المورد
Playing The Sectarian Card in Syria

Playing The Sectarian Card in Syria

Stolleis (ed.)١ كانون الثاني ٢٠١٥enFriedrich-Ebert-Stiftung

الكتاب الذي حرره ستوللايس بعنوان "لعب الورقة الطائفية في سوريا" هو عمل جماعي يسعى إلى تفكيك واحدة من أكثر الاستراتيجيات فتكاً وتعقيداً التي استخدمها النظام السوري لإدامة حكمه خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في 2011. الموضوع المحوري للكتاب ليس مجرد وصف للطائفية كظاهرة اجتماعية، بل هو تحليل لكيفية تحويل الاختلافات الطائفية والعرقية والدينية إلى أداة سياسية واعية ومنهجية. يدافع المؤلفون بوضوح عن فكرة أن النظام السوري، بقيادة بشار الأسد، هو المسؤول الأول عن تحويل المجتمع السوري المتعدد إلى مجتمع مشرذم طائفياً، وذلك من خلال استراتيجية متعمدة تقوم على إثارة الخوف بين الأقليات من الأغلبية السنية، وتقديم نفسه كحام وحيد لها، ثم توريط هذه الأقليات في دعمه عبر التعبئة المسلحة والاقتصادية. الكتاب لا يبرئ المعارضة أو القوى الخارجية من مسؤولياتها، لكنه يركز بشكل حاد على أن "لعب الورقة الطائفية" هو نتاج سياسة النخبة الحاكمة التي تهدف إلى البقاء بأي ثمن.

تسير حجة الكتاب بطريقة منهجية ومتسلسلة، حيث يتقدم من التحليل النظري للخطاب إلى دراسات حالة ميدانية دقيقة في مناطق مختلفة. الفصل الأول يضع الأساس النظري، موضحاً كيف أن قمع النظام لأي حديث عن التركيبة الطائفية للمجتمع السوري لعقود لم يلغِ التوترات بل أخفاها، مما خلق جهلاً متبادلاً وتحيّزات عميقة استغلها النظام بمهارة. ثم ينتقل الكتاب إلى دراسة حالة العلويين في حمص، حيث يكشف المعضلة الوجودية لهذه الطائفة التي وجدت نفسها محصورة بين الخوف من الانتقام السني والنفور من قمع النظام، مما دفع غالبيتها إلى الاصطفاف معه اضطراراً. بعد ذلك، ينتقل إلى طرطوس كـ "مدينة حكومية" تظهر وكأنها جزيرة سلام، لكنها في الواقع نموذج مصغر لسوريا ما قبل الأزمة، حيث يتم إعادة إنتاج هيمنة النظام وإيديولوجيته، لا هوية طائفية واحدة. ثم تنتقل الحجة إلى السويداء لتحليل "الثورة الساكنة" لدى الطائفة الدرزية، التي فشلت في الانضمام إلى الاحتجاج الجماهيري بسبب الخوف الممنهج، والانقسامات الداخلية، واستغلال النظام للخطاب الطائفي ومشاعر الحرمان النسبي. بعد ذلك، يدرس الكتاب مواقف المسيحيين، أولاً في دمشق حيث ساد الخوف التاريخي من المجازر وصعود الإسلاميين، مما دفع الغالبية إلى احتضان النظام ولو على مضض، ثم في وادي النصارى حيث تحالف المسيحيون مع النظام وشكلوا ميليشيات محلية دفاعاً عن وجودهم، رغم إدراكهم لفساده. وأخيراً، يختتم الكتاب بدراسة حالة الإسماعيليين في سلمية، حيث تظهر سياسة النظام الانتقائية بشكل صارخ؛ ففي الوقت الذي كان يُقتل فيه المتظاهرون في المدن السنية المجاورة، كان النظام يتعامل مع احتجاجات سلمية بضبط وحذر، مما كشف عن استراتيجية واضحة لتحييد الأقليات واستمالتها. هذا التدرج المنطقي يظهر كيف أن السياسة الطائفية لم تطبق بشكل موحد، بل كانت مرنة وتتكيف مع خصوصية كل طائفة ومنطقة، لكن هدفها النهائي كان واحداً: تفتيت أي مقاومة مشتركة وإعادة تعريف الصراع على أنه حرب وجودية بين الأقليات والأغلبية.

يحتوي الكتاب على وقائع وأرقام وشهادات لافتة يصعب نسيانها، تمنح التحليل النظري قوة ملموسة. في الفصل الأول، نقرأ عن الحقيقة الصادمة بأن الطفل السوري لا يتعلم أبداً في المدرسة عن التنوع العرقي والديني في بلده، حيث يضم التعليم الديني الإلزامي السنة والعلويين والدروز والشيعة والإسماعيليين والإيزيديين تحت مسمى "الإسلام" دون تمييز. هذا الجهل الممنهج كان وقوداً للفتنة. في حمص، نلتقي بشهادة العقيد سالم الذي يختصر المعضلة العلوية بقوله: “نعتمد على النظام اقتصادياً، ولكننا نعتمد عليه أيضاً من أجل سلامتنا”. هناك أيضاً حدث مقتل العميد أبو تلوي ونجليه في نيسان 2011، والذي استغلته وسائل الإعلام الرسمية ببث صور الجثث المشوهة، مما حول الأزمة إلى صراع طائفي دموي. وفي طرطوس، نرى نموذجاً لرجل الأعمال فؤاد، وهو علوي من حمص، الذي يصف كيف غيّر صاحب شاليه طرطوسي لهجته الطائفية بمرونة كاملة: رفض في البداية تأجير السنّة، ثم أجرى لأسرة سنية بعد شهر قائلاً "كلنا سوريون"، كاشفاً أن المصالح التجارية قد تذيب الانقسامات ولكنها لا تعالج جذورها. في السويداء، كانت حادثة تسريب فيديو الشيخ السلفي عبد السلام الخليلي من درعا، والذي سبّ فيه الطائفة الدرزية، نقطة تحول حاسمة استغلها الإعلام الرسمي لإحياء مخاوف تاريخية وإقناع الدروز بأن الثورة هي خطر طائفي سني. أما في دمشق، فإن شهادة المحامي سالم عن يوم الجمعة العظيمة في 22 نيسان 2011، حيث رأى بأم عينه مسلحين من "الشبيحة" يطلقون النار بينما كان المسيحيون يعتقدون أن المظاهريين هم المعتدون، تظهر كيف تم تزييف الواقع لزرع الرعب. وفي وادي النصارى، نقرأ عن مقتل رولا ابراهيم برصاص الشبيحة، وهو حدث أظهر التناقض المروع في "حماية" الأقليات. وفي سلمية، يذكر الكاتب أن الاحتجاجات بلغت ذروتها بـ 17,000 متظاهر في يوليو 2011، لكنها انهارت بعد حملة اعتقالات واسعة في أغسطس، والتي أوقفت الزخم الثوري في هذه المدينة ذات الأغلبية الإسماعيلية.

