
Histoire de la Syrie
بدأت سوريا كفكرة جغرافية وثقافية قبل أن تتحول إلى دولة. هذا هو الجوهر الذي يدور حوله كتاب "تاريخ سورية" لماتيو ري، فهو لا يروي قصة أمة متجانسة تسير نحو قدر محتوم، بل يحلل مساراً معقداً ومتعرجاً لصنع كيان سياسي واجتماعي من تفاعلات القوى المحلية والدولية، ومن صراعات الهوية والسلطة، ومن العنف والتفاوض. يرفض المؤلف القراءات القومية أو الاستعمارية المبسطة، ويقدم بدلاً من ذلك رؤية تركز على الديناميكيات الداخلية للمجتمع السوري، وتفكيك الآليات التي شكلت الدولة الحديثة، ويخلص إلى أن هذه الدولة هي نتاج "صنع بطيء" تحطم في النهاية تحت وطأة الحرب.
تسير حجة الكتاب عبر فصوله بخط زمني واضح، يبدأ من أواخر القرن الثامن عشر حيث لم تكن "سوريا" كياناً سياسياً قائماً، بل كانت أقاليم عثمانية مقسمة إلى ولايات تتمحور حول مدن كبرى مثل حلب (120,000 نسمة) ودمشق (90,000 نسمة). يصف الفصل الأول هذه الفترة (1780-1830) بأنها شكلت "مصفوفة" الصراعات اللاحقة، حيث تنافست ثلاثة عوالم هي المدن، القبائل، والأرياف. يوضح كيف أن حركة تكتونية قبلية كبرى، مدفوعة بصعود الدولة السعودية الأولى وحلفها الوهابي بعد 1744، أزاحت قبائل مثل شمر وعنزة نحو الشمال، مما غير التوازنات. في المقابل، كانت المدن تعيش صراعات داخلية شرسة بين النخب (أشراف، إنكشارية، علماء) للسيطرة على الموارد، بينما كانت الأرياف والمقاطعات الجبلية فضاءات وسيطة تعاني من ضغوط ضريبية كبيرة. هذه الفترة التي تميزت بـ"تشظٍ سياسي" هي التي شكلت البنية الأساسية للتنافس الاجتماعي في سوريا الحديثة، مع إقرار المؤلف بأن المصادر المتاحة آنذاك حضرية بطبيعتها وتقدم رؤية منقوصة للعالم الريفي والبدوي.
ينتقل الفصل الثاني (1831-1867) إلى اللحظة الفاصلة التي مثلها الغزو المصري بقيادة إبراهيم باشا، ابن حاكم مصر محمد علي باشا. يرى ري أن هذا الغزو لم يكن مجرد حدث عسكري، بل فاتحة لعصر جديد حوّل سوريا إلى ساحة صراع بين المركز العثماني والطرف المصري الطموح. فرضت الإدارة المصرية التجنيد الإجباري والضرائب الفردية وأعلنت المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، مما أرضى بعض أهل المدن لكنه أثار حفيظة النخب الدينية والتجارية. قوبلت هذه السياسات بمقاومة عنيفة، أبرزها ثورة في حوران قادها آل أطرش الدروز. أدى الضغط الدولي، بقيادة بريطانيا، إلى انسحاب المصريين عام 1841. بعد ذلك، طبقت الدولة العثمانية مراسيم التنظيمات (إصلاحات 1839 و1856) بهدف بناء بيروقراطية مركزية، مما أثار مواجهات كبرى مثل تمرد حلب عام 1850 حيث هاجمت حشود الأحياء المسيحية احتجاجاً على امتيازات الأقليات، وسحقه الوالي بقصف مدفعي، كاشفاً عن ميزان قوى جديد لم تعد فيه النخب المحلية قادرة على تحدي الدولة التي امتلكت أدوات القمع المتفوقة. يشير الفصل إلى أن هذه الحقبة أعادت تشكيل العلاقات بين مكونات المجتمع وأدخلت مؤسسات جديدة كالمجالس والقناصل.
يُخصص الفصل الثالث (عهد السلطان عبد الحميد الثاني) لدراسة التغيرات الجذرية في "الأقاليم السورية"، رافضاً نظرة الانحطاط التي تُلصق بالعصر العثماني المتأخر. يصف ري كيف أن قانون الولايات الصادر في 1864، وثورة النقل والاتصالات (قناة السويس 1869، السكك الحديدية في تسعينيات القرن التاسع عشر، التلغراف)، مكنت الإمبراطورية من بسط "القوة التقنية" على أطرافها. في صلب هذه التحولات، يضع الفصل صعود "طبقة الأعيان" كوسطاء جدد، وهم عائلات كبرى في حلب ودمشق وحمص وحماة (مثل آل العظم، جابري، الأتاسي) استمدت قوتها من خليط من الثروة من الأراضي والتجارة، والوظائف في المجالس البلدية، والعلاقات مع المركز العثماني. يبرز الفصل تجربة برلمانية قصيرة عام 1877 شارك فيها سبعة نواب سوريون، لكن السلطان عبد الحميد الثاني حل البرلمان بعد هزيمة عسكرية وشدد قبضته. في الوقت نفسه، كانت الأفكار الجديدة تتخلل المجتمع عبر الصحف والمدارس والمقاهي، وبرزت شخصيات مثل عبد الرحمن الكواكبي الذي ندد بالاستبداد، مما مهد لظهور جيل مثقف جديد عُرف بـ"الإفندية". يخلص الفصل إلى أن العصر الحميدي كان فترة تأسيسية تميزت بسيطرة الدولة، وصعود الأعيان، وتفتح ثقافة مدينية ناقدة، وهي حجة تختلف عن التأريخ القومي العربي الكلاسيكي.
يمثل الفصل الرابع (1908-1920) نقطة تحول دراماتيكية. كانت ثورة 1908 وإعادة العمل بالدستور لحظة حماس في المدن السورية، حيث تضاعفت الصحف. لكن سياسات حكومة الاتحاد والترقي الجديدة، التي فرضت التجنيد والتعريب الإجباري للغة واستبعدت النخب المحلية، أثارت الغضب. هذا التهميش هو الذي بدأ يحوّل النخب العربية إلى فاعلين قوميين. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في 1914، استجاب السوريون للنداء العثماني وقدّر عدد المجندين بـ50 إلى 60 ألفاً، لكن مجيء جمال باشا كقائد عثماني في سوريا مثل ذروة الكارثة. أدت سياساته إلى مجاعة مروعة التهمت ثلث سكان بعض المناطق مثل لبنان، وبلغت ذروتها بشنق نخبة المثقفين والوطنيين في ساحتي بيروت ودمشق خلال 1915-1916. في هذا السياق، يصف ري الإبادة الجماعية للأرمن التي أصبحت سوريا مقصداً للناجين منها، ويذكر مقتل 14 ألف أرمني في بلدة رأس العين وحدها. ثم يروي قصة الثورة العربية الكبرى التي أطلقها الشريف حسين في يونيو 1916، ويوضح أنها كانت حرباً باسم الإسلام ونضالاً عائلياً أكثر منها ثورة قومية بالمعنى الحديث. تنتهي الفترة بدخول قوات الحلفاء بقيادة الجنرال ألنبي دمشق في 1 أكتوبر 1918، ثم انهيار حلم المملكة العربية بقيادة الأمير فيصل في 1920، ليحل محله نظام الانتداب الفرنسي.
يركز الفصل الخامس على زمن الانتداب (1920-1943) كفترة "اخترعت" سوريا الحديثة بحدودها وهوياتها. يبدأ من مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، ويصف عملية ترسيم الحدود التي فصلت سوريا عن تركيا والمناطق المجاورة، وقطعت طرق التجارة القديمة، وأدت إلى بروز دمشق كعاصمة وتهميش مدن أخرى. التقسيم الإداري الداخلي كان أكثر تعقيداً، حيث قسمت فرنسا سوريا إلى دويلات طائفية (جبل الدروز، دولة العلويين) مما فرض على السكان اختيار هوياتهم السياسية. يخصص الفصل حيزاً كبيراً لوصف المقاومة، وأبرزها الثورة السورية الكبرى التي انطلقت في 19 يوليو 1925 بقيادة سلطان الأطرش في جبل الدروز، بعد إهانة المندوب السامي لزعماء الدروز، وامتدت إلى حماه وغوطة دمشق، مما أجبر فرنسا على التفاوض. بعد قمع الثورة، برزت الكتلة الوطنية بقيادة هاشم الأتاسي كحزب يسعى للاستقلال عبر التفاوض. يتابع الفصل تطورات السياسة السورية حتى الحرب العالمية الثانية، مروراً بأزمة لواء إسكندرون الذي تم اقتطاعه وضمه إلى تركيا في فبراير 1939، وهو جرح عميق. في هذا السياق، يذكر ري لقاء زكي الأرسوزي النازح من اللواء بـ ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وهو اللقاء الذي أسس نواة حزب البعث. يختتم الفصل بغزو القوات البريطانية والفرنسية الحرة لسوريا في يونيو 1941، وإعلان الاستقلال، ثم انتخاب شكري القوتلي رئيساً في 1943، منهياً فصل الانتداب.
يقفز الكتاب إلى الفصل السابع ليعالج فترة حاسمة أخرى هي صعود حزب البعث إلى السلطة (1963-1971). يبدأ بانقلاب 8 مارس 1963، العاشر منذ الاستقلال، لكنه كان مختلفاً لأنه جلب قادة البعث للحكم. يصف ري الفوضى التي سادت، حيث برزت ثلاثية سرية من الضباط: حافظ الأسد وصلاح جديد ومحمد عمران، وجميعهم من الطائفة العلوية ومن خلفيات قروية. واجه النظام الجديد معارضة شرسة، بلغت ذروتها في حماة في أبريل 1964 حيث قصفت الدبابات مسجد السلطان وقتلت المحتجين، وهي نقطة تحول سُحقت فيها حركة مدنية بالقوة المميتة لأول مرة. يقدم الفصل إطاراً نظرياً ليفهم هذه التحولات، متحدثاً عن صراع بين "نظام المدنية" القديم القائم على القانون والتحضر، و"مثال العدالة" الجديد الذي حمله أبناء القرى سعياً لهدم النظام القديم وإعادة بنائه. توجت هذه الصراعات بانقلاب دموي في 23 فبراير 1966 أقصى التيار القومي. ثم تأتي حرب 1967 كصدمة وجودية، حيث يصف ري الحسابات الخاطئة التي أدت إلى خسارة هضبة الجولان، بسبب الفوضى في التسلسل القيادي. أخيراً، في 13 نوفمبر 1970، نفذ حافظ الأسد "الحركة التصحيحية"، معتقلاً صلاح جديد، لتبدأ مرحلة جديدة.
