
سوريا والانتداب الفرنسي سياسة القومية العربية 1920 - 1945
سعى فيليب خوري في كتابه "سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية 1920-1945" إلى تفكيك الخطاب التقليدي حول الحركة الوطنية السورية، مقدماً إجابة جريئة مفادها أن القومية العربية لم تكن ثورة شعبية عفوية، بل كانت أداة سياسية في أيدي نخبة الأعيان في المدن الكبرى. يرى المؤلف أن هذه النخبة، المكونة من ملاك الأراضي والتجار الكبار، استخدمت القومية لإعادة التوازن مع السلطة الفرنسية التي أخلّت بمصالحها، وللحفاظ على نفوذها الاجتماعي والاقتصادي. لم تكن القومية فكرة ثورية قلبت الأوضاع، بل نتاج تغيرات اجتماعية واقتصادية في أوساط الطبقة العليا المدينية، وقدمت إطاراً علمانياً لمواجهة الطائفية التي أشعلها الفرنسيون، دون أن تهدد الوضع الاجتماعي القائم للزعامات التقليدية.
يسير الكتاب وفق حجة واضحة تتتبع تطور العلاقة بين السياسة الفرنسية والنخبة السورية. يبدأ بتحليل جذور الانتداب الفرنسي، ويخلص إلى أنه لم يكن نتاج لحظة تاريخية عابرة، بل تتويجاً لعملية امبريالية فرنسية طويلة الأمد. يشرح كيف أن فرنسا، التي كانت أكبر مستثمر في الدولة العثمانية عشية الحرب العالمية الأولى، طورت نظرتها إلى سورية من خلال عدسة تجربتها في شمال أفريقيا، مما جعلها تفهم المجتمع السوري فهماً مبسطاً وتحيزياً قائماً على فكرة الصراع الطائفي المستديم. بعد فرض الانتداب، واجهت فرنسا تناقضاً جوهرياً بين نظام الانتداب الذي يفترض الإشراف المؤدي إلى الاستقلال، ودوافعها الإمبريالية الذاتية، وهو ما كان بذرة إخفاقاتها اللاحقة.
ينتقل الكتاب إلى تحليل السياسات الفرنسية التي اعتمدت على ثلاث استراتيجيات رئيسية لعزل الحركة الوطنية وإضعافها: التقسيم الجغرافي للبلاد إلى دويلات صغيرة مثل دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين وجبل الدروز، بهدف احتواء الحركة القومية في معاقلها المدنية. الاستراتيجية الثانية كانت تأليب الريف على المدينة عبر محاولة كسر علاقات الاعتماد التقليدية بين ملاك الأراضي والفلاحين، وذلك بتوزيع الأراضي المشاع على الفلاحين، لكن هذه الجهود باءت بالفشل بسبب نقص التمويل ومقاومة كبار الملاك. الاستراتيجية الثالثة كانت الحكم من خلال نخبة متعاونة من البيروقراطيين العثمانيين السابقين، الذين فقدوا شرعيتهم الوطنية بارتباطهم بسلطة أجنبية. ويقر خوري بأن هذه السياسات، رغم فشلها في القضاء على الحركة الوطنية، تركت أثراً ضاراً طويل الأمد تمثل في تعزيز الوعاء الأقلوي والعزلة الجغرافية، مما أعاق ظهور مجتمع سياسي موحد.
يخصص الكتاب مساحة واسعة لتحليل الثورة السورية الكبرى (1925-1927)، التي يعتبرها نقطة تحول حاسمة. يوضح أن الثورة لم تكن حركة متجانسة، بل كانت نتاجاً لتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتطورت عبر تحالفات معقدة بين فئات اجتماعية مختلفة. يشرح كيف أن السياسات الفرنسية الخاطئة في جبل الدروز، وتحديداً محاولة الكابتن كاربيه تفكيك البنية الاجتماعية التقليدية للطائفة، هي التي أشعلت شرارة الثورة. يصف خوري كيف تحولت انتفاضة محلية بقيادة سلطان الأطرش إلى ثورة وطنية شاملة عندما انضم إليها الوطنيون من حزب الشعب في دمشق، وعلى رأسهم عبد الرحمن الشهبندر ونسيب البكري. ويؤكد أن القصف الفرنسي الوحشي للمدن، وخاصة قصف دمشق الذي خلّف 1,415 قتيلاً ودمّر 700 دكان، لم يخمد الثورة بل زاد من شراستها.
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، يذكر الكتاب أن أكثر من 60% من سكان المدن السورية كانوا يقطنون المدن الأربع الكبرى: دمشق وحلب وحمص وحماة، مما جعلها قلب الحركة الوطنية. كما يشير إلى أن فرنسا تنازلت عن لواء الإسكندرون لصالح تركيا عام 1939 في خرق واضح لواجباتها كقوة انتداب. وفي مجال الاقتصاد، يلفت الانتباه إلى أن عدد العاملين في الصناعات التقليدية انخفض من 51,000 عام 1911 إلى حوالي 20,000 عام 1929، بينما لم تستوعب الصناعة الحديثة سوى 17,000 عامل. أما في المالية العامة، فكانت نفقات الدفاع تلتهم حوالي 54% من الميزانية المحلية، بينما كانت نفقات التنمية لا تتجاوز 12%.
يعترف المؤلف بحدود تحليله، ويشير إلى أن تركيزه الحصري تقريباً على دور النخبة المدينية السنية قد يقلل من أهمية دور الأقليات أو الفئات الشعبية في تشكيل الحركة الوطنية. كما يقر بأن الثورة لم تكن حتمية رغم توفر الظروف الموضوعية، وأن مستوى التنسيق بين جماعات الثوار كان محدوداً. يترك خوري سؤالاً مفتوحاً حول مدى استمرارية نموذج "سياسة الأعيان" هذا، ويلمح إلى أن الاستقلال نفسه هو الذي سيكسر في النهاية هذا القالب، حيث ظهر جيل جديد من السياسيين المتعلمين في الغرب (مثل القوميين السوريين وحزب البعث) تحدوا احتكار الكتلة الوطنية للعمل السياسي وطالبوا بإصلاحات اجتماعية واقتصادية أوسع.
يقدم الكتاب حججاً قابلة للنقاش، أبرزها توصيفه للقومية كأداة في يد طبقة معينة بدلاً من كونها حركة تحرر شاملة، وهو طرح جوهري قد يتعارض مع الخطابات الوطنية التقليدية. كما أن تأكيده على دور العامل الاقتصادي كأرضية أساسية للثورة، مقابل الاعتبارات الأيديولوجية والقومية البحتة، يثير تساؤلات حول مدى دقة هذا التحليل. أخيراً، يمكن القول إن الكتاب يقدّم رؤية معقدة ومتشائمة أحياناً للسياسة السورية، حيث تظهر النخب كطبقة انتهازية تسعى للحفاظ على امتيازاتها، والفرنسيون كقوة مستعمرة غير قادرة على فهم المجتمع الذي تحكمه، مما ينتج نظاماً هشاً قائماً على الاحتواء والتفكيك بدلاً من البناء.
الأشخاص
الفصول(20)
1.القسم الأول84–98▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول الاستراتيجيات التي اتبعتها سلطات الانتداب الفرنسي في سورية بين عامي 1920 و1945 بهدف إضعاف الحركة الوطنية العربية ومنع توحيد البلاد. يقدم المؤلف فيليب خوري أطروحة مفادها أن الفرنسيين لم يكتفوا بقمع الحركة الوطنية عسكرياً، بل اعتمدوا على ثلاث استراتيجيات رئيسية ومترابطة لعزلها واحتوائها: التقسيم الجغرافي والطائفي، وتأليب الريف على المدينة، واستغلال الانقسامات داخل النخبة السياسية التقليدية. ويخلص الفصل إلى أن هذه الاستراتيجيات نجحت جزئياً في إعاقة تشكل مجتمع سياسي سوري موحد خلال فترة الانتداب، لكنها فشلت في النهاية في القضاء على الحركة الوطنية أو خلق قواعد ولاء بديلة قابلة للبقاء.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر هذه الاستراتيجيات الثلاث. يبدأ بوصف سياسة "فرق تسد" الجغرافية، حيث قام الفرنسيون بتقسيم سورية إلى وحدات صغيرة. ففي عام 1918، أُنشئ لواءان منفصلان في دمشق وحلب، وتمتع سنجق الإسكندرون (ذي الغالبية التركية) بإدارة مستقلة. وفي عام 1920، أعلن جبل الدروز وحدة مستقلة، تلاه إعطاء منطقة العلويين نظاماً إدارياً خاصاً. أعلنت فيدرالية سورية عام 1922 لكنها حُلّت عام 1924. لم يُدمج لواء العلويين وجبل الدروز رسمياً في الدولة السورية إلا عام 1936، ثم فُصلا مرة أخرى عام 1939، قبل أن يعاد توحيدهما عام 1942 تحت ضغوط الحرب. ويشير المؤلف إلى أن فرنسا تنازلت عن لواء الإسكندرون لصالح تركيا عام 1939 محاولةً استمالتها قبل الحرب، في خرق واضح لواجباتها كقوة انتداب. يوضح خوري أن الهدف من هذه التقسيمات كان احتواء الحركة الوطنية في معقلها (دمشق، حلب، حمص، حماة) ومنعها من الوصول إلى المناطق ذات الأغلبية من الأقليات. ونتيجة لذلك، بقيت الحركة الوطنية محصورة في المدن الأربع الكبرى، بينما ظلت المناطق المحيطية بمنأى عن تأثيرها. مع ذلك، يعترف الكاتب بأن هذه الفصلات لم تكن ناجحة بالكامل، حيث تحالفت نخب محلية (مثل ملاك الأراضي السنة في اللاذقية) مع الحركة الوطنية، مما اضطر الفرنسيين في النهاية إلى ضم هذه المناطق إلى الدولة السورية.
الاستراتيجية الثانية، كما يصفها الفصل، كانت عزل الحركة الوطنية من خلال استهداف قواعدها الاقتصادية المتمثلة في ملكية الأراضي. سعى الفرنسيون إلى تحويل علاقات الإقطاع الزراعي لصالح الفلاحين، وذلك عن طريق كسر نظام الملكية المشاعية (المشاع) وتشجيع الحيازات الصغيرة. أنشأت سلطات الانتداب مكتباً للمساحة بهدف مسح الأراضي وتسجيلها، وتوزيع الأراضي الأميرية. يذكر الفصل أنه ما بين عامي 1927 و1931، تم توزيع 180,000 هكتار من الأراضي (تشمل 1,875 قرية) على 75,000 عائلة فلاحية. كما صدر قانون ملكية جديد في عام 1930. ومع ذلك، يشير المؤلف إلى أن هذه الاستراتيجية فشلت إلى حد كبير لأسباب عدة: أولاً، نقص التمويل وعدم الاستقرار السياسي، خاصة الثورة السورية الكبرى ( 1925-1927 ) التي تسببت في توقف أعمال المسح. ثانياً، تمكن كبار ملاك الأراضي من الحفاظ على سيطرتهم عبر الربا وإعادة إقراض الفلاحين الصغار بفوائد مرتفعة، مستفيدين من رفض مصارف التسليف الزراعي الفرنسية إقراض صغار الملاك. ونتيجة لذلك، تركزت الأرض في أيدي عدد أقل من الملاك، وازداد عدد المحاصصين لا صغار الملاك المستقلين. ويقدم الفصل أمثلة رقمية على ذلك من محافظة حلب، حيث انخفضت نسبة الحيازات الصغيرة (أقل من 10 هكتارات) من 29% إلى 21% بين عامي 1935 و1943، بينما ازدادت الحيازات الكبيرة (أكثر من 100 هكتار) من 5% إلى 6.6% . ويخلص المؤلف إلى أن الفرنسيين لم يتمكنوا من تحريض الفلاحين ضد أسيادهم من ملاك الأراضي، واضطروا في النهاية للاكتفاء بإثارة التنافسات بين النخب نفسها.
ينتقل الفصل إلى الاستراتيجية الثالثة والأخيرة، وهي الحكم من خلال عناصر متعاونة من النخبة السياسية التقليدية. اعتمدت فرنسا على طبقة البيروقراطيين والموظفين السابقين في الدولة العثمانية الذين هُمّشوا مع سقوط حكم الملك فيصل عام 1920. رأى هؤلاء الأعيان في التعاون مع الفرنسيين وسيلة لاستعادة نفوذهم المفقود، متذرعين بضرورة إعادة الاستقرار إلى البلاد بعد الحرب العالمية الأولى. لكن الفصل يبين أن هذه الاستراتيجية واجهت مشاكل جمة. فقد كان هؤلاء المتعاونون يفتقرون إلى الشرعية الشعبية مقارنة بالوطنيين، وسرعان ما فقدوا مصداقيتهم بسبب ارتباطهم بسلطة أجنبية غير مسلمة. كما أن تغيير الحكومات والوزراء كان سريعاً جداً (يسرد الفصل أنه بين أيلول 1920 وكانون الأول 1936، شهدت سورية 17 مجلس مديرين وحكومة مختلفة، وأن نصف المناصب الوزارية شغلها دمشقيون)، مما منع تكوين قاعدة نفوذ مستقرة. ورغم محاولات الفرنسيين توسيع الإدارة لاستيعاب المتعاونين، فإن قلة الموارد والوظائف العالية حال دون خلق نواة ولاء فعالة. وفي النهاية، نجحت الحركة الوطنية في تقويض ثقة الجماهير بهؤلاء المتعاونين من خلال التظاهرات والإضرابات، مما اضطر الفرنسيين للاعتراف بفشل هذا النهج.
كما يتطرق الفصل إلى بعض التحفظات والحدود التي يقر بها المؤلف. فهو لا يقدم صورة مثالية لنجاح السياسة الفرنسية، بل يشير باستمرار إلى فشلها النسبي. فالنخب المحلية، من دروز وعلويين وملاك أراضي سنة، قاومت التقسيم وتحالفت مع الحركة الوطنية بدرجات متفاوتة. ويشير إلى أن الإصلاحات الاقتصادية في الريف كانت مقيدة بنقص التمويل الفرنسي واعتماد الإدارة على الوسطاء المحليين من طبقة ملاك الأراضي نفسها. أخيراً، يذكر أن المجتمع الفرنسي في سورية نفسه كان صغيراً جداً (حوالي 8,000 فرنسي في سورية ولبنان معاً في أوائل الثلاثينات) ومعزولاً، مما جعل الحكم غير المباشر أمراً محتماً، لكنه جعل الاعتماد على المتعاونين المحليين مشكلة بحد ذاتها. وفي الختام، يمكن القول إن الحجة الرئيسية في الفصل تُظهر أن سياسة فرنسا الانتدابية في سورية، رغم قسوتها، كانت انتهازية ومترددة ومحدودة الموارد، مما جعلها تنتج نظاماً هشاً قائماً على الاحتواء والتفكيك بدلاً من البناء، وأدى هذا الإرث المتمثل في تعزيز الوعي الأقلوي والعزلة الجغرافية إلى خلق عقبات طويلة الأمد أمام بناء هوية وطنية سورية موحدة بعد الاستقلال.
1.مقدمة 25–48▼ ملخص
يقدم هذا الفصل التمهيدي من كتاب فيليب خوري عن سوريا والانتداب الفرنسي إطاراً تحليلياً لفهم العلاقة بين السياسة القومية العربية والنخب الحاكمة خلال فترة ما بين الحربين. المحور الأساسي الذي يدور حوله الفصل هو تفسير كيفية نشوء الحركة الوطنية السورية وتطورها، وسبب تبنيها للأيديولوجيا القومية، والطابع الخاص الذي اتخذته هذه الحركة، والذي كان في جوهره امتداداً لأنماط السلوك السياسي للزعامات المدينية التقليدية. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن القومية العربية في سورية لم تكن ثورة شعبية من القاعدة، بل كانت أداة سياسية في أيدي طبقة الأعيان في المدن الكبرى، استُخدمت لإعادة التوازن بين السلطة الأجنبية (الفرنسية) والمجتمع المحلي بعد أن أخل الاحتلال بهذا التوازن، وذلك من أجل الحفاظ على مصالحها ونفوذها.
يسير الفصل خطوة بخطوة لكشف هذه المعادلة. يبدأ بتحليل طبيعة السلطة السياسية في سورية تحت الحكم العثماني، حيث كانت تتركز في المدن، ويعتمد نفوذ الزعماء المحليين في المدن على النسب والثروة والمناصب الحكومية. كانت السياسة في تلك الفرة بمثابة "فعل توازن دقيق" بين خدمة مصالح الحكومة المركزية وحماية مصالح التابعين المحليين. يشرح المؤلف أن الحكم الفرنسي الذي حل بعد الحرب العالمية الأولى لم يغير جوهرياً أنماط السلوك هذه، لكنه أحدث تغييراً جوهرياً في شرعية السلطة، فبينما كان السلطان العثماني يحظى بشرعية دينية وتاريخية، كانت فرنسا قوة غير شرعية في نظر السوريين، وهو ما جعل موقعها غير مستقر. هذا اللاشرعية، إلى جانب سياساتها الطائفية التي ميزت الأقليات، دفعت الزعماء المدينيين إلى التحول من كونهم وكلاء للحاكم إلى ناطقين بلسان الشعب ومعارضين للنظام.
يركز الفصل بعد ذلك على صعود القومية كأيديولوجيا. يوضح المؤلف أن القومية لم تكن فكرة ثورية جاءت لتقلب الأوضاع، بل كانت نتاج تغيرات اجتماعية واقتصادية في أوساط الطبقة العليا المدينية، مثل ازدياد التعليم العلماني في إسطنبول، والتعرض للأفكار الأوروبية، وصعود حركة "تركيا الفتاة" في عام 1908 التي هددت المصالح العربية بسياساتها المركزية والتتريكية. لكن العامل الحاسم لبروز القومية كان انهيار السلطة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وفرض الحكم الفرنسي في عام 1920. يرى المؤلف أن القومية كانت ملائمة بشكل خاص لأنها قدمت إطاراً علمانياً قادراً على مواجهة الطائفية التي أشعلها الفرنسيون، وفي الوقت نفسه لم تهدد الوضع الاجتماعي القائم للزعامات المدينية؛ بل على العكس، أتاحت لهم توجيه السخط نحو المحتل الأجنبي.
أحد أهم محاور الفصل هو تحليل العلاقة بين المدينة والريف، والتي يصفها المؤلف بأنها علاقة "طفيليّة" تسيطر فيها المدن على الريف وتستغله. يشرح كيف أن التغلغل الأوروبي في القرن التاسع عشر أدى إلى توسع سلطة المدينة على الريف، وتركيز ملكية الأراضي في أيدي سكان المدن (طبقة الـ "أعيان الغائبين"). هذا التبعية الاقتصادية للريف جعلت الزعامات الوطنية في المدن حذرة جداً من إثارة الفلاحين ضد الفرنسيين، خوفاً على مصالحهم الزراعية. وهكذا، أصبحت القاعدة الأساسية للسياسة الوطنية هي حصر العمل السياسي في المدن، وتجنب تحريك الريف إلا في حالات نادرة، وهو ما يفسر محدودية نطاق الحركة الوطنية جغرافياً.
يخصص الفصل مساحة كبيرة لوصف "الرباعية المقدسة" للنشاط السياسي: دمشق، حلب، حمص، وحماة. يبين المؤلف أن هذه المدن الأربع، وبسبب تجانسها الاجتماعي والديني وثقافتها السياسية المشتركة، شكلت قلب الحركة الوطنية. يقدم جدولين يوضحان التوزيع السكاني وأعداد سكان المدن، ويؤكد أن أكثر من 60% من سكان المدن السورية كانوا يقطنون هذه المدن الأربع. في المقابل، كان النشاط الوطني محدوداً في مناطق الأقليات مثل جبل الدروز واللاذقية، حيث كانت العلاقة مع الفرنسيين أكثر تعقيداً. يشير المؤلف إلى أن التنافس التقليدي بين مدينتين كبيرتين مثل دمشق وحلب، واللتان كانتا عاصمتين لولايتين مختلفتين اقتصادياً وسياسياً، لم يتحول إلى تعاون واسع النطاق إلا تحت ضغط الأزمة التي سببتها الحرب العالمية الأولى وفرض الانتداب الفرنسي.
يُقسم المؤلف فترة الانتداب إلى أربع مراحل رئيسية لتتبع تطور الحركة الوطنية. المرحلة الأولى (1920-1927) تميزت بالمواجهة المباشرة، وبلغت ذروتها بالثورة السورية الكبرى في عام 1925 التي تم سحقها. أما المرحلة الثانية (1927-1936) فشهدت تحولاً استراتيجياً للزعامة الوطنية بقيادة الكتلة الوطنية، حيث تخلت عن الكفاح المسلح واتبعت أسلوباً تدريجياً للوصول إلى الحكم الذاتي. المرحلة الثالثة (1936-1939) كانت مرحلة الآمال الكبيرة التي تلت معاهدة 1936 مع حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا، لكنها فشلت بسبب عدم تصديق البرلمان الفرنسي عليها، وتنازل فرنسا عن لواء الإسكندرون لتركيا، مما أدى إلى استقالة حكومة الكتلة الوطنية. وأخيراً، المرحلة الرابعة (1939-1946) تميزت بتدخل بريطانيا المباشر في شؤون سورية خلال الحرب العالمية الثانية، مما مهد الطريق نحو الاستقلال الكامل في عام 1946.
