
حي الميدان في العصر العثماني
يركز كتاب "حي الميدان في العصر العثماني" للباحثة بريجيت مارينو على دراسة تطور هذا الحي الدمشقي الواقع خارج أسوار المدينة القديمة، من مجرد فضاءات هامشية في العصر المملوكي إلى وحدة سكنية واقتصادية متماسكة خلال الحكم العثماني. تدافع المؤلفة عن أطروحة مفادها أن حي الميدان لم يكن امتداداً عشوائياً أو مجرد حي فقير هامشي، بل تشكل عبر تفاعل معقد بين عوامل عسكرية ودينية واقتصادية واجتماعية، مما جعله فضاءً حيوياً ومندمجاً في النسيج المديني لدمشق، رغم احتفاظه بطابعه المتميز. تقدم مارينو صورة معقدة لحي لا يمكن اختزاله في ثنائية المركز والهامش، بل هو كيان اجتماعي-مكاني متمايز يحتضن تناقضات عميقة بين الفقر والغنى، وبين سكانه القدامى والوافدين الجدد.
تتدرج حجة الكتاب عبر فصول مترابطة تبدأ من التأريخ لنشأة الحي، ثم ترسم خريطة الثروة والتفاوت الطبقي فيه، وتنتقل لتحليل مساكنه وتوزعها، وتختتم بدراسة التركيبة السكانية وفضاءات الوجهاء. يبدأ الكتاب بمناقشة جذور حي الميدان منذ العصر الوسيط، موضحاً أنه لم يظهر فجأة، بل تطور تدريجياً حول نوى عمرانية محددة مثل ميادين الفروسية والأضرحة والزوايا. يلفت النظر إلى أن المنطقة كانت تحتوي على الميدان الأخضر غرباً وميدان الحصى جنوباً، وهو الذي أخذ الحي اسمه منه، إضافة إلى المصلى والمقابر. كما يبرز دور الزوايا كقطب جذب سكاني، مثل الزاوية الموصليّة والزاوية الجباوية، اللتين قامت عائلتاهما بتطوير المنطقة عمرانياً. وفي سياق الحكم المملوكي، برزت شخصية سكان الميدان الذين عُرفوا بـ "الزعر"، وهي مجموعات شبه عسكرية لعبت دوراً مزدوجاً: دعم الجيش في الاستعراضات وقيادة النضالات الشعبية ضد الضرائب.
مع دخول العثمانيين، يبين الكتاب كيف دفع عاملان رئيسيان تطور الحي بشكل كبير: قافلة الحج وتجارة الحبوب. شكل الميدان محطة رئيسية لتموين الحجاج، الذين تراوحت أعدادهم خلال القرن الثامن عشر بين 15 ألف و100 ألف حاج. كما أدت تجارة الحبوب مع منطقة حوران إلى ظهور "البوائك"، وهي مخازن حبوب أحصت المؤلفة قرابة 60 بائكة في الحي. استناداً إلى إحصاءات ج. سوفاجيه، قفزت مساحة الأحياء الخارجية لدمشق من 56 هكتاراً في نهاية العصر المملوكي إلى 187.5 هكتاراً في منتصف القرن التاسع عشر، فيما قدرت مساحة الميدان بحوالي 110 هكتارات. وعلى الصعيد الديموغرافي، تضاعف عدد سكان الحي تقريباً، فارتفع من نحو 6,680 نسمة في منتصف القرن السادس عشر إلى نحو 11,185 نسمة في نهايته، وصولاً إلى نحو 13,550 نسمة في منتصف القرن التاسع عشر.
يبني الكتاب حجته على تحليل كمي دقيق لوثائق المحاكم الشرعية، خاصة سجلات "المخلفات" (التركات). يكشف هذا التحليل عن تفاوت اجتماعي-اقتصادي صارخ داخل الميدان، حيث كان المجتمع الدمشقي منقسماً إلى فئتين رئيستين: "الرعايا" (المدنيون) و**"العسكر"** (العسكريون ومن في حكمهم). وكان متوسط قيمة تركة فرد من فئة "عسكر" (4,044 قرشاً) يزيد بأربعة أضعاف عن متوسط تركة "الرعايا" (1,157 قرشاً). في حي الميدان تحديداً، كان الفارق أشد، إذ بلغ متوسط مخلفات العسكريين 5,510 قروش مقابل 185 قرشاً فقط للمدنيين. ولم تقتصر الفجوة على ذلك، بل شملت أيضاً ممارسة الإقراض حيث كان العسكريون الدائنين الأكبر. ونتيجة لذلك، يصف الكتاب حي الميدان بأنه ليس فقيراً بالكامل، بل يحتوي على طبقة من الوجهاء الأغنياء المرتبطين بتجارة الحبوب، إلى جانب فقراء من المهاجرين الريفيين.
يتعمق الكتاب في تحليل الفضاء العمراني للحي، مصنفاً مساكنه إلى ثلاثة نماذج: دور متواضعة (أقل من 4 حجرات)، ومتوسطة (5-7 حجرات)، وكبيرة (8 حجرات فأكثر). كان 21% من الدور متواضعة، و50% متوسطة، و16% كبيرة. ورغم الاتجاه العام الذي يربط الفخامة بالمركز والأطراف بالفقر، يكشف الكتاب عن شذوذ في القطاع الجنوبي، حيث كانت محلة الميدان نفسها أغنى من محلة باب المصلى الأقرب إلى المركز، مما يعكس تراتبية محلية معاكسة. كما يصف نمطاً خاصاً للسكن الجماعي هو "الحوش"، وهو فضاء مسور يضم عدداً كبيراً من المساكن، وكان منتشراً بكثرة في محلة القبيبات، وغالباً ما كان يؤوي الفقراء والمهاجرين. ويشير الكتاب إلى أن الملكية العقارية كانت تتسم بالتجزئة، لكن مع ميل واضح للحفاظ عليها داخل العائلة، مما خلق توتراً بين قوى التقسيم وقوى التجميع.
في تحليله للتركيبة السكانية، يرسم الكتاب لوحة حية للتنوع الديني والعرقي في الحي. يوثق وجود المسيحيين الذين بلغ عددهم 1,200 نسمة في منتصف القرن التاسع عشر، وعاشوا جنباً إلى جنب مع المسلمين. كما يبرز وجود التركمان الذين تمركزوا في الحقلة وتميزوا بامتلاك دور ذات قباب، والأكراد، والدروز، والمغاربة، والمصريين. كانت كل مجموعة تميل إلى التجمع في قطاعات محددة: المسيحيون والدروز والمغاربة في باب المصلى، والتركمان في الحقلة والموصلي. أما فضاءات الوجهاء، فتركزت حول مؤسسات دينية مثل جامع الرفاعي وزاوية الموصلي، أو حول منشآت اقتصادية كأسواق الحبوب. وتبرز هنا عائلات مثل الموصلي التي لعبت دوراً حاسماً في تطوير قطاع سوق الميدان تجارياً، والعجلاني التي ارتبطت بجامع الرفاعي، والمهايني التي تمركزت قرب مخازن الحبوب، مما يعيد إنتاج أنماط سكنية كانت سائدة في مراكز المدن الإسلامية الكبرى.
يقر الكتاب بعدة حدود منهجية وأسئلة مفتوحة. فمن ناحية، يعترف بفجوات في المعلومات، مثل غياب بيانات تاريخ بناء البوائك، وفقدان التعدادات السكانية للقرنين السابع عشر والثامن عشر، مما يحول دون دراسة النمو الديموغرافي بشكل كامل. كما يشير إلى صعوبة تحديد العلاقة الدقيقة بين قافلة الحج ونشوء النشاطات الحرفية في الحي. ومن الناحية المنهجية، يقر بأن الاعتماد شبه الحصري على وثائق المخلفات يقدم صورة جزئية، إذ يركز على من ماتوا وراءهم ممتلكات قابلة للتسجيل، متجاهلاً الفقراء المعدمين. كما يشير إلى غموض المصطلحات في التعدادات العثمانية، مثل "خانة" و**"مجرد"**، مما يجعل تقدير عدد السكان تقريبياً. وأخيراً، يبقي الكتاب أسئلة مفتوحة حول أسباب ترك المسيحيين لحارة النصارى في أواخر القرن التاسع عشر، وعما إذا كانت هجرة المصريين مرتبطة بالتجارة مع مصر.
يمكن القول إن الكتاب يطرح حججاً قابلة للنقاش، أبرزها تأكيده على أن التطور العمراني للميدان لم يتم بطريقة خطية متصلة من الشمال إلى الجنوب، بل عبر قفزات متقطعة حول نوى مختلفة. كما أن فكرة أن الحي تشكل كوحدة متميزة فقط في العصر العثماني تثير تساؤلاً حول درجة الاستمرارية مع العصر المملوكي، خاصة وأن النوى العمرانية الأولى كانت موجودة سلفاً. ورغم أهمية التحليل الإحصائي، قد يرى البعض أن الحكم على التفاوت الاجتماعي من خلال وثائق "المخلفات" فقط قد يقلل من تقدير حدة الفقر المدقع في بعض الأحياء، خاصة مع غياب تمثيل الفقراء المعدمين في هذه السجلات.
الأشخاص
الفصول(10)
1.الفصل الأول: حتى نهاية العصر الوسيط73–102▼ ملخص
يُشكّل الفصل الأول مدخلاً لتاريخ نشأة حي الميدان في دمشق وتطوره منذ العصر الوسيط وحتى نهاية الحكم المملوكي، أي قبل دخول العثمانيين. يهدف الكاتب إلى رسم الخطوط العريضة لنمو هذا الحي الواقع خارج أسوار المدينة القديمة، جنوباً، وتحديد طبيعة الفضاءات المتنوعة التي كانت موجودة في تلك المنطقة الطرفية قبل أن تصبح حيّاً سكنياً متماسكاً. يُجادل الكاتب بأن حي الميدان لم يظهر فجأة كمنطقة سكنية، بل تطور تدريجياً على مدى قرون، من خلال تراكم أنشطة عمرانية ودينية واقتصادية وعسكرية حول نقط محددة، مثل الميادين والأضرحة والزوايا، ليتحول من مجرد فضاءات هامشية إلى جزء متماسك من النسيج المديني لدمشق، وإن ظل يحتفظ بطابعه المتميز وهامشيته النسبية.