يُفصّل الفصل الثامن السنوات الأولى لحكم حافظ الأسد (1970-منتصف الثمانينات)، ويقدمه ليس كنظام استقرار بل كنظام صراع دائم. يصف ري كيف أحاط الأسد نفسه بـ"دوائر متداخلة" من المقربين مثل عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس، معتمداً على العلاقات الشخصية والولاء المطلق. يتزامن هذا مع انفجار سكاني هائل (من 6.3 مليون عام 1970 إلى 10.2 مليون عام 1985) وتحضر سريع، وغزارة مالية من الدول النفطية شكلت اقتصاد ريع مكن من بناء جيش ضخم وانتشار الفساد. يتناول الفصل تدخل سوريا في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 كـ"نقطة تحول" أثارت انتقادات داخلية. ثم يتصاعد الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين، وصولاً إلى مذبحة كلية المدفعية في حلب في 16 يونيو 1979 حيث قتل 82 طالباً معظمهم علويون، مما دفع النظام للقمع الشامل. يبلغ هذا الصراع ذروته في حماة فبراير 1982، حيث حوصرت المدينة ودُمرت أجزاء كبيرة منها، ويذكر ري تقديرات مرعبة للقتلى تتراوح بين عشرة آلاف وأربعين ألف قتيل. يخلص الفصل إلى أن هذا الحدث كان نقطة اللاعودة، حيث ساد الصمت والخوف، واعتمد النظام على القوة الغاشمة كأداة رئيسية للحكم. ويختتم بأزمة الخلافة بعد إصابة الأسد بأزمة قلبية في 1983، حيث حاول أخوه رفعت الأسد اغتنام الفرصة ليُقصى لاحقاً.
يركز الفصل التاسع على حقبة "الأسد الثاني" (1985-2000) التي تميزت بإعادة تموضع النظام لضمان بقائه. يستخدم ري مفهوم "كما لو" الذي طورته ليزا ويدن لوصف التناقض: عبادة شخصية هائلة للرئيس تزامنت مع انتشار السخرية والفساد، حيث يتصرف الجميع "كما لو" أنهم يؤمنون بالقيادة الأبدية. يصف الفصل تحول ميزان القوى داخل النظام لصالح أجهزة المخابرات والشرطة على حساب حزب البعث، وصعود شخصيات أمنية مثل علي دوبا. على الصعيد الاقتصادي، بلغت الأزمة ذروتها عام 1986 نتيجة انهيار المساعدات النفطية واستنزاف الحرب في لبنان لما يصل إلى 54% من الميزانية، مما دفع النظام لسياسة "انفتاح" متناقضة معززاً ارتباط طبقة التجار بالأمن عبر التهريب والفساد. بلغ هذا ذروته مع قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 الذي أطلق تحالفات بين رأس المال والأمن. على الصعيد الخارجي، استفادت سوريا من المشاركة في التحالف الدولي لطرد العراق من الكويت عام 1991 لتعزيز هيمنتها على لبنان، وخاضت مفاوضات سلام مع إسرائيل لاستعادة الجولان لكنها فشلت. يختتم الفصل بموت وريث الحكم باسل الأسد في حادث سيارة في 21 يناير 1994، واضطرار النظام لإعداد الابن الثاني بشار الأسد للخلافة، وتصفية المنافسين المحتملين. توفي حافظ الأسد في 21 يونيو 2000 مخلفاً نظاماً أمنياً صارماً ومجتمعاً تغير جذرياً.
يتناول الفصل العاشر والأخير مرحلة "الأسد الثالث"، أي حكم بشار الأسد من عام 2000 حتى اندلاع الحرب. يبدأ بوفاة حافظ الأسد وانتقال السلطة إلى ابنه الشاب، فيما أطلق عليه "الجملكية"، وبروز "ربيع دمشق" كحراك مدني قصير الأمد قمع سريعاً. يصف ري ازدواجية حكم بشار الذي أحاط نفسه بتقنيين ولكن أبقى على القبضة الأمنية عبر تدوير الكوادر. ثم ينتقل إلى أثر حربين إقليميتين كبيرتين: حرب العراق عام 2003 التي استغلتها سوريا لدعم المقاومة، والانسحاب من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري في 2005 تحت ضغط دولي، مما شكل انتكاسة لبشار. يصف الفصل التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة، حيث نتج عن تحرير الاقتصاد احتكارات وظهور نخبة جديدة غنية بينما عانت الأرياف من جفاف قاسٍ بعد 2006. خلق هذا التناقض الصارخ بين ثراء المدن (دمشق، حلب) وفقر الريف أرضاً خصبة للغضب. يختتم الفصل بالربيع العربي في سوريا، بدءاً من احتجاجات درعا منتصف مارس 2011 بعد تعذيب أطفال، وتصاعدها السريع إلى حمص ودمشق. يصف رد النظام المتناقض بين إصلاحات شكلية وعنف مفرط، وتحول الاحتجاجات تدريجياً إلى حرب شاملة بحلول فبراير 2012، مع تشكل الجيش السوري الحر ونزوح أكثر من 60% من السكان بحلول عام 2013. يرى المؤلف أن "الصنع البطيء لسوريا المعاصرة تحطم عندما اختزلت الدولة إلى أبسط تعبيراتها: استخدام القوة."
يرسم الكتاب، من خلال تركيبة فصوله، صورة معقدة لسوريا ككيان هجين نتج عن تفاعلات متسارعة بين مركزيات إمبراطورية وعثمانية وفرنسية ونخب محلية متنافسة. إن سوريا الحديثة، كما يقدمها ري، لم تكن نتيجة حتمية لمشروع وطني، بل محصلة لصراعات اجتماعية حادة، وتجارب إدارية، وتدخلات خارجية، وعنف مؤسس. من بين الأرقام والشهادات التي يصعب نسيانها في هذا المسار: مجازر 1860، مذبحة حلب 1850 التي كشفت عن التوترات الطائفية المبكرة، المجاعة المروعة في الحرب العالمية الأولى، مذبحة كلية المدفعية في حلب (1979)، وحصار حماة (1982) الذي أوقع ما بين عشرة وأربعين ألف قتيل. أما الأرقام الديموغرافية فترسم صورة الانفجار السكاني من 6.3 إلى 10.2 مليون (1970-1985)، ثم إلى 16 مليوناً عام 2000.
يعترف المؤلف بعدة حدود وتحفظات، أهمها ندرة المصادر عن بعض الفترات (خاصة المجتمعات الريفية والقبلية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)، وعدم توفر وثائق داخلية عن آليات عمل النظام في العقود الأخيرة، مما يجعل التحليل قائماً على الاستنتاج من النتائج. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول التفاصيل الدقيقة لاستخدام العنف، والدور المحدد للقوى الخارجية في بعض المحطات. كما يقر بأن الفترة الأخيرة، أي الحرب الأهلية، لم تُكتب بتفاصيلها العميقة بعد، وأنه من المبكر اعتبارها نتيجة حتمية للتاريخ السابق بل هي مسار من بين مسارات عدة اختارتها الأطراف.
يمكن القول إن الكتاب يقدم حجة قابلة للنقاش في تمسكه بفكرة أن الدولة السورية الحديثة هي نتاج لعملية معقدة "من أسفل إلى أعلى" أكثر مما هي نتاج لمشروع استعماري أو وطني متكامل. ربما يقلل بعض القراء من وزن العوامل الخارجية في بعض المحطات مقابل التركيز على الديناميكيات المحلية، كما قد يرى آخرون أن تحليل النظامين البعثي والأسدي يركز على عنفه الداخلي أكثر مما يركز على أفكاره الإيديولوجية وطموحاته الإقليمية. ومع ذلك، فإن القوة التحليلية للكتاب تكمن في قدرته على تجميع هذه القرون من التطور المضطرب في سردية متماسكة تفسر كيف تحولت "الأراضي السورية" إلى دولة فاعلة ولكنها هشة، حاملة في بنيتها جينات صراعاتها القادمة.
الأشخاص
الفصول(9)
1.الفصل الأول – الأراضي السورية (1780-1830)8–48▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل بمعالجة موضوع محوري هو أن "سوريا" ككيان سياسي لم تكن موجودة في الفترة بين 1780 و1830. كان الإقليم جزءاً من الإمبراطورية العثمانية منذ عام 1516، مقسماً إلى ولايات (مثل حلب ودمشق وطرابلس وصيدا) تتمحور حول مدن كبرى. يقدم المؤلف فكرة أن هذا الإقليم، على الرغم من عدم وجوده كدولة، كان يُنظر إليه من قبل الرحالة الأوروبيين مثل قسطنطين فرانسوا دي فولني على أنه "أراضٍ سورية" ذات خصائص مشتركة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن جذور سوريا المعاصرة يمكن إيجادها في التنافس السياسي والاجتماعي الحاد الذي حدث خلال هذه العقود الخمسة، حيث تنافست ثلاثة عوالم مترابطة: المدن، القبائل، والأرياف، مما شكل "مصفوفة" للصراعات اللاحقة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل هذه العوالم الثلاثة. يبدأ الفصل بوصف الجغرافيا الطبيعية، مقسماً البلاد من الغرب إلى الشرق إلى: شريط ساحلي ضيق، وسلاسل جبلية تشمل جبل العلويين وجبل حرمون (2814 م) وجبل الدروز، ثم هضاب شاسعة من السهوب والبادية. يشرح المؤلف التأثيرات البيئية طويلة المدى مثل نهاية "العصر الجليدي الصغير"، والتي أدت إلى تغير أنماط الزراعة، وهجر السهول لصالح المرتفعات، وتزايد تربية الماشية. يوضح أن الخط الفاصل بين المنطقة المروية (التي تتلقى أكثر من 250 ملم من الأمطار سنوياً) والمنطقة الجافة هو الذي يحدد نمط الحياة ومراكز السلطة.
ثم ينتقل الفصل إلى تحليل عالم القبائل ("العرب")، الذي يسيطر على ثلثي المساحة. تصف النصوص القبيلة ككيان سياسي منافس للدولة، يعتمد على المشيخة، والعلاقات القائمة على الهبة، وأسلوب الحياة الرعوي المتنقل، واستخدام العنف المحدود والطقسي (الغزوات). يستعرض الفصل حركة التكتونية القبلية الكبرى في تلك الفترة، مدفوعة بعوامل مثل الجفاف والنمو السكاني، والأهم من ذلك، صعود الحركة الوهابية بقيادة ابن عبد الوهاب و ابن سعود من واحة الدرعية بعد عام 1744. أدى توسع الدولة السعودية الأولى إلى إزاحة قبائل كبرى نحو الشمال مثل شمر و عنزة، مما غير التوازنات ودفع القبائل نحو مناطق أكثر قرباً من الاستقرار والسكان.
في المقابل، يحلل الفصل "عالم المدن المركبة"، مشيراً إلى أن المدن (مثل حلب بـ 120,000 نسمة و دمشق بـ 90,000 نسمة) كانت جزراً للسلطة السياسية والاقتصادية. يصف المجتمع المدني كمجتمع "قديم" قائم على المكانة والتمييزات القانونية والطائفية، وليس على الطبقات. يتطرق الفصل بالتفصيل إلى دور النقباء (نقيب الأشراف) الذين يمثلون أحفاد النبي، والإنكشارية كقوة عسكرية داخلية، والعلماء، والتجار الذين تنظمهم النقابات (طوائف). يمثل الصراع بين هذه الجماعات، مثل صراع الأشراف والإنكشاريين في حلب عام 1784، جوهر الحياة السياسية في المدينة، حيث يسعى كل طرف للسيطرة على مواردها ومقاليد السلطة فيها.
أخيراً، يتناول الفصل "العالَم الثالث" وهو الأرياف والمناطق الجبلية، التي يعتبرها الفصل مساحة وسيطة (انترستيس) بين المدينة والبادية. يعتمد وجود القرى على قدرة السلطة الحضرية على حمايتها من غزوات البدو. يوضح الفصل أن المشهد الريفي كان متنوعاً: من قرى مزدهرة حول حمص ودمشق إلى قرى مهجورة. كان نظام ملكية الأرض معقداً، حيث توجد أراضٍ سلطانية (أميرية) يؤجر حق الانتفاع بها (تيمار، مالكانه)، وأراضٍ وقفية. أدى هذا النظام إلى ضغوط ضريبية كبيرة على الفلاحين، وجعل السيطرة على الأراضي هدفاً للتنافس بين العائلات الحضرية والحكام المحليين، مثل عائلة العظم في دمشق.