لا يخلو الفصل من الإشارة إلى التحديات الداخلية التي واجهتها هذه النخبة التقليدية. يعترف المؤلف بأنه بحلول أواخر الثلاثينات، لم تعد شبكات الرعاية القديمة قادرة على استيعاب النمو السكاني والتحولات الاجتماعية والاقتصادية. ظهر جيل جديد من السياسيين المتعلمين في الغرب، من طلاب ومهنيين، شكلوا أحزاباً أيديولوجية (مثل القوميين السوريين وحزب البعث) تحدت احتكار الكتلة الوطنية للعمل السياسي وطالبت بإصلاحات اجتماعية واقتصادية أوسع. يبقى الفصل مفتوحاً على سؤال حول مدى استمرارية هذا النموذج السياسي، ويلمح إلى أن الاستقلال نفسه هو الذي سيكسر في النهاية قالب "سياسة الأعيان".
من حيث المنهج، يعتمد الفصل على تحليل بنيوي وطبقي. الحجج التي قد تكون قابلة للنقاش تتمثل في تركيزه الحصري تقريباً على دور النخبة المدينية السنية، مما قد يقلل من أهمية العوامل الأخرى مثل دور الأقليات أو الفئات الشعبية في تشكيل الحركة الوطنية. كما أن توصيفه للقومية كأداة في يد طبقة معينة، بدلاً من كونها حركة تحرر شاملة، هو طرح جوهري قد يتعارض مع بعض الخطابات الوطنية التقليدية.
1.مقدمة الانتداب49–69▼ ملخص
يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب فيليب خوري موضوعاً محورياً هو جذور الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، ويقدم إجابة أساسها أن هذا الانتداب لم يكن نتاج لحظة تاريخية عابرة، بل تتويجاً لعملية امبريالية فرنسية طويلة الأمد، تبلورت خلالها مصالح فرنسا في المنطقة. يبين المؤلف أن هذه المصالح كانت متعددة الأوجه (معنوية، سياسية، واقتصادية)، وأنها تشكلت في العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى. ويخلص إلى أن فرنسا، رغم نجاحها في فرض سيطرتها عسكرياً بحلول عام 1920، واجهت منذ البداية تناقضاً جوهرياً: كيف تحكم بلداً وفق نظام الانتداب، الذي يفترض الإشراف المؤدي إلى الاستقلال، بينما كانت دوافعها الأساسية قائمة على خدمة مصالحها الذاتية وتعزيز مكانتها الإمبريالية؟ هذا التناقض، كما يشير الفصل، كان بذرة الإخفاقات التي ستواجهها فرنسا طيلة فترة وجودها في سورية.
يبني المؤلف حجته عبر تتبع تطور النفوذ الفرنسي في سورية قبل الحرب العالمية الأولى. يبدأ بتحليل جذور النفوذ "المعنوي"، المتمثل في الحماية الدينية للكاثوليك والموارنة، وهو ما خلق، في نظره، حواجز ثقافية وسياسية بين الفرنسيين والأكثرية المسلمة. يرى خوري أن الفرنسيين طوروا فهماً مبسطاً وتحيزياً للمجتمع السوري، قائماً على فكرة الصراع الطائفي المستديم، متجاهلين الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المشتركة. هذا التصور، حسب المؤلف، حال دون فهم صحيح للحركة السياسية العربية الناشئة عشية الحرب. ثم ينتقل إلى النفوذ السياسي، موضحاً كيف سعت فرنسا لتعزيز صلاتها مع حركتين سياسيتين صاعدتين: الحركة اللبنانية، بقيادة مارونية وداعية لانفصال جبل لبنان، والحركة السورية-العربية، التي ضمت مسلمين ومسيحيين ودعت للامركزية. ويبين التباين في التعاطف الفرنسي حيث فضلت بوضوح الطموحات اللبنانية الانفصالية على الطموحات السورية-العربية. ويصف خوري خيبة أمل القوميين السوريين عندما حصلت فرنسا على قرض ضخم للدولة العثمانية في نيسان 1914 مقابل امتيازات اقتصادية ودينية، دون أن تُدرج أي شروط إصلاحية لسورية، مما دفع السوريين لاتهام فرنسا بالتخلي عنهم لمصالحها الخاصة.
أما العمود الثالث للنفوذ فكان اقتصادياً، ويفصّله المؤلف بإسهاب. يذكر خوري أن فرنسا كانت أكبر مستثمر في الدولة العثمانية عشية الحرب، بضعف استثمارات ألمانيا المنافسة. ويوضح أن الاستثمارات الفرنسية تركزت في الساحل وجبل لبنان، وخاصة في بيروت، من خلال مؤسسات مالية مثل البنك العثماني الامبراطوري وبنك كريديه-ليونيه، وفي قطاعات النقل كطريق بيروت-دمشق ومرفأ بيروت وسكك حديدية، وأيضاً في صناعة الحرير والتبغ عبر شركة "ريجي". يرى المؤلف أن هذا التمركز غير المتوازن للاستثمارات، والذي تزامن مع النفوذين المعنوي والسياسي، عزز التباين الاقتصادي والسياسي بين الساحل المسيحي والداخل المسلم، مما عمق الانقسامات الطائفية والسياسية.
بعد تأسيس المشهد ما قبل الحرب، ينتقل الفصل إلى فترة الحرب وما بعدها ليشرح كيف تحولت المطالب إلى واقع عبر "ولادة المطالية الفرنسية". هنا، يسلط الضوء على دور "الحزب الاستعماري"، وهو تكتل من موظفين حكوميين وسياسيين ورجال أعمال وأكاديميين ومبشرين، تمكن رغم صغر حجمه من دفع الحكومة الفرنسية نحو التوسع الإمبريالي. ويذكر أن الحزب لم يهتم كثيراً بسورية حتى إرساء الحماية على مراكش عام 1911، لكنه زاد اهتمامه بها مع اقتراب الحرب. ويشير إلى أن الحزب تصور "سورية الكاملة" التي تشمل لبنان وفلسطين، وهو ما قوبل بالرفض البريطاني. ويوضح كيف واجهت الحكومات الفرنسية صعوبات في تطوير سياسة إمبريالية ثابتة بسبب ضعف الجمهورية الثالثة، تاركة الأمر لمجموعة ضغط صغيرة في وزارة الخارجية مثل فيليب بيرتيلو وروي دي كاي وفرانسوا جورج-بيكو.
ينتقل المؤلف بعدها لتحليل الصراع الدبلوماسي بين فرنسا وبريطانيا بعد الحرب. يبين أن بريطانيا وجدت نفسها في مأزق بين وعودها للعرب باستقلال سورية (مراسلات حسين-مكماهون) وتعهداتها للفرنسيين (اتفاقية سايكس-بيكو)، وطموحاتها الخاصة في فلسطين والموصل. ومع أن بريطانيا كانت القوة العسكرية المتفوقة في الشرق الأوسط بحلول 1918، إلا أنها لم تستطع عرقلة المخططات الفرنسية في سورية خوفاً من فقدان الدعم الفرنسي في أوروبا. ويصف خوري المفاوضات بين ديفيد لويد جورج وجورج كليمنصو، التي انتهت بصفقة في أواخر 1918 تنازل بموجبها كليمنصو عن الموصل وفلسطين لبريطانيا مقابل ضمان وجود فرنسي في الداخل السوري. هذا القرار، كما يرى المؤلف، لم يكن انتصاراً للحزب الاستعماري بقدر ما كان نتيجة إعادة تقييم بريطانية لاستراتيجيتها الدفاعية في ظل ثورات في مصر والهند وتركيا. وبمجرد انسحاب بريطانيا من سورية في صيف 1919، لم يبق أمام الأمير فيصل سوى التفاوض مع فرنسا. ويشير خوري إلى اتفاق كانون الثاني 1920 بين فيصل وكليمنصو الذي اعترف باستقلال سورية مقابل احتكار فرنسا للمساعدات والإشراف على شؤونها، لكن هذا الاتفاق لم يدم طويلاً بعد سقوط حكومة كليمنصو.
يختتم الفصل بسرد المراحل الأخيرة من فرض الانتداب ويقدم تفسيراً لأسباب الفشل الفرنسي اللاحق. يبين المؤلف كيف ضغط الحزب الاستعماري، ممثلاً بغرفة تجارة ليون وجامعة القديس يوسف، لرفض أي تفاهم مع القوميين العرب، داعياً لاحتلال عسكري كامل. ويذكر أن الحكومة الجديدة برئاسة ألكسندر ميلران، بدعم من بيرتيلو، أغلقت باب التفاهم، ودفعت فيصل لموقف متطرف ليكون لفرنسا ذريعة للاحتلال. وبالفعل، بعد إعلان المؤتمر السوري استقلال سورية وملكية فيصل، وفي مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920، تم تقنين الانتداب الفرنسي. ونتيجة إنذار الجنرال غورو وإصرار فرنسا، سقطت دمشق بيد الجيش الفرنسي في 25 تموز 1920، وغادر فيصل سورية. في ختام الفصل، يقرّ المؤلف أن احتلال سورية فرض قيوداً عديدة على السياسة الفرنسية، متجسدة في تناقض نظام الانتداب نفسه (بين مساعدة السكان على الاستقلال وخدمة المصالح الذاتية)، وفي قوة القومية العربية المتصاعدة، وفي الهشاشة السياسية والاقتصادية لفرنسا ما بين الحربين، والأهم من ذلك، النظر الدائم إلى سورية من خلال عدسة التجربة في شمال أفريقيا. يؤكد خوري أن هذه العوامل، المتجذرة في طبيعة الوجود الفرنسي الاستعماري، جعلت من حكم سورية مهمة شاقة ومليئة بالإخفاقات.
2.القسم الثاني101–126▼ ملخص
بدأ فيليب خوري هذا القسم بتحليل عميق للإدارة الفرنسية في سورية خلال الانتداب، مركزاً على طبيعة الموظفين الفرنسيين وكيف أثرت خلفياتهم وتجاربهم السابقة على سياساتهم. يوضح الكاتب أن الإدارة الفرنسية لم تكن متجانسة، بل تشكلت من مجموعات متنافسة ذات خلفيات استعمارية مختلفة. ففي البداية، هيمن ضباط عسكريون ومدنيون قادمون من مراكش، متأثرين بسياسات المارشال ليوتي، على الإدارة، مثل الكولونيل جورج كاترو وروبير دي كاي. لكن هذا التأثير المراكشي تضاءل مع الوقت، وحل محله موظفون ذوو خبرة في الشرق الأقصى، خاصة في عهد المندوبين السامين هنري بونسو وداميان دي مارتيل.
يشير خوري إلى تناقضات واضحة بين المندوبين السامين أنفسهم، فبعضهم كانوا عسكريين مثل غورو وويغان وسراي، وآخرون مدنيون مثل دي جوفينيل ومارتيل، مما أدى إلى صراعات داخلية حول أساليب الحكم، حيث كان المدنيون أكثر مرونة ويميلون للحلول السلمية بينما فضل العسكريون القوة. كما يلفت الكاتب الانتباه إلى مشاكل مزمنة في الإدارة الفرنسية، منها الغيرة الشخصية بين الموظفين القدامى والجدد، وعدم استقرار هيئة كبار الموظفين مع كل مندوب سام جديد، وضعف التنسيق بين المندوب السامي والقادة العسكريين.
يقدم خوري تقييماً قاسياً لكفاءة الموظفين الفرنسيين، معتبراً أن عدم كفاءتهم كان أحد المصادر الرئيسية للعداء الشعبي السوري. ويشير إلى أنهم، باستثناء حفنة منهم، كانوا يفتقرون إلى المعرفة الكافية باللغة العربية والثقافة السورية، واعتمدوا على تجاربهم في مستعمرات فرنسية أخرى مختلفة تماماً مثل شمال أفريقيا. هذا الجهل، كما يوضح الكاتب، دفعهم للتعامل مع مجتمع متحضر مثل سورية كما لو كانوا يتعاملون مع "قبائل جبال الأطلس". ولم يبدأ الوضع في التحسن إلا بعد وصول الجبهة الشعبية اليسارية إلى السلطة في فرنسا سنة 1936، حين تأسس مركز الدراسات العليا للإدارة الإسلامية لتدريب الموظفين بشكل أفضل، لكن تأثيره كان محدوداً وجاء متأخراً.
ينتقل خوري بعد ذلك لوصف هيكل الإدارة الفرنسية، التي يصفها بأنها "سفينة بيروقراطية مفرطة في الحجم ومرتفعة التكاليف". يوضح أن المندوب السامي في بيروت كان يملك سلطة مطلقة، يصدر المراسيم ويستخدم حق النقض دون الحاجة للتشاور مع السوريين، ونادراً ما كان يعتمد على توجيهات من باريس. ويشرح بالتفصيل أدوات هذه الإدارة، بدءاً من الأمين العام والخدمات الخاصة التي ضمت جهاز المخابرات (الذي لعب دوراً محورياً كهمزة وصل بين العسكر والمدنيين)، وصولاً إلى المعتمدين والمستشارين الفرنسيين المنتشرين في كل ولاية وقضاء، والذين كانت لهم سلطة النقض على الحكام والمديرين المحليين. هذا النظام المعقد والمكلف، حسب خوري، لم يشجع المبادرة المحلية بل منعها عملياً.
في تحليله للجيش، يركز خوري على عاملين: التكلفة الباهظة والتجنيد الطائفي. يشير إلى أن جيش المشرق، الذي كان معظم جنوده من شمال أفريقيا والسنغال، شكل عبئاً مالياً ضخماً، تحملته الخزانة الفرنسية في البداية ثم تم تحميله تدريجياً على السوريين، حيث بلغت حصة كل دولة من ميزانيتها للدفاع والأمن ثلث إجمالي إيراداتها بعد الثورة الكبرى. أما الفيلق السوري (القوات الخاصة المحلية)، فكان أداة أساسية للسياسة الفرنسية. ويكشف خوري كيف شجعت فرنسا، عن قصد، تجنيد أبناء الأقليات الدينية والعرقية (المسيحيين، الأرمن، العلويين، الدروز، الشركس) والعرب السنة من الريف في هذا الفيلق وفي الكلية العسكرية بحمص، بهدف عزل الجيش عن الحركة الوطنية. هذا التفضيل خلق جيشاً منقسماً وأضعف دور الطبقة الحاكمة السنية التقليدية (ملاك الأراضي) فيه، مما كان له عواقب وخيمة على مستقبل سورية السياسي بعد الاستقلال.
ينتقل خوري لتحليل ما يسميه "مظاهر الاغتراب الإداري"، مركزاً على النظام القضائي والسيطرة على المؤسسات الإسلامية. يشرح كيف حافظ الفرنسيون على المحاكم المختلطة التي نظرت في قضايا الأجانب، منتهكين بذلك روح صك الانتداب. لكن أكثر ما أثار حفيظة السوريين، كما يوضح الكاتب، هو سيطرة القضاة الفرنسيين على القضاء المحلي عبر سلطات التفتيش، إلى جانب استخدام المحاكم العسكرية لقمع المعارضين السياسيين. أما على صعيد المؤسسات الإسلامية، فيرى خوري أن التدخل الفرنسي في قوانين الأحوال الشخصية وإدارة الأوقاف كان يهدف صراحة إلى "الحط من منزلة الأغلبية الإسلامية السنية إلى مرتبة طائفة واحدة" وإضعاف نفوذ العلماء. ويشير إلى أن نقل إدارة سكة حديد الحجاز (رمز الفخر الإسلامي) إلى شركة فرنسية، كان نقطة اشتعال كبرى للمعارضة الإسلامية.
يخصص خوري قسماً مهماً للسياسات المالية الفرنسية، معتبراً أن هدفها الأساسي كان إدامة السيطرة السياسية وتشجيع المصالح التجارية الفرنسية. يشرح كيف ربط الفرنسيون الليرة السورية-اللبنانية الجديدة بالفرنك الفرنسي بسعر صرف ثابت، مما جعل الاقتصاد السوري رهينة لتقلبات الفرنك الحادة. ويوضح كيف أن بنك سورية ولبنان الكبير، وهو مصرف فرنسي خاص، احتكر إصدار العملة وأدار احتياطياته لصالح الاقتصاد الفرنسي، مانعاً بذلك التمويل اللازم للمشاريع المحلية. أما على صعيد المالية العامة، فيشير إلى أن نفقات الدفاع والأمن كانت تلتهم غالبية الميزانية السورية على حساب التنمية الاقتصادية والخدمات الاجتماعية، ورغم تحقيق الولايات فوائض مالية، إلا أن ذلك كان على حساب إهمال البنية التحتية المنتجة.
يقدم خوري صورة قاتمة للسياسة الاقتصادية الفرنسية، معتبراً أنها استغلت سورية استغلالاً استعمارياً. ويوضح كيف أن المندوبية العليا منحت الامتيازات الاقتصادية (مثل الكهرباء والنقل في حلب) للشركات الفرنسية فقط ودعمتها بأسعار عائدات مضمونة، مما أثار غضب السكان المحليين. كما يكشف عن تلاعبها بالأسواق عبر نشر شائعات كاذبة عن نقص المحاصيل لخفض أسعار الحبوب وتمكين الوكلاء الفرنسيين من جني أرباح سريعة. ويخصص خوري مساحة للحديث عن السياسة الجمركية، التي يرى أنها ساعدت على تدمير الصناعات التقليدية السورية (كصناعة النسيج) بفتحها الباب أمام البضائع الأجنبية (خاصة اليابانية) دون حماية كافية، مما أدى لبطالة واسعة في المدن مثل دمشق وحلب.
في ختام تحليله لهذا القسم، يجمع خوري الخيوط ليلخص أسباب الانتفاضات السورية المتكررة التي بلغت ذروتها في الثورة الكبرى (1925-1927). يرى الكاتب أن السياسات الفرنسية أشعلت هذه الثورات لأسباب متعددة: تعزيزها للنزاعات الطائفية عبر سياسة "فرق تسد" (بإنشاء دويلات طائفية كدولة العلويين وجبل الدروز)، وإذلالها للأغلبية المسلمة عبر السيطرة على مؤسساتها، وسياساتها الاقتصادية التي أضرت بالصناعة المحلية وزادت البطالة، وفرضها أعباء مالية ثقيلة مع إنفاق باذخ على الأجهزة القمعية. ويخلص إلى مفارقة لافتة: بقاء النخبة السياسية السورية (المكونة من ملاك الأراضي والوجهاء) والحكم الفرنسي نفسه كانا مرتبطين ارتباطاً جوهرياً بغياب إرادة فرنسا في كسر ظهر هذه النخبة أو تشجيع طبقات اجتماعية جديدة، مما جعل هذه النخبة، رغم مقاومتها الشعبية، تسعى في النهاية إلى تعديل ميزان القوى للتعاون مع الفرنسيين بدلاً من إسقاطهم.
2.حكم منقسم على نفسه69–99▼ ملخص
يبدأ الفصل بمناقشة المفارقة الجوهرية في نظام الانتداب نفسه: فقد طالبت فرنسا وبريطانيا بالانتداب على سورية ولبنان بناءً على مصالحهما الخاصة، بينما كان من المتوقع منهما، وفق المفهوم القانوني والأخلاقي للانتداب، أن يتجاهلا هذه المصالح ويقودا البلاد نحو الاستقلال. ويخلص المؤلف، فيليب خوري، إلى أن فرنسا فشلت في تحقيق أي من الأمرين، مما جعل السياسة الانتدابية تعيش حالة من الانفصام من البداية. لم يكن الانتداب مستعمرة ولا محمية، بل كان كياناً انتقالياً يؤدي إلى الحكم الذاتي، لكن فرنسا سرعان ما اعتبرت سورية عبئاً ومصدر إحراج، خاصة بعد أن أدركت محدودية حكمها فيها.
يسير الفصل خطوة خطوة لتحليل أسباب هذا الفشل، مستعرضاً العوائق البنيوية والسياسية التي واجهتها فرنسا. أولاً، يشرع المؤلف في سرد العوائق الاقتصادية والمالية التي نشأت عن تداعيات الحرب العالمية الأولى، التي أودت بحياة قسم كبير من الذكور في فرنسا ودمرت رأسمالها. خرجت فرنسا من الحرب بعقلية "تقييدية" و"انهزامية"، مما حد من استثماراتها في سورية التي لم تكن منطقة غنية بالموارد. فرضت المصلحة الذاتية تركيز رأس المال القليل على استخراج المواد الخام القليلة أو على المشاريع ذات العائدات المضمونة، مما حال دون تطوير شامل للبلاد. كما أثرت النزاعات السياسية الحادة في فرنسا نفسها بين اليسار واليمين، ودعاة الاستعمار ومعارضيه، على استمرارية السياسة وثباتها؛ إذ تقلب في منصب وزير الخارجية 84 رجلاً، مما أفقد السياسة الفرنسية التناغم والاستمرارية.
