المورد
درعا سلسلة مدن في الثورة السورية

درعا سلسلة مدن في الثورة السورية

ar

تتناول دراسة "درعا: زهرة الجنوب" ضمن مشروع "مدن في الثورة" مسار الحراك الثوري في مدينة درعا، مهد الثورة السورية، منذ انطلاقتها الأولى في الثامن عشر من آذار عام 2011، وصولاً إلى تحولاتها العسكرية والمدنية اللاحقة. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك السياقات التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة في هذه المدينة الجنوبية، وتطورها من احتجاجات شعبية سلمية إلى مواجهات مسلحة، ثم إلى تشكيل هياكل عسكرية ومجتمع مدني، وصولاً إلى مرحلة التراجع والحصار. يدافع المؤلف، صبر درويش، عن رواية الثوار وأهالي درعا، ويسعى إلى تقديم وصف دقيق للأحداث بالاعتماد على شهادات الناشطين والمنشقين، معترفاً بصعوبة الإحاطة بكل التفاصيل وخصوصاً في الريف.

يسير الكتاب عبر ثلاثة أبواب رئيسية تتبع تسلسلاً زمنياً ومنطقياً. يبدأ الباب الأول بعنوان "زمن التحولات" بسرد الأحداث التي سبقت الثورة، ويركز على الحادثة المفصلية: اعتقال أجهزة المخابرات لمجموعة من التلامذة في مدارس درعا، تراوحت أعمارهم بين 11 و15 عاماً، والذين كتبوا عبارات مناهضة للنظام منها "الشعب يريد إسقاط النظام". ويشير الكتاب إلى حادثة أخرى غالباً ما تم إغفالها، وهي اعتقال مجموعة أخرى من الأولاد قاموا بالاعتداء على حارس أمني وحرق نقطة أمنية. يروي الكتاب فشل مساعي أهالي المدينة مع المسؤولين، وفي مقدمتهم رئيس فرع المخابرات السياسية في درعا، عاطف نجيب، الذي أصر على الاحتفاظ بالأطفال وأهان الأهالي. كان هذا الإذلال هو الشرارة التي دفعت الأهالي للخروج في مظاهرة يوم الجمعة 18 آذار/مارس 2011، حيث توجه المصلون من جامعي "أبي بكر" و"بلال" إلى المسجد العمري ومبنى المخابرات. قامت العناصر الأمنية بفتح النار على المتظاهرين، وسقط أول شهيدين في الثورة السورية: حسام عياش ومحمود جوابرة. تتصاعد المواجهات بعد ذلك، حيث يتحول المسجد العمري إلى مشفى ميداني وملتقى للحراك، قبل أن تقتحمه قوات الأمن في 23 آذار وتفتح النار مجدداً. يصف الكتاب بعد ذلك يوم 25 آذار 2011، حيث تزامنت مظاهرات ضخمة في درعا مع أنباء عن سقوط ضحايا في مدينة الصنمين، مما دفع الأهالي إلى إسقاط تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد، وكان ذلك مؤشراً على أن الأمور ذهبت في منعطف لا رجعة فيه، مما استدعى قدوم ماهر الأسد على رأس الفرقة الرابعة لقمع الانتفاضة. يختتم الباب الأول بوصف حصار المدينة واقتحامها في 25 نيسان 2011، حيث استخدمت المدرعات وانتشر القناصة على أسطح المباني، وأسقطوا 90 قتيلاً مدنياً في صفوف المدنيين مقابل نحو 25 قتيلاً في صفوف الجيش. وفي تلك اللحظات أشهر بعض الشبان السلاح دفاعاً عن أهاليهم، لكن العمل المسلح كان لا يزال فعلاً غاضباً ومحدوداً.

