المورد
سورية والانتداب الفرنسي

سورية والانتداب الفرنسي

يوسف الحكيم١ كانون الثاني ١٩٩١arدار النهار للنشر

ملخص كتاب "سورية والانتداب الفرنسي" ليوسف الحكيم

يقدّم يوسف الحكيم في كتابه "سورية والانتداب الفرنسي" شهادةً تاريخيةً مباشرةً عن فترة الانتداب الفرنسي على سورية، من خلال سرد تفصيلي للأحداث السياسية والإدارية التي رافقت تأسيس سلطة الانتداب وتطورها، مركزاً على العلاقة المعقدة بين السلطات الفرنسية والنخب السياسية السورية. الموضوع المحوري للكتاب هو كشف آليات عمل الانتداب الفرنسي، و سياسات التجزئة التي اتبعها، والصراع المحتوم بين الحلم الوطني السوري بالاستقلال والوحدة، ومشروع الهيمنة الاستعمارية الذي حملته فرنسا تحت غطاء الانتداب. يدافع المؤلف عن موقف واضح مفاده أن السوريين كانوا طلاب وحدة واستقلال حقيقيين، وأن الانتداب لم يكن سوى شكل من أشكال الاستعمار، وأن سياسة التجزئة والتفريق بين الطوائف كانت منهجاً فرنسياً متعمداً لإضعاف الحركة الوطنية.

يسير الكتاب عبر سلسلة من الفصول المترابطة التي ترصد المراحل المختلفة للانتداب، بدءاً من لحظة الاحتلال العسكري لدمشق عام 1920 وحتى نهاية العقد الأول من الانتداب. يبدأ المؤلف بتصوير المرحلة الانتقالية المضطربة التي أعقبت سقوط الحكم الفيصلي، حيث اضطرت الحكومة الوطنية المؤقتة برئاسة علاء الدين الدروبي للتعامل مع واقع الاحتلال عبر سياسة التخفيف من وطأته. يصدر رئيس الوزراء بلاغاً في 3 آب 1920 يشرح فيه أن الانتداب، في نظر الحكومة، لا يتجاوز حد المعاونة ولا يمس الاستقلال، وأن الصلح مع فرنسا أقر استقلال سورية ولكنه تضمن أيضاً انتدابها. يورد البلاغ أسباباً أدت إلى تقدم القوات الفرنسية، مثل عرقلة نقل القوات على سكة حديد رياق-حلب، ورفض تداول الورق السوري، والخدمة الإجبارية. يثير هذا الفصل جدلاً حول خطاب رئيس الوزراء الذي مناداته الملك فيصل بـ"الشريف فيصل" دون اللقب الملكي، ووصفه الوطنيين بـ"الدخلاء"، مما أظهر انقساماً بين المعتدلين وغلاة الوطنيين حول كيفية التعامل مع سلطة الانتداب.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تفصيل المرحلة الانتقالية الأكثر اضطراباً، والتي كشفت هشاشة الوضع السياسي وغياب التخطيط الفرنسي المحكم. يصف المؤلف كيف أصدر وزير الدفاع جميل الألشي بلاغاً للتطوع في الجيش السوري، وكيف صدر حكم بالإعدام بحق زعماء الجهاد الوطني من المجلس الحربي الفرنسي في دمشق في شهر آب، ثم سرعان ما صدر عفو عنهم. لكن الحدث الأبرز في هذه المرحلة هو "فاجعة خربة الغزالة" التي وقعت في 18 آب 1920، حين تعرّض الوفد الحكومي المتوجه إلى درعا لإقناع مشايخ حوران بالعدول عن مطالبهم الانفصالية إلى هجوم مسلح، قُتل فيه رئيس الحكومة علاء الدين الدروبي ورئيس مجلس الشورى عبد الرحمن اليوسف. يرى المؤلف أن هذه الفاجعة كانت نتيجة "قلة الخطة" لدى قادة الاحتلال، الذين لم يدركوا النفوذ الهائل للملك فيصل في حوران عندما أمروه بالمغادرة عبر درعا، مما أتاح له إثارة الحماس ضدهم. ويقارن بين جهل الفرنسيين ودهاء الميجر سمرست البريطاني، الذي وجّه أهالي عجلون نحو الالتحاق بمنطقة نفوذه.

مع بدء تنفيذ سياسة التجزئة، يخصص الكتاب فصلاً مهماً لتأسيس "دولة دمشق" في تشرين الثاني، حيث عُيّن حقي العظم رئيساً للحكومة بمعاونة مديرين عامين بدلاً من وزراء. يوثق المؤلف أن تحويل الوزارات إلى مديريات جاء بناءً على رأي حقي العظم وموافقته لتخفيف النفقات. ويسجل تأسيس حزب معارض أطلق عليه اسم "الحزب الوطني السوري"، لكن سخرية الناس أطلقت عليه "حزب الفول" بسبب ضعفه. يورد الفصل جملة من الإجراءات الإدارية المفيدة التي قامت بها حكومة دمشق، منها قرار تشغيل السجناء المحكوم عليهم في أعمال يدوية خارج السجن بأجر، وتأسيس محكمة صلح في درعا لتخفيف مشقة السفر عن القرويين، وزيادة رواتب الموظفين بسبب فرق العملة الورقية عن الذهبية وغلاء المعيشة. ويناقش انقسام الرأي السوري بين تيار يدعم عودة الملك فيصل وآخر يرجح النظام الجمهوري، ليخلص إلى أن أكثرية الرأي العام لم تفتر عن المطالبة بالوحدة السورية أولاً.

يُخصص المؤلف فصلاً كاملاً لدراسة "بلاد العلويين" (منطقة اللاذقية) تحت الانتداب، ويقدم شهادة مباشرة على سياسات العزل والتقسيم الطائفي. يوضح أن المنطقة، التي كان يقطنها حوالي سبعين ألف نسمة في بداية الانتداب، فصلت عن سورية بموجب قرار من المفوض السامي، وأصبحت مقاطعة مستقلة يحكمها قائد عسكري فرنسي. يروي المؤلف بالتفصيل ثورة الشيخ صالح العلي العلوي التي اندلعت في نيسان ووصلت ذروتها بمعركة قرب قلعة المرقب في شهر حزيران، وأسفرت عن إصابة القائدين الفرنسيين مينو وجواني. انتهت هذه الثورة عام 1921 باعتزال الشيخ صالح السياسة والإقامة الجبرية في منطقة الشيخ بدر. وفي صلب الفصل، يروي المؤلف صدامه المباشر مع السلطة العسكرية عندما طلب منه معاون الحاكم إقالة النائب العام بسبب صلاته بالمطران أرسانيوس، فيصف رفضه القاطع لهذا الطلب متمسكاً بحرمة القضاء واستقلاله، ومفضلاً تقديم استقالته على تنفيذ الأمر المخالف للقانون والعدالة.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى الحديث عن "الاتحاد السوري" الذي أعلنه المفوض السامي في 28 حزيران 1922، بتأسيس اتحاد بين دول ثلاث هي: حلب، ودمشق، وبلاد العلويين المستقلة. شكّل المفوض السامي مجلس اتحاد مؤقتاً من خمسة ممثلين عن كل دولة، وانتخب المجلس صبحي بركات رئيساً للاتحاد. قوبل هذا الاتحاد بارتياح من معظم السوريين الذين رأوا فيه خطوة لجمع الشمل، باستثناء الزعيم إبراهيم هنانو وأنصاره. كما أنشأ الاتحاد السوري محكمة تمييز عليا مشتركة بين الدول الثلاث، عُيّن الأستاذ جلال زهدي رئيساً أولاً، ويوسف الحكيم نائباً عاماً. يورد الفصل تفاصيل اتفاقية المصرف السوري التي عُقدت في أول 1922، ومنحت بنك سورية امتياز إصدار النقود الوحيدة في سورية ولبنان وجبل الدروز لمدة خمس عشرة سنة، على ألا تتجاوز قيمة الأوراق النقدية المتداولة عشرين مليون ليرة. ويختتم الفصل بملخص لصك الانتداب الذي أقره مجلس عصبة الأمم في 24 تموز 1922.

يُعد الفصل المخصص للثورة السورية من أهم فصول الكتاب، حيث يتناول الثورة التي انطلقت من جبل الدروز عام 1925، ويقدم المؤلف تفسيراً لمقدماتها وأسبابها، مسارداً تطوراتها من اندلاعها في الجبل إلى امتدادها إلى دمشق وغيرها من المناطق. يبدأ الفصل بنبذة عن تاريخ جبل الدروز، الذي كان في العهد العثماني حصناً للكرامة القومية يديره زعماء من آل أطرش. يخصص المؤلف مساحة للحديث عن شخصية الكابيتين كاربييه، الحاكم العسكري للجبل منذ كانون الأول 1924، الذي أثار سخط الأهالي بسياساته المتعسفة تجاه زعمائهم التقليديين، خصوصاً آل أطرش. يصف المؤلف التفاصيل الدقيقة للقاء وفد مشايخ الجبل بالمفوض السامي الجنرال سراي في بيروت، حيث استقبلهم وقوفاً وأبدى ثقته بكاربييه، مما أثار استياء الوفد لعدم تقديم القهوة كما جرت العادة عند الشرقيين. بعد عودة الوفد، بدأت المعركة في 11 تموز 1925 بكمين نصبه الثوار بقيادة سلطان باشا الأطرش لمفرزة فرنسية في قرية الكفر، فقتلوا معظمهم. يتناول الفصل بعد ذلك حملة الجنرال ميشو لفك الحصار عن قلعة السويداء في 2 آب، حيث نصب الثوار كميناً للفرقة واستولوا على ذخيرتها، وألحقوا بها خسائر فادحة.

بلغت الثورة ذروتها بدخول الثوار دمشق في 18 تشرين الأول، حيث تقدموا من أحياء الميدان والشاغور، واستولوا على مخافر الدرك والشرطة، واقتحموا قصر آل العظم. يسرد الفصل تفاصيل المعركة الرئيسية التي بدأت عند غروب ذلك اليوم، حيث قصفت مدافع الجيش الفرنسي المتمركزة في قلعة دمشق وقلعة المزة مراكز الثوار، ودمرت أجزاء من حي الميدان وأوقعت خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات في حي سيدي قابس. نتيجة لقصف دمشق، ثار احتجاج في فرنسا وأوساط المدنية العالمية، مما أدى لاستدعاء الجنرال سراي في 10 تشرين الثاني 1925 إلى باريس. يخلص الفصل إلى أن خطأ سراي الأكبر كان في انصياعه لمستشاريه، وفي إصداره أمراً بقصف الثوار داخل دمشق.

يقدم المؤلف في الفصل التالي تحليلاً لأسباب الثورة، رافضاً بشدة الادعاءات الفرنسية التي أرجعتها لمؤامرات بريطانية. يرى أن الحقيقة الجوهرية هي أن السوريين كانوا ولا يزالون طلاب وحدة واستقلال، ويقدم أدلة على ذلك بانتشار الثورة من جبل الدروز إلى دمشق وغوطتها بقيادة شخصيات وطنية مثل الدكتور عبد الرحمن شهبندر ونزيه المؤيد وشكري القوتلي وعادل ارسلان، بالإضافة لدور العلماء والشبان المتعلمين والمغتربين السوريين في الأمريكتين. ينتقل بعدها إلى تعيين الكونت هنري دي جوفنيل مكان سراي، الذي أجرى مفاوضات مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني في القاهرة، لكنه لم يستطع قبول شرط جلاء الجيوش الفرنسية خلال ثلاث سنوات. يسرد الفصل محاولات الوساطة لإيقاف الثورة، حيث تقدمت شخصيات سورية بعريضة لتأليف لجنة لمفاوضة سلطان باشا الأطرش، لكن الثوار أعلنوا إصرارهم على مواصلة الثورة حتى تحصل سورية على استقلالها التام.

يُشكّل الفصل المخصص لحكومة الداماد أحمد نامي وثيقةً مهمةً تسجل لحظة مفصلية في تاريخ سورية تحت الانتداب. يتناول الفصل محاولة هذه الحكومة الموالية للكتلة الوطنية تحقيق اختراق دبلوماسي مع سلطة الانتداب عبر التفاوض، بعد فترة مضطربة من الثورة السورية الكبرى. يصف المؤلف كيف أُلفت الحكومة وفق خطة متفق عليها بين الداماد ورجال الكتلة الوطنية، ثم مع المفوض السامي دي جوفنيل، حيث قسمت الوزارات مناصفةً بين وطنيين "متطرفين" وآخرين وُصفوا بأنهم أكثر اعتدالاً. أما البرنامج الحكومي المتفق عليه، فيتضمن دعوة جمعية تأسيسية لوضع دستور، وتحويل الانتداب إلى معاهدة مدتها 30 سنة على غرار المعاهدة البريطانية-العراقية، وتحقيق الوحدة السورية (بين سورية ولبنان واللاذقية واسكندرونة)، وتأليف جيش وطني، وإدخال سورية في عصبة الأمم، وإصلاح النظام النقدي، وإصدار عفو عام، وإلغاء الغرامات الحربية.

يصف الفصل بعدها رحلة المفوض السامي دي جوفنيل إلى باريس في تموز 1926، فيظهر خلافاً واضحاً بينه وبين مندوبه في دمشق بيير اليب. حين اشتكى الوزراء من تدخل المندوب في كل صغيرة وكبيرة، استدعاه المفوض السامي ووبخه أمامهم قائلاً: "هذه الخطة التي تسيرون عليها لا يجوز بقاؤها... يساعدوا على حفظ هيبة هذه الحكومة الحائزة على كامل ثقة فرنسا". بعد سفر دي جوفنيل، خلفه دي ريفي الذي يوصف بالكفاءة. يختتم الفصل بوصف جولتين رئيسيتين قام بهما الداماد أحمد نامي: الأولى إلى لواء اسكندرونة حيث استقبل بحفاوة بالغة، والثانية إلى حلب حيث استقبل استقبالاً منقطع النظير.

يخصص المؤلف فصلاً كاملاً لمهمة إعادة ربط لواء إسكندرونة بأمه سورية، حيث عُهد إلى المؤلف نفسه (وزير العدل) بهذه المهمة. يصل المؤلف إلى إسكندرونة برفقة وزير المالية الشعباني، ويصف مكونات سكان اللواء الثلاثة: العرب، العنصر التركي، والشركس. في اليوم التالي، حضر جميع نواب اللواء الدعوة إلى دار الحكومة، ووقع النواب بالإجماع على مضبطة تضم موافقتهم على ضم اللواء إلى أمه سورية واعتبار حكومتها الرئيسية مرجعه الأعلى، ووقع في ذيل هذه المضبطة كل من رئيس البلدية والمحافظ إبراهيم أدهم ومندوب المفوض السامي دوريو.

يُركّز الفصل التالي على الصراع الخفي بين الداماد أحمد نامي والمندوب السامي الفرنسي بيير اليب، بالإضافة إلى مؤامرات الوزراء وحساباتهم الشخصية. يصف الفصل كيف اعتقلت السلطة العسكرية الفرنسية ثلاثة وزراء هم: فارس الخوري ولطفي الحفار وثالث، مكتفية بالقول إنه لأسباب عسكرية تتعلق بالثورة السورية. يتناول الفصل جهد رئيس الدولة لاستصدار عفو عام عن الثوار، لكن بيير اليب عطّل نشر البيان. في هذه الأثناء، كشفت مؤامرة كان يقودها بيير اليب وواثق المؤيد، حيث حاولا تجنيد معارضين لتقديم شكوى ضد رئيس الدولة بهدف عزله، مقابل وعود بالمناصب. يشير المؤلف إلى أن هذه المؤامرة كشفت بفضل نزاهة بعض الوزراء مثل شاكر الحنبل. يختتم الفصل بالإشادة بالكونت دي جفنل، الذي وصفه المؤلف بأنه "موفق في مهامه".

يتناول الفصل الأخير فترة حكم الشيخ تاج الدين الحسيني التي استمرت زهاء أربع سنوات، وما نتج عنها من انهيار تام للتفاهم بين سلطة الانتداب والوطنيين السوريين. يوضح المؤلف أن الشيخ تاج تم اختياره من قبل المندوب السامي بونسو بعد فشل مسار المفاوضات مع الزعيمين الوطنيين هاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو. ويشير إلى أن الوزارة التي شكلها اعتبرت فوراً من قبل الرأي العام مجرد "وزارة السلطة الفرنسية". يوضح الفصل كيف عمل الانتداب والشيخ تاج معاً للتمهيد لانتخابات الجمعية التأسيسية، حيث خُصصت أموال طائلة من خزينة الدولة تحت اسم "النفقات المستورة" لشراء الذمم والصحف. لكن نتيجة الانتخابات جاءت مفاجئة لسلطة الانتداب: فوز الوطنيين في العاصمة ومعظم البلاد. انعقدت الجمعية التأسيسية في 4 أيار سنة 1928 وانتخبت هاشم الأتاسي رئيساً لها، وصاغت دستوراً من 115 مادة يقوم على مبادئ السيادة والاستقلال التام.

عندما حضر المندوب السامي بونسو جلسة التصويت الأخيرة في آب، كان يأمل أن تحذف الجمعية المواد الست التي تتعارض مع الانتداب، لكنه فوجئ بإقرار الدستور بكامله، فقام بتعطيل الجمعية التأسيسية مراراً، وأخيراً في 5 شباط 1929 حلّها إلى أجل غير مسمى. رداً على ذلك، أصدر المفوض السامي الدستور لكنه أضاف إليه مادة 113 تقضي بعدم جواز معارضة نصوص الدستور لتعهدات فرنسا، مما جعله دستوراً صورياً، وأثار موجة عارمة من التظاهرات في حلب ودمشق.

يقدم الكتاب على امتداد فصوله مادة تاريخية غنية بالوقائع والشهادات المباشرة، معتمداً على تجربة المؤلف الشخصية كمسؤول رفيع المستوى في حكومات الانتداب. يصعب نسيان العديد من الوقائع التي يوردها، مثل حادثة المستشار كومندان فيريه الذي اشتكى على مدير الأشغال العامة بتهمة إهانة المفوض السامي، لكن التحقيق أثبت براءة المدير فاعترف المستشار بخطئه وتوطدت علاقات التعاون بينهما. كما لا يمكن إغفال قصة "بين الجد واللعب" التي تكشف عن الصراع بين الصورة الإعلامية المثالية والواقع السياسي، حين أوفدت حكومة دمشق مدير العدلية ومدير المعارف إلى باريس، ونُسب إليهما تصريح في جريدة "فيغارو" بأن "سورية أصبحت بفضل الانتداب الفرنسي جنة الله في أرضه"، ثم تنصل مدير المعارف من الحديث وأجبر على نشر تنصله في إحدى الجرائد العربية في القاهرة لإنهاء مقاطعته.