يقر المؤلفون بحدود وتحفظات واضحة في أكثر من موضع، مما يزيد من مصداقية العمل. يُقر الفصل الأول بأن فشل المعارضة في جذب أعداد كبيرة من جميع الطوائف هو أحد عيوبها الكبرى، لكنه يصر على أن النظام هو المسؤول الأول عن إفشال أي وحدة وطنية. كما يتحفظ على فكرة أن الأقليات تحت تهديد حقيقي فقط من قبل داعش والجماعات الإسلامية المتطرفة، مؤكداً أن السنة هم من دفعوا أعلى ثمن من حيث الضحايا والتهجير، وأن الخطر الخاص بالأقليات هو خطر الانتقام الجماعي في حال سقوط النظام، وليس خطراً وجودياً في كل مكان. في دراسة طرطوس، يعترف الكاتب بأن المدينة ليست مركز سلطة سياسي أو اقتصادي مثل اللاذقية، وأنها لا تستطيع الانفصال عن محيطها، مما يحد من نموذجها كـ "دولة علوية". في السويداء، يترك الكاتب التساؤل مفتوحاً حول ما إذا كان النظام امتلك القدرة على القمع المفرط أم أنه تعمّد الاحتواء، تاركاً الباب مفتوحاً للتفسير. وفي دراسة المسيحيين، يظهر بوضوح أن القيادات الكنسية تحملت جزءاً من المسؤولية بدفع مجتمعاتها نحو الاصطفاف مع النظام. الأسئلة المفتوحة الأهم تتركز حول مستقبل هذا التماسك القسري داخل الطوائف بعد زوال الأزمة، وحول ما إذا كان النظام قادراً أساساً على الإصلاح، حيث يستنتج المؤلف أن النظام اختار استمرار الصورة القديمة بدلاً من استغلال الفرص التي أتاحتها عزلة بعض المناطق.

بناءً على المادة المقدمة، يبرز عدد من الحجج القابلة للنقاش بوضوح. أولاً، التأكيد المتكرر على أن مسؤولية الفوضى لا تقع على النظام فقط، بل يتحمل المجتمع الدولي جزءاً كبيراً منها بسبب سياسة "عدم التدخل" أو التدخل الانتقائي الذي سمح للقوى المتطرفة بالتقوي بينما تُركت القوى المدنية تواجه الموت. هذه المقاربة تثير نقاشاً حول ما إذا كان الخطأ هو في طبيعة التدخل نفسه أم في غيابه. ثانياً، هناك حجة قوية حول دور القيادات الدينية في دفع مجتمعاتها نحو الاصطفاف مع نظام قمعي، كما هو واضح في حالة الكنيسة في دمشق والمرجعيات الدرزية في السويداء. هل كان هذا الخيار نابعاً من حرية حقيقية أم من خوف ممنهج في ظل ديكتاتورية أمنية شاملة؟ ثالثاً، يطرح الكتاب سؤالاً وجودياً حول مصير الأقليات في سوريا ما بعد الأسد. هل يمكنهم أن يندمجوا في سوريا ديمقراطية، أم أن منطق الطائفية الذي زرعه النظام جعلهم أسرى لمخاوفهم، مما يجعل أي تغيير سياسي يثير رعباً وجودياً لديهم؟ هذا السؤال يبقى مفتوحاً، لكن الكتاب يلمح إلى أن الإجابة تعتمد على قدرة السوريين على تجاوز الخطاب الطائفي واستعادة الثقة المهشمة بين مكونات المجتمع.

الفصول(7)

1.Discourses on Minorities and Sectarianism in Syria7–10▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل الخطابات المتعلقة بالطائفية والأقليات في سوريا، وكيف استخدم النظام السوري هذه الطائفية كأداة للحفاظ على هيمنته. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن قمع النقاش حول التركيبة الطائفية للبلاد لعقود لم يلغِ هذه الطائفية من الواقع، بل عزز الجهل المتبادل والتحيز بين المجموعات المختلفة، مما أتاح للنظام استغلال هذا الجهل و"لعب الورقة الطائفية" لإدامة سلطته. يطرح الفصل سؤالاً جوهرياً حول واقع الأقليات تحت التهديد الحالي، ويخلص إلى أن مصيرها لا يمكن فصله عن مصير السوريين ككل.

يسير الفصل بخطى منهجية، فيبدأ بوصف سياسة التكتم الرسمي على الاختلافات العرقية والدينية. يوضح المؤلف أنه خلال فترة التعليم، لا يتعلم الطفل السوري أبداً أي جماعات عرقية دينية تعيش في بلده، فالتعليم الديني الإلزامي في المدارس العامة يميز فقط بين الإسلام والمسيحية، ويضم التلاميذ وفقاً لذلك. وهذا يعني أن السنة والعلويين والدروز والشيعة والإسماعيليين والإيزيديين يشاركون جميعاً في التربية الإسلامية دون أن تُذكر الاختلافات بينهم. يستغل النظام السوري، الذي أمضى أكثر من أربعين عاماً في السلطة، حالة عدم الثقة الناتجة عن هذا الجهل لـ"لعب الورقة الطائفية"، أي إثارة الفتن بين المجموعات المختلفة ضد بعضها البعض.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن صعود الخطاب الطائفي مع بداية الانتفاضة السورية في مارس 2011. يتناول كيفية اتهام المحتجين منذ البداية بترديد شعارات طائفية، أشهرها "العلوي إلى التابوت والمسيحي إلى بيروت"، بينما رد المحتجون بشعارات الوحدة الوطنية مثل "واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد". يصف المؤلف كيف تحدث بشار الأسد عن تهديد الإرهاب الإسلامي في خطابه الأول أمام البرلمان في مارس 2011، في الوقت الذي بدأ فيه القمع الوحشي للاحتجاجات. مع عسكرة الانتفاضة، بدأ التمويل الأجنبي والنفوذ الخارجي يظهران، حيث تلقت الميليشيات ذات الهوية الإسلامية تمويلاً من جهات خليجية سنية، بينما تلقت قوات سوريا الديمقراطية (FSA) دعماً غربياً بصعوبة. تزامن ذلك مع دعم إيران وحزب الله اللبناني للنظام، مما أدخل الصراع في سياق التنافس الإقليمي السني-الشيعي. وبلغت ذروة هذا التصعيد تأسيس "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) في أبريل 2013، والتي تطورت إلى "الدولة الإسلامية" (داعش) في يونيو 2014.

يتناول الفصل بعد ذلك استراتيجية النظام في تقديم نفسه "كحامي للأقليات". يشير المؤلف إلى أن فشل المعارضة في جذب أعداد كبيرة من جميع الطوائف هو أحد عيوبها، لكن النظام نجح في تصوير نفسه كالبديل الوحيد أمام الإرهاب الإسلامي. هذه الاستراتيجية أثبتت نجاحها لدرجة أن المجتمع الدولي تبنى فكرة أن الأسد هو الخيار الأفضل، على الأقل للأقليات، وخاصة المسيحيين. ومع ذلك، يرفض المؤلف هذه الفكرة جذرياً، مؤكداً أن النظام هو المسؤول الأول عن الخطر الذي تواجهه الطوائف الآن. منذ 2011، تخلى النظام عن احتكاره للقوة، وشجع أبناء هذه الطوائف على تشكيل ميليشيات وسلحهم، مما أعطى مصداقية لفكرة وجود "أغلبية" سنية تهدد "الأقليات". كما أن إطلاق سراح الإسلاميين من السجون والتسامح مع صعودهم دفع مخاوف هذه الطوائف ليكسب دعمها.

