المورد
زقاقيات دمشقية

زقاقيات دمشقية

سعاد جروس١ كانون الثاني ٢٠١١arRiad El-Rayyes Books S.A.L.

ملخص كتاب "زقاقيات دمشقية" لسعاد جروس

الموضوع المحوري لهذا الكتاب هو استكشاف الوجه الخفي لمدينة دمشق من خلال أزقتها وحاراتها وأسواقها ومقاهيها وسجونها ومدارسها ومطابخها. تقدم الكاتبة سعاد جروس رؤية متكاملة لمدينة ليست مجرد حجارة وشوارع، بل كيان حي يتنفس التاريخ ويعيش تحولاته الاجتماعية والسياسية والثقافية. الكتاب يدافع عن فكرة أن دمشق ليست المدينة الساحرة في المتخيل الشعبي فحسب، بل هي مسرح يخبئ تاريخه في الكواليس، حيث تتداخل الخرافة بالحقيقة، والفقر بالطرافة، والنضال بالخيانة، والماضي بالحاضر في نسيج معقد لا يمكن فك اشتباكه بسهولة.

يسير الكتاب وفق منطق تنقل القارئ عبر أزقة المدينة وزمنها، مبتدئاً بالأسماء الغريبة للأماكن التي تحمل في طياتها حكايات تاريخية وشعبية، لينتقل بعدها إلى الأساطير التي نسجها العامة حول شخصيات دينية كبرى كالشيخ محيي الدين بن عربي. ثم يأخذ القارئ في جولة تاريخية اجتماعية عبر حارة اليهود التي تحولت إلى حي الأمين، وعبر المهن التي اندثرت وسجلها قاموس الصناعات الشامية. من هنا، ينتقل الكتاب إلى الظواهر الصوتية والحسية كنداءات الباعة الجوالين التي كانت تملأ الأزقة، وصولاً إلى مرثية نهر بردى الذي كان شريان الحياة ثم تحول إلى مجرى ملوث. تتسع الرقعة بعد ذلك لتشمل الخط الحديدي الحجازي كمشروع طموح تعثر، والمطبخ الدمشقي كمرآة للتحولات الاجتماعية، ثم مدارس العاصمة التي صنعت النخبة الوطنية كـ"مكتب عنبر" و"المدرسة المحسنية". ينتقل الكتاب بعدها إلى سجن المزة الذي تحول إلى رمز لدورة العنف السياسي، وأخيراً إلى مقاهي دمشق التي عكست تطور المدينة من فضاءات سياسية إلى منصات استهلاك.

من الأرقام والوقائع اللافتة التي يقدمها الكتاب، نذكر أن عدد يهود سورية قبل 1948 كان نحو 70,000 نسمة، غادر منهم نحو 3,000 عام 1991 بعد مبادرات السلام، ولم يبقَ في دمشق سوى نحو 50 شخصاً يتوزعون على 27 كنيساً لم يعد يُفتح منها إلا 5. وفي المدارس، نجد أن مكتب عنبر تحول من قصر للتاجر اليهودي يوسف عنبر بتكلفة تجاوزت أربعين ألف ليرة عثمانية سنة 1871، إلى مدرسة ثانوية حكومية شهدت أول إضراب طلابي في سورية عام 1915. أما المدرسة المحسنية التي أسسها العلامة محسن الأمين سنة 1287 هـ، فقد ضمت في أحد بياناتها 151 طالباً منهم 93 مجاناً، أي أن أكثر من نصف الطلاب كانوا يتلقون التعليم مجاناً. في سجن المزة، نجد تفاصيل مروعة عن زنزانة "الطومبو" التي يبلغ طولها مترين وعرضها 80 سنتيمتراً وارتفاعها 4 أمتار، دون أي مرافق صحية. أما الخط الحديدي الحجازي فقد استغرق بناؤه 8 سنوات من 1900 إلى 1908، بتكلفة تجاوزت 3 ملايين ليرة عثمانية ذهبية، تبرع السلطان عبد الحميد منها بـ300 ألف، وشاه إيران بـ50 ألف، وتألفت 111 جمعية للتبرع في الهند وحدها.

يقّر الكتاب في مواضع عدة بحدوده وتحفظاته، فيعترف بأن كثيراً من تفسيرات أسماء الأزقة لا تستند إلى مستند تاريخي موثق، كتسمية "زقاق البرص" أو "زقاق الولاويل". كما يقر بصعوبة الفصل بين التاريخ والخرافة في الأساطير المحيطة بالشيخ محيي الدين بن عربي، مشيراً إلى أن العامة يخلطون بين ابن عربي الصوفي وابن العربي الفقيه، ويعتقدون خطأً أنه قُتل شهيداً كالحلاج بينما يثبت التاريخ أنه مات هرماً. في فصل حارة اليهود، يعترف الكتاب بموقف العلامة محسن الأمين المعقد حين رفض استقبال الحاخام الأكبر لأنه رأى أن كل يهودي هو صهيوني، لكنه لا يعمم هذه الرؤية مشيراً إلى وجود من كان يفرق بين اليهود الذين لم يرضوا عن إسرائيل وغيرهم. أما في فصل نهر بردى، فيترك الكتاب السؤال مفتوحاً: هل لا يزال القول "لولا بردى لما كانت دمشق" صحيحاً، أم أن المقلوب صار هو الصحيح: "لولا دمشق لما مات بردى"؟

يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش. أولها الفكرة التي يطرحها في الفصل الأول بأن "الدمشقة" أو اللباقة المبالغ فيها هي التي أنتجت الأسماء الطريفة للأزقة، وهو تعميم ثقافي قد لا ينطبق على كل الحالات، خاصة تلك التي تحمل دلالات سلبية تعكس الفقر والأمراض. ثانياً، الربط السببي المباشر في فصل المقاهي بين الانفتاح الاقتصادي في العقد الأخير واختفاء السياسة من المقاهي قد يكون تبسيطاً مفرطاً لعلاقة معقدة بين عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية. ثالثاً، في فصل المطبخ، نجد فكرة أن المطبخ "قطبة مخفية" في المؤسسة الأسرية تبدو مثيرة للاهتمام لكنها قد تبالغ في مركزية الطعام كعامل رابط في الأسرة المعاصرة التي تتفكك بعوامل أخرى. رابعاً، في فصل المهندي الحجازي، يمكن مناقشة ما إذا كان سبب فشل الخط يعود بالدرجة الأولى إلى السياسات الاستعمارية والصراعات العربية، أم إلى عيوب متأصلة في جدواه الاقتصادية، خاصة مع بقاء معظم خطه معطلاً حتى في أوج ازدهاره.

المفارقة المركزية التي تطل من كل فصول الكتاب هي أن دمشق مدينة لا يمكن فهمها إلا من خلال أضدادها: هي "جنة الأرض" وفي حاراتها فقر وبؤس، هي مدينة التقديس الديني وفي أزقتها أسماء تحمل دلالات سلبية، هي منبع الوطنية والمقاومة وفي سجونها تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية، هي مدينة الأنهار والبساتين ونهرها يموت اختناقاً بالتلوث. الكتاب لا يقدم إجابات قاطعة، بل يفتح نوافذ على تعقيد مدينة لا تزال تحتفظ في حجارتها وأزقتها بذاكرة ترفض الموت رغم محاولات الإهمال والتحديث العشوائي.

الفصول(14)

4.غرائب وطرائف: أسماء أماكن دمشقية23–38▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو استكشاف الأسماء الغريبة والطريفة للأماكن في دمشق، وكيف أن هذه الأسماء ليست مجرد تسميات عابرة، بل هي مفاتيح لعوالم أوسع من التاريخ والتراث الشعبي والحكايات. يقدم الفصل فكرة أن اسم المكان في دمشق يحدد ماهيته، ويمثل بوابة للدخول في عالم من الاشتقاقات اللغوية والتاريخ والألقاب، مما يمنح المدينة خصوصية روحية وإنسانية. يسعى الفصل إلى الإجابة عن سؤال كيف تعكس هذه الأسماء، رغم غرابتها وسلبيتها أحيانًا، طابع المدينة وتاريخها وروح سكانها.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءًا من الحديث عن ألقاب دمشق عبر التاريخ، مثل "قاعدة سورية المجوفة" التي أطلقها الإمبراطور الروماني يوليانوس، و**"حاضرة الروم وبيت ملكهم"، و"حصن الشام"، و"فسطاط المسلمين"، و"باب الإسلام"، و"جنة الأرض"، و"الفيحاء"، و"ذات العماد"** التي يعتقد البعض أنها "إرم ذات العماد" المذكورة في القرآن. يُشير الفصل إلى أن هذا التقديس لمكانتها الدينية جعل الكثيرين ممن قصدوها يغضون الطرف عن البؤس والفقر في حاراتها. ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تسمياتها القديمة مثل "رأس الشام" في العهد الآرامي، ومدينة "نعمان الأبرص الآرامي"، و**"بيت رمون"** نسبة إلى هيكل الإله رمون، و**"جيرون"** أو "حصن جيرون"، و**"ديمترياس"** نسبة للجالية اليونانية، و**"جلق"**.

ثم يتعمق الفصل في أمثلة محددة لأسماء أزقة وحارات غريبة، ويخصص لكل منها حكاية تشرح أصل التسمية. منها زقاق "ما ضيع القرد ابنو" وزقاق "الولاويل" وجامع "التوبة" وحارة "الخمارات". ويشرح كيف أن طرافة هذه الأسماء جزء من طرافة الدمشقي نفسه، المعروف بـ "الدمشقة" وهي اللباقة المبالغ فيها. من الأمثلة المهمة التي يطورها الفصل هو زقاق "البوس" ، حيث يُقال إنه سمي بذلك كناية عن ضيقه وكثرة تعرجاته، ومنطقته كانت تسمى "حارة الكلبة" و**"الجردون"** و**"القطط"**. أما "حارة الزط" فجاءت تسميتها نسبة لجماعة "الزط" وهم من الشعوب الهندوأوروبية، ويروي الفصل المثل الدمشقي الساخر "طلع من بيت الزط مؤذن"، والمفارقة أن هذه الحارة تسمى اليوم "حارة الإصلاح". ثم يتناول "سوق قميلة" الذي ورد ذكره في رسالة "نزهة الرفاق في شرح حال الأسواق" ليوسف بن عبد الهادي في عهد المماليك في القرن التاسع للهجرة، وكان اسمه الأصلي سوق البيمارستان أو سوق برا، وتحول اسمه ليصبح كناية عن البضاعة الرديئة.

يواصل الفصل سرد الحكايات الطريفة لمقاهي دمشق، مثل "قهوة خبيني" التي يعود أصل تسميتها إلى القرن الثاني الهجري واشتهرت في العهد العثماني زمن الاتحاديين، حين كان الشبان يلجأون إليها هربًا من التجنيد الإجباري (السفر برلك) قائلين "خبيني". ومقابلها "قهوة الله كريم" التي كان يرتادها ضباط الجيش العثماني المتقاعدون بعد خلع السلطان عبد الحميد، و**"قهوة خود عليك"** في منطقة الشادروان، التي كانت مزدحمة لدرجة أن الداخل كان يقول "خود عليك" أي وسع لي مكانًا. كما يذكر مقهى "التايبين" الذي استمد اسمه من فيلم "امرأة تسكن لوحدها" حتى هدم لبناء جسر الربوة عام 1975م.

يتطرق الفصل أيضًا إلى الأماكن المرتبطة بالخيال الشعبي مثل "زقاق الجن" الذي أصبح سوقًا لقطع السيارات، وتُعزى تسميته لاعتقاد أن المنطقة كانت مسكونة بالجن، أو لوقوعها على ممر الرياح. و**"حبس الأموات"** وهو زقاق في العمارة الجوانية، كان لقبًا لمدرسة الناصرية الجوانية في عصر عبد القادر بدران، حيث كان يحبس فيها من يموت وعليه دين حتى يسدده الناس. ثم ينتقل الفصل إلى أسماء ذات دلالات سلبية مثل "حارة المزابل" التي يعود تسميتها لأرض خلاء استخدمت لمزابل قصر الأمير عبد القادر الجزائري في أوائل القرن التاسع عشر. و**"حارة القعاطلة"** التي تنسب لبيت نعمان الآرامي الذي أصيب بالجذام وشفي على يد النبي اليشع، وأقيم مكانه مصح للجذام، وقد اشتق اسمها من كلمة عامية تعني القذارة. و**"نهر قليط"** وهو فرع من نهر بانياس كان يحمل النفايات. و**"زقاق البرص"** الذي تعددت تفسيراته بين البورصة والبرص والبوس، دون مستند تاريخي موثق.

أخيرًا، يوضح الفصل أن دمشق لم تخف فقرها بل قدمته بطرافة، ولا تزال تحتفظ بأسماء ذات دلالات جمالية مثل "حارة الورد" و**"الخضرا"** و**"الزيتون"** و**"الرمان"** و**"جناين الورد"** و**"جنينة النعنع"** و**"الفردوس"** و**"الجسر الأبيض"**. ويختتم الفصل بتأمل حول دمشق الحديثة، التي أصبحت مدينة من طراز المدن الكونية، تستوعب الوافدين من كل حدب وصوب، وتجمع بين الماضي والحاضر في نسيج اجتماعي ومعماري معقد، حيث لم تعد دمشق المدينة الساحرة بقدر ما هي الشام المسرح الذي يخبئ تاريخه في الكواليس. ويقر الفصل بأنه رغم التوق إلى الغد، لا يمكن لدمشق التخلي عن ماضيها.

في الفصل، هناك تحفظات ضمنية حول صحة بعض التفسيرات التاريخية للأسماء، حيث يعترف المؤلف بأن كثيرًا من التفسيرات لا تستند إلى مستند تاريخي موثق، مثل تسمية "زقاق البرص" أو "زقاق الولاويل"، مما يترك هذه الأسئلة مفتوحة. كما أن هناك حجة قابلة للنقاش حول فكرة أن "الدمشقة" أو اللباقة المبالغ فيها هي التي أنتجت هذه الأسماء الطريفة، وهي فكرة تعميم ثقافي قد لا ينطبق على كل الحالات، خاصة تلك التي تحمل دلالات سلبية واضحة تعكس الفقر أو الأمراض أو العيوب الاجتماعية.

5.أساطير في رحاب الشيخ محي الدين39–54▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو الأساطير الشعبية التي نُسجت حول شخصية الشيخ محيي الدين بن عربي في منطقة الصالحية في دمشق، وكيف تتفاعل هذه الأساطير مع الواقع اليومي في السوق والجامع والمقام، لتشكل عالماً متكاملًا تلتقي فيه الخرافة بالحقيقة، والحلم بالواقع، وسعي الفقراء بالبركة المأمولة. يقدّم الفصل هذه المنطقة كفضاء شعبي لا تهمه الروعة المعمارية بقدر ما تهمه الحكاية والإيمان بقدرة الشيخ على تحقيق المستحيل، حيث تصبح الأسطورة ملاذاً وعلاجاً وأملاً.

يبدأ الفصل بوصف جغرافي وتاريخي لمنطقة الصالحية، التي تقع على سفح جبل قاسيون. يشرح أنها سُميت بهذا الاسم نسبة إلى جماعة من الصالحين قدموا من القدس واستوطنوا دمشق في العهد الزنكي، ثم انتقلوا إلى الجبل بعد تفشي الطاعون. يشير إلى ثراء المنطقة الحضاري، حيث تضم أكثر من مئة مدرسة تعود للقرنين السابع والثامن، بالإضافة إلى مستشفى القيمري الذي يخدم كمركز صحي حتى اليوم، وجامع الحنابلة الذي يعود لعام 531هـ. ثم يركز على جامع الشيخ محيي الدين باعتباره القلب النابض للمنطقة.

