرسة الاستشراقية بناءً على هذه البحوث الجديدة. فقد تبين أن المجتمع «التقليدي» لم يكن متجانساً، بل كان يتسم بتفاوت كبير جداً في الثروة؛ ففي القاهرة نهاية القرن الثامن عشر، كان 10% من السكان يمتلكون 50% من الثروة بينما 50% لا يحصلون إلا على 4.3%. كما تهاوى أساس المقارنة مع المدينة الكلاسيكية، إذ أثبتت دراسات جديدة (مثل دراسة هيو كيندي بعنوان «من المدينة القديمة إلى المدينة الإسلامية») أن ما اعتبره المستشرقون مميزاً للمدينة الإسلامية (الأزقة الضيقة، غياب الساحة العامة) كان موجوداً في المدن «القديمة» ذاتها نتيجة انحطاط حصل على مدى قرون. كما أن الدراسات بينت أن المدينة الكلاسيكية تطورت عبر الزمن، وكذلك المنزل «المسلم» الذي تعددت أشكاله بشكل كبير بين قصر فخم ومسكن بدائي.

في النهاية، يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: هل يمكن الحديث عن مدينة «إسلامية» أصلاً في ظل تنوع العالم الإسلامي الهائل من المغرب إلى الصين؟ ويشير إلى صعوبة استنتاج عقيدة مدينية من النصوص المؤسسة للإسلام، فالتوصيات الواردة عامة ولا تقدم نموذجاً عمرانياً محدداً. يقر المؤلف بأنه لا توجد مدينة «إسلامية» بالمعنى الذي حاول المستشرقون تعريفه. ومع ذلك، يعترف بوجود «مجال حضري مشترك» يمتد من مراكش إلى أصفهان، يتميز ببعض السمات مثل تركز الأسواق في الوسط ووجود الأحياء المغلقة والمنازل ذات الباحة. لكن هذه السمات ليست «مسلمة بشكل خاص»، بل تعود أصولها أحياناً إلى ما قبل الإسلام، وهي تمثل «مجالاً متوسطياً» يمكن تسميته بـ«المدينة العربية التقليدية».

يقدم المؤلف في النهاية رؤيته البديلة، مركزاً على المدينة العربية الحديثة (بين 1516 و1800 تقريباً). يصف سماتها الرئيسية: الفصل بين الوظائف الاقتصادية والسكنية، حيث تتركز الأسواق والخانات في المركز محيطة بالمسجد الرئيس. ثم تأتي منطقة سكنية حول هذا المركز تتميز بشوارع أقل انتظاماً وأحياء مغلقة نسبياً. كما يظهر تدرج اجتماعي واضح من المركز الغني إلى الأطراف الفقيرة، وهو ما نفته النظرية الاستشراقية عن «المساواة الإسلامية». وأخيراً، يخلص المؤلف إلى أن المدينة لم تكن تعاني من ضعف الإدارة كما زعم المستشرقون، بل كانت تديرها شبكة معقدة من المؤسسات: القضاة، المحتسبون، شيوخ البلد، الأوقاف، وأهمها «الطوائف» أو الجماعات (الحرفية، الدينية، الإثنية، والأحياء) التي كانت تؤطر الحياة وتعطي المدينة تماسكاً عضوياً.

الحجج القابلة للنقاش: يقر المؤلف بحدود البحث الحالي، مشيراً إلى أن أصول هذا النظام المديني ومعرفة النماذج العربية السابقة لا تزال غامضة، وتحتاج إلى المزيد من الحفريات والتنقيبات في مواقع مثل شبوة والفاو والكوفة والفسطاط. يترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان ينبغي وصف هذه المدن بـ«الإسلامية» أو «العربية» أو «المتوسطية»، مقترحاً مقاربة حذرة تأخذ بالاعتبار التنوع الإقليمي وتأثير العادات الإسلامية.

2.الفصل الثاني: البنية المكانية للمدينة43–58▼ ملخص

يجيب هذا الفصل عن سؤال محوري هو: كيف كانت تُنظم المدينة العربية «التقليدية» في الفترة بين بداية القرن السادس عشر ونهاية القرن التاسع عشر، وذلك قبل دخول الحداثة. الإجابة التي يقدمها أندره ريمون هي أن هذه المدينة لم تكن كتلة عشوائية فوضوية كما صورها المستشرقون، بل كانت تمتلك بنية مكانية واضحة ومنظمة تقوم على فصل جوهري بين مركز عام مخصص للأنشطة الاقتصادية والدينية والثقافية، وأحياء سكنية خاصة تشكل محيط المدينة.

يبدأ الفصل بتحديد الإطار الزمني والمعرفي للبحث، مشيراً إلى أن مصادره الرئيسية تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مثل مخططات «وصف مصر» وسجلات المحاكم الشرعية. ويعترف بصعوبة إعادة بناء صورة المدينة «الكلاسيكية» التي سبقت القرن السادس عشر، مما يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت خصائص المدينة الحديثة تمثل استمراراً أم تنوعاً جديداً في تاريخ المدينة العربية.

ثم ينتقل الفصل إلى شرح النظام المكاني للمدينة. السمة الأولى والرئيسية هي الفصل بين قطاع «عام» في المركز وقطاع «خاص» مخصص للسكن. هذا الفصل يتجلى في شبكة الطرق: فالمركز يتميز بطرق مفتوحة ومنتظمة نسبياً، بينما الأحياء السكنية تتميز بشبكة غير منتظمة تكثر فيها الأزقة المسدودة. ويضرب مثالاً بمدينة الجزائر قبل الاستعمار، حيث تبلغ نسبة الطرق المسدودة في المدينة السفلى (التجارية) 24.5% فقط، مقارنة بـ 59.9% في المدينة العليا (السكنية). ويشير إلى أن الفقهاء والعلماء أنفسهم كانوا يدركون هذا التقسيم، فميزوا بين قطاعات عامة تتحمل السلطات مسؤوليتها، وقطاعات خاصة يتحمل سكانها المسؤولية جماعياً.

أما القطاع المركزي، فهو يدور حول الجامع الكبير الذي يجمع العبادة والتعليم. ففي القاهرة مثلاً، كان الجامع الأزهر يضم في نهاية القرن الثامن عشر أعداداً كبيرة من الأساتذة والطلاب، وكان 67% من المشايخ المعروفين يسكنون على مسافة أقل من 250 متراً منه. ويضم هذا المركز أيضاً الفعاليات الاقتصادية الأساسية، مثل القيساريات والبدستانات (مثل خان الخليلي) وسوق الصاغة، وهي أسواق مغلقة غالباً للتجارة الثمينة. كما توجد الخانات المخصصة للتجارة الدولية والجملة. ويؤكد الفصل على تمركز هذه الأنشطة في منطقة محدودة جداً، ويقدم مساحات هذه المراكز التجارية بالهكتار لعدة مدن: 2 في الجزائر، 6 في تونس، 8.7 في دمشق، 10.69 في حلب، 11.8 في بغداد، و58 في القاهرة. في حلب، كانت هذه المنطقة المركزية فريدة لدرجة أنها حملت اسم «المدينة»، وشكلت خاناتها وحدها نصف مساحتها. وفي القاهرة، شكل الحرفيون والصناع العاملون في القلعة المركزية، والذين يشغلون أقل من 1.2% من مساحة المدينة، 57% من ثروات جميع الحرفيين.

يخصص الفصل فقرات مهمة للأحياء السكنية، التي تحمل أسماء مختلفة مثل حومة وحارة ومحلة. وهي عبارة عن وحدات شبه مستقلة، غالباً ما تكون مغلقة بباب في الليل أو أثناء الاضطرابات، لكنها غير منقطعة عن المركز الذي يقصده السكان لحاجاتهم. ويختلف عدد هذه الأحياء بحسب حجم المدينة: حوالي 50 في الجزائر وتونس، 72 في حلب، و100 في القاهرة، وتبلغ مساحة كل منها نحو 2 هكتار، لتشكل جماعة سكانية صغيرة تتراوح بين 200 عائلة. ويشير إلى أن بعض هذه الأحياء لم تنشأ بشكل عفوي، بل كانت نتيجة فرز منظم للأراضي، مما يظهر أشكالاً هندسية مثل التصميم «كأسنان المشط»، وهو مجال يستحق دراسة تصنيفية أوسع.

أما الموضوع الثالث فيناقش تنظيم الأنشطة الاقتصادية على شكل حلقات متتابعة حول المركز. فالأنشطة الأكثر أهمية وربحاً، مثل تجارة التوابل والبن والأنسجة الثمينة، تحتل القلب في المنطقة المجاورة للجامع مباشرة. ففي القاهرة، كانت جميع خانات تجارة البن والقهوة في القرن الثامن عشر تقع في المركز. أما الفعاليات الأقل أهمية والأكثر إزعاجاً، مثل أسواق الحبوب والحيوانات والمسالخ والمدابغ، فكانت تدفع نحو الأطراف أو خارج المدينة. ويستخدم الفصل هذا المبدأ كأداة تحليلية لقراءة تاريخ المدينة، فابتعاد نشاط الفرائين عن مركز القاهرة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر يشير إلى تراجعه. ويلفت الانتباه إلى أن انتقال المدابغ في حلب (1570) والقاهرة (1600) وتونس (نحو 1770) ارتبط بمراحل توسع حضري جعلتها مزعجة داخل الأحياء الجديدة.

ربما تكون الفكرة الأكثر إثارة للاهتمام والنقاش هي معالجة الفصل للتقسيم الطبقي للسكن، والتي يعترف أنها «ليس مقبولة» بالرغم من وجود دراسات سابقة تدعمها. فالمؤلف يتحفظ على النموذج الذي يفترض أن الأغنياء يسكنون في المركز والفقراء في الأطراف، لسببين: الأول هو التناقض الظاهري مع صورة «المجتمع الإسلامي المتساوي»، والثاني هو هيمنة نموذج المنزل ذي الباحة المركزية، مما يخفي الاختلافات الكبيرة بين المساكن. لكنه يؤكد، بناءً على أبحاث دقيقة في تونس (ريشو)، وحلب (ماركوس)، والقاهرة (نيللي حنا)، ودمشق، أن التفرقة السكنية حقيقة واقعية. فهناك تدرج واضح من المساكن الميسورة حول المركز والأسواق إلى المساكن المتوسطة فالفقراء في الأطراف، مع تفاوتات صارخة في الثروة والإنفاق.

أخيراً، يناقش الفصل أسباب انحراف المدن عن الشكل المثالي الدائري المتسق حول المركز، وهو ما يسميه البنية «اللامنتظمة» أو غير المتناسقة. ويعزو هذا الأمر لعوامل طبيعية وجغرافية محددة، مثل حصر بحيرتين لتوسع تونس نحو الشمال والجنوب فقط، ونهر قويق في حلب، وجبل المقطم وقناة الخليج في القاهرة، وعامل الحج والتجارة في تشكيل ضاحية الميدان في دمشق. كما يضيف عوامل بشرية مثل المقابر الكبيرة التي أعاقت النمو، ووجود أحياء تعيش فيها أقليات دينية (مسيحيين ويهود) مثل حي الجديدة في حلب، والحي اليهودي في القاهرة، أو أحياء النخبة الحاكمة التي اختارت مواقع محيطية كالبريكة في القاهرة، وهو ما يخلق استثناءات واضحة في خريطة التوزيع المكاني العامة. ويختم الفصل بالاعتراف بصعوبة العثور على مدينة مطابقة للنموذج النظري بسبب هذه الاستثناءات، لكنه يرى أن هذه العوامل لا تخفي تماماً البنية الأساسية المتمثلة في حلقات تتحلق حول المركز، تاركاً الباب مفتوحاً لمشكلة الأصول التي تتطلب معرفة أعمق بالمدينة ما قبل الإسلامية.

3.الفصل الثالث: أمكنة عامة وأمكنة خاصة في المدن العربية التقليدية59–72▼ ملخص

الفصل الثالث من كتاب "حلب في العصر العثماني" للمؤلف أندره ريمون يتناول موضوعاً محورياً وهو تقسيم المدينة العربية التقليدية إلى قطاعين رئيسيين: قطاع عام وقطاع خاص. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا التقسيم لم يكن مجرد ترتيب مكاني عشوائي، بل كان يعكس تنظيماً وظيفياً وقانونياً واجتماعياً عميقاً، حيث يتركز النشاط الاقتصادي والديني في القطاع العام، بينما ينكفئ القطاع السكني على الحياة العائلية الخاصة. يجادل المؤلف بأن هذا البنية ليست نتيجة حتمية لـ "الطابع الإسلامي" وحده، بل هي نتاج تطور تاريخي طويل، ويشير إلى أن مدناً مغربية وإيرانية مشابهة في بنيتها للمدن "العثمانية" تطرح تساؤلات حول تأريخ هذا التنظيم إلى العصر العثماني فقط، ويدعو إلى مزيد من الأبحاث المقارنة.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح هذه الثنائية. أولاً، يحدد القطاع المركزي، الذي يسميه سكان حلب "المدينة"، ويركز فيه الأسواق الكبرى والخانات المخصصة للتجارة الدولية. يقدم المؤلف أرقاماً دقيقة لتوضيح قوة هذا التمركز، فيذكر أن هذه المنطقة المركزية في حلب (مساحتها 60.6 هكتار من 367 هكتاراً) كانت تضم 30 سوقاً من أصل 56، و19 خاناً من أصل 53، بمساحة كلية 4.3 هكتار، أي نصف مساحة المركز الحضري تقريباً. وبالمثل في القاهرة في القرن الثامن عشر، امتدت هذه المنطقة على 58 هكتاراً من 660 هكتاراً، وضمت 58 سوقاً و229 خاناً. يوضح المؤلف أن هذه المنطقة لم تكن مركزاً اقتصادياً فحسب، بل كانت تضم الجامع الكبير الذي كان بمثابة مركز للصلاة والتدريس والقضاء.

بعد ذلك، ينتقل المؤلف إلى وصف القطاع السكني الذي يحيط بالمركز بشكل دائري تقريباً. هذا القطاع مخصص بالكامل للسكن، ويتخذ شكله الأشهر في الأحياء "المغلقة" التي تعرف بأسماء مختلفة مثل "حارة" في مصر و دمشق، و"محلة" في حلب و العراق. ويشرح الفرق بين شبكتي الطرق في القطاعين؛ فالقطاع المركزي يتميز بشوارع عريضة ومستقيمة نسبياً، غالباً ما تكون إرثاً من العصور القديمة أو ناتجة عن تخطيط المدن الإسلامية الأولى مثل بغداد و القاهرة. أما في القطاع السكني، فالشوارع ملتوية وتنتهي بطرق مسدودة، وهي السمة التي يعتبرها المؤلف ليست إلا جزءاً من شبكة الطرق، وليس عيباً مطلقاً كما يظن البعض.

يتعمق الفصل في البنية القانونية والاجتماعية لهذا التقسيم مستعيناً بأعمال الفقيه الحنفي ابن عابدين (المتوفي في دمشق عام 1842) والباحث بابر جوهانسن. يوضح أن الفقهاء الحنفيين، وهم المذهب السائد تحت الحكم العثماني، كانوا يميزون بوضوح بين "الأمكنة العامة" التي تتحمل السلطة مسؤوليتها (كالشوارع الرئيسية والمساجد الكبرى)، و"الأمكنة الخاصة" التي يتحمل سكانها المسؤولية (كالطرق المسدودة والأسواق الصغيرة). ويضرب مثلاً على ذلك بقانون "القسامة" (الترضية) في جرائم القتل دون معرفة الفاعل، حيث تقع الترضية على السلطة إذا وقعت الجريمة في مكان عام، وعلى سكان الحي إذا وقعت في مكان خاص. يخلص جوهانسن إلى أن المسؤولية العامة هي فئة متبقية، تبدأ حيث تنتهي المطالب والالتزامات الخاصة.

ينتقل المؤلف بعد ذلك لوصف الحي كـ "مكان جماعي". فالحي، رغم انتمائه للقطاع الخاص، ليس مكاناً فردياً بل هو وحدة اجتماعية متماسكة. يقدم الفصل أمثلة من القاهرة و حلب و دمشق و صنعاء (مستشهداً بـ ج. ب. بوننفان) ليصف بنية الحي: له باب يغلق ليلاً، وخاضع لسلطة شيخ يؤدي دور الوسيط بين السكان والسلطة، ومساحته صغيرة (في القاهرة العثمانية، متوسط مساحة 70 حياً كان هكتارين، وعدد سكانه حوالي 800 نسمة أو 150-200 عائلة). هذا الحجم الصغير والعلاقات الشخصية بين السكان، كما تشير الباحثة نوال المسيري في دراستها عن "حارة السكرية" في القاهرة، يخلقان "ضبطاً جماعياً" شديداً. يقدم الفصل أمثلة ملموسة لهذا الضبط: سكان حارة في القاهرة طلبوا من الوالي طرد شخص مشبوه، وتم طرد متهمين بتعاطي الكحول أو نشر الإشاعات، بل وتم في عام 1804 شنق رجل على باب الشعرية بتهمة القوادة. وفي حلب، تشير الأوامر السلطانية إلى حالات نقل سكان مساكنهم بسبب خلافات مع الجيران. وفي المقابل، يعبر هذا الإطار الجماعي عن نفسه إيجاباً من خلال التضامن وأنشطة مثل "العراضة" الدمشقية.

يوضح المؤلف أن هذا المكان الجماعي لا يقتصر على الأحياء، بل يشمل أيضاً الساحات الداخلية في الأحياء (مثل حلب و صنعاء) والساحات الداخلية للمنازل الشعبية، أو ما يسمى بـ "الحوش". يصف كتاب "وصف مصر" هذه الأحواش بأنها ساحات كبيرة مسورة، فيها أكواخ صغيرة، تسكنها جماعات فقيرة. كان الحوش في دمشق في القرن السابع عشر يحتوي على بئرين وسبعة مراحيض، مما يجعله مكاناً شبه خاص يستخدمه جميع السكان. يعتبر المؤلف أن هذا المسكن الجماعي هو تكيف للمسكن الريفي مع ظروف المدينة.