أما الإجابة على سؤال ما إذا كانت الطوائف غير السنية تحت تهديد حقيقي، فهي معقدة ومتدرجة. يقر المؤلف أنه في المناطق التي يسيطر عليها داعش وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى، فإن الخطر واضح. لكن في المناطق الأخرى، هم مهددون بالقمع والحرب مثل جميع السوريين الآخرين. ويؤكد أن السكان السنة هم من دفعوا حتى الآن أعلى ثمن من حيث الضحايا والتهجير. الخطر الخاص بالأقليات يتركز في كونهم يُنظر إليهم كداعمين للنظام، وهو تصور قد يؤدي إلى أعمال انتقام جماعية في حال سقوط النظام. هذا الخطر واضح بالنسبة للعلويين، لكنه يشمل أيضاً المسيحيين والشيعة والإسماعيليين والدروز، وإن كان بنسب متفاوتة.

في ختام الفصل، يقدم المؤلف تحفظات مهمة ويدعو إلى نظرة أكثر شمولاً. يذكر أن مصير الأقليات لا يمكن تحليله بمعزل عن مصير الشعب السوري ككل، لأن حكم الإسلاميين سيهدد أيضاً جميع القوى العلمانية والمعتدلة. يؤكد أن سوريا لا تزال بلداً غير متجانس، ولا توجد منطقة لا تضم مزيجاً من الطوائف، وأن الهويات المحلية مثل "كونك من حمص" غالباً ما تطغى على المفاهيم الطائفية. يستشهد المؤلف بمثال حمص كمدينة حديثة نسبياً، حيث انتقل العلويون إليها من القرى في العقود الأخيرة، مما يجعل تمثيلهم ككتلة واحدة مضللاً. يشير إلى أمثلة عديدة للتواصل والدعم بين الطوائف على المستوى المحلي، لكنها غير مرئية للإعلام الدولي لأن المجازر التي لا تحدث لا تصنع عناوين الأخبار.

من النقاط القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص ذاته، هو تأكيد المؤلف على أن مسؤولية الفوضى لا تقع على النظام فقط، بل يتحمل المجتمع الدولي أيضاً جزءاً من المسؤولية بسبب سياسة عدم التدخل التي سمحت للقوى المتطرفة بالتقوي بينما تُركت القوى المدنية والمعتدلة لتواجه الموت على أيدي النظام أو الميليشيات الإسلامية. هذه المقاربة تثير تساؤلاً حول ما إذا كان "عدم التدخل" هو الخطأ الوحيد، أم أن طبيعة التدخل نفسه كانت جزءاً من المشكلة، وهو نقاش يتركه الفصل مفتوحاً.

2.The Alawite Dilemma (Homs 2013)11–26▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل المعضلة التي تواجه العلويين في مدينة حمص وريفها خلال صيف 2012، حيث يقدم إجابةً أساسية مفادها أن دعم العلويين للنظام ليس نابعاً بالضرورة من الولاء له، بل من شعور عميق بالخطر الوجودي، واعتمادهم الاقتصادي على مؤسسات الدولة، واستراتيجية النظام القاضية بتعبئة المجتمع طائفياً لضمان بقائه. يخلص الفصل إلى أن المجتمع العلوي في حمص يجد نفسه في مأزق لا يمكنه فيه معارضة النظام بفعل هذه الضغوط، حتى وإن لم يؤيده الكثيرون.

يبدأ الفصل بتأكيد هشاشة وضع العلويين في حمص مقارنة بنظرائهم على الساحل، مستخدماً شهادات متنوعة. يشرح العقيد سالم، وهو ضابط علوي من الريف، دوافعه للبقاء في الجيش قائلاً: “نعتمد على النظام اقتصادياً، ولكننا نعتمد عليه أيضاً من أجل سلامتنا”. يرى سالم أن بقاء النظام يمثل survival (بقاء) العلويين، وخاصة في الريف، معتبراً أن أي إطاحة به ستجعل سوريا “خطيرة جداً”. يوضح أن دور الجيش بالنسبة له منذ آذار 2011 هو حماية “الوطن” و”السلم الأهلي”، واصفاً المعارضة بأنها “إرهابيون” و”عصابات مسلحة”. هذا الموقف يبرز الوظيفة المزدوجة للجيش كمصدر رزق ودرع أمان.

ينتقل الفصل إلى فكرة التمايز داخل المجتمع العلوي نفسه، مسلطاً الضوء على شعور علويي الريف (الداخل) بأنهم أقل حظوة من علويي الساحل (الساحل). يروي أبو أيمن، وهو مقدم سابق في الجيش، كيف أن انتماءه العشائري منعه من الوصول إلى مناصب عليا على الرغم من كونه من الساحل أيضاً، مما اضطره للاستقالة بعد 20 عاماً من الخدمة. هذا التمييز الداخلي، الذي تعززه المخابرات التي يهيمن عليها علويو الساحل، يخلق شعوراً بالغبن، لكن الأزمة الحالية فرضت تماسكاً جماعياً جديداً في مواجهة الخطر المشترك.

يصف الفصل بوضوح اللحظة الفاصلة التي حوّلت الأزمة إلى صراع طائفي، وهي مقتل العميد أبو تلوي ونجليه وابن أخيه في نيسان 2011. يوضح الفصل كيف استغلت وسائل الإعلام الرسمية الحادثة، ببث صور الجثث المشوهة والجنازات، مما أثار موجة من الخوف والغضب بين العلويين، ودفعهم نحو دعم النظام. هذا الحدث، إلى جانب تزايد عمليات الاختطاف والقتل على أساس طائفي، قاد إلى تدهور حاد في العلاقات مع السنة وخلق مناخاً من انعدام الثقة.

يستكشف الفصل ظاهرة الشبيحة كنموذج لتعبئة المجتمع. يشرح تطورهم من “لجان شعبية” تطوعية لحماية الأحياء العلوية، نشأت في ربيع 2011، إلى مليشيات مسلحة جيداً تحت إشراف المخابرات. يوضح الفصل أن دوافع انضمام الأفراد متنوعة: اقتصادية (راتب شهري يبلغ حوالي 15,000 ليرة سورية وفرص نهب)، واجتماعية (الدفاع عن المجتمع والعائلة)، وأيديولوجية (العداء للسلفيين، والانتقام). يصف الفصل أن هؤلاء الشبيحة، الذين تتراوح خلفياتهم من مزارعين إلى عاطلين عن العمل، يرون في أنفسهم قوة تحمي وجود الطائفة، ويبررون عنفهم بقصص “مذابح” مزعومة بحق العلويين، معتبرين أنفسهم في حالة حرب وجودية.

يوغل الفصل أعمق في ضيق الخيارات أمام العلويين العاديين عبر شهادات متعددة. يصف فادي، وهو شاب علوي كان متحمساً للثورة في بدايتها، كيف تراجع عن مشاركته بعد أن رأى عنف الأجهزة الأمنية وسمع هتافات “جهاد” من المآذن، مما جعله يخشى على حياته وحياة أخيه في الجيش. يوضح قوله: “لا أدعم بشار الأسد، لكنني لا أستطيع معارضته بنشاط، لأنني خائف على أخي وعلى نفسي”. هذه الحالة من “الفخ العلوي”، حيث يرفض الفرد النظام ويخاف من المعارضة، تختصر معاناة العديد من المدنيين.