يختتم الفصل بدراسة "ولايات الإمبراطورية" الهشة وكيف تبلورت من خلال التفاعلات المحلية. يشرح المؤلف أن السلطة كانت تبنى على ثلاث ركائز: منصب معترف به من السلطان، وموارد مالية (من الضرائب)، وقوة عسكرية. يصف الفصل كيف أدى غياب السيطرة المركزية الفعالة إلى ظهور حكام مستقلين نسبياً مثل أحمد باشا الجزار في عكا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، و ظاهر العمر في الجليل، وكيف أن الحروب الخارجية للإمبراطورية (مثل الحرب مع روسيا 1768-1774) والغزوات الخارجية (مثل حملة نابليون على مصر واجتياح علي بك الكبير لمصر لسوريا عام 1771) زادت من عدم الاستقرار الداخلي. يشير الفصل إلى أن فترة 1780-1830 تميزت بـ"تشظٍ سياسي" لم يؤد إلى إنهاء الإمبراطورية، بل إلى صراعات داخلية شرسة بين الفصائل المختلفة في المدن الكبرى مثل حلب ودمشق، حيث كانت كل مجموعة تحاول السيطرة على الموارد المحلية دون تهديد مركزية الدولة العثمانية، مما خلق بنية من الصراع والتنافس هي التي شكلت "مصفوفة" سوريا الحديثة.
في النهاية، يقر المؤلف بعدة حدود وتحفظات. من أهمها أن المصادر المتاحة عن تلك الفترة (مثل كتابات الرحالة، والسجلات القضائية) هي مصادر حضرية بامتياز، وتقدم رؤية "موجهة ومجزأة" للعالم الريفي والبدوي، وتنظر إليهما كـ"عالم غير متحضر" (بدية) مقابل العالم المتحضر (حضارة). كما يعترف بأن المعلومات حول المجتمعات الجبلية والتركيبة الديموغرافية الدقيقة شحيحة جداً. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول الأسباب الدقيقة التي جعلت بعض العائلات تبرز على غيرها، وكيف تمكنت شخصيات مثل الجزار من بناء قوتها، وكيف انتقلت التوازنات بين القبائل على وجه التحديد، مما يُظهر أن هذه الفترة لا تزال بحاجة إلى بحث أعمق.
2.الفصل الثاني – بين القاهرة والقسطنطينية49–89▼ ملخص
بدأ الفصل الثاني من كتاب "تاريخ سورية" لماتيو ري بعرض اللحظة الفاصلة التي مثلها دخول جيش إبراهيم باشا، ابن حاكم مصر، إلى سورية في نهاية عام 1831، بدءاً بحصار عكا. يرى المؤلف أن هذا الغزو لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل كان فاتحة لعصر جديد حول أقاليم الدولة العثمانية إلى ساحة صراع بين المركز الإمبراطوري في القسطنطينية والطرف المصري الطموح، مما أدخل سورية في دوامة من التفاعلات المحلية والدولية غير المسبوقة.
يحدد الفصل إطاره الزمني بين 1831 و1867، وهي الفترة التي شهدت الغزو المصري ثم الإصلاحات العثمانية التي تلته. يرفض المؤلف القراءة القومية العربية التي تجعل من هذه الفترة مجرد تمهيد لنهضة عربية، كما يرفض الاقتصار على تفسير الأحداث كنتيجة حتمية لتدخل القوى الأوروبية. بدلاً من ذلك، يركز على تحليل الديناميكيات المحلية والتفاعلات بين الجماعات الاجتماعية المختلفة التي انبثقت عن هذه المشاريع السياسية الخارجية، سواء كانت مصرية أو عثمانية. ويشير إلى أن الفترة اختتمت بصدمة مجازر 1860 التي هزت جبل لبنان ودمشق، والتي كشفت عن التوترات العميقة التي خلقتها عملية الإصلاح والتدخل الأجنبي.
ينتقل الفصل إلى استعراض نشأة القوتين الدافعتين للتغيير: مصر تحت حكم محمد علي باشا والدولة العثمانية تحت حكم السلطان محمود الثاني. يشرح كيف تمكن محمد علي، القادم من كافالا، من ترسيخ حكمه في مصر بعد انسحاب الفرنسيين، وبلغ ذروته بمذبحة المماليك في قلعة القاهرة عام 1811. وفي المقابل، كان السلطان محمود الثاني يعاني من صراع داخلي مع الإنكشارية الذين عرقلوا إصلاحاته العسكرية. استخدم السلطان قوة محمد علي، فأرسله لإخماد الثورة الوهابية في الجزيرة العربية، فاستولى إبراهيم باشا على الدرعية عام 1818، وأرسله أيضاً لإخماد الثورة اليونانية. لكن تدخل القوى الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، روسيا) أدى إلى تدمير الأسطول المصري في نافارين ونشوء مملكة يونانية مستقلة عام 1830.
يوضح الفصل أن هذه الأحداث خلقت أزمة بين محمد علي والسلطان. شعر محمد علي أنه لم يحصل على تعويض عادل عن تضحيات جيشه في اليونان، بينما كان والي عكا، عبد الله باشا، يثير النزاعات. على هذه الخلفية، شن إبراهيم باشا حملته العسكرية وبدأ حصار عكا في 2 نوفمبر 1831 على رأس ست عشرة سفينة وثلاثين ألف جندي. استسلمت دمشق دون قتال بعد مفاوضات مع نخبتها، ثم هزم الجيش المصري القوات العثمانية في حمص ودخل حلب في صيف عام 1832، وتوغل حتى قونية مهدداً العاصمة بنفسها. يؤكد الفصل أن هدف محمد علي لم يكن قلب النظام العثماني بل الحصول على اعتراف السلطان بحكمه لسورية، وهو ما تحقق مقابل دفع الجزية بعد وساطة أوروبية.
بعد الاستقرار، يصف الفصل نظام الحكم المصري في سورية. أقام إبراهيم باشا إدارة مركزية تهدف إلى جباية الضرائب بانتظام ودعم الجيش. واجه تمرداً في المناطق الجبلية كجبل لبنان والعلويين، وقاد حملة عنيفة ضد البدو لتأمين الطرق وإحياء القرى المهجورة، ودفع بالمناطق المأهولة باتجاه الشرق نحو الفرات. أما على الصعيد الاجتماعي فقد أحدثت السياسات المصرية تغييراً جذرياً بفرض التجنيد الإجباري والضرائب الفردية، وإعلان المساواة بين المسلمين وغير المسلمين. أرضت هذه السياسات أهل المدن بتحقيق الأمن والرخاء الاقتصادي، لكنها أثارت حفيظة النخب الدينية والتجارية التي رأت فيها تهديداً لامتيازاتها. وتظهر نقطة التحول هذه في إنشاء المجالس في المدن والتي منحت النخب المحلية دوراً استشارياً، لكنها بقيت أداة للسلطة المصرية وخلقت تنافساً على النفوذ.
يوثّق الفصل المقاومة التي تصاعدت في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حيث اندلعت ثورة كبرى في حوران قادها آل أطرش الدروز رفضاً للتجنيد والضرائب، واستمرت حتى أرهقت الجيش المصري. في الوقت نفسه، كانت السياسة الدولية تتغير بضغط بريطاني، بقيادة القنصل كاننغ في الأستانة ومور في بيروت، سعياً لحماية طريق الهند وإضعاف النفوذ المصري. وعندما رفض محمد علي إنذاراً بمغادرة سورية، قامت بريطانيا والنمسا بقصف بيروت. أجبرته هذه الضغوط، وفقدان الدعم المحلي، على الانسحاب عام 1841، مقتصراً حكمه على مصر مع اعتراف بتوريث الحكم.
يتناول الفصل مرحلة إعادة الإدماج العثماني المضطربة بعد رحيل المصريين. عانت سورية من فوضى أمنية نتيجة انسحاب الجيش وعودة الغارات البدوية. لكن الإرث المصري بقي حياً في إعادة إعمار بعض المناطق الزراعية وامتداد الحكم نحو الفرات والجزيرة. طبق العثمانيون مراسيم التنظيمات (اصلاحات كلخانة 1839 وهمايون 1856) التي هدفت إلى بناء بيروقراطية مركزية والمساواة بين المواطنين، مما أثار مواجهات. كان أبرزها تمرد حلب عام 1850، حيث هاجمت حشود غاضبة الأحياء المسيحية احتجاجاً على امتيازات الأقليات، وسحقه الوالي بقصف مدفعي. يرى الفصل أن هذا الحدث كشف عن التغير في ميزان القوى: فالنخب المحلية لم تعد قادرة على تحدي الدولة التي أصبحت تملك أدوات القمع المتفوقة.
في ختام الفصل، يعرض المؤلف كيف استكملت الدولة العثمانية فرض سيطرتها القسرية على سورية من خلال حملات عسكرية وحشية ضد الدروز والعلويين حتى 1858، وكانت هذه الحملات تهدف إلى إذلال الخصوم ودمجهم في النظام الجديد عبر تعيين قادتهم المحليين ضمن الإدارة. يخلص الفصل إلى أن هذه الحقبة الممتدة من ثلاثينيات إلى ستينيات القرن التاسع عشر لم تكن مجرد صراع بين القاهرة والقسطنطينية، بل كانت فترة حاسمة أعادت تشكيل العلاقات بين مكونات المجتمع السوري، وأدخلت مؤسسات جديدة (المجالس، القناصل، الإصلاحات) وظفتها الدولة لتثبيت سيطرتها. على الرغم من أن المؤلف يقدم تحليلاً دقيقاً لدور العوامل الخارجية والعسكرية، إلا أن النص يظل محايداً في عرض هذه التطورات من دون إصدار أحكام حول عدالة أو ظلم أي من الأطراف المعنية.
3.الفصل الثالث – الأقاليم السورية في العهد الحميدي90–118▼ ملخص
يُعالج الفصل الثالث من كتاب "تاريخ سورية" لماتيو ري التغييرات الجذرية التي شهدتها الأقاليم السورية خلال العهد الحميدي (عهد السلطان عبد الحميد الثاني). يقول المؤلف إن فترة ما بعد مجازر 1860 لم تكن مجرد إعادة تنظيم إداري، بل كانت لحظةً محوريةً أسست لمشهد اجتماعي وسياسي جديد استمر لعقود، ويمكن تسميته "زمن الأعيان". يرفض ري نظرة الانحطاط التي غالباً ما تُلصق بالعصر العثماني المتأخر، وبدلاً من ذلك يقدم قراءة تركز على آليات الحكم الجديدة، والتحولات الاجتماعية، والتكامل المتزايد بين الأطراف والمركز، مع إعادة الاعتبار لمناطق كانت مهمشة في الدراسات السابقة مثل الجزيرة ودير الزور والبادية.
يسير الفصل في مسار واضح: يبدأ بوصف إعادة التنظيم الإداري والقانوني، ثم ينتقل إلى دراسة التغيرات في البنية التحتية والاتصالات، فتحليل صعود طبقة الأعيان الجديدة وأسس قوتهم الاقتصادية، وأخيراً يناقش الأفكار والتوترات السياسية والدينية التي ميزت نهاية القرن. يبين الكيفية التي تطورت بها السيطرة الإمبراطورية عبر ما يسميه المؤرخ يوجين روجان "القوة التقنية"، والتي لم تكن مجرد فرض من أعلى، بل حواراً جديداً بين المركز والأطراف قوامه وسائل النقل الحديثة، والتلغراف، والمدارس الجديدة، والمجالس التمثيلية.