يصل الفصل إلى ذروته بتحليل مفهوم "الفناء"، وهو امتداد المكان الخاص إلى المكان العام. يعد هذا المفهوم عند الفقهاء (مثل ابن الرامي و ابن القاسم) هو الفسحة الإضافية حول بناء أو في ممر، والتي تعتبر نصف خاصة ومملوكة جماعياً. استخدام هذا الفناء أكثر حرية في الطرق المسدودة. من تطبيقات هذا المفهوم إقامة دكة أو شجرة أمام الباب، أو بناء أجنحة وغرف فوق الطريق. يذكر حتلول حالة في المدينة عام 1208 هـ (1794 م) حيث سمح القاضي لمالك منزل ببناء غرفة تغطي الطريق بشرط ألا يعيق السير، متجاهلاً اعتراضات الجيران. هذا المفهوم، مع ميل الفقهاء لحماية الأفراد وقبول ما له سابقة، يجعل المكان العام "فئة مهددة" و"باقية" أو "متبقية" من المكان الخاص، كما خلص جوهانسن. هذا العجز النسبي للسلطة عن السيطرة الكاملة على التوسعات الخاصة هو ما يفسر، برأي المؤلف، عدم الانتظام في البنى المادية للمدن العربية.

في ختام الملخص، يمكن القول إن الفصل الذي بين أيدينا يقدم حجة قابلة للنقاش بخصوص "أولوية" المكان الخاص على المكان العام في المدينة العربية التقليدية. يبدو أن المؤلف، من خلال فكرة "الفناء" وتفسير جوهانسن، يرى أن الخاص هو الأساس والعام هو الاستثناء أو الباقي. هذه النظرة قد تتعارض مع تصورات حديثة عن الحق العام والفضاء العام كمنطقة حيوية للجميع، مما يفتح باباً للنقاش حول ما إذا كانت هذه العلاقة بين العام والخاص قد تغيرت جوهرياً في العصر الحديث، وكيف أثر ذلك على تخطيط المدن العربية.

4.الفصل الرابع: ملاحظات حول شبكة الطرق في المدن العربية73–88▼ ملخص

ملخص الفصل الرابع: ملاحظات حول شبكة الطرق في المدن العربية

يدور هذا الفصل حول الادعاء السائد بين المستشرقين بأن شبكة الطرق في المدن العربية، وخاصة في العصر العثماني، كانت فوضوية وغير منتظمة، ويردّ المؤلف على هذا الادعاء. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن ما يُعتبر "فوضى" هو في الواقع بنية مزدوجة ومنطقية للطرق، تعكس تنظيماً اجتماعياً-اقتصادياً معيناً. يرى المؤلف أن هذه الشبكة لم تكن نتيجة عشوائية، بل كانت تكيفاً وظيفياً مع احتياجات المدينة العربية، حيث قسمت إلى قطاعين رئيسيين: قطاع اقتصادي مركزي بطرق منتظمة، وقطاع سكني محيطي بطرق متعرجة وضيقة.

يبدأ الفصل بعرض الانتقادات الحادة التي وجهها باحثون مثل لوتورنو وكليرجه وسوفاجيه للمدينة العربية، واصفين إياها بالمتاهة والفوضى. يذكر المؤلف أن سوفاجيه ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الإسلام لم يقدم أي إسهام إيجابي في العمران، بل أدى إلى تمزيق المركز الحضري وتجزئته. هذا الرأي يعزو سوء التنظيم إلى عدم قدرة الإسلام على تصور تنظيم حضري خاص، حيث لا تعرف الشريعة إلا "الأمة" ككل، ولا تمنح المدن وضعاً خاصاً. ويشير المؤلف إلى أن هذا النقد اشتد خلال العهد العثماني، الذي وُصف بالفوضى والخلل المدنيين، على الرغم من أن الفترة العثمانية شهدت نمواً حضرياً واضحاً في مدن مثل حلب والقاهرة ودمشق التي تجاوز عدد سكانها 100,000 نسمة و 200,000 نسمة على التوالي.

ثم ينتقل الفصل إلى تفنيد هذه الآراء، معترفاً بوجود عدم انتظام في شبكة الطرق، لكنه يضعه في سياقه الصحيح. يصف المؤلف الظواهر المعروفة مثل ضيق الطرق الذي صُممت لحركة البهائم لا العربات، ووجود "الدكك" و"المشربيات" التي تقلص عرض الطريق. ويذكر مثالاً على ضيق الطرق حين استشار الخديوي محمد علي عام 1845 العلماء حول العرض المناسب لطريق جديد. كما يتناول ظاهرة الطرق المسدودة التي تشكل نسباً كبيرة في المدن مثل فاس (52%) والقاهرة (47%) وحلب (33%) من الطول الكلي للطرق، ويعزو ذلك جزئياً إلى ضعف مفهوم "المجال العام" وتسامح الفقهاء مع انتهاكات الأقوياء للطرق العامة، مستشهداً بقصة الشيخ أحمد بن سالم النفراوي الذي استغل نفوذه لدى علي بك للتعدي على الطريق العام في الجيزة.

في المقابل، يقدم المؤلف الحجة المركزية للفصل وهي وجود "نظام مزدوج للطرقات"، مستنداً إلى ملاحظات الباحث توريس بالبا حول المدن الأندلسية. يشرح المؤلف أن هذا النظام يميز بين نوعين من الطرق:

  1. في الأحياء المركزية: المخصصة للفعاليات الاقتصادية الأساسية، توجد طرق مفتوحة، عريضة ومستقيمة نسبياً، تصل بين أبواب المدينة. هذه الطرق صُممت لتسهيل حركة المشاة وحيوانات الركوب، وتظهر بشكل واضح في مدن مثل حلب ودمشق والقاهرة وتونس.
  2. في القطاعات السكنية: وهي الأحياء المحيطية، تتكون شبكة الطرق من أزقة ضيقة ومتعرجة وكثيرة الانعطافات، تنتهي غالباً بطرق مسدودة. هذا التصميم يهدف إلى حماية خصوصية الحياة العائلية، ويخلق أحياء مغلقة مثل "الحومة" في شمال أفريقيا و"الحارة" في مصر ودمشق و"المحلة" في حلب.

يوضح المؤلف هذا النظام بأمثلة مفصلة من عدة مدن. في حلب، يظهر بوضوح قطاع "المدينة" الذي يضم الأسواق الكبرى والخانات، وطرقه المنتظمة التي حافظت على شبكتها القديمة من العصور الوسطى والعثمانية، مقابل الأحياء السكنية ذات الطرق المتعرجة. في دمشق، يتجلى التناقض بين القطاع المركزي حول الجامع الأموي وسوق مدحت باشا (الطريق المستقيم القديم)، وبقية الأحياء السكنية. في القاهرة، تبرز "القصبة" (شارع المعز حالياً) التي تمتد من باب الفتوح إلى باب زويلة بطول 1500 متر، كشريان رئيسي منتظم، بينما تنتشر الأحياء السكنية المغلقة (الحارات) على جانبيها. ويُعدّ مثال مدينة الجزائر أوضح الأمثلة، حيث ينقسم بشكل حاد إلى "الوطا" (المدينة المنخفضة) ذات الطرق المنتظمة والمراكز السياسية والاقتصادية، و"الجبل" (المدينة العليا) ذات الطرق المتعرجة والمسدودة والمخصصة للسكن.

يخلص الفصل إلى أن الصورة النمطية للمدينة العربية "الفوضوية" هي نظرة خاطئة. التباين بين الطرق المنتظمة في المركز والطرق غير المنتظمة في الأحياء السكنية هو تكيف رائع مع الحاجات الاجتماعية-الاقتصادية. المركز المنتظم يلبي متطلبات الحياة الاقتصادية والتجارية من خلال توفير المواصلات الضرورية عبر الأبواب الرئيسية، بينما الأحياء السكنية المغلقة تحمي خصوصية الحياة العائلية. ويضيف المؤلف أن هناك أيضاً تقسيمًا "زمانياً" لا يقل وضوحاً، بين النهار المخصص للأنشطة المهنية في المركز والليل المخصص للحياة العائلية في الأحياء، ويتجلى هذا التقسيم المزدوج في التنقلات اليومية للسكان بين مساكنهم وأعمالهم.

من الممكن القول إن حجة المؤلف قوية ومقنعة في نقض الصورة النمطية السلبية عن العمران العربي التي طرحها المستشرقون. فهو لا ينكر وجود العشوائية الظاهرية، لكنه يعيد تفسيرها في سياق وظيفي واجتماعي. ومع ذلك، قد يُنظر إلى اعتماده بشكل أساسي على نماذج المدن الكبرى (حلب، دمشق، القاهرة، الجزائر) على أنه قد لا يعكس بالضرورة واقع المدن الصغيرة أو القرى، مما يترك مجالاً للنقاش حول إمكانية تعميم هذا النموذج الثنائي على كل التجمعات الحضرية العربية دون استثناء.

5.الفصل الخامس: قطاعات السكن في المدن العربية الكبرى. تفرقة اجتماعية - اقتصادية89–106▼ ملخص

يبحث هذا الفصل في العلاقة بين التنظيم المكاني للمدن العربية الكبرى في العصر العثماني والتفاوت الاقتصادي-الاجتماعي بين سكانها، وذلك من خلال دراسة حالات ثلاث مدن هي تونس والقاهرة وحلب. يتصدى المؤلف للمفهوم التقليدي السائد الذي يزعم أن السكن في هذه المدن كان يقوم على مبدأ الاختلاط بين مختلف الطبقات، وأن المساكن كانت تتسم بتصميم موحد يعكس نوعاً من المساواة المجتمعية المستمدة من الدين الإسلامي. يرى ريمون أن هذه النظرة تخلط بين المساواة الدينية النظرية والواقع الاجتماعي-الاقتصادي الملموس، والذي كان، مثل أي مجتمع بشري آخر، يتسم بدرجات عالية من عدم المساواة.

يبدأ ريمون بتفنيد فكرة المساواة مستنداً إلى أدلة رقمية قوية من تركات المتوفين. ففي دراسته على القاهرة، وجد أن الفارق بين أصغر تركة (لتاجر قبعات قيمتها 235 بارة عام 1685) وأكبرها (لتاجر بن قيمتها 2.4 مليون بارة عام 1695) بلغ 1 من 10,000. كما أن توزيع الثروة كان شديد اللامساواة، حيث استأثرت نسبة 3% من الحاصلين على التركات بـ 50.1% من إجمالي الثروات، بينما لم تحصل نسبة 49.9% منهم إلا على 4.3%. ويؤكد أن دراسة مشابهة أجريت على دمشق من قبل كوليت إيستابليه وجان بول باسكوال (بمقارنة 516 سجلاً في دمشق للأعوام 1686-1717 مع 864 سجلاً في القاهرة للأعوام 1679-1700) أظهرت نتائج قريبة جداً، بفارق بلغ 1 من 3000 بين التركتين الصغرى والكبرى.

ينتقل المؤلف إلى السكن كمرآة لهذا التفاوت. ينتقد فكرة أن المسكن العربي هو نموذج واحد هو "الدار" ذات الباحة المركزية، معتبراً ذلك تبسيطاً مبالغاً فيه. يشير إلى أن هذا النموذج، وإن كان سائداً في المساكن الثرية التي بقيت صامدة حتى اليوم، يخفي تنوعاً هائلاً في المساحة والوظائف والزخارف، مما يجعل من المستحيل مساواة قصر ببيت متواضع. ويذكر وجود نماذج أخرى مهملة مثل "الربع" أو "الوكالة" (مسكن متوسط بدون باحة) و"الحوش" (مسكن فقير جماعي)، وكلها تعكس شرائح اجتماعية مختلفة. جوهر حجة المؤلف هو أن عدم التجانس الاجتماعي ترجم نفسه حتماً إلى عدم تجانس معماري ومكاني.

لإثبات فرضيته حول التوزيع المكاني التفريقي، يحلل الفصل بعمق حالة تونس. بالاعتماد على أبحاث ج. ريفو، يوضح أن 116 مسكناً راقياً من القرنين السابع عشر والثامن عشر (لمساحات 170 أو 335 متراً مربعاً) كانت تتركز في قطاع شمالي-شرقي-جنوبي من المدينة القديمة، حول المركز الاقتصادي والديني (الجامع الكبير والأسواق). هذا القطاع الذي تبلغ مساحته حوالي 20 هكتاراً كان يضم 101 من هذه المساكن. في المقابل، كانت المناطق المحيطية والضواحي (مثل باب سويقة في الشمال وباب الخزيرة في الجنوب) تتميز بمساكن متواضعة، ذات طوابق أقل (نسبة المنازل ذات الطوابق تنخفض من 60% في المركز إلى 40% في الأطراف و20% في الضواحي)، ومساحات أقل (متوسط 122 متراً مربعاً في باب فرطاجنة مقابل مساحات أكبر بكثير في القطاع الراقي). ويضرب مثالاً تاريخياً دالاً: مهاجرو الأندلس، الذين وفدوا بأعداد كبيرة في بداية القرن السابع عشر، استقر أغنياؤهم في قلب المدينة في شارع الأندلسيين، بينما سكن فقراؤهم في حي الأندلس المتواضع في ضاحية باب سويقة، مما يؤكد الفصل الاقتصادي-الاجتماعي حتى داخل المجموعة الواحدة.

تعزز حالة القاهرة هذا النمط نفسه. يستند المؤلف إلى دراسة نيللي حنا التي استخدمت آلاف العقود لتحديد أماكن السكن في القرنين السابع عشر والثامن عشر. في الفترة بين 1627 و1798، كان أكثر من 70% من تجار التوابل يسكنون في المركز، وكذلك الأمر بالنسبة للعلماء، حيث كان 58% منهم (39 من أصل 67) مقيماً في مركز المدينة، و30% منهم على بعد أقل من 200 متر من الأزهر. كان متوسط ثروة سكان المنطقة المركزية 130,000 بارة، بينما بلغ متوسط ثروة سكان المنطقة الجنوبية (وسطياً) 15,000 بارة فقط. شكل الفقراء حزاماً متصلاً تقريباً في شمال المدينة وشرقها وجنوبها، حيث كان ينتشر نموذج "الحوش" القروي الذي وصفه "وصف مصر" كمستوطنات عشوائية للفقراء ودوابهم. وعلى الرغم من وجود "جيوب" للمساكن الثرية في الجنوب والغرب حيث تمركزت الفئة الحاكمة، وأحياء خاصة بالأقليات، يؤكد ريمون أن الصورة العامة هي التوزع في حلقات متتالية من المركز الغني نحو الأطراف الفقيرة، كما تظهر إحصاءات نيللي حنا بوضوح.

في حلب، يجمع الفصل بين نتائج ثلاث دراسات متكاملة: ج. ك. دافيد (دراسة أثرية للنسيج الحضري)، أ. ماركوس (تحليل عقود بيع منازل عام 1750)، ومارجريت ميري ويزر (دراسة طبقة الأعيان). باستخدام نماذج تونس التصنيفية الأربعة، وجد الباحثون أن المساكن الكبيرة والغنية (من 400 إلى 900 متر مربع، النماذج III و IV) تتركز حول القلعة والمركز التجاري "المدينة"، حصراً في أحياء راقية مثل البندرة والفرافرة والبياضة، وهي مناطق سكنى كبار الأعيان. المساكن المتوسطة (النموذج II، بمساحة تتراوح بين 100 و200 متر مربع) تملأ القسم المحيطي داخل الأسوار وأجزاء من الضواحي الشمالية والشرقية. أما المسكن الشعبي الفقير (النموذج I) فلا يكاد يظهر في الوثائق لرخص ثمنه وقابليته للاندثار، وكان يقع في الأطراف الشرقية والجنوبية للضواحي، مؤوياً فقراء مهاجرين من الريف وأقليات كالأكراد والبدو، حيث ينتشر "الحوش" كما وصفه الإنجليزي أ. راسل.

يخلص الفصل بوضوح إلى أن المدن العربية الكبرى في العصر العثماني كانت تشهد تفرقة اجتماعية-اقتصادية واضحة في قطاعات السكن، تتخذ شكلاً منظماً في حلقات متتالية: أحياء بورجوازية غنية في المركز بجوار الأسواق والجامع الكبير، تليها أحياء متوسطة، ثم أحياء فقيرة في المحيط والضواحي. هذا النمط العام، الذي يتوافق مع فرضية ج. سوبرج حول المدن ما قبل الصناعية، لا ينفي وجود حالات شاذة أو اختلاط جزئي (مثل أحياء الأقليات أو جيوب الفئة الحاكمة)، ولكنه يؤكد أن المنطق الاقتصادي-الاجتماعي كان المحرك الأساسي للتنظيم المكاني. يمكن القول إن هذا الفصل يقدم حجة قوية ومدعومة بأدلة متعددة المصادر (وثائق المحاكم، الدراسات الأثرية، الإحصاءات) لتفنيد النظرة الرومانسية والتبسيطية للمدينة العربية "التقليدية" كمجتمع متجانس، ويؤكد عوضاً عن ذلك أنها كانت تخضع لنفس ديناميكيات التفاوت والعزل المكاني التي تميز المجتمعات الحضرية الأخرى.