بعد ذلك، ينتقل إلى شخصية ابن عربي نفسها، مصححاً بعض المغالطات التاريخية الشائعة. يوضح أن ابن عربي هو أبو بكر محمد بن علي الطائي من أحفاد حاتم الطائي، وُلد في مرسية عام 560هـ. يروي سيرته العلمية والصوفية: رحلته من الأندلس، لقاءه مع ابن رشد في إشبيلية، ثم تنقلاته في المغرب والجزائر ومصر والحجاز والعراق، حيث التقى بالشيخ عمر السهروردي. استقر به المقام في دمشق بعد زيارة حلب ولقائه بحاكمها الظاهر غازي بن صلاح الدين، ولم يغادرها حتى وفاته عام 638هـ (الموافق 10 تشرين الثاني 1240م). يذكر أنه عاش مع زوجته مريم وولديه سعد الدين وعماد الدين، وألّف 500 كتاب ورسالة، أشهرها "الفتوحات المكية" و**"فصوص الحكم"**.

ثم يغوص الفصل في لب الأساطير، ليروي كيف تفاعل العامة مع هذه الشخصية العملاقة. يصف سوق الشيخ محيي الدين بأنه واحد من أهم الأسواق الشعبية في دمشق، حافل بالخضار والفواكه والملابس والأسماك والبضائع المهربة، وروائح الخبز والفول واللحم بعجين. المدهش أن أصحاب البسطات ليسوا كلهم جهالاً؛ فقد يكون صاحب بسطة حاصلاً على ماجستير في علم الآثار ودبلوم في التربية، لكنه يعتقد أن باب رزقه لا يُفتح إلا ببركة الشيخ، حتى لو شكّك في صحة الروايات الشعبية عنه. هنا تتجلى المفارقة: الإيمان بالبركة والتمسك بها رغم الوعي بعدم دقتها التاريخية.

يورد الفصل مجموعة من القصص الشعبية التي يرويها أهالي المنطقة بوقار وهيبة، ومن أبرزها قصة السلطان سليم الأول. تقول الحكاية إن السلطان رأى ابن عربي في المنام يأمره ببناء مقام له، وعندما سأله عن مكان القبر، قال له: "اتبع البغلة البيضاء فهي تدلك عليه". ففعل السلطان، وتبع بغلته البيضاء التي قادته إلى الموقع الذي دُفن فيه الشيخ منذ 300 عام. من هنا نشأت مقولة متداولة: "عندما تدخل السين في الشين سيظهر سر محيي الدين"، يقصد بالسين السلطان سليم وبالشين الشام.

أما الحكاية الثانية، فهي قصة ابن عربي مع الشاعر الصوفي عمر بن الفارض. تحكي أن ابن الفارض، الذي كان يتمتع بقدرات خارقة في الشفاء، سأل مريديه عن فتى في الرابعة عشرة من عمره أنعم الله عليه. أخبره أحدهم عن فتى في الصالحية. ذهب مريدوه ورأوا الفتى يخطب أمام جمع كبير، ثم دخل إلى شيخ جليل وقبّل يده قائلاً: "والله لأجعلن الناس تذكر اسمك قبل اسمي"، معتقدين أن المنطقة سُميت بـ"شيخ محيي الدين" لأنها منطقة شيخ الشيخ محيي الدين. عندما رأوا الفتى يخرج مصحفاً مبللاً بالزيت ويغمسه في ماء فيخرجه جافاً، عادوا وقالوا لابن الفارض: "رأينا فتىً أنت لا تبلغ نقطة في بحره".

ثم تسرد القصة كيف ذهب ابن الفارض بنفسه إلى الصالحية، فاختبأ من المطر في رواق بيت، وسمع امرأة تهدد ابنها بالبكاء قائلة: "اسكت وإلا جاءك عمر بن الفارض من الرواق ويأكلك". تعجب كيف عرفته المرأة. ثم ذهب إلى فرن الخبز، فإذا النار تتوهج أكثر بحضوره، فقال له العجّان: "لا تسأل يا سيدي، فقد أعطاني الله كما أعطاك". وفي النهاية، وصل إلى منطقة في بلاد الشام رأى فيها أربعين شيخاً كل واحد يشده إليه. أغمي عليه، ثم وجد نفسه في حديقة على نهر يزيد، وفتى يرشه بالماء. عندما سأله الفتى عن حاله، قال: "خير". ثم كشف له الفتى أنه هو محمد، وأن العجّان وسراجه والأربعين رجلاً كلهم محمد، وأمره بصرخ "محمد" أربعين مرة، فاصطف أمامه أربعون رجلاً اسمهم محمد. ثم قال له: "عرج ركابك عن دمشق يا عمر، فإنها بلد تذل السباع وتخضع، ما بين جابيها وباب بريدها، إذا غاب قمر طلع ألف بدر".

الحكاية الثالثة والأكثر تعقيداً هي قصته مع حاكم قونية. يروي الفصل أن رجال دين مسيحيين تحدّوا الحاكم العثماني بقولهم إن نبيكم عرج إلى السماء ونزل وفراشه دافئ، فطلب منهم تفسيراً. لجأ الحاكم إلى رجال الدين المسلمين، ولكنهم عجزوا، فأخبره أحدهم بوجود فتى في بلاد الشام اسمه محمد الأندلسي يكشف الأمور. أرسل الحاكم رسولاً، وعندما وصل الرسول إلى ابن عربي، أخبره أنه يعرف سبب مجيئه، وأرسله عائداً ووعده باللحاق به. وعندما وصل الرسول إلى القصر، وجد ابن عربي ينتظره. تحدّاه كبير رجال الدين المسيحيين بلعبة الشطرنج. قبل أن يشرب الكبير قهوته، قال ابن عربي: "كش ملك"، ورمى حجراً، فانقلب الكبير شعورياً إلى فتاة تاهت في الصحراء وتزوجت أميراً وأنجبت أربعة أولاد. ثم رمى حجراً ثانياً، فشعر الكبير أنه عاد شاباً وتزوج ورزق بثلاثة أولاد. وبعد أن شرب قهوته التي لا تزال ساخنة، قال له الفتى: "أربعة من بطنك وثلاث من ظهرك، ولا تزال القهوة ساخنة"، فآمن الرجل وتيقن أن النبي عرج إلى السماء ونزل وفراشه لم يبرد.

لم تقتصر الهالة الأسطورية على حياة ابن عربي، بل امتدت إلى الموت ومابعد الموت. يصف الفصل الضريح والمقام الرخامي المزجج المضاء بأضواء خضراء، يفصل بين الرجال والنساء ستار أخضر من القطيفة. يروي قصة أمين، أحد خدام الجامع الذي توفي في منتصف القرن الحالي، وأوصى أن يُدفن بجانب الشيخ. لكن وزارة الأوقاف منعت ذلك وأغلقت الباب. ولما أراد الناس رفع النعش، لم يستطيعوا، فصرخ أحد المريدين: "يا سيدي محيي الدين إذا كنت تريد الشيخ أمين أن يدفن إلى جوارك فافتح له الباب"، فتكسر الباب فجأة ونزل النعش في خلال دقيقتين.

يختم الفصل بتحليل هذه الظاهرة، معترفاً بأن ابن عربي نفسه يؤكد في فلسفته أن التعلق بالغير لا ينفع الإنسان، وأن لا خير ولا شر إلا بإذن الله، وهذا يتناقض مع سلوك العامة الذين يقدمون له القرابين والأضاحي ويوزعون الطعام في التكية السليمية القريبة، معتقدين أن بركته تدفع النقم. يشير الفصل إلى أن الغموض الذي أحاط بفلسفة ابن عربي، ولغته المليئة بالحروف والرموز، وكذلك سعة علومه، ساعد في تضخم هذه الأساطير. كما يسجل الفصل بعض المغالطات التاريخية التي يقع فيها العامة، مثل الخلط بين ابن عربي الصوفي وابن العربي القاضي الفقيه الأندلسي (المتوفى 543هـ)، وكذلك الاعتقاد الخاطئ بأن ابن عربي قُتل شهيداً على غرار الحلاج، بينما يثبت التاريخ أنه مات هرماً.

يقدم الفصل في فقرة أخيرة مشهداً تأملياً، حيث يبدو الخروج من عالم الشيخ محيي الدين وكأنه خروج من قصص ألف ليلة وليلة، عالماً تتداخل فيه الأحلام بالرؤى والأفكار بالأساطير والخيال بالواقع. ويعترف بأن لكل عصر "واحداً" يسمو به الروح، وفي هذا المكان وقف شخصيات مثل هادي العلوي الذي عاتب ابن عربي في صلاته الخاصة، ولا تزال أرملته توزع الخبز وفاء لذكراه، والشاعر البياتي الذي طلب أن يُدفن بجانب شيخه. إنها شهادة على أن الحاجة الإنسانية إلى الأسطورة والمعنى لا تخبو، وأن العقل لا يكف عن البحث عن حل لغز الوجود، حتى لو حمل ذلك الخلط بين التاريخ والخرافة، والحقيقة والوهم، والمنطق والحلم.

6.حارة اليهود .. أبواب موصدة55–70▼ ملخص

يستكشف هذا الفصل تاريخ حارة اليهود في دمشق، التي تعرف اليوم باسم حي الأمين، ويتتبع تحولاتها الاجتماعية والعمرانية والسياسية، من موقعها الجغرافي الممتد بين منطقة ابن عساكر وسوق الخضار الشعبي، وصولاً إلى شارع مدحت باشا (الشارع المستقيم). يسجل الفصل كيف تحولت هذه الحارة من مركز لتجمع اليهود في دمشق، إلى حي يغلب عليه الطابع الشيعي، وتختفي منه شيئاً فشيئاً ملامح الوجود اليهودي.

يبدأ الفصل برسم خريطة للحارة على الورق وعلى أرض الواقع، مشيراً إلى مدرسة الإليانس الشهيرة التي شغلتها وكالة الغوث الفلسطينية (الأونروا)، ومدرستي اليوسفية للإناث والمحسنية للذكور. ثم ينتقل لسرد القصة الشعبية حول تغير أسماء الحارة، حيث سيطر اليهود على واجهة الشارع العريض أثناء الحرب العالمية الأولى مستغلين تردي الأوضاع الاقتصادية للعائلات المسلمة، وحاولوا تسمية الحي باسم أحد أعيانهم، لكن الأهالي اقتلعوا اللوحة، ليأتي الحكم الوطني عام 1946 ويطلق عليه اسم الأمين تكريماً للعلامة محسن الأمين.

يقدم الفصل إحصاءات وأرقاماً حول هجرة اليهود، مشيراً إلى أن دمشق شهدت هجرة واسعة في عقد التسعينيات من القرن الماضي بعد انطلاق مباحثات السلام في مدريد، فغادرها في عام 1991 نحو 3000 يهودي من أصل رقم تقديري هو 70,000 يهودي سوري، عاد منهم نحو 200 شخص تحت ضغوط ظروفهم. يصف الفصل بقايا المجتمع، مؤكداً أن اليهود المتبقين وعددهم لا يتجاوز 50 شخصاً، يتوزعون على 27 كنيساً لم يعد يُفتح منها إلا 5، ويضطرون للتجمع في كنيس واحد لاستكمال شروط صلاة الجماعة التي تتطلب عشرة أشخاص. يورد المؤلف قصة السيدة روز اليهودية العجوز التي حصلت على حماية أمنية خاصة بعد شكوى تقدمت بها.

يناقش الفصل نشأة الحارة كمنطقة هجينة (ghetto) في جنوب المدينة القديمة، مستقطبة للغرباء من مختلف الطوائف والملل والجنسيات. يذكر موجات الهجرة اليهودية، بدءاً من يهود إسبانيا (السفارديم) الذين تحدثوا لغة اللادينو، وصولاً إلى يهود أوروبا الشرقية (الأشكناز) الذين تحدثوا لغة اليدش في بداية القرن التاسع عشر. يوضح أنه قبل عام 1948 كان من المتعذر الفصل بين اليهود وعموم المجتمع، وكان تعدادهم في سورية نحو 70,000 نسمة من أصل سكان يبلغ مليوناً وتسعمائة ألف.

يتناول الفصل العلاقة بين الفلسطينيين واليهود بعد أن سكن الفلسطينيون إلى جوارهم عام 1948، مشيراً إلى علاقة حذرة تقوم على احترام آداب الجوار دون تجاوزها، حيث كان اليهود يرفضون الأكل من طعام غيرهم، بينما يعد الفلسطينيون ذلك لؤماً وغروراً. ومع ذلك، لم يشهد الحي مواجهات، بل اقتصرت المشاكسات على تعبيرات احتجاجية غير مباشرة مثل رفع صوت الأغاني الثورية أو إذاعة إسرائيل.

يسلط الفصل الضوء على صور إيجابية عاشتها الذاكرة الدمشقية، مثل مهارات الطبيب اليهودي الشهير طوطح، والمبصر أبو خضر، والخياطين أمثال شعيا، والمغنيات مثل هانولا. يعترف الفصل بأن هذه الصورة تهشمت بفعل الممارسات الإسرائيلية الوحشية ضد الفلسطينيين، فحلت صورة اليهودي الصهيوني المسلح محل اليهودي الدمشقي المسالم، ولم يبقَ من اليهود سوى تسميات مجردة وأطباق مثل «يهودي محشي» أو «أبو داود».

يقدم الفصل تفاصيل عن العادات والتقاليد اليهودية، كالالتزام بيوم السبت كعطلة، حيث يحرم إشعال النار والإنارة، وعادة ما يستعينون بجيرانهم من غير اليهود في ذلك. كما يصف عادات الزواج المعقدة، حيث يُعيّن مهر كبير (شيطارا) تدفعه الخطيبة، مما يثقل كاهلها ويدفعها للعمل طوال الأسبوع. ينقل مثلاً على تلك الخصوصية قصة طريفة عن يهودي يردد كل صباح لازمة «الله لا يفرجيكم اللي شفته ولا يذيقكم اللي ذقته»، ليكشف لاحقاً أنه يقصد ملعقة عسل يتناولها ورؤية مجوهرات زوجته.

يقر الفصل بحدود ومواقف معقدة، كموقف العلامة محسن الأمين حين رفض استقبال الحاخام الأكبر في زيارته، لأنه رأى أن قبول الزيارة سيؤدي إلى تبادل زيارات واتصالات، وهو أمر لا يمكن أن يحدث في وقت كشفت الصهيونية عن حقيقتها، حيث كان يعتقد أن كل يهودي هو صهيوني. لكن الفصل لا يعمم هذه الرؤية، مشيراً إلى وجود من كان يفرق بين اليهود الذين لم يرضوا عن قيام إسرائيل وغيرهم.

ينتهي الفصل بالحديث عن الدور الاقتصادي لليهود في تاريخ المنطقة، مسجلاً كيف سيطرت بعض أسرهم على التزام الجمارك وأعمال الصيرفة والربا، الأمر الذي أثار كراهية حولهم ودفع الدماشقة لرفع شكوى للسلطان محمود الثاني، الذي أمر بعزلهم، لكن والي دمشق عجز عن الاستمرار دونهم لأن الحسابات كانت مكتوبة بالعبرية، مما اضطره لإعادتهم إلى مناصبهم. يختم الفصل بالإشارة إلى أن اليهود لعبوا دوراً مهماً كمواطنين في المنطقة، لكن دورهم تحول مع ظهور الحركة الصهيونية التي انتزعتهم من بلدانهم الأصلية.