من الناحية الإدارية، يشرح الفصل كيف أن قانون الولايات الصادر في 1864 (والذي طُبق في سورية عام 1867)، أعاد رسم الخريطة الإدارية. بقيت حلب ودمشق المركزين الرئيسيين، لكن ظهور كيانات جديدة مثل متصرفية جبل لبنان وسنجق القدس المستقل غيّر التوازنات الإقليمية. يشير إلى أن بيروت نمت بسرعة كمركز اقتصادي وثقافي، بفضل تأسيس الكلية السورية البروتستانتية (الجامعة الأميركية لاحقاً) عام 1866 وجامعة القديس يوسف عام 1873، وجذبها للمهاجرين المسيحيين من الداخل السوري. في المقابل، يولي الفصل اهتماماً خاصاً للمنطقة الشرقية؛ فولاية دير الزور التي تأسست عام 1852، وبناء القلاع والحاميات فيها، مثل قلعة الرقة، كان هدفها فرض الأمن، وحماية الفلاحين، والحد من قوة القبائل البدوية التي كانت تفرض "الخوة" (نوع من الإتاوة). يصف ري هذه العملية بأنها جزء من ظاهرة عالمية في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر شملت الحدود الأميركية والروسية والأسترالية، لكن مع فارق أساسي: أن السكان المحليين في سورية لم يُبادوا، بل عاشوا جنباً إلى جنب مع الوافدين الجدد، مما خلق تفاعلاً معقداً.
يوضح الفصل أن هذه السيطرة العسكرية تبعها تكامل اقتصادي تُوج بثورة في النقل والاتصالات. كان افتتاح قناة السويس عام 1869 نقطة تحول قلصت أهمية طرق القوافل البرية، مما أضعف القبائل التي كانت تعتمد على نقل البضائع. لكن الأهم كان انتشار البواخر على الساحل، مما عزز المدن الساحلية كـبيروت على حساب طرابلس، وبناء السكك الحديدية ابتداءً من تسعينيات القرن التاسع عشر. يذكر ري تعدد الخطوط (مثل خط حماة-دمشق الذي أنشأته شركات فرنسية، وخط حماة-حلب الذي أنجز عام 1906) ويشير إلى أن خط سكة حديد الحجاز كان أداة سياسية بامتياز لتعزيز مكانة السلطان كخليفة. كما يبرز دور التلغراف، ففي تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت مكاتب دمشق وحلب تستقبل آلاف البرقيات سنوياً، مما سمح بإدارة سياسية موحدة وسهل تقديم العرائض للمركز مباشرة. هذه التقنيات لم تربط المدن فحسب، بل خلقت أحياء جديدة حول محطات القطارات، وفتحت المجال أمام صحافة وليدة ونشر أوسع للكتابة، سواء عبر الكتب أو المدارس الجديدة التي أنشأتها الدولة العثمانية لمنافسة المدارس التبشيرية.
في صلب هذه التحولات، يضع الفصل صعود "طبقة الأعيان" (al-a'yān). يصفهم كوسطاء جدد، هم رجال من "العائلات الكبرى" التي تعيش في المدن وتسيطر على الريف المحيط بها. يستعرض ري أسماء هذه العائلات في المدن الكبرى: في حلب (جابري، حنّانو، قدسي، رفائيل، كيخيا، كيالي)، وفي دمشق (العظم، عابد، يوسف، مردم، العجلاني، بكري، القوتلي)، وفي حمص (الأتاسي، دروبي)، وفي حماة (العظم، برازي، كيلاني). يوضح أن هذه العائلات لم تعد تعتمد فقط على الأصول العسكرية (الإنكشارية والآغوات) أو الدينية (العلماء والأشراف) التي تضاءلت أهميتها، بل على مزيج من الثروة من التجارة والأراضي، والوظائف في المجالس البلدية والإقليمية. يشير إلى أن قانون الأراضي العثماني لعام 1858 لعب دوراً حاسماً، حيث مكّن الأعيان من تسجيل مساحات شاسعة من الأراضي بأسمائهم، مما عزز ثروتهم وسلطتهم. لم يعد الأمر يتعلق بـ"بيت" واحد يتركز فيه السلاح والسلطة، بل بعائلة تمارس نفوذها من خلال المقاعد في مجالس المحافظات، والتحكم في الأسواق، والوظائف الدينية، و"العطاء الخيري" (الإيفرجيتية)، لتصبح حلقة الوصل بين الدولة والسكان. ويذكر ري أن السباق لشغل هذه المقاعد تحول إلى تنافس بين العائلات، حيث كان يتم توزيع المناصب بين أفراد العائلة الواحدة.
يتناول الفصل محاولة تركيب سياسي جديد ("التركيب الحميدي") بدءاً من الإعلان عن الدستور العثماني في 23 ديسمبر 1876. يشرح كيف أن الضغوط الخارجية (حرب البلقان والتهديد الروسي) والأزمة المالية دفعت للإصلاحيين بقيادة مدحت باشا لفرض دستور يهدف لحماية سيادة الإمبراطورية عبر البرلمان. جرت الانتخابات في أوائل 1877، ومثل سورية سبعة نواب. لكن هزيمة العثمانيين أمام روسيا في 1878، وانتقاد النواب لإدارة السلطان للحرب، دفعا عبد الحميد الثاني لحل البرلمان دون إلغاء الدستور، وتشديد قبضته على السلطة من خلال شبكة من المخبرين والشرطة السرية. يذكر المؤلف أن هذه التجربة البرلمانية، رغم قصرها، كانت بالغة الأهمية: فهي أول مرة تدرك فيها النخبة السورية أنها جزء من إمبراطورية واحدة، ورست فكرة أن استعادة الدستور قد تكون حلاً للمستقبل. بعد الحرب، تم إعادة توطين حوالي 70,000 لاجئ شركسي من القوقاز على أطراف البادية لتأمين الحدود، مما خلق توترات على الموارد في بعض المناطق. كما تعرض الفصل لـ"حادثة الإعلانات" في دمشق عام 1880، حيث دعت منشورات مجهولة إلى حقوق للأمة العربية، مما أثار قلق السلطان ودفع لقمع النشاطات العربية الفكرية، رغم أن المؤلف يؤكد أن التيار العربي في ذلك الوقت كان "حضارياً" و"لغوياً" أكثر منه سياسياً، وأن الشرخ الحقيقي لم يحدث بعد.
كما يتناول الفصل دور "الخلافة العثمانية" كأيديولوجية جامعة أعاد عبد الحميد الثاني إحياءها لتعزيز سلطته، وإلى جانبها صعود تيار الإصلاح الإسلامي (السلفي) بزعامة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، الذي كان ينتقد الاستبداد ويدعو إلى "الشورى" كأساس للحكم، مما شكل تحدياً فكرياً للسلطان. أخيراً، يصف الفصل كيف أن الاحتكاك المتزايد بين الجماعات المختلفة أدى لانفجارات عنف، مثل ثورة الدروز في حوران في تسعينيات القرن التاسع عشر. يوضح أن قمع هذه الثورة جمع بين القوة العسكرية (إرسال آلاف الجنود) والحل السياسي (تعيين إسماعيل الأطرش زعيماً)، مما رسخ مكانة عائلة الأطرش وضمن حكماً ذاتياً نسبياً للدروز في سورية، وفصلهم عن نظرائهم في لبنان. يخلص الفصل إلى أن الصراع في الأطراف كان يُحل دائماً عبر مزيج من العنف والمساومة والاعتراف بسلطة القادة المحليين.
يختم الفصل بصورة عن المدن السورية في مطلع القرن العشرين كمنارات للتغيير، خاصة دمشق التي شهدت بناء ساحات ومحطات جديدة، وانتشار المقاهي كمنابر للنقاش، وارتداء الزي الأوروبي مع الحفاظ على الطربوش، وظهور جيل مثقف جديد (الإفندية). هذا الجيل ولد في كنف الاستقرار الاقتصادي النسبي والتوسع في التعليم، وتناقش في الصحف والأندية أسئلة جوهرية حول الهوية (العربية أم الإسلامية)، والمستقبل، ومعنى الحرية في مواجهة الاستبداد الحميدي. يذكر ري أسماء مثل شكري العسلي ولطفي الحفار وعبد الرحمن الكواكبي، الذي ندد بالاستبداد في كتاباته. وفي الخلفية، كان التوسع الاستعماري الأوروبي وموجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين (الهجرة الثانية، 1904-1914) تثير القلق وتؤجج النقاشات حول مستقبل الإمبراطورية العثمانية.
باختصار، يقدم الفصل قراءة معقدة لعصر يُنظر إليه غالباً على أنه عصر انحطاط، ليُظهره كفترة تأسيسية. يبني المؤلف حجته على ثلاثة محاور مترابطة: السيطرة التقنية والإدارية للدولة على الفضاء، صعود طبقة الأعيان كوسطاء جدد، وازدهار ثقافة مدينية ناقدة ومتطلعة للإصلاح. هذه الديناميكيات الثلاث معاً، برأي المؤلف، هي التي شكلت "سورية العصر الحميدي"، وهي التي ستترك إرثاً عميقاً للعقود التالية. يقر المؤلف ضمنياً بصعوبة تعميم بعض الآثار الاقتصادية للسكك الحديدية، كما يشير إلى أن عملية "التحضر" لم تلغِ الحدود الرمزية بين الحضر والبادية، بل أعادت تعريفها. الحجة الأكثر قابلية للنقاش والتي تبرز من النص هي رؤيته للعصر الحميدي كفترة "دولة قوية" وليس "دولة متدهورة"، وهي قراءة تختلف عن التأريخ القومي العربي الكلاسيكي الذي ركز على بطش السلطان ومقدمات الثورة العربية.
4.الفصل الرابع – بين الثورة والحرب (1908-1920)119–147▼ ملخص
يبدأ الفصل الرابع من كتاب "تاريخ سورية" لماتيو ري عند نقطة تحول حاسمة: ثورة 1908 التي أشعلها ضباط جمعية الاتحاد والترقي في سالونيك، وأجبرت السلطان عبد الحميد الثاني على إعادة العمل بدستور 1876. يرى المؤلف أن هذه اللحظة لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت تتويجاً لتحولات بطيئة امتدت عبر القرن التاسع عشر، وفتحت حقبة جديدة ومضطربة استمرت حتى 1920. يرفض ري القراءات القومية اللاحقة التي صورت هذه الفترة إما كحكاية عن "الثورة العربية الكبرى" بقيادة الشريف حسين، أو كملحمة تركية في الدردنيل، أو ككارثة لبنانية فقط. هدفه الأساسي هو إعادة الاعتبار للديناميكيات المحلية داخل المجتمع السوري الناشئ، بتعقيداته وتشرذمه.
يسير الفصل بخط زمني واضح، متتبعاً تفاعل الأحداث الكبرى مع الواقع المحلي. يصف ري الحماس الذي اجتاح المدن السورية مثل دمشق وحلب واللاذقية عند سماع خبر العودة إلى الحياة النيابية، حيث تضاعفت الصحف من 7 إلى 29 وامتلأت المقاهي والمساجد بالنقاشات. لكنه لا يخفي التناقضات: بين من رأى في الدستور حداثة وتوزيعاً للسلطة، ومن تساءل عن توافقه مع الشريعة، أو خشي من تعزيز سيطرة الدولة المركزية. ويشير إلى أن هذه الحماسة كانت حضرية بالأساس، بينما بقيت القرى النائية والبادية مثل منطقة دير الزور منشغلة بالبقاء والأمن أكثر من السياسة.