6.الفصل السادس: إشارات حضرية، ودراسة لسكان المدن العربية الكبرى107–122▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل قضية جوهرية في دراسة تاريخ المدن العربية خلال العهد العثماني، ألا وهي صعوبة تقدير أعداد السكان وفهم التطور الاقتصادي والاجتماعي لهذه المدن بسبب ندرة المصادر الإحصائية الموثوقة قبل منتصف القرن التاسع عشر. يطرح المؤلف فكرة منهجية مبتكرة للتغلب على هذه المشكلة، وهي استخدام المعالم العمرانية، وتحديداً الحمامات العامة، كمؤشر غير مباشر ولكنه مفيد لتقدير حجم السكان وتوزعهم داخل المدينة، ولفهم مراحل توسعها أو انكماشها.

يبدأ الفصل بتشخيص المشكلة الأساسية التي تواجه مؤرخ الاقتصاد الحضري العربي في الفترة العثمانية (القرون السادس عشر حتى الثامن عشر)، وهي الندرة الشديدة في الوثائق الاقتصادية والإحصائية المنظمة قبل عام 1850 تقريباً. يذكر المؤلف أن المصادر المتاحة، مثل الوثائق القنصلية وحكايات الأسفار، غالباً ما تكون سطحية أو منحازة لرؤية أوروبية، بينما الأخبار المحلية تقدم معطيات مجزأة وغير قياسية يصعب استخدامها. لذلك، يقترح البحث عن مصادر بديلة ومكملة.

ينتقل بعدها لتقديم فرضية العمل الرئيسية: هناك توازٍ مقبول بين نمو السكان وتراجعهم من جهة، وبين التقدم والتراجع الاقتصادي من جهة أخرى. وعليه، فإن دراسة تطور السكان تشكل مقاربة غير مباشرة للظواهر الاقتصادية الكلية. لكنه يعود ليؤكد أن المصادر الديموغرافية المباشرة لهذه الفترة هي أيضاً غير مرضية، وأن التعدادات التي أجريت في بعض الولايات العربية ما زالت غير معروفة أو غير مستغلة جيداً. وهنا يأتي الاقتراح المنهجي الأساسي: النظر في البنية الحضرية والمباني نفسها كمتحف حضري يمكن استنطاقه.

يشرح المؤلف أن المدن العربية الإسلامية مثل القاهرة ودمشق وحلب تمتلك ثروة معمارية هائلة؛ فهناك حوالي 650 صرحاً مصنفاً في القاهرة و150 في دمشق. كما أن شبكات الطرق وتسميات الأحياء القديمة بقيت مستقرة لقرون. لكنه يأسف لأن مؤرخي العواصم العربية يهملون غالباً عناصر حاسمة مثل مساحة المدينة وتغيراتها، والتي يمكن مقارنتها عبر الزمن لتقديم أساس أكثر متانة للأحكام المتعلقة بالازدهار والتراجع. ويشير إلى أن نتائج المستشرق سوفاجيه المتشائمة حول تطور المدن السورية قد تحتاج إلى إعادة نظر في ضوء هذه المقاربات.

لتحديد الكثافة السكانية المعقولة في الماضي، يقترح المؤلف مقارنتها بكثافات مدن السكان الأصليين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي عرفت "تضخماً" هائلاً نتيجة الهجرة والنزوح، مثل الكثافة البالغة 1392 نسمة في الهكتار في أحياء القاهرة القديمة، أو 2255 في الهكتار في القصبة في الجزائر. ويستخدم مثال مدينة الجزائر في القرن الثامن عشر التي كانت مساحتها 41.1 هكتاراً فقط (دون القلعة)، ويعتبر أن تقدير عدد سكانها بـ 100,000 نسمة غير معقول لأنه يعطي كثافة خيالية تبلغ 2,433 نسمة في الهكتار.

ينتقل بعدها إلى قلب الفصل، حيث يحدد "الإشارات الحضرية" الأكثر دلالة. يرفض المؤلف اعتبار المسجد الجامع أو توزيع المساجد مؤشراً دقيقاً على الكثافة السكانية، لأن بناءها غالباً ما يكون مرتبطاً بدوافع دينية أو وجاهية (تمجيد الباني) لا علاقة لها بالحركة الديموغرافية. أما المؤشر الأكثر دلالة في نظره فهو الحمامات العامة. يعلل ذلك بأن الحمام مبني نفعي (اقتصادي أو خيري)، ووجوده مرتبط بشكل مباشر باستخدام الجمهور، مما يفترض وجود علاقة طردية بين عدد الحمامات ومواقعها من جهة، وعدد السكان وتوزعهم من جهة أخرى. ويشير إلى أن السبل (عين الماء العامة) قد تؤدي وظيفة مشابهة، لكن قيمتها تختلف من مدينة لأخرى حسب طرق التزود بالمياه.

يطبق المؤلف هذه الفرضية على مدينة القاهرة مستنداً إلى كتاب "وصف مصر" الذي يوفر قائمة شبه كاملة بالحمامات والسبل ومواقعها في نهاية القرن الثامن عشر. يجد أن توزع الحمامات (72 حماماً) والسبل (45 سبيلاً) يتطابق تقريباً مع توزع السكان عبر الأحياء الكبرى:

  • القاهرة القديمة (المركز): أكثر من ثلث المجموع.
  • الحسينية: حوالي 2/5.
  • المنطقة الغربية: أقل من الربع بقليل.
  • الحي الجنوبي: حوالي 2/5.

بناءً على هذه المعطيات، وتقدير عدد سكان القاهرة آنذاك بـ 203,000 نسمة (حسب جومار) ومساحة معمورة تبلغ 662 هكتاراً، يحسب المؤلف كثافة سكانية تبلغ 398 ساكناً في الهكتار، وهو رقم قريب من كثافة أحياء القاهرة التقليدية عام 1897 (464 و469 ساكناً/هكتار)، وكثافة تونس عام 1881 (350 ساكناً/هكتار). ثم يوزع السكان تقديرياً على الأحياء بناءً على نسبة الحمامات، فيصل إلى أرقام معقولة: كثافة شديدة في المركز (القلب الاقتصادي، 538 ساكناً/هكتار)، وكثافة منخفضة في المنطقة الغربية (مساكن الأمراء والأثرياء، 320 ساكناً/هكتار)، وكثافة متوسطة في الجنوب.

يمتد التحليل ليشمل مدناً أخرى. يجمع المؤلف تقديرات عدد الحمامات والسكان من مصادر متعددة لمدن فاس، الجزائر، تونس، دمشق، حلب، وعاصمة الإمبراطورية إسطنبول. على الرغم من التباين الكبير في الأرقام، يخلص إلى وجود ثبات نسبي مذهل. فالنسبة بين السكان والحمام الواحد تتكرر في نطاق ضيق جداً يتراوح بين 3,000 و5,000 ساكن لكل حمام. على سبيل المثال:

  • القاهرة (أواخر القرن 18): حمام لكل 3,500 ساكن.
  • الجزائر (أواخر القرن 18): حمام لكل ما يزيد قليلاً عن 4,000 ساكن.
  • تونس (القرن 19): حمام لكل 3,000 إلى 4,500 ساكن.
  • إسطنبول (منتصف القرن 17): حمام لكل أقل من 4,500 ساكن.
  • حلب (بداية القرن 19): حمام لكل 3,500 ساكن.

يعتبر المؤلف أن هذا الثبات ليس مصادفة، بل هو نتيجة لبقاء الظروف الاجتماعية والاقتصادية والدينية متشابهة في تلك الحقبة. ويؤكد أن الانحرافات الكبيرة عن هذا المعدل يمكن اعتبارها غير موثوقة، مما يجعل هذه النسبة أداة مفيدة لفحص صحة التقديرات السكانية التقليدية.

لا يخلو الفصل من تحفظات منهجية هامة. يعترف المؤلف بأن شبكة الحمامات تتغير ببطء، وقد لا تتلاءم فوراً مع التغيرات السكانية السريعة (كالأوبئة أو الطفرات). فزيادة عدد السكان لا تؤدي فوراً لبناء حمامات جديدة، والانخفاض الحاد لا يؤدي لهدمها، مما يخلق فائضاً في الخدمات مؤقتاً. كما يؤكد أنه لا توجد علاقة دقيقة بين توزع الحمامات وتوزع السكان على مستوى الأحياء الصغيرة، لأن الحمامات كانت أكثر تركيزاً في الأحياء الثرية والنشطة اقتصادياً، وأقل في الأحياء الفقيرة، مما يجعل ارتياد الحمام "ترفاً" في تلك الفترة.

يختتم الفصل بتطبيق هذه الطريقة على العصر المملوكي، عبر مقارنة خريطة توزع الحمامات في زمن المقريزي (القرن 15، 30 حماماً) بتوزعها في "وصف مصر" (القرن 18، 72 حماماً). يستنتج من ذلك أن غالبية سكان القاهرة في العصر المملوكي كانت تتركز داخل أسوار المدينة الفاطمية، وأن الحي الجنوبي والغربي كانا محدودي التوسع، مما يدحض الفرضيات القائلة بتوسع المدينة بشكل كبير في العصور الوسطى، ويشكك في التقديرات المبالغ فيها لعدد سكان القاهرة في العهد المملوكي. يختم بتأكيد أن دراسة المدن العربية تحتاج للجمع بين المنظورات التاريخية والأثرية الصرفة و"الإشارات الحضرية" لتقديم إعادة بناء أكثر دقة لتاريخها العمراني.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن الفصل يقدم مساهمة منهجية قيمة، محاولاً سد ثغرة في المصادر بأدوات مبتكرة ومعقولة. لكن الحجة المركزية، القائمة على وجود نسبة ثابتة بين السكان والحمامات، تظل قابلة للنقاش، إذ تعتمد على تعميم نسبي لمجموعة محدودة من الحالات، وتفترض تجانساً اجتماعياً-اقتصادياً قد لا يكون دقيقاً تماماً عبر الزمن وعبر مدن مختلفة. كما أن التحفظات التي أوردها المؤلف نفسه حول بطء تكيف شبكة الحمامات مع التغيرات الديموغرافية الحادة تترك مجالاً واسعاً للشك في دقة هذه الأداة عند تطبيقها على فترات أزمة أو تحول سريع.

7.الفصل السابع: الخرائط وتاريخ المدن العربية123–138▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل محاولةً منهجيةً لاستعراض أهمية الخرائط والمخططات الحضرية كمصدر أساسي لدراسة تاريخ المدن العربية، وبالأخص مدينتي حلب والقاهرة في العصر العثماني. يرى المؤلف أن هذه الخرائط ليست مجرد رسوم توضيحية، بل هي أدوات تحليلية قادرة على كشف البنية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وتطورها عبر الزمن، وحتى تعويض النقص في المعلومات السكانية الدقيقة التي تفتقر إليها المصادر التاريخية التقليدية. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن الخرائط، وخاصةً المساحية منها، تُشكّل مفتاحاً لفهم التحولات الحضرية، وتسمح بتجاوز التصورات المبسطة عن الانحطاط المستمر، لتقديم صورة أكثر تعقيداً تتخللها فترات من التقدم والتراجع.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتأكيد الأهمية النظرية للخرائط، ثم يتناول بالتفصيل التحديات العملية التي تواجه الباحث، وفي مقدمتها ندرة المخططات القديمة للمدن العربية. يستعرض المؤلف أنواع التمثيلات الخطية المبكرة، مثل الصور المنظورة من الأعلى والمنمنمات، مشيراً إلى قيمتها الاستثنائية لكنه يحذر في الوقت نفسه من الثقة المطلقة بها، مستشهداً بمخطط دال جريش باجانو للقاهرة كوثيقة فريدة لكنها غير موثوقة تماماً من بعض الجوانب الأساسية. وينتقل الفصل بعدها إلى تطور المخططات الحقيقية اعتباراً من القرن الثامن عشر، معتبراً مخطط نيبور لـحلب عام 1766 بداية دقيقة وجديرة بالثقة، ثم يتتبع التقدم الهائل الذي تحقق في دقة الخرائط وغزارة معلوماتها مع مطلع القرن التاسع عشر، وصولاً إلى المخطط الكبير لمدينة القاهرة في كتاب "وصف مصر" (المنشور بين 1809 و 1828)، والذي يصفه المؤلف بأنه أداة أساسية وفريدة لمعرفة المدينة قبل الحقبة المعاصرة، حيث يتيح دراسة دقيقة لبنيتها الاقتصادية والاجتماعية. يُقرّ المؤلف في هذا السياق بأن المخططات الاستعمارية، رغم دوافعها العسكرية والإدارية، مثل مخطط الجزائر عام 1833، أسهمت في توثيق تفاصيل حضرية قيّمة.

يمضي الفصل في تفصيل الفوائد العملية للمخططات المساحية، والتي تسمح بإعادة تكوين المدينة القديمة قبل أن تمسحها مشاريع التحديث في القرن التاسع عشر. يضرب المؤلف أمثلة على ذلك، مثل التغييرات العميقة في القاهرة الغربية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر والتي أدت إلى هدم مناطق قديمة واختفاء قصور المماليك. ويشرح كيف يمكن لهذه المخططات أن تكشف عن ثوابت بنيوية، مثل استمرارية ترسيم شبكة الطرق العامة، والتفاوت في نسبة الطرق المسدودة بين الأحياء المركزية والمحيطية، والفرق بين قطع الأراضي المخصصة للحوانيت التجارية وتلك السكنية. ويكشف المؤلف كذلك عن إمكانية استخدام المخططات لتحديد مواقع الأبنية التي اندثرت، وإعادة تشكيل المناطق الاقتصادية القديمة من خلال قراءة أسماء المواقع التي تدون بغزارة، مما يسمح بتتبع تاريخ المدينة عبر العصور.

في القسم الأخير، يقدم المؤلف شواهد تطبيقية من بحوثه الخاصة، مستعرضاً ثلاثة أمثلة رئيسية. في تونس، يُظهر كيف تكشف مساحات قطع الأراضي عن المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأحياء، مقارناً بين مساحات المنازل في الأحياء الراقية المركزية (مثل 410 و 270 و 230 م²) والأحياء المحيطية (مثل 147 و 122 و 169 م²) والضواحي. وفي دمشق، يبين كيف ساعد ترسيم الطرق في حي الميدان على افتراض وجود عملية بناء واسعة النطاق في العصر العثماني، والتي أكدتها لاحقاً دراسة ميدانية كشفت عن منزل العابد الذي يعود تاريخه إلى 1747. أما في حلب، فيستشهد بمخطط المدينة الذي يُظهر في الضواحي الشمالية الغربية نمطاً سكنياً شعبياً يُدعى "الخواش"، وهو شكل سكني جماعي يختلف تماماً عن الصورة النمطية للمسكن العربي التقليدي المنعزل. يختتم الفصل بالتأكيد على أهمية هذه المخططات، حتى الحديثة منها، في إعادة تشكيل ماضي المدن العربية التقليدية، وإضافة عناصر أساسية لفهم السكن الشعبي الذي لا تزال معرفتنا به محدودة.

يُقر المؤلف بعدة تحفظات وحدود في منهجه، أهمها التحذير من الثقة المطلقة بالوثائق الخطية المبكرة مثل مخطط باجانو للقاهرة. كما يعترف بأن المخططات المساحية الحديثة قد لا تقدم صورة كاملة، خاصة بعد أن طالتها عمليات التحديث التي هدمت مناطق بأكملها ومسحت معالم القصور والأحياء الفقيرة. في الخلفية، تظل مسألة تفسير مفهوم "المصباح" الإحصائي (هل هو الدار أم الأسرة؟) مشكلة مزعجة لم تُحل بالكامل، مما يحد من دقة التقديرات السكانية.

8.الفصل الثامن: نقل المدابغ في حلب والقاهرة وتونس، مؤشر على النمو المديني139–152▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول فكرة أن نقل المدابغ من موقعها القديم داخل المدن إلى أطرافها يمكن اعتباره مؤشراً مادياً دقيقاً على النمو الحضري والازدهار الاقتصادي الذي شهدته المدن العربية خلال العهد العثماني. يقدم المؤلف أندره ريمون هذه الفكرة من خلال تحليل ثلاث حالات تاريخية لمدن هي حلب والقاهرة وتونس، ويجادل بأنه في غياب الإحصاءات السكانية أو الخرائط الموثوقة قبل القرن التاسع عشر، فإن دراسة تحويل المنشآت الصناعية المزعجة مثل المدابغ تقدم دليلاً ملموساً على التوسع العمراني. هذا النقل لا يحدث فقط لتلبية الحاجة إلى مساحات أوسع أو لوجود مصدر للمياه، بل بشكل حاسم بسبب الروائح الكريهة التي تجعل وجودها غير مرغوب فيه في المناطق التي أصبحت مأهولة بالسكان بعد توسع المدينة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتقديم المبررات المنطقية لوجود المدابغ على أطراف المدن دائماً، مثل الحاجة للماء والمساحات الواسعة وربطها بأسواق المواشي والمسالخ، ثم ينتقل إلى شرح كيف أن نمو المدينة يدمج هذه المناطق الطرفية ضمن النسيج الحضري، مما يخلق حاجة ملحة لنقلها. بعد ذلك، يغوص المؤلف في ثلاث دراسات حالة مفصلة. في حالة حلب، يشرح كيف أن الأهمية التقليدية لمدابغها ارتبطت بنهر قويق والسهوب المحيطة. يذكر أنه في الفترة الأيوبية، ظهر حي الدباغة داخل الأسوار، لكن في القرن السادس عشر نقلت المدابغ إلى خارج المدينة، تحديداً على بعد 200م غرب باب إنطاكية. يستند المؤلف في ذلك إلى محضر وقف إبراهيم خان زاده محمد باشا عام 1574، الذي يصف المنشأة الجديدة بأنها تضم 53 حجرة في الطابق الأرضي و58 في الطابق العلوي، بمساحة إجمالية قدرها 2660 متراً مربعاً. الوظيفة الرئيسية لهذا المثال هي إثبات أن المنطقة داخل الأسوار، والتي سُميت لاحقاً "الدباغة العتيقة"، قد تحررت وازدهرت عمرانياً بعد رحيل الدباغين، مما تزامن مع النمو الهائل الذي شهدته حلب في القرن الأول للاحتلال العثماني، حيث ازدادت مساحتها من 240 هكتارا في بداية القرن السادس عشر إلى 350 هكتارا في منتصف القرن التاسع عشر، أي بزيادة قدرها 50%.