7.مهن في علم الماضي71–92▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو استكشاف التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي طرأت على المجتمع الدمشقي خلال القرن العشرين، من خلال عدسة المهن والحرف التي وردت في كتاب «قاموس الصناعات الشامية». تقدم المؤلفة هذا القاموس كوثيقة لغوية واجتماعية ثمينة، لا تقتصر قيمتها على كونها سجلاً للمهن التي اندثرت، بل تمتد لتكشف عن التغيرات في القيم والمفاهيم الأخلاقية والطبقية والدينية، وكيف أن اللغة نفسها أصبحت «ذاكرة مهمشة» تعكس ماضياً لم يعد له وجود.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من تقديم القاموس نفسه، الذي وضعه جزءه الأول محمد سعيد القاسمي، وشارك في الثاني جمال الدين القاسمي وصهره بدر الدين العظم، واطلع عليه المستشرق لويس ماسينيون في عام ١٩٢٢، وحققه ظافر القاسمي. يوضح الفصل أن القاموس لا يستخدم كلمة «صناعة» بمعناها الاقتصادي الحديث، بل يشمل كل عمل يدر المال، حتى «الشحاذة» تُعتبر «صنعة». من هنا، ينطلق الفصل لتحليل كيف أن هذا التصنيف القديم يكشف عن بنية اجتماعية معقدة، تميز بين المهن الشريفة وغير الشريفة، وتفرزها وفق معايير مالية (حجم رأس المال) وأخلاقية (نظافة المهنة)، ودينية وطائفية، وعرقية.

يستخدم الفصل أمثلة عديدة من القاموس لتوضيح هذه التقسيمات. فالمهن الشريفة مثل الجوخي، البزاز، الديمجي، الصواف كانت تتطلب رأس مال ووجاهة اجتماعية، في حين أن مهناً مثل الإسكافي، الحفار (حفار القبور)، البلان، الدلاك كانت تُعتبر دنيئة، لارتباطها بالفقر أو بقذارة العمل. ويشير الفصل إلى أن هذا التصنيف الأخلاقي لم يعد موجوداً بنفس الحدة اليوم، لأن «المال» أصبح المقياس الأهم، فمهنة كانت مكروهة كـ «البزاز» (استيراد الأقمشة) قد تكون مقبولة الآن، بينما مهنة «التعليم» التي كانت رفيعة قد انحطت قيمتها لضعف كسبها المالي.

يمضي الفصل في استعراض حرف انقرضت أو تحولت بشكل جذري، كصناعة الأحذية التي تنوعت إلى الزرابيل (أحذية غليظة للفلاحين) و الصرامي، وكلها اختفت مع تغير أنماط اللباس. كذلك مهنة الشعال الذي كان يعتني بالفوانيس، و اللطامة (النساء المأجورات للبكاء على الموتى) التي اضمحلت مع بداية القرن العشرين، و الطواب (صانع اللبن من التراب والتبن) الذي تحول إلى صناعة البلوك الإسمنتي، و الرميحاتي (صانع الرماح) التي زالت مع تطور الأسلحة النارية. ويشير الفصل إلى أن بعض هذه المهن لم تنقرض كلياً، بل تحولت، كصناعة الخرقي الذي يجمع الخرق، والتي تمثل اليوم في جامعي النفايات.

يخصص الفصل مساحة للمهن المذمومة والمكروهة أخلاقياً ودينياً، مثل المحتكر الذي يخزن السلع لرفع سعرها، و الخمّار (بائع الخمر) الذي كان معظم محترفيه من النصارى، و القواد. وهناك أيضاً مهن حقيرة كـ الكلاب الذي يجمع الصدقات من منازل الموتى، ومهن غريبة كـ الثعباني الذي يجمع الأفاعي ويلاعبها، و العقاربي الذي يجمع العقارب، و القوال الذي يتجول في الأسواق منشداً الشعر والمديح. وفي مقابل هذه المهن الدنيئة، يذكر الفصل مهناً طبية نافعة لكنها لم تحظَ بمرتبة مرموقة، مثل الماشطة و الداية اللتين كانتا تتوليان مهام التجميل والتوليد وتجهيز العروس ليلة زفافها، وكانت لهما ممارسات خطيرة في بعض الأحيان.

أخيراً، يصل الفصل إلى خلاصة مركزية: أن هذا التقسيم الطائفي والعرقي للمهن لم يختفِ، بل ما زال قائماً ومستفحلاً في الخفاء، رغم محاولات كبته. ويكشف القاموس عن تخصصات عرقية ودينية واضحة، فالمسيحيون برعوا في الحلاقة وصناعة الجوخ، بينما احتكر اليهود الصيرفة والخرقي والقنياطي، وتميز النور (القرباط) بمهن الغرابيلي والجعيدي، واختص الأكراد بـ الرعي، والمصريون بـ السائس، والأفغان بـ المجلخ. كل هذه المهن، التي لم يبقَ منها في الغالب سوى أسماء عائلات دمشقية معروفة اليوم (مثل الخضري، القصاب، الترجمان، القباني)، ترسم لوحة اجتماعية غنية ومتنوعة، وتعكس ماضياً يبدو غريباً ومستطرفاً، لكن خيوطه الخفية والمُحرجة لا تزال تربطنا به وتؤثر فينا حتى يومنا هذا.

8.هدوا خيامك وراحت أيامك93–108▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب "زقاقيات دمشقية" مخصص لظاهرة الباعة الجوالين في دمشق، ونداءاتهم التي كانت تملأ الحارات والأزقة. الموضوع المحوري هو تتبع هذا التراث الشعبي الغني، وتحليل آليات الترويج التي كانوا يستخدمونها، ثم رصد أفوله واندثاره في وجه التحولات الاقتصادية والاجتماعية للمدينة الحديثة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه النداءات لم تكن مجرد صيحات بيع، بل كانت شكلاً من أشكال الفن الشعبي والإعلان البدائي الذي استند إلى الشعر، والمبالغة، والطرافة، واستثارة الغرائز، لكنها اختفت لتحل محلها إعلانات صاخبة وفقيرة روحياً.

يسير الفصل وفق مسار واضح: يبدأ برسم صورة حية للبائع الجوال القديم بزيّه التقليدي (الشروال الأسود وصدرية الدامسكو) وعربته الخشبية، ثم ينتقل إلى تحليل نداءاته باعتبارها قصائد غزلية وعبارات ملغزة. ويستشهد المؤلف بأمثلة عديدة لشرح آليات الإعلان البدائية في هذه النداءات، مثل نداء بائع الترخون الاستفزازي (ويلك يا ابن الزنا يا خاين) الذي يحرك الفضول، ونداء بائع الشوندر ذي التلميحات الجنسية (بردان يا ناعم.. هلق طاب أكل العسل)، ونداء بائع الدراق (لا تشلحوا بيشلح لحالو). ويرى المؤلف أن هذه النداءات نجحت لأنها خاطبت الحواس واستغلت التابوهات الاجتماعية بذكاء عبر المواربة والنكتة.

يواصل الفصل تحليله بتفصيل أكثر، فيقارن نداءات الباعة الجوالين بالإعلان الحديث، مشيراً إلى ثلاث ركائز مشتركة: الصورة الشعرية التي تنوب عن الصورة التلفزيونية، والصفة المميزة التي تقوم مقام العلامة التجارية (مثل "مزاوية يا حلوة" التي تشير إلى منطقة المزة المشهورة بالصبار)، والتنغيم الذي يؤدي وظيفة الموسيقى الإعلانية (مثل نداء غزل البنات). ويقدم أمثلة إضافية مثل نداء بائع التماري الذي يشوه الكلمات ليصبح "ريا كعيع" بدلاً من "تماري يا كعاث"، ونداء بائع البليلة (بليلة يا بليلة.. وسبع جوار خدموك) الذي يستحضر أجواء ألف ليلة وليلة ليضفي صفة إمارة على طبق الحمص الرخيص.

وسعياً لاستكمال التحليل، يشرح الفصل كيف تعمل المبالغة والمفارقة في نداءات أخرى. في مثال بائع الملفوف (اليخنا)، يستخدم البائع مشهداً تمثيلياً متخيلاً لعبد وجارية يطبخان الملفوف، مما يحول هذا الطعام المتواضع إلى وجبة ذات شأن. كما يشرح كيف ترسم النداءات لوحات جمالية حسية، مثل نداء بائع العنب (الزيني ألماس والأحمر دباس) الذي يحول حبات العنب إلى جواهر، ونداء بائع التين (دبل وعا دبالك يا عنيون الحبيب) الذي يثير صورة العيون الجميلة. ويشير الفصل إلى أن المبالغة قد تصل إلى حد الإيحاءات العنصرية، كما في نداء بائع الباذنجان (من شو بياضو ومن سواده هرب الناطور)، حيث يستبعد اللون الأسود من الذائقة الجمالية الشامية.

يتناول الفصل أيضاً مفهوم "علامات الجودة" في نداءات الباعة، التي كانت بمثابة نظام تصنيف للمنتجات حسب المناطق الجغرافية. ويسرد المؤلف قائمة واسعة من هذه النسب، مثل: صبار المزة، وكرز إسطنبولي وحماني، وتين مضايا، وسفرجل الزبداني، ويوسفي طرابلس، وبرتقال عكا وصور ويافا، وعنب داريا، وتفاح زبداني ونرباني وإزميري، وتوم يبرودي وكسواني، وجزر قابوني، وتمر بغدادي، وكمأة صحراوية. ويرى المؤلف أن هذه النداءات رسمت خارطة جودة تمتد من المغرب إلى المشرق ومن بغداد إلى إسطنبول وإزمير، مع بقاء دمشق في الصدارة بوصفها "جنة للفواكه والخضر".

يعرج الفصل على الجانب الطريف في النداءات، حيث تتحول الدعابة إلى أداة بيع وكسب للود. ومن الأمثلة على ذلك نداء بائع الثوم (يبرودي يا توم.. كسيرواني يابا يا توم.. ولا عازة الجارة يا توم)، ونداء بائع السكاكين (يللي بدو يصالح حماتو). ويخلص إلى أن النكتة والمرح هما "المفتاح السحري" للبائع الجوال، الذي يحتاجها للتحايل على مشقة المهنة والتعامل مع شتى أنواع البشر. ويختتم الفصل بفقرة عن القلق والارتباك الذي يعيشه البائع الجوال في المدينة المعاصرة. يستخدم الباعة الجدد مكبرات الصوت ويسجلون نداءاتهم على أشرطة رديئة، مما يضيف إلى الصخب العام بدلاً من الهدوء الحميمي الذي كان سائداً. ويصف الفصل كيف تحول البائع الجوال إلى "مندوب مبيعات" أو حتى متسول، حيث أفسحت القناعة والطرافة المجال للخداع والرجاء والاستعطاف، في مشهد يعكس عبث العولمة بملامح دمشق التقليدية.

يقرّ المؤلف صراحةً بأن هذا الفلكلور لم يبق منه سوى "بقايا باهتة في كتب المذكرات والتراث والمسلسلات التلفزيونية والإعلانات السياحية". كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول مدى فاعلية النداءات القديمة في عالم الإعلان الحديث، معتقداً أنها لم تفقد صلاحيتها رغم التطور الكبير. من بين الحجج القابلة للنقاش في الفصل، تلك التي تتعلق بتفسير المبالغة والإيحاءات الجنسية في النداءات، حيث يمكن القول إن بعض التحليلات قد تبالغ في تعقيد نوايا الباعة البسطاء، أو أن التفسير الجنسي لبعض العبارات قد يكون إسقاطاً معاصراً أكثر منه نية أصيلة للبائع.

9.لولا بردى لما كانت دمشق .. مرثية نهر109–122▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول نهر بردى باعتباره الشريان الحيوي الذي قامت عليه مدينة دمشق، ويقدم الكاتبة سعاد جروس إجابة واضحة عن علاقة المدينة بنهرها: لولا بردى لما كانت دمشق كما عُرفت عبر التاريخ، لكن هذا النهر الذي كان مصدر حياة وجمال وخصوبة، يعاني اليوم احتضاراً بطيئاً بسبب الإهمال البشري والتوسع العمراني والتلوث. الفصل هو مرثية للنهر، ولكنها ليست فقط حزناً على الماضي، بل تأمل في مسؤولية الإنسان عن تدمير ما كان يقدسه.

يسير الفصل بدءاً من ذكريات شخصية للكاتبة مع زملائها الطلاب، حيث كانوا يسيرون من الجامعة في المزة إلى منطقة البرامكة، ويصاحبهم نهر بردى الذي كان يجري بتؤدة نحو موته، متناقضاً مع سمعته الأسطورية. تنتقل الكاتبة بعدها إلى استعراض المكانة الأسطورية لبردى عبر التاريخ، حيث تجمع شهادات الرحالة والمؤرخين مثل ابن بطوطة الذي فضل دمشق على سائر البلاد ووصفها بأرض العجائب لكثرة مائها، والشاعر أحمد شوقي الذي استهل قصيدته عن ثورة السوريين عام 1925 بسلام من صبا بردى. ثم تستحضر وصف الأديب نعمان قساطلي في عام 1879 لدمشق بأنها مدينة كثيرة المياه والبساتين، وتذكر إشادة بشير بنقاوة مائها، ووصف عبد العزيز العظمة في كتابه «مرآة الشام» لماء دمشق بأنه عذب فرات وسائغ للشاربين. الهدف من هذه الشهادات هو بناء تباين صارخ بين الماضي الأسطوري الغارق في الجمال والوفرة، وبين الواقع الحالي المتردي.

يغوص الفصل في تفاصيل نظام المياه التقليدي في دمشق، مفسراً كيف استطاع النهر أن يدعم حضارة كبرى. يذكر أن الآراميين أطلقوا عليه اسم «باراذيوس» أي الفردوس، ومنه اشتق الاسم العربي بردى. ويشرح نظام «الفجارات» و«الطوالع»، وهي أحواض كانت تتوزع فيها المياه بحسب الأحياء مثل حارة السبع طوالع وحارة طالع الفضة. كان توزيع المياه ينظم بحسب المراتب الاجتماعية عبر «حجج شرعية». ويصف آلية عمل «العدان» الذي يشرف عليه «الشاوي» وهو القنواتي المسؤول عن تنظيف الطوالع وتوزيع المياه بين القرى. هذا النظام التقليدي المتقن، الذي استمر لقرون، يؤكد على علاقة مقدسة بين الإنسان والماء، حيث كان السكان، خاصة المستفيدين من نهري يزيد وثورا، يعزّلون النهر بأنفسهم قبل موسم الفيضان، وتعتني بهم التقاليد الاجتماعية المتوارثة، حتى أن أحد سكان حي العمارة يروي أن المسنين كانوا ينظفون الطوالع بأيديهم كل صباح احتساباً للثواب عند الله.

يتناول الفصل بعد ذلك بداية نهاية هذه العلاقة المثالية، فيشير إلى أن بداية تلوث النهر وتدهوره تعود إلى أوائل القرن العشرين. اضطرت الحكومة العثمانية إلى جر قسطل حديدي من عين الفيجة إلى المدينة مباشرة لمياه الشرب فقط، متجاوزة الأفرع الملوثة. ويصف الفصل كيف أن الأنهار الشقيقة مثل نهر يزيد ونهر ثورا ماتت تماماً في القرن العشرين، وبعضها تحول إلى مجاري للصرف الصحي مثل نهر بانياس الذي كان يعرف بـ«قليط» لشدة قذارته. أما باقي الأنهار فتحولت إلى سواقٍ صغيرة تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت ركام المخلفات والمصانع. ويخلص الفصل إلى أن التقاليد والجهود الأهلية للعناية بالنهر صارت من الماضي.