مع انتقال الفصل إلى الفترة ما بين 1909 و1914، يركز على سياسات حكومة الاتحاد والترقي الجديدة. يصفها ري بأنها كانت "دولة فاضلة" تريد بناء إمبراطورية حديثة وموحدة، لكنها طبّقت ذلك بثلاثة إجراءات مثيرة للغضب: فرض ضرائب صارمة، وتعميم اللغة التركية في الإدارة على حساب العربية، وإقصاء العائلات السورية الكبيرة من المناصب العليا. هذا التوجه أشعل سلسلة من الاحتجاجات، أبرزها ثورة الدروز عام 1909 بقيادة عائلة الأطرش، والتي سُحقت بوحشية (بما في ذلك مقتل زوقان الأطرش) لكنها خلقت سردية بطولية وذاكرة نضالية. هذا التهميش السياسي واللغوي هو الذي بدأ يحوّل النخب العربية من مجرد معارضين سياسيين إلى فاعلين يدركون أنفسهم كمجموعة "قومية" متميزة، وهي عملية بلورت لحظة المؤتمر العربي العام في باريس عام 1913.
يأخذ الفصل منعطفاً دراماتيكياً مع دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا في نوفمبر 1914. يُظهر ري كيف أن السوريين استجابوا في البداية للنداء العثماني دفاعاً عن الدين والأرض، وتقديرهم يتراوح بين 50 و60 ألف مجند. ثم يركز على شخصية جمال باشا، القائد العثماني في سوريا، الذي يمثل تناقضاً حاداً: من جهة، هو "الباني" الذي أراد تحديث المدن وفتح المدارس، ومن جهة أخرى هو "المجوع" و"الجلاّد" الذي قاد بحكم فعلي واستبدادي. يمثل جمال باشا هنا ذروة الكارثة: فقد أدت سياساته إلى المجاعة المروعة التي التهمت ثلث السكان في مناطق مثل لبنان، وذلك بسبب الحصار البحري للحلفاء، والتجنيد الإجباري، وسوء التنظيم. وإلى جانب المجاعة، طبق جمال باشا سياسة القمع الوحشي، وبلغت ذروتها في مشاهد شنق نخبة المثقفين والوطنيين في ساحتي بيروت ودمشق خلال 1915-1916، وهي لحظة اعتبرها ري "قطيعة" لا رجعة فيها مع الدولة العثمانية.
في خضم هذا الدمار، يتناول الفصل حدثين غيّرا الخريطة السياسية. الأول: الإبادة الجماعية للأرمن، حيث أصبحت سوريا مقصداً للناجين من مسيرات الموت، ويصف ري كيف قُتل في بلدة رأس العين لوحدها حوالي 14 ألف أرمني على يد ميليشيات كردية وتركية. الثاني: الثورة العربية الكبرى التي أطلقها الشريف حسين في الحجاز في يونيو 1916، ويسارع ري إلى تصحيح فهمها بأنها كانت حرباً باسم الإسلام ونضال عائلي، وليس ثورة قومية بالمعنى الحديث. ثم يتابع التقدم العسكري لقوات الحلفاء بقيادة الجنرال ألنبي، مدعومة بقوات الأمير فيصل، والذي بلغ ذروته بدخول دمشق في 1 أكتوبر 1918، ونهاية الحكم العثماني.
أما القسم الأخير من الفصل، فيتناول سنوات 1918-1920، وهي فترة "الخروج من الحرب" التي يصفها ري بأنها كانت الأصعب. هنا يتابع محاولة الأمير فيصل وحكومته الشريفية بناء مملكة عربية في سوريا، والتي كانت تمثل حلم النهضة العربية ما قبل الحرب. لكن الفصل ينتهي بجملة قاتلة ومحورية: "1920: فرنسا تستولي على الأراضي الخاضعة للانتداب." لم يشرح الفصل تفاصيل سقوط المملكة، لكنه يضع القارئ عند لحظة الخيبة الكبرى، حيث تنهار الآمال في الاستقلال، ليحل محله نظام الانتداب الفرنسي، وهو واقع جديد يجبر السوريين على إعادة تعريف مصيرهم وهويتهم بالكامل.
في النهاية، يقرّ المؤلف بأن هذه الفترة المضطربة كانت خاضعة لتفسيرات متحيزة ارتبطت بنتائج الحرب. لكنه يقدم تحليلاً دقيقاً يُظهر أن المجتمع السوري لم يكن كتلة واحدة، بل كان فسيفساء من المدن والقرى، النخب والعامة، المسلمين والمسيحيين، وهي فسيفساء تفاعلت مع الأحداث العالمية بطرق معقدة ومؤلمة، مكونة بذلك اللبنات الأولى لسوريا الحديثة التي ستواجه حقبة جديدة من التحديات.
5.الفصل الخامس – في زمن الانتداب153–215▼ ملخص
ملخص الفصل الخامس – في زمن الانتداب
يُشكّل هذا الفصل دراسةً تفصيليةً لمرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا، مبتدئاً من لحظة تأسيسه في مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، حيث حصلت فرنسا وبريطانيا على تفويض من عصبة الأمم لإدارة المقاطعات العربية في الإمبراطورية العثمانية المنهارة. يركز الفصل على فكرة أن هذا الانتداب لم يكن نتيجة خطة استعمارية واضحة ومسبقة، بل كان عملية تجريبية من التقسيم والسيطرة والتشكيل، تمت عبر تفاعل معقد بين القوة المسيطرة والمقاومة المحلية والتكيف معها. الإجابة المحورية التي يقدمها الباحث هي أن سوريا الحديثة، بحدودها وهوياتها وسياستها، قد تم "اختراعها" فعلياً خلال هذه الفترة من خلال الممارسة اليومية للسلطة الاستعمارية ومن خلال ردود فعل السوريين أنفسهم، سواء بالثورة أو بالتفاوض.
ينتقل الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بوصف عملية ترسيم الحدود. لم تقتصر هذه العملية على فصل سوريا عن تركيا بموجب اتفاقيات أنقرة عام 1921، بل تضمنت أيضاً فصلها عن العراق بعد مفاوضات مع البريطانيين، وفصلها عن فلسطين وشرق الأردن. هذه الحدود الجديدة قطعت طرق القوافل التجارية القديمة، خصوصاً بالنسبة لمدينة حلب التي فقدت تواصلها مع كيليكيا، وأدت إلى "موت القطيع" لدى البدو الذين تحولوا من تربية الإبل إلى تربية الأغنام الصغيرة. كما أنشأت هذه الحدود تسلسلاً هرمياً جديداً بين المدن، حيث برزت دمشق كعاصمة في حين تهمشت مدن أخرى كحلب وحمص وحماة، بينما أصبحت بيروت المركز السياسي الرئيسي. يوضح الفصل أن التقسيمات الإدارية الداخلية كانت أكثر تعقيداً، حيث قسمت فرنسا سوريا إلى دويلات على أساس طائفي: دولة جبل الدروز ودولة العلويين، ودولتا دمشق وحلب. هذا التقسيم فرض على السكان اختيار هوياتهم السياسية، مما خلق انقسامات عميقة بين النخب والعشائر، حيث كان اعتبار المرء نفسه "دُرزياً" أو "علوياً" يعني ضمنياً قبول الحماية الفرنسية، في حين كان اعتبار نفسه "سورياً" يشكل خطاباً وطنياً جامعاً.
يُخصص الفصل حيزاً كبيراً لوصف الاحتجاجات المبكرة والثورات التي واجهت الانتداب. فبعد سقوط المملكة العربية بقيادة فيصل في معركة ميسلون، اندلعت مقاومة في الشمال بقيادة علي صالح في 1921، كما نظمت دمشق تظاهرات حاشدة في 8 أبريل 1922 بقيادة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر احتجاجاً على زيارة المندوب السامي. ثم تنتقل الرواية إلى الحدث الأبرز وهو الثورة السورية الكبرى التي انطلقت في 19 يوليو 1925 بقيادة سلطان الأطرش في جبل الدروز، بعد إهانة المندوب السامي ساراي لزعماء الدروز واعتقال وفدهم. سرعان ما امتدت الثورة إلى باقي المناطق بفضل قادة مثل فوزي القاوقجي الذي هاجم حماه، ووصلت إلى أطراف دمشق حيث تحولت غوطة دمشق إلى ساحة قتال. ردّت فرنسا بقصف مركز العاصمة وتدمير ربعه، لكن الثورة أثبتت أن فرنسا لن تستطيع السيطرة على سوريا وفق النمط الاستعماري التقليدي، مما أجبرها على التفاوض.
بعد إخماد الثورة، ينتقل الفصل إلى مرحلة جديدة من الصراع السياسي، حيث بدأت فرنسا تبحث عن شركاء محليين. في 29 يناير 1927، أقر المندوب السامي هنري بونسو بأن الاستعمار المباشر أصبح وهماً. في هذا السياق، تأسست الكتلة الوطنية على يد هاشم الأتاسي وجميل مردم بك وغيرهما لتكون حزباً سياسياً يسعى للاستقلال عبر التفاوض. تزامن ذلك مع عقد انتخابات في 1928 أسفرت عن مجلس تأسيسي، حيث احتدم النقاش حول الدستور. المعضلة الكبرى كانت المادتين المتعلقتين باستقلال لبنان والمادة 116 التي تعترف بالانتداب كأمر دائم. رفض المجلس الدستور، ففرضته فرنسا بقوة ونظمت انتخابات جديدة في 1932 تحت وطأة العنف، فاز فيها المحافظون بقيادة تاج الدين. هذا الجمود السياسي، إلى جانب الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت تأثيراتها في 1931 وأدت إلى بطالة بنسبة 15-20%، خلق أرضية خصبة لحركة احتجاجية جديدة.
يصف الفصل كيف تطورت المشهدية السياسية في الفترة التالية. أدى إغلاق مكتب الكتلة الوطنية في 20 يناير 1936 إلى إضراب شامل وغير مسبوق في المدن السورية، تحول إلى حركة احتجاج سلمية مدنية استخدمت المسيرات والإضرابات. جاء التغيير الحاسم من خارج سوريا بفوز جبهة الجبهة الشعبية في فرنسا، مما دفعها للتفاوض. أجريت انتخابات جديدة فازت بها الكتلة الوطنية بأغلبية ساحقة، وأسفرت عن توقيع معاهدة في أواخر 1937 تعهدت فيها فرنسا بالاستقلال التدريجي. لكن الفصل يبرز هنا التناقضات الداخلية، فالمعاهدة أثارت معارضة عنيفة من منطقتين: أولاً، الأقليات كالدروز والعلويين الذين انقسموا بين مؤيد للانضمام لسوريا الوطنية وخائف من هيمنة نخبها، وظهور شخصيات مثل سليمان مرشد الذي اتخذ موقفاً مؤيداً للحكم الذاتي. ثانياً، برزت الأزمة الكبرى في لواء إسكندرون، حيث استغلت تركيا فرصة المعاهدة وضغطت على فرنسا، وفي فبراير 1939 تم اقتطاع اللواء من سوريا وضمه لتركيا، مما شكل جرحاً عميقاً في الذاكرة الجماعية. في هذا السياق، التقى زكي الأرسوزي النازح من اللواء بـ ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأسسوا نادياً أدبياً تحول إلى نواة حزب البعث، معلنين النهضة العربية.