يسير الفصل بدقة عبر طبقات التاريخ، فيبدأ بالحديث عن وجود أحياء خارج أسوار دمشق كما أشار إليها رحالة مثل ابن جبير في القرن الثاني عشر وابن بطوطة في القرن الرابع عشر. ثم ينتقل إلى تفصيل الفضاءات التي كانت سائدة في المنطقة الجنوبية قبل العمران السكني المكثف. أول هذه الفضاءات هو الميدان نفسه، وهو ساحة واسعة للتدريب العسكري وألعاب الفروسية، ويشير الكاتب إلى وجود ميدانين رئيسيين في دمشق: الميدان الأخضر غرباً، وميدان الحصى جنوباً، وهو الذي أخذ الحي اسمه منه. يقر الكاتب بوجود شكوك حول التحديد الدقيق لموقع ميدان الحصى، ويقدم أدلة متنوعة ترجح وقوعه في دائرة الموصلي الحالية. أما ثاني هذه الفضاءات فهو المصلى، وهو مكان لإقامة الصلوات الجماعية الكبرى، خاصة في الأعياد، ولإعلان القرارات السياسية الهامة، مثل الاستسلام للعثمانيين في 16 شعبان 922 هـ / سبتمبر 1516 م. أما الفضاء الثالث فهو المقابر، حيث يقع ضريح صاحب الدين الرومي المهيب وأضرحة أخرى لشخصيات دينية، مما أضفى على المنطقة طابعاً دينياً.
بعد رسم هذه الخلفية، ينتقل الكاتب إلى تفصيل الآثار المعمارية التي شهدت على بداية الاستيطان الفعلي في المنطقة منذ القرن الرابع عشر. من أبرز هذه الآثار جامع كريم الدين (أو الدقاق) الذي بني عام 914 هـ/ 1508 م، وتميز بمرافقه المائية التي ساعدت في ري البساتين، مما يدل على الطابع الريفي للمنطقة آنذاك. كما يميز الكاتب الأضرحة المملوكية كأبرز معالم العمارة الدينية في الميدان، حيث شيد الأمراء أحد عشر ضريحاً على طول الطريق المؤدي إلى مصر بين عامي 725 هـ و854 هـ (1325-1450 م)، معتبراً إياها "نويات عمرانية" ساهمت في جذب السكان. إلى جانب المساجد والأضرحة، لعبت الزوايا دوراً محورياً، مثل زاوية الرفاعية والرشيدية، والأهم منها الزوايا الموصليّة والزاوية الجباوية اللتين شكلتا قطبي جذب سكاني وديني، حيث قامت عائلتا الموصلي والجباوي بتطوير المنطقة عمرانياً من خلال بناء الحمامات وشبكات المياه. ويخلص الكاتب إلى أن ظهور الحمامات العامة، مثل حمام الموصلي وحمام الدرب، والخانات مثل خان القبيبات، كان دليلاً قاطعاً على وجود تجمعات سكانية ونشاط اقتصادي متنامٍ في الميدان منذ العصر المملوكي.
يختتم الفصل بتحليل مكانة حي الميدان في الفضاء المديني، لا سيما كونه يشكل المحطة الأخيرة للقادمين من مصر إلى دمشق، مما جعله موقعاً لاستقبال الشخصيات الرسمية والمواكب، وهو الأمر الذي كان يتحول إلى عيد شعبي. لكن هذا الموقع الاستراتيجي جعله أيضاً مسرحاً لأعمال العنف والهجمات أثناء الحروب الأهلية، حيث كان سكانه يضطرون أحياناً لهجره. وفي هذا السياق، يبرز الكاتب شخصية سكان الميدان الذين عُرفوا بـ "الزعر"، وهي مجموعات شبه عسكرية لعبت دوراً مزدوجاً: فمن ناحة، كانت قوة مساعدة للجيش المملوكي في الاستعراضات العسكرية، ومن ناحية أخرى، كانت تقود النضالات الشعبية ضد الضرائب المجحفة وتتعارك مع "زعر" الأحياء الأخرى. وهكذا، يبني الكاتب صورة حي الميدان كفضاء متميز يتسم بالتناقض: هو هامشي وغير آمن في بعض الأحيان، ولكنه في الوقت نفسه فضاء حيوي ومندمج في حياة المدينة، مما أهله ليكون مسرحاً للمفاوضات السياسية مع العثمانيين قبيل دخولهم دمشق، حيث اجتمع مشايخ الحارات في المصلى وقرروا تسليم المدينة في شعبان 922 هـ.
يمكن القول إن الفصل يؤسس لفكرة أن حيّاً "هامشياً" مثل الميدان لم يكن مجرد امتداد عشوائي للمدينة، بل نتاج تفاعل معقد بين عوامل عسكرية ودينية واقتصادية واجتماعية، مما يطرح تساؤلاً حول التصورات الثنائية البسيطة (مركز/هامش) لفهم تطور المدن في العصر الوسيط.
1.الفصل الأول: الثروة في دمشق : هرمية اجتماعية وتمايز في الفضاء المديني163–216▼ ملخص
يُشكّل الفصل الأول من كتاب «حي الميدان في العصر العثماني» للباحثة بريجيت مارينو دراسة تحليلية للبنية الاجتماعية والاقتصادية لمدينة دمشق خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بهدف فهم مكانة وسكان حي الميدان داخل هذا المجتمع الأوسع. تعتمد الدراسة بشكل أساسي على تحليل وثائق «المخلفات» (تركات المتوفين) المسجلة في محكمتي القسمة الشرعيتين: «القسمة العربية» و«القسمة العسكرية». وتكمن أهمية هذه الوثائق في أنها تكشف عن الثروة، والتمايز الاجتماعي، والعلاقات الاقتصادية بين فئات المجتمع الدمشقي.
يسير الفصل وفق منهجية مقارنة دقيقة، حيث يقسم المجتمع الدمشقي إلى فئتين رئيسيتين بناءً على المحكمة التي سُجّلت فيها تركاتهم. الفئة الأولى هي «الرعايا»، وهم المدنيون من المسلمين والمسيحيين الذين سُجلت تركاتهم في القسمة العربية. الفئة الثانية هي «عسكر»، وهم ليسوا مجرد عسكريين بالمعنى الضيق، بل يشملون موظفي الدولة، والعسكريين، وأفراد عائلاتهم، ومن يتمتعون بإعفاءات ضريبية، والذين سُجلت تركاتهم في القسمة العسكرية. يوضح الفصل أن هذا التقسيم الإداري يعكس تمايزًا اقتصاديًا عميقًا، وليس مجرد اختلاف إجرائي، على عكس ما ذهب إليه بعض الباحثين السابقين.
ولإثبات هذه الفرضية، يحلل الفصل مجموعة من البيانات المستقاة من مدونة تضم 568 مخلفات، منها 511 من القسمة العربية (للفترة 1700-1776 م) و75 من القسمة العسكرية (للفترة 1769-1776 م). تكشف المقارنة بين الفئتين عن فوارق صارخة. فمتوسط قيمة تركة الفرد من فئة «عسكر» (4044 قرشًا) يزيد بأربعة أضعاف عن متوسط تركة الفرد من فئة «الرعايا» (1157 قرشًا). مؤشر «جيني» لعدم المساواة يبلغ 0.70، مما يؤكد مجتمعًا شديد التفاوت. كما أن فئة «عسكر» تميل بشكل أكبر لمزاولة الإقراض (حوالي الضعف) وبمبالغ أكبر بكثير، حيث يبلغ متوسط مستحقاتهم غير المستردة 811 قرشًا مقابل 510.7 قرشًا للرعايا. وينطبق هذا التفاوت على التملك العقاري، إذ أن حيازة أكثر من مسكن واحد أو عقارات تجارية أو أملاك ريفية هي أكثر شيوعًا بدرجات متفاوتة بين فئة «عسكر».
لا يكتفي الفصل بعرض الفجوة بين الفئتين الكبيرتين، بل يتعمق في تحليل التمايز داخل كل فئة. بالنسبة لفئة «عسكر»، يدرس الفصل الهرمية الداخلية بناءً على الرتب العسكرية، مقسمًا إياهم إلى «آغاوات» و«بشه» وعسكريين آخرين. يظهر الاغاوات كأكبر المقرضين وأغنى الفئات (متوسط موجودات 14,431 قرشًا)، لكن استثماراتهم العقارية كانت محدودة نسبيًا. في المقابل، كان «البشه» أقل ثراءً (متوسط موجودات 1,751 قرشًا)، لكنهم كانوا أكثر انخراطًا في الاستثمار العقاري والتجاري داخل المدينة والريف، مما يجعلهم طبقة وسطى اقتصادية. أما بالنسبة للمدنيين، فيميز الفصل بين «الرعايا» (الفقراء نسبيًا) و«المدنيين-عسكر»، وهم مدنيون استفادوا من الوضع المميز لفئة عسكر فسُجلت تركاتهم في القسمة العسكرية. تُظهر المقارنة أن «المدنيين-عسكر» أقرب اقتصاديًا إلى العسكريين منهم إلى «الرعايا»، حيث بلغ متوسط تركتهم 2,957 قرشًا، وهو ما يقارب ضعف متوسط تركة «الرعايا».