يوسع الفصل نطاق التحليل ليشمل التغيرات الحضرية والاجتماعية الكارثية التي طرأت على دمشق. يصف كيف اختفت معالم مثل فندق فكتوريا ودار الحكومة المهيبة التي أعلن من شرفتها الاستقلال الأول لسورية، وكيف تحولت ساحة المرجة - التي كانت مرجاً أخضر يحف بنهر بردى ويملؤه الأهالي للتنزه - إلى أسواق شعبية مكتظة بفنادق من الدرجة العاشرة. هذا التدهور المادي يقابله تدهور في الوجدان، حيث لم تعد أغنية «زينوا المرجة» ترمز للعزة الوطنية بل أصبحت أثراً بعد عين. يتذكر الفصل كيف كان التصفيق يعلو في الماضي عندما كانت فيروز تغني لبردى، وكيف تصف الأديبة الدمشقية سهام ترجمان في كتابها «يا مال الشام» لحظة ارتواء صوت فيروز بماء الشام، لتصبح هذه اللحظات الآن مجرد استعادة لمنظر من الماضي.

يقدم الفصل تشخيصاً لمشكلة بردى الحالية من خلال وصف مساره الجغرافي كيلومترات من سلسلتي جبال حرمون والقلمون غرب دمشق، ماراً بـعين الفيجة وعين الخضراء، لينتهي به المطاف في بحيرة العتيبة التي جفت عام 1958. يذكر الفصل أن النهر يعاني من تراجع الغزارة نتيجة الانفجار السكاني (الذي قفز من مئات الآلاف إلى حوالي عشرين مليوناً) وحفر الآبار الجائر وتلوث المصانع، ويضرب مثالاً بموسم الجفاف عام 1994 الذي دفع محافظة دمشق عام 2000 لتبليط مجرى النهر، مما أثار اعتراضات بيئية. على الجانب الآخر، أشار الفصل إلى موسم مطر وفير في العامين التاليين أعاد الحياة لبردى بشكل مؤقت، وأعاد ذكرى فيضان «الزودة» حيث كان الأهالي يهربون بممتلكاتهم من الطابق الأرضي (التحتاني) إلى العلوي (الفوقاني).

في الأخير، يعرض الفصل الحلول المقترحة لإنقاذ النهر ويقر بحدودها وتحدياتها السياسية والاقتصادية. من هذه الحلول: جر مياه الفرات إلى حوض دمشق لكنه حل مكلف، وجر مياه من الجولان المحتل لكنه غير ممكن، والحد من الهجرة الداخلية إلى دمشق نحو شمال سورية عبر إيجاد فرص عمل. الكاتبة أقرت بأن هذه الحلول تترنح ضمن إمكانات متواضعة ولن تعيد بردى إلى أمجاده. يختتم الفصل بسؤال مفتوح عن من المسؤول: هل لا يزال القول «لولا بردى لما كانت دمشق» صحيحاً، أم أن المقلوب صار هو الصحيح: «لولا دمشق لما مات بردى»؟ النهر الذي صبر قروناً فقد القدرة على التحمل، والسكان الذين يتغزلون به ويتحسرون عليه هم أنفسهم من ينفونه من الحياة، محولين إياه إلى مكب للنفايات. الفصل يقدم تأملاً نقدياً حول انحراف الحضارة عندما ظن الإنسان أن التقدم خصام مع الطبيعة، ويدعو القارئ لاستنتاج أن خلاص بردى لن يأتي من مشاريع فنية فقط، بل من إعادة بناء علاقة أخلاقية وجمالية مع الطبيعة، علاقة تدرك أن الجمال ليس مجرد متعة عابرة بل هو شرط بقاء للمدينة نفسها.

10.الخط الحديدي الحجازي ... تاريخ متعثر123–138▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تاريخ الخط الحديدي الحجازي، منذ نشأته وحتى تعثره الطويل، ويقدم سرداً تفصيلياً لدوافع إنشائه، وأهدافه، ومراحل تنفيذه، ثم الانتكاسات السياسية والعسكرية التي تعرض لها، والتي أدت إلى توقف معظم أجزائه وتحوله من مشروع حيوي إلى معلم أثري. يخلص المؤلف إلى أن قصة هذا الخط تشبه "ميلودراما" شاقة، عكست تعقيد العلاقات العربية والدولية التي حالت دون إحيائه.

يبدأ الفصل بانطباع شخصي عن محطة الحجاز في دمشق، ويشير إلى عودة القطار للعمل لكن من قرية القدم لا من المحطة نفسها. ثم ينتقل إلى الحديث عن رمزية القطار في الأدب والفكر كتعبير عن رحلة الحياة والزمن، ويستعرض تاريخ السكك الحديدية عالمياً مبيناً أن إنجلترا كانت الأولى في استخدام القاطرة البخارية عام 1825، تلتها الولايات المتحدة عام 1827، ثم ألمانيا وفرنسا، بينما كانت مصر أول دولة عربية تستخدم الخطوط الحديدية في 1851 على يد روبرت ستيفنسون. ويتابع أن مد السكك في الدولة العثمانية تأخر حتى عام 1888، وتنافست عليها الشركات الأجنبية، ففي سورية تقاسمت ألمانيا وفرنسا امتياز خمسة خطوط، كان من بينها الخط الحجازي. ويصف مسار الخط الذي ينطلق من دمشق ماراً بـالكسوة والشرائع وسهل حوران إلى درعا، فالكرك قرب قلعة المفرق، فوادي الزرقاء فعمان، ثم معان (المحطة المتوسطة)، فالعقبة، فالمدورة، وصولاً إلى مدائن صالح والعلا والمدينة المنورة.

يشرح الفصل أن فكرة الخط ظهرت عام 1864 أثناء حفر قناة السويس باقتراح من الدكتور زامبل، لكنها لم تنفذ، ثم عادت بقوة عام 1900 عندما طرح وزير الأشغال العامة في الآستانة مشروعاً أوسع مد يصل إلى مكة المكرمة. وقد تبنى عزت باشا العابد العربي السوري الفكرة وعرضها على السلطان عبد الحميد الثاني الذي أبدى حماساً كبيراً. يعدد الكاتب أهداف المشروع: سياسية (ربط البلاد الإسلامية وتخفيف التبعية للأجنبي)، وعسكرية (تعزيز قبضة السلطان على الولايات العربية كاليمن)، واقتصادية (تعمير المناطق الجنوبية وتطوير الزراعة)، لكن السبب المعلن كان دينياً وهو تسهيل سفر الحجيج. يصف الفصل بالتفصيل رحلة الحج الشامي القديمة التي كانت تستغرق خمسين يوماً للذهاب ومثلها للعودة، محملة بالمخاطر والأموال الطائلة (نفقات الدولة العثمانية كانت 150 ألف ليرة ذهبية سنوياً، إضافة إلى 40 ألف ليرة هدايا)، مما يفسر الحماس الشعبي والدعم الإسلامي للمشروع. يسترسل في وصف تفاصيل الموكب الذي كان ينطلق في الأول من شوال تحت قيادة "أمير الحج" وحماية الجيش، ويتوقف في قرية القدم والكسوة والمزيريب والمفرق، قاطعاً مسافة تقدر بأربعمائة وتسعين ساعة، مع وصف مشاهد التعب والخطر التي جعلت الحجاج يودعون أهاليهم وكأن الموت يتربص بهم.

ينتقل الفصل إلى مرحلة التنفيذ، فيذكر أن عدد القاطرات قبل الحرب العالمية الأولى بلغ 50 قاطرة و110 عربة ركاب. ولم يكن الخط منتظماً إلا في موسم الحج، وبقي معظمه من معان إلى المدينة متعطلاً، فخصصت الحكومة له دخلاً من الطوابع والعقارات كوقف إسلامي. استخدم في بنائه متطوعون وجنود عثمانيون (بلغ عددهم 12 ألف جندي)، إلى جانب مقاولين نمساويين وإيطاليين وعرب، ومع صعوبات الصحراء سار العمل سريعاً ووصل إلى المدينة المنورة، لكن التمديد إلى مكة وجدة وعدن ألغي بعد عزل السلطان عبد الحميد، وبقيت المواد في مستودعات المدينة واستخدمت لاحقاً لتمديد خط فلسطين-مصر من قبل البريطانيين. استغرق المشروع ثماني سنوات (1900-1908)، ووصل أول قطار إلى المدينة في الثاني والعشرين من شهر آب سنة 1908 في رحلة استغرقت 52 ساعة، وافتتح رسمياً في الأول من أيلول بحضور ثلاثين ألف شخص. اعتبار الخط وقفاً إسلامياً شجع على التبرعات، فتبرع السلطان بـ300 ألف ليرة، وشاه إيران بـ50 ألف ليرة، وخديوي مصر بالأخشاب، وتألفت 111 جمعية في الهند وحدها، وتجاوز المبلغ المجموع 3 ملايين ليرة عثمانية ذهبية.

يخصص الفصل قسماً لسيرة الخط "المتعثرة"، فيذكر صعوبات التشغيل كقلة الوقود (كانت القاطرة تستهلك أكثر من 30 ألف طن فحم سنوياً)، وبلغ العجز في زمن فخري باشا حد هدم البيوت في المدينة المنورة لاستخراج الأخشاب. ازدهر الخط بين عامي افتتاحه و1914، وتروى نادرة عن سائق قطع مسافة دمشق-المدينة في يوم واحد بدلاً من ثلاثة أيام ليتباهى أمام أنور باشا وجمال باشا السفاح، فعوقب وأوقف وأُسرت قاطرته بسلاسل حديدية. خلال الحرب العالمية الأولى استخدمته الدولة العثمانية عسكرياً، وعند قيام الثورة العربية الكبرى استهدفه الكولونيل لورنس لتقطيع الاتصال. بعد الحرب، عملت الحكومة العربية في دمشق على إصلاحه وأسيرت قطاراً إلى المدينة أواخر عام 1919 حاملاً الأمير علي بن الحسين، لكن دخول الفرنسيين عام 1920 أنهى جهود الإصلاح؛ فقسم الخط وقسمت عرباته: استولت بريطانيا على قسم شرق الأردن وفلسطين، وأهمل القسم الواقع في الجزيرة العربية، وسلم القسم السوري للحكومة الفيصلية. في معاهدة لوزان عام 1923، اتفق الإنكليز والفرنسيون على تأليف لجنة إدارية مسلمة، وفي مؤتمر الآستانة عام 1924 تقرر تقسيم الخط نهائياً. ورغم مؤتمر حيفا عام 1928 الذي طالب بوحدة الخط كوقف إسلامي، باءت المحاولات بالفشل بسبب تهرب حكومات الانتداب. بعد استقلال سورية عام 1945، تشكلت المديرية العامة للخط الحجازي، لكن الأحوال السياسية أثرت سلباً، فتوقف النقل بين سورية وفلسطين عام 1948، وتوقف نقل الحجيج بعد العدوان الثلاثي عام 1956، وتكررت الاعتداءات حتى نسف آخر جسر في خط اليرموك بين 1967 و1970، وكانت حرب 1967 سبب الانقطاع النهائي. استمر الخط بشكل محدود بعد ضم خط دمشق-سرغايا عام 1970، ورغم جهود سورية والأردن والسعودية، وقفت الظروف السياسية والجدوى الاقتصادية حائلاً دون إحيائه، وبقي يعمل فقط على خط دمشق-عمان كرحلة أسبوعية لنقل البضائع. تحولت أجزاؤه العاملة إلى معالم أثرية سياحية، وأبرز محاولة للترميم كانت عام 1996، لكنها لم تعد الحياة للخط سوى بترميم عربات قديمة منها عربتا السلطان عبد الحميد اللتان لم يسافر بهما. واحتُفل بمرور مئة عام على افتتاحه بافتتاح متحف في محطة "القدم" يضم 18 قاطرة تاريخية. يختم الفصل بأن قصة الخط مثلت "ميلودراما" شاقة عكست هشاشة العلاقات العربية وتأثير السياسات الدولية، وأن الخط ظل هدفاً للحروب ولم تحي صلات القربى.

يقبل النص نفسه جدلاً حول مدى نجاح الأهداف الدينية المعلنة للخط، حيث يبدو أن الأغراض السياسية والعسكرية كانت أكثر إلحاحاً في نظر السلطان عبد الحميد، ويمكن مناقشة ما إذا كان سبب فشل الخط يعود بالدرجة الأولى إلى السياسات الاستعمارية والصراعات العربية أم إلى عيوب متأصلة في جدواه الاقتصادية، خاصة مع بقاء معظم خطه معطلاً حتى في أوج ازدهاره.

11.المطبخ .. القفطية المخفية139–154▼ ملخص

المطبخ في هذا الفصل ليس مجرد مكان لإعداد الطعام، بل هو "قطبة مخفية" — أي محور أساسي خفي — يدور حوله الكثير من العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في المجتمع الدمشقي. الموضوع المحوري هو كيف يعكس الطعام تحولات المجتمع السوري والدمشقي على وجه الخصوص، من العادات والتقاليد المتوارثة إلى مواجهة العولمة والوجبات السريعة. الإجابة التي تقدمها المؤلفة سعاد جروس هي أن المطبخ والطعام يشكلان مرآة للتغيرات العميقة في القيم الأسرية والاجتماعية والذائقة الجمعية.

يسير الفصل خطوة بخطوة من العام إلى الخاص، ومن الخارج إلى الداخل. يبدأ المؤلفة بمثال شعبي دمشقي دارج هو "شو جايبه من حلة الرواس؟!" الذي يُستخدم للدلالة على سوء الذوق والقذارة. تشرح أن الرواس كان طباخاً في أوائل القرن الماضي يبيع طبيخ رؤوس الغنم والمقادم في أسواق مثل سوقي الزرابلية والعتيق، وكان زبائنه من العمال والفقراء. هذا المثل يختفي تدريجياً مع اندثار هذا النمط من المطاعم الشعبية.

ثم تنتقل المؤلفة إلى الحديث عن غزو الذائقة البديلة في العقود الأخيرة، حيث تنافست مطاعم سريعة الانتشار على استيراد وصفات غربية وأميركية وتهجينها مع الذائقة المحلية. ظهرت أطعمة مثل السباكيتي والبيتزا والهوت دوغ والهمبرغر. كما ظهرت مطاعم متخصصة بأطعمة شديدة المحلية مثل المكسيكي والياباني والصيني، لكنها تبقى ضمن إطار سياحي ترفيهي. في المقابل، يبقى المطبخ الأميركي السريع الأكثر رواجاً لانسجامه مع روح العصر من حيث السعر الرخيص والسرعة. وتشير المؤلفة إلى أن الهمبرغر أصبح رمزاً من رموز العولمة، ودخل قائمة استهدافات مناهضي الغزو، لكن ذلك لم يمنع سيادة المذاق الأميركي لقدرته على التخفف من الطقوس والتعقيدات.