ثانياً، يناقش الفصل التغير في الأولويات الاستراتيجية لفرنسا، التي ركزت بعد الحرب على تعزيز دفاعاتها على خط ماجينو وفي غربي المتوسط، معتمدة على بريطانيا كحليف بحري قوي في شرق المتوسط. أدى هذا التقدير إلى اعتبار الساحل السوري غير مهم استراتيجياً، وهو ما تجلى في تخلي فرنسا عن كيليكيا لصالح تركيا سنة 1921. ثم ينتقل المؤلف إلى الجانب الاقتصادي، مؤكداً أن سورية كانت مصدر خيبة أمل. فعلى الرغم من أن فرنسا أصبحت أكبر شريك تجاري لسورية في فترة ما بين الحربين، إلا أن حجم التجارة كان صغيراً نسبياً وبالأرقام المطلقة مقارنة بمستعمراتها الأخرى. ففي سنة 1933، لم تتجاوز حصة فرنسا من التجارة الخارجية السورية 15%، وكانت قيمة صادراتها إلى المغرب أربعة أضعاف قيمتها إلى سورية. كما أن الاستثمارات الفرنسية، التي بلغت مليار فرنك إضافي بين الحربين، كانت زهيدة مقارنة باستثماراتها في شمال أفريقيا أو حتى في مصر. وخلص الفصل إلى أن التكاليف العسكرية التي أنفقتها فرنسا لحماية استثماراتها القليلة تجاوزت قيمتها، مما جعل سورية عبئاً مالياً أكثر منها رصيداً. ويضرب الفصل مثالاً بمشروع توسيع زراعة القطن الذي خطط له لتعويض فقدان كيليكيا، والذي فشل رغم الجهود الأولية بسبب عدم كفاءة التنظيم، والركود العالمي، وانخفاض الطلب الفرنسي على القطن مع نمو الصناعات الاصطناعية.
ثالثاً، ينتقل الفصل إلى تحليل العوائق الداخلية، وأهمها الفهم الخاطئ للفرنسيين للمجتمع السوري والقومية العربية. ويحدد المؤلف ثلاث نظرات فرنسية خاطئة للقومية العربية: الأولى، اعتبارها نزعة تعصب إسلامي تهدف لمنع انتشار الحضارة الغربية. الثانية، النظر إليها كمؤامرة بريطانية لإضعاف النفوذ الفرنسي. الثالثة، والأكثر خطورة، اعتبارها مرضاً معدياً يمكن أن ينتشر إلى شمال أفريقيا ويهدد الحكم الفرنسي هناك. أدى هذا الاستخفاف بالقومية العربية إلى تعزيزها بدلاً من إعاقتها. في المقابل، استند الفرنسيون إلى نموذج حكمهم في مراكش، وتحديداً "نظام ليوتي" القائم على "المشاركة"، والذي اعتمد على استغلال الانقسامات المحلية، والحكم من خلال المؤسسات المحلية، واستخدام العناصر المتعاونة من النخبة التقليدية. من هذا النموذج، استمد الفرنسيون ثلاث استراتيجيات لتطبيقها في سورية لعزل الحركة الوطنية وإضعافها.
يوضح الفصل بالتفصيل تنفيذ هذه الاستراتيجيات الثلاث. الاستراتيجية الأولى كانت التقسيم الجغرافي، الذي بدأ بتقطيع سورية الطبيعية إلى دول صغيرة (لبنان الكبير، دولة دمشق، دولة حلب، لواء الإسكندرون، دولة العلويين، جبل الدروز) بهدف عزل الحركة القومية واحتوائها في معاقلها المدنية مثل دمشق وحلب. وقد أنشئت هذه الكيانات بهدف تعزيز الولاءات المحلية والطائفية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. الاستراتيجية الثانية كانت تأليب الريف على المدينة، وذلك بمحاولة كسر علاقات الاعتماد التقليدية بين كبار ملاك الأراضي في المدن والفلاحين. سعت فرنسا إلى إجراء مسح للأراضي وتوزيع الملكيات المشاع على الفلاحين لخلق طبقة من صغار الملاك المستقلين، على أمل إضعاف القاعدة المادية للزعامة الوطنية المدينية. لكن هذه الجهود باءت بالفشل إلى حد كبير بسبب نقص التمويل، وعدم الاستقرار السياسي، ومقاومة كبار ملاك الأراضي الذين استغلوا النظام الجديد لإعادة تركيز الملكية في أيديهم من خلال الإقراض الربوي. الاستراتيجية الثالثة كانت الحكم من خلال نخبة متعاونة، حيث اعتمدت المندوبية السامية على أعيان المدن السابقين، خاصة أولئك الذين تم تهميشهم من قبل حكومة فيصل القومية. وجد هؤلاء الأعيان، الذين فقدوا صدقيتهم الوطنية، في التعاون مع فرنسا وسيلة لاستعادة نفوذهم ومكانتهم، على الرغم من تبريرهم ذلك بضرورة إعادة الاستقرار للبلاد.
يعترف المؤلف بحدود هذه السياسات واستراتيجياتها. فلم تنجح فرنسا في جعل المناطق ذات الأغلبية من الأقليات (العلويين والدروز) كيانات وطنية قابلة للبقاء، إذ تحالفت عناصر من داخلها مع الحركة الوطنية. كما أن الجهود الرامية لإضعاف طبقة ملاك الأراضي اصطدمت باعتماد فرنسا نفسها عليهم كوسطاء إداريين، مما أدى إلى إدامة نفوذهم. ويقر الفصل في النهاية أن هذه الاستراتيجيات، رغم فشلها في تحقيق أهدافها اللحظية، تركت أثراً ضاراً طويل الأمد على الحياة السياسية السورية، وأعاقت ظهور مجتمع سياسي موحد، ومهدت لانقسامات طائفية وجغرافية استمرت بعد الاستقلال.
3.التطبيق99–126▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل من كتاب فيليب خوري «سوريا والانتداب الفرنسي» الطبيعةَ الحقيقية للإدارة الفرنسية في سورية بين عامي 1920 و1945، مُركّزاً على آليات السيطرة والهيمنة التي مارستها فرنسا، ومُبيّناً كيف أدّت هذه السياسات إلى إحباط وتهميش النخبة الوطنية وإذكاء روح المقاومة. الجواب المحوري الذي يقدّمه الفصل هو أن الفرنسيين، بدلاً من تطبيق سياسة استعمارية بنّاءة كما فعلوا في مراكش، حكموا سورية بشكل مباشر ومُتصلّب، متجاهلين خصوصيتها الاجتماعية والسياسية وطموحات شعبها، مما زرع بذور الصراع وأعاق أي تطور سياسي أو اقتصادي حقيقي.
يبدأ الفصل بوصف العلاقة المتوتّرة بين الموظفين الفرنسيين والسوريين، مشيراً إلى ازدراء الفرنسيين لكفاءة السوريين وأمانتهم، وتفضيلهم للموارنة والمسيحيين الذين وصفهم أحد المسؤولين بأنهم «يفكرون بالفرنسية». في المقابل، كان السوريون يبادلونهم العداءَ الخفي. ويضرب الفصل مثالاً بنادٍ اجتماعي فرنسي-سوري أُسس في دمشق أواخر العشرينات لم يُحسّن العلاقات قط، إذ لم تتجاوز عضويته 110 أعضاء، وأثار حفيظة الوطنيين والمحافظين على حد سواء.
ثم ينتقل إلى كشف التطابق بين الإدارة الفرنسية في سورية ونظيرتها في مراكش، موضحاً أن الكثير من كبار المسؤولين، مثل المندوب السامي الأول الجنرال هنري غورو وعشرات الضباط، جاؤوا من خدمة استعمارية في مراكش أو شمال أفريقيا. ويذكر أن غورو كان تلميذاً لـليوتي، وكذلك روبير دي كاي، السكرتير العام المُعجب بسياسات ليو. ومع الوقت، تضاءل هذا الأثر المراكشي، وحلّ محلّه موظفون ذوو خلفية من الشرق الأقصى مع تعيين مندوبين سامين مثل بونسو ومارتيل. ويشير الفصل إلى التنوع في شخصيات المندوبين (عسكريون مثل غورو، مدنيون مثل جوفينيل، ليبراليون وآخرون معادون للإكليروس) وكيف أثّر ذلك على أساليب الحكم، مع بروز صراعات أحيانًا بين المندوبين المدنيين والعسكريين بشأن استخدام القوة. ويقرّ الفصل بأنه على الرغم من معرفة بعض الموظفين الجيدة بالبلاد، إلا أن القلة توفرت لديهم الرغبة في الخدمة بسورية، التي كانت تُعتبر مكاناً صعباً للعمل، مما أدى إلى عدم كفاءة عامة، وهو ما عبّر عنه أحد الفرنسيين المعاصرين بقوله إن الإدارة تعاملت مع بلد متحضر كسورية كما لو كانت تتعامل مع «قبائل جبال الأطلس». ويذكر الفصل تأسيس مركز الدراسات العليا للإدارة الإسلامية في باريس عام 1936 لمحاولة تحسين التدريب، لكن إسهامه جاء متأخراً.
يصف الفصل بعد ذلك الأدوات الإدارية والعسكرية للسيطرة. كانت الإدارة بيروقراطيةً ضخمةً ومكلفةً، يتولاها المندوب السامي في بيروت بسلطات مطلقة، يدعمه الأمين العام و«الخدمات الخاصة» التي تضم جهاز مخابرات فعّالاً على غرار نموذج ليوتي في مراكش. على المستوى المحلي، كان المعتمدون والمستشارون الفرنسيون يمتلكون سلطة النقض على الحكام والمديرين المحليين. ويضرب الفصل مثالاً على التعقيد بوجود «المصالح المشتركة» التي تشرف على الجمارك والبريد وشركات الامتياز، مما أبقى القرارات الحيوية بيد الفرنسيين. بلغ عدد المستشارين الفرنسيين 201 مستشاراً في 1921، وانخفض إلى نحو 700 في 1937.
أما على المستوى العسكري، فكان «جيش المشرق» الذي تألف غالبيته من جنود من مستعمرات فرنسية (شمال أفريقيا، السنغال، مدغشقر) بقيادة ضباط فرنسيين، واقعاً يومياً مهيناً للسوريين الذين رأوا أنفسهم تحت احتلال جنود يعتبرونهم أدنى ثقافياً. بلغ عديد الجيش 70,000 رجل نهاية 1921، ثم تقلص إلى 16,000 بحلول نهاية 1924 ليعود ويزيد أثناء الثورة الكبرى. ويشير الفصل إلى أن فرنسا حمّلت السوريين أعباء الجيش الماليّة، فارتفعت مساهمة سورية من 7% (10 ملايين فرنك) عام 1925 إلى 54% (98 مليون فرنك) عام 1927، مما يعني أن كل دولة كانت تدفع ثلث إيراداتها للدفاع. وبالإضافة إلى الجيش النظامي، أسس الفرنسيون «الفيلق السوري» الذي ضم 5,150 رجلاً عام 1934، وشجّعوا فيه تجنيد أبناء الأقليات (العلويين، الدروز، الشركس، الأرمن...) لعزل الجيش عن الحركة الوطنية السنية. وقد أدى هذا التفضيل إلى تمكين هذه الفئات اجتماعياً وسياسياً بعد الاستقلال.
ثم يتناول الفصل ما يسميه «مظاهر الاغتراب الإداري»، مُركّزاً على المجال القضائي. فقد حافظ الفرنسيون على محاكم خاصة للأجانب رغم نص صك الانتداب على إلغاء الامتيازات. وأدخلوا إصلاحات قضائية جعلت القاضي الفرنسي يترأس المحاكم التي تنظر بقضايا الأجانب، ومنحوه سلطات تفتيش على القضاة المحليين. أثار هذا غضب المحامين الوطنيين في إضرابي 1930 و1931، الذين اعترضوا على سيطرة الفرنسيين واحتفاظهم بالمحاكم العسكرية لمعارضيهم. كما تدخّل الفرنسيون في الشؤون الإسلامية من خلال السيطرة على الأوقاف وتعيين القيّم عليها مباشرةً، بهدف إضعاف الأغلبية السنية وتحويلها إلى مجرد طائفة بين طوائف. أثار هذا الاعتراضات الإسلامية، وبلغت ذروتها مع نقل ملكية سكة حديد الحجاز إلى شركة فرنسية عام 1924، وهو ما اعتُبر تذليلاً لرمز إسلامي عظيم.
أخيراً، يُفصّل الفصل السياسات المالية والاقتصادية الفرنسية. فقد ربطت فرنسا العملة السورية (الليرة السورية-اللبنانية) بالفرنك الفرنسي بسعر صرف ثابت (ليرة واحدة = 20 فرنكاً)، مما جعل الاقتصاد السوري رهينة لتقلبات الفرنك الذي انخفضت قيمته إلى الثلث خلال عقد. ويشير إلى أن الموظفين بأجر هم وحدهم من عانى من تآكل رواتبهم. كما منحت فرنسا لمصرف «بنك سورية ولبنان الكبير» الحق الحصري بإصدار العملة، وهو مصرف فرنسي لم يعمل كمصرف مركزي يُنعش الاقتصاد، بل فضّل الاستثمار في السندات الفرنسية على إقراض المشاريع المحلية، مما أدى إلى حرمان الاقتصاد من التمويل. في المالية العامة، كانت النفقات الدفاعية (حوالي 54% من الميزانية المحلية وحدها) تلتهم معظم الإيرادات، بينما كانت نفقات التنمية (حوالي 12% ) والخدمات الاجتماعية (حوالي 10% ) ضئيلة. وفي مجال التجارة، فضّلت المندوبية العليا المصالح الفرنسية، فعمدت إلى التلاعب بالرسوم الجمركية (مثل رفع الرسوم على السيارات الأمريكية الأثقل وزناً) وبالأسواق (بنشر شائعات عن نقص المحاصيل لشرائها رخيصة). وقد أدّت قلة الحماية الجمركية للصناعة المحلية، إلى جانب الكساد العالمي، إلى انهيار العديد من الحرف اليدوية وتضاعف البطالة في المدن؛ فانخفض عدد العاملين في الصناعات التقليدية من 51,000 عام 1911 إلى حوالي 20,000 عام 1929، بينما لم تستوعب الصناعة الحديثة سوى 17,000 عامل بحلول 1931.
في ختام الفصل، يخلص الكاتب إلى أن هذه السياسات المتنوعة (الطائفية، النقدية، الاقتصادية، الإقصاء السياسي) هي التي أشعلت سلسلة من الانتفاضات التي بلغت ذروتها في الثورة السورية الكبرى (1925-1927). كانت الدوافع متعددة: إذلال الأغلبية المسلمة، التدهور الاقتصادي، البطالة، والتهميش السياسي للنخبة الوطنية. ومن المفارقات التي يسجّلها الفصل أن بقاء النظام الفرنسي والطبقة السياسية السورية (ملاك الأراضي الغائبين) كانا مرتبطين بغياب إرادة فرنسا لكسر ظهر هذه الطبقة أو استبدالها، مفضّلةً نظاماً هجيناً من السيطرة والتعاون. وعلى الرغم من التحليل الحاد، يمكن القول إن الفصل قد يبالغ في دور العامل الاقتصادي في تحريك المقاومة، متجاهلاً نسبياً الدوافع الأيديولوجية والقومية البحتة التي نضجت قبل الفرنسيين. كما أن التركيز على هيمنة «طبقة ملاك الأراضي» قد يُبسّط تعقيدات النسيج الاجتماعي السوري، رغم أن هذا التحليل يُعتبر أساسياً لفهم مفارقات الاستقلال التي وردت في فصول لاحقة.
4.أنماط المقاومة الأولى127–161▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل أنماط المقاومة الأولى التي واجهت الاحتلال الفرنسي لسوريا بعد سقوط حكم الملك فيصل، ويجادل بأن هذه المقاومة لم تكن حركة وطنية موحّدة ومتجانسة، بل كانت خليطاً من ثورات متباينة الدوافع، تتراوح بين الدفاع عن المصالح المحلية الضيقة إلى التحالفات السياسية المؤقتة مع القوى الخارجية. يوضح المؤلف أن نجاح المقاومة وفشلها ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى الدعم الخارجي، خصوصاً من الحركة الكمالية التركية، وهو عامل غاب عن الثوار في الجنوب.
يسير الفصل عبر ثلاثة محاور رئيسية: يبدأ بمعركة ميسلون وسقوط دمشق وما تلاه من توطيد للسيطرة الفرنسية، ثم ينتقل بالتفصيل إلى الثورات الريفية في جبل العلويين وشمال سوريا، ويختتم بتحليل استراتيجيات التهدئة في المدن الكبرى. تبدأ الحبكة الأولى بوصف تداعيات معركة ميسلون في ٢٤ تموز/يوليو 1920، حيث يُقدّم اللواء يوسف العظمة (55 عاماً) كأول شهيد وطني، وهو ضابط عثماني سابق حذّر من انتحارية المقاومة لكنه قادها بإخلاص. مسارعةً، تم احتلال حلب قبل يومين من سقوط دمشق، حيث أنزلت الطائرات الفرنسية منشورات تطالب بالاستسلام. وبحلول ٢٨ تموز/يوليو، كان 18,000 جندي فرنسي قد تمركزوا في حلب ومحيطها، بينما سيطر 4,000 جندي بقيادة الجنرال غوابيه على دمشق، وفرض غورو غرامة حرب باهظة قيمتها 100,000 جنيه ذهبي (عشرة ملايين فرنك). يُظهر الكيفية التي استبدل بها الفرنسيون الحكومات المحلية، ففي دمشق أبقوا على حكومة برئاسة علاء الدين الدروبي لكنها لم تدم طويلاً بعد مقتله في كمين في حوران. أما في حلب، فقد عيّن المندوب السامي كامل باشا القدسي (75 عاماً) والياً، رغم ضعف نفوذه الفعلي.
يُنتقل الفصل بعدها إلى تحليل الثورات الريفية التي شكلت التحدي الحقيقي، مع التركيز على ثورتين رئيسيتين. الأولى ثورة الشيخ صالح العلي في جبل العلويين. يشرح المؤلف كيف أن هذه الثورة، التي انطلقت في الشيخ بدر، لم تكن مدفوعة بالقومية العربية الناشئة من دمشق، بل بهدف حماية المناطق العلوية من التدخل الخارجي. ومع ذلك، يُشير إلى أن ما ميزها عن الانتفاضات السابقة هو التنسيق لأول مرة مع حركات مقاومة أخرى ضمن إطار نضال مشترك ضد الحكم الأجنبي، وبخاصة التواصل مع دمشق والمقاومة في ولاية حلب. ويعزو نجاحها الأولي إلى عوامل خارجية، مثل استيلاء عشيرة الدنادشة على تل كلخ وتقدم العناصر التركية غير النظامية المدعومة من الحركة الكمالية. لكنّ الثورة بدأت بالتراجع بعد احتلال دمشق الذي أوقف الدعم القادم من الحكومة القومية المنهارة، ثم انهارت نهائياً بعد توقيع اتفاق فرانكلين-بوييون في تشرين الأول/أكتوبر 1921 مع الأتراك، مما أدى إلى قطع المساعدات التركية واستسلام الثوار. يعيش الشيخ صالح بعدها في عزلة حتى وفاته عام 1950، ويُكرَّم وطنياً في المدن السورية كمدافع عن الوحدة، لكن أتباعه في منطقته يُعظّمونه كحامٍ لاستقلال العلويين.
الثورة الثانية هي ثورة إبراهيم هنانو في ريف حلب الشمالي. يخصص الفصل مساحة لشرح الأسباب التي جعلت النخبة الحلبية أبطأ في الانضمام للتيار القومي العربي مقارنة بدمشق؛ ومنها التنوع العرقي والديني في حلب، وقربها الجغرافي والاقتصادي والثقافي من الأناضول، والإحباط من الهيمنة الدمشقية خلال العهد الفيصلي. شخصية إبراهيم هنانو (مواليد 1874 في كفر تخاريم) المحورية حظيت باهتمام واسع؛ فهو موظف عثماني سابق ومالك أرض انضم إلى الثورة العربية وجمعية «الفتاة» السرية، لكنه أصيب بخيبة أمل من السياسيين القوميين في المؤتمر السوري. أسس هنانو «عصبة الدفاع الوطني» التي جمعت 10,000 ليرة ذهبية و1,000 بندقية لـ 580 مجنداً، إضافة إلى «النادي العربي في حلب» لنشر الوحدة الوطنية. يعرّف الفصل ثورته بأنها ريفية بالأساس، حيث انفجرت في خريف 1919 قبل الاحتلال، واعتمدت اعتماداً كبيراً على الدعم التركي الكمالي من رجال وأموال وسلاح. يصف الفصل بالتفصيل مسارها العسكري، من سيطرتها على الأقضية الممتدة من حارم إلى جسر الشغور، وصولاً إلى نكسة كانون الأول/ديسمبر 1921 الحاسمة، وهروب هنانو إلى شرق الأردن وإعادته إلى حلب حيث حوكم. المحاكمة في آذار/مارس 1922 شهدت مفاجأة بتبرئته، ويشير المؤلف إلى أن الحكم ربما تأثر بتحسن العلاقات الفرنسية-التركية وقتها. ويخلص الفصل إلى أن فشل ثورة هنانو، مثل ثورة الشيخ صالح، كان بسبب توقف المساعدات العسكرية التركية، وأن الوطنيين الأتراك نجحوا فيما فشل فيه الوطنيون السوريون: تأمين انسحاب فرنسي من أراضيهم.