يختتم الفصل بوصف السنوات الأخيرة للانتداد واندلاع الحرب العالمية الثانية. مع تعليق العمل بالدستور في مايو 1939 ووصول حكومة فيشي إلى السلطة في فرنسا، اشتد القمع واعتقل زعماء الكتلة الوطنية ونفي زعماء مثل شكري القوتلي وجميل مردم بك إلى العراق. لكن تغير الحال مع ثورة العقداء الأربعة في بغداد في أبريل 1941، حيث استخدمت ألمانيا مطارات سوريا بموجب بروتوكولات باريس لدعم الثوار العراقيين. رداً على ذلك، غزت القوات البريطانية والفرنسية الحرة سوريا في حرب فرنسية-فرنسية في يونيو 1941. أعلن الجنرال كاترو الاستقلال باسم فرنسا الحرة في 25 يونيو 1941، لكن الصلاحيات الحقيقية لم تُنقل إلا تدريجياً. مع نهاية الحرب، وتحت إشراف البريطانيين عبر "مركز التموين للشرق الأوسط"، جرت انتخابات 1943 فازت بها الكتلة الوطنية، وأُنتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية في البرلمان الجديد، منهياً بذلك فصل الانتداب وممهّداً لاستقلال رسمي كامل كان سيأتي لاحقاً.
في نهاية هذا الملخص، يمكن الإشارة إلى أن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش، وهي أن الدولة السورية الحديثة هي نتاج بالغ التعقيد، لم يتشكل فقط من خلال المقاومة الوطنية ضد الاستعمار، بل أيضاً من خلال الممارسات الإدارية والتقسيمية للانتداب نفسه، والتي خلقت هويات طائفية وحدوداً اصطناعية لا تزال تلقي بظلالها حتى اليوم. يطرح الفصل تساؤلاً مفتوحاً حول "الولاءات" المتعددة والمتداخلة التي نشأت في تلك الفترة، تاركاً للقارئ استنتاج مدى استمرارية هذه الانقسامات في التاريخ السوري اللاحق.
7.الفصل السابع – البعث في السلطة216–241▼ ملخص
في صباح 8 مارس 1963، ملأت السيارات المصفحة شوارع دمشق، محتلة النقاط الاستراتيجية في البلاد. كان هذا الانقلاب العاشر منذ استقلال سوريا عام 1946، وقد حمل معه شعارات مألوفة تدين الفساد والإمبريالية. الجديد هذه المرة هو أن الضباط الذين نفذوا الانقلاب استدعوا قادة حزب البعث لتشكيل الحكومة، مما أعلن بدء حقبة جديدة. في غضون أسابيع، تم تهميش النظام البرلماني السابق، وبدأ عصر لم يعد فيه الجيش يغادر السلطة، على الرغم من استمرار وتيرة الانقلابات.
يتناول الفصل السابع من كتاب "تاريخ سوريا" لماتيو ري هذه الفترة الحاسمة ( 1963-1971 )، محاولاً فهم طبيعة النظام الجديد. هل كان مجرد حكم عسكري كما هو شائع في العالم الثالث آنذاك، أم كان "ثورة" كما يصفها الفاعلون؟ يستعرض المؤلف تعريفين: الأول لـحنا بطاطو الذي يبحث عن تشابه بين ثورات مصر والعراق وسوريا، والثاني لـإدوارد صعب الذي يصفها بأنها "ثورة الحقد"، حيث يسعى الوافدون الجدد إلى الثأر الاجتماعي من الطبقات الحاكمة القديمة. يرى ري أن هذه المرحلة حطمت تطوراً بدأ في منتصف القرن التاسع عشر، وأدت إلى صراع نماذج مجتمعية كاملة. يتابع الفصل كيف استنزفت الديناميكية الثورية المجتمع، مما أدى إلى ظهور حاجة للنظام، تبنّتها مجموعة من الرجال المنحدرين من أقليات.
بعد الانقلاب مباشرة، كان المشهد السياسي في سوريا فوضوياً. قاد الانقلاب ضابط يدعى زياد الحريري، وهو قومي عربي قريب من البعث ومن عبد الناصر، لكن دون أيديولوجية واضحة. سرعان ما برزت ثلاثية سرية من الضباط لم تكن معروفة للرأي العام: حافظ الأسد وصلاح جديد ومحمد عمران. الثلاثة كانوا من الطائفة العلوية ومن خلفيات قروية، وقد انضموا للجيش كطريق للترقي. شكلوا فيما بعد مجلساً ثورياً، لكن القوة الحقيقية للثلاثي لم تكن في منصب رسمي، بل في قدرتهم على التحرك خلف الكواليس، وإدارة التعيينات العسكرية، والتحكم بالمعلومات، والبقاء على قيد الحياة سياسياً. في غياب برلمان أو دستور، تحولت الصراعات السياسية إلى ثنائيات صعبة: مع أو ضد الوحدة مع مصر، مع أو ضد قوانين التأميم. أصبح العمل العسكري السري والانقلابات الداخلية وسيلة أساسية لتسوية الخلافات، مثل انقلاب 8 مايو 1963 الذي أدى لإقصاء الضباط الناصريين.
في هذه الأثناء، انقسم المجتمع السياسي السوري بشدة. كان حزب البعث نفسه ممزقاً على عدة خطوط: بين المدنيين والعسكريين، بين جيل المؤسسين ( ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ) والجيل الأصغر، بين سكان المدن الكبرى والقادمين من البلدات الصغرى، وبين السنة والأقليات. أدى هذا إلى شخصنة السياسة، حيث التفت الفصائل حول قادة معينين. كما عانى الإخوان المسلمون من انقسامات مماثلة، وتبنوا خطاباً أكثر محافظة في مسائل الدين والاقتصاد. في هذا الفراغ السياسي، أصبحت الشوارع ساحة للصراع، حيث نظم التجار في حلب ودمشق إضرابات احتجاجاً على قوانين التأميم من جهة، ونظم أنصار الوحدوية مظاهرات مؤيدة من جهة أخرى.
بلغت هذه التوترات ذروتها في حماة في أبريل 1964. بعد أسابيع من المظاهرات والاعتصامات في المساجد، اختارت السلطات المواجهة. تم نشر الحرس الوطني والدبابات، وأطلقت القذائف على مسجد السلطان، مما أسفر عن انهيار القبة على المحتجين. يمثل هذا الحدث نقطة تحول حاسمة: لأول مرة، تُسحق حركة احتجاجية مدنية بالقوة المميتة في المدن. لقد خلق هذا "الدم المشترك" تماسكاً بين النخبة الحاكمة الجديدة، وأجبر السكان على الاختفاء خوفاً. كما أدى إلى تفتيت البلاد، حيث أصبحت الاحتجاجات محصورة في أحياء ومدن منفصلة، وأشرفت مجالس محلية تابعة للبعث على النسيج الاجتماعي، لتحل محل السلطات التقليدية.
لفهم هذه التحولات الجذرية، ينتقل ري للإطار النظري. يصف "نظام المدنية" القديم الذي هيمن على سوريا منذ القرن التاسع عشر، والقائم على القانون، والتحضر، و"الأدب"، واقتصاد السوق الناشئ. لكن هذا النظام كان يحمل في طياته تناقضاً: فبينما كان يعد بالمساواة، كان يمارس هيمنة اجتماعية واقتصادية قاسية على الريف والأقليات. وُلد "المثال الثاني"، مثال العدالة والكرامة، كرد فعل على هذا القمع. هذا المثال الجديد، الذي حمله أبناء القرى والبلدات الصغرى، لم يقبل الدخول في نظام المدينة بل سعى إلى تدميره وإعادة بنائه. تم تطبيق إصلاحات زراعية وتأميمات واسعة، وتم بناء بنية تحتية جديدة (سد الفرات، مصفاة حمص، موانئ اللاذقية وطرطوس)، مما غير الجغرافيا الاقتصادية للبلاد. هذه الثورة، كما يوضح الفصل، لم تكن خطة مدروسة، بل كانت سلسلة من التجارب والتعديلات والعنف المستمر بهدف "تطهير" الماضي.
بلغت هذه الصراعات ذروتها في 23 فبراير 1966، في انقلاب دموي جديد. قام ضباط "يساريون" بقيادة حافظ الأسد وصلاح جديد بإقالة الجنرال أمين الحافظ، مما أدى لسقوط ضحايا. تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة نور الدين الأتاسي، وظهر سلطتان متوازيتان: سلطة الحزب بيد صلاح جديد، وسلطة الجيش بيد حافظ الأسد بصفته وزيراً للدفاع. استمرت قوانين التأميم في التشدد، وتم الترويج لإيثولوجيا قتالية "ذكورية" للاستعداد لمواجهة إسرائيل. في هذا الجو المشحون، فشلت محاولة انقلاب قام بها العقيد سالم حاطوم، أحد الضباط الدروز، في سبتمبر 1966.
توجت هذه الفترة المحمومة بـحرب 1967، التي شكلت صدمة وجودية للنظام. يصف ري سلسلة الحسابات الخاطئة التي أدت إلى الحرب، والتي بلغت ذروتها بالأمر المثير للجدل بالانسحاب من هضبة الجولان، مما أدى إلى خسارته مع أن المدينة كانت لا تزال تحت السيطرة السورية. كان السبب هو الفوضى في التسلسل القيادي، والشخصنة المفرطة، والخوف من تطويق دمشق. من 1968 إلى 1970، استنزفت سياسات صلاح جديد الاقتصادية (العزلة، هروب رؤوس الأموال) والاجتماعية (التدفق الريفي غير المنضبط) والمتعلقة بدعم الفدائيين الفلسطينيين في الأردن المجتمع السوري. في 13 نوفمبر 1970، نفذ حافظ الأسد ما أسماه "الحركة التصحيحية"، معتقلاً صلاح جديد وأتباعه، ومستفيداً من إرهاق المجتمع. يخلص الفصل إلى أن فترة الستينيات كانت زمن التحول الجذري، حيث تم تدمير النظام القديم بالعنف، لكن التغيير استنزف حامليه، ومهد الطريق لنظام استبدادي جديد يستند إلى الجيش والمخابرات، تجسد في حكم حافظ الأسد.
8.الفصل الثامن – الأسد (الأول)242–270▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على السنوات الأولى لحكم حافظ الأسد في سوريا، ممتداً من وصوله إلى السلطة في نوفمبر 1970 حتى منتصف الثمانينيات. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن نظام الأسد لم يكن نظام استقرار ونظام، بل كان نظام صراع دائم، بُني على حساب تدمير الحياة السياسية، مستخدماً مزيجاً من المحسوبية والقمع الوحشي، ومتفاعلاً بعنف مع التحولات الداخلية (الانفجار السكاني والتحضر) والخارجية (حرب أكتوبر، الحرب الأهلية اللبنانية). يُظهر الفصل أن وصول الأسد للسلطة لم يكن نهاية للصراعات، بل بداية لمرحلة جديدة من إحكام السيطرة، تمحورت حول البقاء في الحكم بأي ثمن.