يتناول الفصل أيضًا أوضاع فئات أخرى مثل النساء والمسيحيين، وإن كانت العينة المخصصة لهم صغيرة نسبيًا. تشكل النساء 15% من إجمالي المخلفات، وتركاتهن أقل بكثير من الرجال (بأربع أو خمس مرات)، مما يعكس تأثير قوانين الميراث الإسلامية وفرص التملك المحدودة. المسيحيون العشرة المشمولون في الدراسة، وكلهم من الرجال المقيمين داخل السور، كانوا أقل ثراءً من نظرائهم المسلمين، ولم يمارسوا الإقراض أو يمتلكوا عقارات متعددة.
يختتم الفصل بتحليل جيو-اجتماعي لتوزيع الثروة في الفضاء المديني لدمشق. من خلال توزيع المخلفات على أحياء المدينة، يرسم الفصل خريطة للثراء والفقر. سكان المدينة داخل السور والقطاع الغربي (مثل سوق ساروجة والقنوات) هم الأكثر ثراءً، حيث تتركز فيهما السلطة السياسية والاقتصادية ومراكز التجارة. في المقابل، يظهر القطاعان الشمالي والجنوبي الغربي كأفقر مناطق المدينة. ويأتي حي الميدان (القطاع الجنوبي) في موقع متوسط، فهو ليس فقيرًا بالكامل كما قد توحي بعض المصادر، بل يحتوي على طبقة من الوجهاء الأغنياء المرتبطين بتجارة الحبوب، بالإضافة إلى فقراء من المهاجرين الريفيين. يلاحظ الفصل أن نصف سكان الميدان تقريبًا يمارسون الإقراض، ولكن بفوائد صغيرة نسبيًا، مما يشير إلى أن ديونهم كانت موجهة للريفيين في المقام الأول، وليس للتجار الكبار. بهذا، يقدم الفصل صورة معقدة تظهر أن توزيع الثروة في دمشق لم يكن مجرد تراتبية خطية، بل كان عبارة عن دوائر متحدة المركز من الفقر والغنى، تتقاطع معها التقسيمات الاجتماعية والوظيفية.
في المجمل، يُعتبر هذا الفصل نموذجًا للتحليل الاجتماعي والاقتصادي التاريخي الدقيق. الحجة الأساسية التي يطرحها الكاتب، وهي أن الفصل القانوني-الإداري في سجلات المحاكم يقابل تمايزًا اقتصاديًا حقيقيًا وجوهريًا بين فئتي «رعايا» و«عسكر»، هي حجة قوية ومدعومة بأدلة إحصائية مقنعة. نجاح الدراسة يكمن في تجاوزها للتحليل الثنائي البسيط، وذلك بالكشف عن التفاوتات داخل كل فئة وتأثير الجغرافيا السكنية على الثروة. مع ذلك، يمكن القول إن الاعتماد شبه الحصري على وثائق المخلفات (على أهميتها) قد يقدم صورة جزئية، إذ يركز على من ماتوا وراءهم ممتلكات قابلة للتسجيل، ويتجاهل إلى حد كبير الفقراء المعدمين والذين لا يملكون شيئًا، مما قد يقلل من تقدير حدة الفقر المدقع في بعض الأحياء. كما أن العينة المحدودة للمسيحيين تستدعي الحذر في تعميم النتائج عليهم. تظل هذه التحفظات مجرد نقاط نقاش بناءً على حدود المصادر التي يعترف بها المؤلف نفسه، ولا تنتقص من قيمة التحليل الشامل والدقيق الذي يقدمه الفصل.
1.الفصل الأول: تنوع السكن279–334▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تنوع المساكن في حي الميدان خلال العصر العثماني، وتقديم إجابة عن طبيعة هذا التنوع المعماري والاجتماعي.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مستنداً بشكل أساسي إلى تحليل 7070 وثيقة عقارية من سجلات محكمة الميدان، تغطي فترتين رئيسيتين: منتصف القرن الثامن عشر (1150-1175هـ / 1737-1761م) ومطلع القرن التاسع عشر (1265-1270هـ / 1848-1853م). يبدأ الفصل بتصنيف الملكيات السكنية التي كانت موضوعاً للمعاملات، ويشير إلى أن الغالبية العظمى منها كانت تتعلق بشراء "عمارة دار" دون الأرض التي بنيت عليها، والتي كانت غالباً مملوكة للأوقاف. ثم ينتقل الفصل إلى تفصيل العناصر المعمارية المكونة للدور، معتمداً على 164 وصفاً متاحاً للدور من أصل 5414 داراً شملتها المدونة. يُظهر التحليل أن الوصف التفصيلي للدور أصبح أقل شيوعاً مع مرور الزمن، حيث تم وصف جميع الدور تقريباً في الفترة الأولى (%55)، بينما وُصف أقل من ثلثيها في الفترة الثانية (%40). تعتبر "الساحة السماوية" عنصراً أساسياً في غالبية الدور، حيث توزع حولها الحجرات، ويتم الوصول إليها عبر "دهليز" لحماية الخصوصية. تبرز الدراسة ندرة وجود "بركة ماء" في الدور، خلافاً للتصور الشائع، حيث وُجدت فقط في 7 دور في الفترة الأولى و16 داراً في الفترة الثانية، مما يجعلها معياراً للفخامة.
ينتقل الفصل إلى تفصيل الحجرات المختلفة، مقسماً إياها إلى حجرات استقبال وحجرات معيشة وحجرات خدمة. من بين حجرات الاستقبال، يحلل الفصل "الإيوان" و"القاعة". يُلاحظ أن "الإيوان" كان موجوداً في %63 من دور الفترة الأولى و%55 من دور الفترة الثانية، لكنه لم يكن موجوداً في كل دار كما ذكر باحثون آخرون. أما "القاعة"، فرغم شيوعها في الدراسات المعاصرة، إلا أنها نادراً ما وردت في الوثائق (%4 في الفترة الأولى و%10 في الفترة الثانية). بالنسبة لحجرات المعيشة، يلاحظ تطوراً في استخدام المصطلحات بين الفترتين. في منتصف القرن الثامن عشر، كان مصطلحا "مسكن" و"مربع" يشيران إلى حجرتين مختلفتين في الأهمية. ففي تلك الفترة، كان أكثر من نصف الدور (%51) تشتمل على "مسكن" أو عدة "مساكن" (من مسكن إلى أربعة عادةً)، بينما كان %25 فقط من الدور تشتمل على "مربع". في مطلع القرن التاسع عشر، أصبح استخدام مصطلح "مسكن" نادراً للإشارة إلى حجرة، بل أصبح يُستخدم للدلالة على مجموع حجرات الدار، بينما انتشر مصطلح "مربع" ليصبح شائعاً جداً (%83 من الدور)، وأصبح يُستخدم للإشارة إلى أي حجرة كانت تسمى سابقاً بـ"مسكن" أو "مربع". كما يظهر مصطلح "أوضة" التركي في الفترة الثانية، حيث ورد في 78 داراً مقارنة بـ3 دور فقط في الفترة الأولى. يُحلل الفصل أيضاً عناصر الطابق العلوي مثل "الطبقة" و"المشرقة" و"القصر" و"الديوان خانة". كانت "الطبقة" هي العنصر الأكثر شيوعاً، بينما كانت "المشرقة" أقل شيوعاً. كما بدأ ظهور "القصر" و"الديوان خانة" (وهي حجرة للاجتماعات) بشكل أكبر في مطلع القرن التاسع عشر، مما يعكس ظهور دور أكثر فخامة.
بناءً على عدد الحجرات وقيمتها، يصنف الفصل دور حي الميدان إلى ثلاثة نماذج: دور متواضعة (أقل من 4 حجرات، قيمتها أقل من 150 قرشاً في الفترة الأولى وأقل من 1000 قرش في الفترة الثانية)، ودور متوسطة (بين 5 و7 حجرات، قيمتها بين 151 و400 قرش في الفترة الأولى وبين 1000 و5000 قرش في الفترة الثانية)، ودور كبيرة (8 حجرات فأكثر، قيمتها أكثر من 401 قرش في الفترة الأولى وأكثر من 5000 قرش في الفترة الثانية). يُظهر التوزيع أن %21 من الدور كانت متواضعة، و**%50** متوسطة، و**%16** كبيرة (مع بقية غير محددة). يبين الفصل أن التمييز بين النماذج لم يكن يعتمد فقط على عدد الحجرات، بل أيضاً على وجود عناصر معينة. ففي الفترة الأولى، كان تمييز الدور الكبيرة يعتمد بشكل أكبر على المساحة والزخرفة أكثر من عدد الحجرات، حيث كان نصفها يشتمل على 5-7 حجرات فقط. في الفترة الثانية، أصبح التمييز أوضح حيث اشتمل أكثر من نصف الدور الكبيرة على أكثر من 7 حجرات. كما كانت "بركة الماء" و"الإيوان" و"القاعة" أكثر وجوداً في الدور الكبيرة، بينما كانت "المساكن" أكثر شيوعاً في الدور المتواضعة والمتوسطة في الفترة الأولى. يشير الفصل إلى وجود دور ذات "قباب" كخصوصية معمارية، معظمها في محلة القبيبات، ويرتبط وجودها بسكان من أصول تركمانية.