يختتم الفصل بمناقشة الاختطافات كآلية رئيسية لتعميق الانقسام الطائفي وإعادة ترسيخ التماسك الداخلي. يصف ثلاثة أنواع من الاختطاف: بدافع طائفي عدائي، وانتقامي، وفدية. ويبين كيف أن عمليات تبادل المختطفين أصبحت تتم عبر مكاتب عقارية تحولت إلى مراكز عمليات للشبيحة والمخابرات. أخيراً، يؤكد الفصل أن مفهوم “المجتمع العلوي” في حمص ككيان واحد هو نتاج الأزمة الحالية، وأن استراتيجية النظام التي تقوم على توريط المجتمع بأكمله من خلال “عسكرته” (إشراك عائلات بأكملها عبر الجيش والمخابرات) نجحت في تقليص خيارات علويي حمص بشكل كبير، وحصرتهم في دعم النظام كخيار وحيد للبقاء، حتى لو كان ذلك على مضض، مما يطرح تساؤلات مفتوحة حول مستقبل هذه التماسك القسري بعد زوال الأزمة.

3.A Government City" amid Raging Conflict (Tartous 2013)27–38▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على مدينة طرطوس الساحلية السورية خلال عام 2013، أي في ذروة الحرب الأهلية. يقدم المؤلف إجابة واضحة عن السؤال المحوري: ما حقيقة هذه المدينة التي تظهر وكأنها جزيرة سلام وسط العاصفة؟ يرفض الفصل التفسير السائد في الإعلام الدولي بأن طرطوس هي محاولة لبناء "دولة علوية" على الساحل، ويقدم بدلاً من ذلك تفسيراً أكثر تعقيداً: طرطوس هي "مدينة حكومية" (government town) بامتياز، أي نسخة مصغرة من سوريا ما قبل الأزمة، حيث يظل النظام وهيمنته وإيديولوجيته حجر الزاوية، وليس الهوية الطائفية.

يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه الصورة. يبدأ بتأكيد أن طرطوس لم تشهد أي قتال أو هجمات، لكن هذا الهدوء الظاهري يخفي واقعاً أكثر تعقيداً. ثم يصف كيف تستقبل المدينة منذ نهاية 2011 أعداداً كبيرة من النازحين، أولاً من حمص، ثم من حلب وغيرها. هؤلاء النازحون من خلفيات متنوعة، منهم من يستطيع استئجار شاليهات على البحر ومنهم من يُسكن في مبانٍ حكومية. يُظهر المؤلف أن وسائل الإعلام الرسمية السورية تروّج بلا كلل لصورة طرطوس كمدينة فاخرة ومزدهرة بعيدة عن الاضطرابات، متناقضةً بذلك مع تقارير الإعلام الدولي التي تركز على كونها ملاذاً آمناً للعلويين.

يستخدم الكاتب مجموعة من الأمثلة والأدلة لبناء حجته. يذكر أن العديد من سكان طرطوس الأصليين فخورون بتقديم أبنائهم كجنود في الجيش، معتبرين أنهم يضحّون بأنفسهم من أجل الوطن، وليس من أجل طائفة أو دولة علوية مفترضة. هذا الشعور يتجسد في شخصية هاني، الموظف الحكومي وسائق التاكسي، الذي يشعر بتفوق على العلويين من حمص وحماة، ويعتبرهم السبب في المشاكل. كما يُظهر الفصل دور محافظ طرطوس نزار موسى في إحياء الخطاب القومي القديم، حيث يزور الجرحى ويحضر الندوات مادحاً التضحيات من أجل الأمة، على عكس محافظ حمص الذي لم يعد قادراً على الظهور علناً.

لكن الفصل لا يتوقف عند الصورة السطحية، بل يكشف عن الانقسامات العميقة. يقدم مثالاً على رجل الأعمال فؤاد، وهو علوي من حمص، يروي كيف غيّر صاحب شاليه طرطوسي لهجته الطائفية بمرونة كاملة عندما سنحت له فرصة تجارية: في البداية أكد له أنه لا يؤجر للسنّة، ثم بعد شهر أجرّ لأسرة سنية قائلاً "كلنا سوريون". هذا المثال يوضح كيف تذوب الفروقات الطائفية والمناطقية عندما تكون المصالح التجارية على المحك. وفي الوقت نفسه، يصف الفصل حالة أم رميا من حمص، التي امتلكت شالياً في طرطوس، وتذكر كيف حاول أصحاب الشاليهات والقوى الأمنية تخويف الوافدين الجدد للحفاظ على "جو المدينة"، عبر مكبرات الصوت التي تردد شعارات النظام.

يتعمق الملخص في وصف الكورنيش كمساحة عامة تعكس هذه المعادلة الصعبة: يبدو المكان مزدحماً ومنفتحاً، لكن الفصل يوضح أن كل مجموعة تبقى منعزلة في فقاعتها الخاصة. يذكر مراد، وهو سُنّي من طرطوس ومالك مقهى، أنه يرفض أن يأتي الوافدون الجدد بأفكارهم وآرائهم، بل يجب أن يعيشوا كما يعيش أهالي طرطوس. هذا التشدد في الحفاظ على الأجواء يدفع النازحين، مثل حكيم القادم من قلعة الحصن، إلى إعادة بناء شبكاتهم الاجتماعية القديمة في طرطوس، بل والزواج من امرأة من بلدته الأصلية، مما يعيد إنتاج الانقسامات السابقة في مكان جديد. يصف الفصل ذلك بأنه "نقل القرى والعادات والتقاليد إلى منطقة الشاليهات".

يقدم الفصل أيضاً أمثلة على الاقتصاد الهش للمدينة. يذكر صاحب مغسلة من حمص يدعى مهند، استثمر مع شريكه حوالي 100,000 دولار أمريكي في مشروعه، لكن آماله المالية لم تتحقق، وغادر شريكه البلاد. والأهم من ذلك، يكشف مهند عن حالة من البارانويا الطائفية، حيث يخشى من موظفه السُني الذي ينحدر من إدلب، رغم أن هذا الموظف يستخدم خطاب النظام بالكامل (مثل وصف المعارضين بـ "الإرهابيين")، مما يثير شكوكاً إضافية بدلاً من أن يبددها. يُظهر هذا كيف أن الصمت والتحايل اللذان يفرضهما الجو العام لا يعززان الثقة بل الانقسام.

يقرّ المؤلف بتحفظات واضحة، أبرزها أن طرطوس ليست مركزاً للسلطة السياسية أو الاقتصادية مثل اللاذقية، وأنها لا تستطيع الانفصال تماماً عن محيطها. كما يترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كان النظام قادراً في الأساس على الإصلاح، مستنتجاً أنه اختار استمرار الصورة القديمة بدلاً من استغلال الفرصة الذهبية التي أتاحتها عزلة طرطوس، مما يطرح تساؤلات حول جموده. أخيراً، يناقش الفصل تعقيد هوية أهالي طرطوس من خلال شخصية دارين، وهي امرأة تربّت في دمشق لوالد كان جنرالاً في المخابرات. تروي كيف سجّلها والدها دمشق كمكان منشأ في بطاقتها الشخصية في الثمانينيات خوفاً على سلامتها، رغم كونه من أبناء الجهاز الأمني، مما يُظهر حالة من التردد والغموض في الهوية الطائفية والمناطقية.