بعد هذا العرض للتحولات الكبرى، تعود المؤلفة إلى الماضي لتظهر التنوع الجغرافي للذائقة المحلية في سورية، مستشهدة بالباحثة سليمى محجوب. تذكر أن المطبخ الحلبي مشهور بمذاقه الحار باستخدام رب الفليفلة الحارة، والكباب الحلبي الذي يجيده أرمن حلب. وتستمر في عرض التخصصات: حمص مختصة بمحشي الجزر الأصفر، حماه بالباطرش الحموي، أهل الساحل بالمبردة، والجزيرة السورية بالكبيبات. هذا التنوع ينم عن أنماط حياتية مرتبطة بالبيئة.

تربط المؤلفة الطعام بالعادات والتقاليد الدينية. فالمسلمون في دمشق يطبخون في عاشوراء ورأس السنة الهجرية مأكولات "على بياض" مثل اللبنية وشيخ المحشي، ويستحضرون الغريبة في شعبان والبرازق في رمضان. أما مسيحيو دمشق فيطبخون ليلة الميلاد دجاجاً ومحاشي، وليلة رأس السنة "على بياض"، وفي عيد الغطاس يستحضرون السمبوسك. وفي أحد الشعانين وعيد البشارة يأكلون السمك حصراً، وينتهي الصوم الكبير بعيد الفصح الذي يطبخ فيه المسيحيون الشوام الشاكرية.

ينتقل الفصل بعدها إلى التمازج الحضاري في المطبخ، والذي يظهر في التسميات ذات الأصول التركية مثل داوود باشا والشيشبرك والستي زبقي، والتي ترتبط بفترة الحكم العثماني الذي استمر أربعة قرون. هناك أيضاً تسميات مرتبطة بموروث شعبي مثل "يهودي مسافر"، وأكلات أخرى ارتبطت بحقبة تاريخية كالفتات والحراق بأصبعه التي أبدعها الدمشقيون أيام المجاعات، وهي اليوم تتربع على موائد المطاعم الفاخرة كفلكلور. وتناقش المؤلفة الجدل حول دلالة هذه الأكلات على بخل الدمشقيين أم على توقيرهم للخبز كنعمة مقدسة، وتستشهد بقول سليمى محجوب أن الغذاء وسيلة للكشف عن أخلاق الأمم.

يتعمق الفصل في التحولات الاجتماعية، حيث تغير نمط العمل وخروج المرأة إلى الميدان العام انعكس على عادات ارتياد المطاعم. لم يعد يوم الإجازة بصحبة العائلة حول مناقل المشاوي، بل مع الأصدقاء في سهرة بعيداً عن الروتين. تراجعت "السهرات الدمشقية" التي كانت توطد العلاقات الأسرية عبر المشاركة في إعداد الطعام، وكذلك نمط الدعوات النسائية لعصرونية التبولة، وهي طقس احتفالي كان يحمل معاني غزلية وكرم الضيافة. لم تعد الدعوة إلى الطعام ندبة للضيف في البيت، بل أصبحت تُقدر بعدد نجوم المطعم وتكاليف الدعوة.

الجزء الأعمق في الفصل يتعلق بدور المرأة. تقول المؤلفة إن سمة المحافظة للمجتمع جعلت المطبخ عالماً خاصاً للمرأة. مكانة الطعام المنزلي في تراجع، وهي إحدى دعائم الروابط الأسرية، خاصة علاقة الأم بالأسرة. المرأة الشرقية التي تمضي حياتها في المطبخ كانت تبني أسرتها وتنقل خبراتها لبناتها كأسرار. وتفصّل المؤلفة في أسرار الطبخ النسائية التي تميز كل امرأة عن الأخرى: كيفية تحريك اللبن للكبة اللبنة أو الشيشبرك، طريقة حشي الكوسا، ولغز عجينة الكبة والماء البارد. هذه التفاصيل الصغيرة تمثل صنعة وتفنناً، وتحمي المرأة بها ما نالته من امتيازات في بيتها. فالمرأة الشامية تحرص على تكوين صورة مثالية لها بالتعفف عن الطعام، بينما تنمي لدى أبنائها الحس التلذذي، والمثل الدمشقي "العروس بعقلها وقلة أكلها" يعبر عن هذه العلاقة كوسيلة لكسب الآخرين.

تخلص المؤلفة إلى أن طبخ الأم أو الزوجة لم يعد القطبة المخفية في المؤسسة الأسرية بسبب تغير ثقافة المجتمع وبزوغ ثقافة الوجبات السريعة ومطاعم التيك أواي. في المقابل، انحبست مطاعم الأكلات المحلية الشعبية إما في الأحياء الشعبية بأسعار رخيصة، أو في المطاعم الفخمة كفلكلور نادر بأسعار مضاعفة. أما الطبقة الوسطى فتتناول أطعمة لا هوية لها في المطاعم الحديثة، لتبقى الطبخات المعقدة مثل "زنود البنات" و"الطباخ روحو" أسيرة مطبخ ست البيت.

يختتم الفصل بحديث عن جمعية ذواقي الطعام السورية التي تأسست عام 2002 على يد عشرة أعضاء، خمسة من حلب وخمسة من دمشق. وهي جمعية غير ربحية تشترط حيازة شهادة جامعية وإجادة لغتين. تنشط الجمعية في أوروبا وتطلق على نشاطاتها صفة "القصوفية"، أي تذوق الأطعمة. فكرة الجمعية نشأت من صداقة أعضاء في الأكاديمية الدولية للطهي. يرى المؤسسون أن المطبخ السوري غني ومتنوع لوقوع سورية على طريق الحرير القديم، وقد استفاد العرب ممن سبقهم حتى في الطبخ وجلبوا محاصيل كالخوخ والدراق من أفريقيا وزرعوها في بلاد الشام. تسعى الجمعية لتسجيل مذاقات محلية مثل زيت الزيتون في إدلب والفستق الحلبي في حلب، لمواجهة تصدير المنتوجات السورية إلى دول أخرى تغلفها وتأخذ علامتها التجارية. وتشير المؤلفة إلى أن هناك وصفات كثيرة في طريقها للاندثار، وأن قائمة الطعام الشائعة للسائح في الشام محدودة، والكوسا محشي لا يقدم بالمطاعم. وتحاول الجمعية التصدي لمشاكل السمنة الناتجة عن الوجبات السريعة، في مفارقة أن المجتمعات العربية تستورد هذه الأنواع بينما غذاؤها المحلي صحي.

أخيراً، يقر الفصل بحدوده: فالجمعية لم تلق حقها من الشهرة، والقناعة لم تتوفر بعد بأهمية الحصول على شهادات المذاق، وسوقنا السياحية ما زالت تفتقر للاستفادة من الوصفات المحلية لعدم جدواها اقتصادياً. كما أهمل المؤرخون هذا الموروث إلا من باب الحنين، وليس كمقاربة أكاديمية تحفظه من الزوال، في وقت تجتاح دعوات التحديث مجتمعاتنا بعشوائياً دون تقديم بدائل حقيقية تنسجم مع روحها.

12.مكتب عنبر موئل الوطنية الأول155–176▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من كتاب «زقاقيات دمشقية» للكاتبة سعاد جروس وصفاً تاريخياً ومعمارياً وطنياً لـمكتب عنبر، ذلك البيت الدمشقي العريق الذي تحوّل من قصر فخم إلى أوّل مدرسة ثانوية حكومية في سورية، ثم إلى رمز للصحوة الوطنية ومقاومة الاحتلال. الموضوع المحوري للفصل هو تتبّع مسيرة هذا المكان كموئل أول للوعي القومي العربي والنضال الطلابي، من أواخر القرن التاسع عشر وحتى مرحلة الاستقلال، لتقدّم المؤلفة بذلك إجابة ضمنية عن سؤال: كيف تشكّلت النخبة الوطنية السورية الأولى، وأين كان معقلها الروحي والفكري؟

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر جولة مكانية وزمنية في أروقة المدرسة، فيمزج بين وصف العمارة وسرد الأحداث التاريخية والحكايات الطريفة. يبدأ الفصل بوصف الوصول إلى مكتب عنبر عبر سوق مدحت باشا والبزورية، واصفاً إياه ببيت دمشقي جميل وضخم يلفه الهدوء، لكنه يحمل في جدرانه هسيس الماضي. يروي الفصل قصة بناء الدار على يد التاجر اليهودي يوسف عنبر سنة 1871م بتكلفة تجاوزت أربعين ألف ليرة عثمانية، لتكون من أفخم دور دمشق، غير أنه لم يهنأ بها وساءت حالته المالية، فآلت ملكيتها إلى مدير الأوقاف العثماني في بيروت. في تموز 1887م، اشترتها بلديات دمشق الأربع وحُوّلت إلى مدرسة إعدادية حكومية عُرفت باسم «مدرسة الرشدية»، وكانت لغة التدريس فيها التركية مع تدريس العربية كمادة مستقلة، في مشهد يعكس التخلّف التعليمي التركي آنذاك، حيث يروي الفصل حادثة مدرّس تركي لم يستطع تفسير آية قرآنية في سورة الذاريات.

مع بداية القرن العشرين ورياح القومية العربية، بدأ مكتب عنبر يسفر عن وجهه العربي. يصف الفصل أوّل إضراب طلابي في الحياة المدرسية السورية، حدث في عام 1915م، أي قبل إطلاق الشريف حسين ثورته بخمس سنوات. كان السبب إساءة أستاذ الفيزياء والكيمياء التركي مصطفى ثابت مدير المكتب، الذي وصف الطلاب العرب بـ «عربي قذر» (بيس آراب). وجاء هذا الإضراب بعد احتفال في حديقة الصوفانية في باب توما، حيث قدّم طلاب المكتب مسرحية عربية عن طارق بن زياد اعتُبرت تحدياً لسياسة التتريك. نجح الإضراب وحصل الطلاب على عزل المدير، لكن وزارة الداخلية التركية استاءت وعزلت والي الشام عارف المارديني الذي دعم الإضراب، وطردت قادة الطلاب وأعطتهم علامة الصفر في الأخلاق. يعدّ الفصل هذا الإضراب تأسيساً للحركة الطلابية الوطنية في سورية.

بعد الحرب العالمية الأولى و جلاء الأتراك، يُصبح مكتب عنبر أوّل مؤسسة تُعرب بالكامل. ومع بداية الانتداب الفرنسي، يتحول المكتب إلى ما يشبه الثكنة العسكرية؛ إذ يُدرب التلاميذ على استخدام السلاح ويُحضرونه إلى المدرسة، ويلتحق بعضهم بـمعركة ميسلون. بعد دخول القوات الفرنسية في 20 تموز 1920م وإعلان الانتداب، يُسحب السلاح من الطلاب، فتمتلئ النفوس بالغضب والألم. لكن المعلمين يرفضون الصمت، ويروي الفصل حادثة الأستاذ رشيد بقدونس الذي ندد بالانتداب أمام طلابه، وعندما تظاهر أحد الطلاب بالخوف عليه، صرخ الأستاذ قائلاً: «اذهب إلى حكومتك وقل لها إن رشيد بقدونس يعلم الطلاب الوطنية». كذلك يصف الفصل خطبة الشيخ عبد الرحمن سلام في حصة اللغة العربية، والتي قال فيها: «أنا اليوم غدوت مدرساً للغة العربية حقاً».

تعيش المدرسة فترة قلقة بين عامي 1918 و1920م، بين رحيل الترك وقدوم حكم الملك فيصل ومغادرته ثم قدوم الفرنسيين، ويعاني الطلاب من انقطاع الدراسة والعودة للصفوف ذاتها. يستقر الأمر عام 1921م، ليصبح مكتب عنبر الثانوية الأولى والوحيدة الكاملة في سورية وبلاد الشام، وتُعتمد شهادة البكالوريا بنظامها الرياضي والفلسفي. اللغة العربية هي لغة التدريس الرسمية، أما الفرنسية فكانت مادة تُدرّس في غرفة خاصة. يتوقف الفصل عند شخصيات المعلمين المميزين، ومنهم: جودة الهاشمي الجزائري الأصل، المدير الحازم النادر الابتسام الذي رفض تسليم أحد طلابه (حسن السقا) لرجال الأمن داخل المدرسة فمنعه من الخروج يوم عطلته لحمايته؛ والشيخ سليم الجندي الذي أضحك طلابه مرة واحدة عندما استخدم كلمة «ممحاة» بمعناها القديم (خرقة الحيض) ليدل على المحاية؛ والأستاذ محمد البزم الشاعر الذي لا يتكلم إلا بالفصحى ويجيب على الأسئلة بطرافة حادة؛ والأستاذ صالح التونسي الذي علّم الفرنسية بلهجته التونسية وأراد من طلابه فهم العاطفة في الشعر؛ والمسيو غولمييه الفرنسي الذي قال للطلاب في الشتاء عندما نفذ حطبهم: «اكسروا المقاعد وأشعلوها».

لا يخلو الفصل من حكايات تعكس الوعي الوطني. يصف حادثة وصول ثلاثة جنود فرنسيين للإقامة في المدرسة أيام الثورة السورية، حيث قرر طلبة داخليون في الليل حمايتهم من ثوار طلبوا تسليمهم. تصدى الطلاب للثوار وأصرّوا على رفض التسليم داخل أسوار المدرسة، فانصرف الثوار تجنباً لسفك دماء الطلبة. ويُروى أن أحد الجنود الفرنسيين قال بعدها إنه ظن أن كرم العرب مجرد أساطير، لكنه رأى بأم عينيه أن الطلاب العرب كانوا أصلاء رغم كراهيتهم للفرنسيين. أما الحادثة الأبرز فكانت توجيه صفعة للمفوض السامي الفرنسي دو جوفنيل عام 1925م أثناء زيارته للمكتب. فقد رتب الطلاب لعبة «بيل- بيل» ليقطعوا الطريق أمامه، وتسلقوا الأعمدة وتظاهروا باللعب بالكرة، ثم كتب أحد الطلاب عبارة تطالب فرنسا بالرحيل على لوحة رسم. غضب المفوض وطلب التحقيق، لكن الأستاذ شكري الشربتجي أوقفه قائلاً إن والد هذا الطالب أُعدم بيد جمال باشا في مثل هذا اليوم، فعفا عنه المفوض. وحين حضر ضابط فرنسي لاحقاً ليعتقل الطلاب، أمره المفوض بالانصراف. نجح الطلاب بفضل توجيهات المدير جودة الهاشمي الذي همس لكل طالب بأن يكتب في التحقيق «ما بعرف شي» ليمر الحدث بسلام.

يتضمن الفصل فقرات طويلة لتفصيل العمارة الداخلية للمبنى وأقسامه الأربع: البوابة والممر، الفسحة السماوية الأولى، الفسحة السماوية الثانية التي تضم أوسع الباحات وفسقية كبيرة وغرفاً للتدريس مزينة بأعمدة المرمر، وقسماً رابعاً للخدم استُخدم لاحقاً للمعيدين. يستحضر الكاتب تفاصيل الحياة اليومية كصرامة الحارس كاظم آغا الأرناؤوطي الذي كان يغلق الباب بوجه المتأخرين، ونشاط الطلاب في فترات الاستراحة بلعب «الكجة» و«المناقلات الأدبية» التي تسمى «مذاكرة أنفاس»، ووصف السيارات التي كانت المدرسة تقيمها في نهاية العام في الربوة ووادي باب السريجة.