أما الحالة الثانية فهي القاهرة، حيث يحدد المؤلف موقع المدابغ القديمة في المنطقة الواقعة جنوب باب زويلة، والتي امتدت على مساحة تقارب 4 أفدنة. بالاعتماد على نصوص من القرن التاسع عشر للمؤرخ علي باشا مبارك، يعزو المؤلف سبب النقل إلى ازدياد السكان الذين اشتكوا من الروائح الكريهة. وقد نقلت المدابغ إلى منطقة باب اللوق القريبة من النيل. على الرغم من عدم معرفة التاريخ الدقيق، يرجح المؤلف أن النقل تم بين عامي 1592 و1687، وربما في السنوات الأولى من القرن السابع عشر. حجته في ذلك أن العديد من المساجد الهامة تم بناؤها في جوار المدابغ القديمة بعد هذا التاريخ، مثل جامع الملكة صفية (الذي بني عام 1610) وجامع البرديني (بني بين 1616 و1629)، مما يعني أن المنطقة لم تكن صالحة لمثل هذه الصروح الفخمة قبل إزالة المدابغ. يستخدم هذا المثال لبيان كيف أن النقل أتاح النمو السريع للمنطقة، حيث استقر الأمراء والتجار وبنوا أسواقاً مثل سوق القوافين على يد الأمير رضوان بك. أما الحالة الثالثة والأكثر وضوحاً فهي تونس، حيث يمتلك المؤلف نصاً معاصراً للحدث من تأليف المؤرخ حمودة بن عبد العزيز المسمى "كتاب الباشي". يصف حموده كيف أن ازدياد عدد السكان في تونس في عهد علي باي (الذي حكم بين 1750 و1782) أدى إلى نقص المساكن وارتفاع الإيجارات، مما دفع الباي إلى نقل الدباغين من "داخل المدينة القديمة" إلى منطقة "باب البحر" شرقي "باب عليوة". يذكر حموده أن السوق الجديد للدباغين شمل "أكثر من خمسين داراً"، مما حرر مساحات داخل المدينة لبناء مساكن جديدة. يعترف المؤلف بأن هذا النص قد يكون مبالغاً فيه لأن كاتبه كان موظفاً لدى الباي ويميل لتمجيد أعماله، لكنه يؤكد أن ذكر هذا الحدث المادي الصغير (نقل المدابغ) يشكل دليلاً قيماً على صدق رواية المؤرخ عن الازدهار والنمو السكاني.

يقر المؤلف في النهاية بوجود تحفظات وحدود في منهجه. فهو لا يعرف في حالتي حلب والقاهرة ما إذا كان نقل المدابغ قد تم بشكل تدريجي على شكل هجرة تلقائية للدباغين، أم بقرار إداري مفاجئ من الحكام. كما أن التواريخ الدقيقة لهذه التحويلات غير مؤكدة في بعض الحالات. يخلص الفصل إلى أن هذا التلاقي لثلاث ملاحظات من حلب والقاهرة وتونس يؤكد فكرة مهمة وقابلة للنقاش في السياق التاريخي الأوسع، وهي أن فترة الاحتلال العثماني لم تكن فترة انحطاط للمدن العربية كما قد يُفترض، بل كانت عصر ازدهار ونمو حضري حقيقي، على الأقل في هذه العواصم الرئيسية الثلاث.

9.الفصل التاسع: الأوقاف الكبرى وتنظيم المكان الحضري في حلب والقاهرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر153–178▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل إشكالية محورية في تاريخ المدن العربية الكبرى تحت الحكم العثماني، وتحديداً في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ففي غياب إدارة مدنية متخصصة، ومؤسسات بلدية، وسياسة حضرية شاملة، كيف تمكنت مدن مثل حلب والقاهرة من تنظيم مساحتها الحضرية، بل والتوسع بشكل منظم في بعض الأحيان؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف أندره ريمون هي أن الأوقاف الكبرى لعبت دوراً حاسماً في هذه العملية، إذ وفرت إطاراً قانونياً ومالياً وعمرانياً سمح بتنفيذ مشاريع عقارية ضخمة، حوّلت قطاعات بأكملها داخل المدينتين.

يسير الفصل خطوة بخطوة، عارضاً أربع عمليات عمرانية كبرى في حلب واثنتين في القاهرة، تحققت جميعها بفضل الأوقاف. في حلب، يصف التحول الجذري الذي شهدته منطقة "المدينة" (المركز الاقتصادي) خلال أربعين عاماً فقط، بين 1544 و1583. كانت البداية مع جامع الخسروية الذي بناه خسرو باشا عام 1544، وشمل أوقافه منطقة واسعة (تتراوح بين 4 و5 هكتارات) تضم قيسارية وخاناً وسوقاً. تلاه محمد باشا دو غاكين زاده حوالي عام 1555 بمجموعته المعمارية حول جامع العادلية، والتي شكلت مجمعاً متكاملاً على مساحة ثلاثة هكتارات، ضم أسواقاً (مثل سوق النحاسين) وخانات كبرى (مثل خان العلبية). ثم جاء وقف ضخم آخر عام 1574 مرتبطاً باسم محمد باشا إبراهيم خان زاده، وتمحور حول خان الحمرك وامتد على هكتار من الأرض، ليفيض عن حدود "المدينة" القديمة باتجاه الغرب. واختتمت هذه الموجة العمرانية عام 1583 بإنشاء جامع البهرامية وأوقافه من قبل بهرام باشا.

يوضح المؤلف أن هذه المشاريع الأربعة لم تكن مخططاً شاملاً مسبقاً، بل كانت نتيجة منطقية للبحث عن أراضٍ فضاء جنوب خط الأسواق المملوكي القديم، مما دفع بالبناء تدريجياً نحو الغرب. الدليل على ذلك هو تناقص مساحة المشاريع مع امتلاء الفراغات، من 4 هكتارات لخسرو باشا إلى نصف هكتار فقط للبهرامية. في المقابل، يقدم وقف أبشير مصطفى باشا في حي الجديدة شمال حلب عام 1654 نموذجاً مختلفاً، فهو عملية منعزلة لكنها متكاملة ومدهشة في تنسيقها. شمل الوقف قطعة أرض واحدة على شكل شبه منحرف مساحتها 0.6 هكتار، ضمت جامعاً متواضعاً (250 متراً مربعاً فقط) ومجموعة كبيرة من المرافق الاقتصادية: خان العرصة لبيع الحبوب، قيساريات متعددة، مصبغة، فرناً، ومقهى موصوف بدقة. يشير المؤلف إلى التفاوت الواضح بين صغر المسجد وضخامة المباني التجارية، مما يرجح أن الدافع الأساسي للوقف كان اقتصادياً بحتاً في حي مزدهر، وأن المسجد لم يكن سوى غطاء ديني وحجة لعملية عقارية ناجحة.

بالانتقال إلى القاهرة، يدرس الفصل عمليتين عمرانيتين متقاربتين زمنياً (نحو عام 1645). الأولى هي مشروع رضوان بيه جنوب باب زويلة، وهو أمير ذو نفوذ كبير في مصر بين عامي 1631 و1656. تمحور مشروعه حول سوق كبير مسقوف لصانعي الأحذية، مع وكالة ومباني أخرى، على مسافة 130 متراً بطريق "الشارع الأعظم". الأهم أن مشروعه أدى إلى تصحيح وتنظيم مسار الطريق القديم، حيث تم تعريضه وتقويم واجهاته لتصل إلى عرض ثابت بين 5-6 أمتار، مما شكل إعادة تشكيل حقيقية للحي على طول 130 متراً. العملية الثانية تعود لشخصية أقل وضوحاً هي إبراهيم آغا، قائد الانكشارية السابق، والذي امتد نشاطه في حي التبانة (درب الأحمر) لأكثر من 25 عاماً (بين 1632 و1659). لم يكتفِ بترميم وبناء جامع أق سنقر (المعروف بالجامع الأزرق)، بل أنشأ على جانبي الطريق سلسلة متكاملة من المباني: سبيل، قبر، منازل سكنية، وربوع (وكالات)، ليصل مجموع ما شيده أو رممه بطول 250 متراً. وكما في حالة القاهرة، خضعت هذه الأبنية لترسيم الطريق السابق مما ساهم في إضفاء قدر من الانتظام على شارع معقد.

في القسم الأخير، يحلل المؤلف دور الأوقاف كإطار قانوني مفضل لهذه المشاريع. يوضح أن الوقف كان يخدم مصالح متعددة: فهو يحمي الثروة من المصادرة السياسية، ويضمن استمرار الدخل للواقف وورثته، ويوفر ستاراً دينياً للمشاريع الاقتصادية. لكن الميزة الأهم هي ضمانه الديمومة من خلال تخصيص دخل ثابت وصيانة مستمرة للمباني، كما يتجلى في دقة تعليمات إبراهيم آغا لصيانة سبيله. هذا الربط بين المشروع الديني (المسجد أو السبيل) والمباني الاقتصادية المدرة للدخل (الخانات والأسواق) هو ما أدى إلى خلق "مجمعات عمرانية متكاملة" تشبه عمليات التطوير الحضري الحديثة.

في الختام، يقرّ المؤلف بحدود هذه الآلية وأسئلتها المفتوحة. فمع أن الأوقاف أوجدت تنظيماً على مستوى الأحياء، إلا أنها لا تفسر "التخطيط الواسع" للمدينة ككل. ففي حلب، كان التوسع نحو الغرب نتيجة تراكمية غير مقصودة، وليس نتاج سياسة شاملة. كما أن الفصل يترك أسئلة محيرة حول آليات التنفيذ الفني، ودور المهندسين، والعلاقة بين الواقفين وأصحاب الحرف والمهن الذين كانوا سيشغلون هذه المباني التجارية. هل كان نقل الحرفيين إلى مواقع جديدة يتم بالتفاوض أم بالإجبار؟ وهل كان هناك تنسيق بينهم وبين الواقف؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، لكن الفصل يثبت بشكل قاطع أنه في غياب الدولة، كانت الأوقاف الكبرى الأداة الأكثر فاعلية لتنظيم وتوسيع المكان الحضري في المدن العربية الكبرى تحت الحكم العثماني.

10.الفصل العاشر: الاحتلال العثماني ونمو المدن العربية الكبرى: دراسة حالات: القاهرة ودمشق وحلب179–208▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوعاً محورياً هو إعادة تقييم فترة الاحتلال العثماني للولايات العربية، ويركز بشكل خاص على دراسة حالة ثلاث مدن كبرى هي القاهرة ودمشق وحلب. يرفض المؤلف الفكرة السائدة التي تصف هذه الفترة بأكملها بأنها عصر انحطاط شامل ومستمر، ويقدم إجابة واضحة مفادها أن العقود الأولى من الحكم العثماني، خاصة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، شهدت ازدهاراً تجارياً وعمرانياً حقيقياً في هذه المدن، وأن تراجعها اللاحق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لا يجب أن يلقي بظلاله على بداياتها المزدهرة.

يسير الفصل خطوة بخطوة لدحض الاعتقاد السائد بالانحطاط، مبتدئاً بتحليل الأسباب التي جعلت المؤرخين، وخاصة العرب، ينظرون سلباً لهذه الحقبة. يذكر المؤلف أن هذا الموقف يعود جزئياً إلى تلوين التاريخ العثماني بألوان قاتمة بسبب انهيار الإمبراطورية في القرن التاسع عشر، وإحجام المؤرخين العرب عن دراسة فترة يعتبرونها استعمارية. كما ينتقد المنهجية التي كانت تنظر لتاريخ المدن من خلال صروحها الفنية فقط، مما أدى إلى الحكم بانحطاط العصر العثماني لعدم وجود إنجازات فنية بنفس مستوى العصور السابقة. وهو ما يؤكد حاجة دراسة المدن إلى فهم أعمق للظواهر الاقتصادية والديموغرافية.

ينتقل الفصل بعد ذلك ليقدم حجته الرئيسية عن النمو الاقتصادي. يرى المؤلف أن الاحتلال العثماني، بدلاً من أن يكون سبباً في الانحطاط، قد وحد مناطق شاسعة من حدود المغرب إلى فارس، مما خلق سوقاً داخلية ضخمة وسهل حركة التجارة والتنقل. ويقدم أدلة على أن تراجع العالم العربي بدأ قبل العثمانيين، مشيراً إلى تدهور الدولة المملوكية وتأثير غزوات تيمورلنك التي دمرت القاهرة ودمشق وبغداد. وبالتالي، فإن العثمانيين لم يرثوا مدناً مزدهرة، بل مدناً منكوبة، ثم أعادوا إحياءها. يعطي الفصل أمثلة على ذلك، ففي القاهرة، بقيت مركزاً تجارياً دولياً مهماً، وتطورت فيها تجارة البن التي حلت محل التوابل وأصبحت تمثل أكثر من ثلث واردات مصر بحلول نهاية القرن الثامن عشر، حيث كانت القاهرة تعيد توزيع نحو 100,000 قنطار من البن اليمني داخل الإمبراطورية وخارجها. أما حلب، فقد تحولت من مدينة حدودية في العصر المملوكي إلى مركز إقليمي يمر به طريق التجارة الدولية مع فارس والهند، وسرعان ما فتحت فيها القنصليات الأوروبية (البندقية عام 1548 وفرنسا عام 1562 وإنجلترا عام 1588).

ويواصل الفصل عرض الأدلة المادية على هذا الازدهار من خلال دراسة التوسع العمراني والتجاري. ففي القاهرة، قورن عدد الخانات والأسواق بين بداية القرن الخامس عشر (زمن المقريزي) والفترة العثمانية، فتبين ارتفاع عدد الأسواق من 87 إلى 145، وعدد الخانات من 12 إلى 360 خاناً، وامتدت المساحة المخصصة للنشاط التجاري من حوالي 22 هكتاراً إلى حوالي 38 هكتاراً. وفي حلب، نما المركز الاقتصادي (المدينة) بشكل هائل باتجاه الجنوب على مدى أربعين عاماً، بفضل أوقاف كبار المسؤولين العثمانيين مثل خسرو باشا (الذي بنى جامعاً وخاناً حول عام 1544)، ومحمد باشا دوغاكين زاده (الذي بنى مجمعاً عمرانياً ضخماً حول جامع العادلية عام 1555 شمل ثلاثة خانات كبرى وأربعة أسواق)، وبهرام باشا (عام 1583). ونتيجة لهذا التوسع، تضاعفت مساحة «المدينة» التجارية من حوالي 4 هكتارات إلى أكثر من 9 هكتارات.

إضافة إلى العامل الاقتصادي، يناقش الفصل عاملاً آخر للنمو هو وجود جالية عسكرية وحاكمة كبيرة ومستهلكة في هذه المدن. ففي الجزائر، بلغ عدد الانكشارية الأتراك حوالي 20,000 في القرن السابع عشر، وفي القاهرة شكلت الميليشيات والأمراء مع عائلاتهم نسبة كبيرة من السكان. كانت ثروات هؤلاء الأمراء هائلة، كالتي تركها عثمان كتخدا (رئيس الانكشارية في القاهرة) والتي بلغت 21.5 مليون بارة عام 1736، مما أدى إلى إنفاق ضخم داخل المدينة ينعش الحركة الاقتصادية. ويشير الفصل إلى أن هذه الفئة الحاكمة كانت تستولي على الضرائب وتنفقها محلياً، بدلاً من إرسالها كلها إلى اسطنبول، مما ساهم في تحريك عجلة الاقتصاد.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى توثيق النمو السكاني والعمراني في المدن الثلاث. ففي القاهرة، قُدر عدد سكانها بأقل من 200,000 نسمة في 1517، لكنه تجاوز 300,000 نسمة في نهاية القرن السابع عشر، وامتدت مساحتها المأهولة من 660 هكتاراً إلى 730 هكتاراً بحلول 1798. ويظهر هذا التوسع في هجرة السكان نحو الأحياء الجنوبية ثم الغربية، ونقل الأنشطة المزعجة كالمدابغ، وبناء المساكن الفخمة بعيداً عن ضوضاء المركز التجاري. أما في دمشق، فتحت تأثير تنشيط الحج وتراجع الأخطار الخارجية، تضاعفت المساحة المعمورة من 121 هكتاراً في بداية القرن السادس عشر إلى 313 هكتاراً في منتصف القرن التاسع عشر، أي بنسبة تزيد عن 150%، وامتدت الضواحي الجديدة على طول طرق القوافل. وأخيراً، في حلب، قفزت مساحة المدينة من 238 هكتاراً عام 1516 إلى 450 هكتاراً في بداية القرن التاسع عشر، ويشير الفصل إلى أن معظم هذا التوسع تم في أواخر القرن السادس عشر.

في خاتمته، يقر المؤلف بوجود حدود للمعرفة، معترفاً بأن فهمنا للتاريخ الاقتصادي للولايات العربية العثمانية ليس دقيقاً بما يكفي لتحديد ما إذا كان النمو قد شمل جميع القطاعات أم تركز في المدن فقط. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول التناقض الظاهري بين هذا التقدم المادي والجمود الفكري والثقافي الذي شهدته المنطقة. ينتهي الفصل بدعوة إلى ضرورة إعادة النظر في الأحكام القاسية تجاه الإنجازات العثمانية، مشيراً إلى أن دراسات حديثة بدأت تظهر أن مساهماتهم في البنية التحتية للمدن، مثل بناء الأسواق والسبل (عينات الماء العامة) في القاهرة وتخطيط الأحياء في حلب، لم تكن بالقدر الضئيل الذي كان يُعتقد سابقاً.