في ختام الفصل، يعود المؤلف إلى دحض فكرة "الدولة العلوية"، مؤكداً أن ما يتم الترويج له في طرطوس ليس العلوية، بل الإيمان الراسخ بالنظام ومؤسساته وإيديولوجية حزب البعث. يخلص الكاتب إلى أن استمرار هذه الانقسامات والممارسات ليس تأكيداً على علوية سوريا، بل هو إعادة إنتاج لنموذج الدولة السورية كما كانت قبل الأزمة، حيث يعمل النظام من خلال الحفاظ على فصل اجتماعي وسيطرة شاملة، وليس من خلال تعزيز هوية طائفية واحدة. إن طرطوس تقدم نفسها كنموذج لما يمكن أن تكون عليه سوريا لو توقف القتال، لكن الفصل يفضح هذا الادعاء ويظهر الهشاشة والانقسامات الكامنة تحت سطح الوحدة المصطنعة.

4.A Static Revolution: The Druze Community (Sweida 2013)39–70▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل «ثورة ساكنة: الطائفة الدرزية (السويداء 2013)» الديناميكيات الفريدة للاحتجاج في محافظة السويداء السورية خلال السنة الأولى من الثورة السورية، مفسّراً السبب الذي جعل هذه المنطقة الدرزية، على عكس مناطق سنّية كبرى كدرعا وحمص، تشهد حركة احتجاجية محدودة وقصيرة الأمد لم تتحوّل إلى انتفاضة شاملة. الإجابة التي يقدّمها المؤلّف هي أن المزيج المعقّد من العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية جعل المجتمع المحلي في حالة شلل، فهو ممزّق بين التعاطف مع المطالب الثورية وبين الخوف الممنهج والولاءات المصلحية والانقسامات الداخلية التي استغلها النظام ببراعة.

يسير الفصل زمنياً وسردياً، بدءاً من اللحظات الأولى لانطلاق الثورة في آذار 2011. يصف كيف أن الذكرى الـ 29 لوفاة القائد المناهض للاستعمار سلطان باشا الأطرش في 26 آذار 2011 كانت فرصة لظهور احتجاج محدود أمام منزله، قوبل فوراً بمسيرة موالية للنظام نظّمها حزب البعث. يشرح المؤلّف كيف استخدم النظام استراتيجية مزدوجة منذ البداية: من جهة، قام بتنظيم عروض استعراضية للولاء في مدينة السويداء (استعراضات لدراجات نارية ومكبرات صوت) لترهيب السكان، ومن جهة أخرى، قامت زيارة مفاجئة للرئيس بشار الأسد في 12 آذار للقرى الفقيرة شرقاً، حصدت استقبالاً حاراً، مما خلق انطباعاً خاطئاً بأن المحافظة معقل للنظام. هذه الزيارة والتقارير الإعلامية المرافقة وُظّفت لترسيخ فكرة أن النظام هو الملاذ الوحيد للأقليات.

ثم ينتقل الفصل إلى العامل الحاسم في توجيه مشاعر السويداء: أحداث درعا. يوضح الكيفية التي استغل بها النظام حادثة تسريب فيديو للشيخ السلفي عبد السلام الخليلي من درعا في منتصف آذار 2011، والذي سبّ فيه الطائفة الدرزية واتهمهم بالردة. هذا الفيديو، الذي بثّه الإعلام الرسمي، أثار حفيظة المجتمع الدرزي وأعاد إحياء مخاوف تاريخية، وجعل جزءاً كبيراً منه ينظر إلى الثورة كخطر طائفي سنّي، وليس كحركة مطالبة بالحرية. ملفتاً، يُقرّ المؤلّف بأنه لا يزال من غير الواضح إن كان الخليلي سلفياً حقيقياً أم عميلاً للنظام، لكن الضرر الذي أحدثه كان هائلاً.

مع ذلك، لم ينعدم الصوت المعارض. يوثّق الفصل جهود النخبة الحضرية والمثقفين، وتحديداً نقابة المحامين، التي أصدرت بياناً في 24 آذار 2011 تضمن مطالب جريئة (كرفع الطوارئ وإطلاق المعتقلين)، ونظّم وقفة احتجاجية في 27 آذار. لكن المؤلّف يوضح أن هذه الاحتجاجات كانت محدودة، نخبوية، وافتقرت إلى الغطاء الشعبي الواسع كما في مدن أخرى. كانت تتألف من تجمعات صامتة لشبان في ساحة الترشان، فرّقها أنصار النظام بسرعة ووحشية أحياناً.

بعد ذلك، يصف الكاتب بالتفصيل محاولات تنظيم مظاهرات أكبر، وكيف كانت تفشل بسبب عوامل متعدّدة يعدّدها الفصل: غياب المساجد (مكان التجمع التقليدي) أدى لصعوبة التنظيم، الخلافات الأيديولوجية القديمة بين الأحزاب اليسارية، و"الخرق الأمني" الداخلي الذي جعل تحركات النشطاء معروفة مسبقاً. ويلفت الانتباه بشكل خاص إلى حادثة 11 كانون الأول 2011 حيث قامت ثلاث شابات باعتصام صامت فردّ المارّة عليهنّ بالشتم والاعتداء، مما أظهر عداء الشارع الواضح للثورة في تلك المرحلة المبكرة.

يكشف الفصل أيضاً عن توتر اجتماعي-اقتصادي خفي بين السويداء وجارتها درعا، يكمّنه حسد وامتعاض ناتج عن التمييز الحكومي في منح تراخيص حفر الآبار الارتوازية، مما جعل زراعة درعا مزدهرة بينما ظلّت السويداء تعتمد على مياه الأمطار. هذا الشعور بالحرمان النسبي، إلى جانب الدعاية الرسمية التي تصف معارضي النظام بأنهم "عصابات مسلحة" و"إرهابيون" مدعومون من الخارج، سهّل على جزء من المجتمع تبني السردية الرسمية.

يتحدّث القسم الأخير من الفصل عن محاولات التدخل الخارجي، وخاصة من قادة لبنان دروز مثل وليم وهاب، الذي اتُهم بتزويد السويداء بالسلاح لتشكيل "شبيحة" موالية للنظام، مما زاد الانقسام الداخلي. في المقابل، كان صوت النخبة المعارضة متمثلاً بـ منتهى الأطرش، ابنة سلطان باشا، التي نددت بقمع النظام، لكنها تعرّضت لهجوم عنيف من الموالين، مما عزّز الشرخ داخل المجتمع.

في ختام التحليل، يُسلّط الضوء على الدور الذي لعبته النقابات المهنية، وخاصة المحامين والمهندسين. نظّم المحانون اعتصامات مفتوحة، وردّ النظام بإرسال "الشبيحة" لمحاصرتهم ومحاولة حرق مبنى النقابة. نجح النظام في إنهاء الأزمة بتقديم "صفقة" مقابل انسحاب المحتجين، مما أظهر استراتيجيته القائمة على الاحتواء الموجّه واستخدام "الشبيحة" كورقة تفاوض. يُشير الفصل إلى أن فعل العنف هذا، رغم وحشيته، كان مضبوطاً بشكل متعمّد لتجنّب سقوط قتلى في السويداء، مما منع الحركة من اكتساب الزخم الشعبي الذي نجم عن القتل الجماعي في مدن أخرى.

بناءً على ما ورد في النص نفسه، تنشأ هنا حجّة قابلة للنقاش: هل كانت الإستراتيجية الأمنية التي انتهجها النظام في السويداء (القمع المحدود والاحتواء، مقابل الفظائع في درعا وحمص) دليلاً على عقلانية باردة ودهاء سياسي أم أنها كانت مجرّد نتيجة لعدم امتلاكه القدرة أو الإرادة لاستخدام القوة المفرطة في منطقة تعتبر ذات رمزية خاصة للأقليات التي يستند إليها؟ ميل المؤلّف إلى تفسير ضعف الانتفاضة هناك كنتاج لسياسة واعية ومحسوبة من النظام، وهو ما يبقى استنتاجاً مفتوحاً للنقاش.