بعد سحق الثورات الريفية، ينتقل الفصل إلى استراتيجيات «تهدئة المدن». في حلب، أنشأ الفرنسيون «إدارة مدنية» في تشرين الأول/أكتوبر 1920 تحت إشراف معتمد فرنسي، وعيّنوا وجوهاً معادين للوطنيين، مثل شاكر نعمت الشعباني الذي أسس «الحزب الديمقراطي»، وهو حزب تعاوني موجّه لكبار الموظفين العثمانيين السابقين. يُظهر التناقض في السياسة الفرنسية بفتحها صفوف الإدارة للزعماء التقليديين، مما أدى إلى فساد وانهيار مالي، لكنه في الوقت نفسه أبعد الوطنيين الذين كانوا يمتلكون التأييد الشعبي عن الحكومة. أما في دمشق، فكانت التهدئة أقل صعوبة بسبب غياب المقاومة الشعبية المنظمة، ويعزو ذلك إلى هروب معظم القادة الوطنيين إلى شرق الأردن وفلسطين ومصر. أنشأ غورو «دولة دمشق» في تشرين الثاني/نوفمبر 1920 وعيّن حقي العظم حاكماً، وهو شخصية متناقضة مارس المحسوبية والفساد لتعزيز نفوذه. يورد الفصل تفاصيل مثيرة عن إدارته المترفة ومشاريعه العقارية المشبوهة التي خدمت مصلحته الشخصية. ومع ذلك، يقرّ المؤلف بأن هذه الحكومة كانت غير مستقرة أخلاقياً، إذ فهمت أنها تعتمد على سلطة أجنبية غير مرغوب فيها.
في الجزء الأخير، ينتقل الفصل إلى «بدايات المقاومة المدينية»، مركزاً على عودة الوطنيين المنفيين بعد العفو الفرنسي في خريف 1921، وتأسيسهم لـ «جمعية القبضة الحديدية» السرية بقيادة عبد الرحمن الشهبندر. يُقدّم الفصل سيرة ذاتية موسعة للشهبندر، وهو طبيب و«زغلول سورية»، بدأ كإصلاحي ثم تحول إلى قومي عربي، وأقام علاقات مع البريطانيين، وعمل مترجماً لتشارلز كرين. اختارت الجمعية زيارة كرين الثانية لسوريا في نيسان/أبريل 1922 كمناسبة لتحدي الوجود الفرنسي. صاحب الشهبندر صديقه كرين في لقاءات مع وجهاء وتجار رفعوا شكاوى مفصلة عن القيود الجمركية، البطالة (75% من قوة العمل)، الضرائب الباهظة، والسياسات الاقتصادية التي تخدم فرنسا فقط. في يوم مغادرة كرين، ترجم الشهبندر خطابه أمام حشد كبير في مقهى مشتل القوتلي الشهير، محوّلاً إياه من كلام غير استفزازي إلى خطاب هجومي معادٍ للفرنسيين، مما أثار الحضور ودعا إلى التظاهر. اختتم الفصل بأنّ القوى الفرنسية تدخلت بسرعة واعتقلت الشهبندر و 30 شخصاً آخرين، مما أجهض الاحتجاج في بدايته.
في ختام تحليل الفصل، يمكن القول إن المؤلف يقدّم حججاً مقنعة تجعل من المستحيل قراءة هذه الموجة الأولى من المقاومة كقصة بطولية بسيطة. فمن خلال التمييز بين الثورات الريفية ذات الدوافع المحلية والعمل الوطني المنظم، يُظهر خوري تعقيد المشهد السياسي السوري. أحد النقاط القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص هي قضية الدعم الخارجي ودور القوى الإقليمية، وكيف أن الأتراك الكماليين دعموا ثورات الشمال ثم تخلوا عنها لمصالحهم، وهو ما يطرح أسئلة حول الاستقلالية الحقيقية للحركات الوطنية في تلك المرحلة.
5.ترقيع النظام السياسي161–187▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل محاولات السلطة الفرنسية الانتدابية "ترقيع" النظام السياسي في سوريا بين عامي 1923 و1925، أي إصلاحه بشكل سطحي للحفاظ على السيطرة بدلاً من منح السوريين حكماً حقيقياً. يوضح المؤلف أن هذه السياسات فشلت لأنها كانت تهدف فقط لامتصاص الغضب الشعبي وتقديم صورة محسنة أمام لجنة الانتدابات الدولية، دون تفكيك البنية الاستعمارية، مما زاد من الاستياء وأدى إلى اندلاع الثورة السورية الكبرى.
يبدأ الفصل بوصف فشل "المجلس الاتحادي" الذي أسسته فرنسا في 1922 لجمع دول دمشق وحلب والعلويين. كان هذا المجلس يفتقر إلى الشرعية الوطنية، إذ استُبعد منه معظم الوطنيين الذين كانوا في السجن أو المنفى. كما أثار استياء المدن الكبرى، خاصة حلب، التي شعرت بأنها خُدعت عندما نُقل المقر الدائم للمجلس من حلب إلى دمشق في نيسان/ أبريل 1923؛ إذ رأى الحلبيون أن ثروة مدينتهم ستُستنزف لتمويل عجز ميزانية دمشق ودعم تخلف دولة العلويين.
يشرح الفصل بالتفصيل نظام الانتخابات الذي طرحه الجنرال مكسيم ويغان، خليفة غورو، في حزيران/يونيو 1923 كأول انتخابات عامة منذ عهد الملك فيصل. وكان النظام انتخابياً غير مباشر على مرحلتين، مقتبساً من النموذج العثماني، ومقتصراً على الذكور البالغين من مالكي الأراضي. يوضح المؤلف أن الفرنسيين فضلوا هذا النظام لأنه سهّل عليهم التلاعب بقاعدة الناخبين الصغيرة في المرحلة الأولى، خاصة في الأرياف المعزولة التي كانت أقل تسيُساً، حيث كان الوجهاء وكبار ملاك الأراضي يسيطرون على الفلاحين الأميين. في المقابل، عارض الوطنيون هذا النظام بشدة، لأن الانتخابات المباشرة كانت ستضمن فوزهم الساحق في المدن.
تتوالى الأدلة على انحياز العملية الانتخابية. يصف الفصل ظهور أربعة تيارات سياسية في دمشق: "حكوميين" موالين لفرنسا بقيادة حقي العظم ورضا باشا الركابي، ومعارضين وطنيين. قاد فوزي الغزي وواثق مؤيد العظم تياراً معارضاً معتدلاً شارك في الانتخابات على أمل تحقيق مكاسب، بينما قاد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر (المسجون وقتها) تياراً متشدداً دعا إلى مقاطعة شاملة. تكللت هذه المقاطعة بإضراب عام في 14 تشرين الأول/أكتوبر 1923 أغلق فيه التجار أبواب محلاتهم في دمشق لمدة أحد عشر يوماً، احتجاجاً على السياسة الانتخابية. وبسبب المقاطعة والتزوير، كانت نسبة المشاركة في دمشق 55% فقط، بينما ارتفعت إلى 78% في بعض مناطق الأرياف بفعل الضغوط الفرنسية، وصولاً إلى تزوير صريح في جولة الاقتراع الثانية التي أُجريت في منتصف الليل دون إبلاغ مسبق.
نتيجة لذلك، سيطر الموالون لفرنسا على المجالس التمثيلية الجديدة. لكن هذه المجالس، كما يصفها المؤلف، كانت "مفرغة من الصلاحيات" تماماً، لا تستطيع سن القوانين دون موافقة المندوب السامي. ورغم ذلك، تحولت هذه المجالس، خاصة مجلس حلب، إلى منابر نقدية خطيرة، أبرزها في قضية "سنجق الإسكندرون" الذي خشي الحلبيون من أن يؤدي "استقلاله" إلى ضمه لتركيا. أدى هذا التوتر إلى استقالة حاكم حلب، مصطفى برمداء، في كانون الثاني/يناير 1924، مما عكس استياءً متزايداً في المدينة. ويُعزز الفصل هذا الاستياء بعرض الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، خاصة في حلب التي تراجعت تجارتها مع تركيا وتدفق عليها حوالي 60,000 لاجئ أرمني، مما فاقم البطالة وضيق على الطبقة التجارية.
يُظهر الفصل أن النظام الاتحادي انهار تحت وطأة أزماته، ليعلن ويغان في 15 كانون الثاني/يناير 1925 عن "وحدة سورية" التي دمجت حلب ودمشق في دولة واحدة، لكنها أبقت دولة العلويين وجبل الدروز منفصلين، وأبقت السلطة الحقيقية بيد المندوب السامي الذي يعين الرئيس والوزراء ويصدر القوانين. يعتبر المؤلف أن هذه "الوحدة" كانت مجرد ترقيع إداري لتخفيف الأعباء المالية الناتجة عن تعدد الدول، وليس استجابة حقيقية للمطالب الوطنية. ثم ينتقل الفصل إلى مرحلة جديدة في كانون الثاني عام 1925، مع وصول الجنرال موريس سراي، مندوباً سامياً جديداً من حكومة اليسار الفرنسي. بدا سراي أكثر ليبرالية، فأوقف دعم الصحف الموالية ورفع الأحكام العرفية وتقرب من الوطنيين، لكنه رفض تقديم تنازلات جوهرية بشأن الوحدة الكاملة أو الاستقلال.
في هذا المناخ من الانفراج النسبي، يُركّز الفصل على تأسيس أول حزب سياسي وطني قانوني: "حزب الشعب" في حزيران/يونيو 1925 بقيادة عبد الرحمن الشهبندر. يُحلّل الفصل طبيعة الحزب النخبوية، إذ ضم في قيادته مالكي أراضٍ ومحامين وتجاراً، مثل فارس الخوري ولطفي الحفار وجميل مردم. كان برنامج الحزب يدعو إلى السيادة الوطنية والوحدة والحريات، ويعكس مصالح قادته الطبقية. ويقارن الفصل بين هذا الحزب وبين "حزب الوحدة السورية" الموالي لفرنسا برئاسة صبحي بركات نفسه. ويختم الفصل بوصف اندلاع الشرارة الأولى للثورة السورية الكبرى، عندما أطلق الدروز النار على طائرة فرنسية في 18 تموز/يوليو بقيادة سلطان الأطرش، وانتصارهم الأولي في معركة 3 آب/أغسطس التي قادت إلى هزيمة كتيبة فرنسية، معلنةً بداية مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.
يبقى السؤال الذي يتركه الفصل مفتوحاً، وهو إن كانت الصيغ الإدارية المتنوعة التي جربها الفرنسيون - من اتحاد إلى وحدة مزعومة - قد أتت بنتيجة عكسية تماماً، إذ أن عدم منح الحكم الذاتي الحقيقي أدى إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها. كما يشير الفصل إلى جدلية داخل الحركة الوطنية بين تيار يريد المشاركة في اللعبة السياسية (حزب الشعب) وآخر يرفضها، وهو انقسام ظل يؤثر على مسار النضال.
6.الأصول: الصلة الدرزية187–207▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل من كتاب فيليب خوري الأسباب الجذرية للثورة السورية الكبرى (1925-1927)، مركزاً على دور الطائفة الدرزية وكيف تحولت انتفاضة محلية في جبل الدروز إلى ثورة وطنية شاملة. يقدم المؤلف إجابة واضحة: لم تكن الثورة نتيجة فعل فردي أو صدفة، بل كانت نتاجاً لسياسة فرنسية خاطئة في جبل الدروز، استندت إلى محاولة تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية التقليدية للطائفة، مما أدى إلى توحيد صفوف الدروز مع الوطنيين في دمشق تحت راية القومية العربية.
يسير الفصل زمنياً وأيضاً تحليلياً، فيبدأ بمشهد درامي لهزيمة نكراء منكرة مني بها رتل نجدة فرنسي بقيادة الجنرال روجيه ميشو في 3 آب/أغسطس 1925 على يد الثوار الدروز بقيادة سلطان الأطرش. يوضح خوري أن هذه الهزيمة لم تكن مجرد حدث عسكري، بل كانت تتويجاً لاستياء تراكمي منذ عام 1921، عندما بدأ الفرنسيون، ممثلين بـ الكابتن كاربيه، في تغيير طبيعة الحكم في الجبل.
يشرح الكاتب أن الاستراتيجية الفرنسية في جبل الدروز كانت جزءاً من سياسة امبراطورية أوسع تهدف إلى عزل الأقليات (مثل الدروز) عن التيار الوطني العربي السني في المدن. وقد نجح الجنرال غورو ومساعده الكولونيل كاترو في البداية بإبرام معاهدة مع الدروز عام 1921، منحت الجبل حكماً ذاتياً مع حاكم درزي ومجلس تمثيلي، مقابل قبول الانتداب. لكن هذا النظام بدأ بالتفكك بسرعة بسبب الصراعات الداخلية في عشيرة آل الأطرش، وبسبب إصرار الفرنسيين على التدخل في شؤون الجبل.
يتعمق خوري في شخصية الكابتن كاربيه الذي تولى الحكم في الجبل بعد وفاة الحاكم الدرزي سليم الأطرش. يصفه المؤلف بأنه "مصلح لا يكل ولكنه نافذ الصبر"، فقد حاول باندفاع تحطيم النظام الإقطاعي القديم ونقل ملكية الأراضي للفلاحين، وفرض نظام عمل إجباري لبناء الطرق. لكن هذا الإصلاح فشل فشلاً ذريعاً: الفلاحون المحافظون رفضوا العروض خوفاً من سادتهم التقليديين، واستاءوا من العمل الإجباري، بينما شعر زعماء العشائر (خاصة آل الأطرش) بأن نفوذهم ومصادر دخلهم المادية مهددة بشكل مباشر. وهكذا، بدلاً من كسب الفلاحين، وحّد كاربيه ضده جميع أطياف المجتمع الدرزي تقريباً.
يكشف الفصل عن تحول حاسم: على عكس ما كان يأمله الفرنسيون من عزل الدروز، كانت هناك علاقات وثيقة ومتجذرة بين زعماء الدروز (خاصة سلطان الأطرش) والوطنيين في دمشق، وعلى رأسهم نسيب البكري. يوثق خوري هذه الصلات القديمة منذ الحرب العالمية الأولى، حيث عمل الطرفان معاً ضد العثمانيين. عندما اعتقل الفرنسيون ثلاثة من زعماء آل الأطرش في 11 تموز/يوليو 1925، كانت هذه هي الشرارة التي أشعلت الثورة. انضم الوطنيون من حزب الشعب في دمشق إلى الدروز، وشكلوا حكومة وطنية مشتركة، وأعلنوا أهدافهم: استقلال سورية ووحدتها، ورفض التقسيم الإداري الفرنسي الذي يعزل الجبل.
وختاماً، يقرّ المؤلف بأن أهداف القادة (سواء في دمشق أم في الجبل) لم تكن "ثورية" بالمعنى الجذري، فهم لم يسعوا لقلب نظام الحكم الاجتماعي، بل لتعديل ميزان القوة واستعادة نفوذهم التقليدي الذي قلصه الفرنسيون. لكن الأساليب التي استخدموها كانت جديدة، حيث شكلوا تحالفات وطنية عابرة للطوائف والمناطق، مما أعطى الحركة السياسية السورية عمقاً وقوة غير مسبوقين. يشير خوري أيضاً إلى دور العوامل الخارجية، مثل القحط والجفاف في عام 1925 الذي فاقم الأزمة الاقتصادية، مما ساهم في توسيع رقعة الاضطرابات لتشمل الريف والمدن على حد سواء. وقد نجحت الثورة في جذب الاهتمام الدولي وجعلت من القومية العربية المبدأ المنظم للحياة السياسية السورية، على الرغم من أن فرنسا تمكنت في النهاية من سحقها عسكرياً.
7.من الثورة إلى الوطنية207–249▼ ملخص
ملخص الفصل: «من الثورة إلى الوطنية»
يتناول هذا الفصل تحول الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي من انتفاضة درزية محلية في جبل الدروز صيف 1925 إلى ثورة وطنية شاملة اجتاحت المدن السورية الكبرى، ولا سيما دمشق وحماة وحلب. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف فيليب خوري هي أن الثورة لم تكن مجرد تمرّد عسكري، بل كانت نتاجاً لتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي خلقها الانتداب الفرنسي، وأنها تطورت عبر تحالفات معقدة بين فئات اجتماعية مختلفة: البدو والفلاحون والعاطلون عن العمل من جهة، والبرجوازية التجارية والوجهاء والقادة الوطنيين من جهة أخرى.
يبدأ الفصل برسم صورة للفوضى والاضطرابات التي عمّت جنوب دمشق في آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 1925، حيث شنّ البدو والفلاحون والعاطلون عن العمل هجمات جريئة قريبة من العاصمة، بمساعدة قرى كانت تؤوي الثوار وتدعم هجماتهم على الثكنات الفرنسية. ويوضح المؤلف أن الانتقام الفرنسي كان وحشياً، تمثّل في إحراق القرى ونهبها، مما زاد في عدد المنضمين إلى صفوف الثوار.
ثم ينتقل الفصل إلى تحليل الأزمة الاقتصادية العميقة التي شكلت أرضية خصبة للثورة. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية والضروريات ارتفاعاً كبيراً، وازدادت البطالة بشكل حاد، وتراجعت المحاصيل الزراعية. ويذكر الفصل أن التجار والمقرضين في دمشق كانوا قد أقرضوا المزارعين في حوران وجبل الدروز نحو 1,400,000 ليرة تركية سنة 1925 بضمانة محاصيلهم، فخشوا من أن يؤدي فرض السلام بالقوة العسكرية إلى تدمير المحاصيل وفقدان أموالهم. ويورد المؤلف مثالاً على التضخم في حلب، حيث قدر الفرنسيون أن أسعار البضائع الأساسية ارتفعت بنسبة 79% بين شباط/فبراير 1924 وشباط/فبراير 1925.
ويؤكد الفصل أن السياسات الاقتصادية الفرنسية نفسها أوجدت أرضية للثورة، وذلك من خلال: ربط العملة الورقية السورية الجديدة بـالفرنك الفرنسي المنخفض القيمة، وتقسيم سورية الطبيعية بعد الحرب العالمية الأولى، وإهمال دعم الصناعة السورية في وجه المنافسة الأوروبية، واتباع سياسة مالية مقترّة في مجالات التعليم والزراعة والأشغال العامة في مقابل الإسراف في الإنفاق على الجيش والشرطة والإدارات المتضخمة.
أما في المجال السياسي، فيشير الفصل إلى أن الفرنسيين حابوا الأقليات وعاملوا المسلمين ومؤسساتهم بتشدّد، ورفضوا منح القيادة السياسية للحركة الاستقلالية الوطنية الاعتراف والقدرة على الوصول إلى السلطة. ورغم أن الفصل يقرّ بأن الثورة لم تكن حتمية، إلا أنه يؤكد أن الظروف كانت مهيّأة بالكامل بحلول سنة 1925.
يصف الفصل بعد ذلك حالة التردي المعنوي لدى الجيش الفرنسي نفسه، حيث كان الجنود يجولون في دمشق ويلومون الجنرال سراي علناً على الهزائم المتلاحقة التي لحقت بهم منذ أواخر تموز/يوليو 1925. وعندما وصلت التعزيزات الفرنسية إلى بيروت في أواخر آب/أغسطس، تولى الجنرال غاملان القيادة ونشر 10,000 جندي في المناطق الثائرة بين جبل الدروز ودمشق، لكنه فشل في وقف غزوات الثوار.
حماة تثور
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل اندلاع الثورة في حماة، رابع أكبر مدينة سورية والأكثر محافظةً وعداءً للفرنسيين. ففي 4 تشرين الأول/أكتوبر 1925، قاد النقيب المتمرّد فوزي القاوقجي قوة مختلطة من جنود الفيلق السوري الفارّين ومئات البدو المسلحين من قبيلة الموالي ضد المنشآت الفرنسية في معرة النعمان وجوارها. وكانت الأهداف الرئيسية هي المباني الحكومية والسراي وريجي التبغ ومكتب الدين العام ومديرية الأوقاف.
يقدّم الفصل سيرة ذاتية لـالقاوقجي، المولود في طرابلس سنة 1890، وهو ضابط سابق في الجيش العثماني انضم إلى الثورة العربية سنة 1917، ثم قبل منصباً في الفيلق السوري تحت قيادة الفرنسيين. ويكشف المؤلف أن الهجوم لم يكن مفاجئاً كما بدا، إذ كان القاوقجي يخطط له منذ تموز/يوليو، مستغلاً موقعه في الفيلق للحصول على خرائط عسكرية فرنسية ووزعها على المحرضين الوطنيين، وكان على اتصال بـسلطان الأطرش لتنسيق الهجمات.