11.الفصل الحادي عشر: المدن العربية الكبرى في العهد العثماني209–230▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تفنيد النظرة السلبية السائدة عن المدن العربية الكبرى في العهد العثماني، والتي تصفها بأنها عاشت عصر انحطاط مادي وثقافي. يقدم المؤلف، أندره ريمون، حجة معاكسة مفادها أن هذه المدن لم تعرف انحطاطاً مستمراً، بل شهدت نمواً وتوسعاً مدينياً ملحوظاً. يستشهد المؤلف بنموذجين من هذه النظرة السلبية: الأول من مارسيل كليرجه الذي وصف القاهرة بأنها "تنطفئ ببطء" وتعود إلى "السكن المبعثر"، والثاني من جان سوقاجيه الذي رأى في حلب العثمانية "واجهة فخمة لا يخلفها إلا الخرائب". ويعزو المؤلف هذه النظرة السلبية إلى ثلاثة عوامل رئيسية: قلة المعرفة بالمصادر التاريخية التي لم تُستغل إلا منذ حوالي عشرين عاماً قبل كتابة الفصل، والتحيز الاستعماري ضد الفترة التي سبقت الاحتلال الأوروبي مباشرة، والنظرة السلبية الموروثة عن الفترة العثمانية بسبب كوارث القرن التاسع عشر في الدولة التركية.

يسير الفصل خطوة بخطوة لإثبات فرضية النمو المديني بالاعتماد على "علم الآثار المديني" كوسيلة وحيدة للاستقصاء في غياب الإحصائيات الدقيقة. في البداية، يعرض أدلة على توسع المساحة المعمورة مستعيناً بأعمال سوقاجيه: ففي دمشق تطورت المساحة من 212 هكتاراً إلى 313 هكتاراً بين بداية القرن السادس عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وفي حلب توسعت المساحة من 238 هكتاراً إلى 367 هكتاراً خلال الفترة نفسها، أي بنسبة 50٪. أما عن القاهرة، فيعتمد على تقديراته الخاصة مستنداً إلى المقريزي وكتاب "وصف مصر"، ليجد أن مساحتها تطورت من 450 هكتاراً في العصر المملوكي إلى 660 هكتاراً نحو عام 1798، بنسبة تقل قليلاً عن 50٪. بالنسبة لعدد السكان، يعتمد الفصل بشكل أساسي على حلب كحالة استثنائية تتوفر عنها إحصاءات عثمانية؛ إذ تشير الأرقام إلى تزايد عدد الخانات (الأسر) من 9583 عام 1537 إلى 13854 عام 1683، أي بنسبة 50٪ تقريباً. ويضيف المؤلف أدلة غير مباشرة على النمو السكاني مثل نقل المدابغ المزعجة إلى خارج المناطق المأهولة، وهي ظاهرة سجلت في حلب نحو 1570، وفي القاهرة نحو 1600، وفي تونس نحو 1770.

ينتقل الفصل لتحليل أسباب هذا النمو المديني، ويحددها في عاملين رئيسيين مرتبطين بنشوء الإمبراطورية العثمانية. العامل الأول هو تشكيل الإمبراطورية لكيان سياسي واسع وموحد امتد من حدود المغرب حتى إيران، ومن روسيا الجنوبية حتى اليمن، مما وفر أمناً خارجياً سمح للمدن بالنمو خارج أسوارها. فعلى سبيل المثال، توقف سكان حلب عن صيانة سور مدينتهم بعد أن لم تعد منطقة حدودية، بل غزته المنازل، وتحول خندقه إلى طريق للمرور. إلا أن المدن الواقعة على الحدود مثل الموصل التي تعرضت للحصار الفارسي عام 1743، والجزائر، بقيت تعمل على تحصين أسوارها. العامل الثاني هو تشكيل الإمبراطورية لسوق داخلية ضخمة، كما وصفها سوقاجيه، حيث أصبح بإمكان أي رعية السفر من الدانوب إلى المحيط الهندي دون تغيير القوانين أو العملة. ويضرب مثلاً على هيمنة التجارة الداخلية بأن 36٪ من تجارة مصر الداخلية كانت مع الشرق، و50٪ مع ولايات الإمبراطورية، و14٪ فقط مع أوروبا، مما يجعل الأخيرة هامشية حتى أواخر القرن الثامن عشر. بالإضافة إلى ذلك، شجعت الوحدة السياسية حركة الأفراد، ويستشهد المؤلف بحركة الشيخ محمد بن عبد الرحمن القشتولي المغربي الذي حج نحو 1740، وأمضى 25 عاماً في القاهرة، وعاد ليؤسس الطريقة "الرحمانية" في الجزائر. كما يعرض مثالاً لتاجر بن تركي هو حسين القيصرلي (توفي 1777) كانت له أسرتان ومعيشة متنقلة بين القاهرة وتركيا في رحلة تتجاوز 2000 كم. ويختتم بتأثير الحج، الذي كان يحرك ما بين 30,000 إلى 40,000 حاجاً من القاهرة و20,000 من دمشق سنوياً، مما غير بنية مدن مثل دمشق بنشوء ضاحية الميدان وازدهار الأسواق والجوامع الكبرى التي بنيت في النصف الثاني من القرن السادس عشر مثل جامع سنان باشا (1590) وجامع درويش باشا (1574).

يتناول الفصل بعد ذلك مسارات النمو المديني الداخلي والخارجي. داخلياً، تم النمو أولاً باتساع القطاعات الاقتصادية المركزية (الأسواق والخانات). ففي تونس توسعت هذه المساحة من 3.75 هكتاراً إلى 6 هكتارات بين بداية القرن السادس عشر ونهاية القرن الثامن عشر. وفي حلب توسعت "المدينة" التجارية من 5 هكتارات إلى 10.6 هكتار (أكثر من 100٪). وفي القاهرة، قارن المؤلف مساحة المنطقة التجارية في العصر المملوكي (32 هكتاراً) بمساحتها في نهاية العهد العثماني (81 هكتاراً). وكان الخان هو العنصر الأساسي في هذا النمو، ويذكر أن عدد الخانات في القاهرة بلغ 360، وفي حلب حوالي 100، وفي دمشق 257، وفي بغداد 44، والموصل 23. أما ثانياً؛ فتم النمو من خلال عملية "تكثيف" أو "ملء" للفراغات الداخلية، مثل تقسيم الأبنية الكبيرة إلى مساكن أصغر، ففي حي بحسيتا الشعبي في حلب ازدادت المساكن من 260 عام 1570 إلى 477 عام 1683. كما تم استغلال الفراغات، ففي حلب امتدت المنطقة التجارية نحو ميدان كان يستخدم لتدريب المماليك، وفي القاهرة أدى نقل المدابغ من منطقة باب زويلة نحو 1600 إلى إفساح المجال لبناء مساكن جديدة وحتى مسجد هام.

أما خارجياً، فتم النمو عبر إنشاء ضواحٍ كبيرة خارج الأسوار، وقد لاحظ المؤلف أن نسبة سكان الضواحي في حلب تطورت من 46.8٪ عام 1537 إلى 63.1٪ عام 1683، بينما بقي عدد سكان المدينة داخل السور ثابتاً. في بداية القرن التاسع عشر، شكلت الضواحي في تونس 65.1٪ من المساحة الكلية، وفي دمشق 58٪، وفي حلب 55٪، ووصف المؤلف سكان هذه الضواحي بأنهم أقرب إلى الريف في معيشتهم وفعالياتهم، مما يفسر ظاهرة "الترييف".

وأخيراً، يناقش الفصل أنماط هذا النمو، رافضاً فكرة أن التوسع كان "عفويّاً" وقع دون تدخل منظم. يقدم المؤلف أدلة على وجود إرادة تخطيط وتدخل منظمة. أولاً، هناك عمليات "خصخصة منظمة" لأراضٍ على نطاق صغير (من 2 إلى 4 هكتارات). في القاهرة، هناك حيان في القسم الغربي للمدينة ("درب مصطفى بيه" و"درب مصطفى الفوقاني") تظهر فيها خارطة "وصف مصر" نظام طرقات منتظم يشبه أسنان المشط. وفي دمشق، في منطقة الميدان، يوجد شوارع متوازية بعرض 30م و 40م، وتم اكتشاف منزل يعود إلى 1748 يؤكد تاريخ هذا التقسيم. أما المجال الأروع فهو في حي الجديدة المسيحي في حلب، حيث قسم الأرض بطرق متوازية تبعد 40م عن بعضها، مقسمة الأرض إلى حصص مساحتها 400م2. ثانياً، هناك عمليات عمرانية كبرى تمت في إطار الأوقاف، ويضرب المؤلف مثالاً مفصلاً عن حلب بأربع عمليات متتالية ومتلاصقة أدت لمضاعفة مساحة "المدينة" التجارية. أولها كان وقف خسرو باشا حول جامعه عام 1544، ثم محمد باشا دوشاكين زاده بوقف "العادلية" عام 1555 والذي شمل ثلاثة هكتارات وأربعة أسواق وثلاثة خانات كبيرة، منها خان مساحته 5500م2. ثم وقف محمد باشا آخر عام 1574 بمساحة هكتار واحد و937 محلاً تجارياً وصناعياً. وأخيراً وقف بهرام باشا عام 1583. ويصف الفصل هذه المشروعات بأنها بالغة الروعة بتناسقها الهندسي وانتظامها حيث كانت تُنفذ غرب المشروع السابق وكأنها مخطط مسبق. ثالثاً، لم يستبعد المؤلف أن تكون هذه العمليات نتيجة قرارات سياسية من الحكومة المحلية أو المركزية في إسطنبول، مستشهداً بتدخل السلطان في حلب لبناء مسلخ عام 1733 وتوسيع طريق عام 1739.

في خاتمته، يقر المؤلف بأن معرفتنا بالمدن العربية في العهد العثماني (من 1516 إلى 1916) في طريقها إلى التحسن بفضل أعمال جيل جديد من الباحثين، تاركاً أسئلة مفتوحة حول تحليل سمات النظام المديني الذي بدأت معالمه بالظهور على الصعد الصغيرة والكبيرة. يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش بوضوح، وهي أن السردية التاريخية عن "الانحطاط العثماني" بحاجة إلى مراجعة جذرية بناءً على أدلة مادية وتاريخية جديدة، وألا هذا الانحطاط (إن وجد) لم يحدث إلا في مراحل متأخرة، وليس خلال القرون الثلاثة الأولى من الحكم العثماني.

12.الفصل الثاني عشر: السلطان سليمان والنشاط المعماري في الولايات العربية من الامبراطورية (-1520 1566)231–246▼ ملخص

سلطان لم يزر ولاياته العربية إلا مرات عابرة لأسباب عسكرية، ومع ذلك شهد عهده نشاطاً معمارياً لافتاً في مدنها الكبرى. هذا هو التناقض المحوري الذي يسعى الفصل الثاني عشر من كتاب "حلب في العصر العثماني" لأندره ريمون إلى تفكيكه، وذلك بفحص أعمال السلطان سليمان القانوني (حكم بين 1520 و1566) في الولايات العربية، محاولاً فهم طبيعة هذا النشاط وأسبابه ودوافعه.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تأكيد محدودية احتكاك السلطان المباشر بالعالم العربي. فبالرغم من الأهمية الدينية والاقتصادية لهذه الولايات، لم يزرها سليمان إلا اضطرارياً خلال حملاته العسكرية الكبرى ضد الدولة الصفوية. يوضح المؤلف أن هذا الاحتكاك اقتصر على شمال سورية والعراق، وكان أبرزها خلال حملة 1533-1536 التي مر فيها السلطان بـحلب في طريقه لاحتلال بغداد (نوفمبر 1534) وعودته منها، وحملة 1548-1549، وأخيراً حملة 1553 التي أمضى فيها شتاء حلب قبل معركة الآراكس وانتهت بصلح أماسية (مايو 1555). يضع هذا التمهيد إطاراً لفهم أن النشاط المعماري لم ينبع من تفاعل يومي، بل من لحظات استراتيجية محددة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الإحصاء الكمي للمباني العامة التي شُيدت في عهد سليمان، معترفاً في البداية أن هذا الإحصاء لا يؤدي وحده إلى نتائج ذات دلالة عميقة. يسرد المؤلف قائمة بأكثر من 20 مبنى عاماً في حلب (مساجد، تكايا، عيون ماء) ومباني مماثلة في دمشق والقدس والقاهرة وبغداد ومكة والحجاز وطرابلس والجزائر. يلفت النظر إلى أن حركة البناء كانت متواضعة من حيث العدد، وأن المقارنة بين المدن تظهر تقدماً واضحاً لـالقاهرة (بـ 24 منشأة) ثم حلب (22) ودمشق (20)، مما يعكس تراتبية الأهمية الحضرية. ويشير إلى شح المنشآت في العراق بسبب الصراع المستمر مع الصفويين، وهو ما يفسر أيضاً اكتفاء سليمان بترميم مبنيين في بغداد بدلاً من إقامة منشأة نصر كبرى.

لتجاوز الجمود الرقمي، يركز الفصل على الأعمال المرتبطة مباشرة بالسلطان، إما بأمر منه أو بنقش صريح يسميها باسمه. يقدم المؤلف قائمة زمنية مفصلة بهذه المنشآت، تمتد من 1522 إلى 1566، وتشمل أعمالاً في القاهرة (جامع سليمان باشا 1528، التكية السليمانية 1543مكة (أعمال الجامع الكبير 1524، جر المياه 1564، المدرسة 1565القدس (ترميم القلعة والسور بين 1531 و1541، بناء ستة سبل 1536حلب (قسطل السلطان 1533، جامع خسرو باشا 1535بغداد (ترميم جامع الخيلاني والكاظمية 1534دمشق (التكية السليمانية 1554 والمدرسة السليمانية قبل 1566) والحجاز (حصون للأخضر ومويلح والحق في 1531 و1560 وما بعدها). يخلص إلى أن هذا الجهد جعل سليمان أكثر سلاطين العثمانيين بناءً في المدن العربية، بل ربما أكثر من مجموعهم.

يحلل الفصل بعد ذلك الأسلوب المعماري لهذه المباني، فيظهر ازدواجية واضحة. فمن جهة، هناك مباني تحمل الطابع الإمبراطوري العثماني بوضوح، مثل جامع خسرو باشا في حلب والتكية السليمانية في دمشق، وقد أشرف على بنائها المعماري الكبير سنان، مما يدل على توجيه مباشر من السلطان. ومن جهة أخرى، نجد مباني تتبع التقاليد المحلية، مثل سبل القدس وحلب، التي أشرف عليها مهندسون محليون على الأرجح. يشير المؤلف إلى أن هذه الازدواجية تنفي وجود إرادة أحادية الاتجاه لفرض الطابع العثماني، بل يبدو أن السلطان ترك المجال مفتوحاً لأساليب متنوعة، إذ أن معظم المباني الدينية الكبرى من أصل 10 بُنيت في القرن السادس عشر تنتمي للطراز المحلي، ولا تشكل المباني الإمبراطورية إلا نسبة ضئيلة.

يكشف التحليل الزمني في القائمة عن فترتين من النشاط المعماري الكبير تفصل بينهما فترة توقف. الفترة الأولى بين 1528 و1541، وتضمنت الأعمال الكبرى في القدس وحلب وبغداد. الفترة الثانية الخاملة بين 1543 و1553. والفترة الأخيرة بين 1554 و1566، وتركزت على دمشق وطريق الحج ومكة. يحاول المؤلف ربط هذه الفترات بحملات سليمان، فالفترة الأولى ترتبط بالحملة الأولى على العراق (1534-1536)، والتي يرى أنها أعطت الضوء الأخضر للفعاليات المعمارية، وسمحت للسلطان بتعميم لقبه "سلطان الروم والعرب والعجم". أما الفترة الأخيرة فترتبط بالحملة الثالثة (1553)، لكنه يعترف بصعوبة تفسير الاهتمام المتأخر بالحج ومكة وربطه بأحداث محددة، تاركاً هذا السؤال مفتوحاً.

أخيراً، يربط الفصل بين دراسة مواقع المباني ودوافع السلطان الدينية والسياسية، ويحدد محورين رئيسيين: الأول هو رفع شأن طريق الحج، والثاني هو تأكيد الطابع الإسلامي-العربي لمدينة القدس. يقر المؤلف بأن التفسير العسكري والاستراتيجي للتحصينات الهائلة في القدس (القلعة، السور) غير كافٍ، مستشهداً بالمؤرخ أ. كوهين الذي يرى أن القدس كانت مدينة هامشية عسكرياً، وأن استتباب الأمن النسبي في المدن الأخرى يدل على ظاهرة عامة. لذلك، يذهب المؤلف إلى أن هذه المنشآت كانت تهدف بالأساس إلى تأكيد الأهمية الدينية للمدينة ودور سليمان كحامٍ للإسلام، وهو برنامج تجلى أيضاً في جعل نقوش المدينة باللغة العربية. أما بالنسبة للحج، فيرى أن بناء التكية السليمانية في دمشق على المرج الذي يجتمع فيه الحجاج هو خير دليل على استجابة السلطان لواجبه الديني والسياسي كـ"خادم الحرمين الشريفين"، وهو اهتمام يهدف إلى ترسيخ شرعيته كقائد لأكبر قوة إسلامية.

في الختام، يقدم الفصل حجة واضحة للنقاش، إذ يرى أن البذخ المعماري في عهد سليمان لم يكن مجرد نزعة إنشائية، بل أداة سياسية ودينية ذكية استخدمها السلطان لتعزيز شرعيته وهويته الإسلامية والعربية في ولاياته النائية، خاصة في الأماكن المقدسة. وفي هذه المغامرة التفسيرية، ينجح المؤلف في الربط بين الأحداث العسكرية العابرة والسياسة العمرانية المستدامة، رغم إقراره بوجود ثغرات في المصادر تجعل بعض التفسيرات فرضيات قابلة للنقاش، لا سيما فيما يتعلق بالدوافع الدقيقة وراء التوقف الطويل واندفاعة السنوات الأخيرة.