5.Attitudes of Christians in the Syrian Capital (Damascus 2013)71–89▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل مواقف المسيحيين في دمشق خلال العام 2013، أي بعد عامين تقريباً من اندلاع الثورة السورية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن المسيحيين في دمشق انقسموا بين مؤيد للثورة ومعارض لها أو خائف منها، لكن الغالبية العظمى منهم، بتأثير من عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية، انحازت إلى النظام السوري أو التزمت الحياد خوفاً على بقائها. ويُظهر الفصل كيف استغل النظام هذه المخاوف العميقة لجرّ المسيحيين إلى صفه، مستخدماً إياهم كورقة في الصراع.

يبدأ الفصل بتقديم خلفية تاريخية عن وجود المسيحيين في سوريا، مشيراً إلى أن نسبتهم قُدّرت بـ 30% من السكان في دمشق أوائل القرن العشرين، لكنها انخفضت بشكل حاد بسبب موجات النزوح والهجرة المتتالية. يذكر الفصل مجازر كبرى طالت المسيحيين تاريخياً، مثل مجزرة 1860 في دمشق، ومجازر العثمانيين بحق الأرمن عام 1915، ومجزرة سيفو بحق الآشوريين والسريان والكلدان بين 1914 و1920. هذه الذاكرة الجماعية للألم، كما يوضح الفصل، جعلت المسيحيين أكثر عرضة للخوف وأكثر تعلقاً بأي نظام يعدهم بالحماية، حتى لو كان دكتاتورياً. الهجرة تكررت أيضاً بعد انهيار الوحدة مع مصر (1958-1961) وبعد صعود حزب البعث عام 1963، مما دفع المسيحيين للانسحاب من الحياة العامة والتوجه نحو الأعمال التجارية الخاصة التي ضمنت لهم ثراءً وبعداً عن السياسة.

بالانتقال إلى الواقع الاجتماعي في دمشق عام 2013، يصف الفصل نمط عيش المسيحيين المنعزل في أحيائهم التقليدية مثل باب توما وباب شرقي والقصاع، حيث يفضلون الزواج داخل المجتمع ويصرّون على إرسال أطفالهم إلى مدارس مسيحية أو تابعة للكنائس. ويورد الفصل على لسان شخصيات عدة أن هذه العزلة هي "غريزة البقاء". يُظهر الفصل أيضاً ضعف تأثير الكنيسة الروحي على أبنائها، حيث يقتصر دورها على النشاطات الاجتماعية والكشفية، وتتضاءل المشاركة في القداسات. هناك فجوة واضحة بين الجيل الأكبر الذي يلتزم بالكنيسة شكلياً، والجيل الأصغر الذي يراها مؤسسة اجتماعية لا أكثر. ينتقد بعض المسيحيين، مثل المحامي سالم، رجال الدين لارتباطهم الوثيق بالنظام ولعبهم دوراً شبيهاً بضباط المخابرات.

يكرّس الفصل قسماً كبيراً لتحليل الخوف من الثورة. يشرح كيف زرع النظام لعقود فكرة أن أي تغيير سياسي سيؤدي إلى صعود الإسلاميين المتطرفين الذين سيقضي على المسيحيين، مستغلاً أحداث حماه في الثمانينات. هذا الخوف تجلّى بوضوح في يوم الجمعة العظيمة في 22 نيسان 2011، حين خرجت مظاهرات سلمية باتجاه ساحة العباسيين قرب الأحياء المسيحية. يصف الفصل من وجهة نظر شهود كيف انتشرت إشاعات بأن "إرهابيين" قادمون لاحتلال القصاع، مما دفع السكان إلى إغلاق متاجرهم والاختباء. يروي أحد النشطاء المسيحيين، سالم، كيف رأى بأم عينه مسلحين من "الشبيحة" يطلقون النار، بينما كان السكان يعتقدون أن المظاهريين هم المعتدون. هذه الحادثة كانت نقطة تحول حاسمة، حيث صدّق معظم المسيحيين رواية النظام واعتبروا الثورة تهديداً وجودياً.

يتناول الفصل بعد ذلك الدور العلني للقيادات الكنسية. ففي 29 آذار 2011، أصدر مجلس الأساقفة في دمشق بياناً وصف الوضع بأنه "مؤامرة خارجية بأيادٍ داخلية" وبارك إصلاحات بشار الأسد. وفي 16 حزيران 2011، دعت الكنيسة للصلاة من أجل سوريا في قداس تحول إلى مظاهرة تأييد للنظام في ساحة باب توما، حيث رقص الناس وهتفوا للرئيس. يُظهر الفصل انقساماً حاداً بين النشطاء المسيحيين الذين حاولوا منع هذه المظاهرات أو توزيع منشورات معارضة، وبين الأغلبية المؤيدة. النشطاء واجهوا تهديدات واعتقالات، حتى من قبل جيرانهم. يذكر الفصل أيضاً تعيين داود راجحة وزيراً للدفاع في 8 آب 2011 (وهو أول مسيحي يشغل هذا المنصب)، وكيف فسره البعض كرسالة دعم للمسيحيين، بينما اعتبره آخرون ورقة في لعبة النظام لكسب ولائهم.

مع تصاعد العنف، بدأت حملة تشويه لنشطاء مسيحيين مثل المخرج باسل شحادة من القصاع، الذي قُتل في 28 أيار 2012 أثناء تصويره في حمص. يصف الفصل كيف حاول النظام وصفه بالجاسوس، وكيف رفضت الكنيسة إقامة صلاة الجنازة في البداية خوفاً من مظاهرة. توجّس الجيران واعتدوا على المعزين. يُظهر هذا الحادث كيف تم ترهيب المجتمع المسيحي بالكامل. بعد ذلك، ومع اشتداد المعارك في دمشق صيف 2012، عادت قضية تسليح المسيحيين إلى الواجهة. رغم أن البطريركية أصدرت بياناً في 29 تموز 2012 ترفض حمل السلاح، إلا أن الواقع على الأرض كان مختلفاً، حيث قامت عناصر المخابرات بتوزيع أسلحة على شبان مسيحيين لحماية أحيائهم، معتمدين على الخوف من "الغزو الوهابي".

في الجزء الأخير، يصف الفصل كيف أن هجوم معلولا (إحدى أقدم القرى المسيحية) في خريف 2013، والذي صادف بعد استخدام الأسلحة الكيميائية، دفع معظم المسيحيين المترددين إلى احتضان النظام بشكل كامل. اعتبر العديد منهم أن الهجوم دليل على أن الثورة تستهدف المسيحيين تحديداً. يُنهي الفصل بمشاهد من حوارات مع مسيحيين دمشقيين في تلك الفترة، يعبّرون عن موقف متناقض: بعضهم يعلم أن النظام "إجرامي" ولكنه "أهون الشرين" أمام خطر الإسلاميين، بينما يأمل آخرون في نجاح الثورة ويرون أن المسيحيين لن يعاقبوا على أساس طائفي.