يسير الفصل من خلال عرض المراحل الرئيسية التالية: أولاً، ترسيخ السلطة بعد الانقلاب. يوضح المؤلف كيف استخدم حافظ الأسد استراتيجية تقوم على "الدوائر المتداخلة"، حيث أحاط نفسه بمجموعة من المقربين والموثوقين، مثل عبد الحليم خدام (وزير الخارجية)، مصطفى طلاس (الدفاع)، ومحمد الخولي (المخابرات الجوية)، ليشكلوا طبقة عليا من الحكم. هذه الدوائر كانت تعتمد على العلاقات الشخصية والولاء المطلق، وليس على المؤسسات الرسمية. يُصارح المؤلف بأن هذه الاستراتيجية كانت تتطلب إدارة يومية دقيقة وذاكرة قوية من الأسد لمعرفة تفاصيل حياة كل فرد في دائرته. ثانياً، يصف التحولات في البنية الاجتماعية والاقتصادية. يُبرز الفصل الانفجار السكاني الهائل (من 6.3 مليون نسمة عام 1970 إلى 10.2 مليون عام 1985) والنمو الحضري السريع الذي صاحبه. هذا التوسع أدى إلى إعادة تشكيل المدن، وغالباً ما كان يتم على أسس طائفية أو عشائرية، حيث شجعت السلطة على إنشاء تجمعات للأقليات لموازنة القوى. كما يناقش المؤلف ما يسمى "اقتصاد الريع"، حيث تدفقت الأموال من الدول المنتجة للنفط (نحو 1.8 مليار دولار سنوياً) مما مكّن النظام من بناء جيش ضخم (نحو 450 ألف جندي) وشبكات واسعة من الفساد والمحسوبية، مما أدى لظهور "برجوازية جديدة" مرتبطة بالسلطة.
ثالثاً، يتناول الفصل الصراع الداخلي والخارجي المتشابك. تبدأ القصة بحرب أكتوبر 1973، التي يعتبرها المؤلف اختباراً لشرعية الأسد، وإن لم تحقق نصراً عسكرياً حاسماً. ثم ينتقل إلى الحديث عن تدخل سوريا في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976، وهو تدخل اعتبره المؤلف بمثابة نقطة تحول، إذ أثار انتقادات داخلية حادة واتهامات بالخيانة. في مقابل هذا، تبرز قوى المعارضة، وأبرزها جماعة "الإخوان المسلمين" التي شهدت تصعيداً في خطابها وعملها العسكري، وبرز منها تنظيم "الطلائع المقاتلة" بقيادة مروان حديد. يصف الفصل كيف تحولت هذه المواجهات من احتجاجات إلى حرب شوارع حقيقية، وصولاً إلى الحادثة المفصلية في 16 يونيو 1979، مذبحة كلية المدفعية في حلب، حيث قتل مسلحون 82 طالباً معظمهم من العلويين، مما دفع النظام إلى اعتماد القمع الشامل.
رابعاً، يصل الفصل إلى ذروته مع وصف الانتفاضة المسلحة في حماة في فبراير 1982. يصف المؤلف كيف بدأت العملية بقيام مسلحين من "الطلائع المقاتلة" بقتل جنود وأفراد مخابرات، لتردّ السلطة بقوة ساحقة بقيادة وزير الدفاع مصطفى طلاس ورفعت الأسد (قائد كتائب الدفاع)، حيث حوصرت المدينة ودُمّرت أجزاء كبيرة منها بالمدفعية الثقيلة. يذكر الفصل التقديرات المروعة للقتلى: بين عشرة آلاف وأربعين ألف قتيل، مع تدمير ثلث المدينة تماماً. يخلص المؤلف إلى أن هذا الحدث مثّل نقطة اللاعودة، حيث ساد الصمت والخوف في البلاد، وأصبح النظام يعتمد على القوة الغاشمة كأداة رئيسية للحكم.
خامساً، يُختتم الفصل بوصف أزمة الخلافة التي نشبت بعد إصابة حافظ الأسد بأزمة قلبية في نهاية 1983. تظهر هنا الصراعات الداخلية بين معاونيه، خاصة مع أخيه رفعت الأسد الذي حاول اغتنام الفرصة ليصبح الخليفة، مما أدى إلى أزمة سياسية قصيرة عُرفت بـ"حرب الإخوة". بعد شفاء الأسد، تم إقصاء رفعت وإرساله في مهمة خارجية، مما أنهى هذه الفترة الأولى والتي أثبت فيها النظام قدرته على البقاء حتى عندما يغيب زعيمه.
المؤلف لا يقدم تفسيراً واحداً للقمع، بل يلمح إلى تعقيد الدوافع. فهو لا ينكر أن الصراع كان له أبعاد طائفية (علويون مقابل سنة) واقتصادية (ريف ضد مدينة)، لكنه يُصرّ على أن النظام نفسه كان يغذي هذه الانقسامات ويستغلها للسيطرة. يقرّ المؤلف بصعوبة تأريخ هذه الفترة وفهم آليات النظام، ويشير إلى أن وثائقه الداخلية لا تزال غير متاحة. الأسئلة المفتوحة تتعلق بالدور الدقيق لبعض الدول (مثل العراق ومصر)، والتفاصيل الدقيقة لاستخدام الأسلحة الكيماوية في حماة (استناداً لتقارير منظمة العفو الدولية). يبقى السؤال المحوري الذي يطرحه الفصل دون إجابة واضحة: هل كان العنف جزءاً لا يتجزأ من بنية النظام، أم كان مجرد استجابة لظروف معينة؟ يبدو أن المؤلف يميل إلى الرأي الأول، معتبراً أن النظام بُني على مبدأ البقاء بالعنف، مما جعله أهلاً للحكم على حساب المجتمع السوري.
9.الفصل التاسع – الأسد (الثاني)271–293▼ ملخص
يبدأ الفصل بإعادة انتخاب حافظ الأسد لولاية ثالثة في 11 فبراير 1985 بنسبة تصويت بلغت 99.97%، لكن الكاتب يوضح أن هذا المشهد لا يعكس استقراراً، بل هو بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع لضمان بقاء النظام بعد هزات أحداث حماة وصراعات الإخوان. يرفض الكاتب فكرة أن حكم الأسد كتلة واحدة، ويطرح مفهوم "العقلانية الآنية" التي تدفع النظام لإجراء تعديلات استراتيجية للبقاء، متأثراً بمنعطفين خارجيين: حرب العراق-إيران التي أدت إلى تغيير السياسة النفطية السعودية في 1986، وتشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في 1991 لطرد العراق من الكويت، مما أنهى الهيمنة السوفيتية وأطلق عصراً أميركياً جديداً في الشرق الأوسط.
يستخدم الكاتب مفهوم "كما لو" الذي طورته الباحثة ليزا ويدن لوصف التناقض في سوريا هذه الفترة. فمن ناحية، يُزرع عبادة شخصية هائلة للرئيس: تماثيل، لوحات، أناشيد مدرسية، وهندسة جمالية تذكرنا بديمقراطيات الكتلة الشرقية. ومن ناحية أخرى، ينتشر النكات والسخرية والفساد. جوهر النظام الجديد هو جعل الجميع يتصرفون "كما لو" أنهم يؤمنون بالقيادة الأبدية، وكأن لا خلافات طائفية أو عرقية، وكأن مقاومة إسرائيل وأميركا هي الأولوية المطلقة، بغض النظر عن الممارسات الواقعية.
يتتبع الفصل تحول ميزان القوى داخل النظام، حيث يتراجع دور حزب البعث بعد فشله في احتواء أزمة الثمانينات، ويحل محله بشكل متزايد أجهزة المخابرات والشرطة. بالتوازي، يصعد الحزب السوري القومي الاجتماعي ليشغل الفراغ الأيديولوجي، حيث يقدم خطاباً قومياً متشدداً وأكثر توافقاً مع النزعة الليبرالية الاقتصادية. هذا التحالف الجديد بين الأجهزة الأمنية وأطراف سياسية أخرى، بالإضافة إلى علاقات العائلة الحاكمة (مثل عائلة مخلوف المرتبطة بالحزب القومي)، يعيد تشكيل شبكات النفوذ. يصبح الأمن هو المفتاح، حيث يتمتع كل عنصر مخابرات بسلطة واسعة، والتنافس بين الأجهزة يحدّه فقط الولاء المطلق للقائد الأعلى.
ينتقل الكاتب لتحليل كيف تخلق هذه البيئة الأمنية مجتمعاً مجزأ إلى "أوطان" أو "أقاليم" إنسانية (مثل حلب، حماة، الجبل العلوي، الدروز، الفرات، القلمون...). هذه الأقاليم هي نتاج التحديث والهجرة، لكنها تعيد إنتاج انقسامات قديمة. في ظل غياب الفضاء السياسي العام، تزدهر شبكات المحسوبية والزبائنية، وتصبح الانتخابات والفساد أدوات لاختيار نخب جديدة (تجار، شيوخ عشائر، زعماء دينيين) تخدم النظام المحلي مقابل ولائها للسلطة المركزية. هذا يخلق تكاملاً بين طبقة التجار وأجهزة الأمن، خاصة عبر تهريب المخدرات والبضائع من لبنان، مما يضمن تدفقاً غير رسمي للثروة مع إبقاء الجميع تحت التهديد.
بعد استعراض البنية السياسية والاجتماعية، يركز الفصل على الأزمة الاقتصادية الداخلية التي بلغت ذروتها عام 1986، نتيجة هروب رؤوس الأموال، انهيار المساعدات النفطية العربية بمقدار مليار دولار، واستنزاف الحرب في لبنان لما يصل إلى 54% من الميزانية. رد النظام بسياسة تقشف وتحرير اقتصادي (انفتاح) متناقض: عزز الصناعات النسيجية والمرتبطة بالجيش، لكنه أضعف الزراعة وخلق نقصاً حاداً في السلع الأساسية (مازوت، غاز، قطع غيار)، مما أدى إلى شلل في المواصلات وعزلة للأرياف وطوابير طويلة. الكاتب يشير بسخرية إلى أن السوريين تذكروا هذه السنوات كعقاب إضافي بعد القمع السياسي.
يتبع هذا التحول الاقتصادي تحول في تركيبة السلطة. الصراعات بين قادة الأجهزة الأمنية (مثل علي حيدر، محمد الخولي، حكمت الشهابي، والأكثر نفوذاً علي دوبا) تشكل حقلاً من القوى يحل محل السياسة الحزبية. هذا التحالف بين عوالم الأمن والأعمال يدفع باتجاه سياسة "الانفتاح"، ويبلغ ذروته مع قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، الذي يشرع تحالفات رأس المال (من أبناء العائلات الكبرى أو الوافدين الجدد) مع الأمن لاستثمار قطاعات سريعة الربح كالطاقة والسياحة. هذا لا يهدف إلى تنمية طويلة الأمد بل إلى إثراء سريع للشركاء، مدعوماً باكتشاف حقول نفط متواضعة (تصل إلى 600 ألف برميل سنوياً عام 1994) توفر دعامة أساسية للنظام.
في خضم هذه التحولات، ومع تقدم عمر حافظ الأسد، يبرز ملف الخلافة. يبدأ الرئيس بإعداد ابنه البكر باسل الأسد (من مواليد 1962) لتولي الميراث، عبر منحه ملفات مهمة منذ عام 1988، كرئيس لجمعية الحاسوب السورية وفصله في الحرس الجمهوري. لكن هذه الخطة تنهار فجأة في 21 يناير 1994 بموت باسل في حادث سيارة. يضطر النظام إلى فرض حداد 40 يوماً، ويتم استدعاء الابن الثاني بشار الأسد من لندن حيث كان يدرس طب العيون. يبدأ حافظ الأسد عملية تصفية للمنافسين المحتملين، فيضع حكمت الشهابي تحت الإقامة الجبرية ويدفع بأبناء قادة الأمن إلى المنفى، ويرقي بشار ومن خلفه أخاه الأصغر ماهر الأسد لقيادة الأجهزة العسكرية.