13.الفصل الثالث عشر: علاقات الريف - المدينة في البلدان العربية في العهد العثماني247–290▼ ملخص

يطرح هذا الفصل قضية العلاقة بين الريف والمدينة في البلدان العربية خلال العهد العثماني، وينتقد الفكرة السائدة التي تصف المدينة بأنها "جسم غريب" يسيطر على الريف ويستغله بشكل كامل، وهي فكرة روج لها جغرافيون مثل ج. ويليرس في سياق المدن السورية. يرى المؤلف أن هذه العلاقة أكثر تعقيداً مما يُتصور، ولا يمكن اختزالها في استغلال أحادي الجانب. وبدلاً من ذلك، يقترح المؤلف النظر إلى العلاقة كشبكة من التبادل المتبادل ضمن تقسيم حقيقي للعمل، مع الاعتراف بوجود جوانب طفيلية واستغلالية. ويؤكد الكاتب في البداية افتقارنا للمعلومات الكافية لتقديم نتائج قاطعة، خاصةً بخصوص الاقتصاد الريفي والإنتاج الزراعي والضريبي، مما يجعل أي عرض منهجي للموضوع بمثابة مغامرة بحثية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاثة محاور رئيسية: التكامل، الاستغلال، ومكانة الريفيين في المدينة. يبدأ بمناقشة دور المدينة كسوق رئيسي للمنتجات الزراعية من الريف، مستشهداً بأمثلة من عدة مدن. ففي القاهرة، كانت أسواق الحبوب تقع خارج باب الشعرية في "رقعة القمح"، كما كانت أسواق الماشية خارج باب زويلة. وفي دمشق، كانت مستودعات القمح تقع على طريق ضاحية الصلاحية لتستقبل الحبوب القادمة من حوران. ويوضح أن موقع هذه الأسواق على أطراف المدن لم يكن عشوائياً، بل كان نتيجة لطبيعة البضائع الزراعية كبيرة الحجم وقليلة المردود التجاري والمزعجة للجوار. لم تكن المدينة مجرد مستهلك، بل كانت مركزاً لإعادة توزيع المنتجات الزراعية (مثل الحبوب والجلود والصوف من الجزائر) والصناعية الريفية. في مصر، كانت القرى في الدلتا والفيوم تنتج أنسجة الكتان والقطن التي تُباع في وكالات مخصصة في القاهرة مثل "وكالة الخيش". أما صناعة "الشاشية" في تونس فكانت نموذجاً للإنتاج المشترك المعقد الذي يربط المدينة بالريف، حيث كانت النساء في قرية أريانة يحكن الصوف ثم يُرسل إلى تونس للخياطة ثم إلى قرية تيبوريا على ضفاف نهر مجردة لدعكه ثم إلى قرية زغوان لصبغه، قبل أن يعود إلى العاصمة ليأخذ شكله النهائي. يخلص القسم الأول إلى أن القول بأن المدينة كانت تكتفي باستهلاك خيرات الريف هو صورة ناقصة، فهي كانت تقدم خدمات لا يمكن تعويضها كمركز تنظيم الاقتصاد وإعادة التوزيع.

في المحور الثاني، يعترف الكاتب بوجود أشكال طفيلية واضحة لاستغلال المدينة للريف، لكنه يحاول تفكيكها وتصنيفها. يقدم ثلاثة أشكال رئيسية: الابتزاز المطلق، والاستغلال الضريبي المنتظم، وإيجار الأرض الزراعية. الأول يتجلى في حملات السلب والنهب التي كان يقوم بها الحكام، مثل حملات مراد بيه على قرى مصر في أواخر القرن الثامن عشر، أو المصادرات التي كان يقوم بها أسعد باشا العظم في سورية، حيث أرسل حملة إلى البقاع عام 1747 وصادر أطناناً من القمح لإنقاذ دمشق من المجاعة. أما الثاني فظهر في أنظمة ضريبية مثل "الدورة" في دمشق والمخيمات الضريبية (المحلة) في تونس والجزائر، والتي كانت تجبي الضرائب عينياً أو نقداً. ويشير الكاتب إلى أن نظام "الالتزام" في مصر حول القرى لأفراد من الطبقة الحاكمة ثم لاحقاً لتجار وعلماء مدنيين، مما أدى إلى تحول هؤلاء الملتزمين إلى ملاك أراضٍ فعليين. ففي عام 1797، كان من بين 4420 مزارعاً ملتزماً 2616 مماليك وعسكرياً و 860 عربياً و 307 علماء و 57 تاجراً. أما ثالث الأشكال فكان إيجار الأرض الزراعية نفسه، والذي أصبح وراثياً تقريباً، مما خلق طبقة من ملاك الأراضي من سكان المدن. ويخلص هذا القسم إلى أن حجم الاقتطاعات من الفلاحين كان هائلاً، ففي مصر عام 1798، ذهب نحو ثلثي الاقتطاعات الرسمية (حوالي 274.2 مليون بارة) إلى جيوب المزارعين والعملاء الذين يسكنون المدينة، بينما ذهب الثلث الآخر ( 137.6 مليون بارة) للخزينة. ويضاف إلى هذا إيجار الأوقاف، وهي مؤسسات دينية في المدينة تمتلك أراضٍ زراعية شاسعة (مثل وقف سنان باشا في دمشق عام 1596 أو وقف محمد بك أبو الذهب في القاهرة عام 1774)، مما كان ينقل ثروة هائلة من الريف لدعم المؤسسات الدينية وسكان المدينة.

ينتقل الفصل إلى محوره الثالث، وهو دراسة مكانة أهل الريف في المدن كتيار بشري دائم ومؤثر. يرفض الكاتب فكرة أن سكان المدن هم كتلة بشرية منفصلة جذرياً عن الريف، مستشهداً بأدلة على هجرة مستمرة من الريف إلى المدينة. كانت الأزمات مثل المجاعات والأوبئة تدفع بأعداد كبيرة من القرويين نحو المدن، التي كانت توفر ملاذاً نسبياً بفضل تدخلات الحكام للحفاظ على استقرار الأسعار. في أزمة 1694-1695 في القاهرة، ارتفع سعر القمح من 60 بارة إلى 420 بارة، فامتلأت المدينة بالمعوزين. كما كانت هناك هجرات مؤقتة للعمل، حيث شكل الريفيون جماعات "غرباء" (مثل "البسكريين" في الجزائر و"الصعايدة" في القاهرة) استقروا في أطراف المدن ومارسوا المهن الشاقة. ويضرب الكاتب مثالاً على ذلك بظاهرة "البراني" في الجزائر، الذين بلغ عددهم حوالي 5000 من أصل 30,000 ساكن عام 1830، وكانوا يشكلون جماعات هامشية لغوياً ودينياً ومهنياً. ويبين الفصل أيضاً هجرة العلماء والطلاب (كما في الأزهر الذي استقبل أبناء الأرياف من مناطق مثل بحيرة والصعيد) والتجار (مثل تجار أسيوط الذين كانوا يقيمون في "وكالة أسيوط" في القاهرة). أدى هذا التدفق المستمر إلى تغيير وجه المدينة، فتكونت أحياء محيطية ذات طابع ريفي (مثل حي بانقوسا في حلب وضاحية الكرخ في بغداد) وسكن جماعي مثل (الوكالات) و"الحوش"، وهو ساحة واسعة يحيط بها أكواخ، وصفها كلير بيه بأنها تشبه قرية مستقلة. ويخلص الكاتب إلى أن هذه الموجات من الترييف أدت إلى تناقضات اجتماعية وثقافية، حيث تميزت الأحياء الهامشية بين سكانها القدامى والجدد، وتعكس ظاهرة العنف وروح المعارضة التي سادت في هذه المناطق، كما ظهر في دراسة للسجناء في تونس عام 1202 هجري، حيث شكل المهاجرون من الريف (القرويون والبدو) حوالي 49% من حالات السرقة، مما أظهرهم كعناصر خطرة في نظر سكان المدينة الأصليين.

في الختام، يقرر الكاتب أن العلاقة بين الريف والمدينة هي أكثر تعقيداً بكثير من النموذج الاستغلالي البسيط. الأساس هو الاستغلال بلا شك عبر الضرائب والإيجارات والأوقاف، ولكن هذا الاستغلال كان يقابله دور المدينة كسوق ومنظم للاقتصاد ومصدر للسلع المتخصصة والأمن النسبي. ويشير بتحفظ إلى أن المعلومات المتاحة لا تسمح بإجمالي دقيق، وأن العديد من الدراسات الدقيقة لا تزال بحاجة إلى إنجاز. يعترف الكاتب بأن فرضية "المدينة الغريبة" تستند لحالات محلية وظروف تأريخية وأيديولوجية معينة، لكنه يراها غير كافية لتفسير التفاعل البشري والاقتصادي الدائم. ويترك أسئلة مفتوحة حول حجم الإنتاج الزراعي وحجم الاقتطاعات الضريبية وآليات الهجرة ومدى اندماج الريفيين، مؤكداً أن هذه كلها تحتاج لأبحاث مستقبلية معمقة. يمكن القول إن الفصل يقدم نقداً بناءً للنماذج التبسيطية، ويدعو إلى نظرة أكثر شمولية وواقعية تعترف بالتشابك والتبعية المتبادلة بين المدينة والريف في العالم العربي العثماني، حتى مع إقراره بوجود ظلم واستغلال كبيرين.

14.الفصل الرابع عشر: حلب في العهد العثماني291–316▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل تاريخ مدينة حلب خلال الحكم العثماني الممتد لثلاثة قرون، مقدماً مراجعة نقدية للأطروحات السابقة، خاصةً تلك التي قدمها المؤرخ جان سوفاجيه. يرفض المؤلف فكرة أن العهد العثماني كان مجرد "واجهة فخمة تخفي الدمار"، ويقدم بدلاً من ذلك تحليلاً أكثر توازناً يظهر فترات متناوبة من النمو والأزمة، معتمداً على معطيات عمرانية واقتصادية وديموغرافية. جوهرArgument هو أن تاريخ حلب في هذه الفترة لا يمكن اختزاله في انحطاط مستمر، بل هو مسار متعرج من التوسع والانكماش، قوامه ديناميكية محلية وليست مجرد تابع للنشاط الأوروبي.

يسير الفصل وفق تتابع زمني صارم، مقسماً الفترة العثمانية إلى أربع مراحل رئيسية. يبدأ بفترة النمو في القرن السادس عشر، حيث شكل الاحتلال العثماني انطلاقة كبرى للمدينة. يشرح كيف استفادت حلب من الاستقرار الذي وفرته الإمبراطورية الواسعة، ومن موقعها على طرق التجارة الدولية والحج، مما جعلها مركزاً إقليمياً هاماً. يقدم المؤلف أدلة عمرانية قوية على هذا الازدهار، مثل توسع "المدينة" (المركز التجاري) من 6 هكتارات إلى 17 هكتاراً عبر بناء أربعة أوقاف كبرى، ونقل المدابغ والمصابن خارج السور لإفساح المجال، وازدهار الضواحي الشمالية والشرقية. ويدعم ذلك بحركة بناء نشطة، شهدت تشييد جوامع فخمة مثل الخسروية (1546) والعادلية (1556) والبهرامية (1583)، والتي يصفها سوفاجيه نفسه بأنها "أجمل المنجزات المعمارية".

ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي أزمة القرن السابع عشر، مركزاً على النصف الأول منه. يعزو هذه الأزمة إلى صعوبات داخلية في الإمبراطورية (حروب وثورات) وخاصةً تراجع التجارة الشرقية بسبب تحول الطرق البحرية ونشاط الأوروبيين، كاحتلال هرمز عام 1622، واحتكار الشاه عباس تجارة الحرير. يشير إلى توقف شبه كلي لبناء الخانات بين 1594 و1654، وتراجع حاد في بناء المنشآت العامة (فقط 21 مبنى مقابل 35 في القرن السابق)، وفترات طويلة من "الصمت المعماري" استمرت 43 سنة. مع ذلك، يقر المؤلف بصعوبة تحديد عمق الأزمة ومدتها بدقة، ويقدم أدلة مضادة مثل تطور صناعة الصابون ونمو صناعة النسيج، واستمرار الزيادة السكانية، والتي تشير إلى أن الأزمة لم تكن شاملة.

أما المرحلة الثالثة، فهي فترة النهوض في القرن الثامن عشر، والتي يصفها بأنها "تناقضية" لأنها تجمع بين رخاء اقتصادي وتراجع معماري نسبي. يستخدم أرقام التجارة مع مارسيليا كدليل على النشاط الاقتصادي القوي، حيث ارتفعت صادرات الأقمشة من 85,000 ليرة (1700-1702) إلى 1,696,000 ليرة (1785-1789). ويظهر ازدهار صناعة النسيج بتنوعها الكبير (ذكر 43 نوعاً من القماش عام 1762). عمرانياً، كان القرن الثامن عشر أكثر نشاطاً من السابع عشر (39 مبنى عاماً)، لكن المباني كانت أقل فخامة وأكثر تركيزاً على عيون الماء ( 23 عيناً)، مما يدل على نمو سكاني. يبرز هنا دور "الأعيان المحليين"، كعائلتي الأميري وطه زاده، الذين حلوا محل الباشاوات كمحركين للنشاط العمراني والتجاري، مع استمرار توسع الضاحية الشمالية ذات الغالبية المسيحية.

وأخيراً، يصف الفصل مرحلة الأزمة العميقة بين 1770 و1840. يربطها بضعف الإمبراطورية العثمانية بعد معاهدة كوجوك قينارجه (1774)، وسلسلة من الكوارث الطبيعية والسياسية: تمردات شعبية متكررة، أوبئة طاعون ( 1786, 1793, 1802, 1806, 1827 )، حصار 1819، وزلزال 1822. يقدر عدد سكان حلب عند نهاية هذه الفترة بحوالي 75,000 نسمة، وهو رقم يعود به إلى مستواه في بداية الحكم العثماني. ويخلص المؤلف إلى أن صعوبات هذه الفترة الانتقالية كانت تمهيداً لتحديات القرن التاسع عشر الجديدة، المتمثلة في النفوذ الأوروبي المتزايد، وليست مجرد استمرار لانحطاط طويل.

في المجمل، يقدم الفصل حجة واضحة ضد النظرة التشاؤمية للعهد العثماني، مؤكداً على ديناميكية حلب المحلية. يمكن القول إن النقاش الأكثر قابلية للجدل بناءً على النص هو الاعتماد على المصادر الأولية المحدودة (مثل سجلات المحكمة أو تقارير القناصل)، والتي قد تكون متحيزة أو غير كاملة، وهو ما يعترف به المؤلف نفسه في عدة مواضع. رغم ذلك، يبني المؤلف حالة مقنعة بأن "الوحدة الأساسية" لفهم المجتمع هي "المدينة-الزراعية"، وأن علاقة حلب بمحيطها الريفي كانت قائمة على التبادل وتقسيم العمل، لا على التسلط الأحادي، وهي ديناميكية استمرت عبر فترات الرخاء والأزمات.

15.الفصل الخامس عشر: سكان حلب في القرنين السادس عشر والسابع عشر بحسب وثائق الاحصاء العثماني317–338▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوعاً شائكاً في تاريخ المدن العربية، وهو تقدير حجم سكان حلب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. يعتمد المؤلف أندره ريمون على مصادر وثائقية عثمانية نادرة ليقدم إجابة واضحة عن هذا الغموض الديموغرافي، ويخلص إلى أن سكان حلب لم يكونوا ثابتين، بل شهدوا نمواً ملحوظاً وتغيراً جذرياً في توزيعهم داخل المدينة وخارج أسوارها.

يبدأ الفصل بعرض المشكلة الأساسية: صعوبة تقدير عدد السكان في المدن العربية قبل العصر الحديث بسبب ندرة الإحصاءات الدقيقة واعتماد المؤرخين على انطباعات الرحالة المبالغ فيها. لكنّ هذه المعضلة وجدت حلاً حاسماً بفضل استخدام وثائق الإحصاء العثماني، والتي أثبتت فعاليتها كمصدر موثوق بفضل الدقة الإدارية العثمانية. ومع ذلك، يقرّ المؤلف بأن استخدام هذه الوثائق لا يخلو من صعوبات، مثل: اختلاف وحدات الإحصاء (مثل «خانة» للأسر و«مجرد» للأعزب)، وعدم ثبات حدود الأحياء (المحلة) إدباً وجغرافياً، وتغيير أسمائها أو اندماجها مع مرور الزمن.

يقدم الفصل تفصيلاً دقيقاً للمصادر الثلاثة الرئيسية التي يعتمد عليها. الأوليان هما وثيقتان عثمانيتان رسميتان من سجلات «تاپو» تعودان لعامي 944 هـ/ 1537م و 992 هـ/ 1584م، وتحتويان على كشف بأسماء الأحياء ووحداتها السكنية. المصدر الثالث هو كشف نقله الرحالة الفرنسي دارقيو عام 1683م، والذي يعتقد المؤلف أنه نُسخ عن وثيقة رسمية قديمة، مما يمنحه دقة عالية. أما المصدر الرابع والأحدث فهو كتاب كامل الغزي «نهر الذهب»، والذي يقدم صورة لحلب في مطلع القرن العشرين. يستخدم المؤلف هذه المصادر الأربعة في دراسة مقارنة، متغلباً على صعوبات اختلاف وحدات الإحصاء بفرضية مهمة: أن الظروف الديموغرافية في الأحياء القديمة والمركزية من المدينة بقيت ثابتة نسبياً منذ نهاية العصور الوسطى، مما يسمح باعتبار «الوحدات السكنية» في جميع هذه الإحصاءات بمثابة أداة قياس متسقة يمكن مقارنتها عبر الزمن.