أخيراً، يخصص الفصل قسماً مهماً لدراسة نمط خاص من السكن الجماعي هو "الحوش"، معتمداً على نحو 100 وثيقة. يشير الفصل إلى أن "الأحواش" كانت منتشرة بكثرة في الأجزاء الجنوبية من الحي، وخصوصاً في محلة القبيبات. يصف الفصل "الحوش" بأنه فضاء مسور حول ساحة، يضم عدداً كبيراً من "المساكن". يُظهر تحليل الخصائص المعمارية أن "الأحواش" لم تختلف جوهرياً عن الدور من حيث العناصر المعمارية الموصوفة، لكنها كانت تفتقر إلى عناصر الفخامة مثل "بركة الماء" و"الإيوان" و"القاعة". كان العنصر الأكثر تميزاً في "الأحواش" هو العدد الكبير من "المساكن"، حيث اشتمل بعضها على ما بين 8 و17 مسكناً. يلفت الفصل الانتباه إلى أن قيمة بعض "الأحواش" لم تكن منخفضة، حيث كانت مملوكة لعائلات كبيرة مثل المهايني والجباوي. ويطرح الفصل إشكالية حول طبيعة سكان "الأحواش"، مشيراً إلى أنهم كانوا غالباً من الفقراء والمهاجرين، بما في ذلك المسيحيون والوافدون من الريف. ويختتم الفصل بتساؤلات حول طبيعة هذه "الأحواش": هل هي نمط ريفي اندمج في النسيج المديني، أم هي نتيجة لتدهور أحوال السكن وتفتيت الملكيات؟ يرجح الفرضية الأولى جزئياً، مع الاعتراف بصعوبة الجزم بذلك استناداً إلى الوثائق فقط، ويدعو إلى اعتبار تعايش نمطين من "الأحواش": نمط ريفي ونمط مديني نجم عن تغيرات اجتماعية.
1.الفصل الأول: أقليات دينية، مجموعات سكانية تحضّرت و «غرباء»369–404▼ ملخص
يُشكّل الفصل الأول من كتاب "حي الميدان في العصر العثماني" دراسةً تحليليةً للتركيبة السكانية المتنوعة في حي الميدان بدمشق، مركزاً على المجموعات التي لم تكن من السكان الأصليين أو "القدامى" في الحي. يقدّم الفصل إجابةً على سؤال محوري: كيف تشكّل النسيج الاجتماعي والمكاني للحي من خلال تواجد أقليات دينية ومجموعات سكانية تحضرت وأخرى "غريبة" عن المدينة، وذلك بالاستناد إلى وثائق المحاكم الشرعية وسجلات التعداد السكاني.
يسير الفصل عبر فقرات متعددة، فيبدأ بالتمييز بين سكان جاؤوا بشكل فردي وآخرين تواجدوا كمجموعات متجانسة دينياً أو عرقياً. يذكر المؤلف أن بعض القرويين تملكوا عقارات في الحي، مثل الشيخ محمد بن عيسى في رمضان 1158 هـ/تشرين الأول 1745 م وعبد القادر بن محمد في جمادى الآخرة 1267 هـ/آذار 1851 م، لكنه يشير إلى صعوبة معرفة ما إذا كانوا سكنوا فيها أم استأجروها. ثم ينتقل الفصل إلى تفصيل وجود مجموعتين دينيتين: المسيحيون والدروز.
يُظهر الفصل أن وجود المسيحيين في حي الميدان موثّق منذ تعدادات القرن السادس عشر، وتزايد عددهم ليصل إلى 1200 نسمة في منتصف القرن التاسع عشر، وهو ما تؤكده الكنائس الثلاث التي بنيت بين عامي 1841 و1855 م. يجادل المؤلف، نقلاً عن دراسات سابقة، بأن التقسيم الطائفي في دمشق لم يكن كاملاً، وكان حي الميدان استثناءً حيث عاش المسيحيون والمسلمون جنباً إلى جنب. بالاستناد إلى 77 معاملة عقارية تخص مسيحيين (تعود 59 منها إلى الفترة بين 1745-1751 م و18 منها إلى سنوات 1851-1865 م)، يوضح الفصل أن استثماراتهم تركزت في محلة باب المصلى، وخصوصاً في زقاق الوسطاني، لكنهم لم يشكّلوا فضائهم الخاص الخالص. كانوا يمتلكون دوراً متفاوتة القيمة، من المتواضعة بقيمة 60 قرشاً إلى الفاخرة التي بلغت قيمتها 25000 قرش. أما الدروز، فوجودهم أقل وضوحاً في الوثائق لعدم ذكرهم كطائفة منفصلة، لكن الفصل يربطهم بأسماء مواقع في الحي مثل «دائرة التيامنة» و**«زقاق التيامية»**، مشيراً إلى هجراتهم من لبنان في موجات بدأت من أواخر القرن السابع عشر واستقرت في حوران ثم في باب المصلى.
ينتقل الفصل بعدها إلى «المجموعات السكانية التي تحضّرت» والمتمثلة في التركمان والأكراد. يعتمد المؤلف على كتابات المؤرخ ابن كنان ووثائق عقارية (15 معاملة للتركمان، 10 منها تعود لـ 1851-1865 م) ليكشف عن وجودهم الكثيف في الحي. يصف الفصل دور التركمان العسكري في صفوف الجيش العثماني وسياسات توطينهم، وكانت «الحقلة» أبرز معاقلهم. يُظهر الفصل أن استثمارات التركمان العقارية كانت في محلة القبيبات (قطاع الحقلة) كما في محلة الميدان (زقاق الموصلي)، وتميزوا بامتلاكهم «دوراً ذات قباب»، وهو نمط معماري ساد في شمال سوريا. ويذكر أن القباب كانت سمة بارزة حيث طالت 14 معاملة عقارية من أصل 160 في منتصف القرن الثامن عشر، أي بنسبة 22%، وتميز التركمان بنسبة شراء أعلى لهذه الدور. أما الأكراد، فكان وجودهم أقل تركزاً، وموزعين على قطاعات الحي مثل زقاق الموصلي وباب المصلى والقبيبات، وأظهرت الوثائق علاقات وثيقة مع التركمان من خلال المصاهرة والشراكة في الملكية والتعاملات العقارية المباشرة.
أخيراً، يتناول الفصل فئة «الغرباء»: المغاربة والمصريون. يشير إلى أن وجود المغاربة في دمشق قديم، ويعود لدوافع دينية وعسكرية وتجارية، مع وجود «خان المغاربة» في محلة باب المصلى. في مطلع القرن التاسع عشر، كان المغاربة (وكلهم من المدنيين) يميلون للإقامة في محلة باب المصلى أيضاً، في أزقة مثل الأربعين والوسطاني. أما المصريون، فوجودهم أقل شهرة، وقد ازداد نشاطهم العقاري في مطلع القرن التاسع عشر نسبياً، حيث امتلكوا دوراً في محلة باب المصلى ومحلة الميدان، وخاصة في زقاق الطلاع.
يقرّ الفصل بحدود عدة. أولاً، صعوبة تحديد ما إذا كان القرويون الذين اشتروا عقارات قد أقاموا فيها فعلًا أم لا. ثانياً، غياب المعلومات الدقيقة عن جيران المسلمين للمسيحيين، مما يحد من دقة استنتاجات التوزيع السكاني الفعلي. ثالثاً، ندرة المعلومات عن الدروز والمغاربة والمصريين، مما لا يسمح بتحليل كامل لطرائق اندماجهم. رابعاً، يُبقي المؤلف أسئلة مفتوحة حول أسباب ترك المسيحيين لحارة النصارى في أواخر القرن التاسع عشر، وعما إذا كانت هجرة المصريين مرتبطة بالتجارة مع مصر.
في خلاصته، يوضح الفصل أن كل مجموعة سكانية كانت تميل إلى التجمع في قطاعات محددة: المسيحيون والدروز والمغاربة في محلة باب المصلى (دون أن يشكلوا غالبية سكانية خالصة)، والتركمان في قطاعي الحقلة والموصلي، بينما توزع الأكراد والمصريون في أنحاء متفرقة من الحي. يُختتم الفصل بتأكيد أن دراسة هذه الجماعات على مستوى مدينة دمشق كلها قد تكشف عن أنماط اندماج مختلفة تبعاً للموقع في الهرمية الاجتماعية، مقارناً ذلك بتجربة الأندلسيين في تونس.