يقر المؤلف ببعض التحفظات والحدود في سرده، معترفاً بأن الحكم الأولي بالإعدام بحق زعماء الجهاد الوطني كان مجرد تدبير مؤقت لضرورة الاستقرار، وأن سياسة التجزئة التي اتبعها الانتداب عززت تشاؤم السوريين منذ البداية. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى جدية المفوض السامي في تطبيق برنامجه الإصلاحي، خاصة أن رحيله إلى باريس سرعان ما أوقف الزخم الإصلاحي.

يحمل الكتاب حججاً قابلة للنقاش بوضوح، منها تبرير رئيس الوزراء لخطابه الذي حذف اللقب الملكي عن فيصل ووصف الوطنيين بالدخلاء، ورأي بعض الزعماء أن إظهار أخطاء القضاء لا يوافق المصلحة الوطنية في وقت المطالبة بالاستقلال. كما أن تصوير المؤلف لنفسه كمدافع صلب عن استقلال القضاء قد يُنظر إليه من زاوية أخرى على أنه كان يعمل ضمن حدود ما تسمح به السلطة الفرنسية نفسها. لكن برغم هذه النقاط القابلة للنقاش، يظل الكتاب وثيقة تاريخية ثمينة تقدم رؤية داخلية لعملية صنع القرار تحت الانتداب، والتفاعلات المعقدة بين النخب المحلية والإدارة الأجنبية.

الفصول(17)

1.الفصل الأول - الاتحاد السوري85–100▼ ملخص

يبدأ الفصل بوصف تشييع الجنرال بيوت الذي حظي بمشاركة شعبية واسعة، مما دل على قبول أبناء البلاد له على اختلاف انتماءاتهم، وردّ الجنرال بكلمة شكر مقتضبة متمنياً الرفاه للبلاد.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن بدايات المطالبة بالوحدة السورية بعد أن أصبح الانتداب الفرنسي واقعاً. فبعد أن صدر عفو عن المحكوم عليهم السياسيين الذين غادروا سورية إلى مصر، عاد معظمهم وبدأوا يطالبون بالوحدة بالطرق السلمية، مستغلين حرية الرأي المتاحة. وفي هذا السياق، زار دمشق للمرة الثانية المستر تشارلز كراين، رئيس لجنة الاستفتاء التي سبق أن زارت البلاد عام 1919، ليقف بنفسه على رأي الأهالي بالانتداب. وخلال الزيارة، تظاهر جمهور أمام الفندق الذي يقيم فيه، مرددين هتافات للاستقلال والوحدة السورية، وكان الدكتور عبد الرحمن الشهبندر يترجم لهم. وبعد سفر كراين، اعتقلت السلطات الفرنسية المشاركين في التظاهرة بحجة الإخلال بالأمن العام، وحُكم على بعضهم بالسجن لمدد تصل إلى عشرين عاماً. أثار الحكم تظاهرات طلابية فرقها الجيش الفرنسي، ثم أُفرج عن المعتقلين بعفو صدر في تشرين الأول 1921.

بعد هذه الانتقادات، رأى المفوض السامي أن يخطو خطوة أولى نحو الوحدة، فأعلن في 28 حزيران 1922 إنشاء الاتحاد السوري. وقد تضمن إعلانه تأسيس اتحاد بين دول ثلاث هي: حلب، ودمشق، وبلاد العلويين المستقلة. ونصّ القرار على أن للدول غير الداخلة في الاتحاد نظامها الخاص فيما يتعلق بالجمارك والنقود. كما حدد شكل السلطة التنفيذية برئاسة رئيس ينتخبه ممثلو الدول، ويساعده مديرون للشؤون المالية والحقوقية والأشغال العامة. واشترط الإعلان ألا تنفذ قرارات الرئيس إلا بعد مصادقة المفوض السامي عليها. كما تم تشكيل مجلس اتحادي مؤلف من ممثلين عن كل دولة، يجتمع مرة في دمشق وأخرى في حلب، على أن يُعرض على المجلس المشاريع قبل شهر من اجتماعه.

في اليوم التالي للإعلان، 29 حزيران 1922، شكّل المفوض السامي مجلس اتحاد مؤقتاً من خمسة ممثلين عن كل دولة. فكان عن دولة دمشق: محمد علي العابد، وعطا الأيوبي، وفارس الخوري، والشيخ طاهر الأتاسي، وراشد مظلوم. وعن دولة حلب: صبحي بركات (الذي انتخب رئيساً للاتحاد)، وغالب إبراهيم باشا، ورشيد المدرس، والشيخ حسين أورفلي، وإسكندر عطا الله. وعن دولة العلويين: جابر العباس، وإسماعيل هواش، وإسماعيل جنيد، وعبد الواحد هارون، وإسحاق عيسى. انتخب المجلس صبحي بركات رئيساً، فاختار مديري الاتحاد: محمد علي العابد للمالية، وحسن عزة للأشغال العامة، ونصري بخاش للمصالح المدنية. لكن عدم ارتياح الشعب لهذه الإدارة الموحدة دفع لتقسيمها بقرار إلى قسمين: العدلية بمديرية عطا الأيوبي، والداخلية بمديرية نصري بخاش. وعُيّن الكولونيل مصطفى نعمت مديراً لدرك الاتحاد. وقد قوبل هذا الاتحاد بارتياح من معظم السوريين الذين رأوا فيه خطوة لجمع الشمل، باستثناء الزعيم إبراهيم هنانو وأنصاره ومنهم آل الجابري الذين لم يغفروا لصبحي بركات استسلامه السابق للسلطة الفرنسية أثناء الثورة.

كما أنشأ الاتحاد السوري محكمة تمييز عليا مشتركة بين الدول الثلاث، مؤلفة من دائرتين: الأولى للحقوق والشرع، والثانية للجزاء والجنح. عُيّن الأستاذ جلال زهدي رئيساً أولاً، ويوسف الحكيم (مؤلف الكتاب) نائباً عاماً، مع مستشارين آخرين. وقبل قيام الاتحاد، كانت القضايا من بلاد العلويين تُرفع إلى محكمتي الاستئناف والتمييز في بيروت باعتبار المنطقة الغربية تحت سيطرة الحلفاء.

مع هذا، لم يكن الارتياح للاتحاد موحداً في كل المناطق. فبينما رحبت به مقاطعتي دمشق وحلب، كان معظم العلويين في بلاد العلويين مع فريق من المسلمين السنة والمسيحيين غير مسرورين، مفضّلين بقاء المنطقة مستقلة ومرتبطة مباشرة بالمفوضية العليا. في المقابل، شكر معظم مسلمي ومسيحيي اللاذقية وملحقاتها الله على هذا الاتحاد. ويشير الفصل إلى أن الجنرال بيوت، حاكم المقاطعة، كان من أنصار هذا الاتحاد. لكن الفصل يوجّه نقداً لرئيس الاتحاد صبحي بركات وأعوانه لعدم إسناد وزارة إلى شخص علوي كفء، مما أسهم في استمرار تذمر العلويين. كما يوضح الفصل أن الحكام الوطنيين في دمشق وحلب أنفسهم كانوا غير راضين عن الاتحاد، لأنه قلّص صلاحياتهم الإدارية ونفوذهم الشخصي، في إشارة إلى موقف حاكم دمشق حقي العظم ومندوب المفوض السامي اللذين امتنعا عن تسليم السراي الكبير (مقر الحكومة) لحكومة الاتحاد، رغم قرار مجلس الاتحاد في 20 كانون الأول 1922 باعتبار دمشق مركزاً دائماً للحكومة. تمكن رئيس الاتحاد من التوسط لإخلاء المقر لاحقاً. ومن الملاحظ أن حكومة الاتحاد كان لديها مستشار فرنسي واحد هو مسيو غويته، ولم يتدخل في الشؤون الداخلية بقدر تدخل المستشارين في حكومات المقاطعات.

يتناول الفصل مسألة استثناء جبل الدروز من الاتحاد، وهو ما أثار استغراب الناس. ويُعزى السبب إلى الوضع الاجتماعي الخاص للجبل ورغبة الأكثرية الدرزية بالاحتفاظ باستقلالها تحت انتداب واحد بدلاً من انتدابين، حيث كانوا يخشون تحكم السوريين. ويعلق الفصل بأن الفئة الوطنية الواعية ترى ضرورة تأمين العدالة والمساواة بين كل أبناء الوطن ورفع مستوى الفئات المتأخرة.

ثم ينتقل إلى وصف علاقة رئيس الاتحاد صبحي بركات بالوطنيين. ففي بداية مهامه، لم يقطع صلاته بالوطنيين في دمشق، خلافاً لموقف الوطنيين الحلبيين، بل دعاهم للعمل والتعاون، مما أثار نقمتهم عليه دون أن يقطعوا آمالهم بعودته. لكنهم يئسوا منه حين وافقت أكثرية مجلس الاتحاد على منح امتياز إصدار الورق النقدي لمصرف سورية ولبنان، وعلى تأسيس المحاكم المختلطة، فانفصلوا عنه نهائياً، وأصبحوا في نظر السلطة من "الوطنيين المتطرفين" مقابل "المعتدلين". ويذكر الفصل في هذا السياق بداية الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية، التي منحها السلطان سليمان القانوني لأول مرة في القرن السادس عشر، ثم تطورت وشملت دولاً أوروبية والولايات المتحدة، وأُلغيت في 9 أيلول 1914 مع بداية الحرب العالمية الأولى، وأقرّت معاهدة لوزان في 24 تموز 1923 هذا الإلغاء. وفي فترة الانتداب، أصدر المفوض السامي في تشرين الثاني 1921 قراراً بإلغاء الامتيازات الأجنبية واستبدالها بمحاكم مختلطة من قضاة سوريين وفرنسيين، توسعت صلاحياتها تدريجياً لتشمل قضايا متعددة.

ويتناول الفصل تفاصيل اتفاقية المصرف السوري التي عُقدت في أول 1922 بين صبحي بركات ممثلاً عن الاتحاد السوري، وممثلين عن دولة جبل الدروز ولبنان الكبير، وبين بنك سورية. منحت الاتفاقية البنك امتياز إصدار النقود الوحيدة في سورية ولبنان وجبل الدروز لمدة خمس عشرة سنة، على ألا تتجاوز قيمة الأوراق النقدية المتداولة عشرين مليون ليرة. واشترطت أن تضم إدارة البنك أعضاءً سوريين ولبنانيين.

يورد الفصل حادثة مؤسفة وقعت في حلب لاغتصاب فتى صغير يدعى ريمون شلهوب، ثم القبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة، التي انتهت ببراءتهم. أثار الحكم ضجة، ورُفعت القضية إلى محكمة التمييز في دمشق، التي أصدرت قراراً أوضحت فيه أخطاء التحقيق والمحاكمة من البداية حتى النهاية. وقد طبعت وزارة العدل نسخاً من قرار التمييز ووزعتها على الدوائر العدلية لتكون نبراساً، وأصدر رئيس الاتحاد قراراً بإقصاء رئيس محكمة الجنايات في حلب وملاحقة القضاة المقصرين. ويشيد الفصل بنزاهة القضاء السوري، ويسجل أن أولياء الأمور أرادوا إظهار كفاءة القضاء. ويتعرض الفصل بعد ذلك لانتقاد الزعيم الوطني عبد الله الجابري لقرار محكمة التمييز، إذ رأى أن إظهار أخطاء القضاء لا يوافق المصلحة الوطنية في وقت المطالبة بالاستقلال. فردّ عليه يوسف الحكيم موضحاً خطأ هذا التفكير ومؤكداً أن إقحام السياسة في القضاء خطأ وداء، وأن محكمة التمييز أنقذت سمعة القضاء السوري، فلو تغاضت عن الأخطاء لظهر فساد القضاء برمته من أعلى سلطة.

يذكر الفصل أيضاً قصة المصاهرة بين رجلي الدولة، حيث تزوج رئيس الاتحاد صبحي بركات من نبيهة كريعة ابنة وزير الاتحاد محمد علي العابد، ثم انتهى الزواج بالطلاق بعد خلاف، مما أدى إلى قطيعة بين الرجلين. ثم تزوج الرئيس بعد أشهر بآنسة من عائلة رشدي بك، وتزوج أخوه الأصغر ثريا بك الشقبق بشقيقة العروس الجديدة. كان للمصاهرة أثر في جعل منزل العابد مفتوحاً للناقمين على سياسة صبحي بركات، على رأسهم السياسي جميل مردم بك.

وأخيراً، وقبل ختام الفصل، يقدم المؤلف ملخصاً لـ صك الانتداب الذي أقره مجلس عصبة الأمم في 24 تموز 1922، بناءً على قرار مؤتمر سان ريمو في شباط 1920. وقد نص الصك على التزام الدولة المنتدبة (فرنسا) بوضع دستور لكل من سورية ولبنان خلال ثلاث سنوات، وإبقاء جنودها للدفاع وتنظيم قوى محلية، وتولي العلاقات الخارجية للبلاد، وضمان سلامة أراضيها، وإلغاء الامتيازات الأجنبية، وضمان الحرية الدينية والتعليمية، وعدم التمييز في المعاملة بين رعايا الدول الأعضاء في العصبة، والحفاظ على الاتفاقيات الدولية.

1.الفصل الأول - الداماد أحمد نامي رئيس الدولة السورية145–158▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل المحوري من كتاب يوسف الحكيم وثيقةً تاريخيةً تسجّل لحظةً مفصليةً في تاريخ سورية تحت الانتداب الفرنسي، وهي مرحلة تأليف أول حكومة وطنية برئاسة الداماد أحمد نامي. الموضوع المحوري هو محاولة هذه الحكومة الجديدة، الموالية للكتلة الوطنية، تحقيق اختراق دبلوماسي مع سلطة الانتداب عبر التفاوض، وذلك بعد فترة مضطربة من الثورة السورية الكبرى. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الحكومة سعت إلى برنامج إصلاحي طموح اشتمل على الوحدة السورية، والدستور، والجيش الوطني، وإلغاء الغرامات الحربية، لكنها واجهت عقبات داخلية وإدارية كبيرة، أبرزها تعنت المندوب الفرنسي في دمشق واستمرار العمليات الثورية المسلحة، مما جعل تحقيق هذا البرنامج شبه مستحيل.

يسير الفصل خطوةً خطوةً ليروي قصة تشكيل هذه الحكومة ومآلاتها. يبدأ المؤلف بوصف اللحظة التي تسلّم فيها الأمير أحمد نامي (الملقب بـ "الداماد" أي الصهر، لزواجه من الأميرة عائشة سلطان، كريمة السلطان عبد الحميد الثاني) رئاسة الدولة السورية، في الثاني من أيار 1926، مدشناً عهده بآمال عريضة بأن يكون واسطة خير بين السوريين وفرنسا. ويصف المؤلف كيف أُلفت الحكومة وفق خطة متفَق عليها بين الداماد ورجال الكتلة الوطنية، ثم مع المفوض السامي دي جوفنيل، حيث قُسّمت الوزارات مناصفةً بين وطنيين "متطرفين" مثل حسني البرازي (الداخلية) وفارس الخوري (المعارف) ولطفي الحفار (الأشغال العامة)، وآخرين وُصفوا بأنهم أكثر اعتدالاً. ويبرز دور سعد الله الجابري وفوزي الغزي بصفتهما صاحبي اليد الطولى في اختيار الوزراء.

يتوقف المؤلف بالتفصيل عند حواره الشخصي مع الداماد، عندما رُشّح هو نفسه لمنصب وزاري (العدل) كونه "المسيحي الوحيد الذي رشحه الوطنيون"، مما يضفي طابعاً شبه مذكرات على السرد. هذا المقطع يوضح وظيفته في المنطق العام: إظهار حرص الوطنيين على تمثيل جميع الطوائف، ومدى ضغط الداماد والمفوض السامي لتشكيل الحكومة. ويُفصّل المؤلف خلافاً نشب بين الوزراء المرشحين حول حقيبتي المالية والداخلية، وكيف تمت تسويته بتدخل شخصي منه، لينتهي التأليف بتوزيع المناصب كما هو مذكور.

بعد تشكيل الحكومة، ينتقل الفصل إلى صلب الموضوع: البرنامج الحكومي المتفق عليه بين الداماد والمفوض السامي دي جوفنيل، والذي يعد بمثابة العقد السياسي للحكومة. هذا البرنامج يتضمن دعوة جمعية تأسيسية لوضع دستور، وتحويل الانتداب إلى معاهدة مدتها 30 سنة على غرار المعاهدة البريطانية-العراقية، وتحقيق الوحدة السورية (بين سورية ولبنان واللاذقية واسكندرونة)، وتأليف جيش وطني، وإدخال سورية في عصبة الأمم، وإصلاح النظام النقدي، وإصدار عفو عام، وإلغاء الغرامات الحربية. ويحكي المؤلف كيف أصر الوزراء على توقيع المفوض السامي على هذا البرنامج، فكتب بخط يده تعهداً بالموافقة عليه، مشترطاً بقاء الداماد في رئاسة الدولة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سلسلة من التطورات التي تُظهر تعقيد الواقع. يصف المؤلف الإجراء الأول الذي قامت به الحكومة وهو إقالة مدير الأمن العام الفرنسي "بيجان" (Béjean) بتهمة ارتكاب جرائم فظيعة بحق المعتقلين، وتعيين "فاردون" (Vardon) مكانه. كانت هذه خطوة رمزية لنزع فتيل التوتر. ثم تحاول الحكومة إقناع الثوار بوقف القتال عبر نداءات متكررة، لكن هذه النداءات تفشل في نيل ثقتهم. وفي محاولة لتحقيق الوحدة السورية، يُعقد اجتماع في بيروت يضم وزيري الداخلية والعدلية والكولونيل كاترو، حيث يُخطط لزيارة إلى اللاذقية، لكن شفلر حاكم المنطقة يؤجلها بحجة استمرار حملات الثوار، والكاتب يلمح إلى أن شفلر كان فعلياً يعمل على إحباط مشروع الضم.