ينتقل الباب الثاني، "زمن المقاومة"، لرصد التحول نحو العمل العسكري المنظم بعد انسحاب قوات النظام من حي درعا البلد في منتصف أيار 2011، وإبقائها على حصاره ونقاط تفتيش تفصل بين درعا البلد ودرعا المحطة. يشرح الكتاب كيف أن اكتشاف مقابر جماعية بعد الانسحاب دفع لتشكيل أولى مجموعات الثوار، التي تطورت من حماية المظاهرات إلى تشكيل "لواء العمري". ثم يتناول بالتفصيل تشكيل الجبهة الجنوبية في 6 كانون الأول 2014 بوصفها آخر معاقل ما اصطلح على تسميته "الجيش الحر"، وهي تحالف ضم نحو 16 تشكيلاً عسكرياً كبيراً وحوالي 37 ألف مقاتل، وانتشروا في منطقة حوران والقنيطرة المعروفة بـ "مثلث الموت". يعرض الكتاب الرؤية السياسية للجبهة الجنوبية كما وردت في ورقتها الصادرة في 10 كانون الأول 2014 بعنوان "المرحلة الانتقالية"، والتي تدعو إلى دولة مدنية ديمقراطية تقوم على احترام حقوق الإنسان، وتحويل الجبهة نفسها من مؤسسة عسكرية إلى دفاع مدني بعد سقوط النظام، وتدعو إلى تعطيل الدستور الحالي والعودة لدستور عام 1950، والإشراف الأممي على المرحلة الانتقالية. يستعرض الكتاب أيضاً أبرز التشكيلات العسكرية التابعة للجبهة، مثل ألوية العمري وجيش اليرموك وفرقة الحمزة وفرقة فجر الإسلام ولواء أنصار السنة، مشيراً إلى أن أغلبها تشكل ونشط في ريف درعا قبل أن تتمكن من دخول المدينة. ويختتم هذا الباب بالإشارة إلى مآلات الجبهة الجنوبية، والتي رغم خطابها المعتدل وتقدمها الميداني، عانت من الصراعات الداخلية وتراجع أدائها العسكري بعد معارك "مثلث الموت" في عام 2015، وتأثير القوى الإقليمية الداعمة لها (في إشارة إلى الأردن) على قرارها.

أما الباب الثالث والأخير، "منظمات المجتمع المدني"، فينتقل بالتركيز من العمل العسكري إلى جهود الناشطين السلميين للحفاظ على النسيج الاجتماعي في ظل الحرب. يقدم الكتاب نماذج لمنظمات مجتمع مدني محلية تأسست في درعا، مثل تجمع فرح التطوعي الذي يضم 108 متطوعين متخصصين في الدعم النفسي والإرشاد، ويسعى لتغطية حاجات الأطفال من خلال برامج تعليمية ودعم نفسي وترفيهي، وافتتاح مدارس تعليمية ومشروع حماية الطفل لتعليم الأطفال كيفية التعامل مع القذائف والألغام. ثم يعرض لمنظمة أضواء سورية التي تركز على التعليم للأطفال من عمر 5 إلى 16 سنة، حيث تضم نحو 1500 تلميذ، وتقدم أيضاً دعماً نفسياً للنساء والأطفال بالتعاون مع منظمات مثل "حراس الطفولة". كما يصف نشأة الهيئة العامة للدفاع المدني في درعا منذ نيسان 2013، والتي تطورت من أعمال تنظيف الأحياء وصيانة الكهرباء والماء إلى لعب دور حيوي في الإسعاف والإنقاذ في نحو 25 بلدة وقرية، رغم نقص التمويل الحاد. ويشمل الباب الثالث أيضاً فريق إصرار التطوعي، الذي تأسس في بداية عام 2016 من تسعة شبان وخمس فتيات لتقديم الدعم النفسي والترفيهي للأطفال في مخيمات اللجوء، وفريق غصن زيتون الذي أسس مدارس خاصة ("دار غصن الزيتون للتعليم") تضم حوالي 950 طفلاً، وأصدر مجلة "قوس قزح" للأطفال، واعتمد المنهاج الرسمي للدولة السورية مع بعض التعديلات، وأقام مراكز ثقافية، مؤكداً أن "المجتمع في درعا لا زال مدنياً أهلياً وبعيداً عن التطرّف".