حجج قابلة للنقاش: يقدم الفصل نفسه مادة للنقاش حول مسؤولية القيادات الكنسية في دفع مجتمعاتها نحو الاصطفاف مع النظام، مستخدمة خطاب الخوف. كما أن التركيز على "الذاكرة التاريخية" كعامل حاسم في تشكيل الموقف يُظهر كيف تستخدم الجماعات ذاكرة المظلومية لتبرير خيارات سياسية آنية، وهو أمر ممكن أن يُقرأ كحجة ضعيفة أمام جرائم نظام بات واضحاً. النص يلمح أيضاً إلى أن موقف الأغلبية المسيحية لم يكن اختياراً حراً بقدر ما كان نتاج خوف ممنهج، وهو ما يطرح تساؤلاً حول جدوى أي موقف سياسي تحت ديكتاتورية أمنية شاملة.

6.Tension in the Christian Valley (Wadi al-Nasara 2013)90–101▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل التوتّرات الطائفيّة والسياسيّة في وادي النصارى عام 2013، ويقدّم إجابة أساسيّة مفادها أن مسيحيي الوادي، على الرغم من تنوّع انتماءاتهم السياسيّة، تحالفوا في النهاية مع النظام السوري ودعموا ميليشياته المحليّة (الشبيحة) بدافع الخوف من سقوط النظام وحماية هويّتهم المسيحيّة، حتى وإن كانوا يدركون فساد النظام واستبداده. يخلص الفصل إلى أن المجتمع المسيحي في الوادي أصبح ملحقاً فعلياً بالمجتمع العلوي، ويتوقّع أن يصبح جزءاً من دولة علويّة في حال تقسيم سوريا.

يبدأ الفصل بعرض الخصائص الاجتماعيّة والاقتصاديّة للمنطقة. وادي النصارى منطقة مسيحيّة في الغالب، تشتهر بارتفاع مستويات التعليم وملكيّة الأراضي، وتحوّلت من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد يعتمد على السياحة والوظائف الحكوميّة، وخاصّة التدريس. لعب التعليم دوراً محورياً في صعود مكانة المنطقة، حيث يُذكر أن بلدة مرمريتا وحدها كان بها ثلاث مدارس ثانويّة في الخمسينيّات. كما يُظهر الفصل وجود عصبية دينية قويّة، حيث يرفض بعض السكان بيع أو تأجير العقارات للمسلمين للحفاظ على "الطابع المسيحي" للمنطقة، مع وجود استثناءات قليلة لبعض العائلات التي تتعامل مع الجميع.

ينتقل الفصل إلى الخريطة السياسيّة للوادي، ويوضّح أن القوى السياسيّة التقليديّة هي الحزب الشيوعي، الحزب السوري القومي الاجتماعي (SSNP)، وحزب البعث. انقسم الحزب الشيوعي في قرية حب نمرة بين تيّار رياض الترك وتيّار خالد بكداش، حيث اختارت الأغلبيّة تيّار الترك المعارض للنظام، ممّا أدّى إلى حملات قمع ضدّهم في الثمانينيّات. في المقابل، انحاز الحزب السوري القومي الاجتماعي في الوادي إلى النظام بعد اندلاع الثورة، مستلهماً من زعيمه بشر اليازجي، رغم معارضة أوليّة من بعض الأهالي الذين اعتبروا ذلك انخراطاً في مشاكل غير ضروريّة.

يُركّز القسم الأكبر من الفصل على تحليل ظاهرة الشبيحة في الوادي ودور بشر فؤاد اليازجي كممثل للسلطة الفعلي. يوضح الفصل كيف تحوّلت "اللجان الشعبيّة" التي تأسست لحماية الأحياء إلى ميليشيا الشبيحة. ازداد قبول هذه الميليشيا بين الناس تدريجياً بعد أحداث الحصن (قرية مجاورة ذات أغلبية سنيّة) وأحداث حمص، حيث بدأ السكان يرون فيهم حماة من تهديدات "المعارضة المسلّحة" و"الإرهابيّين". كما قدّم الانضمام إلى الشبيحة بديلاً أقل خطورة من التجنيد الإجباري في الجيش السوري والقتال في معارك مثل حلب.

يشرح الفصل التوتّرات مع قرية الحصن (أو الحصن)، وهي القرية الوحيدة ذات الأغلبيّة المسلمة في قلب الوادي. تفاقمت التوتّرات بعد هجوم مسلّحي المعارضة على مركز الشرطة في الحصن في 8 فبراير 2012، والذي أسفر عن مقتل ثلاثة ضباط علويين. تبع ذلك اختطاف وليد بيطار (مشتبه به في الهجوم) وحرقه، وإطلاق النار من قبل الشبيحة على سيارة مما أدّى إلى مقتل امرأة مسيحية (رولا ابراهيم). على الرغم من اجتماع وجهاء الطائفتين لتهدئة الأوضاع، إلا أن توغّل مسلّحين مثل "الشيخ ماجد" (الذي اكتُشف لاحقاً أنه لبناني يعمل لصالح النظام) في الحصن لزرع بذور الفتنة، أدّى إلى اشتعال التوتّرات مجدّداً ونزوح مسيحيين من المنطقة. يبقى سكّان الوادي يتحمّلون أهالي الحصن مسؤولية الأذى الذي يصيبهم، رغم تأكيد بعض الثوّار في الحصن أن الصواريخ التي أصابت قرية مسيحية أطلقها الشبيحة أنفسهم بالخطأ.

في خضمّ هذه التطوّرات، انتقلت السلطة العمليّة من الشرطة إلى الشبيحة، وأصبحت الطلبات ترفع إلى بشر اليازجي. يصف الفصل كيف أن الشبيحة، رغم مبالغتهم في التهديدات لتبرير وجودهم، يُعاملون أهالي المنطقة القدامى بشكل أفضل من النازحين الجدد، وأنهم يتسامحون مع المعارضين غير "العلنيين" و"المؤذين" حفاظاً على مصالحهم في حال تغيّر موازين القوى.

أخيراً، يستعرض الفصل نتائج استبيان أُجري حول مستقبل الوادي. يُظهر الاستبيان أن غالبية المستطلعة آراؤهم (عددهم 84 شخصاً) يعتقدون أن سوريا تتّجه نحو التقسيم الطائفي، وأن وادي النصارى سيصبح جزءاً من دولة علوية. عند اختيار بديل، أبدى %62 تفضيلهم للانضمام إلى لبنان على إنشاء دولة مسيحية مستقلّة. يعكس هذا ميلاً لتأكيد الهويّة الدينية على الهويّة الوطنيّة السوريّة. يستنتج الفصل أن مسيحيي الوادي، رغم إدراكهم لاستبداد النظام، يدعمونه خوفاً من بديل إسلامي سنّي أو سلفي، ويعتبرون النظام "الأقل سوءاً" ويشعرون بقربهم من العلويين بسبب القواسم الاجتماعيّة المشتركة (كتناول الكحول وعدم ارتداء الحجاب). إن عدم ثقتهم بالمجتمع الدولي، المستوحى من مصير مسيحيي العراق بعد سقوط صدام حسين، عزّز هذا الموقف المحافظ.

7.Ismailis: a Minority-Majority in Syria (Salamiya 2014)102–113▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل حالة الطائفة الإسماعيلية في مدينة سلمية السورية خلال العام 2014، معتمداً على اعتبارها نموذجاً مصغراً للصراع السوري الشامل. يطرح الكاتب فكرة أن النظام السوري، بقيادة حزب البعث، هو المسؤول الأول عن تحويل المجتمع السوري من مجتمع متنوع إلى مجتمع طائفي، وليس الاختلافات الدينية أو المذهبية الجوهرية. يقدم الفصل أدلة على أن النظام استخدم الأقليات، ومنها الإسماعيليون، كأداة لتكريس سلطته، عبر نشر الخوف من الأغلبية السنية، وتقديم نفسه كحامٍ وحيد لهذه الأقليات، وهو ما أدى إلى شرخ عميق في النسيج الاجتماعي.