بناءً على هذه المنهجية، ينتقل الفصل إلى تقدير أعداد السكان في ثلاث نقاط زمنية رئيسية. في عام 1537م، بلغ مجموع الوحدات السكنية في أحياء حلب التي تم تحديدها 10,270 وحدة، وهو ما يعادل حوالي 80,000 نسمة (بافتراض 8 أفراد لكل مسكن وفقاً لتقدير كامل الغزي). كان أكثر من نصف هذا العدد (42,500) يقطن داخل المدينة المسورة، بينما تمركز الباقي في الضواحي الشمالية والشرقية. وبعد نصف قرن، في إحصاء 1584م، نجد استمرارية واضحة في البنية السكانية، حيث ظل عدد السكان داخل الأسوار ثابتاً تقريباً، لكن المجموع الكلي انخفض بشكل طفيف ليصل إلى حوالي 75,000 نسمة، مما يعكس فترة من الانكماش أو التراجع النسبي.

التغيير الأكبر يظهر جلياً في إحصاء 1683م. هنا، يقفز عدد الوحدات السكنية في الأحياء المحددة إلى 14,146 وحدة، وهو ما يعادل أقل بقليل من 115,000 نسمة. هذا النمو الهائل بنسبة %40 تقريباً خلال قرن ونصف يرافقه تحول عميق في توزيع السكان. فبينما يبقى عدد سكان المدينة المسورة ثابتاً عند حدود 42,000 نسمة، تشهد الضواحي انفجاراً ديموغرافياً، حيث تتضاعف وحداتها السكنية من حوالي 4,400 عام 1537م إلى أكثر من 8,700 عام 1683م. كانت الضواحي الشمالية والشرقية هي الأكثر استيعاباً لهذا النمو، حيث تضاعف عدد وحداتها السكنية بنسبة تتجاوز 80% لكل منهما، بينما شهدت الضاحية الغربية نمواً استثنائياً بنسبة %200، وإن كانت لا تزال الأقل سكاناً بالارقام المطلقة.

يخلص الفصل إلى أن فترة القرنين السادس عشر والسابع عشر شهدت حدثين رئيسيين في ديموغرافيا حلب. الأول هو النمو الإجمالي الكبير للسكان، من حوالي 80,000 إلى 115,000 نسمة، وهي زيادة تتناسب مع التوسع العمراني المعروف للمدينة. والثاني هو التحول الجذري في التوزع السكاني لصالح الضواحي، التي أصبحت تضم قرابة ثلثي سكان حلب عام 1683م، مقارنة بأقل من النصف قبل قرن ونصف. يفسر الفصل هذا الثبات في مركز المدينة بحقيقة أن أسوارها ومناطقها القديمة بلغت حداً أقصى من التشبع السكاني منذ العصر المملوكي، بينما كان الضغط الديموغرافي يدفع بالتوسع خارجها. كما يوثق ظهور أحياء جديدة في الضواحي وانتقال أحياء صناعية مثل «الدباغة العتيقة» خارج السور، مما يعكس ديناميكية عمرانية واقتصادية واضحة.

يقر المؤلف ببعض التحفظات والحدود في هذه النتائج، مثل صعوبة تحديد موقع بعض الأحياء التي وردت بأسماء محرفة في كشف دارقيو، وعدم اليقين بشأن دقة معامل تحويل الوحدات السكنية إلى أعداد سكان (معدل 8 أفراد لكل بيت)، وهو اعتراف يضفي على التحليل مصداقية. يمكن القول إن الفصل يبني حجة منطقية قوية باستخدام مقارنة منهجية متقنة بين أربعة مصادر مختلفة، ويتغلب على عقبات المصادر التقليدية بفضل فرضية الثبات النسبي للبنية الديموغرافية في المناطق القديمة. النتائج التي يقدمها حاسمة في إعادة رسم صورة واضحة عن نمو حلب الحضري في العصر العثماني، حيث تقدم دليلاً كمياً على تحول المدينة من تجمع سكاني يتركز داخل الأسوار إلى مدينة تنمو وتزدهر ضواحيها، مما يعكس ازدهارها التجاري والاقتصادي خلال تلك الفترة.

16.الفصل السادس عشر: الفئات الاجتماعية والجغرافيا المدينية في حلب في القرن الثامن عشر339–360▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل العلاقة بين الفئات الاجتماعية والتوزيع الجغرافي للمساكن في مدينة حلب خلال القرن الثامن عشر، ويؤكد أن التنظيم المكاني للمدينة يعكس بدقة البنى الاجتماعية والاقتصادية والدينية للمجتمع الحلبي. يقدم المؤلف أدلة من عدة دراسات وأبحاث لتأكيد أن توزيع المساكن والأحياء لم يكن عشوائياً، بل تشكل في دوائر متتابعة انطلاقاً من مركز المدينة، مع وجود شذوذات في هذا النمط العام تعبر عن فئات اجتماعية محددة.

يبدأ الفصل بتناول التوزيع الجغرافي للمساكن مستنداً إلى تصنيفات عدة. يذكر تصنيف جان كلود دافيد لعام 1970 الذي يميز أربعة نماذج رئيسية للمساكن، من نموذج ١ بسيط بمساحة 50-83م² إلى نموذج ٤ متطور بمساحة 900م²، بالإضافة إلى مسكن فقير نصف ريفي ومسكن جماعي تقليدي (الحوش). ثم يعرض تصنيف إبراهام ماركوس المستند إلى سجلات المحاكم ووثائق المعاملات العقارية بين عامي 1750 و1759، والذي يميز ثلاثة نماذج: نموذج 1 بمساحة 50-200م² وقيمة 126 قرشاً (عدد 847 مسكناً)، ونموذج 2 بقيمة 464 قرشاً (عدد 398 مسكناً)، ونموذج 3 بقيمة 1779 قرشاً (عدد 39 مسكناً). يشير الفصل إلى غياب المساكن الفقيرة في عينة ماركوس بسبب ندرة توثيقها في المعاملات العقارية، مما حد من التطابق الكامل بين دراسته ودراسة دافيد.

يتطابق موقع المساكن الغنية في دراستي دافيد وماركوس حول المركز الاقتصادي للمدينة والقلعة، وهي المنطقة التي سكنتها أيضاً عائلات حلب الكبرى بحسب دراسة مارجريت ميري ويذر عن الفترة 1770-1830. ومن خلال تحليل 54 إشارة وردت في وثائق هذه العائلات، تبين أن الأحياء الأرستقراطية هي: الفرافرة (15 إشارة)، البياضة (7 إشارات)، داخل باب النصر (4 إشارات)، سويقة علي (4 إشارات)، الحلوم (3 إشارات). حول هذه الهالة البورجوازية، تنتشر هالة ثانية من المساكن المتوسطة في المناطق المحيطية بالمدينة المسورة والضاحية الشمالية، ثم هالة ثالثة من المساكن الفقيرة في الضواحي الشرقية والجنوبية والغربية.

مع ذلك، يحدد الفصل شذوذين في هذا الترتيب الدائري. الأول في الضاحية الشمالية، حيث يلاحظ ماركوس أن أثمان المساكن مرتفعة وتتجاوز أحياناً مثيلاتها في المركز، ويشير دافيد إلى جيوب من المساكن الغنية في حي الصليبة وحي أقيول غرباً وشرقاً. الشذوذ الثاني هو وجود امتداد لمنطقة السكن المتوسط على طول الطريق من باب الحديد (حي بانقوسا) إلى باب قارلق في ضاحية شرقية تسيطر عليها المساكن الفقيرة، حيث تصل نسبة المساكن المتوسطة إلى 19.7% مقابل 7.4% في الضواحي الجنوبية والغربية.

يقدم الفصل تفسيراً جذرياً لهذه الشذوذات من خلال تحليل جغرافية الأقلية المسيحية. يرفض الفصل رأي عبد النور القائل باختلاط ديني حقيقي في أحياء حلب، ويؤكد أن الحي المسيحي تشكل تدريجياً في الضاحية الشمالية. يبدأ المسار بـ حارة الصليبة التي يعود بناؤها للقرن الخامس عشر، وتؤكد كنائس أرمنية (1455) ومارونية (قبل 1489) وروم أرثوذكس (نهاية القرن السادس عشر) هذا الاستيطان المبكر. في عهد السلطان سليم، جرى إنشاء حي زقاق الأربعين بعد إسكان 40 أسرة مسيحية فيه. في إحصاء عام 1011 ورد ذكر 611 وحدة سكنية في حي إديدة النصارى، وفي القرن التالي (1671-1681) ذكرت تسعة أحياء مسيحية تضم 1715 منزلاً من أصل 13854 (نسبة 12.4%). بحلول نهاية القرن الثامن عشر (1781-1787)، أصبح عدد الأحياء المسيحية 12 حياً، مع تقدم السكان المسيحيين نحو الشرق.

يعتمد الفصل على إحصاء كامل الغزي في نهاية القرن التاسع عشر لرسم صورة دقيقة: المنطقة الواقعة بين الصليبة والشارع بين باب الحديد وباب أغيور أصبحت ذات أغلبية مسيحية، حيث بلغ عدد المسيحيين 17447 من أصل 21910 ساكناً (نسبة 79.6%)، مع انخفاض النسبة من الغرب (نسبة مسيحيين مرتفعة في العريان 44% ومتوسطة في خرات خان 20.4%) إلى الشرق (تهبط النسبة إلى 7.4% في النوحية و6.1% في عنطرة). في هذا السياق، يشكل حي البساتنة جزيرة إسلامية بنسبة مسيحيين لا تتجاوز 43.7%، محاطاً بأحياء مسيحية بالكامل كالأكراد (92.7%) والغطاس (100%).

يرتبط هذا الانتشار المسيحي بالشذوذ الجغرافي الأول، حيث أثبت ماركوس أن المنطقة المسيحية بكاملها تندرج ضمن منطقة المساكن الغنية في الضاحية الشمالية، مما يعكس المستوى الاقتصادي العالي للتجار المسيحيين المرتبطين بالتجارة الدولية. يؤكد الفصل أن تطابق خريطة المسيحيين مع خريطة المساكن الغنية يسوغ تأكيد سوفاجيه على الطابع المتميز لمساكن الضاحية المسيحية. وفي المقابل، يفسر هذا التطابق الشذوذ الآخر: فحي البساتنة يمثل جيباً مزدوجاً، فهو جيب إسلامي دينياً في منطقة ذات كثافة مسيحية، وهو جيب سكني متوسط اقتصادياً في منطقة سكنية ميسورة، مما يجعله منطقة وسطى بين التجمعين.

ينتقل الفصل إلى تحليل الصراع بين الانكشارية والأشراف، وهما جماعتان لعبتا دوراً محورياً في الحياة السياسية في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر والعقد الأول من القرن التاسع عشر. يقدر عدد أفراد كل جماعة بعشرة آلاف؛ ففي وثيقة تعود لعام 1733م تحصي 168 حرفياً في مهن الأخشاب والمعادن، كان بينهم 81 سيداً (أي 10.7%). يصف الرحالة راسل الأشراف كجماعة تضم أشخاصاً من جميع الفعاليات، بينما كان للانكشاريين صلات مع مهن أقل مستوى كتجارة المنتجات الحيوانية، لكن تضخم عددهم أعطاهم طابعاً مفتوحاً كالأشراف.

يحاول الفصل تأصيل المظاهر الجغرافية لهذا الصراع، فيذكر أن الانكشارية تركزوا في الضواحي الشرقية، مما جعل خصوماتهم مع الأشراف تأخذ هيئة مواجهة بين "المدينة داخل الأسوار" والضواحي. خلال أحداث 1798 التي دامت من فبراير إلى مايو، كان الأشراف يسيطرون على المدينة المسورة، بينما سيطر الانكشارية على القلعة وأحياء بانقوسة وباب النيرب. يذكر الفصل أن مؤرخي حلب مثل باربييه دو مينار وباتون يحددان موقع تجمع الانكشارية في قهوة الآغا الواقعة وسط ضاحية بانقوسة الكبرى.

يستشهد الفصل بوثيقة "الأوامر السلطانية" التي تأمر أحمد باشا في 13 فبراير بمنع باب الالتحاق بالجيش الإمبراطوري، والتي تحدد مواقع 341 ملتحقاً بحسب الأحياء. من بينهم، كان 270 ملتحقاً خاضعين للاستبدال وهم حرفيون وتجار، بينما البقية 71 عسكريون حقيقيون تركز أكثر من نصفهم في أحياء الخبيلة (6)، الشميصاتية (4)، الشيخ عربي (2)، جوقر جوق (4)، حمزة بيه (1)، الدلالين (8)، الفرائين، قاضي عسكر (4)، تترلار (1). يشكل هؤلاء الملتحقون منطقة تركز في بانقوسا وعلى طول الطريق إلى قارلق، حيث يعد حي الدلالين والغرائين (13 ملتحقاً) مركز الجاذبية حول قهوة الآغا.

يقدم الفصل دليلاً إضافياً من خلال توزيع الجزارين. من 148 جزاراً يعملون في حلب عام 1762، تم تحديد مواقع 140 جزاراً، كان 45.4% منهم في المدينة المسورة و30% في الضاحية الشمالية مقابل 7.3% فقط في الضواحي الأخرى، بما يتناسب عكسياً مع الوضع المادي للأحياء. وُجدت نسبة كبيرة من حوانيتهم (21 حانوتاً) على طول الشارع بين باب الحديد وباب قارلق، أي في منطقة تركز الانكشارية. يفسر الفصل ذلك بسيطرة الانكشارية على نقابتَي الجزارين والدباغين وارتباطهم بجباية "الدومان" الذي تأسس عام 1747، فكان آغا الانكشارية يسلف الجزارين لدفع المال المترتب عليهم للمحتسب عام 1797.

يخلص الفصل إلى تأكيد فرضية أساسية: التطابق بين خريطة المساكن المتوسطة التي وضعها ماركوس في شمال شرق حلب وخريطة التمركز العسكري للانكشارية، مشيراً إلى أن هذا الامتداد يشكل جيباً من المساكن المتوسطة في ضاحية تسيطر عليها المساكن الرخيصة، مما يمكن تفسيره بوجود كثافة سكنية للعسكريين رفعت من مستوى المساكن في تلك المنطقة.

في ختام التحليل، يؤكد الفصل أن النمط الدائري لتوزيع المساكن في حلب يتطابق مع نماذج مماثلة في تونس والقاهرة. أما الشذوذات في هذا المخطط، فهي تعبير مكاني عن فئتين اجتماعيتين مهمتين في حلب العثمانية: الجالية المسيحية ذات المستوى الاقتصادي العالي المرتبط بالتجارة الدولية، والفئة العسكرية (الانكشارية) المرتبطة بنقابة الجزارين واحتلال منطقة ذات نفوذ اقتصادي وعسكري في الشمال الشرقي. يقدم الفصل هذه الملاحظات كتأكيد لمبدأ أن البنى الاجتماعية في المدن العربية الكبرى تجد لها تعبيراً جغرافيا دقيقاً، وأن الخرائط المختلفة تلتقي لتزيد في دقة صورة كل فئة اجتماعية.

17.الفصل السابع عشر: الشبكات المدينية والتحركات الشعبية في حلب (نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر)361–380▼ ملخص

يُحلل هذا الفصلُ من كتاب أندره ريمون "حلب في العصر العثماني" الظاهرةَ المحورية للتحركات الشعبية في مدينة حلب خلال الفترة الممتدة من نهاية القرن الثامن عشر إلى بداية القرن التاسع عشر، مُقدماً إجابةً واضحة عن الكيفية التي صاغت بها الشبكات المدينية التقليدية، وعلى رأسها الإنكشاريون والأشراف، هذه الحركات. يجادل المؤلف بأن هذه الجماعات، التي كانت بمثابة إطار تنظيمي واجتماعي أساسي للمجتمع الحلبي، لم تكن مجرد أدوات للفتنة، بل لعبت دوراً مزدوجاً: فهي من جهة كانت تُعبر عن مقاومة السكان للسياسات الجائرة والاقتصادية الصعبة، ومن جهة أخرى كانت تسعى لتعزيز مصالحها وامتيازاتها. يخلص الفصل إلى أن هذه الشبكات، على الرغم من تنافسها وصراعاتها الداخلية العنيفة أحياناً، كانت قادرة على التوحد لمواجهة السلطة المركزية أو ممثليها المحليين، مما جعلها قوة سياسية واجتماعية فاعلة ومؤثرة في تاريخ المدينة.