2.الفصل الثاني: فضاءات الوجهاء405–499▼ ملخص
يُعنى هذا الفصل برصد وتحليل الفضاءات الحضرية التي سيطرت عليها عائلات الوجهاء في حي الميدان بدمشق خلال العصر العثماني. لا يزعم الكاتب تقديم صورة شاملة، بل يسعى من خلال أمثلة محددة إلى إلقاء الضوء على كيفية احتكار هذه العائلات لمناطق معينة في الحي، وذلك بالاستناد إلى الأوقاف والأملاك العقارية. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن سيطرة الوجهاء على الفضاء لم تكن عشوائية، بل اتبعت استراتيجيات واضحة، تمثلت في التمركز حول مؤسسات دينية (كالجوامع والزوايا) ذات قيمة رمزية، أو حول منشآت اقتصادية (كأسواق الحبوب) ذات أهمية تجارية، مما أعاد إنتاج أنماط سكنية كانت سائدة في مراكز المدن الإسلامية الكبرى.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر دراسة أربع حالات رئيسية للعائلات الوجهاء، معتمداً على وثائق محكمة الميدان وسجلات الوقف والتراجم. يبدأ الفصل بمناقشة شخصية تركمان حسن كتخدا، وهو عسكري من أصل تركماني برز في أواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر. يوضح الكاتب كيف أن هذه الشخصية، رغم قلة المعلومات عنها، قد تركت بصمة واضحة في محلة باب المصلى من خلال دار عظيمة اعتُبرت أكبر دار في دمشق آنذاك، ووقف ضخم أقامته. يشرح الفصل بالتفصيل مكونات هذا الوقف، مستنداً إلى عقود متنوعة من منتصف القرن الثامن عشر، والتي تشير إلى أنه اشتمل على مصبنة، حمام، مقهى، ستة دور كبيرة موزعة على زقاق بادر وزقاق البقارة، بالإضافة إلى دكاكين متعددة. وظيفة هذا المثال الأساسية هي إظهار كيف أن نفوذ عائلة عسكرية واحدة، من خلال نظام الوقف، يمكن أن يُشكّل فضاءً عمرانياً كاملاً في أحد أجزاء الحي، وأن هذا النفوذ استمر عبر الأجيال التي توارثت إدارة الوقف والأملاك.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى دراسة عائلة الموصلي، وهي عائلة من الوجهاء الدينيين تعود أصولها إلى الموصل وبرزت منذ العصر الأيوبي والمملوكي في مناصب القضاء. يُظهر الكاتب كيف أن هذه العائلة، وعلى عكس عائلة تركمان حسن كتخدا، سيطرت على فضاء شاسع في الميدان عبر شبكة معقدة من الأوقاف التي أسسها أفرادها على مر القرون. يستعرض الفصل أوقافاً متعددة مثل وقف زاوية الشيخ أبي بكر الموصلي (المتوفى عام ١١٥١/٩٥٧)، ووقف بركات بلوكباشي شي الموصلي، ووقف الشيخ أبي الفضل الموصلي (المتوفى عام ١٢٠٨)، ووقف الشيخ تقي الدين الموصلي (المتوفى عام ١٢٠٠/١١٩٤). يكشف التحليل أن هذه الأوقاف امتلكت أراضي ودكاكين كثيفة في قطاع سوق الميدان، خاصة على الطرف الغربي من الشريان الرئيسي للحي، مما جعلها تلعب دوراً محورياً في تطويره الاقتصادي. المثال الأهم هنا هو قصة الشيخ عبد الرحمن بن محمد آغا الموصلي الذي استأجر قطعة أرض كانت تقوم عليها معصرة في عام ١١٢٧/١٧١٥، وبنى عليها فرناً وخمسة حوانيت، قبل أن يبيعها لاحقاً لأخيه. وهذه الواقعة، إلى جانب تحويل أفراد العائلة حانوتين إلى "قهوة خانة" في عام ١١٥٨/١٧٤٥، تُبرز الدور الفاعل للعائلة في التنظيم العمراني والتجهيز التجاري للمنطقة، وتطرح تساؤلاً حول إمكانية أن يكون مقسم سوق الميدان قد أُنشئ على أرض تابعة لأوقافهم.
بعد ذلك، يتناول الفصل عائلة العجلاني، وهي عائلة من الأشراف تميزت بانقسامها إلى فرعين: فرع حنفي سكن داخل أسوار المدينة وتولى منصب نقيب الأشراف، وفرع شافعي سكن حي الميدان وتولى منصب شيخ مشايخ الحرف والصنائع، وارتبط ارتباطاً وثيقاً بـ جامع الرفاعي. يوضح الكاتب أن هذا التمايز في الموقع والمنصب لم يمنع وجود روابط قوية بين الفرعين، تجلت في إدارة الوقف العائلي المشترك وامتلاك أفراد من كل فرع لأملاك في كلا القطاعين السكنيين. الإشارة إلى شخصية درويش أفندي العجلاني الذي كان عضواً في المجلس ورئيساً للبلدية ورئيساً لمحكمة الاستئناف في عام ١٨٦٠، وشقيقه أمين العجلاني شيخ المشايخ، تُظهر امتداد نفوذ هذه العائلة من المجال الديني والحرفي إلى المجال السياسي والإداري خلال القرن التاسع عشر. وقد استقرت العائلة في جوار جامع الرفاعي منذ نهاية العصر المملوكي، وامتلكت أحواشاً ودكاكين ومقاهٍ في المنطقة المحيطة به، مما يعيد تأكيد النمط المتمثل في التمركز حول مؤسسة دينية.
يختتم الفصل دراسته لفضاءات الوجهاء بمناقشة عائلتي الجباوي والمهايني في محلة القبيبات، وهو فضاء تداخلت فيه ملكياتهما إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الروابط بينهما (هل هي جيرة أم مصاهرة أم شراكة اقتصادية؟). عائلة الجباوي، مثل الموصلي، هي عائلة دينية أسس أفرادها زاوية في الميدان منذ نهاية العصر المملوكي، واشتهروا بكرم الضيافة وحفلات الاستقبال. يروي الكاتب قصة الشيخ إبراهيم الجباوي الذي ترك محلة القبيبات بعد خلاف مع أخيه، وكيف تكررت هذه الظاهرة مع ابن أخيه الشيخ مصطفى الذي تشاجر مع جيرانه حول استخدام مياه جامع وانتحر في النهاية. في المقابل، عائلة المهايني هي عائلة عسكرية – تجارية استقرت في الحي في نهاية القرن السابع عشر، وبرزت في تجارة الحبوب. يقدم الفصل دليلاً قاطعاً على التداخل بين العائلتين من خلال وثيقة تقاسم تعود لعام ١٢٧٣/١٨٥٧، يظهر فيها أن أبناء إسماعيل جربجي المهايني تقاسموا مع الشيخ أحمد بن أمين الجباوي نصف دكانين وأشجار زيتون، بالإضافة إلى امتلاك مشترك لـ حمام الجديد. هذه الحالة النموذجية من التشارك والجوار تمثل استثناءً مثيراً في النمط العام لسيطرة العائلات على فضاءات مستقلة، وتظل طبيعة العلاقة بينهما سؤالاً مفتوحاً.
في ختام الفصل، يخلص الكاتب إلى استنتاجات عامة تؤكد أن الوجهاء سكنوا في فضاءات خاصة داخل الحي، متخذين من المشيدات الدينية أو الاقتصادية مرتكزاً لهم. ففي حين تظل أسباب استقرار تركمان حسن كتخدا في باب المصلى غامضة، فإن استراتيجيات العائلات الأخرى أكثر وضوحاً. لعبت عائلة الموصلي دوراً حاسماً في تطوير قطاع سوق الميدان تجارياً، بينما التصقت عائلة العجلاني بجامع الرفاعي، وتمركزت عائلة المهايني قرب مخازن الحبوب التي شكلت أساس ثروتها. يؤكد الكاتب على أن هذه الفضاءات لم تكن مستقلة تماماً، كما يتجلى في تداخل فضائي الجباوي والمهايني، مما يعكس روابط خفية تحتاج لمزيد من البحث. وأخيراً، يلاحظ الكاتب أن هذه الاستراتيجيات السكنية أعادت إنتاج أنماط مألوفة في مراكز المدن، حيث يقيم الأثرياء والوجهاء في قلب النشاط الاقتصادي والمراكز الدينية. من النقاشات التي يمكن استخلاصها من النص نفسه، هو أن مفهوم "الوجهاء" في حي الميدان لم يقتصر على طبقة واحدة، بل شمل عسكريين وقضاة وتجاراً ومشايخ طريقة، وأن سيطرتهم على الفضاء كانت نتيجة تفاعل معقد بين المكانة الاجتماعية، والقدرة المالية، ونظام الوقف، والتحالفات العائلية.
2.الفصل الثاني: توزع نماذج الدور المختلفة في الحي335–346▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل توزع نماذج الدور المختلفة في حي الميدان بدمشق خلال العصر العثماني، محاولاً الإجابة عن سؤال محوري: هل اتبعت أحياء دمشق، ولا سيما حي الميدان، النمط التراتبي الذي لوحظ في مدن إسلامية أخرى كالقاهرة وحلب، حيث تتناقص فخامة المساكن كلما ابتعدنا عن مركز المدينة؟ يخلص المؤلف إلى أن الصورة في دمشق أكثر تعقيداً، إذ لا ينطبق هذا النمط الخطي بشكل كامل، خاصة في القطاع الجنوبي للمدينة خارج السور.
يبدأ الفصل باستعراض الدراسات السابقة حول القاهرة وحلب. في القاهرة، لاحظ الباحث أ. ريمون تنظيم المناطق السكنية على شكل دوائر متعاقبة من المركز، لكنه أقرّ بأن هذا الشكل لم يظهر بوضوح في مدن أخرى، وأن الأحياء الشعبية ضمت دوراً ميسورة. كما توصلت الباحثة ن. حنا إلى نتائج مماثلة باستخدام سجلات المعاملات العقارية، حيث وجدت أن سكن الأغنياء تركز في المركز والفقراء في الأطراف، لكن مع تشابك نماذج الدور المختلفة داخل كل منطقة، بحيث كان الفرق في النسب لا في الأنماط. في حلب، أظهرت دراسات ك. دافيد وأ. ماركوس تركز الدور الفخمة قرب المركز التجاري، بينما أوضح أ. ريمون أن التشوهات في هذا النمط قد تعود لتجمعات دينية أو عسكرية معينة. بشكل عام، يؤكد الباحثون على وجود دوائر سكنية متعاقبة تتناقص فخامتها كلما ابتعدنا عن المركز، مع تشديد البعض على التشابك الاجتماعي وعدم وجود أحياء أرستقراطية وشعبية منفصلة تماماً.
ينتقل المؤلف بعدها لتحليل حالة دمشق بسبر سجلات محكمة الميدان ومحاكم أخرى، مستنداً إلى مدونات من 51 وثيقة تعود لمنتصف القرن الثامن عشر (فترة 1705-1765) و70 وثيقة من مطلع القرن التاسع عشر (فترة 1800-1830). قام المؤلف بتجميع المعلومات من حوالي عشرين حياً خارج سور دمشق ضمن خمسة قطاعات كبيرة هي: الصالحية، القطاع الشمالي، القطاع الغربي، القطاع الجنوبي الغربي، والقطاع الجنوبي.