يصف الفصل بعدها رحلة المفوض السامي دي جوفنيل إلى باريس في تموز 1926، فيُظهر خلافاً واضحاً بينه وبين مندوبه في دمشق بيير اليب. حين اشتكى الوزراء من تدخل المندوب في كل صغيرة وكبيرة، استدعاه المفوض السامي ووبخه أمامهم قائلاً: "هذه الخطة التي تسيرون عليها لا يجوز بقاؤها... يساعدوا على حفظ هيبة هذه الحكومة الحائزة على كامل ثقة فرنسا". هذا المقطع يوضح وظيفته في إظهار وجود شقاق داخل المؤسسة الفرنسية نفسها بين رؤية المفوض السامي الذي كان يميل إلى المرونة، ومندوبه المتشدد. بعد سفر دي جوفنيل، خلفه دي ريفي (Verchère de Reffye) الذي يُوصف بالكفاءة.

لكن الشكوك ظلت تساور رجال الانتداد، كما يروي المؤلف في حادثة أخرى: حين اعترض المندوب بيير اليب على قرارات وزير الداخلية بنقل بعض أفراد الشرطة والدرك إلى مخافر الشرق والجنوب، مدعياً أن هؤلاء هم من استسلموا للثوار في تشرين الأول 1925 دون مقاومة، مما يستوجب الحذر. هذا يسلط الضوء على عدم الثقة العميقة التي كانت تحكم العلاقة بين الحكومة الوطنية والإدارة الفرنسية المحلية.

يختتم الفصل بوصف جولتين رئيسيتين قام بهما الداماد أحمد نامي: الأولى إلى لواء اسكندرونة حيث استقبل بحفاوة بالغة، وألقى خطاباً عن اللامركزية والوحدة السورية، لكنه لاحظ أن فريقاً من المستمعين لم يهتف للوحدة. الثانية إلى حلب حيث استقبل استقبالاً منقطع النظير، واجتمع مع الجنرال ببوت الذي يُوصف بعلو الصفات، وأمضى أسبوعاً كاملاً هناك. وبعد عودته إلى دمشق، لم يتوقف الداماد عن الثناء على الجنرال ببوت ومبادلته الثقة، مما أثار حفيظة المندوب بيير اليب ومعاونيه. ويشير المؤلف إلى أن هذا الثناء المتكرر ربما كان تنديداً خفياً بهم.

يمكن الإشارة إلى أن الفصل يحمل طابعاً تأريخياً شخصياً، حيث يقدم المؤلف نفسه كشاهد عيان وفاعل، مما يمنحه مصداقية ولكنه يجعله أيضاً رواية من وجهة نظر واحدة قد لا تكون محايدة تماماً. تُظهر السردية تأرجح الداماد وحكومته بين آمال كبيرة في التفاهم مع فرنسا وبين عراقيل ملموسة من قبل ممثليها المحليين، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى جدية المفوض السامي في تطبيق البرنامج، لا سيما أن رحيله إلى باريس سرعان ما أوقف الزخم الإصلاحي.

2.الفصل الثاني - بدء الانتداب18–31▼ ملخص

يتركز هذا الفصل على فترة بداية الانتداب الفرنسي على سورية بعد احتلال دمشق، ويقدم تفصيلاً للإجراءات الإدارية والسياسية التي رافقت تأسيس السلطة الجديدة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الحكومة الوطنية السورية اضطرت للتعامل مع واقع الاحتلال عبر سياسة التخفيف من وطأته، بينما سعت فرنسا إلى ترسيخ وجودها عبر مزيج من القوة والخطاب الدبلوماسي، مع محاولة كسب ثقة السوريين.

يبدأ الفصل بتقديم شخصيات البعثة الفرنسية في دمشق. فقد عين المفوض السامي الجنرال غورو مندوباً له في البداية هو الكولونيل تولا، ثم حل محله سريعاً الكولونيل كاترو الذي نال ثقة الجميع. تألفت البعثة من قسمين رئيسيين: قسم عسكري للأمن العام والدرك والشرطة والعشائر برئاسة كوس، وقسم مدني برئاسة إرنست شيفلر يضم خبراء واستشاريين فرنسيين في الزراعة والأشغال العامة والصحة، مثل فلوريمون للزراعة وفيريه للأشغال العامة.

ثم ينتقل الفصل إلى طبيعة عمل المستشارين الفرنسيين في بداية عهدهم. يصفهم المؤلف بأنهم قاموا بواجباتهم بأدب ووقار، مقتصرين على إبداء الرأي والنصيحة دون التدخل في تفاصيل الإدارة. ويضرب مثلاً على ذلك بحادثة المستشار كومندان فيريه الذي اشتكى على مدير الأشغال العامة درويش أبا العافية بتهمة إهانة المفوض السامي. لكن التحقيق أثبت براءة المدير، فاعترف المستشار بخطئه، وتوطدت علاقات التعاون والثقة والصداقة بينهما، مما يعكس حسب المؤلف روح الانصاف لدى الفرنسيين في بداية عهدهم.

يورد الفصل سلسلة من الإجراءات الإدارية السريعة التي اتخذتها الحكومة الوطنية بأمر من السلطات الفرنسية أو بالتشاور معها. فبعد يومين من احتلال العاصمة، فُرضت رقابة على الرسائل والبرقيات، ومنع أن تتجاوز الرسالة صفحة واحدة. كما أعلنت وزارة المالية قبول ورق البنك السوري بالسعر الذي تحدده، وحددت قيمة الدينار بـ40 قرشاً سورياً لكل ورقة من فئة 100 قرش. وقررت الحكومة حفظ الدنانير السورية التي تحمل اسم الملك فيصل في المتحف السوري بدلاً من تداولها. بالإضافة إلى ذلك، صدر بلاغ بمنع الموظفين من الاشتغال بالسياسة، وأمرت وزارة الداخلية بإقفال مكتب اللجنة الوطنية والنادي العربي، وتم تعيين غالب بك مستشاراً لرئاسة الوزارة وفؤاد الخطيب مستشاراً للشؤون الخارجية.

يُخصص الفصل حيزاً كبيراً لعرض بلاغ عام أصدره رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي في 3 آب 1920 بخصوص الانتداب الفرنسي. يشرح البلاغ أن الصلح مع فرنسا الذي أقر استقلال سورية تضمن أيضاً انتداب فرنسا لها، وأن الانتداب في نظر الحكومة لا يتجاوز حد المعاونة ولا يمس الاستقلال. ثم يسرد البلاغ أسباباً أدت إلى تقدم القوات الفرنسية، مثل عرقلة نقل القوات على سكة حديد رياق - حلب ورفض تداول الورق السوري والخدمة الإجبارية. ويذكر أن الحكومة وافقت على مطالب الجنرال غورو الخمسة بعد تحويرها، لكن تأخر وصول البرقية بالموافقة تسبب في دخول العساكر إلى دمشق. يختم البلاغ بمطالب من الأهليين بالالتزام بالسكينة ودفع الأموال واحترام القانون، ومن المأمورين بالضرب بيد من حديد على المفسدين.

بعد أسبوع من الاحتلال، زار الجنرال غورو دمشق واستقبل بحفاوة. ونظمت مأدبة غداء على شرفه حضرها الوزراء والبطاركة والأعيان، تبودلت فيها الأحاديث عن حسن نوايا فرنسا. ولاحظ المؤلف أن غورو كان شديد الاهتمام بمحادثة البطريرك كسي، معتبراً أن هذه البادرة تدل على رغبة فرنسا في كسب مودة جميع السوريين. وفي اليوم الرابع من الزيارة، أقامت الحكومة حفلة عشاء في بهو السراي، ألقى فيها علاء الدين الدروبي خطاباً رحب فيه بالمفوض السامي وأكد على ثقة السوريين بعدالة فرنسا، منتقداً "غلاة الوطنيين" الذين أحاطوا بالملك فيصل وكانوا سبباً في الحرب.

يثير الفصل جدلاً حول فقرتين في خطاب رئيس الوزراء. الأولى هي مناداته الملك فيصل بـ"الشريف فيصل" دون اللقب الملكي، مبرراً ذلك بأن غورو نفسه لم يعترف بالملكية. والثانية هي وصفه الوطنيين بـ"الدخلاء"، مبرراً أنه أراد تخفيف نقمة المحتلين عن السوريين. وقد نال هذا التبرير قبول المعتدلين، بينما انتقده غلاة الوطنيين بشدة.

يختتم الفصل بنقل الخطاب الكامل الذي ألقاه الجنرال غورو في تلك الحفلة. أوضح غورو فيه أن فرنسا لم تأت كمستعمرة، وأنه كان يأمل في تفاهم مع الملك فيصل الذي أبرم اتفاقاً مع كليمنصو لكنه لم يلتزم به واستمرت الهجمات على القوات الفرنسية. واتهم الحكومة الشريفية السابقة برفض الانتداب والخدمة الإجبارية ومنع استخدام سكة حديد حلب، مما اضطر فرنسا إلى إصدار الإنذار الذي أدى إلى معركة ميسلون. ثم دعا إلى طي صفحة الماضي والتطلع للمستقبل، مؤكداً أن فرنسا ستضمن استقلال سورية وستساعد في إنمائها اقتصادياً وثقافياً، شريطة التعاون وقبول شروط الانتداب. ويختم المؤلف الفصل بالقول إن أفضل تعليق على خطاب غورو موجود في فصل سابق من كتابه عن تاريخ سورية في العهد الفيصلي.

يحمل الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، وأبرزها تبرير رئيس الوزراء لخطابه الذي حذف اللقب الملكي عن فيصل ووصف الوطنيين بالدخلاء، مما أظهر انقساماً بين المعتدلين وغلاة الوطنيين حول كيفية التعامل مع سلطة الانتداب.

2.الفصل الثاني - ربط لواء الاسكندرونة بأمة سورية159–169▼ ملخص

بدأ المؤلف الفصل باستذكار حادثة اغتيال فوزي (لم يُذكر اسمه الكامل في النص المقدم)، وهو موظف إداري نزيه، على يد إحدى عصابات الثوار السوريين الذين كانوا يستهدفون كل من يتعاطف مع الانتداب الفرنسي. وصف المؤلف هذه العصابات بأنها همها الأساسي الاعتداء على الموالين للانتداب، وأنها كانت تعيث فساداً في القرى الآمنة. وبعد أن قامت قوى الأمن العام بواجبها واحتجزت كل من يشتبه في دعمه للثوار وتزويدهم بالمال والعتاد والمعلومات، أحيل ملف التحقيق إلى قاضي التحقيق السوري النزيه عارف الحمزاوي، الذي تعمق في التحقيق حتى تمكن من معرفة القاتل، ويدعى خيرو أبو شهلاء، وهو من الثوار المعروفين بحرأتهم واقتحامهم للأخطار. قام القاضي بإطلاق سراح بقية المتهمين، ورفعت أوراق الدعوى إلى المجلس العدلي الذي حكم على القاتل الفار بعقوبة الإعدام، كما حمل أهل حمص دية شرعية قدرها ثلاثة آلاف ليرة سورية تدفع لورثة القتيل الشهيد. وقد أوقع هذا الحكم الرعب في نفوس الثوار وأبعدهم عن المدينة، وأوجب حذر الأهلين من مغبة قبول الثوار في منازلهم، كما أن الثائرين الوطنيين المخلصين حنقوا على القاتل نفسه لخلاف ما تتوخاه الثورة من أخلاق وإخلاص للقضية الوطنية.

ينتقل المؤلف بعدها إلى الموضوع المحوري للفصل، وهو مهمة إعادة ربط لواء إسكندرونة بأمه سورية وفك ارتباطه المباشر بالمفوضية العليا الفرنسية. يوضح المؤلف أن هذه المهمة بدأت بعد أن عاد رئيس الدولة إلى دمشق وأطلع الوزراء على الحالة السياسية والإدارية في البلاد، والتي تميزت برغبة الأكثرية الساحقة في الوحدة والاستقلال. بناءً على ذلك، عُقد مجلس للوزراء برئاسة رئيس الدولة، وبحثوا في قضية اللواء وضرورة إيفاد بعض الوزراء للعمل على ذلك بالاتفاق مع المفوض السامي الفرنسي دي جوفنيل. أثناء المداولات، تلى رئيس الدولة كتاباً من وزير المالية الشعباني الموجود في حلب، يعرب فيه عن استعداده لمرافقة الوزير الذي سيعهد إليه بالسفر إلى اللواء. وبعد المداولة، أجمع الوزراء على أن يقوم وزير العدل (المؤلف نفسه) بهذه المهمة، تاركين لرئيس الدولة حرية الرأي في مشاركة الشعباني. ثم يروي المؤلف كيف أخبره رئيس الدولة أن المفوض السامي دي جوفنيل قال له: "إنني ماضٍ على تحقيق الوحدة، ولا يستطيع رجالي الوقوف في وجه ما وعدت به فلا محل لمس كرامتهم"، مشيراً بذلك إلى كلمة منسوبة للوزير الرازي في اللاذقية (وقد سبق ذكرها). وأضاف رئيس الدولة أنه وافق على طلب الشعباني برفقته رغم معارضة الزعيم الوطني سعد الله الجابري.

في حلب، يصف المؤلف الاستقبال الفخم الذي انتظره هو ووزير المالية الشعباني، بقيادة الجنرال بيوت (مندوب المفوض السامي) وفرقة من الجيش السوري. يذكر المؤلف أنه سرّه هذا الاستقبال. بعدها، عاتب المؤلف الشعباني على حفلاته وخطبه في حلب، فأخبره الشعباني أن أهالي حلب قد سئموا زعامة الكتلة الوطنية والتجأوا إليه مطالبين بحزب معتدل يتفاهم مع سلطة الانتداب لإنقاذ البلاد من الفوضى، وأن ما ينفقه هو من ماله الخاص. يعلق المؤلف بأنه ظهر له من مقابلته شخصيات مختلفة أن الشعباني يختلف كل الاختلاف مع الكتلة الوطنية في الخطة الواجب سلوكها لتحقيق الأهداف. ثم يصف المؤلف زيارته للجنرال بيوت الذي سأله إن كان ينوي زيارة أنطاكية قبل إسكندرونة، مركز اللواء، فأجابه بالنفي. فأوضح له الجنرال أن الشعباني أبلغ أنصاره في أنطاكية عن الزيارة، مما دفع خصومهم لتهيئة تظاهرات معاكسة. شكر المؤلف الجنرال على تحذيره وأكد أن مهمته تنحصر في مقابلة المندوب والمحافظ والنواب.

يصل المؤلف إلى إسكندرونة برفقة الشعباني، حيث استقبلهم مندوب المفوض السامي دوريو والمحافظ إبراهيم أدهم ورئيس البلدية ووجهاء المدينة. يُظهر النص توتراً بين الشعباني ودوريو منذ البداية، حيث أعد المندوب غرفة منامة للمؤلف في منزله، بينما أعد غرفة للشعباني في دار الحكومة، مما أثار امتعاض الشعباني. في مأدبة العشاء التي أقامتها البلدية، يصف المؤلف مكونات سكان اللواء الثلاثة: العرب، العنصر التركي، والشركس (لاجئون من الأناضول وكيليكيا). وقد طلب رئيس البلدية تجنب الخطب السياسية، إلا أن الشعباني ألقى خطاباً رناناً عن عروبة اللواء وفضل اللغة العربية، مما أسعد فريقاً وأساء الآخرين. في اليوم التالي، تفاجأ المندوب والمؤلف بأن الشعباني أمر بنقل أمتعته إلى منزل الوجيه البارز صلاح الدين باقي، زعيم الحزب الوطني المناوئ للانتداب. وجد المؤلف الشعباني في منزل باقي، وكان الشعباني غاضباً من المندوب دوريو ويخطط لزيارة أنطاكية بدلاً من إسكندرونة، وقدم للمؤلف مسودة احتجاج على المندوب. أقنعه المؤلف بصرف النظر عن زيارة أنطاكية في الوقت الراهن وانتظار نتيجة الاجتماع مع نواب اللواء.

في اليوم التالي، حضر جميع نواب اللواء الدعوة إلى دار الحكومة. يذكر المؤلف أن الشعباني لم يحضر رغم تبلغه الدعوة. وبعد بحث، وقع النواب بالاجماع على مضبطة تضم موافقتهم على ضم اللواء إلى أمه سورية واعتبار حكومتها الرئيسية مرجعه الأعلى. وقع في ذيل هذه المضبطة كل من رئيس البلدية والمحافظ إبراهيم أدهم ومندوب المفوض السامي دوريو، ثم وقعها المؤلف تاركاً مكاناً للشعباني. أرسل المؤلف برقية إلى رئيس الدولة بنجاح المهمة، ثم استدعى الشعباني الذي حضر ووقع المضبطة أيضاً. يعقب المؤلف معلقاً على موقف الشعباني، فيصفه بأنه وطني مخلص، قوي الإرادة، كبير الثقة بنفسه، مسيطر على حزبه، وكان حازماً في إدارة المناصب الحكومية التي تولاها. يرى المؤلف أن وصفه بـ "الزعيم" لم يأت من فراغ، حيث نشأ ليكون كذلك في العهد العثماني. أما عن نقمته على المندوب دوريو، فيردها المؤلف إلى حرمانه من السفر إلى أنطاكية حيث كان أصدقاؤه قد أعدوا له الحفلات والاستقبالات، آملين أن يتخذ قرار ضم اللواء في مدينتهم هم لا في ميناء إسكندرونة.

يختم المؤلف الفصل بوصف المشهد الأخير في الصباح قبل السفر، حيث أطلعه المندوب دوريو على صورة برقية أرسلها الشعباني إلى رئيس الدولة يشكو فيها من المندوب لعرقلته مهمة السفر إلى أنطاكية، وكانت البرقية قد كتبت منذ أول أمس. يصف المؤلف دهشته من سلوك الشعباني المزدوج: شكوى سرية ثم مصافحة ودية في العلن. يتجنب المؤلف تقديم حكم قاطع على الشعباني، لكن النص يظهر تناقضاً واضحاً بين خطاب الشعباني "الوطني المعتدل" وتصرفاته التي كانت تهدف لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية على حساب نجاح المهمة الوطنية الجامعة، مما يثير تساؤلات حول ولاءاته الحقيقية ودوافعه التي قد لا تخلو من طموح شخصي أو تنافس مع الكتلة الوطنية، رغم إعلانه المتكرر لحرصه على مصلحة سورية واستقلالها.