يبدأ الفصل بتأسيس سياق تاريخي، مشيراً إلى تشكيل اللجنة العسكرية السرية في عام 1960 من قبل ضباط بعثيين علويين في مصر، بهدف الاستيلاء على السلطة. يوضح الكاتب كيف تمكن حافظ الأسد من تركيز السلطة في يد الأقلية العلوية، عبر إزاحة أي منافسين، مثل صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، واعتقالهم. يصف الفصل حركة التصحيح التي قام بها حافظ الأسد على أنها مجرد واجهة لإحلال مصلحة طائفة صغيرة محل المصلحة الوطنية. هذا الاستبعاد الفعلي للسنة من مراكز القوى في الجيش والمخابرات، منح النظام هوية طائفية، تجلت بوضوح في مواجهة الإخوان المسلمين في حماه عام 1982، وما تلاها من حملات قمع شملت اليساريين والكتّاب، وكثير منهم كانوا من سلمية.

ينتقل الفصل إلى وصف الاحتجاجات السلمية في سلمية، التي بدأت في 15 مارس/آذار 2011، والتي كانت مفاجئة نظراً لكون المدينة ذات أغلبية من الأقليات. يصف الكاتب كيف أن الاحتجاجات لم تكن مجرد مواجهة بين متظاهرين والنظام، بل اتخذت بُعداً مجتمعياً مدنياً. يكشف الفصل عن سياسة النظام الانتقائية؛ حيث كان يتم اعتقال خمسة متظاهرين في سلمية في يوم جمعة، في حين كان يسقط مئة شهيد في حماه المجاورة. يذكر الكاتب شهادة ضابط منشق أكد تلقيه أوامر من مسؤول أمني كبير بتجنب إيذاء أي متظاهر في سلمية، بينما يأمر في الوقت نفسه بقتل المتظاهرين في حماه في نفس اليوم.

يوضح الفصل الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة التفضيلية. أولاً، كانت سياسة النظام تهدف إلى تحييد الأقليات عبر نشر الخوف من التطرف السني، وهو ما عبر عنه الكاتب ياسين الحاج صالح بقوله إن النظام يخبر المسيحيين والدروز صراحة أنه يحميهم من هجوم المتعصبين السنة. ثانياً، أدى تهميش المناطق الريفية السنية، التي شكلت أحزمة الفقر، إلى دفعها للثورة، بينما حاول النظام استمالة الأقليات. هذا التقسيم المتعمد للمجتمع إلى أقلية مؤيدة للنظام وأغلبية سنية معارضة، قوض الانقسام الطبيعي بين مؤيد ومعارض للنظام، وجعل الحل السلمي مستحيلاً بعد عسكرة الثورة ووصفها بمؤامرة إسلامية.

يتناول الفصل بالتفصيل تطور الأحداث وتصاعد العنف في سلمية. فبعد أن بلغت الاحتجاجات ذروتها بـ 17,000 متظاهر في يوليو 2011، أدى موجة غير مسبوقة من الاعتقالات في أغسطس 2011، وتدفق النازحين من حماه وحمص، إلى إحباط الحماس الثوري. يصف الفصل كيف بدأت الخلافات تظهر بين قادة المعارضة، حيث طالب متشددون باستخدام القوة، بينما تمسك آخرون باللاعنف. وفي الوقت نفسه، انتشرت الجماعات المسلحة في الضواحي، بعضها تابع للجيش السوري الحر، والبعض الآخر يعمل لأغراضه الخاصة، مما ساهم في إثارة الفتنة والانقسام داخل العائلات والمجتمع.

يقدم الفصل أمثلة مروعة على تصاعد العنف الطائفي. يذكر حادثة اختطاف مظهر حمدو، وهو مسؤول كبير في حزب البعث من أبناء سلمية، في صيف 2012، وكيف قام بعض معارضي النظام بالدفاع عن عملية الاختطاف حتى بعد دفع فدية كبيرة، لأنها كانت تستهدف موالياً للنظام. وفي 21 يناير/كانون الثاني 2013، فجّرت سيارة مفخخة مصنع السجاد في سلمية، والذي كان مقراً للشبيحة، مما أدى إلى تدميره وتدمير مبانٍ مجاورة، وسقوط عشرات القتلى بينهم مدنيون وأطفال حديثو الولادة في المستشفى الوطني. أعلنت جبهة النصرة مسؤوليتها عن التفجير، بينما اتهم الائتلاف الوطني لقوى الثورة النظام بالوقوف وراءه لإشعال الفتنة. في 11 أغسطس/آب 2013، انفجرت ثلاث قنابل في وسط سلمية، مما أسفر عن مقتل 13 مدنياً، وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مسؤوليته عنها.

يسلط الفصل الضوء على حالة الانقسام والارتباك داخل المجتمع الإسماعيلي نفسه. يصف كيف أن بعض الأشخاص، حتى من النشطاء المعارضين، انقلبوا ليصبحوا مسلحين يقاتلون إلى جانب النظام، مبررين ذلك بالقول: "إذا كان عليّ الاختيار بين النظام والإسلاميين، فسأختار النظام." في المقابل، هناك من كان مؤيداً للنظام ثم انقلب ضده. يُظهر الكاتب كيف أن خطابات الإمام آغا خان، الذي يمتنع عن إصدار بيانات سياسية واضحة، تُفسر بشكل متضارب من قبل مؤيدي ومعارضي النظام. هذا التشويش والتنقل بين المعسكرين يعكس هشاشة الوضع وتأثير السياسة الطائفية للنظام الذي يمتلك أدوات الإغراء المالي والسلطوي.

يختتم الفصل بتحليل أوسع للوضع في سوريا، حيث يصف كيف تحولت أحياء الأقليات، وخاصة العلوية، إلى كانتونات خاصة محصنة، في تناقض صارخ مع الأحياء السنية المدمرة، كما في مدينة حمص. يرى الكاتب أن المجتمع السوري أصبح "مجتمعاً مفخخاً طائفياً"، وأن النظام استخدم الأقليات كورقة ضغط، واصفاً نفسه بـ "حامي الأقليات"، بينما يُنظر إلى الأغلبية السنية بارتياب كهدف للانتقام. يخلص الفصل إلى أن سوريا أصبحت دولة مختلفة، حيث تعيش مجموعتان منفصلتان: مجموعة في منطقة مدمرة وأخرى في منطقة آمنة نسبياً، وأن مصير الأقليات أصبح مرتبطاً بمصير النظام، مما يجعل أي تغيير سياسي يثير مخاوف وجودية لديهم.

في النهاية، يقدم الفصل صورة قاتمة، متجنباً إصدار أحكام أخلاقية صريحة، لكنه يبني حجة قوية مفادها أن النظام، باستخدامه للسياسة الطائفية، هو المهندس الحقيقي للانقسام المجتمعي والدمار الشامل، بينما يقع أبناء الأقليات، مثل الإسماعيليين في سلمية، في مأزق وجودي بين دعم نظام قمعي أو المجازفة بمستقبلهم في وجه تغيير غير مضمون.