أما ما مكّن القاوقجي من الاستمرار في خطته، فكانت ضمانات الدعم التي تلقاها من القوى الوطنية داخل حماة، وتحديداً من الأرستقراطية المكونة من أربع عائلات كبرى هي: البرازي والكيلاني والعظم وطيفور، التي كانت الإصلاحات الزراعية الفرنسية تستهدف إنهاء سيطرتها. كما ساهمت الطبقات الشعبية المتضررة من التضخم والبطالة، بالإضافة إلى قبيلة الموالي التي كانت لها نزاعات مع القوة الفرنسية في البادية.
وقد استدعى الهجوم رداً فرنسياً عنيفاً، إذ قصفت الطائرات المنطقة التجارية في حماة فدمرت سوقين وأكثر من 500 دكان، وأحرق الجنود السنغاليون مساكن الوجهاء. وبحلول 10 تشرين الأول/أكتوبر، كان قد قتل 545 شخصاً، معظمهم من المدنيين غير المسلحين، بينهم 55 امرأة وطفلاً، وقدرت الأضرار بما يتراوح بين 361,000 و461,000 ليرة تركية ذهبية.
ويخلص الفصل إلى أن انتفاضة حماة، رغم القضاء عليها سريعاً، وضعت نمطاً للثورة تكرر في مدن أخرى: تعاون بين عناصر من خارج أسوار المدينة والوطنيين داخلها، حيث كانت شرارة الثورات المدينية تأتي من الخارج، بينما كان الأساس المعدّ في الداخل يضمن اشتعال الحريق.
دمشق تثور
منذ أواخر أيلول/سبتمبر، اشتد نشاط الثوار حول دمشق، وبخاصة في منطقة البساتين الشرقية والجنوبية. وقد أسندت مهمة الإعداد للثورة في العاصمة إلى حسن الخراط، الحارس السابق الذي أصبح رئيساً للخفر في حيّه الشاغور. وفي أواخر الشهر، شنّ الخراط وأتباعه هجوماً على الجيش الفرنسي المتمركز في البساتين الشرقية.
يصف الفصل بالتفصيل التظاهرة السياسية الضخمة التي نظمها أعضاء حزب الشعب الوطني في دمشق بمناسبة المولد النبوي، حيث حلت صور الزعماء الوطنيين والشعارات الوطنية محل العبارات الدينية التقليدية. وقد أضربت المدينة بكاملها، واجتمع عشرات الآلاف في باب الحابية، وساروا في مسيرة طويلة عبر الأحياء القديمة، وانضم إليهم يهود ومسيحيون من حارتيهما القديمتين. وفي نهاية المسيرة، ألقى عدد من الخطباء الوطنيين كلمات في المسجد الأموي امتدحوا فيها تاريخ سورية ومستقبلها المستقل.
يزداد التوتر يوماً بعد يوم، وتصل ذروته عندما قام الجنود الشركس في حملة عسكرية بتدمير قرى شرقي المدينة، وعادوا ومعهم 155 أسيراً و50 جثة، وألقوا بالقتلى السوريين في ساحة المرجة وسط المدينة، وأرغموا الأسرى المقيّدين على السير حولهم، ورموا بكلب ميت في وسط الحلقة، في عمل واضح يقصد به الإذلال والتحذير. لكن التأثير كان معاكساً تماماً.
في 18 تشرين الأول/أكتوبر، أرسل الخراط إشارة باستعداد دمشق للثورة، وفي 19 تشرين الأول/أكتوبر تسللت مجموعة من 140 رجلاً بقيادته إلى حي الشاغور، وقتلت جنوداً مغاربة، وأشعلت النار في مخفر للشرطة. وفي الوقت نفسه، غزت مجموعة ثانية من 300 ثائر درزي حي الميدان، بقيادة نسيب البكري وأغوات الميدان. وكلما اقتربت المجموعتان من الوسط التجاري، انضم إليهما عشرات المؤيدين المحليين.
ركّز الثوار على قصر العظم، المقر الرائع لحكام دمشق في القرن الثامن عشر، الذي كان قد حوّل مؤخراً إلى مسكن موقت للمندوب السامي الجنرال سراي. وعندما لم يجدوه فيه، أشعلوا النار في جوانب القصر ودمّروا الكثير من كنوزه الأثرية. رد الفرنسيون بقصف مدفعي وجوي وحشي استمر يومين على الأحياء الجنوبية من دمشق، دون تحذير.
يقدر الفصل عدد القتلى بـ1,415 شخصاً وفقاً لبلدية دمشق، بينما قدّر المصدر الفرنسي الرسمي عدد الإصابات المدنية بـ1,400. ويصف الفصل الدمار الهائل الذي حلّ بالأسواق التجارية الرئيسية مثل سوق الحميدية وسوق مدحت باشا، حيث دُمّرت 700 دكان بالكامل، وقدرت الخسائر بـ200,000 ليرة تركية (50 مليون فرنك). كما دُمّرت منازل فخمة لعائلات معارضة للفرنسيين مثل القوتلي والبكري والركابي.
يتوقف الفصل عند ردود الفعل الدولية، حيث انتقد القنصلان البريطاني والأميركي الفرنسيين على المبالغة في الرد، لكنهما قلّلا في الوقت نفسه من عمق المعارضة للحكم الفرنسي وقدرة الحركة الوطنية على تنظيمها.
النتائج السياسية والتحولات
كانت النكسات العسكرية في سورية والانتقادات الصحفية الحادة سبباً في إحراج الحكومة الفرنسية. فقادت الحملة ضد الجنرال سراي، الذي اتهم بتجاهل تقارير استخبارية عن احتمال ثورة في جبل الدروز، إلى استدعائه إلى باريس في 12 تشرين الأول/أكتوبر 1925. وقد أدى ذلك إلى صراع سياسي بين اليمين واليسار الفرنسيين، حيث دافع اليسار عن سراي واتهم اليمين بالتقصير في مراكش.
خلف سراي مندوب سامٍ مدني هو هنري دي جوفنل، الصحافي والسياسي الليبرالي البالغ من العمر 43 عاماً، والذي كان يمثل فرنسا في عصبة الأمم. وقد انتهج جوفنل سياسة اللامركزية لعزل دمشق عن باقي المناطق، وسعى إلى إجراء مفاوضات مع الثوار، لكنها باءت بالفشل.
تفصّل الفقرات التالية تطورات الأوضاع في حلب، حيث كانت المقاطعة الانتخابية للجمعية التأسيسية التي دعا إليها جوفنل ناجحة بشكل مدوٍ. فقد شارك في المرحلة الأولى من الانتخابات 15% فقط من المقترعين المسجلين، وكان المصوتون في الغالب من الأرمن والسريان الكاثوليك. وأدى ذلك إلى اعتقالات ومواجهات عنيفة خلّفت 115 قتيلاً و25 جريحاً. وفي النهاية، انتخبت الجمعية ممثلين مؤيدين للفرنسيين، لكن هذه لم تكن إلا واجهة هشة.
أما في حماة وحمص، فكانت المقاطعة كاملة، ولم يجرؤ أي مرشح على تقديم نفسه، مما اضطر الفرنسيين لاعتقال قادة المقاطعة ونفيهم إلى جزيرة أرواد.
بعد فشل محاولات تشكيل حكومة وطنية معتدلة مع الشيخ محمد تاج الدين، أعاد جوفنل فرض الحكم الفرنسي المباشر في شباط/فبراير 1926. وقد بدأ الجيش الفرنسي هجوماً كبيراً لكسر الثورة، وتم تطويق دمشق بشارع مسيّج بالأسلاك الشائكة ونقاط رشاشات، عمل فيه 1,200 عامل. لكن هذه الإجراءات لم تردع الثوار الذين استمروا في السيطرة على حي الميدان سيطرة كاملة.
يختتم الفصل بملاحظة أن الاستراتيجية العسكرية الفرنسية كانت تستهدف سحق الثورة بأقصى الوسائل الميكانيكية وأقل عدد من الجنود الفرنسيين، مع الاعتماد على المجندين غير النظاميين من الشركس والكرد والأرمن. لكنها مع ذلك لم تنجح في القضاء على الحركة الثورية التي كانت تحظى بدعم واسع من القرى والمدن على حد سواء.
يقرّ المؤلف في الفصل بحدود عدة، من أبرزها أن الثورة لم تكن حتمية، رغم توفر الظروف الموضوعية، وأن مستوى التنسيق بين جماعات الثوار كان محدوداً في بعض الأحيان. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الحركة الوطنية على التنظيم العقلاني للمعارضة في ظل القمع الفرنسي. من النقاط القابلة للنقاش في الفصل، تأكيد المؤلف على دور العامل الاقتصادي كأرضية أساسية للثورة، في مقابل اعتبارات أخرى مثل القومية العربية، وتحليله للتحالفات الطبقية بين الوجهاء الفلاحين والطبقات الشعبية، وكيف أن المصالح الاقتصادية المتناقضة لم تمنع توحيد الجهود ضد العدو المشترك.
8.الطبقة والوطنية249–265▼ ملخص
ملخص الفصل: «الطبقة والوطنية»
يتناول هذا الفصل من كتاب فيليب خوري العلاقة المعقدة بين الانقسامات الطبقية والحركة الوطنية السورية خلال فترة الانتداب الفرنسي، مركزاً بشكل خاص على الثورة السورية الكبرى التي اندلعت في تموز/ يوليو 1925. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الثورة، رغم طابعها الشعبي والوطني الواضح، لم تكن حركة متجانسة بل عكست مصالح طبقية متباينة ومتداخلة، حيث انقسم المجتمع السوري بين مؤيدين ومعارضين ومحايدين للثورة وفقاً لموقعهم الطبقي ومصالحهم الاقتصادية.
يبدأ الفصل بالإشارة إلى المجموعات التي لم تنضم إلى الثورة أو وقفت ضدها، وهي: منطقة بلاد العلويين التي ظلت معزولة تحت الحماية الفرنسية، سنجق الإسكندرون بأقليته التركية، الشركس الذين تجندوا في الفيلق السوري بدافع تقاليدهم العسكرية، اللاجئون الأرمن الذين اعتمدوا على الحماية الفرنسية، وبعض القبائل البدوية مثل قبيلة الرولة التي تعاونت مع الفرنسيين بدافع الإعانات المالية. ويشير المؤلف إلى أن المسؤولين الفرنسيين كانوا قلقين من احتمال انضمام القبائل للثورة، فخصصوا مبالغ مالية لشيوخها لضمان هدوئهم، منها هبة خاصة قدرها 600,000 فرنك (40,000 جنيه استرليني) طلبها المسؤول الفرنسي ريفي في ربيع 1925.
أما المجموعتان الأخريان اللتان وقفتا بعيداً عن الثورة، فهما الجناح غير الوطني من طبقة البيروقراطيين ومالكي الأراضي الغائبين، والأقليات المسيحية السورية التي اتخذت موقفاً انتظارياً خوفاً من امتداد الثورة إلى أحيائها. ويكشف المؤلف عن نمط متكرر من سلوك الوجهاء المدينيين المحافظين، حيث كلما ظهرت علامات ضعف على القوات الوطنية، حاولت فئة منهم تقديم نفسها للمندوبية الفرنسية كمرشحين معتدلين لتشكيل حكومة جديدة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل الطبقات الثلاث التي قامت بدور رئيسي في إبقاء الثورة مشتعلة: البرجوازية التجارية الإسلامية، طبقة ملاك الأراضي الغائبين، والفلاحون. ويؤكد المؤلف أن أدوار هذه الطبقات كانت متفاوتة ونادراً ما كانت متماسكة بسبب الانقسامات الداخلية والتداخلات العائلية والاقتصادية.
في تحليله للبرجوازية التجارية، يميز المؤلف بين جناحين: البرجوازية الكمبرادورية التي تتكون أساساً من الأقليات المسيحية واليهود الذين عملوا كوكلاء محليين للبيوتات التجارية الأوروبية منذ القرن التاسع عشر. وقد استفاد هؤلاء من الحماية القنصلية والتعليم التبشيري، مما أثار استياء المسلمين الذين رأوا فيهم سبباً لدمار الحرف اليدوية المحلية، وأدى ذلك إلى مجزرة المسيحيين في دمشق سنة 1860. وبعد الاحتلال الفرنسي، شعرت هذه الطبقة بالارتياح لتحقيق الاستقرار، لكنها حافظت على مسافة من الفرنسيين خوفاً من ردود فعل المسلمين، خاصة أن مجازر 1878 كانت لا تزال حية في الذاكرة.
أما الجناح الثاني فهو التجار المسلمون ذوو الصلات الوثيقة بطبقة مالكي الأراضي، والذين تخصصوا في التجارة الداخلية والإقليمية بالمحاصيل النقدية كالقمح والفاكهة والمواشي. وقد ازداد اعتماد هؤلاء على طبقة مالكي الأراضي من خلال معاملات القروض والمصاهرة، لكن الفجوة الاجتماعية ظلت قائمة بسبب اختلاف أنماط التعليم، حيث أرسل مالكو الأراضي أبناءهم إلى استنبول للتعليم المهني العثماني، بينما اكتفى التجار بتعليم أبنائهم الإسلامي الأساسي. وقد وجد التجار المسلمون في القومية العربية سلاحاً أيديولوجياً لمقاومة السياسات الفرنسية التي كانت تحابي المستوردات الأوروبية على حساب الصناعات المحلية، خاصة زيادة الرسوم الجمركية من 11% إلى 25% على الدول الأعضاء في عصبة الأمم اعتباراً من أيار/ مايو 1925، ثم لاحقاً إلى 35% سنة 1927.
عند اندلاع الثورة، كان تجار الحبوب والمواشي في حاري الميدان والشاغور بدمشق من أوائل الداعمين، رغم أن الثورة هددت موسم القمح في حوران. ويشرح المؤلف أن هؤلاء التجار أدركوا استحالة إنقاذ الموسم بعد انضمام حزب الشعب للثوار وامتدادها إلى دمشق، وراهنوا على احتمالية جلاء الفرنسيين. كما قام أصحاب المحلات في الأسواق الكبرى (الحميدية، البزورية، مدحت باشا) بإغلاق محالهم مقاومة للفرنسيين، لكنهم ترددوا في المشاركة الفاعلة خوفاً من الانتقام. ومع ذلك، عندما قصفت المدفعية الفرنسية المدينة القديمة، تحول ترددهم إلى دعم فاعل.
أما طبقة مالكي الأراضي الغائبين، فقد كانت في موقع القيادة الطبيعية للحركة القومية، حيث شكلت الأرستقراطية في خدمة الدولة العثمانية أو المعارضة السياسية. ويشير المؤلف إلى أن الفرنسيين سعوا لكسر سيطرة هذه الطبقة الاقتصادية عبر إصلاحات معادية لمصالحها، منها تنظيم جباية الضرائب سنة 1925 وفق متوسط أربع سنوات سابقة تدفع بالعملة الورقية السورية مع احتسابها ذهباً، مما ضاعف الضريبة تقريباً بينما كانت المحاصيل ضئيلة بسبب الصقيع والجفاف. وقد حول هذا الإجراء حتى العناصر المعتدلة نحو العداء للفرنسيين.
كان الفلاحون الطبقة الثالثة الفاعلة في الثورة، وقد مثلت لهم فرصة للتعبير عن غضبهم من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية. ويوضح المؤلف أن الفلاحين انضموا للثورة لأسباب عدة: اعتقادهم بأن أراضي المتعاونين مع الفرنسيين ستوزع عليهم، أو طردهم من منازلهم في الحملات التأديبية الفرنسية، أو ببساطة للبقاء على قيد الحياة بعد الموسم الهزيل غير العادي سنة 1925. أما الأسباب البنيوية الأعمق فتكمن في التحولات الرأسمالية في الريف منذ القرن التاسع عشر، حيث حلت الملكية الخاصة محل العلاقات التقليدية، ونمت طبقات من صغار الملاكين الفلاحين والمحاصصين، مما خلق توترات داخل القرى بين المختارين والفلاحين الفقراء.
في الختام، يعالج الفصل الطابع الأيديولوجي للوطنية في سورية في منتصف العشرينات. يرى المؤلف أن القوميين نجحوا في تحويل استياء الجماهير إلى حركة معادية للإمبريالية عبر إلقاء تبعة البطالة والتضخم واضطراب الحياة التقليدية على الفرنسيين. ورغم أن القادة القوميين روجوا لدولة علمانية على أسس غربية، إلا أنهم استخدموا الابتهالات والرموز الإسلامية للتعبئة السياسية، مستعينين بالجوامع والوعاظ كوسائط بين الحركة الوطنية والجماهير. ويخلص المؤلف إلى أن الثورة الكبرى مثّلت عصراً جديداً من السياسة جمع بين المثال العلماني والقوى التقليدية، لكنها كشفت أيضاً عن انقسامات عميقة داخل الحركة الوطنية من شأنها إضعاف النضال من أجل الاستقلال في العقود اللاحقة.
يطرح الفصل إشكالية قابلة للنقاش حول مدى تمثيل الثورة لجميع فئات المجتمع السوري، فبينما يقر المؤلف بطابعها الوطني الواضح، يظهر أن الانضمام إليها كان مشروطاً بمصالح طبقية واضحة، وأن القومية ظلت أداة حصرية للنخب المدينية العليا والوسطى، بينما ظلت ولاءات الجماهير التقليدية للعائلة والعشيرة والقرية والجماعة الدينية أقوى من الولاء للدولة أو الأمة.
9.الفئوية خلال الفترة المبكرة من الانتداب265–293▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل من كتاب فيليب خوري على فترة مبكرة من الانتداب الفرنسي على سوريا، وتحديداً على الانقسامات الداخلية الحادة التي مزّقت الحركة الوطنية السورية بين عامي 1920 و1927، وكيف أن هذه الانقسامات (الفئوية) حالت دون تشكيل جبهة موحدة ضد الفرنسيين، وأضعفت بشكل كبير أي إمكانية لتحقيق الاستقلال. يناقش الفصل كيف أن هذه الانقسامات لم تكن مجرد خلافات شخصية، بل كانت تعكس صراعات أيديولوجية عميقة واستراتيجيات سياسية متناقضة، مما جعل الحركة الوطنية أسيرة لتنافس قادتها حتى في أحلك الظروف.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل القوى والجماعات المتنافسة. يبدأ برصد دور المنفى كمركز للنشاط السياسي، فبعد سقوط المملكة العربية بقيادة فيصل عام 1920، أصبحت كل من عمان والقاهرة ملجأً للقوميين السوريين. في عمان، تجمّع حول الأمير عبد الله موظفون عثمانيون سابقون وقوميون راديكاليون من حزب الاستقلال، الذين حثّوه على مقاومة الفرنسيين. لكن البريطانيين، الذين كان يعتمد عليهم عبد الله، أجبروه تدريجياً على التخلي عن هؤلاء القوميين المتطرفين وطردهم. أما القاهرة، فكانت مركزاً أكثر استقراراً للتنظيم، حيث تأسس المؤتمر السوري الفلسطيني عام 1921، والذي أصبح الهيئة السياسية الرئيسية للمنفيين. ويعرض الفصل بعمق طبيعة هذا المؤتمر وتكوينه، مشيراً إلى أنه سرعان ما عكس الانقسامات نفسها الموجودة على الأرض. حدث أول انشقاق كبير عام 1921 عندما انسحب المندوبون الفلسطينيون احتجاجاً على تركيز المؤتمر على الشؤون السورية على حساب القضية الفلسطينية، مما أظهر التوتر بين القومية العربية الشاملة والولاءات الإقليمية الناشئة.
يدخل الفصل في صميم الموضوع من خلال تقديم التيارين الرئيسيين المتنافسين داخل الحركة الوطنية. التيار الأول، بقيادة ميشيل لطف الله وعبد الرحمن الشهبندر، يمثل فصيلاً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالهاشميين (فيصل وعبد الله) ومستعداً للتعاون مع البريطانيين لتحقيق هدف محدود: إقامة دولة سورية مستقلة. يصف الفصل خلفية ميشيل لطف الله كرجل أعمال مسيحي ثري جداً من أصل لبناني في القاهرة، استخدم ثروته الهائلة لتمويل المؤتمر ودعم الهاشميين. أما الشهبندر، فهو طبيب وعلماني، متهم من خصومه بالإلحاد، وكان على علاقة وطيدة مع لطف الله. غدت القاهرة وتمويل عائلة لطف الله أساس قوة هذا التيار.
في مقابل هذا الفصيل، يبرز التيار الثاني بقيادة شكيب أرسلان، وهو مهاجر درزي سني من لبنان ومثقف عثماني كوزموبوليتي. يصف الفصل أرسلان بأنه معادٍ بشدة للبريطانيين، متشكك في الهاشميين، ومؤيد لتحالف مع الأتراك الذين كانوا يقاتلون أيضاً القوى الأوروبية. معه وقف كل من الشيخ رشيد رضا، المفكر الإسلامي البارز وصاحب مجلة "المنار"، الذي ركّز على أهمية المضمون الإسلامي في القومية العربية، وإحسان الجابري، وهو أرستقراطي عثماني آخر درس في استنبول وباريس. يجمع هذا التيار خطاب قومي عروبي أكثر تشدداً، رفض مطلق لأي تعاون مع الغرب، وتركيز على الأمة العربية الواحدة.