يكشف تحليل متوسط قيمة الدور في هذه القطاعات عن تفاوت كبير. ففي كلتا الفترتين، سجلت الصالحية أدنى متوسط (241 قرشاً و 456 قرشاً على التوالي)، تلاها القطاع الشمالي بقيم أعلى قليلاً. في المقابل، تميّز القطاع الغربي بأعلى متوسط قيمة (663 قرشاً في الفترة الأولى و365 قرشاً في الثانية)، وكان نصف دوره من النوع الكبير. ثم ينخفض متوسط القيمة بشكل حاد في القطاعين الجنوبي الغربي والجنوبي ليصل إلى أقل من 300 قرش في الفترة الأولى. يستنتج المؤلف أن الأحياء ذات القيمة المنخفضة تقع على أطراف المدينة، وهو ما يؤكد نمط التراجع عن المركز. لكنه يستدرك بأن تفصيلاً أدق يكشف عن شذوذ في القطاع الجنوبي.
يتعمق الفصل في دراسة المحلات الثلاث المكونة للقطاع الجنوبي: باب المصلى، الميدان، والقبيبات. على الرغم من اتصالها الجغرافي، يظهر تباين اجتماعي واضح بينها. في محلة باب المصلى، كان متوسط قيمة الدور هو الأدنى خلال الفترتين، مع هيمنة واضحة للدور المتواضعة (70% في الفترة الأولى) على الرغم من وجود نسب صغيرة من الدور المتوسطة (13%) والكبيرة (17%). في المقابل، كانت محلة الميدان الأعلى قيمة بين الثلاث، بينما احتلت القبيبات موقعاً وسطياً. تشير هذه المعطيات إلى أن محلة باب المصلى شكلت نوعاً من "حزام فقر"، بينما كانت الميدان والقبيبات أكثر ثراءً، مما يعكس تراتبية محلية معاكسة للاتجاه العام من المركز إلى الأطراف، حيث أن الميدان أبعد عن المركز من باب المصلى ولكنها أغنى.
على صعيد التوزيع المكاني الدقيق، يعترف المؤلف بصعوبة رسم خارطة تفصيلية، خاصة للفترة الأولى، بسبب نقص المعلومات عن مواقع العديد من الأزقة. أما للفترة الثانية 1800-1830، فقد لاحظ تمركز الدور الكبيرة في أزقة معينة. ففي باب المصلى، تركزت غالبية الدور الكبيرة في زقاق الأربعين وزقاق الوسطاني. وفي الميدان، برزت أزقة مثل زقاق البصل وزقاق العسكري كمواقع لهذه الدور الفخمة. أما في القبيبات فلم يظهر هذا التمركز الواضح.
يؤكد المؤلف في خاتمة الفصل أن تحليل قيم الدور يدعم فكرة وجود قطاعات غنية قرب مركز المدينة، مما يبدو متوافقاً مع نموذج القاهرة وحلب. لكن هذا الانطباع يتزعزع عند التوجه جنوباً، فبدلاً من الانتقال التدريجي إلى مناطق أفقر، نجد قفزة في متوسط قيمة الدور في الميدان والقبيبات مقارنة بـباب المصلى. لذا، يرى المؤلف أن هاتين المحلتين لا تمثلان أفقر مناطق دمشق، بل ضمتا فئات متوسطة وميسورة في دور اتسم بعضها بالفخامة. يختم الفصل باعتراف مهم بحدود البحث: النتائج المستخلصة من المعاملات العقارية تحتاج إلى تعديل، لأنها تتجاهل فقراء الحى الذين كانوا يقطنون مساكن مؤجرة مثل "الأحواش"، والذين ظهروا بشكل محدود في سجلات المخلفات وغابوا كلياً عن المعاملات العقارية، مما قد يعني أن حجم الفئات الفقيرة في الميدان والقبيبات كان أكبر مما تظهره الوثائق.
2.الفصل الثاني: تطور الحي في العصر العثماني103–158▼ ملخص
ملخص الفصل الثاني: تطور الحي في العصر العثماني
يتناول هذا الفصل تطور حي الميدان في دمشق خلال العصر العثماني، ويؤكد المؤلفة أن هذا الحي لم يتشكل كوحدة فضائية متميزة إلا في هذه الفترة، على الرغم من وجود نوى عمرانية متنوعة جنوب دمشق في العصر المملوكي. وتمثل التوسعات العمرانية خارج أسوار دمشق سمة بارزة لهذه الحقبة، حيث قدر ج. سوفاجيه أن مساحة الأحياء الخارجية قفزت من نحو 56 هكتاراً في نهاية العصر المملوكي إلى 187.5 هكتاراً في منتصف القرن التاسع عشر، فيما قدرت مساحة الميدان بحوالي 110 هكتارات، أي أكثر من 10% من مساحة المدينة المعمورة التي بلغت نحو 561.5 هكتاراً في نهاية القرن الثامن عشر.
يسير الفصل خطوة خطوة في رسم صورة تطور الميدان، متوقفاً أولاً عند عوامل التطور الرئيسية، ثم المعطيات الديموغرافية والضريبية، فالتوسع الطبوغرافي، وأخيراً النشاطات الاقتصادية المتنوعة التي ميزت الحي.
يحدد الفصل عاملين أساسيين ساهما في تطور الميدان: قافلة الحج وتجارة الحبوب. فبخصوص قافلة الحج، يوضح الفصل أن الميدان تشكل عند مخرج باب المصلى بهدف تموين القوافل المتجهة إلى مكة، على غرار ما حدث في القاهرة حيث تشكل حي درب الأحمر عند مخرج باب زويله. ويذكر أن أعداد الحجاج كانت ضخمة، إذ تراوحت تقديرات المشاركين في الحج الشامي خلال القرن الثامن عشر بين 15 ألف و100 ألف حاج، وقدرهم قولني في نهاية ذلك القرن بين 30 و50 ألف حاج. ومع افتتاح قناة السويس عام 1869 واستخدام خط سكة حديد الحجاز عام 1908، انخفضت أعداد الحجاج القادمين براً بشكل ملموس، مما أثر سلباً على النشاطات الاقتصادية المرتبطة بهذا الطريق.
أما العامل الثاني، تجارة الحبوب، فقد ترك آثاراً معمارية واضحة تمثلت في البوائك، وهي مخازن مستطيلة الشكل مساحتها بين 100 و200 متر مربع، تستند سقوفها إلى عوارض خشبية محمولة على أقواس. وقد أحصت المؤلفة قرابة 60 بائكة في الحي، كانت مخصصة لتخزين القمح والشعير والحطب والقش، وتقع على امتداد الشريان الرئيسي للحي وفي الأزقة المتاخمة. ويؤكد الفصل أن انتقال تسويق الحبوب من مركز المدينة (سوق البزورية) إلى أطرافها (الميدان) حدث على الأرجح في نهاية العصر المملوكي، وأن بناء البوائك على امتداد طريق حوران يعكس العلاقات التجارية الوثيقة مع تلك المنطقة الزراعية، مع الإشارة إلى أهمية العلاقات مع منطقة البقاع أيضاً.
بعد استعراض عوامل التطور، ينتقل الفصل إلى تحليل المعطيات الديموغرافية والضريبية، متوقفاً عند إشكالية المصطلحات المستخدمة في التعدادات العثمانية، لا سيما مصطلحي «خانة» و**«مجرد». ويشير إلى أن تقدير عدد السكان يظل تقريبياً بسبب غموض هذه المفاهيم، حيث لجأ الباحثون إلى استخدام معامل حسابي يتراوح بين 3.5 و4.8**. وتظهر البيانات أن عدد سكان الميدان تزايد في النصف الثاني من القرن السادس عشر رغم الانخفاض العام في عدد سكان دمشق؛ ففي الوقت الذي فقدت فيه دمشق 1,278 خانة، زادت خانات الميدان بمقدار 111 خانة، ليرتفع عدد سكان الحي من نحو 6,680 نسمة في منتصف القرن إلى نحو 11,185 نسمة في نهايته. واستناداً إلى معطيات ضريبة «الاعانة» في عامي 1844-1845، تقدر المؤلفة عدد سكان الميدان في منتصف القرن التاسع عشر بنحو 13,550 نسمة، أي أن العدد تضاعف منذ نهاية القرن السادس عشر.
أما التوسع الطبوغرافي، فيتوقف الفصل عند ظاهرة إنشاء المقاسم كطريقة من طرق توسع المدن العربية الكبيرة، ويصف بالتفصيل مقسم سوق الميدان ومقسم الحقلة. الأول يقع شمال جامع منجك، ويتكون من خمسة أزقة متوازية ويمتد على مساحة 5 هكتارات، بينما يمتد الثاني على مساحة 4 هكتارات ويضم دوراً بمتوسط مساحة 100 متر مربع. ويرجح الفصل أن إنشاء مقسم الميدان يعود إلى منتصف القرن الثامن عشر، بينما تظل فترة إنشاء مقسم الحقلة غامضة. كما يشير إلى دور المشيدات الدينية والحمامات في تطور الحي، مثل حمام الرفاعي (القرن السادس عشر)، وحمام فتحي (القرن الثامن عشر)، وحمام عقيل (القرن التاسع عشر)، والتي تعكس حالة النمو السكاني التي شهدها الحي.
يتناول الفصل أيضاً اندماج القبيبات في النسيج المديني للميدان، ويوضح أن ظهور باب الله في نهاية القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر دل على اندماج هذه القرية في نسيج المدينة. ومع مرور الزمن، تحولت التسمية المكانية من «ميدان وقبيبات» إلى «ميدان» فقط، ويذكر أن وثيقة رسمية من عامي 1845-1861 تؤكد التخلي عن اسم «قبيبات» لصالح اسم «ميدان وسطاني». ويصف الفصل التحول الذي طرأ على النظرة إلى الفضاء، حيث صار الميدان الممتد حتى باب الله يُنظر إليه ككيان قائم بذاته.