2.الفصل الثاني - دي مارتيل يخلف بونسو في المفوضية العليا237–246▼ ملخص

بدأ الفصل الثاني بوصف التغيير الذي طرأ على رأس المفوضية العليا الفرنسية في سورية، حيث حل الكونت دي مارتيل محل المفوض السامي بونسو في تموز 1933. يوضح المؤلف أن هذا التغيير جاء بعد فشل سابقه في إقناع الوطنيين بقبول المعاهدة التي وافقت عليها الحكومة الفرنسية. يصل المفوض الجديد إلى سورية ويستقبل في دمشق استقبالاً كبيراً تشترك فيه جميع أركان الحكومة والوجهاء، إلا أن حزب الكتلة الوطنية يتغيب عن الاستقبال، ثم يطلب مقابلة خاصة عبر الوسيط بديع المؤيد، ويوافق دي مارتيل على الطلب.

في المقابلة، يقدم زعماء الكتلة الوطنية شكواهم للمفوض الجديد حول الأوضاع في سورية ومطالبهم بالاستقلال والوحدة. ويختتمون حديثهم بتحذير مفاده أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى اضطرابات في البلاد، وهو ما يغضب المفوض السامي بشدة. يتهم المترجم فارس الخوري بتقديم ترجمة تهديدية، رغم أن الخوري يؤكد أنه التزم الدقة والأمانة في النقل. يروي المؤلف هذه التفاصيل نقلاً عن شهود العيان من الجانبين.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تقديم مشروع معاهدة جديد في تشرين الثاني 1933، يُطلع عليه المفوض السامي رئيس الحكومة حقي العظم. وتُوصف المعاهدة بأنها "معاهدة صداقة وتحالف" بين فرنسا وسورية المستقلة. تتضمن المعاهدة بنوداً عديدة: المشاورات في السياسة الخارجية، تعيين ممثلين دبلوماسيين، نقل الحقوق والواجبات بعد انتهاء الانتداب، الدفاع المشترك، وضع مستشارين فرنسيين تحت تصرف الحكومة السورية، حماية حقوق الأقليات، وإدارة المصالح المشتركة، وتبلغ مدة المعاهدة خمس سنوات قابلة للتعديل.

يعرض رئيس الحكومة المشروع على مجلس وزرائه، فيقبله أغلبهم، لكن وزيري العدل سليمان جوخدار والأشغال العامة جميل مردم بك يعترضان لاعتقادهما أنه لا يحقق رغبات الأمة. يحاول المفوض السامي إقناعهما، فيستقيل مردم بك ويعين مكانه لطيف غنيمه، بينما يبقى جوخدار على موقفه دون استقالة. يُظهر المؤلف أن المفوض السامي أبدى نقمته على جوخدار ووصفه بأنه أكثر تشدداً من الزعماء الوطنيين.

يُعرض المشروع على مجلس النواب في 17 تشرين الثاني 1933، حيث يلقي وزير المالية شاكر الشعباني خطاباً يدعو إلى القبول. تتحول الجلسة إلى صخب بسبب تظاهرات شعبية خارج المجلس تطالب برفض المعاهدة وتهدد النواب. ينقسم النواب بين معارضين يبرز منهم توفيق شيشكلي وزكي الخطيب، ومؤيدين، لتنضم الأغلبية إلى المعارضة. يتقدم معاون مندوب المفوض السامي مسيو فيبر بطلب تأجيل الجلسة، لكن رئيس المجلس صبحي بركات يتجاهله.

يعلن النائب جميل مردم بك اقتراحاً برفض المعاهدة، ويتم الاقتراع وتحظى الموافقة بأغلبية المجلس. عندها يعلن فيبر قرار المفوض السامي بحل المجلس، لكن النائب فائز الخوري يصر على البقاء بحجة أن إرادة الأمة هي السيادة. يدخل الأمن القاعة، ويخرج الرئيس بركات مع النواب الوطنيين إلى منزله، حيث ينظمون احتجاجاً على إغلاق المجلس ويرفعونه إلى الحكومة الفرنسية وعصبة الأمم. في 24 من الشهر نفسه، يصدر المفوض السامي قراراً بتوقيف اجتماعات المجلس طيلة دورته، مفوضاً رئيس الجمهورية محمد علي العابد بصلاحية اتخاذ الإجراءات اللازمة.

بعد هذا الفشل، يغير المفوض السامي موقفه ليتخذ موقف العداء من الكتلة الوطنية. ينصحه مستشاروه بأن ضعف الحكومة الحالية هو سبب استمرار الشعب في معارضة الانتداب، ويشيرون إليه بشخصية الشيخ تاج الدين الحسني ونفوذ والده الشيخ بدر الدين الحسني. يقتنع دي مارتيل، ويطلب من رئيس الوزراء حقي العظم الاستقالة في 10 أيار 1934، لتتشكل حكومة جديدة برئاسة الشيخ تاج الدين، وتضم وزراء جدداً. يشير المؤلف إلى أن قبول استقالة الوزارة القديمة وتعيين الجديدة تم في يوم واحد، مما يكشف أن المفوض السامي هو من يقرر مصير الحكومات.

يثير تعيين الشيخ تاج الدين غضب الوطنيين، وتندلع تظاهرات شعبية في كل المدن السورية يقودها رجال الكتلة الوطنية. يصف الفصل بعد ذلك زيارة قام بها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى حلب في نيسان 1934، حيث واجها تظاهرات عدائية من الطلبة والشبان الوطنيين. في المسجد الكبير، يلقي سعد الله الجابري خطبة نارية يهاجم فيها الانتداب والحكومة، مما يؤدي إلى اعتقاله واعتقال عدد من الوطنيين ومحاكمتهم أمام محكمة مختلطة.

يتناول الفصل حادثة قضائية مهمة تبرز استقلالية القضاء، حيث يعتدي الصحفي نجيب الريس (أو منير الريس) على وزير المعارف حسني البرازي بالضرب. تُحال القضية إلى المحكمة، لكن المحاكمة العلنية تنتهي ببراءة الصحفي لعدم ثبوت أن الاعتداء كان بسبب وظيفته، ولأن الوزير نفسه تراجع عن دعواه الشخصية. يُشيد المؤلف باستقبال الشعب لهذا الحكم تعبيراً عن ثقته في عدالة القضاء السوري ونزاهته واستقلاله عن تأثيرات السياسة، على عكس موقف رجال الانتداب الذين شككوا في القرار.

أخيراً، يُخصص الفصل مساحة لجهود الحكومة في تعديل القوانين، حيث يقدم المستشار التشريعي إستيفيه مشروعي قانون الموجبات والعقود وأصول المحاكمات الحقوقية ليحلا محل القوانين العثمانية. تُشكل وزارة العدل لجنة من كبار رجال القضاء في أيار 1935، لكن طلبة معهد الحقوق في الجامعة السورية يقدمون عريضة ينتقدون فيها المشروع لأنه مستورد من فرنسا ولا يتماشى مع التراث التشريعي الإسلامي، ويطالبون بإضافة فقهاء المذاهب الأربعة للجنة. يرى المؤلف أن هذه المعارضة أدت إلى فتور أعضاء اللجنة في العمل، لاعتقادهم أن الأحزاب الوطنية تسعى لإحباط أي عمل تقوم به حكومة الشيخ تاج الدين.

ينتهي الفصل بذكر وفاة الزعيم إبراهيم هنانو، الذي أشارت إليه تقارير الأطباء بضرورة إقامته في مكان بعيد عن الرطوبة، فآثر السكن في حي المهاجرين بدمشق، بعيداً عن مسقط رأسه. يختتم الفصل هكذا دون تفصيل أكثر عن ظروف رحيله.

2.الفصل الثاني - اغتيال الدكتور شهبندر306–313▼ ملخص

يُركّز الفصل على جريمة اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في دمشق عام 1940، ويُقدّم تحليلاً لأبعادها السياسية والاجتماعية، ويُجيب عمّن استفاد منها في سياق الانتداب الفرنسي على سورية. يبدأ المؤلف بتقديم خلفية عن مناخ التوتر السياسي الذي سبق الحادثة، ويُشير إلى أن العداء بين الدكتور شهبندر و الكتلة الوطنية كان متجذراً منذ عودته من القاهرة في ربيع 1937، حيث كان يهاجم قادة الكتلة الوطنية – مثل شكري القوتلي و جميل مردم بك و لطفي الحفار و عطا الأيوبي – متّهماً إياهم بتفضيل مصلحتهم الشخصية على القضية الوطنية. يصف المؤلف كيف التفّ حول الدكتور شهبندر جميع معارضي الكتلة الوطنية من مختلف الأحزاب والطبقات، وكيف تحولت حفلات تكريمه إلى مظاهرات شعبية ضاغطة، مما أدى إلى استقالة حكومات متتالية (وزارة جميل مردم بك، وزارة لطفي الحفار، وزارة البخاري) ثم استقالة رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي، وانتهاء العهد الجمهوري وحكم الكتلة الوطنية، ليقوم بعدها حكومة المديرين الموقتة في الثامن من تموز عام 1939.

ثم ينتقل الفصل إلى وصف تفاصيل الجريمة التي وقعت يوم الأحد في السابع من تموز عام 1940. يُفصّل المؤلف كيف كان الدكتور في عيادته بحارة الشعلان يعاين زائريه، وكيف دخل عليه خمسة أشخاص، تقدمهم المدعو أحمد عصاصة بدعوى آلام في البطن، وعندما همّ الدكتور بفحصه، أطلق عليه الرصاص من مسدسه في رأسه، وفرّ الجناة بسيارة كانت بانتظارهم. يُشير المؤلف إلى سرعة انتشار خبر الفاجعة، وإلى الحزن العام الذي خيّم على العاصمة، وكيف شُيّعت جنازته في اليوم الثاني وسط الجموع الغفيرة إلى الجامع الأموي، ودُفن بجوار قبر صلاح الدين الأيوبي، مع الأسف لأن نبأ الاغتيال رافقته إشاعة فورية بأن الكتلة الوطنية هي من قتلته.

بعد الجريمة، تمكنت قوات الدرك في اليوم التالي من اعتقال أربعة مجرمين هم: أحمد عصاصة (القاتل)، و محمد إسكندر، و واحد الطرابيشي، و الشيخ أحمد معتوق. اعترف القاتل أحمد عصاصة أنه أقدم على قتل الدكتور مقابل أربعمئة ليرة سورية (يضع المؤلف علامة استفهام بجانب الرقم) وعد بها أن تُدفع له من قبل جميل مردم بك بواسطة وسيط. لكن سرعان ما انتشرت شائعة قوية مفادها أن وراء الجريمة مؤامرة دبرها أكبر أركان الكتلة الوطنية الأربعة: شكري القوتلي، وقميل مردم بك، ولطفي الحفار، وعطا الأيوبي. وتأكد الناس من صحة هذه الشائعة عندما علموا أن هؤلاء الزعماء الأربعة قد هربوا إلى العراق رغم وجود مراقبين على الحدود، فاستنتج معارضو الانتداب أن ذلك كان بتدبير من سلطة الانتداب نفسها، بهدف القضاء على خصمين معاً: الدكتور شهبندر بقتله، وشخصيات الكتلة الوطنية بتشويه سمعتها وإبعادهم.

يصف المؤلف الخطوة التالية التي هزت الرأي العام: صدور قرار عن المفوض السامي بتأليف محكمة خاصة للتحقيق والفصل في الجريمة فصلاً قطعياً غير قابل للتمييز، وتألفت المحكمة من رئيس فرنسي وعضوين فرنسيين وعضوين سوريين، على أن تولى النيابة العامة فيها قاضٍ فرنسي. يُشير المؤلف إلى أن القرار صدر بناء على طلب ورثة الدكتور شهبندر، بزعم ثقتهم بعدالة القضاة الفرنسيين وعدم انحيازهم لأي حزب. أثار هذا القرار لوم الأهلين (عدا المنتمين للكتلة) على الورثة، لأنهم رأوا أن القضاء السوري لا يشك في نزاهته، وأن حكومة المديرين التي كانت تحكم هي نفسها من أعداء الكتلة الوطنية. لكن الورثة لم يفطنوا إلى نتائج هذا القرار إلا بعد تأكدهم من فرار المتهمين الأربعة.

أصدرت المحكمة الاستثنائية حكمها في نهاية المحاكمة بإعدام القاتل أحمد عصاصة، وسجن رفاقه الأربعة بالأشغال الشاقة، وبراءة المتهمين الفارين وعلى رأسهم أركان الكتلة الوطنية الأربعة. يوضح المؤلف أن هذا الحكم أثار مشاعر متضاربة في دمشق: السرور شمل المنتسبين إلى الكتلة الوطنية ومن يعتقد ببراءة أركانها، بينما شمل الاستياء أعداءهم ومن اعتقد بصحة تآمرهم. وبدأ فريق المستائين بلوم ورثة الشهيد بشدة، وأعلنوا ندمهم بعد أن صار الأمر على غير ما توقعوا. كما تعرضت حكومة المديرين لطعن شديد من الكتلة الوطنية وأنصارها، حيث اتهموا رئيس الحكومة بهيج الخطيب ومدير العدلية خليل رفعة باستغلال الجريمة للقضاء على الزعماء الوطنيين أو التقليل من نفوذهم، مما أدى لاحقاً إلى نفي خليل رفعة عن منصبه وإجباره على مغادرة سورية. يُنصف المؤلف القضاة الفرنسيين والسوريين في المحكمة الخاصة، معتبراً أنهم كانوا منصفين ونزهاء، ولو توفرت أدلة كافية لإدانة الزعماء الأربعة لما تأخروا عن إصدار الحكم عليهم. لكنه يقرّ بأن تبرئتهم القضائية لا تنفي وجود مؤامرة، مدعومة بدعاية مناهضة ضد الدكتور حول اتصاله بالصهاينة وقبوله العمل في مستشفاهم بالقاهرة.

يختتم الفصل بتعداد مزايا الدكتور شهبندر، مُعتبراً إياه علماً من أعلام الوطنية الذين ناضلوا لاستقلال سورية منذ العهد العثماني، حين نجا من عقوبة الإعدام بفراره من جمال باشا أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم ناضل في وجه الانتداب الفرنسي في عهد الملك فيصل، وأسس حزب الشعب، والتحق بالثورة السورية عام 1925 ليكون اليد اليمنى للقائد سلطان الأطرش، ثم أقام في مصر حتى صدر عفو عام 1934، لكنه لم ينضم للكتلة الوطنية بل هاجمها بعنف. يُبرز المؤلف صفاته الفريدة التي اجتمعت فيه: الشجاعة، والخطابة القلقة، والتواضع، والعطف على الفقراء، وإتقانه عدة لغات منها الإنجليزية مما سهّل تواصله مع الساسة البريطانيين والأمريكيين. ويخلُص في النهاية إلى سؤال مصيري: من استفاد من هذه الجريمة؟ ويُشير ضمناً إلى أن جواباً واحداً هو الأكثر ترجيحاً: رجال الانتداب، الذين تخلصوا من أكبر عدو لهم (الدكتور شهبندر)، وشردوا أربعة من الزعماء الوطنيين في وقت واحد، ثم عادوا ليظهروا بمظهر المنصف بإعلان براءة هؤلاء الزعماء عبر محكمة فرنسية الأكثرية، مما مهد الطريق لاحقاً لعودتهم إلى وطنهم وتفاهمهم مع الفرنسيين، وهو ما اعتبره المؤلف دليلاً على نجاح خطة معقدة أحكمت خيوطها سلطة الانتداب.

3.الفصل الثالث - حكومة الداماد الثانية170–184▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة حساسة من تاريخ سورية تحت الانتداب الفرنسي، وتحديداً ما بعد مهمة ضم لواء إسكندرونة إلى سورية وإعادة تشكيل الحكومة. الموضوع المحوري هو الصراع الخفي بين الدّاماد أحمد نامي، رئيس الدولة السورية، والمندوب السامي الفرنسي بيير اليب، بالإضافة إلى مؤامرات الوزراء وحساباتهم الشخصية التي هددت استقرار الحكومة. يقدم المؤلف يوسف الحكيم إجابة واضحة على سؤال: كيف تمكنت النزاهة والوطنية من مواجهة فساد النفوذ الأجنبي والطموحات الشخصية؟

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من وصول المؤلف إلى دمشق ليجد أن السلطة العسكرية الفرنسية اعتقلت ثلاثة وزراء هم: فارس الخوري (وزير المعارف)، لطفي الحفار (وزير الأشغال العامة)، وثالث لم يُذكر اسمه (وهو الوزير الرازي بحسب ما ورد في النص). هذا الحدث شكل صدمة وأثار تساؤلات حول أسباب الاعتقال التي لم تُعلن رسمياً، واكتفت السلطات بالقول إنه لأسباب عسكرية تتعلق بالثورة السورية.

يصف الفصل تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الدّاماد أحمد نامي، والتي ضمت وزراء جدداً مثل واثق المؤيد (وزير الداخلية)، وشاكر الحنبل (وزير المعارف)، وعبد القادر العظم (وزير المالية)، وشكيب الغراوي (وزير الأشغال العامة والزراعة)، بالإضافة إلى المؤلف نفسه الذي تولى حقيبة العدلية. بعد استقبال رئيس الدولة للوزراء، تبيّن أن الاعتقال كان وراءه شكوى ضد أحد الوزراء السابقين، لكن رئيس الدولة أظهر حنكة دبلوماسية عندما امتنع عن ذكر أي تفاصيل قد تمس كرامة زميله.

يتناول الفصل بالتفصيل جهد رئيس الدولة لاستصدار عفو عام عن الثوار لتمهيد الطريق أمام إعادة الاستقرار والوحدة السورية. أجرى اتصالات مع المسؤولين الفرنسيين في بيروت، وأصدر بياناً يدعو الثوار إلى إلقاء السلاح مقابل عفو خلال أربعة أيام. ولكن بيير اليب عطّل نشر البيان، مما دفع رئيس الدولة إلى التصدي له. في هذه الأثناء، كُشفت مؤامرة كان يقودها بيير اليب وواثق المؤيد، حيث حاولا تجنيد معارضين لتقديم شكوى ضد رئيس الدولة بهدف عزله، مقابل وعود بالمناصب. اعتمدت هذه المؤامرة على إغراء الوزراء بالبقاء في مناصبهم إذا تخلى الداماد عن رئاسته.