يسير الفصل خطوةً بخطوة، بدءاً من عرضٍ نظري لأهمية الشبكات المدينية (الحي، النقابة، الطائفة القومية والدينية) في الحفاظ على تماسك المجتمع، وصولاً إلى التطبيق العملي على حالة حلب. يبدأ المؤلف بتسليط الضوء على سلسلة من التحركات العنيفة التي هزت المدينة، والتي بدأت عام 1770 واستمرت حتى عام 1819. يستعرض بالتفصيل كل انتفاضة كبرى: ففي 1770، قاد الأشراف حركة احتجاج ضد ارتفاع سعر الخبز والضرائب، مما أدى إلى طرد المتسلم مؤقتاً. وفي 1775، اجتمع الأهالي بقيادة الإنكشاريين لطرد الوالي علي باشا بعد ممارساته القمعية، وقد وصف رحالةٌ معاصر مشهد إذلال الباشا وهو يغادر المدينة تحت صيحات السخرية. ثم يتابع الفصل سرد الأحداث: طرد الوالي عبدي باشا عام 1784، ومنع عثمان باشا من دخول المدينة عام 1787 بسبب مخاوف من عنفه، واستمرار هذه السلسلة من المواجهات مع الولاة حتى انتفاضة 1819 الكبرى التي انتهت بحصار دام 101 يوماً وأسفر عن إعادة فرض السيطرة العثمانية بقسوة. يُظهر المؤلف من خلال هذا السرد أن هذه الانتفاضات كانت في معظمها ردود فعل ناجحة ضد ممثلي السلطة، مما يدل على ضعف الحكومة المركزية آنذاك وقوة هذه الشبكات المحلية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل دقيق لركيزتي هذه الحركات: الإنكشاريون والأشراف. يُفصّل الكاتب امتيازاتهم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، مثل الإعفاءات الضريبية والحصانة، والتي جعلت الانتماء إليهما جذاباً للغاية. وهنا يقدم أدلة رقمية مهمة: يتراوح عدد الإنكشاريين بين 6,000 و 12,000، بينما يُقدر عدد الأشراف بنحو 10,000، وهي أرقام كبيرة جداً في مدينة يبلغ عدد سكانها 100,000 نسمة. لكنه لا يقتصر على الأرقام، بل يحاول رسم صورة اجتماعية واقتصادية لكل جماعة، مُشيراً إلى أن الإنكشاريين غالباً ما كانوا من أصول ريفية أو قبلية، ويعملون في تجارة القوافل والحرف المتدنية، ويسكنون في الضواحي الشرقية (مثل بانقوسا وباب النيرب) التي كانت أوكاراً للفتن. في المقابل، كان الأشراف أكثر ارتباطاً بالمدينة القديمة، وينتشرون في طبقات المجتمع كافة، مع حضور قوي في الحرف الرفيعة كصناعة النسيج والحرير، وبينهم طبقة من الأعيان ملاك الأراضي. يقر المؤلف بصعوبة تقديم استنتاجات قاطعة حول التمايز الطبقي بينهما، نظراً لنقص السجلات الدقيقة، ويشير إلى أن بعض الأشراف الأغنياء كانوا يسكنون أيضاً في ضاحية بانقوسا ذات السمعة الانكشارية، مما يعقد الصورة.

في القسم الأخير، يتناول الكاتب الصراعات الداخلية العنيفة بين الجماعتين، مستعرضاً معارك الشوارع الرئيسية في أعوام 1770 و1778 و1798 و1805، والتي كانت تهدف إلى السيطرة على المدينة والموارد. لكن الملاحظة الجوهرية التي يبرزها المؤلف هي الطبيعة المحدودة لهذه الحروب؛ إذ يصفها بأنها كانت عروضاً للقوة (كثرة إطلاق النار واستهلاك البارود) مع إصابات قليلة، دون نية حقيقية لتدمير الطرف الآخر، بل كانت تهدف إلى ترجيح كفة النفوذ. وهذا ما يؤكد، من وجهة نظر المؤلف، أن الجماعتين كانتا جزءاً من منظومة واحدة متكاملة، قادرتين على التوحد فوراً ضد أي تهديد خارجي من السلطة، كما حدث في الانتفاضة الكبرى عام 1819. يختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذه الشبكات المدينية كانت سمة مشتركة بين المدن العربية الكبرى، لكنها كانت تتخذ أشكالاً مختلفة؛ ففي القاهرة كان التنظيم مهنياً ودينياً، بينما في دمشق كان قائماً على انقسامات داخل الجيش، أما في حلب فكان اللعب على تنافس وتوازن الجماعتين العسكرية والدينية هو السمة المميزة.

يُقر المؤلف بعدة حدود للدراسة، معترفاً بأن التحليل لا يمكنه المضي بعيداً في تحديد الطبيعة الطبقية أو الجغرافية الدقيقة لهذه الجماعات، بسبب نقص السجلات والعينات الكافية. ويؤكد أن الكثير من الاستنتاجات تبقى في إطار الفرضيات، داعياً إلى إجراء دراسات أكثر دقة على أعداد أكبر من الأفراد للوصول إلى نتائج نهائية. هذه الصراحة في الاعتراف بالقيود المنهجية تمنح الدراسة مصداقية، ولكنها تترك أيضاً أسئلة مفتوحة للباحثين حول البنية الاجتماعية الدقيقة لهذه القوى التي سيطرت على حلب لتلك الفترة.

18.الفصل الثامن عشر: مواقع الأشراف في حلب في نهاية القرن الثامن عشر381–392▼ ملخص

يركز هذا الفصل من كتاب “حلب في العصر العثماني” لأندره ريمون على دراسة موقعَي الأشراف (أحفاد الرسول) والانكشارية (جنود الأوجاق) الاجتماعي-الجغرافي داخل مدينة حلب في نهاية القرن الثامن عشر. يطرح المؤلف إشكالية أساسية: إذا كانت هاتان الجماعتان تشكلان القوى الاجتماعية-السياسية الكبرى في المدينة، وتتنافسان أحياناً وتتعاونان أحياناً أخرى لتنظيم المقاومة الشعبية، فكيف يمكن تحديد مواقعهما الجغرافية الدقيقة وعلاقتها بأدوارهما؟ الإجابة التي يسعى إليها الفصل هي أن التوزع الجغرافي لهاتين الجماعتين لم يكن عشوائياً، بل يعكس ويؤكد طابعهما المتميز، بينما كانا في الوقت نفسه يمثلان شريحة واسعة ومتداخلة من سكان حلب.

يبدأ المؤلف بعرض الأهمية العددية الضخمة للفريقين، مشيراً إلى أن عددهم مجتمعين قد يصل إلى خمس سكان حلب الذين بلغ عددهم مئة ألف نسمة حوالي عام 1800، وهو ما يفسر ثقل دورهما. يعترف بصعوبة التحقق من هذه الأرقام، لكنه يورد وثيقة من عام 1689 تحتوي على 341 ملتحقاً استنفروا لحملة سلطانية، كان 270 منهم من ذوي “البدل” (أي لا يخضعون للواجبات العسكرية)، مما يدل على الانتماء الواسع وغير العسكري للانكشارية. كما يشير إلى وثيقة من عام 1733 توثق أن نسبة من يُوصفون بـ”الأسياد” بين حرفيي الخشب والحديد بلغت 20.1%، مما يؤكد العدد الكبير للأشراف أيضاً.

ينتقل بعد ذلك إلى نقد الفرضيات السابقة حول التوزع الجغرافي للجماعتين. يذكر أن انطباع النصوص السابقة (خاصة دراسة باربييه دوبوكاج) كان يميل إلى حصر الانكشاريين في الضاحية الشرقية والأشراف في داخل المدينة المسورة. ويستشهد بوثيقة من عام 1689 يستنتج منها وجود تجمع للانكشاريين (العسكريين تحديداً) في منطقة بانقوسا، لكنه يؤكد أن هذا لا يقدم صورة كاملة. لسد هذه الفجوة المعرفية، و”بانتظار حصول عمل شامل” على سجلات التركات (كما في القاهرة ودمشق)، قام المؤلف بعملية مسح محدودة لثمانية سجلات من محكمة حلب تغطي العقد من 1174هـ/ 1760-1761م إلى 1183هـ/ 1770-1769م، أي العقد الذي سبق الاضطرابات الكبرى. من هذه السجلات، تمكن من تحديد عنوان 199 شريفاً.

يقدم المؤلف نتائج هذا المسح في جداول ومقارنات. يُظهر جدول توزع الـ 199 شريفاً أن أعلى نسبة حضور لهم كانت في المدينة المسورة (77%)، يليها الضاحية الشمالية (55%)، ثم الشرقية والجنوبية والغربية بنسب أقل. لمقارنة هذه النتائج مع توزع السكان العام، يستعين المؤلف بإحصاءين موثوقين: الأول لـدارفيو عام 1683 والثاني لـكامل الغزي في نهاية القرن التاسع عشر، ويلاحظ “الثبات اللافت للنسب” بينهما. المقارنة تكشف أن نسبة الأشراف في المدينة المسورة (55.3%) كانت أعلى من نسبة مجموع السكان فيها (حوالي 42%)، بينما كانت نسبتهم ضعيفة في الضاحية الشرقية (13.9%) مقارنة بنسبة سكانها (حوالي 30%). هذا يؤكد فرضية التمركز النسبي للأشراف في المركز، رغم توزعهم في كل أرجاء المدينة. ويحدد المؤلف أسماء أحياء معينة ذات حضور كثيف للأشراف مثل العقبة وجب أسد الله والفرافرة، مشيراً إلى أن بعضها (مثل العقبة وجب أسد الله) كانت راقية، بينما البعض الآخر (مثل الشريعتلي) كان فقيراً، مما يعكس التنوع الاجتماعي داخل الجماعة.

الجزء الأهم هو المقارنة المباشرة بين توزع الأشراف وتوزع الانكشاريين (بحسب وثيقة 1689). يوضح الجدول المقارن أن الضاحية الشمالية كانت غائباً عنها الانكشاريون تماماً بينما كان بها حضور للأشراف. في المقابل، كانت المنطقة الشمالية الشرقية من المدينة (من الجبيلة وحتى باب قارلق)، وخصوصاً على طرفي شارع بانقوسا الكبير، هي منطقة السكن المفضلة للانكشاريين، حيث تركز 36 انكشارياً (50.7%) من العينة، وهذا يطابق تماماً وصف باربييه دوبوكاج لهذه المنطقة بأنها كانت مكان تجمع “الغاضبين”، وكان مركزهم قهوة الآغا. في هذه المنطقة نفسها، كان الأشراف قليلي العدد (6 فقط).

يخلص المؤلف إلى أن بحثه يؤيد ملاحظات سوفاجيه بأن الانكشاريين كانوا يسيطرون على شمال-شرق المدينة (بانقوسا)، وقسم كبير من الأشراف كان يقيم في المدينة المسورة، مما جعل المواجهات بينهما تأخذ شكل صراع بين هاتين المنطقتين. لكنه يضيف نتيجة هامة ومفاجئة: الأشراف لم يكونوا فئة متجانسة طبقياً، بل كانوا يمثلون طيفاً واسعاً من المهن (ذكر 55 مهنة بين الحمالين والقصابين وتجار الأقمشة). هذا التنوع، بالإضافة إلى توزعهم الجغرافي المتكامل مع الانكشاريين، يوضح أن كلا الفريقين كانا ينبعثان من نسيج المدينة الاجتماعي والاقتصادي نفسه. وهكذا، يفسر المؤلف أن التنافس الجغرافي لم يلغِ ميلهما للتعاون في مواجهة السلطة العثمانية، بدليل أن الانهيار الكبير لكليهما حدث معاً في تمرد 1819، الذي سحقه ثلاثة باشوات وتسعة آلاف رجل بعد حصار دام مئة يوم ويوم، معلناً “وفاة المدينة”. في نهاية المطاف، يعترف المؤلف بأن بحثه غير شامل ويستند إلى عينة صغيرة وفترة زمنية محدودة، ويقر بأن الفرضيات حول الفروق الاجتماعية الدقيقة بين الجماعتين “تبدو هشة” وتحتاج إلى مزيد من البحث، تاركاً أسئلة مفتوحة حول طبيعة الانتماء المهني للانكشارية والتفاوتات الدقيقة داخل كل طائفة.

أخيراً، يبدو أن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش وهي أن التنافس بين الأشراف والانكشارية لم يكن صراعاً طبقيًا أو مذهبياً بالضرورة، بل كان صراعاً بين قوتين اجتماعيتين منظمتين تعكسان انقسامات جغرافية وجزئياً مهنية داخل المجتمع الحلبي. النص نفسه يقدم دليلاً على ذلك من خلال التنوع المهني الواسع للأشراف، مما يضعف الفرضيات السابقة التي حاولت ربط كل فئة بمهنة أو طبقة محددة. كما أن تأكيد المؤلف المتكرر على تعاون الجماعتين في مواجهة السلطة يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان صراعهما الداخلي هو الاستثناء أم القاعدة خلال تلك الفترة.

19.الفصل التاسع عشر: طائفة في اتساع، مسيحيو حلب في العهد العثماني (XVI-XVII)393–427▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل التحول الجذري الذي شهدته الطائفة المسيحية في حلب خلال العهد العثماني، بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، متتبعاً إياها من أقلية صغيرة ومحدودة إلى طائفة مزدهرة ومتسعة. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الطائفة شهدت توسعاً ديموغرافياً وجغرافياً واقتصادياً هائلاً، بالإضافة إلى تحول داخلي عميق نحو الارتباط بكنيسة روما، وذلك في إطار من التسامح النسبي من قبل السلطات العثمانية والسكان المسلمين، مما مكّنها من لعب دور حاسم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

يبدأ الفصل بتصحيح انطباع خادع بالاستمرارية، موضحاً أن حارة النصارى في العهد العثماني تختلف تماماً عن نظيرتها في العهد المملوكي. ففي بداية القرن السادس عشر، كانت الطائفة صغيرة ومحصورة في حي الصليبة/ الجديدة، مقسمة إلى أربع مجموعات: الروم (الأكثر عدداً ويتبعون بطريرك القسطنطينية)، الأرمن (المتشددون قومياً ولغوياً)، السريان اليعاقبة (الأقل عدداً)، والموارنة (المقتربون من روما). لم يكن هؤلاء المسيحيون يمثلون أكثر من 5% من سكان حلب الذين كانوا يقدرون بنحو 80,000 ساكن.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاثة محاور رئيسية. المحور الأول هو التوسع الجغرافي والديموغرافي. يستند المؤلف إلى إحصاءات عثمانية ووثائق من المحكمة الشرعية وسجل الرحالة، متتبعاً النمو السكاني من 553 وحدة عائلية (أي 5.4% من السكان) عام 1537، إلى 683 وحدة (6.8%) عام 1584. ثم يشهد القرن السابع عشر طفرة كبيرة بفضل هجرة الموارنة من لبنان، والأرثوذكس من سورية الداخلية، والأرمن من كيليكيا، مما جعل عدد الخاضعين للجزية يتضاعف من 2500 عام 1640 إلى 5391 عام 1695. يرافق هذا النمو توسع جغرافي تدريجي للطائفة من حي الصليبة/الجديدة باتجاه الشرق، ليصل إلى ما بعد الشارع الكبير، وهي حركة تظهرها سجلات المحكمة في ستينيات القرن السابع عشر ومرة أخرى في سبعينيات القرن الثامن عشر مع ذكر أحياء جديدة مثل مرعكى وقسطل الجرامى وزقاق عنتر. ويؤكد المؤلف أن هذه الظاهرة تشكل "نصرة" تدريجية للحي الشمالي، حيث تراجع السكان المسلمون أمام الأقلية المسيحية، وهو ما يفسره كرغبة من الطائفتين في العيش في محيط متجانس، مشبهاً إياه بـ "اسوداد" أحياء المدن الأمريكية لأسباب دينية واقتصادية.

أما المحور الثاني، فيناقش الازدهار المادي للطائفة. يوضح المؤلف أن هذا الازدهار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتسامح العثماني، رغم عدم إمكانية وصف الفترة بأنها "عصر ذهبي". ويقدم أدلة على تنوع المهن التي مارسها المسيحيون، مع تركيزهم الكبير على حرفة النسيج، حيث كانوا يهيمنون على صناعة القماش المطبوع والحرير. ويروي الفصل أن مشاغل النسيج في الضاحية الشمالية كانت بأيدٍ مسيحية وتضم 5000 نول. كما توسعوا في التجارة الدولية مستفيدين من علاقاتهم مع التجار الفرنسيين وقناصلهم، وخصوصاً تجارة القماش المطبوع بالأحمر (الشفركاني) والفوة، حيث لعب الأرمن دوراً حاسماً في هذه الشبكات التجارية التي امتدت من فارس إلى حلب. كما برز دور السريان الكاثوليك في القرن الثامن عشر، مؤسسين قواعد تجارية واسعة في مصر وعنتاب وكانتون.

المحور الثالث يتناول الاندماج الاجتماعي والمذهبي. يعرض المؤلف مظاهر التسامح التي تمتعت بها الطائفة، مثل السماح بالنشاط التبشيري للإرساليات اللاتينية (الفرنسيسكان عام 1571، الكبوشيون عام 1623، اليسوعيون عام 1625، الكرمليون عام 1625)، والتي ساهمت في حركة تحول واسعة نحو الكنيسة الكاثوليكية، مما أدى إلى انقسامات داخلية حادة بلغت ذروتها في انفصال الروم الكاثوليك عن الأرثوذكس عام 1724. ورغم هذه الصراعات، تشير الأدلة إلى تدخل محدود من السلطات العثمانية التي التزمت بموقف الحياد. كما يظهر الفصل قبول الطائفة في المحاكم الشرعية، حيث يورد أمثلة متعددة من عام 1757 توضح أن القضاة أنصفوا المسيحيين في نزاعاتهم مع المسلمين. ويختتم الفصل بتأكيد قوة الاندماج من خلال المشاركة المهنية المشتركة في النقابات، وعلاقات الجوار، وفي حالات نادرة من الزواج المختلط، مما يثبت وجود علاقات شخصية وتجارية وثيقة بين أتباع الديانتين، على الرغم من استمرار القيود التمييزية المفروضة على الذميين.

في النهاية، يطرح الفصل حجة قابلة للنقاش مفادها أن النجاح الباهر لمسيحيي حلب مقارنة بأقباط مصر يعود، بشكل مفارق، إلى انقسامهم الطائفي الداخلي. هذا الانقسام، بدلاً من أن يضعفهم، ولّد فيهم حيوية تنافسية وروح مبادرة، كما ساعدهم على التحرر من وصاية النظام العثماني الصارم. أما التسامح الكبير من السلطات وقبول الأغلبية المسلمة، فكانا العاملين الحاسمين اللذين أتاحا لهذه الطائفة المنقسمة والمتحولة أن تحقق هذا الازدهار الاستثنائي في المكان والمال والعلاقات الاجتماعية.