يُقرّ الفصل بحدود الزمن، مشيراً إلى أن المدرسة نُقلت لاحقاً إلى موقع قريب ليُصبح اسمها مدرسة التجهيز التي سُميت بـجودة الهاشمي ولا تزال قائمة. أما مبنى مكتب عنبر القديم، فقد أصبح من الأبنية الحكومية، ورُمّم في الثمانينيات ليُصبح قصراً للثقافة تابعاً لوزارة الثقافة ثم لمحافظة دمشق، وفيه مكاتب مديرية حماية المدينة القديمة. تختتم المؤلفة فصلها بتأكيد أن هذا المكان ليس مجرد قصر للثقافة أو تحفة معمارية، بل هو قلب العروبة النابض الذي تخرج منه عشرات الطلاب الذين حملوا لواء الوطنية والنضال حتى الجلاء والاستقلال، مثل الرئيس شكري القوتلي ونسيب البكري وسعيد الغزي وحسني سبح ووجيه السمان وأمجد الطرابلسي وبدوي الجبل.

في جملة واحدة، الفصل هو سيرة ذاتية لصرح تحول من قصر تاجر إلى مدرسة وطنية، ثم إلى أيقونة للذاكرة السورية، حُفظت حجارته وأحداثه كدليل على أن الوطنية تولد في الفصول الدراسية قبل ساحات المعارك.

13.مدرسة الحسنية تجربة علمية واجتماعية رائدة177–190▼ ملخص

ملخص فصل «مدرسة الحسنية تجربة علمية واجتماعية رائدة» من كتاب «زقاقيات دمشقية» لسعاد جروس

يُعنى هذا الفصل بتقديم مدرسة المحسنية في دمشق كنموذج رائد للتكامل بين التعليم الديني والحداثي، وبوصفها مشروعاً مجتمعياً تجاوز دوره التعليمي ليشمل الإصلاح الاجتماعي والمواجهة الثقافية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه المدرسة لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت مركزاً تنويرياً جمع بين العلم والأخلاق والدين، واستطاع أن يخلق توازناً بين الأصالة والمعاصرة في فترة حرجة من تاريخ سورية والمنطقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من التجوال في شارع الأمين المتفرع عن الشارع المستقيم (شارع مدحت باشا) المنتهي بـ البزورية حيث تقع المدرسة. يصف الكاتب المشهدية التي انفتحت أمامه عند المدخل، بدءاً من اللوحة النحاسية التي تحمل تاريخ إنشاء المدرسة سنة ١٢٨٧ هجرية على يد العلامة السيد محسن الأمين الحسيني، ثم يتوقف عند العمارة الدمشقية الأموية بحجارتها البيضاء والسوداء، والليوان المنقوش بالعجمي والرخام الذي يحمل صورة المؤسس. ينتقل بعدها إلى طابق مجلس الإدارة ثم إلى غرفة المكتبة، التي يصفها بأنها المكان الذي يأخذ فيه التاريخ استراحته الطويلة، حيث توجد مكتبة السيد محسن التي تبرع بشرائها الحاج رشيد بن عبد الله الروماني بمبلغ خمسة آلاف وخمسمئة ليرة سورية سنة ١٩٥١، بالإضافة إلى مكتبة الأستاذ أديب التقي وغيرهما.

يستخدم المؤلف الوثائق والمخطوطات والبيانات السنوية للجمعية كأدلة رئيسية لإعادة بناء تاريخ المدرسة. فعلى الطاولة الزجاجية في المكتبة، كُشف عن مخطوطات بخط يد السيد محسن الأمين، وأصول لكتب كـ «أعلام الشيعة»، ودفاتر، وكتب منسوخة من مكتبة النجف، وبيانات سنوية كشفت عن شخصيات متنوعة: معلمين، تجار دمشقيين محسنين، وسيدات مجتمع راقيات مثل المحسنة حرم الحاج يوسف بيضون. كما تكشف البيانات عن لجنة نسائية تأسست عام ١٤٠٤ هـ تحركت لإنقاذ القسم الثانوي من الإغلاق، ولجنة ثقافية تأسست عام ١٩٤٥ كرست جهودها لمكافحة الأمية عبر دروس مسائية في المدرسة.

يضع الفصل المدرسة في سياق حي الأمين الذي يصفه بأنه فسيفساء اجتماعية ومذهبية وجغرافية فريدة، يضم المسلمين (سنة وشيعة)، المسيحيين، الدروز، واليهود، إضافة إلى سكان من مناطق متعددة مثل جبل عامل في لبنان، جبل العرب، إيران، العراق، شمال سورية، بعلبك، الباكستان، وفلسطين بعد عام ١٩٤٨. ضمن هذا الموزاييك، برزت المدرسة كمركز تنويري بشعار «الدين والخلق والعلم»، حيث قدم الوجهاء التمويل والدعم. يستشهد الكاتب بخطبة لـ رشيد مرتضى سنة ١٩٥١ في ذكرى وفاة المحسن كامل الغزي تؤكد أن حياة المحسنين عبرة ووفاتهم ذكرى، وجداول تبرعات لعام ١٩٤٥ تظهر تدفق الدعم: تبرع الحاج رشيد الروماني بـ ٢٠٠٠ دينار عراقي، ومحمود الروماني بـ ١٠٠٠ دينار عراقي، والحاج عبد الحسين صاحب من إيران للإسهام في القسم الداخلي، والسيد إبراهيم البيشلي بـ ١٨٠٠ ليرة عثمانية من وصيته، والشيخ بلاسم آل ياسين بمبلغ ١٠٠٠ دينار عراقي للمدرسة والكلية العاملية في بيروت.

يقدم الفصل البعد السياسي والأيديولوجي للمدرسة بوضوح من خلال نقاش حول دوافع التأسيس، فيصفها بأنها كانت رد فعل ثقافياً على المد التبشيري الغربي في فترة ضعف الدولة العثمانية وتمدّد الاستعمار. يُستشهد بنص للعلامة محسن الأمين يبرر فيه تأسيس «المدرسة العلوية العثمانية» (المحسنية) كوسيلة لمواجهة المدارس التبشيرية التي كان الدخول إليها يستلزم «البعد عن عقائد الدين الإسلامي»، متهماً إياها بأنها «أشراك لاصطياد أبناء المسلمين» أو تدفعهم لتقليد الإفرنج. ويردّ على من اعتبر إنشاء هذه المدارس من المحرمات، مؤكداً أن الأولى هو وجوب التصدي لها درءاً للمفسدة.

في الجانب التربوي والتعليمي، يوضح الفصل أن المدرسة اتبعت طرائق تدريسية حديثة مماثلة للمدارس التبشيرية نفسها. ففي المرحلة الابتدائية، كان يُدرَّس ثلاث لغات أجنبية: التركية، الفارسية، والفرنسية، إلى جانب إتقان العربية (قواعد، نحو، صرف، خط، خطابة)، والحساب، والجغرافيا، والمنطق، ومادة «الدوبيا» (وهي مادة عسكرية). في سنوات لاحقة، أُدخلت الموسيقى والغناء والرسم والرياضة واللياقة البدنية. كما اهتمت بالنشاط الطلابي خارج الدوام عبر الرحلات العلمية، ومخيمات الكشافة، والمسرح. والأكثر لفتاً هو المنهج التربوي المتقدم الذي استبعد الضرب والتوبيخ المسيء للكرامة من قانون التأديب، واقتصره على عقوبات كتابية ككتابة أسطر، تزداد حدتها بازدياد عددها: فيعاقب المتخلف يوماً كاملاً بكتابة ٣٠٠ سطر، والمهمل في نظافته بـ٢٠ سطراً أو الوقوف أمام الحائط، ولا يُطرد الطالب إلا بعد تنبيهه أكثر من مرتين وإبلاغ أهله.

يتناول الفصل النظام المالي القائم على دعم الأهداف الخيرية، مستشهداً بنظام الأجور الداخلي للمدرسة الابتدائية العلوية. كانت الأجور تختلف حسب المواد: ١٥ قرشاً سورياً لتعلم مبادئ القراءة، وصولاً إلى ٧٥ قرشاً لتعلم الحساب واللغة والديانة والنحو والصرف والإملاء والقراءة العربية، و١١٤ قرشاً للمواد المذكورة مع «الدوبيا». لكن هذه الأرقام الكبيرة نسبياً كانت توازنها سياسة تعليم مجاني لأبناء الفقراء، حيث يشير البيان السنوي للأعوام ١٩٤١ و١٩٤٢ إلى وجود ١٥١ طالباً، منهم ٤٨ يدفعون أجرة كاملة، و ١٠ بنصف أجرة، و ٩٣ مجاناً، وعدد إجمالي بلغ ٣٧٤ طالباً. وفي بيان سنوات ١٩٤٧ و١٩٤٨، كان عدد الطلاب ١٨٤، منهم ٨٩ بأجرة كاملة، و ٤١ بنصف أجرة، و ٥٤ مجاناً، مما يعكس نظام تكافل اجتماعي واضح.

من الأدلة المهمة الأخرى التي يستخدمها الكاتب، النشرة الثقافية للمدرسة «صدى المحسنية»، التي تصدر عن الطلبة أنفسهم بهيكلية مؤسساتية مصغرة. في عددها الأول الصادر في أيار ١٩٤٨، كتب محمد صندوق افتتاحية يؤكد فيها أن أهداف المحسنية الثلاثة (الدين، الخلق، العلم) لم تتبدل، وتناولت النشرة موضوعات سياسية وقومية مثل عيد الجلاء وفلسطين، معتبرة أن آلام الأمة العربية ناشئة عن تدخل الأجنبي. يُلاحظ الكاتب أن سعر النسخة كان ٢٠ قرشاً سورياً والاشتراك السنوي ١٠٠ قرش، وهو مرتفع جداً لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويُفسّر ذلك بوصفه نشاطاً استثمارياً لدعم صندوق الجمعية.

يعود الفصل إلى تاريخ الجمعية المحسنية التي تأسست عام ١٢٨١ هـ الموافق ١٨٦٤ م، والتي تتبع لها «المدرسة العلوية العثمانية» الابتدائية في دخلة الشرفا المتفرعة عن زقاق المدار في حي الأمين. ثم انتقلت إلى بناء حديث في البزورية، لتصبح مدرسة كاملة (إبتدائي، إعدادي، ثانوي) مع قسم داخلي للطلبة الوافدين، أُلغي في العقود الأخيرة لعدم الحاجة إليه. ويشير إلى التطور الاجتماعي في تسمية المنطقة: فـ حارة اليهود في محلة الخراب أصبحت حي الأمين نسبة للسيد محسن الأمين، كما سمي أول مستشفى وطني في دمشق (المستشفى المجتهد) باسمه، والذي أطلق اسمه على منطقة المجتهد.

يختتم الفصل بزيارة لبيت السيد محسن الأمين بجانب المدرسة، حيث غرفة المكتبة المتواضعة التي قضى فيها معظم وقته، والتي لا تزال تحتفظ بروحه. يصفها الدكتور شفيق نظام بأنها غرفة في الطابق الأول بدرج يلف صاعداً كأدراج المآذن، حيث كان السيد يجلس على الأرض على بساط متواضع، محاطاً بأكوام الكتب، ويكتب بقلم تقليدي من القصب. من هذه الغرفة خرجت مؤلفاته الغزيرة التي ناهزت الأربعين كتاباً، أبرزها «أعيان الشيعة» في ٢٧ مجلداً، وديوان شعر «الرحيق المختوم» في جزئين. كما أسس إلى جانب المدرسة جمعية لتطبيب الفقراء، ومدرسة لتعليم البنات اسمها «اليوسفية» تكريماً للحاج يوسف بيضون. يصف الكاتب شخصيته كرجل دين لم يقتصر على المواعظ، بل جمع بين الأفكار والأفعال، واتخذ مواقف وطنية متشددة ضد الاستعمار الفرنسي، فكانت داره في الثلاثينيات منطلقاً للإضراب ضد الشركات الفرنسية، ومشهوراً بقوله لأحد القادة الفرنسيين: «التاريخ لم يسجل أن القوة استطاعت الانتصار على الحق». توفي سنة ١٣٧١ هـ الموافق ١٩٥٢ م في بيروت، ونُقل جثمانه إلى دمشق ليُدفن في صحن مقام السيدة زينب، وصدر مرسوم جمهوري بمنحه وسام استحقاق وضع على نعشه.

ينتهي الفصل بإشارات مفتوحة للأسئلة، مثل أن كثيراً من أبناء دمشق يجهلون أصل تسمية منطقتي الأمين والمجتهد، وبأن معالم البيت تغيرت مع عمليات التحديث، لكن الغرفة الوسيطة احتفظت بكونها مكتبة للكتب، وإن لم تعد للكتابة. ويذكر الباحث حسن الأمين في مقابلة أجريت معه في بيروت عام ٢٠٠١ تفاصيل جميلة عن سهرات «الأدوار» (جمع دور) الليلية في الشتاء، وهي مجالس ثقافية واجتماعية تنقل بين بيوت الحي، منها دور للشيوخ والكهول، وآخر للشباب، وثالث لمحبي الثقافة والعلم أنتج الكثير من الشعر الظريف.

في النهاية، يمكن القول إن الفصل، رغم كونه وثائقياً وتاريخياً، يقدم صورة متكاملة لمشروع تعليمي ومجتمعي طموح، معتمداً على أدلة مادية وكتابية غنية. بعض التحفظات التي يمكن استنتاجها من النص تتعلق بإضفاء طابع مثالي قد يخفي تعقيدات الحياة اليومية داخل المدرسة، كما أن الاعتماد على بيانات الجمعية وكتابات النخبة قد يطغى على صوت الطلاب العاديين أو أهاليهم، مما يجعل السرد مركزاً على النخبة المؤسسة والداعمة أكثر منه على المتلقين.

14.سجن المزة .. تبادل أدوار191–200▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب "زقاقيات دمشقية" موضوعاً محورياً هو تاريخ سجن المزة في دمشق، ليس كموقع عادي للاعتقال، بل كمرآة عاكسة للتقلبات السياسية والعسكرية في سورية على مدى خمسة عقود. الإجابة التي يقدمها المؤلف واضحة: السجن كان "سجن النخبة" الذي تبادل فيه السجانون والضحايا الأدوار، فمن كان سجاناً بالأمس أصبح سجيناً اليوم، والعكس صحيح. الفصل يوثق هذه المفارقة الدرامية، واصفاً كيف أن من بنوا زنزانات التعذيب وأداروها، وجدوا أنفسهم لاحقاً نزلاء فيها، وكأن السجن هو المصير المحتوم لمن يتقلبون على سلّم الحكم.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر شهادات وروايات شخصيات عايشت التجربة. يبدأ بوصف مادي للسجن وموقعه على ربوة في قرية المزة، ثم يصف بنيته الداخلية: زنزانات فردية، ومهاجع كبيرة وصغيرة. يلفت الانتباه إلى زنزانة "الطومبو" أي القبر، بتصميمها القبري وأبعادها الضيقة (مترين طولاً، 80 سنتيمتراً عرضاً، و4 أمتار ارتفاعاً) دون أي مرافق صحية. كما يصف زنزانة "أبو ريحة" التي تحتوي على مرحاض يسبب رائحة كريهة ورطوبة، وتتسع لشخصين لكنها كانت تُحشر بأكثر من ضعف طاقتها أثناء حملات الاعتقال. يوضح الفصل أن الاستخدام الأكبر للسجن كان خلال الاستعمار الفرنسي ثم فترة الانقلابات.