يشير المؤلف إلى حقيقة مهمة: أن هذه المؤامرة كُشفت بفضل نزاهة بعض الوزراء مثل شاكر الحنبل الذي نقل تفاصيلها إلى المؤلف، مما أدى إلى فشل المخطط. في محاولة لإفشال المؤامرة، أجرى رئيس الدولة اتصالاً هاتفياً أمام الوزراء بـدي ريفي (وكيل المفوض السامي) أظهر عمق الثقة بينهما، مما أربك المتآمرين وأعاد الثقة إلى الوزراء المترددين.

يُسلط الفصل الضوء على أخلاقيات الدّاماد أحمد نامي العالية، خصوصاً في موقفه مع الوزير المسيحي (المؤلف). حين حاول بيير اليب إثارة الفتنة الطائفية بأن الشعب لا يحتمل رؤية وزير مسيحي ذي نفوذ، رد رئيس الدولة بثقة قائلاً: "قم يا حضرة المندوب باستفتاء الشعب لترى تأييدهم لهذا الوزير المسيحي". هذه الحادثة تُظهر تمسك رئيس الدولة بمبدأ المواطنة المتساوية، وأنه وضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات طائفية.

يختتم الفصل بالإشادة بـالكونت دي جفنل، المفوض السامي الفرنسي، الذي وصفه المؤلف بأنه "موفق في مهامه"، ويمتاز بالحكمة وحسن التدبير. ذكر المؤلف ثلاثة إنجازات رئيسية له: أولاً، تأسيس حكومة سورية برئاسة الدّاماد على أساس الاستقلال والدعوة إلى جمعية تأسيسية لوضع دستور ومعاهدة مع فرنسا. ثانياً، إقرار دستور لبنان وانتخاب رئيس للجمهورية (شارل دباس) بعد حل الخلافات بين الطوائف بحكمة. ثالثاً، ما قيل بعد سفره من باريس.

من حيث التحفظات، يُقر المؤلف بأن تصرفات بيير اليب كانت مخالفة لسياسة مرجعه الأعلى (المفوض السامي)، مما يثير سؤالاً حول مدى استقلالية المندوبين الفرنسيين في سورية عن السلطة المركزية. كما أن الفصل يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤل حول أسباب الاعتقال الفعلية للوزراء الثلاثة، حيث لم يُقدم الفصل إجابة قاطعة سوى أنهم اتهموا بتحريض الثوار. النص يظهر انقساماً واضحاً بين شخصيات فرنسية متعاونة وأخرى متآمرة، مما يجعل تحليل العلاقة بين الانتداب والحركة الوطنية السورية أكثر تعقيداً من كونها علاقة عداء تام.

بشكل عام، يقدم الفصل صورة حية للصراع الداخلي في سورية بين قوى الإصلاح الوطني بقيادة الدّاماد أحمد نامي وقوى النفوذ الاستعماري والمصالح الشخصية التي تمثلت بـبيير اليب وواثق المؤيد. يُظهر المؤلف بوضوح أن الحفاظ على الاستقلال والكرامة الوطنية كان يتطلب يقظة أخلاقية وسياسية عالية في مواجهة المؤامرات، وأن النزاهة الشخصية كانت أقوى من الطموحات الزائفة. يمكن الجدل بناءً على النص في مدى واقعية وصف الكونت دي جفنل بالحكمة والنجاح، خاصة في ظل سياسات الانتداب الأوسع، لكن المؤكد أن الفصل يعكس تحديات بناء الدولة في ظل تدخل أجنبي مستمر.

3.الفصل الثالث - دولة دمشق52–61▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على مرحلة تأسيس «دولة دمشق» في إطار سياسة التجزئة التي اتبعتها سلطة الانتداب الفرنسي في سورية، ويقدّم وصفاً تفصيلياً للفترة الانتقالية من انتهاء مرحلة الاضطرابات والثورات إلى محاولة بناء كيان إداري جديد. يبدأ الفصل بمشهد لجوء الأرمن من كيليكيا إلى سورية في أيار 1921 بعد الهدنة بين فرنسا وتركيا وانسحاب الجيش الفرنسي، حيث استقبلهم أهل حلب والإسكندرونة بحفاوة. يُشير الفصل إلى دور المطران سورمايان في توجيه الأرمن للاستقرار في الشمال بدلاً من السفر إلى لبنان، معبراً عن امتنانه للسوريين والحلبيين، كما يذكر دور الخطاب الكنسي في توطيد حسن المعاملة بين الطرفين.

يُعتبر إعلان المحكمة العسكرية الفرنسية في 1 حزيران براءة الزعيم الثوري إبراهيم هنانو من تهمة قيادة الثورة السورية بداية حقيقية للاستقرار، بعد أن كان الهنانو رمزاً للنضال في قلوب محبيه. ويُعزز هذا الاستقرار بإعلان المفوض السامي في 28 من الشهر نفسه عن الجمارك الموحدة بين المقاطعات الثلاث (دمشق، حلب، بلاد العلويين)، ثم بنقل الجنرال غورو من حاكمية اللاذقية إلى مهمة المفوض السامي، مما أسهم في تهدئة الأوضاع وكسب ثقة حتى الوطنيين.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تأسيس دولة دمشق رسمياً في تشرين الثاني، بتحديد حدودها من دمشق وأقضيتها، مع فصل بعض المناطق: إلحاق مصياف بمقاطعة العلويين، وفصل عجلون عن حوران وإلحاقه بمنطقة شرق الأردن الخاضعة للانتداب البريطاني. عُيّن حقي العظم رئيساً للحكومة بمعاونة مديرين عامين بدلاً من وزراء. يُشير الفصل إلى استقالة مدير الأمور العسكرية نصوحي البخاري بعد فترة قصيرة، لأن السلطة الفرنسية لم تستحسن وجود وزارة حربية في الدويلات خوفاً من تنامي النزعة العسكرية، بينما كان حقي العظم غير موافق على هذا الرأي. ويوثق الفصل أن حقي العظم أصدر بلاغاً في مطلع كانون الأول يؤكد فيه أن تحويل الوزارات إلى مديريات جاء بناءً على رأيه وموافقة زملائه لتخفيف النفقات.

يسجل الفصل تأسيس حزب معارض أُطلق عليه اسم «الحزب الوطني السوري»، لكن الفصل يشير إلى أن سخرية الناس أطلقت عليه «حزب الفول» بسبب ضعفه وعدم أهليته للبقاء. ثم يُفصّل الفصل قصة طريفة عن حفل أقامه رئيس بلدية دمشق عبد الرحمن الصواف تكريماً للمستشار الفرنسي بورتاليس، وصف فيه المستشار بأنه يُحسن «لغتنا السورية» بدلاً من العربية، مما تحوّل إلى نكتة تداولها الأدباء طويلاً.

كثير من تنظيمات حكومة دمشق كانت بالاشتراك مع البعثة الفرنسية، ومنها تحديد التسلسل البروتوكولي بين المسؤولين في الاحتفالات، وقد أرضى هذا الترتيب بعض عشاق الظهور ولكن أثار نقمة الكثيرين الذين جاءوا في الدرجات الأخيرة. كما جرى حصر الأعياد الرسمية التي تعطل فيها الدوائر الحكومية، واشتملت على الأعياد الإسلامية والمسيحية وعيد الجمهورية الفرنسية، مما أثار انتقاد الوطنيين المتطرفين لغياب عيد استقلال سورية وإلقائهم المسؤولية على الحكومة السورية.

يتناول الفصل جملة من الإجراءات الإدارية المفيدة التي قامت بها حكومة دمشق، منها: قرار تشغيل السجناء المحكوم عليهم لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات في أعمال يدوية خارج السجن بأجر، وتجهيز أدوات لمقاومة الحرائق تُعلق على الجدران بمشاركة الشعب، وتأسيس محكمة صلح في درعا لتخفيف مشقة السفر عن القرويين، وزيادة رواتب الموظفين في الموازنة بسبب فرق العملة الورقية عن الذهبية وغلاء المعيشة.

في الشأن الديني، يرد الفصل تحويل اسم «المديرية العلمية» التي أُنشئت في العهد الفيصلي إلى «مجلس الإفتاء» بالاتفاق مع رئيس البعثة الفرنسية، وعُرضت الرئاسة على الشيخ بدر الدين الحسني فاعتذر، كما هي عادته في الابتعاد عن المناصب. ثم عُزل الشيخ تاج الدين الحسني من المنصب بسبب تظاهره مع الوطنيين المتطرفين وتعاونه مع الصحافة التركية أثناء الحرب العالمية الأولى، وانتخب مجلس العلماء ثلاثة مرشحين هم ساطع البخاري وعبد المحسن الكيالي وأبو الخير عابدين، واختير أحدهم للمنصب.

يُظهر الفصل أن رائد الحكومة الأول كان الاقتصاد دون فرض ضرائب جديدة خوفاً من تذمر الشعب من الانتداب، مع مراقبة فرنسية علنية ومراقبة وطنية طبيعية. ثم ينقل الفصل موازنة العام الجديد 1922 التي بلغت وارداتها 1.111.998 ليرة سورية، أي ما يقارب ثلاثة ملايين فرنك.

يتناول الفصل أيضاً موضوع الأوقاف الإسلامية، ويشيد بالإدارة الفرنسية لإنشائها مراقبة عامة للأوقاف تشمل كل سورية ولبنان كمؤسسة دينية مستقلة مالياً وإدارياً تحت إشراف المفوضية العليا. في آذار 1922، عيّن المفوض السامي غورو الشيخ شفيق مؤيد العظم مراقباً عاماً، ورافقه مستشار فرنسي، وقامت المؤسسة بإصلاحات وتحسينات في الأبنية وزيادة الواردات رغم اعتراض بعض المواطنين على بعض القائمين عليها.

يسرد الفصل حادثة الاعتداء على المفوض السامي الجنرال غورو أثناء زيارته للسويداء عاصمة الدروز ومنطقة حوران. في 11 حزيران 1921، استقل غورو سيارة مع حقي العظم نحو الجولان، وأُطلق عليهم الرصاص من كمين. أصيب حقي العظم إصابة طفيفة لكنه تمدد فوق غورو لحمايته من الطلقات. لم يُصب غورو بأذى، وتمكنت العصابة من الفرار، لكن القبض على زعيمها أحمد مريود واُعدم بعد حكم القضاء العسكري الفرنسي. تركت بادرة حقي العظم أثراً جميلاً في نفس غورو والفرنسيين، فأحاطوه بالثقة والتقدير طيلة فترة الانتداب.

يناقش الفصل انقسام الرأي السوري بين تيار يدعم عودة الملك فيصل ملكاً على سورية، وآخر يرجح النظام الجمهوري. سافر بعض الزعماء الموالين للملكية إلى جنيف واتصلوا بالملك فيصل واقنعوه بجهودهم لاستعادته، لكنهم بعد العودة إلى دمشق عدلوا عن فكرتهم أمام إصرار الوطنيين الاستقلاليين على الجمهورية. ويورد الفصل موقف جريدة «ألف باء» بلسان صاحبها يوسف العيسى التي هاجت المتحولين عن وعودهم للملك فيصل بسؤالهم: «هل برئت الأمانة إلى صاحبها؟». ويخلص الفصل إلى أن أكثرية الرأي العام لم تفتر عن المطالبة بالوحدة السورية أولاً ثم بعودة الملك فيصل، حتى أن بعض المقربين من فرنسا كانوا يرجحون الملكية كحل لتجنب التزاحم الحزبي على المقام الأول. لكن الفصل يقر بأن الواقع التاريخي يثبت أن الأحزاب لا بد منها في أي شعب حر، وأن نجاح الحكم يعتمد على رقي الشعب وانتقائه لممثليه.

أخيراً، يوثق الفصل قصة «بين الجد واللعب» التي تكشف عن صراع بين الصورة الإعلامية المثالية والواقع السياسي. أوفدت حكومة دمشق مدير العدلية بديع المؤيد ومدير المعارف جميل كرد علي إلى باريس للاتصال بذوي الاختصاص للحصول على تنظيمات قابلة للتطبيق في سورية. نُسب إليهما تصريح في جريدة «فيغارو» الباريسية بأن «سورية أصبحت بفضل الانتداب الفرنسي جنة الله في أرضه». وعند عودتهما، وبينما عاد المؤيد مباشرة، عرج كرد علي على القاهرة حيث لاقاه الوطنيون اللاجئون هناك بتعنيف شديد بسبب هذا التصريح، قائلين له: «أتصبح سورية جنة الله في أرضه وهي ممزقة الأوصال ومقسمة إلى خمس دويلات؟». وتنصل كرد علي من الحديث وأجبر على نشر تنصله في إحدى الجرائد العربية في القاهرة لإنهاء مقاطعته. كما زار المندوب الفرنسي المفوض السامي الكولونيل كاترو العاصمة السورية، وأخرج من جارور منضدته نسخة من «فيغارو» وسأل مدير المعارف عن صحة الحديث، ملوّحاً بالصحيفة المصرية التي نشرت التنصل. هذه الحادثة تظهر التناقض بين الدعاية الفرنسية للانتداب والواقع الشعبي المعارض للتجزئة.

3.الفصل الثالث - من ذيول العهد الفيصلي والاحتلال الأجنبي32–40▼ ملخص

ملخص الفصل الثالث – من ذيول العهد الفيصلي والاحتلال الأجنبي

يُعالج هذا الفصل من كتاب "سورية والانتداب الفرنسي" ليوسف الحكيم المرحلة الانتقالية المضطربة التي أعقبت سقوط الحكم الفيصلي ودخول الجيش الفرنسي إلى سورية، مركزاً على الأحداث التي كشفت هشاشة الوضع السياسي وغياب التخطيط الفرنسي المحكم. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن فترة ما بعد الاحتلال لم تكن مجرد تسليم إداري، بل كانت فترة مشحونة بالمقاومة الشعبية، والمساعي الانفصالية التي حرّضت عليها بريطانيا، والأخطاء الفرنسية التي فجّرت ثورة شعبية كادت تقضي على مشروع الانتداب في مهده.

يسير الفصل عبر سرد متسلسل للأحداث، مبتدئاً بإجراءات الحكومة السورية المؤقتة التي حاولت ملء الفراغ بعد كارثة ميسلون. فقد أصدر وزير الدفاع جميل الألشي بلاغاً للتطوع في الجيش السوري بهدفين: سد النقص في الجيش بعد مغادرة العديد من الجنود للبلاد، وتوفير فرص عمل للمواطنين. وقد لقي هذا البلاغ قبولاً حسناً في الأوساط الوطنية. ثم ينتقل الفصل إلى مصير زعماء الجهاد الوطني، مشيراً إلى أن البطل يوسف العظمة استُشهد في ميسلون، بينما غادر آخرون البلاد إلى الأردن وفلسطين ومصر. وقد صدر بحقهم حكم بالإعدام من المجلس الحربي الفرنسي في دمشق في شهر آب، لكن سرعان ما صدر عفو عنهم ليعود معظمهم ويواصلوا الجهاد السياسي، بل وتعاون بعضهم مع الانتداب في مناصب عليا لاحقاً. ويعلق المؤلف بأن العفو أثار التقدير، معتبراً أن الحكم الأولي كان مجرد تدبير مؤقت لضرورة الاستقرار.

يتطرق الفصل بعد ذلك إلى قضية العملة، موضحاً أن المنطقة الشرقية كانت تستخدم الورق النقدي المصري تبعاً للجيش البريطاني، بينما كان الورق النقدي السوري الصادر عن بنك سورية بقرار من المفوض السامي في آذار 1919 مقتصراً على المنطقة الغربية. وبعد الاحتلال الفرنسي، أجبرت السلطات على التعامل به تحت طائلة المحاكم العسكرية. وفي 8 أيلول صدر قرار باعتبار الورق النقدي السوري العملة الرسمية لحساب الضرائب والرسوم. ويشير المؤلف إلى أن قيمة الليرة السورية الورقية بدأت تتناقص تدريجياً لكنها لم تتجاوز الخمس حتى عام معين، وأن رواتب الموظفين كانت تُصرف مع مراعاة هذه النسبة دون أن تثير شكاوى.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً وأساسياً لحركة انفصالية خطيرة في حوران، حيث خطط مشايخها لفك ارتباطهم عن سورية والالتحاق بشرقي الأردن. ويوضح المؤلف أن بريطانيا لم توافق على الانتداب الفرنسي إلا بعد ضمان فك لواء الموصل عن سورية، ثم انسحاب الفرقة الهندية من درعا. وبعد إجبار الملك فيصل على مغادرة سورية عبر درعا إلى حيفا، أحاط به الحورانيون وأبدوا له العطف وأثاروا نقمتهم ضد الفرنسيين، فعزموا على الثأر له. ثم يسرد الفصل قيام رئيس الحكومة علاء الدين الدروبي ورئيس مجلس الشورى عبد الرحمن اليوسف بقيادة وفد حكومي إلى درعا في 18 آب لإقناع المشايخ بالعدول عن مطالبهم الانفصالية، بعد أن تلقوا برقية مشفرة تفيد بعقدهم اجتماعاً في إزرع لتحقيق هذا الهدف.

وهنا تصل الأحداث إلى ذروتها المأساوية في "فاجعة خربة الغزالة". حين وصل القطار إلى قرية خربة الغزالة، وجد الوفد حشداً مسلحاً هائلاً. تبادل الجنود المرافقون للوفد إطلاق النار مع الحورانيين، مما أدى إلى مقتل الجنود الثلاثة وعدد من الحورانيين. اندفع الثوار نحو الوفد، وأصيب الرئيس الدروبي برصاصة قتلته، بينما تم إنزال رئيس المجلس عبد الرحمن اليوسف من مخبئه وتعرض للضرب حتى الموت. يصف المؤلف الفوضى والهياج الذي أعقب ذلك، ويذكر أن الشيخ عبد الجليل الدرة أنقذ نفسه وزميله عبد القادر الخطيب بفضل حنكته ومعرفته بأهالي المنطقة. ثم تحرك القطار إلى درعا حيث كان الحشد أيضاً في حالة هياج، لكن الشيخ الدرة استطاع تهدئتهم. ردت القوات الفرنسية بقوة، واشتبكت مع الثوار في معارك أسفرت عن مقتل العديد منهم، وفرضت غرامة على الحورانيين قدرها عشرة آلاف ليرة ذهبية دية للرئيسين، وغرامات أخرى. وأعدمت السلطة الفرنسية ثلاثة أشخاص من الحورانيين ثبتت إدانتهم. ويخلص الفصل إلى أن محافظة حوران بقيت في الدولة السورية، لكن قضاء عجلون فُك عنها وألحق بمنطقة شرقي الأردن.