على الصعيد الخارجي، يسعى النظام لتهيئة المناخ للخلافة عبر تحقيق تقدم دبلوماسي. أبرز محطتين هما:
- الاستفادة من تداعيات حرب الخليج (1990-1991): مشاركة سوريا في التحالف الدولي مكنتها من إنهاء عزلة لبنان وتحقيق السيطرة الكاملة عليه (باستثناء المنطقة الجنوبية تحت السيطرة الإسرائيلية)، وإعادة الاندماج في النظام الإقليمي، وفتح حوار مع أوروبا وأميركا.
- مفاوضات السلام مع إسرائيل: من 1991 إلى 1996، كان الهدف استعادة هضبة الجولان بحدود 1967 (بما يشمل شريطاً على بحيرة طبريا) مقابل تطبيع العلاقات، مما كان سيمنح النظام شرعية ويمهد الطريق لخلافة آمنة بفضل دعم أميركي وأوروبي. لكن المفاوضات فشلت في جنيف، حيث تمسك حافظ الأسد باستعادة كامل الأرض حتى شاطئ البحيرة.
يختتم الفصل بصورة لسوريا عام 2000، وقد تغيرت جذرياً: سكانها أصبحوا نحو 16 مليوناً (مقسمين مناصفة بين الحضر والريف تقريباً)، تحولت أراضيها عبر الري، وتشكلت مدن جديدة. لكنها تظل تحت قبضة نظام أمني صارم يعبد "الرئيس الخالد" المسن والمريض. وفاة حافظ الأسد في 21 يونيو 2000 تخلف نظاماً يختلف تماماً عن الذي أسسه قبل ثلاثين عاماً، وتطرح خلافة بشار الأسد مجموعة هائلة من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
10.الفصل العاشر – الأسد (الثالث)294–319▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل بحدث مفصلي هو وفاة الرئيس حافظ الأسد في 10 يونيو 2000 عن عمر يناهز السبعين عاماً، بعد حكم دام ثلاثين عاماً. يسود السؤال حول مستقبل البلاد التي يزيد عدد سكانها عن 16 مليون نسمة، نصفهم تقريباً دون الخامسة عشرة ولم يعرفوا سوى حكم الأسد. يركز المؤلف على ظاهرة توارث الحكم في الجمهوريات العربية، والتي يطلق عليها مصطلح "الجملكية" (مزيج من جمهورية وملكة)، وتكون سوريا أول نموذج لها مع صعود الابن الأكبر بشار الأسد البالغ من العمر 34 عاماً. يقدم الفصل بشار الأسد كرمز للتجديد في بلد منعزل، وفي وقت يسوده هيمنة أمريكية بقيادة الرئيس بيل كلينتون، مما يجعل المسار السوري يبدو شاذاً ويحتاج إلى الانفتاح والتحديث، بدعم من الراعي الرئيسي جاك شيراك.
يتتبع الفصل مسار بشار الأسد الشخصي كجزء من جيل "الأبناء" الذين حلوا محل الآباء المؤسسين. درس في إنجلترا بين 1992 و1994، وتزوج من أسماء التي كانت تعمل في مصرف جي بي مورغان، وهو زواج يرمز لتقارب النخب السياسية والاقتصادية والأمنية والطائفية. بعد وفاة والده، تحرك مصطفى طلاس لضمان انتقال سلس للسلطة، بينما أُبعد العم رفعت الأسد. تم تعديل الدستور لخفض سن الرئاسة، وصادق مؤتمر استثنائي لحزب البعث على الترشيح، وأُجري استفتاء في 10 يوليو 2000. يشير المؤلف إلى التوترات الخفية داخل النظام؛ فالبعض مثل عبد الحليم خدام أراد العودة إلى بعثية السبعينيات، بينما دعا آخرون إلى الانفتاح الديمقراطي، مما أدى إلى بروز ما عُرف بـ"ربيع دمشق"، وهو حراك مدني من الصالونات الفكرية في دمشق ناقش إصلاح النظام ومحاكمة الأجهزة الأمنية، لكنه بقي ظاهرة نخبوية وحضرية.
يوضح الفصل ازدواجية حكم بشار الأسد، فهو من جهة يحيط نفسه بتقنيين ومهندسين (مثل سامي الخيامي وعماد مصطفى) ويعزز دور جمعية الكمبيوتر السورية، ويخرج إلى الشارع ويزور المطاعم لإضفاء صورة القرب من الناس. لكنه، من جهة أخرى، يحافظ على قبضته الأمنية عبر تدوير واسع لكوادر الأجهزة الأمنية، مستعيناً بشخصيات مثل بهجت سليمان. هذا التغيير لم يكن تصفية جسدية بل إعادة هيكلة للولاءات، حيث أصبح رئيس القسم المثقف بالمرجعية السوفيتية يعمل مع نائب شاب من الجامعات الأنغلوساكسونية، مما خلق صراعاً ثقافياً صامتاً. يخلص المؤلف إلى أن النظام يقوم على ثنائية الشكل وغير الرسمي: فالبرلمان يناقش القوانين بينما الأمن هو من يقرر، والرئيس هو زعيم عشيرة يدير المصالح الشخصية والتفاصيل الصغيرة أكثر من السياسات الكبيرة (مثل دور رامي مخلوف الاقتصادي ودور جميل الأسد في شؤون اللاذقية).
ينتقل الفصل إلى انعكاسات الحكم اللامركزي والمركزي معاً، حيث يتمتع الحكام المحليون بصلاحيات واسعة (كقرار مد المياه أو حل النزاعات) لكنهم يخضعون في النهاية للمركز، مما يمنع الحل السياسي للنزاعات المحلية. يورد مثالاً على ذلك: غارات بدوية من حوران على جبل الدروز بعد عام 2000، والتي قمعها النظام بقسوة (باستخدام الدبابات) بعد أن نظم الطلاب الدروز اعتصاماً. هذا القمع، وعدم وجود قنوات سياسية لحل المشكلة، خلق شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي سيتم تذكره لاحقاً. يرى المؤلف أن سياسات النظام أدت إلى تجزئة المناطق السورية وتأجيج الهويات الطائفية والعرقية كأدوات للدفاع والتعبئة في غياب الحريات.
يتناول الفصل أثر حربين إقليميتين كبيرتين. أولاً، حرب العراق التي قادتها إدارة جورج دبليو بوش عام 2003. خشي النظام السوري من مصير مماثل، لكنه استغل الفوضى لدعم المقاومة ضد الاحتلال، فكانت سوريا شريكاً في مكافحة الإرهاب وفي نفس الوقت ممراً للمقاتلين. كان للحرب تأثير عميق على المجتمع السوري بفضل التغطية الإعلامية المباشرة عبر الفضائيات وتدفق اللاجئين العراقيين. ثانياً، الانسحاب من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، والذي أدى إلى ضغوط دولية ومحلية (انتفاضة الاستقلال) أجبرت سوريا على الانسحاب في 28 أبريل 2005، مما شكل انتكاسة لبشار الأسد داخلياً. بعد ذلك، انتقل النظام إلى سياسة الانفتاح الإقليمي، مستقطباً استثمارات من إيران ودول الخليج وتركيا (معترفاً بضم لواء إسكندرون)، مما أدى إلى إثراء سريع لداعمي النظام على حساب التوازنات الداخلية.
يصف الفصل التحولات الاقتصادية والاجتماعية في عهد بشار الأسد على أنها "سوريا جديدة في طور التكوين". تم تحرير الاقتصاد من القيود، وظهرت احتكارات وأوليغوبوليات في قطاعات الاتصالات والسياحة والطاقة والبناء، يهيمن عليها رجال أعمال جدد من أبناء النخبة القديمة والعسكرية. تطورت المدن الكبرى (خاصة دمشق وحلب) بشكل كبير مع ناطحات السحاب (مثل فور سيزون) والماركات العالمية، مما أدى إلى الترفيه والاستهلاك الواضح ونزوح الطبقات الشعبية إلى الضواحي الفقيرة. في المقابل، ظلت الريف مهمشة رغم تحسن الطرق والكهرباء، وعانى من جفاف قاسٍ بعد عام 2006 أجبر الحكومة على وقف الزراعة، مما دفع الشباب إلى الهجرة. هذا التناقض بين ثراء المدن وفقر الريف، وبين نخبة منفتحة على العالم وجماهير محرومة، خلق أرضاً خصبة للغضب.
يتناول الفصل التغيرات في الخطاب الرسمي، حيث تحول من لغة البعث الثورية إلى لغة "المجتمع المدني" و"اقتصاد السوق" التي تستخدمها أسماء الأسد عبر مؤسسات خيرية مثل ترست (وهي منظمة غير حكومية موالية للحكومة). تم الإعلان عن "اقتصاد السوق الاجتماعي" في المؤتمر العاشر للحزب عام 2005، لكنه كان وسيلة للسيطرة العائلية على الاقتصاد أكثر من كونه إصلاحاً حقيقياً. تضمنت الخطة الخمسية العاشرة أهدافاً طموحة للنمو لكنها فشلت في معالجة التفاوتات المتزايدة، وخاصة في مناطق مثل دير الزور والرقة التي عانت من أمراض وأمية مرتفعة. بحلول انتخابات 2010، التي شهدت مشاركة ضعيفة، كان الطلاق بين النظام والشعب واضحاً، وكانت تقارير الأمن تحذر من تزايد السخط لكنها لم تصل إلى القيادة المنعزلة.
يختتم الفصل بالربيع العربي في سوريا. بعد انتفاضات تونس ومصر، بدأت الاحتجاجات في درعا منتصف مارس 2011 تعذيب أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام، مما أثار غضباً عارماً. انتشرت الاحتجاجات بسرعة إلى حمص ودمشق واللاذقية، مطالبين بالحرية والعدالة. كان رد النظام ثلاثياً: إصلاحات شكلية (رفع حالة الطوارئ، منح الجنسية للأكراد)، وعنف مفرط (اعتقالات، تعذيب، إطلاق نار)، وحرب دعائية. مع استمرار الاحتجاج، تشكلت لجان تنسيق محلية لإدارة الحراك، وفي المقابل فرض النظام التجنيد الإجباري مما دفع بعض الجنود والضباط إلى الانشقاق وتشكيل "الجيش السوري الحر" في يوليو 2011. بحلول فبراير 2012، تحولت الاحتجاجات إلى حرب شاملة بعد قصف حمص بالمدفعية الثقيلة.
يصف الفصل المرحلة الأخيرة كنتيجة حتمية للتراكمات السابقة. أصبحت سوريا فسيفساء من مناطق تسيطر عليها قوى مختلفة: النظام، والجيش الحر، والقوات الكردية، والجماعات الإسلامية (لاحقاً "داعش"). أدى القتال إلى نزوح هائل، حيث غادر أكثر من 60% من السكان منازلهم بحلول عام 2013. لم يعد هناك خطاب سياسي موحد، بل أصبح الصراع يدور حول السيطرة على الأرض والموارد بدعم من قوى خارجية (إيران وروسيا للنظام، وتركيا ودول خليجية للمعارضة، وتحالف دولي ضد "داعش"). يرى المؤلف أن "الصنع البطيء لسوريا المعاصرة تحطم عندما اختزلت الدولة إلى أبسط تعبيراتها: استخدام القوة"، داعياً إلى عدم قراءة الأحداث التي سبقت الحرب كنتيجة حتمية لها، بل كمسارات متعددة اخترتها أطراف المجتمع والدولة.