يوضح الفصل كيف أصبح هذا الانقسام أكثر حدة ووضوحاً بمرور الوقت. كان اختبار الخلافة عام 1924 نقطة تحول، حيث أعلن الشريف حسين نفسه خليفة بعد إلغاء تركيا للخلافة. أدعى هذا الإعلان جدلاً واسعاً. بينما دعمه البعض، وقف ضده علناً كل من رشيد رضا ومن معه من علماء الدين، متهمين الهاشميين بأنهم دمى في أيدي البريطانيين وغير مؤهلين للمنصب. سرعان ما انتهى هذا الجدل بسقوط حسين على يد ابن سعود الذي اجتاح الحجاز وأجبره على التنازل عن العرش. يبين الفصل كيف أن صعود ابن سعود، بصفته "رجل الدولة العربي الوحيد غير الملطخ بوصمة السيطرة الأجنبية"، قد شكّل تحدياً جديداً للهاشميين وقدم للراديكاليين (فصيل أرسلان) بديلاً محتملاً للدعم المادي والسياسي.
تفجّر الصراع بين الفصيلين بشكل دراماتيكي خلال الثورة السورية الكبرى (1925-1927). في تشرين الثاني 1925، قام شكيب أرسلان بلقاء سري مع هنري دي جوفنل، المندوب السامي الفرنسي الجديد، وعرض عليه صيغة حل متساهلة جداً تتضمن تنازلات كبيرة مقابل الاستقلال، وذلك دون تنسيق مسبق مع قيادة الثورة. يوضح الفصل أن هذا التصرف من أرسلان لم يُرضِ الشهبندر ولطف الله، ليس بسبب التنازلات بحد ذاتها، بل لأن أرسلان استطاع الوصول إلى مسؤول فرنسي رفيع بينما فشلا هما في ذلك، الأمر الذي هدد مكانتهما كقادة للحركة. أما الخلاف الأكبر فكان حول السيطرة على الأموال. فرادى ميشيل لطف الله السيطرة على تمويل الثورة، سعى الراديكاليون بقيادة شكري القوتلي وعادل أرسلان إلى إنشاء لجنة مالية منافسة في القدس بمساعدة الحاج أمين الحسيني، وتمكنوا من الحصول على دعم ابن سعود المالي. حين بدأت الثورة تخسر زخمها في ربيع 1926، تحوّل الخلاف المالي-السياسي إلى حرب اتهامات مفتوحة بالخيانة واختلاس الأموال. يتهم فصيل القاهرة (لطف الله والشهبندر) لجنة القدس (القوتلي والاستقلاليون) بأنها تحتجز الأموال عن الثوار الحقيقيين. بينما ردّت لجنة القدس بأن القاهرة لا ترسل الأموال إلى ساحات القتال بل تستخدمها لدعم قادة الثورة في المنفى.
يقرّ الفصل ضمنياً بحدود بعض الحجج، فعلى الرغم من تمسك كل فريق بمواقفه الأيديولوجية، يظهر أن الصراع كان مدفوعاً أيضاً بمصالح شخصية وتنافس على النفوذ وليس فقط بالاختلافات المبدئية. ففي نهاية المطاف، لم تكن لدى أي من المجموعتين حل سحري لطرد الفرنسيين. واعترف الفصل بأن ميشيل لطف الله كان يفقد نفوذه تدريجياً، وكانت اتهامات الراديكاليين له بأنه ينسجم مع استراتيجية برجوازية بيروت التجارية الداعمة للبنان الكبير، بينما كان هو والشهبندر يرون في اقتراحات أرسلان السرية للفرنسيين تقويضاً لجهودهم. ويختتم الفصل بوصف حالة الفوضى التي أعقبت فشل الثورة: تفكك المؤتمر، وانقسامه إلى لجنتين متنافستين في القاهرة (لجنة عابدين ولجنة الاستقلاليين)، وترك الشعب السوري دون قيادة موحدة. يخلص المؤلف إلى أن الفئوية، وليس الاحتلال وحده، هي التي شلت الحركة الوطنية، مما أجبر زعماءها في نهاية المطاف على التخلي عن مقاومتهم المباشرة وقبول الدخول في اللعبة السياسية وفق القواعد التي يضعها الفرنسيون، سعياً إلى "مشاركة" الفرنسيين في الحكم بدلاً من الاستقلال الفوري.
9.تحالف بين متكافئين293–334▼ ملخص
يبحث هذا الفصل في تحول العلاقة بين الوطنيين السوريين والسلطات الفرنسية بعد الثورة السورية الكبرى، مركزاً على نشوء "الكتلة الوطنية" كتنظيم سياسي جديد يتبنى استراتيجية "التعاون المشرف" بدلاً من المواجهة المسلحة. يقدم المؤلف فيليب خوري تحليلاً للظروف التي أدت إلى هذا التحول، وللتكوين الطبقي والاجتماعي لقيادة الكتلة، ولمبادئها وتكتيكاتها، ولبنيتها التنظيمية، ولعلاقاتها المعقدة مع الفرنسيين ومع القوى الاجتماعية الأخرى داخل سورية.
يبدأ الفصل بوصف زيارة المندوب السامي الفرنسي الجديد بونسو إلى سورية في خريف 1926، حيث استمع إلى مطالب الوطنيين المعتادة: عفو عام، وحدة سورية، دستور من جمعية تأسيسية، ومعاهدة مدتها 30 عاماً على غرار المعاهدة البريطانية-العراقية، ونظام قضائي وطني. لكن بونسو لم يبدِ أي التزام حقيقي بهذه المطالب. وبعد عودته إلى باريس، أصدر إعلان سياسته الرسمي في تموز/يوليو 1927 على لسان الكولونيل كاترو، الذي نفى نية فرنسا التخلي عن انتدابها، وأعلن عزمها دمج مناطق الأقليات (الدروز والعلويين) مع الحفاظ على حقوقها، والسماح بقانون أساسي وتفويض أمور الدولة لمسؤولين محليين، لكن دون التساهل في السيطرة على الجمارك والبريد والبرق والنظام النقدي، ودون تقديم أي وعد بجيش وطني أو معاهدة شبيهة بالمعاهدة العراقية. رأى الوطنيون في هذا الإعلان استمراراً لسياسة سلفه جوفنيل، مما عزز شعورهم بالهزيمة وأجبرهم على إعادة تقييم خياراتهم.
يتزامن هذا الإعلان مع تطورين حاسمين: التصديق على دستور لبنان الكبير المعدل في أواسط تشرين الأول/أكتوبر 1927، والذي شرّع وجود لبنان منفصل وأشار إلى طبيعة الدستور الذي وعد به بونسو لسورية، وصمت ميشيل لطف الله (رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري-الفلسطيني) وعدم معارضته لهذا الدستور، مما كشف عن تحوله نحو دعم نظام سلالة حاكمة في لبنان منفصل. أدى هذا إلى أزمة داخل الحركة الوطنية، ودفع نحو إصدار رد وطني رسمي على إعلان بونسو في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1927، بعد مؤتمر استمر ستة أيام في بيروت حضره وطنيون من سورية ولبنان. تضمن الرد المطالب التقليدية لجمعية تأسيسية منتخبة وإعادة توحيد سورية، واختُتم بعبارة "التعاون المشرف" مع فرنسا، مع التأكيد على ضرورة تحديد الالتزامات المتبادلة.
كانت النتيجة الأهم لمؤتمر بيروت هي نشوء تنظيم وطني جديد هو "الكتلة الوطنية"، الذي قاد الكفاح الاستقلالي حتى 1945. يوضح الفصل أن بذور الكتلة زرعت في 1927، لكنها بدأت في إرساء نمطها السياسي مع انتخابات الجمعية التأسيسية في ربيع 1928، ولم تصبح اسماً شائعاً إلا بحلول 1928. يتناول المؤلف بالتفصيل "الآباء المؤسسين" ونواة الكتلة، وهم سبعة أشخاص: إحسان الشريف من دمشق، إبراهيم هنانو وعبد الرحمن الكيالي من حلب، نجيب البرازي وعبد القادر الكيلاني من حماة، ومظهر رسلان وهاشم الأتاسي من حمص. ثم توسعت الكتلة بانضمام وطنيين عادوا من المنفى بعد العفو الفرنسي في آذار/مارس 1928، مثل فوزي الغزي ولطفي الحفار وفارس الخوري من دمشق، وسعد الله الجابري من حلب، لكن العفو كان انتقائياً، إذ استثنى قادة ثوريين راديكاليين مثل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وشكري القوتلي، مما أدى إلى توسع الشرخ في صفوف الحركة الوطنية في المنفى بين "حزب الشعب" و"حزب الاستقلال"، ومكّن الكتلة من التطور على أسس غير ثورية.
يحلل الفصل بعمق التركيبة الطبقية والاجتماعية لقيادة الكتلة الوطنية، موضحاً تجانسها الكبير على الرغم من اتساع نطاقها الجغرافي والعددي. فقد كانت القيادة مستمدة بصورة رئيسية من طبقة مالكي الأراضي والبيروقراطيين العرب السنة في المدن الداخلية. أكثر من %90 من زعماء الكتلة كانوا سنة، وجميعهم من سكان المدن، مع تركيز كبير في دمشق (نصفهم تقريباً) وحلب (أكثر من ربعهم). من الناحية الطبقية، كان نحو ثلثي القادة من شرائح مالكي الأراضي-البيروقراطية أو مالكي الأراضي-المتعلمة، بينما انتمى الربع لعائلات تجارية ثرية. تميزت القيادة بمستوى تعليمي عالٍ غير مألوف، حيث تلقى أكثر من %80 تعليماً علمانياً، وحصل أكثر من نصفهم على تعليم مهني عالٍ في استنبول لإعدادهم للخدمة العثمانية، والتحق %10 آخرون بجامعات أوروبا أو الكلية البروتستانتية السورية في بيروت. من الناحية المهنية، كان ربعهم من "السياسيين المحترفين"، وثلثهم من المحامين أو أساتذة القانون، ويعتمد الكثيرون على دخل سنوي من ريوع الأراضي للتفرغ للسياسة. وقد ساهمت البنية العمرية المتجانسة (متوسط سنة الولادة 1885، وأكثر من ثلاثة أرباعهم ولدوا بين 1887 و1898) والتجارب المشتركة في المدارس (مثل مكتب عنبر في دمشق) والنشاط القومي السري قبل الحرب العالمية الأولى وفي عهد الأمير فيصل، في تشكيل هذه النخبة المترابطة عبر روابط الصداقة والقرابة والمصاهرة. هكذا، تتحدر الكتلة الوطنية مباشرة من الجمعيات القومية المبكرة مثل جمعية "الفتاة" وحزب الاستقلال.
ينتقل الفصل إلى شرح الاستراتيجية والتكتيكات الجديدة للكتلة الوطنية، والتي ولدت من رحم الهزيمة. كان قصف دمشق والتدمير شبه الكامل لـحي الميدان، والتكلفة الباهظة للثورة على طبقة ملاك الأراضي والبرجوازية التجارية، أدلة كافية على التفوق العسكري الفرنسي وعقم الكفاح المسلح. كما أضر امتداد الثورة إلى الريف بالقوى الإنتاجية الزراعية ومصالح مالكي الأراضي. لذلك، تخلت الكتلة عن المقاومة المسلحة واعتمدت تكتيكات جديدة تقوم على التوازن الدقيق بين القوة والاعتدال: إثبات وجود نفوذ مستقل لها، مع إظهار الرغبة في اللعب بالسياسة وفق قواعد المندوبية العليا. كان الهدف الأول هو نزع المصداقية عن جميع المنافسين المحليين (المدعومين من الفرنسيين) لتصبح الممثل الوحيد القادر على الوصول إلى الفرنسيين، والهدف الثاني هو المشاركة في الحكم إلى جانبهم في انتظار رحيلهم الحتمي. يوضح المؤلف أن هذا التوجه لم يكن من جانب واحد، فقد انتهجت فرنسا أيضاً أسلوباً أكثر توازناً بعد الثورة، مدفوعة بالانتقادات الدولية من عصبة الأمم والإدراك الداخلي بعدم قدرتها على الحكم المباشر بقوة الاحتلال، مما جعلها تلجأ للقوى المحلية ذات النفوذ المستقل.
يتناول الفصل أيضاً موقف الكتلة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ويصف أيديولوجيتها بأنها "وطنية الباشوات". كانت الكتلة تنظيماً سياسياً صرفاً هدفه معارضة الهيمنة الأجنبية، ولم تكن لديها تصور واضح للمستقبل الاجتماعي والاقتصادي، بل دانت تأليف أي أحزاب أخرى باعتباره تهديداً للوحدة في مواجهة الاستعمار. استندت الكتلة في ذلك إلى أن تحرير سورية من فرنسا يجب أن يسبق أي إصلاح داخلي، مما أدى إلى إهمال المشكلات الاجتماعية للجماهير. عبرت الكتلة عن مطالبها من خلال مفاهيم سياسية غربية ركزت على إقامة مؤسسات ديمقراطية (برلمان منتخب، حكومة تمثيلية، معاهدة مع فرنسا) تخدم مصالحها الطبقية وتوفر لها ساحة آمنة لممارسة الطموحات والتنافسات الشخصية، بدلاً من طريق تعبئة الجماهير.
أخيراً، يفصل الكتاب البنية التنظيمية للكتلة، والتي اتضحت في مؤتمر حمص في تشرين الثاني/نوفمبر 1928. أنشئ المكتب الدائم من سبعة أعضاء، ومجلس الكتلة الوطنية، والمؤتمر العام. لكن الكتلة لم تكن حزباً سياسياً حديثاً، بل كانت "كتلة" بالمعنى الدقيق، أي ائتلافاً فضفاضاً من النخب تعمل بصفتها أداة شخصية لقلة صغيرة، تعتمد على الولاءات الشخصية وعلاقات الراعي-العميل بدلاً من التنظيم المؤسساتي والأيديولوجيا الموحدة. يوضح الفصل أن الكتلة أهملت المناطق الريفية ومناطق الأقليات (العلويين والدروز) وفشلت في التغلغل السياسي فيها، مما ساهم في إبقاء الولاءات المحلية قوية. كان فرع دمشق هو المقر الرئيسي، ويضم شخصيات مثل فخري البارودي (نموذج الزعيم الراعي التقليدي ذي الأفكار التقدمية والذي أطلق "مشروع الفرنك" وأنشأ "المكتب العربي للدعاية والنشر")، ونسيب البكري، ولطفي الحفار (التاجر الذي شجع الوطنية الاقتصادية). أما فرع حلب فقد كان أكثر راديكالية وتماسكاً، ويعود ذلك للتأثير العميق للاحتلال والتقسيم، ولشعور الحلبيين بالحاجة لتأكيد ذاتهم تجاه دمشق خوفاً من إهمال مصالحهم (على سبيل المثال، تشير أرقام تقريبية إلى أن عدداً قليلاً فقط من الوزراء كانوا حلبيين بين 1928 و1945 مقارنة بعدد كبير من الدمشقيين). اعتمد تمويل الكتلة على التبرعات الخاصة من زعمائها والملاك والتجار الأغنياء، مما أعاق تطور جهاز مالي سليم وزاد من نفوذ الأفراد على حساب التنظيم. خلاصة القول، تمكنت الكتلة الوطنية من الحفاظ على تماسكها وتحقيق توازن مع الفرنسيين، لكنها ظلت أسيرة مصالحها الطبقية وتنظيمها المهلهل، مما جعل بقاءها مرتبطاً باستمرار الصراع مع فرنسا. ولدى بدء تفكك هذا الإطار، تحولت وطنيتها إلى أداة تضليل تحميها من التوترات الداخلية.
9.الراعون والوكلاء المخليون335–371▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب "سوريا والانتداب الفرنسي" لفيليب خوري يحلل التحول الجذري في الحياة السياسية والاجتماعية في المدن السورية، وبالأخص دمشق، خلال فترة الانتداب الفرنسي. الموضوع المحوري للفصل هو تآكل النظام السياسي والاجتماعي التقليدي القائم على الأحياء، وانتقال مركز الثقل السياسي من الزعامات المحلية داخل هذه الأحياء إلى مؤسسات وطبقات اجتماعية جديدة.
يبدأ الفصل بتقديم أطروحته الرئيسية: أن الولاءات التقليدية للحي والعائلة والعشيرة بدأت تضعف لتحل محلها ولاءات جديدة للمدينة والأمة. ويوضح الكاتب أن الزعماء السياسيين اضطروا، تحت ضغط الانتداب، لتوسيع نطاق عملهم خارج حدود أحيائهم للحفاظ على سلطتهم. ونتيجة لذلك، أصبحت الأحياء القديمة، رغم زيادة وعيها السياسي، تفقد تأثيرها المباشر في السياسة المدينية لصالح مؤسسات وطبقات جديدة أكثر ديناميكية.
ثم ينتقل الفصل إلى دراسة مفصلة لبنية مدينة دمشق، مقسماً إياها إلى أربعة أجزاء رئيسية: المدينة القديمة، الأحياء المحيطة بالسور، حي الميدان، والضواحي الشمالية الغربية الحديثة. يصف الفصل كيف أن المدينة القديمة، التي تضم أحياءً إسلامية وتجارية مثل العمارة والشاغور، وأحياء الأقليات مثل باب توما (المسيحي) وحي اليهود، كانت بمثابة وحدات سياسية واجتماعية شبه مستقلة. كان لكل حي قادته المحليون، مثل المختار والأئمة والوجهاء، ومجلس الحي الذي كان بمثابة حكومة مصغرة توفر الحماية وتتوسط في النزاعات. وكان دور الوجهاء قائماً على نظام "الرعاية"، حيث يقدمون الخدمات والحماية لأتباعهم مقابل الولاء والدعم.
يوضح الفصل أن التغيرات البنيوية الكاسحة منذ القرن التاسع عشر، مثل النمو السكاني السريع، والهجرة من الريف، وتحسن الخدمات، أدت إلى إرباك هذا النظام. تضاعف عدد سكان دمشق تقريباً بين عامي 1921 و1945، مما جعل الأحياء مكتظة وفقدتها طابعها الحميمي. كما أدى اتساع الفجوة الطبقية والثقافية بين النخبة المتعلمة ذات المظهر الأوروبي والجماهير التقليدية إلى هجرة العديد من العائلات الثرية والزعماء السياسيين من أحيائهم القديمة إلى الضواحي الحديثة في الشمال الغربي. يذكر الفصل أن ثمانية من كل عشرة من الزعماء الوطنيين الرئيسيين، مثل جميل مردم وشكري القوتلي، غادروا أحياءهم الأصلية بحلول أواسط الثلاثينات، بينما بقي آخرون مثل فخري البارودي ونسيب البكري، لأسباب سياسية واستراتيجية.
يحلل الفصل بعد ذلك كيفية تشغيل "الماكينة السياسية" للكتلة الوطنية في هذا السياق المتغير. لم يعد بإمكان الزعماء الوطنيين الاعتماد فقط على الوجهاء التقليديين (التجار والقادة الدينيين) لتنظيم الأحياء، لأن هؤلاء أنفسهم بدأوا يبتعدون عن العامة. لذلك، برز دور "الوسطاء" الجدد وفي مقدمتهم شخصيتان: القادة الدينيون الذين حافظوا على نفوذهم بين الأميين، وخصوصاً شخصية "القبضاي".
يخصص الفصل قسماً كبيراً لشرح شخصية القبضاي، وهو زعيم العصابة المحلية الذي يمثل القوة والحماية في الحي. من خلال سرد السيرة المهنية لشخصية بارزة هي أبو علي الكيلاوي، يوضح الكاتب كيف يمكن لشخص من أصول متواضعة أن يرتقي ليصبح رجل قوة في حيه، وذلك من خلال القوة الجسدية، والمهارة في الفنون الحربية (المصارعة والمبارزة)، وبناء سمعة الشرف والكرم، وأداء دور القاضي غير الرسمي في النزاعات. كان القبضاي حلقة وصل حيوية بين الزعيم الوطني ("البك") والجماهير الشعبية، حيث كان ينفذ تعليمات مثل تنظيم التظاهرات والإضرابات مقابل ضمان الدعم والحماية، وغالباً دون أجر مادي مباشر حفاظاً على صورته المثالية. لكن الفصل يعترف أن هذه الصورة كانت مثالية، وأن بعض القبضايات انتهكوا هذه القاعدة الأخلاقية.
على الجانب الآخر من المعادلة، ظهرت قوة اجتماعية جديدة خارج الأحياء التقليدية: الطبقة الوسطى المهنية المتعلمة (المحامون، الأطباء، الصحفيون، المعلمون). يجادل الفصل أن هذه الطبقة أصبحت في الثلاثينات ذات تأثير حاسم في الحياة السياسية، وذلك بفضل تطور التعليم العلماني الحديث الذي تضاعف عدد طلابه بين عامي 1924 و1938، ووجود بعثات دراسية إلى فرنسا. كانت ولاءات هذه الطبقة للأمة والدولة وليس للحي أو العائلة، مما جعلها جمهوراً حيوياً للكتلة الوطنية. برزت شخصيات مثل فخري البارودي الذي أسس تنظيم "الشباب الوطني" عام 1931 لاستقطاب هذه الطاقات، ومثل محمود البيروتي الذي كان محله للحلوى بمثابة ملتقى للطلاب النشطين سياسياً، بعيداً عن رقابة الأحياء التقليدية.