ثم ينتقل الفصل إلى الشهادة الأولى، وهي شهادة محمد سهيل العشي، الرجل العسكري الذي عمل في القصر الجمهوري ووزيراً للداخلية. يروي العشي تفاصيل اعتقاله في 30 مارس 1949 في الساعة الخامسة صباحاً، حيث داهمه خمسة ملثمين مسلحين واقتادوه إلى سجن المزة. هناك اكتشف أن الرئيس شكري القوتلي وخالد العظم والحكومة بأكملها معتقلون أيضاً. يصف دهشته من رؤية المقدمين طالب الداغستاني ومحمد صفا، ويتأكد لاحقاً أن حسني الزعيم هو من قاد الانقلاب. يروي العشي تفاصيل إنسانية، مثل رفضه زيارة أحد أقربائه الذي انحاز للانقلاب، وقصة السجين بجانبه نهيب المتهم بالاختلاس الذي كان يقرأ القرآن، وطلبه منه رفع صوته. كما يذكر حادثة استنكاره لوضع أحمد اللحام الأمين العام لوزارة الدفاع في زنزانة "السيلول"، وعرضه أن يأخذ مكانه، وهو عرض رفضه مدير السجن. ولعل أبرز ما يرويه العشي هو لقاؤه بألماني ملتحٍ عالم نباتات، لم يفهم سبب وجوده، لكنه أدهشه بقوله إن التأمل في الحشائش يجعله يجد فيها سر الرب، ليتساءل العشي: أهناك رب وحشائش في مكان مثل هذا؟ ويختتم العشي شهادته بالإشارة إلى أن حسني الزعيم اعتمد على إبراهيم الحسيني، رئيس الشرطة العسكرية، ويروي حادثة طريفة عن الزعيم عندما أوهم وفداً من العلماء بأنه يهدد الحسيني بإعداد عشرين سريراً، ليردعهم عن الاحتجاج. ثم يروي كيف كان الحسيني يقتاد بعض المغضوب عليهم إلى الصحراء ويقتلهم، لكن العشي يتحفظ على توثيق هذه الرواية نافياً ما يرويه الآخرون من تفاصيل نائية عن الشهود.

الفقرة التالية تقدم شهادة وصال فرحة بكداش، من الحزب الشيوعي السوري، التي تسرد وقائع اعتقالها أثناء حكم الزعيم. تصف تعذيب الشيوعيين بـ "اقتلاع الأظافر والصدمات الكهربائية"، وإجبارهم على حفر خنادق حول السجن قيل إنها قبورهم. تروي كيف أضرب الرفاق الشيوعيون عن الطعام، فشكلت النساء وفوداً للاحتجاج، لكن إبراهيم الحسيني اعتقلهن هو وعفاف ملا وليندا نعنع وأدخلهن إلى مهجع كبير حيث الرفاق الذين قالوا إنهن شرف لهن. تنزلن بعدها في زنزانة "أبو ريحة"، وأعلنّ الإضراب عن الطعام. تسمع صوت إطلاق نار، فتظن ليندا أن الزعيم قتل، لكن وصال تطلب منها النوم. في الصباح يأتيهن مدير السجن عزت حسين بالطعام من بيته، ويرفضنه، وبعد ثلاثة أيام يمر بهن فيصل العسلي ويخبرهن بالفرنسية أن "الكلب فطس" أي أن حسني الزعيم قتل.

يؤكد الفصل أن سجن المزة كان مكاناً "يبدو الحديث عن حقوق السجين وقوة القانون أمراً مسوغاً لدخوله هو غضب الممسك دفة الحكم". ثم يسرد مفارقة أخرى: عبد الحميد السراج، رجل الاستخبارات المرعب أيام الوحدة مع مصر، كان من بناة السجن، لكنه حل نزيلاً فيه بعد انفصال سورية عن مصر عام 1961. يروي الفصل أن نصوح الغفري الشيوعي المعروف خر ساجداً حين رأى السراج داخلاً، قائلاً "الله يمهل ولا يهمل". لكن السراج لم يمكث طويلاً؛ إذ فر بمساعدة الرقيب منصور الرواشدة إلى لبنان، حيث كان بانتظاره في بيروت سامي شرف، مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر، ليُنقل بعدها بطائرة خاصة إلى القاهرة. أما سامي جمعة، الشخصية المعروفة في الاستخبارات السورية، فقد عاصر السجن سجاناً وسجيناً: بنى غرفاً فيه للقوميين السوريين المتهمين بقتل عدنان المالكي في منتصف الخمسينيات، وحقق مع العديد من السياسيين خلال الوحدة، وعندما اعتقل في زمن الانفصال مع الوحدويين، نام بين العماد مصطفى طلاس وعدنان دباع في مهجع رقم أربعة. يذكر أن المحققين معه كانوا الرائد أحمد زهير العادلي وتوفيق صالحة وشتيوي سيفو، الذي صار وزيراً بعد تسلم البعثيين الحكم عام 1963.

يختتم الفصل بشهادة العماد مصطفى طلاس من مذكراته، حيث يصف دخوله السجن ومفاجأته بنظافة "المنفردة رقم 7". يؤكد أن التعذيب الجسدي كان الوسيلة الأكثر استعمالاً، ويصف سماعه لأصوات الرفاق يتعذبون. يروي حادثة عن الضابط صبحي رشيد، الذي انهال عليه السجانون بالعصا والكرابيج قرابة الساعة حتى أصبح بلا حراك، ثم شاهده في اليوم التالي يتنفس كأن شيئاً لم يكن، مما أثار دهشته هو ورفاقه. يذكر مفارقة أخرى: محاولة إدارة السجن تعذيب أحد البدو بالكهرباء، لكن أسلاك الكهرباء لم تصل إلى جسمه لأن رجليه كانتا "كخفى البعير"، فأرغمت الإدارة على العودة للضرب الجسدي. ويصف ابتكاراً بشعاً لسجان ربط صياح عامر من عضوه التناسلي بسلك هاتف وجره خلفه. يختم الفصل بتأمل: السجين والجلاد كلاهما منتهك، الأول إذلالاً والثاني وحشية، والأوامر التي تصل السجان تكبر تحت سياطه ولا تشفي غليله. ويقول إن سجن المزة قد آل إلى الماضي، لكن أرواح من دخلوه تظل تحوم على تلك الرابية الشاهدة على صراع تسبب بالكثير من الفجائع.

يكشف الفصل عن حقيقة مركزية قابلة للنقاش: أن العنف السياسي في سورية كان دائرياً، وأن سجن المزة يمثل تجسيداً مادياً لهذه الدورة، حيث لا يوجد خط فاصل ثابت بين الجلاد والضحية، بل هو تبادل أدوار مؤقت يتوقف على من يمسك بزمام السلطة.

15.مقاهي دمشق من (الروضة) و (ابو حشيش) إلى (روتانا)201–210▼ ملخص

يتناول هذا الفصل من كتاب "زقاقيات دمشقية" للكاتبة سعاد جروس التحولات العميقة التي طرأت على مقاهي مدينة دمشق عبر الزمن، من أواخر القرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. الموضوع المحوري هو أن المقاهي لم تكن مجرد أماكن لتناول المشروبات، بل مرآة صادقة تعكس التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الدمشقي، حيث تنتقل وظيفتها من كونها "عادة مرذولة" في نظر البعض إلى فضاءات للسياسة والثقافة، ثم أخيراً إلى منصات للاستهلاك والتفاوت الطبقي. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن تطور المقاهي يعكس بالتوازي تحول دمشق من مجتمع تقليدي إلى آخر ينفتح على العولمة، مع تزايد الفجوة بين الطبقات.

يسير الفصل خطوة بخطوة مستعرضاً ثلاث مراحل رئيسية. يبدأ بالمرحلة الأولى، مستشهداً بكتاب محمد سعيد القاسمي "قاموس الصناعات الدمشقية" الذي كان يذم ارتياد المقاهي ويصفها بمكان لا يرتاده من به شهامة أو عقل. ثم ينتقل إلى عكس هذه الصورة، مستعيناً بيوميات البديري الحلاق من عام 1757، التي تذكر أن الشيخ إبراهيم الجباوي كان يجلس في المقاهي رغم مكانته، مما يدل على تواضع الوجهاء في ارتيادها آنذاك. كان المقهى قديماً ملاذاً للعامة والحرفيين وأبناء الجاليات، بل وحتى للهاربين من القانون، كما في مقهى "خبيني" الشهير الذي ظل قائماً حتى بدايات القرن العشرين في منطقة الحجاز. هذه الأمثلة توضح كيف كانت المقاهي فضاءات شعبية ومغلقة على فئات محددة.

المرحلة الثانية، والتي يسميها الفصل "المرحلة الذهبية"، تمتد من أواخر الأربعينيات مروراً بالخمسينيات والستينيات. هنا تتحول المقاهي من أماكن ترفيهية إلى نوادٍ سياسية وثقافية، خاصة في شارعي العابد وبغداد. ويقدم الفصل أمثلة دالة على ذلك: ففي مقهى الرشيد (الذي كان يُعرف سابقاً بـ اللونابارك) عُقد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي في نيسان 1947 بحضور نحو مائتي مثقف. وفي مقهى البرازيل كان يجتمع السياسيون العتاة والوزراء السابقون واللاحقون، فيما كان مقهى الهافانا يضم شباباً من أحزاب مختلفة كالاشتراكي والشيوعي. كما يورد الفصل شهادة سياسية مهمة للدكتور عبد السلام العجيلي من كتابه "ذكريات أيام السياسة"، الذي يحكي فيه أنه حين كان وزيراً للخارجية، كان يصر على الذهاب صباحاً إلى مقهى البرازيل للقاء أصدقائه القدامى قبل الدوام، مما أثار دهشة السفير الإيراني. هذه الشهادات والحكايات تبرز كيف كانت المقاهي مسرحاً للنقاش السياسي الحاد، حيث كانت الأحاديث تدور حول جلسات البرلمان وقضايا الجيش وخاصة قضية فلسطين وحرب 1948، وكثيراً ما كانت تسبق الانقلابات العسكرية التي كانت تخلو خلالها المقاهي من الزبائن في صمت يسبق العاصفة، ليعود إليها الرواد بعدها لتحليل ما جرى والتنبؤ بالتشكيلة الوزارية القادمة. وكان الدمشقيون يرددون أن من تمنح له حقيبة وزارية توضع له في الحقيبة نفسها بيجاما وشحاطة وفرشاة أسنان، إشارة إلى أن الوزير غالباً ما سينتهي به المطاف في السجن بعد سقوط الحكومة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة، وهي العقود الأخيرة من القرن العشرين. يصف كيف غاب السياسيون والصحافيون عن المقاهي، لتحل محلها فئة المتقاعدين والعاطلين عن العمل والمثقفين المهتمين بالشأن الثقافي فقط. يذكر أمثلة على شخصيات كانت تمثل روح تلك المقاهي كـ صدقي إسماعيل الذي كان يكتب صحيفته الساخرة "الكلب" بخط اليد، ثم يختفي هؤلاء. ثم يصف الفصل المشهد المتغير في مقهى الروضة الذي أصبح ملاذاً للمثقفين بأسعاره الشعبية، ومقهى البرازيل في فندق الشام الذي جذب الميسورين والعاملين في التلفزيون والسينما. كما يشير إلى استثناءين في إقبال النساء: نادي الصحافيين ومقهى عالبال في دمشق القديمة، بالإضافة إلى مقهى النوفرة الشعبي الذي تحول إلى موقع سياحي يجلس فيه النساء والرجال معاً بعد أن كان حكراً على الرجال. هذه التفاصيل توضح التشرذم الاجتماعي والثقافي الذي حلّ بدلاً من الوحدة السياسية السابقة.

الجزء الأخير من الفصل يركز على التغييرات الكبيرة التي طرأت منذ تسلم الرئيس بشار الأسد الحكم في عام 2000. يشير الفصل إلى دور الضغوط الدولية على سورية عام 2005 والانسحاب السوري من لبنان في عودة الأموال السورية المهاجرة، مما أدى إلى تدفق الاستثمارات في مشاريع خدمية ومقاهٍ حديثة. هذا الانفتاح الاقتصادي أدى إلى فرز المجتمع السوري وفقاً لمستوى الدخل، فظهرت مقاهٍ للطبقات المتوسطة والعليا كمقاهي (تراتوريا) و**(سهارى)** و**(الأوديون)** و**(الداون تاون)** و**(إن هاوس)، ومقاهٍ استعراضية كمقهى (روتانا) بجانب فندق الفور سيزن التي توفر أجواء أقرب لاستوديوهات التلفزيون. فيما بقي الشباب ذوو الدخل المتدني يرتادون المقاهي الشعبية كـ النوفرة والروضة** ومقاهي الحجاز والمرجة. يخلص الفصل إلى أن غياب النشاط السياسي جعل المقاهي اليوم تظهر التباين الطبقي بدلاً من التعدد السياسي الذي كان سائداً في الخمسينيات والستينيات، حيث يمكن "قراءة ما طرأ على المشهد الدمشقي من تحولات خلال العقد الأخير" بمجرد الانتقال من مقهى الروضة وأبو حشيش إلى مقهى روتانا. ويصف الكاتب هذا بأنه انعكاس طبيعي لسياسة الانفتاح الاقتصادي التي فتحت الباب أمام سلاسل المقاهي العالمية، التي "أخفت التجاعيد لكنها لم تعد إليه الشباب".

يعترف الفصل ضمنياً بحدوده، فهو لا يقدم إحصاءات دقيقة أو تحليلاً اقتصادياً متعمقاً، بل يعتمد على الذاكرة الاجتماعية والشهادات الشخصية كحكاية العجيلي. كما أنه يترك سؤالاً مفتوحاً حول طبيعة هذه التحولات، هل هو تقدم أم تراجع؟ حيث يكتفي بوصف عملية "الفرز" و"التباين" دون إصدار حكم قاطع. الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص تتمثل في الربط السببي المباشر بين الانفتاح الاقتصادي واختفاء السياسة من المقاهي، وهو ما قد يراه البعض تبسيطاً مفرطاً لعلاقة معقدة. كما أن وصف الفصل لمقهى "روتانا" بأنه استعراضي وأقرب لأجواء استوديوهات التلفزيون يحمل نبرة نقدية ضمنية للاستهلاكية والنخبوية الجديدة، في مقابل حنين واضح لـ"المرحلة الذهبية" التي كان فيها للمقهى دور سياسي وثقافي أعمق.

16.السهر في دمشق211–224▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تطور مفهوم السهر والترفيه في دمشق، من طقوس عائلية وجماعية بسيطة في المنازل، إلى صناعة ضخمة ومتنوعة في الأماكن العامة، تعكس التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والانفتاح الذي شهدته المدينة. يقدم الفصل مقارنة واضحة بين ماضي السهر وحاضره، ليجيب ضمنياً على سؤال: كيف تغيرت دمشق ولماذا؟

يسير الفصل خطوة بخطوة، مستهلاً بمشهد معاصر للمطاعم الفخمة المزدحمة في محيط دمشق كصيدنايا والزبداني، والتي تستوعب الآلاف وتقدم أطباقاً من كل أنحاء العالم. يربط الكاتب هذا المشهد بالنمو السكاني الهائل، حيث تستحوذ العاصمة ومحيطها على ثلث سكان سورية (نحو ستة ملايين نسمة)، وتدفق الوافدين من الفلسطينيين والعراقيين الذين أصبحوا جزءاً من النسيج الدمشقي. ثم ينتقل الفصل فجأة إلى الماضي، مستشهداً بكتاب "يامال الشام" لـسهام ترجمان، ليرسم صورة حية لسهرة عائلية في زمن مضى. يصف الفصل كيف كان الأبوان يعدان لوازم السهرة بنفسيهما، من صينية كنافة على المدفأة، وركوة قهوة على الجمر، وصحون المكسرات والفواكه المجففة. لم تكن وليمة طعام، بل مأكولات خفيفة للتسلية.