في القسم الأخير، يعرض الفصل النشاطات الاقتصادية المتنوعة في الميدان، والتي تمحورت حول استثمار المنتجات الريفية وتوفير السلع للفلاحين والبدو. فبالإضافة إلى تجارة الحبوب، برزت نشاطات مرتبطة بالتحويل الزراعي كالمطاحن والمعاصر والمصابن، وكذلك نشاطات مرتبطة بسوق الغنم كالمسالخ وصناعة الفرو والأحذية (خصوصاً «الجزمات الدون» المخصصة لفلاحي حوران). وتبرز أهمية النشاطات النسيجية، حيث مارس وجهاء الحي كـالسيد كمال الدين العجلاني (المتوفى عام 1597) نسج الحرير، وفي القرن التاسع عشر تميز الميدان بصناعة النسيج مستفيداً من ازدهاره الاقتصادي الناتج عن تصدير الحبوب، مما سمح للتجار بشراء القطن الإنجليزي كبديل عن الخيوط المحلية. كما يشير الفصل إلى وجود نشاطات مرتبطة بالبناء، كصناعة الجبس والنجارة، ووجود أسواق متخصصة ومقاهٍ في الحي.
على صعيد التحفظات والأسئلة المفتوحة، يقر الفصل بوجود فجوات كبيرة في المعلومات، خاصة غياب أية إشارة إلى تاريخ بناء البوائك مما يحول دون تحديد التسلسل الزمني لبنائها، وفقدان التعدادات السكانية للقرنين السابع عشر والثامن عشر مما يجعل دراسة النمو الديموغرافي غير مكتملة. كما يشير الفصل إلى صعوبة تحديد العلاقة الدقيقة بين قافلة الحج ونشوء النشاطات الحرفية في الحي، وعدم القدرة على الجزم ما إذا كان إنشاء المقسمين قد تم في مناطق محلاة سابقاً أم لا. ويؤكد أن المعطيات المتوفرة حول تجارة الحبوب تظل محدودة لتقييم مساهمتها بدقة في تطور الحي، وأن معلومات إقامة الحجاج في الحي تظل غير دقيقة تماماً.
من النقاط القابلة للنقاش في هذا الفصل، الافتراض بأن تطور الميدان لم يتم بطريقة خطية متصلة من الشمال إلى الجنوب، بل عبر قفزات عمرانية متقطعة حول نوى مختلفة. كما أن اعتبار الحي قد تشكل كوحدة متميزة فقط في العصر العثماني يثير تساؤلاً حول درجة الاستمرارية مع العصر المملوكي، خاصة وأن النوى العمرانية الأولى كانت موجودة سلفاً. ويثير الفصل أيضاً إشكالية منهجية حول موثوقية المصادر العثمانية وبياناتها الديموغرافية بسبب غموض المصطلحات وتغير معايير التعداد عبر الزمن.
2.الفصل الثاني: مخلفات سكان الميدان217–238▼ ملخص
يُعالج هذا الفصل موضوع الثروة والتفاوت الطبقي بين سكان حي الميدان في دمشق خلال العصر العثماني، وذلك من خلال دراسة وثائق "المخلفات" (التركات) المسجلة في سجلات المحكمة. الإجابة المحورية التي يقدمها الكاتب هي أن سكان الميدان لم يكونوا كتلة متجانسة، بل كان هناك انقسام عميق بين فئتين رئيسيتين: فئة "الرعايا" (المدنيون) وفئة "العسكر" (العسكريون والمنتسبون إليهم). يكشف التحليل عن تفاوت كبير في الثروة، حيث كانت مخلفات العسكريين أكبر بخمس مرات تقريباً من مخلفات المدنيين، مما يعكس موقعاً اقتصادياً متميزاً للعسكريين داخل الحي.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذا التصور العام. يبدأ بمقارنة أولية لمتوسط قيمة المخلفات بين محلات الحي الثلاث: باب المصلى (متوسط 337 قرشاً)، والميدان (706 قروش)، والقبيبات (1510 قروش)، مما يظهر تفاوتاً داخلياً. ثم ينتقل إلى تحليل تفصيلي لمخلفات كل فئة على حدة، معتمداً على 780 وثيقة مخلفات (منها 114 تخص "الرعايا" و111 تخص "العسكر"). بالنسبة لفئة "الرعايا"، يوضح الكاتب أن متوسط قيمة مخلفاتهم بلغ 185 قرشاً، لكنه يبرز تفاوتاً صارخاً بين من يموتون في فقر مدقع (كمصطفى بن عمر الصحراوي الذي لم يخلف سوى ثوب بقيمة 21 قرشاً) وبين كبار الملاك كالحاج أحمد بن الحاج عبد الله الصواف الذي خلف تركة قيمتها 15,006 قروش، شملت ديوناً وقطيعاً من الغنم. ويشير إلى أن الغالبية العظمى (71%) من مخلفات هذه الفئة كانت تقل عن 1000 قرش. أما فئة "العسكر"، فكان متوسط قيمة مخلفاتهم 5510 قروش، مع تفاوت أيضاً يتراوح بين 886.50 و8571.50 قرشاً. ويصف الفصل بالتفصيل ممتلكاتهم التي شملت دوراً سكنية متعددة، ودكاكين، ومقاهي، وبوائك (مخازن حبوب)، وأسلحة، وعبيداً، وكميات كبيرة من الحبوب والماشية والمزارع في الريف.
يستخدم الكاتب أمثلة محددة من الأشخاص والعائلات لبناء حجته وتوضيح الأنماط الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، تُبرز عائلة الصواف من القبيبات الانخراط العميق في تربية الأغنام، حيث خلف أحد أفرادها 510 رؤوس غنم. كما تُظهر عائلة التركماني، وهي عائلة عسكرية، امتلاك قطعان كبيرة. ويُسلط الضوء على دور العسكريين كدائنين كبار، فـ 11 من أصل 18 عسكرياً كانوا دائنين، وبلغ متوسط قيمة ديونهم 5507 قروشاً، وهو ما يزيد عن ضعف متوسط ديون فئة الرعايا. ومن بين الدائنين البارزين، يُذكر حسن بشة بن مصطفى التركماني الذي سلّف قروشاً لأكثر من 30 مديناً، ومحمد آغا بن مصطفى آغا الذي سلّف 654 قرشاً. ويُظهر الفصل أيضاً احتكار العسكريين لملكية المقاهي وبعض البوائك، وإن كان يقرّ بأن ملكية البوائك لم تكن حصرية عليهم بناءً على معاملات عقارية من بدايات القرن التاسع عشر.
يُقرّ الكاتب ببعض التحفظات والحدود في المصادر. على سبيل المثال، يعترف بندرة المعلومات عن المهن والمصادر المحددة للثروة لدى معظم الأشخاص، إذ لا يمكن تحديد أصل ثرواتهم في أغلب الحالات. كما يشير إلى أن معلوماته عن المواصفات المعمارية للدور نادرة. ويذكر أن وثائق المخلفات لم تكشف بشكل كافٍ عن ظاهرة التسليف الجماعي للقرويين، على عكس ما تظهره إقرارات الديون في محكمة الميدان، مما يدعو إلى استكمال المعلومات من مصادر أخرى كعقود البيع والاستنجار في الريف. وأخيراً، يُقرّ بأن البوائك (مخازن الحبوب) لم تكن حكراً على العسكريين في جميع الفترات، ففي بدايات القرن التاسع عشر، كانت تنتقل إلى مدنيين غير وجيهين.
يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش تستند إلى النص نفسه. النقطة الأبرز هي تأكيد الكاتب على أن التفاوت الطبقي في حي الميدان كان أكثر حدة مما هو عليه في بقية أحياء دمشق. فهو يقارن متوسطات قيمة المخلفات بين الميدان والقطاعات الأخرى داخل السور وخارجه، ليخلص إلى أن سكان الميدان كانوا أقل ثراءً من سكان المدينة داخل السور والقطاع الغربي، ولكن قيمتهم كانت أقرب إلى سكان محلة الصالحية والقطاع الجنوبي الغربي. ومع ذلك، فإن التباين الصارخ بين فئتي "رعايا" و**"عسكر"** في الميدان هو ما يميز هذا الحي بشكل خاص. حجة أخرى قابلة للنقاش هي العلاقة بين انتماء الفرد للفئة العسكرية ونشاطه الاقتصادي؛ فبينما يظهر العسكريون كمالكين للأراضي والماشية، يلاحظ الكاتب أن بعضهم أيضاً مارس مهناً حرفية كالسمانة أو تجارة الأحذية، مما يشير إلى أن التقسيم لم يكن صارماً بالكامل، خاصة مع وجود مدنيين تمتعوا بوضع "عسكر" مثل السيد مصطفى أفندي العجلاني.
3.الفصل الثالث: محكمة الميدان، شاهد على علاقات المدينيين بالريف239–274▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على العلاقات الاقتصادية التي ربطت سكان حي الميدان في دمشق بالمناطق الريفية المحيطة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وذلك من خلال تحليل السجلات القضائية لمحكمة الميدان. يهدف الفصل إلى كشف طبيعة وحجم استثمارات المدنيين والعسكريين من الميدان في الأراضي الزراعية (شراءً واستئجاراً)، بالإضافة إلى ديونهم المُقرَضة للقرويين.