يختم الفصل بالإشارة إلى أن الأحياء الشعبية مثل حي الميدان وحي الأكراد ظلت عصية على السيطرة الكاملة للكتلة الوطنية. ففي الميدان، حالت التوترات الاجتماعية والفقر وتعدد الأصول دون تشكل قيادة سياسية موحدة، مما جعله عرضة لتأثير قوى أخرى مثل الجمعيات الإسلامية أو الأحزاب الراديكالية كالحزب الشيوعي وحزب البعث الوليد. هذه الملاحظة تمثل تحفظاً مهماً من المؤلف بأن التحول لم يكن متجانساً في جميع أجزاء المدينة.
باختصار، يقدم الفصل صورة دقيقة لعملية انتقالية معقدة، حيث لم تختفِ الأحياء التقليدية بل تراجع دورها، بينما صعدت مؤسسات وطبقات جديدة وفاعلون جدد (القبضايات من ناحية، والطبقة الوسطى المتعلمة من ناحية أخرى)، ليعيدوا تشكيل خريطة السلطة السياسية في دمشق تحت الانتداب الفرنسي.
12.اختبارات دستورية371–391▼ ملخص
يُركز هذا الفصل على الفترة المضطربة من تاريخ سوريا بين عامي 1928 و1929، والتي تميزت بمحاولات فرنسية لترسيخ الانتداب عبر انتخابات وصياغة دستور، وكيف واجهت الحركة الوطنية السورية هذه المحاولات. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن السياسة الفرنسية، القائمة على "فرق تسد"، فشلت في احتواء القومية العربية، رغم نجاحها المؤقت في خلق الانقسامات وإطالة أمد الاحتلال.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من تعيين الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً لحكومة مؤقتة في شباط 1928، خلفاً لـأحمد نامي. يصفه المؤلف بأنه شخصية انتهازية وماكرة، استغل شعبية والده الدينية لتحقيق أهدافه الشخصية، وكان مثالاً للسياسي المتعاون مع الفرنسيين مع الحفاظ على غطاء من الوطنية. شكل تاج الدين حكومة ضمت وجوهاً قديمة وجديدة، مثل جميل الألشي ومحمد كرد علي وتوفيق شامية، وسيطر عليها مع واثق المؤيد "ترويكا" لمدة عامين ونصف. ويصف الفصل فساد حكومة تاج الدين ومحسوبيتها، خاصة تجاه علماء الدين من دمشق، على حساب شخصيات من مدن أخرى.
ثم ينتقل الفصل إلى انتخابات الجمعية التأسيسية في نيسان 1928، والتي جرت تحت إشراف حكومة تاج الدين. ورغم محاولات الحكومة التدخل باستخدام المال العام والرشاوى، حقق الوطنيون فوزاً كبيراً في دمشق بحصولهم على 7 مقاعد من أصل 9. لكن الفرنسيين لم يكونوا منزعجين من النتيجة الإجمالية، لأنهم ضمنوا انتخاب مجموعة كبيرة من "المعتدلين" من المناطق الريفية ولواء الإسكندرون.
عند افتتاح الجمعية في 4 حزيران 1928، ساد توتر شديد بين نواب الكتلة الوطنية العلمانيين والحضريين وبين الأعيان الريفيين المحافظين. وعلى عكس التوقعات الفرنسية، فرض الوطنيون سيطرتهم بفصاحتهم وتنظيمهم، فانتخبوا هاشم الأتاسي رئيساً للمجلس وإبراهيم هنانو رئيساً للجنة صياغة الدستور. وهكذا تحولت الجمعية إلى هيئة معارضة للحكومة الفرنسية.
لمواجهة هذا التيار، حاول المندوب السامي هنري بونسو إحياء "مسألة العرش السوري" بهدف تقسيم الوطنيين. أرسل الملك فيصل مبعوثيه رستم حيدر ونوري السعيد وياسين الهاشمي لاستكشاف الموقف، لكن الفكرة لاقت رفضاً من الكتلة الوطنية الجمهورية بطبعها، والتي خشيت من أن يكون الملك أداة في أيدي الفرنسيين. دعم الفكرة فقط بعض رجال الدين والضباط المتقاعدين، مما اضطر بونسو للتخلي عنها.
صاغت الجمعية التأسيسية دستوراً من 115 مادة في أقل من شهرين، مستوحى من الأنظمة الديمقراطية الأوروبية. كان الدستور حديثاً ومصقولاً، لكنه تضمن ست مواد خلافية أعلنت سورية دولة موحدة تشمل لبنان وشرق الأردن وفلسطين، وأكدت سيادتها التامة بما فيها حقها في جيش وطني وسلطات واسعة لرئيس الجمهورية. تفاجأ بونسو برد فعل باريس الغاضب، حيث تعرض لضغوط من اللوبي الاستعماري واليمين الفرنسي. في آب 1928، أعلن موغراس رفض فرنسا لهذه المواد، مما أدى إلى أزمة. رفضت الجمعية التنازل، ورد بونسو بتأجيل جلساتها في 11 آب، ثم تعطيلها إلى أجل غير مسمى في 5 شباط 1929.
بعد تعطيل الدستور، عاد بونسو إلى سياسة التجاهل والبرود، ونقل السلطة في دمشق إلى المندوب سولومياك، المعروف بمهارته في التفتيت. هدأت الحركة الوطنية مؤقتاً وركزت على بناء تنظيمها الداخلي. في هذا السياق، أثارت أحداث فلسطين في آب 1929 مشاعر قومية، لكن قادة الكتلة الوطنية فضلوا ضبط الجماهير خوفاً من تعقيد موقفهم مع البريطانيين. استمرت المفاوضات الخجولة مع بونسو دون جدوى، مما مهد الطريق لفترة من الجمود السياسي.
يقر المؤلف بحدود تحليله، حيث يشير إلى أن الفشل الفرنسي يعود جزئياً إلى "أخطاء تكتيكية وحسابات سياسية مغلوطة" من قبل بونسو، وأيضاً إلى الصراع الأوسع داخل فرنسا حول هويتها الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مستقبل الدستور والحكم الذاتي، ويوضح أن الانقسامات بين الوطنيين والمتعاونين مع الانتداب كانت عميقة ومعقدة، مما يجعل أي تقييم أخلاقي مبسط غير دقيق.
13.الطريق الوعر إلى البرلمان391–423▼ ملخص
ملخص الفصل: «الطريق الوعر إلى البرلمان»
يُعالج هذا الفصل مرحلة سياسية حافلة بالتوتر والصراع في سورية تحت الانتداب الفرنسي، ويركز على مسار الانتخابات البرلمانية التي جرت في 1931-1932، والطريق المتعرج الذي سلكته الكتلة الوطنية في محاولتها تحقيق مكاسب سياسية وسط ضغوط فرنسية وانقسامات داخلية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الفترة كشفت عن محدودية الاستراتيجية المعتدلة للكتلة، وعن استعداد الفرنسيين لاستخدام كل الوسائل القمعية والتلاعبية للحفاظ على هيمنتهم، مما عمّق الشرخ بين الفصائل الوطنية المختلفة.
يسير الفصل عبر عدة مسارات مترابطة. يبدأ بوصف حالة الجمود السياسي في أعقاب فشل المفاوضات بين هاشم الأتاسي والمندوب السامي هنري بونسو. فبينما كانت الكتلة الوطنية تسعى إلى عقد "اتفاقية فرنسية-سورية" تُشبه الاتفاقية الأنكلو-عراقية، كان بونسو يماطل أو يرفض تقديم تنازلات جوهرية. يوضح الكاتب أن أحداثاً خارجية مثل التوتر في فلسطين عام 1929 زادت الضغط على الوطنيين، حيث خشي قادة الكتلة من أن تؤدي التظاهرات ضد البريطانيين إلى إضعاف أي دعم بريطاني مستقبلي ضد الفرنسيين، مما أظهر أولوياتهم المحلية الضيقة أحياناً.
ثم ينتقل الفصل إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية التي فاقمت الاحتقان: إضراب عمال النسيج في دمشق وحلب وحمص وحماة احتجاجاً على انخفاض الأجور والضرائب الجديدة كضريبة "الدخولية"، وأزمة البطالة وتراجع الحرف التقليدية. يلفت المؤلف إلى أن هذه الإضرابات كانت غالباً ما تُحتوى من قبل اتحادات يرأسها أنصار للكتلة الوطنية، مما أبطأ تطور الصراع الطبقي وأبقى الجبهة موحدة ضد الهيمنة الفرنسية الاقتصادية.
وبالتوازي، يأخذ الفصل منعطفاً دراماتيكياً بطرح مسألة "العرش السوري" مجدداً. يتحرى الكاتب كيف استخدم الفرنسيون هذا الملف كورقة ضغط وإرباك، ففتحوا باب التكهنات حول إمكانية تنصيب ملك هاشمي (فيصل أو أخيه علي). يصف الفصل الانقسامات العميقة التي أحدثتها هذه القضية داخل الحركة الوطنية: انقسم الوطنيون إلى أربع جماعات على الأقل، منها من كان جمهورياً مخلصاً (كتلة دمشق) ومنها من كان ملكياً مؤيداً للوحدة مع العراق (مجموعة شكيب أرسلان وشكري القوتلي)، مما أضعف الموقف الموحد ضد الانتداب.
يتوج الفصل بوصف تفصيلي لاستراتيجية الفرنسيين الانتخابية القائمة على "البِي والتمزق". فقد استخدم المندوبون الفرنسيون، كـ سولومياك في دمشق ولافاستر في حلب، تكتيكات قذرة: التلاعب بتقسيم الدوائر الانتخابية، حشو صناديق الاقتراع، ترهيب الناخبين، واستمالة الأقليات كالمسيحيين والأرمن. يورد الكاتب أمثلة صارخة على التزوير في دوما وحماة، حيث حوّل الوطنيون غضبهم إلى أعمال شغب قمعت بعنف، مما أدى إلى مقتل وجرح العشرات وتعليق الانتخابات في بعض المناطق.
في النهاية، ينجح الفرنسيون في إيصال لائحة "الدستوريين الليبراليين" الموالية في حلب، بينما تحقق الكتلة فوزاً محدوداً في حمص بفضل نفوذ الأتاسي. يقرّ المؤلف بتحفظات مهمة: فالكتلة الوطنية نفسها كانت منقسمة وغير متحمسة للانتخابات في البداية، وقادتها مثل جميل مردم اتهموا بالبراغماتية المفرطة. كما أن نجاح لافاستر في حلب جعله يحظى بتقدير في باريس أكثر من سولومياك الذي فضّل التسوية. ويظل السؤال مفتوحاً حول جدوى استراتيجية "التعاون المشرف" التي انتهجتها الكتلة.
إن حجج الفصل قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بتقييم دور الكتلة الوطنية: هل كانت حقاً ممثلاً للشعب أم أنها ساهمت في إطالة أمد الانتداب بقبولها قواعد اللعبة التي وضعها الفرنسيون؟ وهل كان انشغالها بالمسائل السياسية الشكلية على حساب القضايا الاجتماعية والاقتصادية سبباً في فقدان دعم القواعد الشعبية؟ يبدو من النص أن المؤلف يميل إلى رؤية نقدية للكتلة، معترفاً بحدودها وضعفها التنظيمي أمام آلة الانتداب القمعية.
14.فشل الدبلوماسية423–447▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على فشل الدبلوماسية الفرنسية السورية في تحقيق تسوية سياسية خلال الفترة من عام 1932 إلى أوائل 1934، ويقدّم إجابة واضحة مفادها أن هذا الفشل ناتج عن انقسامات عميقة داخل الحركة الوطنية السورية، وتشدد السياسة الفرنسية، والأزمة الاقتصادية الخانقة، مما حال دون إبرام اتفاقية تمنح سورية استقلالاً حقيقياً.
يبدأ الفصل بوصف مشهد افتتاح البرلمان السوري في 7 حزيران/يونيو 1932، في خضم احتجاجات شعبية وأجواء أمنية مشددة، حيث أعاق النواب الوطنيون الجلسة بالخطابات والهرج. يكشف الفصل هنا عن التلاعب الفرنسي بالعملية السياسية من خلال تزوير الانتخابات وإقصاء الوطنيين الحقيقيين، حيث تمكن مرشح الفرنسيين صبحي بركات من الفوز برئاسة المجلس بعد انسحاب مرشح الكتلة الوطنية. ثم يُظهر الفصل عمق التدخل الفرنسي في انتخاب أول رئيس للجمهورية السورية، محمد علي العابد، في 11 حزيران/يونيو، بعد أن قام المندوب السامي سولومياك بصفقة سرية مع الكتلة الوطنية لدعم العابد مقابل منح وزراء الوطنيين مظهر رسلان وجميل مردم حقائب وزارية مهمة في حكومة حقي العظم. يدلل الكاتب على ذلك بتعيين الناسخ لأعضاء الحكومة من قبل المسؤولين الفرنسيين بونسو وسولومياك، مما يظهر الطابع الهش لسيادة الدولة الوليدة.
يتوقف الفصل عند شخصية الرئيس محمد علي العابد، ويصفه بأنه أرستقراطي عثماني قديم، غني ومتهم بحب فرنسا، ويعيش منعزلاً في قصره، مما يجعله رمزاً للنخبة المنفصلة عن نبض الشعب. هذا يوضح كيف أن الفرنسيين فضّلوا رئيساً ضعيفاً غير وطني يسهل التحكم به. ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن حالة من الجمود السياسي طوال عام 1933، حيث تفاقمت الأزمة الاقتصادية العالمية في سورية، مما أدى إلى إضرابات واحتجاجات، خاصة في حلب بسبب رسوم جمركية منخفضة على السلع اليابانية. في هذه الأثناء، تبرز انقسامات الكتلة الوطنية بين تيار «التعاون المشرف» بقيادة جميل مردم والذي يؤمن بالتفاوض مع فرنسا، وتيار متشدد بقيادة إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي يرفض أي تنازل قبل الاعتراف باستقلال سورية ووحدتها.
بعد عودة بونسو إلى سورية في تشرين الأول/أكتوبر 1932، يبدأ مسار المفاوضات الفعلية. يقدم الفصل تفاصيل خطاب المندوب السامي في جنيف أمام عصبة الأمم في كانون الأول/ديسمبر، والذي أثار غضب الوطنيين لرفضه الاعتراف بالكتلة الوطنية كممثل شرعي، وإصراره على تقسيم سورية إلى «منطقة معاهدة» (سورية) و«منطقة انتداب» (لبنان والعلويين والدروز)، متجاهلاً بذلك مبدأ الوحدة السورية. هنا يُظهر الفصل كيف أن التناقض بين تصريحات بونسو في دمشق ومواقفه في جنيف كشف عن نوايا فرنسا الحقيقية غير الجادة في منح الاستقلال. هذا الموقف أدى إلى أزمة في الكتلة الوطنية، حيث كاد جميل مردم أن يمضي في مفاوضات سرية مع الفرنسيين، لكنه اضطر للاستقالة في نيسان/أبريل 1933 لإرضاء المتشددين.
يُظهر الفصل أن استقالة مردم لم تغير شيئاً، بل استمرت المناورات العقيمة. في تشرين الثاني/نوفمبر 1933، توصل المندوب السامي الجديد كونت دو مارتل إلى اتفاقية مع حقي العظم، لكنها كانت اتفاقية هزيلة من وجهة نظر الوطنيين، إذ لم تتضمن وحدة سورية ومنحت فرنسا نفوذاً واسعاً على الشؤون العسكرية والمالية والقضائية. وعندما عُرضت الاتفاقية على البرلمان في كانون الأول/ديسمبر، تمكن الوطنيون من الحصول على أغلبية لرفضها، ليقوم مارتل بتعليق جلسات المجلس. يخلص الفصل إلى النتيجة الحتمية: معاهدة ميتة ومأزق سياسي كامل، وكان مارتل قد غادر إلى فرنسا في إجازة بعد شهرين فقط من وصوله.
يختتم الفصل بوصف الكساد الاقتصادي الكبير الذي ضرب سورية بين عامي 1930 و1934، والذي شكل الخلفية المأساوية للفشل السياسي. يذكر الكاتب أرقاماً مروعة: نسبة البطالة وصلت إلى 15%، وانخفاض قيمة الصادرات إلى النصف، وإفلاس مئات المؤسسات التجارية. ورغم محاولات التخفيف الساذجة مثل حظر لعبة «اليو-يو»، فإن الأزمة كانت عميقة ومعقدة، مما زاد من سخط الشعب وأضعف أي حكومة أو كيان سياسي. يوضح الفصل أن هذا الانهيار الاقتصادي جعل المهمة مستحيلة على أي مفاوض، سواء كان وطنياً معتدلاً أو فرنسياً متعاطفاً.
في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً مقنعاً لفشل الدبلوماسية، معتمداً على سرد تفصيلي للأحداث والأشخاص. لكنه يبرز أيضاً انقسامات حادة داخل المعارضة الوطنية، مما يجعل القارئ يتساءل عن مدى واقعية مطالب المتشددين الذين كانوا يرفضون أي تنازل، مقابل رغبة المعتدلين في التعاون مع فرنسا. هذا التوتر الداخلي، إلى جانب تعنت الإدارة الاستعمارية الفرنسية وتقلبات السياسة في باريس، والأزمة الاقتصادية العالمية، كلها عوامل جعلت من المستحيل تحقيق أي تقدم حقيقي نحو الاستقلال خلال هذه الفترة الحرجة.
15.التجذير447–486▼ ملخص
يبدأ الفصل بوصف الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت بسوريا خلال فترة الكساد الكبير في أوائل الثلاثينيات. يوضح المؤلف أن الصادرات السورية الرئيسية انخفضت بشكل حاد، حيث تراجع الصوف بنسبة 85% والحرير الخام بنسبة 48% والمنسوجات المصنوعة محلياً بنسبة 51%. في المقابل، ارتفعت الواردات الزراعية بين عامي 1929 و1933 بنسبة 19% بينما انخفضت الصادرات الزراعية التي كانت تشكل عادة ثلاثة أرباع إجمالي الصادرات. ويؤكد أن الكساد لم يقلل من السيطرة الاقتصادية الفرنسية، لأن الليرة السورية كانت مربوطة بإحكام بالفرنك الفرنسي، مما ترك للاقتصاد السوري هامشاً ضيقاً للتنمية المستقلة.
يتناول الفصل الأزمة المناخية التي تلت الكساد، واصفاً جفافاً قاسياً في خريف 1932 أدى إلى نزوح جماعي للفلاحين من حوران وغيرها من المناطق الزراعية نحو دمشق. يصف نصاً غير عادي أصدرته وزارة الداخلية، بتحريض من مفتي دمشق، حظر لعبة "اليو-يو" للأطفال متهماً إياها بالتسبب في القحط، وهو ما يظهر حالة من اليأس والخرافة. ويذكر أن الجفاف قضى على الناس والبهائم، واضطرت الحكومة لإرسال المياه بالقطار مرتين أسبوعياً، وباعت المياه بسعر 2 جنيه استرليني لكل 15 طناً. ويوثق تدهور أوضاع البدو الذين اضطروا لبيع بناتهم كخادمات، وانخفاض سعر الدواجن بسبب نقص العلف، وتراجع محصول القمح بنسبة 50% في بعض المناطق مثل حوران بين عامي 1930 و1934. يضيف أن صقيعاً ورياحاً عاتية في آذار 1933 أتلفت أشجار المشمش في الغوطة والقلمون.
ينتقل الفصل إلى تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية نتيجة للأزمة، حيث تزايدت حوادث قطع الطرق واللصوصية. ويذكر إضراباً لأصحاب مطاحن الدقيق في حي الميدان بدمشق في 8 آذار 1933 ضد تخفيض رسوم استيراد الدقيق. ويورد مصدراً من الصندوق القومي اليهودي يفيد بأن نحو 76,000 حوراني تركوا أراضيهم، توجه 740 منهم إلى فلسطين. لكن الأزمة السياسية الأكثر خطورة في عام 1933 كانت أزمة ثقة بـ الكتلة الوطنية، التي أخفقت في تحقيق تقدم سياسي حاسم أو تقديم برنامج إصلاح اجتماعي أو اقتصادي لمواجهة هذه القضايا الحادة.
في صميم الفصل، يروي المؤلف قصة انعقاد مؤتمر سري في بلدة قرنايل اللبنانية في آب 1933، واصفاً إياه بأنه أهم اجتماع للعروبيين الراديكاليين في فترة ما بين الحربين. كان المؤتمر قد حضرته نخبة من نحو 20 قومياً عربياً من جميع أنحاء المشرق العربي، منهم من العراق وفلسطين وشرق الأردن. أسفر المؤتمر عن تأسيس تنظيم سياسي جديد هو "عصبة العمل القومي"، واتخذ من دمشق مركزاً له. يشرح الفصل أن مصطلح "قومي" في اسم العصبة كان يعني الولاء للأمة العربية جمعاء، وهو ما يميزها عن "الوطنية" التي كانت ترمز للارتباط ببلد محدد.