في تحليل للأسباب، يرى المؤلف أن هذه الفاجعة كانت نتيجة "قلة الخطة" لدى قائد جيش الاحتلال وأركانه، الذين لم يدركوا النفوذ الهائل للملك فيصل في حوران عندما أمروه بالمغادرة عبر درعا، مما أتاح له إثارة الحماس ضدهم. ويقارن بين جهل الفرنسيين ودهاء الميجر سمرست البريطاني، الذي وجّه أهالي عجلون نحو الالتحاق بمنطقة نفوذه. ويخلص المؤلف إلى تشاؤم السوريين من الانتداب الفرنسي منذ بدايته، وهو التشاؤم الذي عززته لاحقاً سياسة التجزئة.

يختتم الفصل بمناقشة تشكيل الحكومة الجديدة. بعد اغتيال الرئيسين، اجتمع الوزراء الباقون في 14 آب 1920 وفوّضوا وزير الحربية جميل الألشي بمهام رئاسة الوزراء مؤقتاً. وفي 1 أيلول أصدر المفوض السامي قراراً بتأليف وزارة جديدة برئاسة حقي العظم (الذي عُيّن لرئاسة مجلس الشورى بدلاً من الرئاسة) ووزراء آخرين من وجهاء دمشق. يعلق المؤلف على هذا التشكيل بأنه يدل على بدء تنفيذ سياسة تجزئة البلاد إلى دويلات، واقتصار دولة دمشق على جزء من ولاية سورية السابقة، وأن الاحتفاظ بلقب "وزارة" بدلاً من "مديرية عامة" كان مجرد تخفيف مؤقت لوقع التجزئة.

4.الفصل الرابع - عودة إلى حوادث اللاذقية250–262▼ ملخص

الفصل الرابع من كتاب "سورية والانتداب الفرنسي" ليوسف الحكيم هو فصل طويل وكثيف، يبلغ طوله حوالي 40 صفحة، ويتمحور حول عودة المؤلف إلى تفصيل الأحداث التي شهدتها مدينة اللاذقية ومقاطعة بلاد العلويين تحت الحكم الفرنسي. الموضوع المحوري هو نقد سياسات الإدارة الفرنسية ممثلة بحاكم المقاطعة مسيو شفلر، الذي يصفه المؤلف بأنه من أسوأ الحكام الذين تعاقبوا على المنطقة، وذلك بسبب سوء إدارته وخططه الهادفة إلى إثارة الفتن الطائفية لمنع ضم المقاطعة إلى سورية الموحدة. يقدم المؤلف إجابته بوضوح من خلال سرد وقائع ملموسة وأدلة شخصية تظهر كيف عمل شفلر ومعاونوه على تقويض الوحدة الوطنية.

يسير الفصل عبر عدة محاور رئيسية. يبدأ بمقارنة بين حكام اللاذقية، معتبراً أن أفضلهم كان الجنرال بيبو، بينما كان شفلر هو الأسوأ. يعزو المؤلف فشل شفلر الإداري لسببين رئيسيين: الأول هو معارضته لضم المقاطعة إلى سورية رغم موافقة سلفه الكونت دي جفنل، والثاني هو تدخل زوجته في شؤون الإدارة مما أثار الانتقادات. ثم ينتقل الفصل إلى تسليط الضوء على شخصيات محلية بارزة مثل الوجيه إسحق نصري، الذي يصفه المؤلف بأنه زعيم مخلص لوطنه، ويوضح كيف حاول شفلر تقويض نفوذه في المجلس التمثيلي بانتخاب شخص آخر لنيابة الرئاسة بدلاً منه، معترفاً بأن نصري ظل محترماً رغم ذلك.

يستمر الفصل بتفصيل سلسلة من الحوادث المحددة التي يستخدمها المؤلف كأدلة. يذكر قصة مدير العدلية روسيه الذي حاول نقل القاضي أمين الحكيم (شقيق المؤلف) من اللاذقية إلى الحفة عقاباً له على رفضه تنفيذ أمر يخل بمبدأ المساواة أمام القانون. ويشير المؤلف إلى تدخل مسيو ليبسييه، الأمين العام المعاون النزيه، الذي ألغى قرار النقل وأعاد القاضي إلى منصبه. ثم ينتقل الفصل إلى الحادثة الأكثر تفصيلاً، وهي استغلال جنازة عائلية (وفاة ابن شقيق المؤلف ووالدته تباعاً في آذار 1933) لإثارة الفتنة. يصف المؤلف كيف حاول شفلر منع المطران إبيفانيوس من ترؤس الجنازة، واستأجر عشرة أشخاص سكارى لإلقاء الحجارة على المشيعين في المقبرة بهدف خلق اشتباك طائفي. يكشف المؤلف أن الهدف المعلن لشفلر لمساعديه كان خلق جو من عدم الرضا بين المسيحيين والعلويين حول جهود الوفد السوري في باريس لتحقيق الوحدة. يقدم الفصل تفصيلاً كاملاً لخطاب ألقاه المؤلف في المقبرة بعد دفن الفقيدة، هاجم فيه السياسة الفرنسية وأشاد بالوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين الذين شاركوا في التشييع.

يورد الفصل أيضاً حادثة أخرى وقعت في تشرين الثاني 1937، وهي مشاجرة شخصية بين شاب مسيحي ومسلمين انتهت بمقتل الأول. يوضح المؤلف كيف استغلها المطران تريفون وأنصاره الانفصاليون، فأطلقوا الأجراس ونشروا إشاعات عن اضطهاد ديني، محاولين تحويلها إلى فتنة طائفية كبرى. يستخدم المؤلف رسالة من كتاب "أخ صادق إلى أخيه" كدليل على أن الحادث كان شخصياً (نزاع على مومس) وليس له علاقة بالدين، وأن كبار المسلمين منعوا انفجار الفتنة. كذلك يتناول الفصل شخصية سلمان المرشد الذي صعد نفوذه في جبال العلويين بدعم من الفرنسيين، مشيراً إلى التناقض في تعامل الإدارة معه.

في ختام التحليل، يُقرّ المؤلف بحدود ما لا يمكن للفصل تغطيته، إذ يترك قصة المفاوضات في باريس جانباً قائلاً إن تفصيلها سيرد في فصول لاحقة. كما يعترف ضمنياً بأن روايته تستند إلى خبرته الشخصية وعلاقاته، مما قد يشكل تحيزاً طبيعياً. من النقاش الواضح في النص أن المؤلف لا يتحفظ في إدانة شفلر، معتبراً جميع أفعاله مدبرة ومؤامراتية، دون تقديم وجهة نظر الجانب الفرنسي. قد يرى قارئ أن إرجاع كل الأحداث إلى مؤامرة من شخص واحد يبسّط تعقيدات الواقع السياسي والطائفي في ذلك الوقت، لكن هذا هو منطق المؤلف الواضح والمباشر في الفصل.

4.الفصل الرابع - حكومة الداماد الثالثة185–204▼ ملخص

بدأ الفصل الرابع من كتاب "سورية والانتداب الفرنسي" ليوسف الحكيم بوصف المرحلة التي تلت استقالة المفوض السامي الفرنسي الكونت دي جفنل، الذي كان قد توصل إلى اتفاق مع رئيس الدولة السورية أحمد نامي (المعروف بالداماد) لتحقيق استقلال سورية ووحدتها. وقد عينت الحكومة الفرنسية بدلاً منه مسيو هنري بونسو في الثالث من أيلول، وكان معظم السوريين والفرنسيين قد أسفوا لاستقالة دي جفنل، باستثناء المندوب بيير اليب الذي لم يكن راضياً عن الاتفاق.

يسرد المؤلف كيف سارع المندوب بيير اليب، بعد علمه باستقالة دي جفنل، إلى الاتفاق مع صديقه واثق المؤيد، وزير الداخلية، بهدف خلق جو من النقمة على رئيس الدولة أحمد نامي لإجباره على الاستقالة. ويقدم الكاتب دليلاً على ذلك من خلال حادثتين: الأولى، دعوة وزير الداخلية لمدير الأمن العام خليل كبارة، وهو رجل نزيه، وطلب منه إلقاء القبض على بعض الوطنيين بتهم ملفقة، وهو ما رفضه المدير. والثانية، تكليف معاون مدير الأمن نقولا شاهين بمهمة مماثلة، وهو ما نقله شاهين إلى رئيس الدولة الذي شجعه على التمسك بالحق والقانون دون خوف.

يتابع الفصل وصول المفوض السامي الجديد بونسو إلى بيروت في أوائل تشرين الأول، حيث أبدى ثقته برئيس الدولة السورية. وبعد اطلاعه على موقف مندوبه بيير اليب، الذي وجده منافياً لخطة مرجعه، أطلق يد الرئيس أحمد نامي لتأليف وزارة جديدة (وهي الثالثة في عهده)، تاركاً له الخيار في الجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء أو الفصل بينهما. يصف الكاتب محاولات تشكيل الحكومة، حيث اعتذر كل من وزير العدل الحكم والسيّد هاشم الأتاسي عن تولي رئاسة الوزراء لأسباب مختلفة، ليقوم الرئيس في النهاية بتأليف وزارته الثالثة بنفسه ضاماً رئاستي الدولة والوزراء، وقد ضمت وزراء جدداً مثل رؤوف الأيوبي ورشيد المدرس.

يخصص المؤلف قسماً كبيراً من الفصل لوصف النقاش الذي دار حول الجمعية التأسيسية. فبعد تأليف الوزارة، عقد رئيس الدولة جلسة مع الوزراء أكدوا فيها على ضرورة إجراء انتخابات حرة. وعندما زار المفوض السامي بونسو دمشق، دار حوار بينه وبين الوزراء حول برنامج الحكومة. شدد الوزراء على وجوب تنفيذ الاتفاق السابق لانتخاب جمعية تأسيسية، بينما أبدى بونسو قلقه من فوز "المتطرفين" بالانتخابات، وانتهى الاجتماع بتأجيل البت في الأمر إلى وقت لاحق. وتتجلى هنا التحفظات التي يبديها المؤلف حول تعمد المندوب الفرنسي المماطلة في الموافقة على تعيين مختار الشريف محافظاً لحمص، مما دل على استمرار الخطة المعرقلة.

بعد مغادرة المندوب بيير الليب سورية، إثر إقالته لتعارض خطته مع سياسة فرنسا، بدأ دور شخصية جديدة تبرز على المسرح السياسي، وهي الشيخ تاج الدين. يوضح المؤلف أن الشيخ تاج، الذي كان قاضياً شرعياً في دمشق، كان يعمل في الخفاء بالاتفاق مع الكابتن كوليه (قائد الفرقة الجركسية) وبالتحالف مع واثق المؤيد. وقد حاول الكاتب إقناعه بالتفاهم مع رئيس الدولة، لكن السلطات الفرنسية العليا، ممثلة بالكولونيل كاترو، أفشلت هذا التفاهم، معتبرة أن الشيخ تاج متفق مع المعارضين بهدف الوصول إلى الحكم. يكشف المؤلف عن أن السبب الأساسي لمعارضة الشيخ تاج هو التزعزع الذي أحدثته المكانة الدينية العالية لوالده، والتي كان يستند إليها رجال الانتداب لدعمه.

يحلل الفصل موقف رجال الانتداد من الحكومة، مبرزاً التناقض بين ثقة المفوض السامي بونسو ومعظم رجال المفوضية العليا برئيس الدولة، وبين معارضة المندوب ومعاونيه في دمشق لكل نشاط حكومي. يفسر المؤلف ذلك بعاملين: أولاً، صعوبة تقبل العسكريين والموظفين القدامى في المندوبية لحكومة وطنية تسير وفق خطة مستقلة. وثانياً، تكتيك المندوب في تعطيل مراسيم تعيين الموظفين وإطالة أمدها مما يضعف ثقة الناس بالحكومة ويدفعهم لاسترضاء موظفي المندوبية. ويقدم مثالاً على ذلك بمعارضة الشيخ ناج الدين، رئيس القضاء الشرعي، للحكومة وتحالفه مع الكومندان كوليه، ونعته لرئيس الدولة بأنه "جركسي المولد والمنشأ"، ليكشف عن مستوى العداء الذي واجهته الحكومة.

يتخلل الفصل وصف لحدثين شخصيين للمؤلف، هما زواجه ووفاة والدة رئيس الدولة، لكنهما يقدمان دليلاً على الاستقرار النسبي والعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة. ففي حفل زواجه بحلب في منتصف كانون الأول سنة 1930، كان من المقرر أن يحضره رئيس الدولة والمفوض السامي وكبار المسؤولين، لكن وفاة والدة رئيس الدولة حالت دون إقامة الحفلات الكبيرة. أما وفاة والدة الرئيس، فكانت مناسبة لتأكيد العلاقات الطيبة التي جمعته برئيس الدولة وبالمجتمعين السوري والفرنسي على حد سواء.

مع اشتداد الأزمة السياسية، وبسبب تردد المفوض السامي بونسو في تنفيذ الاتفاق وإجرائه مفاوضات مع الزعيمين الوطنيين هاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو دون علم رئيس الدولة، شعر الوزراء الستة بعدم الثقة بالسياسة الجديدة، وقدموا استقالتهم في شباط سنة 1931. يورد المؤلف نص كتاب الاستقالة، والذي يشير إلى أن المفوضية العليا استدعت زعماء الحزب الوطني دون إطلاع رئيس الدولة، مما جعلهم يرون أن استمرارهم يعيق تحقيق الأهداف الوطنية. وعندما تسلم رئيس الدولة الاستقالة، ذهب إلى المفوض السامي وأضاف إليها استقالته من رئاسة الدولة، ليجد بونسو نفسه في مأزق حقيقي.

قاد هذا المأزق إلى فشل مفاوضات مسيو مفرا مع الزعماء الوطنيين في العاشر من شباط، بسبب تمسك الوطنيين باتفاق دي جفنل الذي يضمن الاستقلال والوحدة. وفي هذه الأثناء، شاعت أنباء عن تكليف المفوض السامي للشيخ تاج الدين بتأليف الوزارة، ليعود الشيخ إلى دمشق في منتصف شباط لاختيار وزرائه. هنا يطرح المؤلف فرضية قابلة للنقاش، مفادها أن المفوض السامي بونسو كان يحاول إحراج الداماد أحمد نامي حتى لا يتهم بعرقلة التفاهم، عندما عرض عليه في لقاء خاص فكرة تتويجه ملكاً على سورية لإبقائه على الحياد، وهو العرض الذي رفضه الداماد خوفاً من أن يفقد صديقاً في سورية.

في ختام الفصل، يصف المؤلف الأسف العام الذي ساد في سورية وفرنسا لاستقالة الداماد، وانتقاد العقلاء لاضطراب سياسة الانتداب وترددها بين تنفيذ اتفاق الإستقلال والعودة إلى سياسة النفوذ والهيمنة. ويشير إلى أن استقالة الداماد قادت إلى استقالة الكولونيل كاترو، المستشار العسكري والسياسي في المفوضية، احتجاجاً على السياسة الجديدة التي وصفها بأنها أضاعت أصدقاء فرنسا وكسبتها أعداء. وقد انتهى عهد الداماد أحمد نامي في شباط سنة 1931، عائداً إلى حياته الخاصة في بيروت بعد أن كان قد نال احترام وتقدير معظم السوريين والفرنسيين على حد سواء.

4.الفصل الرابع - بلاد العلويين62–84▼ ملخص

يخصص هذا الفصل لدراسة بلاد العلويين (منطقة اللاذقية) تحت الانتداب الفرنسي. الموضوع المحوري هو كيف سعت الإدارة الفرنسية، عبر سلسلة من السياسات والإجراءات، إلى تثبيت إدارة منفصلة لهذه المنطقة، وخلق هوية طائفية متميزة لطائفة العلويين، وعزلها عن الحركة الوطنية السورية الوحدوية. يقدم المؤلف، الذي شغل منصب مدير العدلية هناك، شهادة مباشرة على هذه السياسات، وينتقل من وصف التقسيمات الإدارية إلى عرض تفصيلي لصراعاته مع السلطة العسكرية.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً بالخلفية التاريخية والإدارية. يوضح المؤلف أن المنطقة، التي كان يقطنها حوالي سبعين ألف نسمة في بداية الانتداب، كانت قد فُصلت عن سورية بموجب قرار من المفوض السامي، وأصبحت مقاطعة مستقلة يحكمها قائد عسكري فرنسي، بدءاً من الليوتنان دو لا روش (Lieutenant de la Roche) وصولاً إلى الكولونيل نييجر (Colonel Niéger). ويبرز أن من أسباب إطلاق اسم "بلاد العلويين" هو أن العلويين يشكلون الأكثرية الساحقة، مضافاً إلى ما عانوه من تهميش في العهد العثماني، مما جعل السلطة الفرنسية تسعى لكسب ولائهم.

يُفرد الفصل حيزاً مهماً لثورة الشيخ صالح العلي العلوي (قضاء المرقب). يصف المؤلف كيف اندلعت الثورة بعد اشتباكات في نيسان من عام ما، ووصلت ذروتها بمعركة قرب قلعة المرقب في شهر حزيران، والتي استبسل فيها الشيخ صالح وجماعته وأسفرت عن إصابة القائدين الفرنسيين مينو (Menoux) وجواني (Joanny). يشرح المؤلف أن نجاح الشيخ صالح أكسبه شهرة واسعة وأقام علاقة مع زعماء الشمال كإبراهيم هنانو، مما أمد الثوار بالسلاح والعتاد القادم من المنطقة الشرقية ومن مصطفى كمال أتاتورك مباشرة. انتهت هذه الثورة عام 1921 باعتزال الشيخ صالح السياسة والإقامة الجبرية في منطقة الشيخ بدر. إزاء هذا التحدي، غير الكولونيل نييجر تكتيكه من القمع العسكري المباشر إلى سياسة إدارية تتضمن إنشاء مجلس تمثيلي استشاري، كان من أبرز أعضائه الوجيهان العلويان عبد الواحد هارون وإسحق نصري.