للإجابة على هذه الأسئلة، ينطلق الفصل بوضع إطار منهجي يأخذ في الاعتبار حدود المادة المصدرية؛ فسجلات المحكمة لا تحدد مكان إقامة أطراف المعاملات بدقة، وتغطي بشكل أساسي مناطق زراعة الأشجار المثمرة والخضراوات القريبة من دمشق ( كالغوطة)، بينما تغفل إلى حد كبير مناطق زراعة الحبوب البعيدة (كحوران). لذلك، يعتمد المؤلف أن غالبية المعاملات المسجلة تعود لسكان الميدان، معترفاً باعتباطية هذا الافتراض. يتناول الفصل بعد ذلك نوعين من الوثائق: عقود الشراء والاستئجار التي تُظهر أن غالبية المتعاملين في الريف هم من المدينيين، بنسبة تراوحت بين 59% و78% في منتصف القرن الثامن عشر، وارتفعت إلى ما يقرب من 90% في مطلع القرن التاسع عشر، مما يشير لتدهور أوضاع القرويين. يتابع الفصل في تحديد المواقع الجغرافية للاستثمارات التي تركزت في الغوطة، والتي بلغت نسبة المشتريات فيها 53% في الفترة الأولى و83% في الثانية، ثم ينتقل إلى وادي العجم حيث كانت استثمارات العسكريين أكثر أهمية من استثمارات المدنيين، وأخيراً وادي بردى حيث كانت معظمها متواضعة عدا استثناءات قليلة.
ينتقل الفصل بعدها لتحليل طبيعة الأملاك المشراة والمستأجرة، فيظهر تحول في أنماط التملك بين الفترتين، مثل انخفاض وثائق الـ "مجمّع" وظهور مصطلح "مزرعة" في عقود الإيجار لاحقاً. من حيث القيمة المالية، تضاعفت القيمة المتوسطة لعمليات الشراء أربع مرات ما بين الفترة الأولى ( 551 قرشاً) والثانية ( 1018 قرشاً)، وإن كان هذا مرتبطاً بالتضخم النقدي. يُظهر الفصل تفاوتاً واضحاً في قيمة الاستثمارات، من شراء شجرتي جوز بـ 20 قرشاً في 1762 إلى شراء مجمع زراعي ضخم بـ 10000 قرش في 1855. فيما يتعلق بالحالة الاجتماعية لأصحاب هذه الأملاك، يُظهر الفصل أن العسكريين كانوا الأكثر حضوراً واستثماراً، حيث بلغت قيمة استثماراتهم المتوسطة ضعف أو ثلاثة أضعاف استثمارات المدنيين. مع ذلك، بدأ حضور العسكريين يضعف في مطلع القرن التاسع عشر مقابل تزايد دور المدنيين، خاصة في الغوطة.
يتناول الفصل جانب التسليفات المالية للقرويين، حيث يوضح أن إقرارات الديون المسجلة في المحكمة تشمل مبالغ أكبر حجماً مولها مدينيون لقرويين، على عكس الديون الصغيرة المسجلة في قوائم الممتلكات (المخلفات). ويصف آليات تسليف الديون التي اتخذت شكلين: إما ديون جماعية يقر بها عدد كبير من القرويين (وصل عددهم لأكثر من 60 شخصاً من داريا مثلاً)، أو ديون عبر وكيل يقر بدين رمزي ثم بدين حقيقي بفوائده. تناول الفصل أيضاً الفوائد المخفية تحت مسمى "الصابون"، والتي كانت تتراوح بين 15% و20% من المبلغ المسلف، وذلك لتجنب التصريح بالربا. من حيث القيمة، تضاعف متوسط الديون للقرويين أربع مرات بين الفترتين (من 276 قرشاً إلى 712 قرشاً). وفي تحليل هوية الدائنين، برز العسكريون (خاصة الآغاوات) كأكبر المقرِضين، مع أمثلة لشخصيات مثل مصطفى جربجي وسليمان أغا اللذين سلفا آلاف القروش لعشرات القرويين.
يخلص الفصل باستخلاصات حول الاستثمارات في الريف، مؤكداً أن وثائق محكمة الميدان تُظهر الريف كمصدر دخل مهم للمدينيين، لكنها تركز على الغوطة والبقاع أكثر من حوران بالرغم من تخصص حي الميدان بتجارة الحبوب. ويلاحظ وجود ظاهرة مثيرة: تسجيل عسكريين ذوي مناصب رفيعة في دمشق (مثل متسلمها) لمعاملاتهم في محكمة الميدان، مما يعكس علاقات اقتصادية تتجاوز الصدامات العسكرية. في الختام، يُقر المؤلف بأن هذه الوثائق قدمت معلومات محدودة بسبب ضيق المجال الجغرافي، لكنها أكدت النشاط الريفي المكثف للعسكريين بحجم استثمارات أكبر، وعدلت فهم ظاهرة التسليف. يظهر الفصل كيف أن الميدان، كحي يقع بين المدينة والريف، كان ساحة لتفاعل فئتين اجتماعيتين (عسكر ورعايا) مع العالم الريفي، حيث جاور الفقراء ذوي الأصول الريفية وجوهاء انخرطوا في تجارة الحبوب والإقراض، مما يكشف عن تعقيد العلاقات التي تجاوزت الصورة المبسطة لـ "طريق حوران".
3.الفصل الثالث: المعاملات العقارية347–362▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تحليل المعاملات العقارية في حي الميدان بدمشق خلال العصر العثماني، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: كيف كانت تُدار الملكية العقارية وتُورّث وتُباع وتُشترى في هذا الحي، وما هي العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت في هذه العمليات؟ يخلص المؤلف إلى أن الملكية العقارية كانت تتسم بالتجزئة، ولكن في الوقت نفسه كان هناك ميل واضح للحفاظ عليها داخل العائلة، مما أدى إلى خلق توتر بين قوى التقسيم وقوى التجميع.
يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف ظاهرة تجزئة الملكية باستخدام عدة معايير إحصائية. يتم تحليل حصص الملكية المتبادلة في السوق (بالقراريط، حيث يساوي القيراط جزءاً من 24 جزءاً من العقار). يوضح الجدول أن نحو 50% من معاملات الشراء خلال الفترتين المدروستين (105-171/15 و 1850-1860) كانت لحصص تقل عن 11 قيراطاً، ونحو 40% كانت للدار بأكملها (24 قيراطاً). لكن المؤلف يحذر من الاستنتاج السريع بأن هذه التجزئة كانت نهائية؛ ففي الفترة الأولى، كان 68% من الأشخاص (26 من أصل 38) الذين اشتروا حصصاً قد سبق لهم امتلاك حصص في الدار نفسها، مما يعني أن التجزئة كانت مؤقتة بالنسبة لهم، إذ كانوا يسعون لزيادة حصتهم أو امتلاك الدار بالكامل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل عدد المشترين والبائعين، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المعاملات كانت تتم بواسطة شخص واحد (أكثر من 40% للشراء ونحو 70% للبيع). وكان البائعون يظهرون كمجموعة (ورثة) أكثر من المشترين، مما ساهم في تقليص التشارك في الملكية، حيث كان نصف دور الحي مملوكاً لشخص واحد في الفترتين. ثم يحلل الفصل الحالة الاجتماعية للأشخاص المساهمين (نساء، رجال مدنيون، عسكريون، مسيحيون). ففي الفترة الأولى (175-1781) مثل العسكريون 9% من المشترين والبائعين، لكن نسبتهم انخفضت إلى 5% في الفترة الثانية (1850-1870)، بينما ارتفعت نسبة المسيحيين من ضعف جداً إلى 7% من المشترين و8% من البائعين في الفترة الثانية. يشير المؤلف إلى صعوبة الجزم فيما إذا كانت هذه التغيرات تعكس تحولات اجتماعية حقيقية أم مجرد تغير في تردد هذه الفئات على محكمة الحي.
يتناول الفصل أيضاً "دور العائلة" من خلال عدة زوايا. أولاً، يوضح أن نحو نصف من باعوا دورهم كانوا قد ورثوها، مما يؤكد قوة عامل الوراثة. ثانياً، تم ما يقرب من ربع المعاملات بين أقارب (30% في الفترة الأولى و 21% في الثانية). ثالثاً، كانت الملكية المشتركة للدور مصدراً للنزاعات، فيروي الفصل قضية من مطلع ذي القعدة 1155 (نهاية كانون الأول 1742) رفعها محمد أغا بن إبراهيم أغا وكيلاً عن زوجته ضد شريكتها عفيفة، متّهماً إياها بالاستيلاء على قيراطين من أصل ميراث. ويشير المؤلف إلى أن هذه النزاعات لم تكن حكراً على "الغرباء"، بل كانت تنشب أيضاً داخل العائلة الواحدة بسبب غموض الإرث أو البيع السري للعقار.
أخيراً، يخلص الفصل إلى استخلاصات مقارنة، معتمداً على دراسات عن حلب ومدن أخرى. يرى المؤلف، نقلاً عن أ. ماركوس، أن فهم الملكية العقارية يتطلب البدء بدراسة العائلة، فهي الخلية الأساسية التي تتحكم في أشكال الملكية. كما يقارن بين ظاهرة تجزئة السكن في حي الميدان (حيث 50-60% من العائلات لم تمتلك سوى جزء من الدار) وظاهرة مشابهة في منطقة "بروفانس العليا" بفرنسا (حيث أكثر من ربع العائلات، 58 من أصل 201، لم تمتلك سوى جزء)، ليؤكد أن هذه الظاهرة لم تكن خاصة بالمجتمعات الشرقية. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت التغيرات في نسب مشاركة العسكريين والمسيحيين تعكس تغيراً حقيقياً في النسيج الاجتماعي للحي أم مجرد تحول في المكان الذي يلجأون إليه لتوثيق معاملاتهم. الحجة القابلة للنقاش هنا هي أن "الاستقرار" النسبي في نسب التجزئة بين الفترتين قد يخفي ديناميكيات داخلية أكثر تعقيداً، كازدياد شراء الحصص لتجميع الملكية من قبل البعض مقابل تفتتها لدى آخرين بسبب الأزمات، وهو ما يعترف به المؤلف عند مناقشته لحالة حلب.