يتتبع الفصل جذور مؤتمر قرنايل إلى خريف 1929، حيث التقى ثلاثة شبان في جنيف هم: فريد زين الدين (طالب اقتصاد من أصل لبناني درزي)، درويش المقدادي (مدرس فلسطيني)، ونافع شلبي (حلبي). أسسوا تنظيماً سرياً اسمه "جمعية التحرير العربية" بهدف إقامة علاقات بقادة عرب، وإنشاء فروع سرية، وتشكيل تنظيمات جبهوية. وكان من بين من سعت الجمعية للتواصل معهم شكري القوتلي وياسين الهاشمي. اعتمدت الجمعية على نظام الخلايا السرية المستلهم من تنظيم الحزب الشيوعي الأوروبي، حيث لا يعرف أعضاء خلية ما أعضاء الخلايا الأخرى. بحلول عام 1933، كان التنظيم قد اخترق جماعة "الأهالي" في العراق و**"حزب الاستقلال"** في فلسطين.
يحلل الفصل البنية الاجتماعية لعصبة العمل القومي مقارنة بالكتلة الوطنية. يوضح أن قادة العصبة كانوا أصغر سناً بكثير (متوسط العمر 29 عاماً مقابل 49 عاماً لقادة الكتلة)، وأكثر تعليماً في أوروبا أو في الجامعة السورية، وكانوا في الغالب محامين وأساتذة من الطبقة المهنية المتوسطة، ويعتمدون على رواتبهم. في المقابل، كان قادة الكتلة من كبار ملاك الأراضي، وتلقى نصفهم تعليمه في إسطنبول، وكان معظمهم يعيشون على إيرادات الزراعة والإيجارات. يصف الفصل محاولة العصبة تنظيم نفسها كحزب حديث ببرنامج سياسي وصحيفة أسبوعية تدعى "العمل القومي"، لكنه يؤكد أنها بقيت نخبوية ومنظمة بشكل جيد في المدارس الحكومية والجامعة والكشافة، لكنها فشلت في بناء علاقات وثيقة مع تجار السوق والعمال والريف.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن الانتشار الجغرافي للعصبة، مسلطاً الضوء على نجاحها في حمص وحماة وتحدياتها في حلب. في حمص، استفادت العصبة من دعم عائلة الأتاسي ومن تحالفها مع الجالية المسيحية الأرثوذكسية التي تضررت اقتصادياً من انهيار الإمبراطورية العثمانية والكساد. في حماة، تركز النشاط حول "التجهيز" والكشافة. أما في حلب، فقد أحكم إبراهيم هنانو قبضته على الحركة الوطنية ومنع العصبة من تأسيس قاعدة لها، بسبب مخاوفه من ميلها الوحدوي المؤيد لهاشميي العراق. في مدن أخرى مثل دير الزور وأنطاكية، كانت فروع العصبة أصغر حجماً وأقل تأثيراً.
يسلط الفصل الضوء على دور الحركة الكشفية والمدارس الحكومية، وخاصة مدرسة "التجهيز" في دمشق، في صقل قادة جدد. يذكر أن مدرسة عنبر (التي أصبحت التجهيز لاحقاً) كانت مركزاً رئيسياً للنشاط الوطني، وأن أساتذتها زرعوا المثل القومية العربية في نفوس الطلاب. يصف الفصل الصراع بين قادة الحركة الكشفية المرتبطين بالعصبة، مثل علي عبد الكريم الدندشي وأحمد الشهابي ورشدي الجابي، وقادة الكشافة الموالين للكتلة الوطنية، مثل محمود البيروي. يظهر هذا الصراع من خلال رمزية اللباس، حيث استبدل أعضاء العصبة الطربوش (رمز الكتلة) بالكوفية أو القبعة "الفيصلية" العراقية. يوضح الفصل أن "التجهيز" وكلية الحقوق كانتا الميدان الرئيسي لهذا التنافس بين جيل سياسي جديد وجيل الكتلة الوطنية الأكبر سناً والأكثر ارتباطاً بالنظام القديم.
16.أزمات قبل العاصفة487–510▼ ملخص
بدأ الفصل بالتركيز على تحولات الكتلة الوطنية بقيادة جميل مردم، الذي سعى لتوسيع قاعدته السياسية عبر ضم شخصيات شابة مثقفة إلى تنظيم "الشباب الوطني". كان من أبرز هؤلاء سيف الدين المأمون (من مواليد 1905، وهو من أسرة موظفين عثمانية متوسطة، وحاصل على الدكتوراه من باريس) ومنير العجلاني (من أسرة أرستقراطية ثرية، درس في باريس ونُفي إلى سويسرا لتوزيعه منشورات ضد السياسة الفرنسية، وحصل على الدكتوراه في القانون الدستوري عاماً). أراد مردم من استقطاب هؤلاء المثقفين تجميل صورة "الشباب الوطني" وتعزيز نفوذه، لكنه ظل يحافظ على مسافة طبقية عنهم، معتمداً على المحسوبية والاتصالات الشخصية كوسيلة للربط السياسي، بدلاً من إشراكهم في صنع القرار الحقيقي. في الوقت نفسه، برزت فرقة ميسلون الكشفية بقيادة مدحت البيطار، والتي تحولت إلى ذراع سياسية نضالية للتنظيم، مما زاد من احتكاكه مع الفرق الأخرى مثل فرقة الغوطة.
تحت قيادة العجلاني، الذي تأثر بالحركات اليمينية والتنظيمات شبه العسكرية في أوروبا (مثل القمصان السود في إيطاليا والقمصان البنية في ألمانيا)، بدأ "الشباب الوطني" يتحول نحو أسلوب أكثر انضباطاً وسلطوية. حصل التنظيم على دعم مالي من تجار مرموقين مثل توفيق القباني وأمين الدالاتي، واجتذب عناصر من الطبقة المثقفة الجديدة الذين كانوا يشعرون بالإحباط من فشل عصبة العمل القومي في تقديم حلول عملية لحركة الاستقلال. من بين المنضمين الجدد بحلول 1928 شخصيات مثل عبد الوهاب الوكيل (مهندس) وشفيق جبري (صحفي وشاعر) وأحمد السمان (محامٍ حاصل على الدكتوراه من باريس) ومظهر البكري (المهندس الزراعي الذي درس في غرينوبل). كان البكري محورياً، إذ سبق له خلال الثورة السورية الكبرى (1925-1927) أن أقام اتصالات مع الحزب الشيوعي الفلسطيني وشارك في مؤتمر "العصبة المناهضة للإمبريالية" في بروكسل (شباط/فبراير 1928) بدعم من الكوميترن، لكن اتصالاته مع عائلات ملاكين كبار موالية لبريطانيا في بغداد، إلى جانب صفقة إخوته مع الفرنسيين للعودة إلى سوريا، جعلت القوميين العرب يرتابون فيه، مما دفعه للعودة إلى التيار الرئيسي للكتلة الوطنية في مطلع الثلاثينيات.
تناول الفصل التحول في السياسة الفرنسية في 1933-1934، حيث صعدت من موقفها المتشدد بعد رفض السوريين للمعاهدة، متأثرة بتغيرات سياسية في باريس (سقوط حكومتي شوتان ودالادييه في مطلع 1934). أمر الكونت دو مارتل، المندوب السامي، بتعليق البرلمان ستة أشهر وإبعاد حكومة حقي العظم، واختار الشيخ تاج الدين الحسني (الذي كان يوصف بـ"الخيانة") لتشكيل حكومة جديدة في 17 آذار/مارس 1934، ضمت شخصيات مثيرة للجدل مثل جميل الألشي وحسني البرازي وعطا الأيوبي. استمرت حكومة تاج الدين عامين، وتجاهلت المطالب الوطنية، مما أثار احتجاجات واسعة؛ ففي أول زيارة رسمية لتاج الدين إلى حلب، اعتقل 184 شخصاً، بينهم زعماء الكتلة سعد الله الجابري والدكتور حسن فؤاد إبراهيم باشا والشيخ عبد القادر السرميني، وحكم على 40 منهم بالسجن.
مع تعطيل البرلمان إلى أجل غير مسمى في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1934، ردت الكتلة الوطنية بتشكيل "لجنة الدفاع عن المؤسسات البرلمانية" وإصدار بيان شديد اللهجة احتجاجاً على "دكتاتورية فرنسا". في هذا السياق، عاد جميل مردم من باريس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر بعد مهمة استطلاعية فاشلة، واعتذر عن انحرافه السابق، ثم قاد مع زملائه مسيرات صامتة شاركت فيها نساء محجبات لأول مرة بشكل فاعل. اتجهت الكتلة نحو سياسة المواجهة المدروسة، وبدأت تستخدم خطاباً أكثر حدة ضد المسؤولين الفرنسيين، الذين وُصفوا بالفساد وعدم الكفاءة.
برزت قضية فلسطين كاختبار حقيقي لهذا التوجه الجديد. تفاقمت أزمة بيع الأراضي للصهاينة في 1934-1935، وأبرزها بيع عائلة آل اليوسف (أكبر عائلة ملاكين في دمشق) لأراضيها الشاسعة في البطيحة (على شاطئ بحيرة طبريا) للصندوق القومي اليهودي. كان محمد سعيد اليوسف قد راكم ديوناً طائلة بين 1927 و1935 (بسبب الكساد وانهيار أسعار الغذاء وقحط 1930-1931)، وأصبحت أملاكه مرهونة لمؤسسات مالية مسيحية مثل "بنك أصفر وسارة". عندما هدد البنك بحجز ممتلكاتهم، فكر آل اليوسف في البيع، مما أثار صيحات استنكار في دمشق. في شباط/فبراير 1934، بدأ تجار دمشق مقاطعة المنتوجات الصهيونية، بقيادة أنصار الكتلة مثل توفيق القباني، وتوسعت الدائرة مع أنباء بيع البطيحة. تدخلت المندوبية السامية في 10 آذار/مارس 1934 وأصدرت مرسومين يحظران بيع الأراضي الحدودية للأجانب، بفعل رجعي إلى 18 كانون الثاني/يناير 1934 (قبل توقيع العقد)، لمنع إتمام الصفقة. لكن السوريين لم يثقوا بالفرنسيين، خاصة بعد زيارة حاييم وايزمن لدمشق بعد يومين لإتمام الشراء. أُسست "جمعية لاستغلال قرية البطيحة" و**"الشركة الزراعية السورية المحدودة"** لجمع أموال لشراء الأرض (بقيمة 41,000 ليرة تركية ذهبية ورأس مال 101,000 ليرة)، لكنهما فشلتا بسبب الأزمة الاقتصادية، وحُلت الشركة في نهاية 1935.
ارتبط التوجه العربي الواسع للكتلة الوطنية بفشل استراتيجيتها التفاوضية مع الفرنسيين، مما دفعها لاستخدام القضايا العربية (مثل قضية فلسطين) لتعزيز شرعيتها وكسب تأييد القوى الأكثر راديكالية مثل عصبة العمل القومي. قام قادة سوريون برحلات نشيطة إلى دول عربية في 1934-1935؛ فزار جميل مردم السعودية في آب/أغسطس 1934 لدعم استراتيجيته، بينما سافر هاشم الأتاسي إلى مصر للقاء حزب الوفد، وزار نوري السعيد (وزير الخارجية العراقي) دمشق في نهاية العام مشيراً على السوريين بالتفاهم مع فرنسا. تفاقمت أزمة اللاجئين الآشوريين من العراق في خريف 1933، حيث خشي الوطنيون من تحولهم لطابور خامس، واعترضوا على قرار فرنسا في 1934 بمنحهم الجنسية السورية الكاملة، لكن احتجاجاتهم باءت بالفشل. أيضاً، أثار إعادة احتكار التبغ في 1 آذار/مارس 1933 عبر شركة فرنسية-لبنانية خاصة غضب المنتجين والمستهلكين، وقادت الكتلة حملة ضده، تداخلت مع احتجاجات في لبنان بقيادة البطريرك الماروني عريضة، مما خلق آمالاً بالتقارب الإسلامي-المسيحي ضد الفرنسيين. أخيراً، قادت الكتلة مقاطعة شركة الكهرباء والحافلات الكهربائية في دمشق (صيف 1935) بعد رفع الأسعار، والتي استمرت عدة أشهر وقلصت إيرادات الشركة إلى النصف، مما اضطرها لتسوية في تشرين الثاني/نوفمبر.
اختتم الفصل بوصف الأجواء المشحونة في نهاية 1935، والتي شهدت وفاة اثنين من كبار القادة الوطنيين: عبد الرزاق الدندشي (زعيم عصبة العمل القومي) الذي توفي في 21 آب/أغسطس في حادث، وإبراهيم هنانو (زعيم كتلة حلب) الذي توفي في 21 تشرين الثاني/نوفمبر بعد صراع مع المرض، تاركاً ديوناً طائلة بلغت 12,000 ليرة تركية. شكلت الوفاتان ضربة موجعة للحركة الوطنية. في الوقت نفسه، تصاعد التوتر الدولي مع الغزو الإيطالي لإثيوبيا، مما أثار مخاوف من حرب عالمية جديدة، لكن القوميين العرب لم يثقوا بـموسوليني بسبب سجله الاستعماري في ليبيا وقصف بيروت عام 1912. احتجت الكتلة على تهريب الصهاينة للأسلحة إلى فلسطين وشرائهم حبوباً سورية لصالح إيطاليا، وتأثرت الأوساط التجارية بالاضطراب مع زيادة الطلب على الاعتمادات المالية وارتفاع الأسعار. على المستوى الداخلي، بقيت فرنسا متصلبة في رفض استئناف المفاوضات، والبرلمان معطلاً، وحكومة تاج الدين قائمة، والاقتصاد يعاني من الكساد. أمام هذا الجمود، بدا وكأن بقاء الكتلة الوطنية مرهون بحدث درامي يوحد الصفوف، وأعطت المندوبية السامية هذا العامل بإغلاق مكتب الكتلة في القنوات واعتقال فخري البارودي وسيف الدين المأمون، مما أدى إلى إضراب عام في 10 كانون الثاني/يناير 1936، واندلاع أعمال شغب في دمشق وحلب وحماة وحمص، لتمهّد الطريق لأحداث العاصفة القادمة.
17.الصعود إلى السلطة511–538▼ ملخص
هذا الفصل، المعنون «الصعود إلى السلطة» من كتاب فيليب خوري عن سوريا والانتداب الفرنسي، يتناول بالتفصيل الفترة الحاسمة بين عامي 1936 و1939، والتي شهدت تحولاً جذرياً في ميزان القوى، حيث انتقلت الكتلة الوطنية من كونها حركة معارضة إلى الحكم، مدعومة بإضراب عام شامل ومفاوضات دولية.
يبدأ الفصل بوصف دقيق لإضراب عام بدأ في دمشق في كانون الثاني/يناير 1936، تحول إلى حركة احتجاج واسعة النطاق. يوضح المؤلف كيف أن الشرارة الأولى لم تأتِ من قادة الكتلة الوطنية أنفسهم، بل من الطلاب الراديكاليين المنتمين إلى عصبة العمل القومي وقادة الأحياء الشعبية. اندلعت موجة من التظاهرات والعنف بعد مقتل أربعة متظاهرين، وأدت إلى إغلاق الأسواق واعتقالات جماعية. في حمص وحلب وحماة، قُتل وجُرح العشرات. يُظهر خوري هنا أن الكتلة الوطنية، وعلى رأسها نسيب البكري وهاني جلاد، حاولت في البداية تهدئة الأوضاع، لكنها سرعان ما وجدت نفسها مضطرة لركوب موجة الغضب الشعبي لتجنب فقدان السيطرة. يصف الكاتب موقف الكتلة بأنه «فاتر»، إذ كانت تحاول التفاوض سراً مع الفرنسيين بينما تعلن دعمها للإضراب علناً.
مع اشتداد الأزمة، قام المندوب السامي الفرنسي مارتل بقمع عنيف: فرض القانون العرفي في شباط/فبراير 1936، واعتقل كبار القادة الوطنيين مثل جميل مردم وشكري القوتلي ولطفي الحفار في دمشق وسعد الله الجابري في حلب. لكن هذه الإجراءات لم تكسر الإرادة الشعبية؛ بل على العكس، رفض تجار دمشق بقيادة عارف الحلبوني العودة إلى العمل. في النهاية، وبسبب ضغوط سياسية من الحكومة الفرنسية الجديدة في باريس، اضطر مارتل إلى التراجع، وتم تشكيل حكومة انتقالية برئاسة عطا الأيوبي، وهو وجه دمشقي محترم. تم الإفراج عن المعتقلين، وأعلنت الكتلة الوطنية رسمياً إنهاء الإضراب الذي دام 54 يوماً في آذار/مارس 1936.
يسجل الفصل أن هذا الإضراب كان أكبر انتصار للكتلة الوطنية حتى ذلك التاريخ. وتمكنت الكتلة من تحويل استراتيجيتها التي كانت تسمى «التعاون المشرف» إلى أداة ناجحة للوصول إلى السلطة، مما مهد الطريق لإرسال وفد سوري إلى باريس للتفاوض على معاهدة. في المقابل، يكشف كاتب الكتاب عن التكلفة الباهظة لهذا الإضراب على الاقتصاد السوري، بما في ذلك ارتفاع الأسعار والبطالة ونقص السيولة، وهو ما كان على الكتلة إدارته لاحقاً.
ينتقل الفصل إلى وصف مفاوضات باريس التي بدأت في نيسان/أبريل 1936. واجه الوفد السوري برئاسة هاشم الأتاسي وجميل مردم مقاومة شديدة من الجانب الفرنسي، خاصة في ما يتعلق بوضع مناطق العلويين وجبل الدروز. كان التحول الحاسم هو فوز الجبهة الشعبية اليسارية في فرنسا بقيادة ليون بلوم في الانتخابات، مما أدى إلى تعيين مفاوض فرنسي جديد هو بيير فينو، الذي كان أكثر مرونة وأقل تشدداً من سلفه. بحلول أيلول/سبتمبر 1936، تم التوقيع على معاهدة فرنسية-سورية تعد بالسيادة لسوريا مقابل تحالف وتعاون عسكري مع فرنسا، ولكن مع بقاء مناطق الحكم الذاتي للأقليات تحت إشراف فرنسي لخمس سنوات. يوضح خوري أن هذه المعاهدة حظيت باحتفالات شعبية هائلة لدى عودة الوفد إلى سوريا، وتبعتها انتخابات عامة في تشرين الثاني/نوفمبر أسفرت عن فوز ساحق للكتلة الوطنية، لتتشكل أول حكومة وطنية برئاسة جميل مردم.
ومع ذلك، لا يخفي الفصل التحديات الجمة التي واجهها الوطنيون فور توليهم الحكم. كان أولها: إنشاء قوة شبه عسكرية خاصة بهم وهي «القمصان الحديدية» تحت قيادة فخري البارودي ومنير العجلاني، والتي استلهمت أساليبها من الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية في تنظيم الشباب والانضباط. هذه القوة لعبت دوراً كبيراً في تنظيم الاحتفالات والضغط على الخصوم السياسيين، لكنها أثارت أيضاً نزاعات طائفية، لا سيما في حلب مع ظهور تنظيم مسيحي منافس هو «الشارة البيضاء»، مما أدى إلى اشتباكات دامية في تشرين الأول/أكتوبر.
كما يشير المؤلف بوضوح إلى نقاط الضعف والتناقضات الداخلية. فقد نجح شكري القوتلي في تفكيك عصبة العمل القومي الراديكالية من الداخل، مستقطباً قادتها مثل صبري العسلي إلى الكتلة الوطنية، مما أضعف الحركة المعارضة ولكنه زاد من التوترات حول من يقود الساحة الوطنية فعلياً. وأخيراً، يوثق الفصل الأزمات الاقتصادية والطائفية والسياسية الخانقة التي واجهتها الحكومة الجديدة، مثل رفض البرلمان الفرنسي التصديق على المعاهدة، والانفصالية التركية في سنجق الإسكندرون، والثورة الفلسطينية الكبرى التي عطلت التجارة السورية، وتضخم جراء تخفيض قيمة الفرنك الفرنسي، مما أدى إلى احتجاجات وإضرابات عمالية جديدة.
يمكن القول إن الفصل يقدم حجة واضحة بأن صعود الكتلة الوطنية إلى السلطة لم يكن مجرد انتصار للدبلوماسية الوطنية، بل كان نتيجة لتفاعل معقد بين الضغط الشعبي الجماهيري (الإضراب العام)، والظروف الأوروبية المواتية (صعود الجبهة الشعبية في فرنسا)، والمناورات السياسية الحادة بين النخب السورية نفسها. ويكشف الكاتب عن وجه مزدوج لهذا الصعود: فمن ناحية، حققت الكتلة حلماً تاريخياً بالوصول إلى الحكم، لكنها من ناحية أخرى ورثت بنية دولة هشة اقتصادياً، وانغمست في انقسامات داخلية، وأقامت تنظيماً شبه عسكري كان من الممكن أن يتحول إلى أداة للقمع الداخلي، مما جعل حكمهم توصيفاً دقيقاً لعملية «مشروطة» و«صعبة»، كما يوحي العنوان.