في صلب الفصل، يروي المؤلف تفاصيل توليه منصب مدير العدلية. يصف كيف نظم الشؤون العدلية بتعيين قضاة أكفاء، ويشير إلى أن القضاء كان يسير على أسس العهد العثماني، وأن مرجع التمييز كان محكمة التمييز اللبنانية. لكنّ النقطة الأكثر دراماتيكية هي صدامه المباشر مع السلطة العسكرية. يحدثنا المؤلف عن حادثتين: الأولى عندما أمر معاون الحاكم، الليوتنان كولونيل فرنسوا (François)، بإطلاق سراح متهم بالقتل لتعاونه مع الحملة العسكرية، مما أثار استغراب المؤلف الذي رأى فيه تدخلاً صريحاً في القضاء. الحادثة الثانية والأكثر خطورة كانت عندما طلب منه معاون الحاكم نفسه إقالة النائب العام، الأستاذ الكسبي مرقص، بسبب صلاته بالمطران أرسانيوس الذي رفع شكوى للمفوضية العليا حول تدبير جمع السلاح في قرى مسيحية. يصف المؤلف رفضه القاطع لهذا الطلب، متمسكاً بحرمة القضاء واستقلاله، ومفضلاً تقديم استقالته على تنفيذ هذا الأمر المخالف للقانون والعدالة. يذكر أن موقفه هذا لاقى إشادة واسعة من الوجهاء والوطنيين وحتى الفرنسيين، وعلى رأسهم محافظ المدينة السيد هيبر (Hybert).

يواصل الفصل بوصف تحرك المؤلف في بيروت لدى المفوضية العليا، حيث التقى بمسيو كارلييه (Carlier). يؤكد المؤلف أنه وبعد تحقيقات سرية أجرتها المفوضية، ثبتت صحة أقواله، وصدر الأمر بإعادة الليوتنان كولونيل فرنسوا إلى فرنسا دون مرور ببيروت، بينما ظل الكولونيل نييجر على رأس الحملة العسكرية. تقرر أن يبقى المؤلف في بيروت بإجازة مدفوعة الراتب لحين انتهاء المهمة العسكرية للحاكم. ويختم هذا القسم بالإشادة بدور رجلين عظيمين: البطريرك الأرثوذكسي غريغوريوس حداد ورئيس محكمة التمييز اللبنانية نجيب أبو صوان، في دعمه لموقفه ومناصرته للعدالة.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن عهد الجنرال بيوت (Billotte)، الذي خلف الكولونيل نييجر بعد نجاحه في القضاء على العصابات الثائرة. يصفه المؤلف بأنه قائد عسكري وإداري حازم، تميز بإنجازاته العمرانية في اللاذقية كفتح الشوارع وتعبيدها، وتنوير المدينة بالكهرباء، وجلب المياه من نبع دلفه على بعد ثلاثين ميلاً، مما جلب الاستقرار والأمن. يورد المؤلف حادثة احتفال المسلمين بعيد الأضحى حيث تظاهروا حاملين صورة مصطفى كمال أتاتورك، مما أثار حفيظة مدير الشرطة سيفادون (Sévadon) الذي هاجم المتظاهرين فانهزموا. يُظهر المؤلف حكمة الجنرال بيوت الذي أطلق سراح معظم المحتجزين، وعاقب المتورطين في الضرب بعقوبات خفيفة، ثم عاقب مدير الشرطة بنقله من منصبه لتهوره. كما يسلط الضوء على دهاء الجنرال بيوت في إحباط مؤامرة من مدير الداخلية تومي مارتن (Tommy-Martin)، الذي حاول استفزاز المسلمين بدفع المسيحيين للتظاهر حاملين الصليب في أحيائهم يوم عيد الفصح. يؤكد المؤلف أن بيوت تدخل وألغى التظاهرة ومنع أي احتفال، متجنباً بذلك فتنة طائفية كانت وشيكة.

  • المعرفة والاستنتاجات الرئيسية: أخيراً، يخصص الفصل جزءاً للحديث عن المدرسة الأرثوذكسية، وتعهد الجنرال بيوت بدعمها. لكنّ الأهم هو لقاء المؤلف الأخير بالجنرال حيث عرض عليه أن يكون مفتشاً عنه يرفع تقارير الإصلاح. يرفض بيوت الفكرة لصعوبة تقبل الضباط المنتصرين في الحرب لنقد من أبناء الشعب المنتدب عليه. ينتهي الفصل بتوديع جماهيري حاشد للجنرال بيوت، الذي نُقل إلى حلب بعد إعلان الاتحاد السوري عام 1925 بين حكومات دمشق وحلب واللاذقية، مما أدى لتشكيل محكمة تمييز عليا وتولي يوسف الحكيم رئاسة دائرتها الثانية. خلفه الكومندان ديكلان (Desclaux) في حكم بلاد العلويين.

  • (فقرة أخيرة - رأي شخصي بناءً على النص): مما لا شك فيه أن الفصل يقدم رؤية نقدية لسياسة الانتداب القائمة على "فرق تسد" ومحاولة خلق كيانات طائفية وسياسية منفصلة. ومع ذلك، فإن سرد المؤلف يظل شهادة شخصية لمسؤول رفيع المستوى، مما يجعله عرضة لمناقشة موضوعية حول مدى تمثيل تجربته الفردية للواقع العام. فبينما يصور المؤلف نفسه كمدافع صلب عن استقلال القضاء، قد يرى قارئ آخر أن تصرفاته كانت ضمن حدود ما تسمح به السلطة الفرنسية نفسها. ورغم هذا، فإن التفصيل الدقيق لحياته الإدارية والصراعات اليومية التي واجهها مع القادة العسكريين يقدم مادة تاريخية قيّمة عن ممارسات السلطة الاستعمارية والتفاعلات المعقدة بين النخب المحلية والإدارة الأجنبية.

4.الفصل الرابع - الثورة السورية111–125▼ ملخص

ملخص الفصل الرابع – الثورة السورية

يتناول هذا الفصل الثورة السورية التي انطلقت من جبل الدروز عام 1925، ويقدم المؤلف تفسيراً لمقدماتها وأسبابها، ويسرد تطوراتها خطوة بخطوة، من اندلاعها في الجبل إلى امتدادها إلى دمشق وغيرها من المناطق السورية. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن الثورة كانت نتيجة حتمية لسياسة الانتداب الفرنسي، وتحديداً لإدارة الحاكم العسكري الكابيتين كاربييه في جبل الدروز، الذي أثار سخط الأهالي بسياساته المتعسفة تجاه زعمائهم التقليديين، خصوصاً آل أطرش.

يبدأ الفصل بمقدمة عن السياسة الاستعمارية بين فرنسا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى، ويشير إلى اتفاق سان ريمو في نيسان 1920 الذي قسّم المنطقة، فكانت سورية من نصيب فرنسا، بينما ذهبت فلسطين والعراق لبريطانيا. ويوضح المؤلف أن هذا التقسيم أدى إلى اضطرابات على الحدود واتهامات متبادلة بين الحليفتين بدعم الثوار.

ثم ينتقل المؤلف إلى نبذة عن تاريخ جبل الدروز، الذي كان في العهد العثماني حصناً للكرامة القومية يديره زعماء من آل أطرش. بعد الحرب العالمية الأولى، أصدر المفوض السامي الجنرال غورو قراراً باعتبار الجبل حكومة مستقلة بإدارة الأمير سلطان الأطرش، مع مندوب فرنسي، فانفصل الجبل عن حكومة سورية وأصبح تابعاً مباشرة للمفوضية الفرنسية.

يخصص الفصل مساحة للحديث عن شخصية الكابيتين كاربييه، الحاكم العسكري للجبل منذ كانون الأول 1924، وينقل انطباعات سكان الجبل عنه التي انقسمت إلى فريقين: فريق يراه عطوفاً على الفقراء، نزيهاً، مصلحاً، ومتصدياً للإقطاعيين (وفي مقدمتهم آل أطرش)؛ وفريق آخر يراه مستبداً، متجاهلاً مكانة الأسر العريقة، يحط من كرامة الوجهاء، ويستند في عدائه لآل أطرش إلى تحريض منافسيهم من آل الحلبي وغيرهم. ويؤكد المؤلف أن كاربييه لم يُتهم بالفساد المالي، لكنه تعرض لانتقادات من زملائه الذين رأوا أن مسايرة آل أطرش كانت ستؤدي إلى سلام في الجبل.

عندما غاب كاربييه في إجازة خلال أيار 1925، خلفه الكابيتان رينو الذي حسن معاملة الأهالي، فأرسلوا وفداً يطلبون إبقاءه، لكن طلبهم رُفض بتهمة اتباع سياسة أجنبية معادية (يقصد بريطانيا)، وعُين مكانه الكومندان تومي مارتن، رئيس دائرة الاستخبارات السورية في دمشق، الذي وصفه المؤلف بأنه فشل في وظائفه السابقة.

سار تومي مارتن على خطة كاربييه، متصلاً بالفريق المعادي لزعامة آل أطرش، مما دفع هؤلاء إلى تشكيل وفد من مشايخ الجبل لمقابلة المفوض السامي الجنرال سراي في بيروت. ويصف المؤلف اللقاء بوصف دقيق: بعد انتظار طويل، قابلهم سراي وقوفاً، واستمع إليهم، ثم قال إنه واثق بكاربييه وطلب منهم طاعته. كان رد الفعل لدى الوفد قاسياً، إذ شعروا بالإهانة لعدم جلوس المفوض معهم وتقديم القهوة (كما جرت العادة عند الشرقيين)، مع أن طلبهم اقتصر على إبدال كاربييه فقط دون التعرض للانتداب.

بعد عودة الوفد، بدأت المعركة. استدعى تومي مارتن بعض آل أطرش وهددهم، ثم نفى آخرين إلى تدمر، وأمر بإحضار سلطان باشا الأطرش، لكن الأخير رفض. أرسل تومي مارتن مفرزة بقيادة الضابط نورمان لإحضاره في 11 تموز 1925، وفي الطريق فاجأتهم قوة شعبية في قرية الكفر، فقتلت معظمهم واستولت على أسلحتهم، ولم ينجُ سوى حوالي ستين جندياً.

عززت السلطة الفرنسية قواتها في الجبل وتحصنت في قلعة السويداء، لكن الثوار هاجموا السويداء نفسها بقيادة سلطان الأطرش، وحاصروا القلعة.

يتناول الفصل بعد ذلك حملة الجنرال ميشو لفك الحصار عن القلعة. تحركت فرقته في 2 آب، لكن الثوار نصبوا كميناً لها واستولوا على ذخيرتها. وأثناء عودتها، فوجئت بثوار بقيادة سلطان الأطرش قاتلوهم بالسلاح الأبيض، وألحقوا بها خسائر فادحة في العتاد والأرواح. يعلق المؤلف على هزيمة ميشو، فيذكر أن الجهات الفرنسية عزتها إلى قوة الثوار وبطولتهم، بينما يرى المؤلف أن الاستغناء عن جزء كبير من جيش الاحتلال وإرساله إلى المغرب كان سبباً رئيسياً في ضعف الحملة.

بعد هذا الانتصار الباهر، انتشر خبره بسرعة في دمشق وسائر سورية ومصر. توافد الزعماء الوطنيون إلى جبل الدروز ابتداءً من الثلث الأخير من آب، ومنهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، القائد حسن الحياني، فوزي البكري، نسيب البكري، شكري القوتلي، الأمير عادل أرسلان، المقدم مصطفى وصفي، وغيرهم. أعلنوا سلطان الأطرش قائداً عاماً للثورة التي تحولت من ثورة درزية إلى ثورة سورية عامة.

أصدر سلطان الأطرش بلاغاً إلى الشعب السوري يدعوهم فيه إلى حمل السلاح لوحدة البلاد واستقلالها التام وتشكيل حكومة مؤقتة تدعو لجمعية تأسيسية تضع دستوراً على أساس سيادة الأمة. امتدت الثورة من جبل الدروز إلى حوران وجبل القلمون. وصل الجنرال غاملين من باريس كقائد عام في سورية ولبنان بعد نكبة ميشو، وتمكن من فك الحصار عن السويداء لكنه انسحب منها لصعوبة إمدادها، مما زاد الثوار قوة. بدأت المصادمات في قرى حول دمشق مثل جرمانا والمليحة وصحنايا، ووصلت إلى ضواحي العاصمة.

خشيت السلطة الفرنسية من قيام الوطنيين في دمشق بتأييد الثورة، فأمرت باعتقال كبارهم ونفيهم إلى جزيرة أرواد في 31 آب 1925. انضمت الأحزاب الوطنية إلى الثورة، وتطوع عدد كبير من الأحرار المجاهدين، وفي مقدمتهم حسن الخراط من دمشق، الذي قاد معارك في الزور والمليحة ضد قوى الدرك، وقُتل شهيداً. امتدت الثورة أيضاً إلى حماه حيث قاد فوزي القاوقجي معارك ضد القوى الفرنسية.

يصف الفصل أعمال التسلل التي قام بها بعض الثوار في دمشق، حيث كانوا يدخلون منازل الذوات المتعاونين مع الانتداب ويأخذونهم إلى معسكراتهم، ثم يطلقون سراحهم بعد قطع علاقتهم بالفرنسيين أو دفع فدية مالية. ويذكر أن رئيس وزراء دمشق حقي العظم، المعروف بتعاونه مع الفرنسيين، اضطر لمغادرة منزله والإقامة في فندق وسط المدينة خوفاً من المتسللين. لكن المؤلف يميز بين هذه الأعمال والثورة، فيقول إنها جرت بدون إذن من قادة الثورة، وهي من آفات كل بلد في زمن الفوضى.

في مقابل ذلك، يبرز الفصل الشعور الوطني الإنساني لدى الثوار، ويروي قصة الراهب يواكيم الذي وقع في أسرهم، فلما عرفوا أنه تابع للبطريرك الوطني غريغوريوس حداد، أكرمه الثوار وأعادوه بسلام، مظهرين نموذجاً من الأخلاق الثورية.

لاحتواء الثورة، أنشأت الحكومة في أيلول محكمة استثنائية في دمشق من قاض فرنسي وأربعة أعضاء (نصفهم سوري ونصفهم فرنسي) للنظر في الجنايات، وجعلت أحكامها قطعية. ومع اشتداد الثورة، أصدرت قراراً بمصادرة أموال المحكوم عليهم، ومنع بيع أملاكهم. يرى المؤلف في هذه الإجراءات دليلاً على أن الأمة السورية كانت تؤيد الثورة بكل ما تملك.

بلغت الثورة ذروتها بدخول الثوار دمشق في 18 تشرين الأول. تقدموا من أحياء الميدان والشاغور، واستولوا على مخافر الدرك والشرطة، ودخلوا سوق البزورية، واقتحموا قصر آل العظم (الذي كان مقراً للآثار ومسكناً لكبار الفرنسيين). لم يلق الثوار مقاومة تذكر، لأن عدد الجنود في المدينة لم يتجاوز خمسمئة. مساء ذلك اليوم، وصل الجنرال سراي والجنرال غاملين بالقطار إلى دمشق. ظن الثوار أن سراي في قصر آل العظم، فهاجموه وأحرقوه. اشتبك الثوار مع المفرزات الفرنسية في شارع النصر، ساحة المرجة، الصالحية، والمهاجرين.

يسرد الفصل تفاصيل المعركة الرئيسية التي بدأت عند غروب ذلك اليوم، حيث قصفت مدافع الجيش الفرنسي المتمركزة في قلعة دمشق وقلعة المزة (حصن غورو) مراكز الثوار، ودمرت أجزاء من حي الميدان وأوقعت خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات في حي سيدي قابس. انسحب الثوار إلى خارج المدينة لكنهم عادوا واحتلوا نصفها. ظلت دمشق يومين كاملين بين نارين. في صباح 20 تشرين الأول، هدأت الحال بعد انسحاب الثوار حفاظاً على المدينة. تقدم وفدان بقيادة الأمير سعيد الجزائري وحقي العظم للوساطة، فوافقت القيادة العسكرية على وقف إطلاق النار مقابل غرامة مالية وتسليم أسلحة. عُيّن الجنرال أندريا قائداً عسكرياً على الجبل ومنطقة الثورة.

يذكر الفصل قصة فخري البارودي، أحد الوطنيين، الذي اعترضت السلطة العسكرية قافلة جمال محملة بالمواد الغذائية كانت متجهة للثوار، وألقت القبض عليه. مثل أمام المحكمة الاستثنائية التي شهدت حضوراً جماهيرياً حاشداً، وأعلنت المحكمة براءته، وألقى رئيسها الفرنسي لوكليرك كلمة عن عدالة فرنسا، قوبلت بتصفيق حار.

نتيجة لقصف دمشق، ثار احتجاج في فرنسا وأوساط المدنية العالمية. طالب فريق من النواب في البرلمان الفرنسي باستدعاء الجنرال سراي، فغادر بيروت في 10 تشرين الثاني 1925 إلى باريس. يعلق المؤلف بأن السوريين سروا بهذا الاستدعاء، آملين في سياسة جديدة تضمن تحقيق أمانيهم.

أما رئيس الدولة السورية صبحي بركات، فوجد نفسه في موقف حرج بعد مغادرة سراي، منعزلاً عن أصدقائه في البعثة الفرنسية وعن الوزراء. حاول التظاهر بالقوة وأصدر قراراً في 18 تشرين الأول بمعاقبة من يبث الإشاعات، لكنه لم يحقق نتائج تذكر أمام استمرار إطلاق النار.

يختتم الفصل بتعليقات على عهد الجنرال سراي، مشيراً إلى أن السوريين نظروا إليه في البداية كأول فرنسي حر جاهر بوعود حسن النية، ودعا الوطنيين لتأليف حزب سياسي لمفاوضته. لكنه لم ينجز وعوده، وانصاع لرجاله ومندوبيه في سورية. ويخلص المؤلف إلى أن خطأ سراي الأكبر كان في انصياعه لمستشاريه، وفي إصداره أمراً بقصف الثوار داخل دمشق.

5.الفصل الخامس - حكومة الشيخ تاج وانهيار التفاهم بين سلطة الانتداب والوطنيين205–224▼ ملخص

يتركز هذا الفصل من كتاب يوسف الحكيم "سورية والانتداب الفرنسي" على فترة حكم الشيخ تاج الدين الحسيني التي استمرت زهاء أربع سنوات، وما نتج عنها من انهيار تام للتفاهم بين سلطة الانتداب الفرنسي والوطنيين السوريين. يقدم المؤلف هذه الفترة كقصة صراع سياسي حاد، حيث تحولت الحكومة من أداة محتملة للتفاهم إلى أداة في يد الانتداب فرّقت الصف الوطني وأدت إلى أزمة دستورية عميقة.