يوضح الفصل أن الترفيه كان نشاطاً داخلياً يعتمد على الابتكار الذاتي، مثل لعبة "البرجيس" التي تقسم الحضور إلى فريقين، ولعبة "سلطة" التي تفرض أحكاماً طريفة على الخاسر كالصياح كالديك. وكان للموسيقى والشعر نصيب، حيث يحضر العود وتنطلق مباريات شعرية. كانت هذه السهرات تقام بالدور كل أسبوع في بيت عائلة مختلفة، وكانت هناك أدوار مماثلة لأصحاب الحرف والجماعات الأخرى. لم يكن الترفيه خاضعاً للطبقة، بل كان نشاطاً خاصاً لجماعات متجانسة دون إحساس بالخسارة المادية. في المقابل، لم تكن الملاهي معروفة في دمشق في العقود الأولى من القرن الماضي إلا للرواد الفرنسيين والأجانب، وكان بعض الدمشقيين يقصدون بيروت لارتياد ملاهيها. كانت المطاعم محدودة مثل مطعم أسدية ومطعم الأمراء في سوق الحميدية، وهو السوق الوحيد حيث يمكن رؤية النساء يتناولن البوظة في مقهى بكداش.

يواصل الفصل تتبع التغير التدريجي، مشيراً إلى أنه ابتداءً من العشرينيات، سمحت بعض العائلات بسهر مشترك بين الرجال والنساء داخل المنزل. ومع توسع المدينة وانتشار البيوت الطبقية الصغيرة وتغير نمط العلاقات الأسرية، بدأت الأماكن العامة تحل محل المنازل لقضاء النزهات. اختفت الطبيعة من قائمة الشروط الإلزامية، فظهرت في العقد الأخير مطاعم في مناطق جرداء مثل صيدنايا، تعتمد على ديكورات حديثة واصطناعية وتستقطب الطبقة الوسطى. يتميز بعضها بتقديم المشروبات الروحية في الربوة ودمر، بينما يختفي في عين الفيجة. ثم يتناول الفصل بالتفصيل المطاعم الفاخرة الشهيرة التي لا تزال متمسكة بتقاليدها (مثل الشرق العريق ومطعم الجلاء)، والتي لحقت بها مطاعم باذخة أخرى (مثل زنوبيا، أمية، السويس هاوس، الحدائق الملكية)، والتي أصبح ارتيادها حكراً على الأثرياء وبقايا البرجوازية وطبقة المسؤولين.

يقدم الفصل دليلاً اقتصادياً على هذا التحول الطبقي،مقارناً بين الستينيات وما بعد عام 2000. ففي الستينيات، كان موظف ذو دخل جيد (نحو 300 ليرة سورية) يستطيع ارتياد المطعم مع عائلته، حيث كانت تكلفة سهرة ممتازة لعشرة أشخاص لا تتجاوز سبعين ليرة (أقل من عشر ليرات للشخص). أما بعد عام 2000، فموظف بنفس المستوى المالي (معدل 25 ألف ليرة) لا يستطيع ارتياد المطاعم أكثر من مرة في الشهر، لأن متوسط كلفة الشخص الواحد في عشاء ساهر بات 3000 ليرة. هكذا تحول السهر من سمة شعبية إلى حكر على المقتدرين، وصارت بعض الأماكن مسارح للاستعراض، حيث باتت المتعة في عرض أدوات الإبهار (المكياج، الملابس، الإكسسوارات) بدلاً من عرض القدرات الذهنية كابتكار النكات وإلقاء الشعر. وقد واكب ذلك ظهور مجلات اجتماعية ترصد حياة السهر.

يتطرق الفصل إلى "البارات" ذات الأجواء الغربية التي أصبحت من نصيب الشباب، مع ازدهارها في مناطق مثل باب توما، وأشهرها البيانو بار كأول بار في دمشق. يصف الفصل تنوع هذه الأماكن؛ بعضها يغلب عليه الصخب والعبثية، وبعضها الآخر يغلب عليه طابع الاستعراض والتأنق. فمظهر الزبون ومستواه الاجتماعي جزء من هوية المكان التي تتوضح بأسعارها. هناك بارات ترفع الأسعار لرفع سوية المكان، حيث تفضل بضعة زبائن دسمين على عشرات الزبائن. وفي المقابل، هناك الخمارات والحانات ذات الطابع الذكوري القديمة التي يرتادها المثقفون والصحافيون والموظفون، لكنها باتت مهددة بالانقراض بسبب موجة التحديث. يخلص الفصل إلى أن ازدياد عدد السكان والوافدين أفسح المجال لأجواء أكثر انفتاحاً، فأصبح من المألوف رؤية شابات في البارات، أو اصطحاب شاب لصديقته إلى سهرة دون أن تكون العلاقة أكثر من صداقة.

أخيراً، يتناول الفصل تأثير الاستثمار السياحي، الذي ساهم في ازدهار المطاعم وزيادة إقبال السياح العرب والمغتربين، والذين توزعوا على مستويات مختلفة من الأماكن. أما الملاهي الشعبية التي تقدم الراقصات "النوريات"، فقد شهدت تنامياً كبيراً بعد الاحتلال الأميركي للعراق ودخول أكثر من مليون و100 ألف عراقي إلى سورية، بينهم عدة آلاف من النوريات والمغنيات. في هذه الأماكن، يعتمد الربح على ما "يرشه" الزبائن من مال (قطع ورقية لا تقل عن 5000 ليرة). يصف الفصل رواد هذه الأماكن وهم خليط من السياح العرب وأهل البلد، منهم "فلاح باع محصوله في المدينة" و"سائق شاحنة" و"تاجر صغير"، كلهم يبحثون عن متعة عابرة و "شعور بالزعامة والثراء" لساعات. يعترف الفصل بأن فتح الطاولة هو "فخ" يطبق على جيوب الزبائن، لكنه يقدم منطق المبررات. وفي الختام، يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً: هل هذا التردي والانحطاط في السهر؟ ويجيب بنعم، لكنه يعود ليقول إن المجتمع يعتقد أنه بخير إذا شعر بالانبساط، مختتماً بتساؤل عميق حول كيفية استمتاع مجتمع غالبيته متخلفة ولا تحصل إلا على مخلفات الساهرين.

تتضمن الحجج القابلة للنقاش في الفصل التفسير الاقتصادي الحتمي لتحول السهر، حيث يبدو أن الفصل يربط بشكل مباشر بين تدني الدخل وتآكل الثقافة الشعبية وزيادة الاستهلاك الاستعراضي. كما أن وصف الفصل لرواد الملاهي الليلية (الفلاح، السائق، التاجر) ولصق صفات "عقدة النقص" و"شعور الزعامة" بهم، قد يُقرأ كحكم قيمي أكثر منه تحليلاً اجتماعياً محايداً، مما يفتح باباً للنقاش حول تحيز الكاتب الطبقي أو الأخلاقي.

17.مفهوم آخر للتسوق في مدن فقدت الدهشة225–242▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب "زقاقيات دمشقية" للكاتبة سعاد جروس تحولاً جذرياً في مفهوم التسوق في مدينة دمشق، من ثقافة تقوم على الحوار والمفاصلة والعلاقة الشخصية بين البائع والمشتري، إلى نمط استهلاكي عالمي قائم على الصمت والسرعة والاعتماد على الماركات، في مدن "فقدت الدهشة" كما يشير العنوان.

يبدأ الفصل باستحضار نص قديم، كتبته الكاتبة الدمشقية سهام ترجمان في الطبعة الأولى من كتابها "مال الشام" عام 1979. تصف ترجمان سوقاً عصريةً في حي المزة الراقي، حيث تدخل "السيدة الأنيقة" ومعها شنطة نايلون، وتأخذ عربة معدنية، وتختار بضائعها في هدوء تام، وأسعارها ثابتة لا تقبل المفاصلة، والموظفون يعملون كالآلات دون حوار. وتتساءل ترجمان بسخرية: "هل نحن في دمشق أو في لندن أو في موسكو؟!". هذا التخيل، الذي بدا حينها بعيداً عن الواقع، يتحقق بعد ثلاثين عاماً.

يتتبع الفصل المراحل التي مرت بها التجارة في سورية، موضحاً أسباب تأخر تغلغل هذا النمط الاستهلاكي. ففي الثمانينيات، وتحت سياسة "الاكتفاء الذاتي" و"التقشف"، كان التسوق في المؤسسات الاستهلاكية الحكومية تجربة قاسية. يصف الفصل طوابير الناس لساعات طويلة للحصول على مواد أساسية نادرة كعلبة المناديل الورقية التي تغرق معاملها اليوم سورية، أو علب السمنة التي كانت تُهرب من لبنان وتُقفل عليها الخزائن. يتذكر الفصل مشاهد مؤلمة كسيارة محملة بـ 100 علبة سمنة بينما ينتظر في الدور أكثر من 400 شخص، وطرقاً مبتكرة لصف الطوابير كالسماح بمرور شخص واحد فقط عبر حيز ضيق. يضرب الفصل مثلاً على الندرة بالموز الذي هبط سعر كيلوه من 101 ليرة إلى 60 ليرة في التسعينيات، لدرجة أن الباعة الجوالين نادوا عليه ساخرين، كما يقال إن المشاهدين العرب لم يفهموا حلقة من مسلسل "مرايا" السوري عن الموز المفقود.

ثم ينتقل الفصل إلى مرحلة "الاقتصاد المفتوح" في السنوات التسع الأخيرة، والتي أعادت رسم وجه سورية التي تخلت عن أمومتها للفقير. ظهرت المجمعات التجارية الحديثة الضخمة التي غيرت العادات والتقاليد السورية في التسوق. يوثق الفصل ظهور هذه المجمعات تزامناً مع توقيع الحكومة على اتفاقية التجارة العربية الحرة، التي أتاحت تدفق الماركات العالمية ذات المنشأ العربي ومن ثم البضائع الأوروبية الفاخرة، وسيل البضائع الصينية الرخيصة التي أغرقت الأرصفة وهددت الصناعة المحلية.

يصف الفصل بداية هذه التجربة مع "الإسيتي مول" عام 2000، الذي سبقته إعلانات حمراء تحمل عبارة "صار عندنا"، مما خلق توقعات كبيرة للإصلاح، لكن المنتج بقي متواضعاً وبضائعه محلية، وإن كان مؤشراً على ما سيأتي. ثم يأتي "تاون سنتر" عام 2004، والذي أطلق شعار "مفهوم آخر للتسوق"، واعتمد الطريقة الغربية في العرض وثبات السعر، متخلياً عن عادة المفاصلة الدمشقية الأثيرة. تبعه "أسواق الخير ميترو" عام 2005، الذي شيد على مساحة 20.600 متر مربع في منطقة الزبلطاني الملوثة جنوبي دمشق، مقسماً إلى حارات بأسماء الورود الدمشقية (الريحان، الياسمين)، ليكون أشبه بواحة وسط التلوث، وأسهم في رفع أسعار العقارات في المنطقة خمسة أضعاف. يلاحظ الفصل أن مشهد المتسوقين في المكانين مختلف: الطبقة الوسطى وما دون ترتاد "أسواق الخير"، بينما ترتاد الطبقة الوسطى وما فوق "تاون سنتر"، بينما تتركز الأجواء الشبابية في "الإسيتي مول" في المزة.

يستمر الفصل في سرد المزيد من المولات الضخمة: "شام سيتي سنتر" عام 2006 في كفرسوسة من سبع طبقات، ثم "دامسكينو" عام 2007 من سبعة طوابق إلى جواره. يصف الفصل هذين المجمعين كأول نافذتين تعود منهما البضائع الأوروبية الفاخرة بعد أربعة عقود من الغياب، ويلفت إلى شعار المول: "إذا ما رحت... راحت عليك"، مما يؤكد شعور المواطن العادي بالاستبعاد من هذا العالم الجديد. ويرى الفصل في هذا التكاثر انعكاساً لحالة الفرز الطبقي التي تشهدها مرحلة التحول إلى اقتصاد السوق، حيث يختلف رواد كل مجمع، ويختلفون عن الذين لا يعرفون التسوق سوى في الأسواق الشعبية كـ"مخيم اليرموك" و"القابون".

بعد رحلة التغيير التاريخي، يعود الفصل إلى جوهره: مقارنة مفهومي التسوق القديم والجديد. يصف الفصل التسوق في أسواق دمشق القديمة (كالحميدية، الحريقة، البزورية) كممارسة ثقافية. إنها متعة في الحوار بين البائع والمشتري، وتمحص البضاعة باللمس، ومفاصلة قد تصل إلى نصف السعر. يصف الفصل طقوس البيع: دعوة الـ"دلالين" للسيدات بكلمة "تفضلي يا ست"، وطلب الباعة فرد "الفرجة" مجاناً، وردود البائعين المجاملين "كرمى لعيونك... استعملي الغرض ولم يعجبك رديه". بل إن الحوار قد يتطور إلى حديث حميمي أو قصص من الحياة الخاصة. هذا الفن قائم على خبرة البائع في قراءة الزبون، ولباقته الدائمة، وخلق جو من الرضا والاطمئنان.

في المقابل، يصف الفصل التجربة الحديثة في المجمعات التجارية. هناك، في السوبر ماركت، الموظف يتحرك كالآلة، ولا حوار، والمتحدث الوحيد هو "المال": ادفع وامش. لا حاجة للتفوه بكلمة أو السؤال عن سعر. هذه الماركات العالمية، الموحدة في كل أسواق العالم، وحجم إعلاناتها، هي دليل عراقتها، فلا حاجة لاختبار الجودة باليد. ويخلص الفصل إلى أن هذا النمط الجديد جرد التسوق من "الدهشة" والمتعة.

يتطرق الفصل أيضاً إلى الأثر الاجتماعي لهذا التغيير. فالتسوق في الأسواق القديمة كان يسمح بالاختلاط بين الرجال والنساء وتجاذب الحديث، في مجتمع محافظ كانت النساء فيه تحتجبن. كما يذكر بذهولنا اليوم من أن دخول البنات الصغيرات الدكان كان "عيباً" والأمهات يمنعن عنه، فهو كان حكراً على الأولاد. اليوم، صار الشبان والصبايا يتنزهون في المجمعات التجارية لتبديد الضجر، وهو أمر كان مذموماً في الماضي حيث كانت الفتيات مشغولات بالأشغال اليدوية. الحياة الجديدة، كما يرى الفصل، "نمّطت البشر وجعلتهم يشتركون في أمر واحد: الاستهلاك"، مع فارق أن الاستهلاك في المجتمعات الصناعية الكبرى يُعد واجباً وطنياً، بينما ينتشر في مجتمعاتنا كعادة وافدة، كوباء، تعوض الترفيه في الطبيعة الذي اعتاده الدمشقيون في بساتين الغوطة وجبل قاسيون.

يعود الفصل في ختامه إلى سؤال سهام ترجمان قبل ثلاثين عاماً: هل نحن في دمشق أم لندن؟! ليجيب أن واقع الأسواق اليوم يقول: "لا فرق، هذا عصر عالمي يجعل كل المدن متشابهة، والأسواق متماثلة جميعها، لكن بلا دهشة". ويختتم الفصل بسيرة ذاتية موجزة للمؤلفة سعاد جروس، التي تعمل صحفية ومراسلة لعدة صحف، وصدرت لها مجموعتان شعريتان.