يكشف الكتاب، من خلال شهادات الناشطين والمنشقين، عن حقائق لافتة يصعب نسيانها، مثل العدد الدقيق للأطفال المعتقلين الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عاماً، والذين كانوا شرارة الانتفاضة. كما يقدم إحصاء دقيقاً لضحايا الاقتحام العسكري في نيسان 2011: 25 قتيلاً في صفوف الجيش ونحو 90 في صفوف المدنيين، مشيراً إلى أن العديد من الضحايا أصيبوا في الرأس والرقبة والصدر مما يدل على استهداف متعمد من القناصة. من الأرقام المهمة أيضاً أن الفترة الممتدة بين 18 آذار وحتى أواخر أيار 2011 شهدت سقوط نحو 418 شخصاً قتيلاً على يد قوات النظام في درعا، من بينهم حوالي 200 شخص قتلوا في الأيام الأولى التي تلت الاقتحام. في الجانب العسكري، يبرز أن الجبهة الجنوبية ضمت 37 ألف مقاتل، بينما يضم تشكيل "غصن زيتون" وحده نحو 45 مدرساً متفرغاً. أسماء الشهداء الأولى كثيرة، كـ حسام عياش ومحمود جوابرة، كما تبرز أسماء قادة كبار مثل عاطف نجيب وماهر الأسد وضباط منشقين مثل من قاد "ألوية العمري". يشير الكتاب أيضاً إلى انسحاب قوات الأسد من درعا البلد في منتصف أيار 2011، موثقاً بذلك أول "تحرير" لجزء من المدينة.

يعترف المؤلف صراحة بحدود البحث وثغراته، خاصة فيما يتعلق بتركيزه على مدينة درعا وليس الريف، معتبراً أن الأخير يحتاج إلى بحث مفصل ومنفرد. كما يقر بصعوبة الوصول إلى الشهود بسبب ظروف الحرب والنزوح والتهجير، مما جعل مهمة تدقيق الشهادات صعبة. يقر الكتاب أيضاً بأن العمل لا يدعي تقديم الحقيقة كاملة، وإنما هو "خطوة بسيطة باتجاه توثيق تفاصيل الحكاية السورية". من التحفظات المهمة التي يطرحها الكتاب بشكل غير مباشر، هو التساؤل حول مدى تطابق الرؤية السياسية المعلنة للجبهة الجنوبية مع تصورات مقاتليها وقادتها على الأرض، مشيراً إلى أن هذه التصريحات قد تعكس رغبة الجهات "الخارجية" الممولة أكثر مما تمثل انعكاساً أصيلاً للبيئة المحلية. كما يشير إلى التراجع الملحوظ في أداء الجبهة الجنوبية بعد عام 2015، مما يطرح تساؤلات حول فعاليتها واستدامتها.

على الرغم من أن الكتاب يعتمد على شهادات منحازة صراحة إلى الثورة السورية، إلا أنه يظل عملاً توثيقياً قيماً يقدم تفاصيل دقيقة عن مسار مدينة كانت مفتاحاً للأحداث في سوريا. مع ذلك، يمكن القول إن هناك حججاً قابلة للنقاش في الكتاب، وأهمها التركيز على شرعية الجبهة الجنوبية وخطابها المعتدل كحجر زاوية للمعارضة، في مقابل إغفال شبه تام لدور الفصائل الإسلامية والجهادية التي ذكرت بشكل عابر فقط (كلواء شهداء اليرموك). هذا التقديم للثورة كصراع بين نظام قمعي وثوار "وطنيين معتدلين" يتجاهل التعقيد الهائل للصراع المستعر في سوريا، حيث تداخلت عوامل محلية وإقليمية ودولية، وصعدت تنظيمات متطرفة لعبت دوراً مركزياً في تدمير البلاد. كما أن التركيز الحصري على مدينة درعا، رغم كونه مبرراً منهجياً، قد لا يعطي صورة كاملة عن ديناميكيات المحافظة بأكملها، حيث لعب الريف دوراً حاسماً في تحويل الصراع من سلمي إلى مسلح. في النهاية، ينجح الكتاب في تقديم شهادة حية ومفصلة عن "الزهرة" التي تفتحت في جنوب البلاد، لكنه يظل بحاجة إلى أن يُقرأ ضمن سياق أوسع لفهم فصول المأساة السورية المعقدة.

التحليل والكلمات المفتاحية