يسير الفصل خطوة خطوة، مبتدئاً بتفاصيل تشكيل حكومة الشيخ تاج في شباط سنة 1928. يوضح المؤلف أن الشيخ تاج تم اختياره من قبل المندوب السامي بونسو ومندوبه الخاص مفرا، بعد فشل مسار المفاوضات مع الزعيمين الوطنيين هاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو الذي كان يمثل الحزب الوطني. ويشير المؤلف إلى دهاء الشيخ تاج، الذي كان يحافظ على علاقاته مع الوطنيين من ناحية ومع ضابط الاستخبارات الفرنسية الكومندان كوليه من ناحية أخرى. لكن الوزارة التي شكلها، والتي ضمت سعيد محاسن وصبحي النيال وغيرهم، اعتُبرت فوراً من قبل الرأي العام مجرد "وزارة السلطة الفرنسية". ولتأكيد هذه التبعية، أصدر المفوض السامي فور توليها "عفوًا عامًا" ناقصًا استثنى كبار الزعماء الوطنيين وأبطال الثورة مثل سلطان الأطرش وشكري القوتلي والدكتور عبد الرحمن شهبندر وغيرهم، مما أثار نقمة شعبية واسعة حيث أُطلق عليه "العفو الأعرج" تنديداً بعرج رئيس الحكومة.

يوضح الفصل كيف عمل الانتداد والشيخ تاج معًا للتمهيد لانتخابات الجمعية التأسيسية. خُصصت أموال طائلة من خزينة الدولة تحت اسم "النفقات المستورة" لشراء الذمم والصحف، وتم تصنيف الموظفين لإقصاء المعارضين. لكن التجاوز الأكبر، حسب المؤلف، كان انتهاك حرمة القضاء بإقصاء مصطفى برمده، الرئيس الأول لمحكمة التمييز وخصم سياسي محتمل، عن منصقه لتجريد شبح الداماد أحمد نامي من فرص الفوز بالانتخابات. هذا الإجراء تم بسرعة قياسية بدفع مباشر من رئيس الاستخبارات كوليه، مما أثار استهجان القضاة الفرنسيين أنفسهم واعتبروه "شذوذاً مخجلاً". يحكي المؤلف اعتراف الشيخ تاج نفسه، عبر وزيريه، بأن الفعل كان لأسباب سياسية وليس قضائية.

بعد ممارسات مكثفة، جرت الانتخابات وظهرت نتيجتها المفاجئة لسلطة الانتداب: فوز الوطنيين في العاصمة ومعظم البلاد. انعقدت الجمعية التأسيسية في 4 أيار سنة 1928 وانتخبت هاشم الأتاسي رئيساً لها، وصاغت دستوراً من 115 مادة يقوم على مبادئ السيادة والاستقلال التام، وأبرزها اعتبار سورية "جمهورية مستقلة ذات سيادة" و"وحدة سياسية لا تتجزأ". عندما حضر المندوب السامي بونسو جلسة التصويت الأخيرة في آب، كان يأمل أن تحذف الجمعية المواد الست التي تتعارض مع الانتداب، لكنه فوجئ بإقرار الدستور بكامله، ليخرج من الجلسة غاضباً ومهرولاً ومردداً "لا تربية ولا...". قام بتعطيل الجمعية التأسيسية مراراً، وأخيراً في 5 شباط 1929 حلّها إلى أجل غير مسمى بعد أن تلا المندوب مفرا مذكرته بوجوب طي المواد الست، ليرد النواب بإصرارهم عليها. رداً على ذلك، أصدر المفوض السامي الدستور لكنه أضاف إليه مادة 113 تقضي بعدم جواز معارضة نصوص الدستور لتعهدات فرنسا، مما جعله دستوراً صورياً، وأثار موجة عارمة من التظاهرات في حلب ودمشق.

يستعرض الفصل أيضاً موقف الشيخ تاج الذي انقلب على الوطنيين، ففقد مكانته الشعبية وأصبح أسيراً لرجال الانتداب، لكنه بالمقابل أطلق يده في الإنفاق على مشاريع عمرانية. يناقش المؤلف حادثة اغتيال الوطني البارز فوزي الغزي، مؤكداً أنها كانت نتيجة "مؤامرة عائلية" وليست سياسية، وأنها شكلت صدمة قوية للوطنيين. يختم الفصل بقرار المندوب السامي بونسو في 13 تشرين الثاني سنة 1931 بإقالة حكومة الشيخ تاج التي دامت زهاء أربع سنوات، وتكليف مندوب جديد بتشكيل وزارة جديدة. يصف المؤلف الشيخ تاج بأنه تميز بـ"الإقدام والجرأة"، وأن أقوى منصب حظي به كان في "الحقل السياسي"، معترفاً بأنه كان سياسياً بارعاً يدير خيوط اللعبة بمفرده، إذ وضع اسمه على قائمتي الانتخابات المتضادتين ليجمع الأصوات، لكنه في النهاية فشل في مهمته المزدوجة وأرضى الوطنيين الذين هزموه في الانتخابات.

يطرح المؤلف في نهاية الفصل عدة استنتاجات قابلة للنقاش: أولاً، أن إصدار العفو المحدود كان خطأ أدى إلى إثارة حفيظة الشعب. ثانياً، أن الدولة أنفقت ما يقرب من أربعة ملايين فرنك لضمان فوز الموالين ولكن النتيجة جاءت عكسية بفوز الوطنيين. ثالثاً، أن بدء المفاوضات مع المعارضة مباشرة دون وساطة الحكومة زاد من نفوذهم وقوتهم، متسائلاً إن كان الأفضل إجراء التفاوض عن طريق حكومة تحظى بثقة الطرفين. وأخيراً، يشير إلى دهاء الوطنيين الذين تظاهروا بالولاء لرموز الانتداب في العلن، متذرعين بقول الشاعر "لا تنه عن خلق وتأتي مثله"، بينما ظلوا متمسكين بأهدافهم الوطنية، مما يظهر أن خطة الانتداب في السيطرة على الجمعية التأسيسية قد انهارت تماماً.

5.الفصل الخامس - أواخر العهد الوطني (عهد الكتلة الوطنية)291–302▼ ملخص

بدأ الفصل الخامس، المعنون «أواخر العهد الوطني (عهد الكتلة الوطنية)» في كتاب «سورية والانتداب الفرنسي» ليوسف الحكيم، بتسليط الضوء على أزمة سياسية حادة في سورية، تمثلت في اشتعال التظاهرات الشعبية التي قادها الشيخ كامل القصاب والدكتور عبد الرحمن الشهبندر، والتي استهدفت حكم الكتلة الوطنية، مما دفع رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي إلى البحث عن مخارج للأزمة. يُظهر الفصل تفصيلاً للتجارب الحكومية المتعاقبة التي لم تدم طويلاً، ويشرح الأسباب التي أدت إلى انهيار الحكم الوطني في نهاية المطاف.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تسلسل هذه الحكومات. يبدأ بوصف المرحلة الأولى بعد استقالة وزارة مردم بك في 18 شباط 1939، حيث كُلف لطفي الحفار بتشكيل وزارة جديدة. حاول الحفار، وهو من أركان الكتلة الوطنية، ابتكار صيغة حكومية تجمع بين أعضاء من الكتلة وأخرى من المستقلين (مثل فائز الخوري ونسيب البكري) في محاولة لتهدئة الأوضاع. لكن هذه الوزارة لم تصمد طويلاً في وجه العاصفة الشعبية، حيث استمرت التظاهرات بقيادة القصاب والشهبندر، مما اضطر الحفار إلى تقديم استقالته في 14 آذار 1939.

ثم ينتقل الفصل إلى محاولة رئيس الجمهورية تكليف شخصية حيادية هي مصطفى برمده (رئيس محكمة التمييز) لتأليف الوزارة، ويصف حواراً دار بين المؤلف يوسف الحكيم وبرمده، حيث نصحه الحكيم بعدم القبول لصعوبة المهمة. ويصور الفصل بعد ذلك مرحلة تدهور الأمن في دمشق حين احتلها الجيش المراكشي بقيادة ضباط فرنسيين في 20 آذار 1939، وألقى القبض على شخصيات معارضة مثل نبيه العظمة وسيف الدين المامون. كما يذكر أن المندوب الفرنسي دي هاوتكلوك تولى إدارة الحكم مؤقتاً لمدة أسبوعين، مصدراً إنذاراً للأهالي بتفريق أي تجمع بالقوة، ومؤكداً أن فرنسا هي وحدها القادرة على تحقيق وحدة سورية واستقلالها، في خطاب يهدف لتهدئة الشارع.

يتناول الفصل أيضاً جانباً آخر من السياسة الفرنسية عبر جولة قام بها المفوض السامي بيو في محافظات سورية في ربيع 1939، واصفاً فتور الاستقبال في حلب وحماه (حيث قذف بالبندورة)، مما اضطره لإلغاء زيارات أخرى. وفي مقابل ذلك، يورد الفصل حكاية موقف مختلف في بلدة إزرع بحوران، حيث نظم قائم مقام البلدة صفوح المؤيد استقبالاً حافلاً للمفوض السامي، مما نال إعجابه وثناءه. تخدم هذه الأمثلة في إظهار تباين المواقف الشعبية ومدى تأثرها بالخط السياسي.

يواصل الفصل استعراض المحاولات الحكومية، فيصل إلى تشكيل وزارة نصوحي البخاري في 5 نيسان 1939. يقدم المؤلف تفاصيل مثيرة عن كيفية تمهيد الطريق لهذه الوزارة، من خلال لقاءات سرية توسط فيها صفوح المؤيد بين البخاري والمندوب الفرنسي، رغم تردد البخاري في البداية وخوفه من اتهامه بالخيانة. وكانت شروط البخاري الأساسية أن يكلفه رئيس الجمهورية مباشرة. ثم يصف الفصل مكافأة المفوض السامي لصفوح المؤيد بترقيته إلى منصب محافظ حوران، رغم رفض البخاري الأولي، مما اضطر الأخير للخضوع تحت ضغط المندوب الفرنسي. يوضح هذا الموقف هشاشة السلطة الوطنية أمام إرادة سلطة الانتداب.

يخلص الفصل إلى مناقشة الأسباب العميقة لانهيار الحكم الوطني الذي دام ثلاث سنوات. يقدم المؤلف تعليقاً من أربع نقاط لتحليل العوامل التي أدت إلى إقصاء الكتلة الوطنية. يرى أن الاتفاق الذي تأسس عليه الحكم الوطني (القائم على مشروع المعاهدة السورية-الفرنسية) قد اصطدم بعدم تصديق البرلمان الفرنسي عليها، وتجاهل فرنسا لقضية لواء الاسكندرونة وتساهلها مع تركيا، مما أثار غضب الشعب. كما يشير المؤلف إلى خطأ سياسي رئيسي، وهو إقصاء زعيمي المعارضة الشعبيين (الشيخ كامل القصاب والدكتور عبد الرحمن الشهبندر) عن المشاركة في الحكم، بل ومعاداتهما والمساس بحريتهما، مما وحد الشعب ضدهما وقدم لفرنسا فرصة لإنهاء الحكم الوطني.

يختتم الفصل بتسليم رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي استقالته في 7 تموز 1939، وإصدار المفوض السامي قراراً في 8 تموز بتعليق الدستور وحل مجلس النواب وتشكيل حكومة من مديرين تحت إشراف فرنسي، منهياً بذلك حكم الكتلة الوطنية ومعلناً بداية مرحلة جديدة من السيطرة المباشرة تحت غطاء «المديرين». تعليق الكاتب النهائي يدعو إلى المراجعة، لكنه لا يخفي انتقاده لقيادة الكتلة الوطنية التي، برأيه، فشلت لمصلحتها الحزبية الضيقة بدلاً من توحيد الصفوف مع المعارضة لمواجهة الانتداب.

5.الفصل الخامس - من نتائج الثورة126–144▼ ملخص

بدأ يوسف الحكيم الفصل الخامس بعرض تحليلي لأسباب الثورة السورية الكبرى التي انطلقت من جبل الدروز، رافضاً بشدة الادعاءات الفرنسية التي أرجعتها لمؤامرات بريطانية أو لأسباب محلية محدودة. يرى المؤلف أن الحقيقة الجوهرية هي أن السوريين كانوا ولا يزالون طلاب وحدة واستقلال، وأن الانتداب لم يكن سوى شكل من أشكال الاستعمار الذي سعوا للتخلص منه. ويقدم أدلة على ذلك بانتشار الثورة من جبل الدروز إلى دمشق وغوطتها وأقضيتها بقيادة شخصيات وطنية مثل الدكتور عبد الرحمن شهبندر ونزيه المؤيد وشكري القوتلي وعادل ارسلان، بالإضافة لدور العلماء في تحفيز الروح الجهادية، ومشاركة الشبان المتعلمين في تأمين المؤن والإمدادات، وما جادت به أكف المغتربين السوريين في الأمريكتين من إعانات مالية.

ينتقل الكاتب بعدها إلى الحدث السياسي المحوري وهو استدعاء فرنسا لمفوضها السامي الجنرال سراي بعد قصفه دمشق، وتعيين الكونت هنري دي جوفنيل مكانه. كان هذا التعيين مؤشراً على رغبة فرنسية في اتباع نهج سياسي لحل الأزمة. استبشر السوريون خيراً بتصريحات دي جوفنيل عن العمل لحل سياسي، وتحركت اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني في القاهرة للتفاوض معه. التقى دي جوفنيل باللجنة في القاهرة وقدم أعضاؤها مذكرة بالمطالب الوطنية الأساسية: الاعتراف باستقلال سورية ووحدتها، عقد معاهدة صداقة مع فرنسا، إلغاء الانتداب، وجلاء الجيوش الفرنسية خلال ثلاث سنوات. لكن المفوض السامي لم يستطع قبول شرط الجلاء لاعتقاده أنه سيجعل البلاد عرضة لاحتلال أجنبي آخر.

بعد وصوله إلى بيروت، استقبل دي جوفنيل بحفاوة وألقى كلمته الشهيرة التي تركت الباب مفتوحاً بين السلم والحرب. قابل صبحي بركات رئيس الدولة السورية الذي خرج من اللقاء ممتعضاً، ليكتشف أن دي جوفنيل قبل استقالته فوراً وعين الجنرال اندريا حاكماً عسكرياً على دمشق وجبل الدروز. يثني الكاتب على صبحي بركات لإخلاصه وحزمه، لكنه ينتقد من سعدوا باستقالته من "ذوي الوجهين" والطامعين في المناصب.

يسرد الحكيم محاولات الوساطة لإيقاف الثورة، حيث تقدمت شخصيات سورية بعريضة لتأليف لجنة لمفاوضة سلطان باشا الأطرش قائد الثورة العام. ذهبت اللجنة برئاسة الأمير أمين أرسلان وعضوية فارس الخوري وفوزي الغزي وعفيف الصلح إلى جبل الدروز، لكن الثوار وبقيادة سلطان باشا أعلنوا إصرارهم على مواصلة الثورة حتى تحصل سورية على استقلالها التام مع بقاء فرنسا حليفة مفضلة. أدى هذا الرفض إلى استعراض القوة الفرنسية، فأرسلت تعزيزات عسكرية نحو جبل الدروز وحوران، مما أنذر بأيام أشد قسوة.

في هذه الأثناء، مع تصاعد العمليات العسكرية بقيادة الجنرال اندريا، ظهرت فئة من الشعب دعت للاعتدال والسلام خوفاً من خسائر دمشق. عقد اجتماع كبير في دار البلدية ضم الوجهاء وأصحاب النفوذ، وانتخبوا لجنة لمفاوضة المفوض السامي. في نفس الوقت، زار الشيخ تاج الدين الحسني قاضي دمشق الشرعي بيروت والتقى دي جوفنيل، ليصرح بعدها بقبوله مبدئياً رئاسة الحكومة السورية وفق شروط تتضمن وحدة سورية شاملة مع جبل الدروز وبلاد العلويين. يبدي الكاتب تحفظه بأن دي جوفنيل كان يتقبل الوساطات والاقتراحات دون الالتزام بأي منها.

يتناول الفصل تعيين بيير أليب مندوباً خاصاً لإدارة شؤون دولتي سورية وجبل الدروز، تاركاً المهام العسكرية للجنرال اندريا. يصف الحكيم المندوب الجديد بأنه رجل تشريفات ومراسم، تميز بابتسامته وملاطفته لكنه لم يقم بأي جهد حقيقي لإنهاء الثورة أو تخفيف وطأتها، مكتفياً بإصدار أنظمة بلدية وهويات شخصية. مع اشتداد الثورة في تموز 1925، والتي شملت جبل الدروز وحوران وضواحي دمشق، اضطرت فرنسا للجوء للقوة العسكرية. تمكن الجنرال اندريا من قمع الثورة بحلول أيلول من نفس العام، مما اضطر الثوار للانسحاب أو الاستسلام. انسحب سلطان باشا الأطرش مع عائلته إلى قريات الملح على حدود المملكة السعودية، وغادر الدكتور شهبندر إلى مصر، بينما واصل آخرون حرب عصابات في غوطة دمشق.

في القسم الأخير من الفصل، يلقي الحكيم الضوء على الانقسام المؤلم الذي أصاب زعماء الثورة. يوضح أن معظم الوطنيين كانوا متحدين في هدف استقلال سورية بحدودها الطبيعية، لكنهم اختلفوا حول وسائل النضال. مع ظهور حزب الشعب بزعامة الدكتور شهبندر وحزب الاستقلال بزعامة شكري القوتلي، تصاعد الخلاف. وحتى مع اندلاع الثورة وتوحيد الجميع في "الكتلة الوطنية" تحت قيادة سلطان باشا الأطرش واستشارة الشهبندر، استمرت الخلافات السرية. يتهم الكاتب أنصار شكري القوتلي وزملاءه بمحاولة التقليل من ثقة سلطان باشا بالدكتور شهبندر، ونعته بأنه يعمل لمصلحة بريطانيا، وهي تهمة يراها الكاتب غير صحيحة ويدحضها مستنداً لماضي الشهبندر الناصع وتحوله لاحقاً لمعارضة الانتداب البريطاني. يضيف الحكيم أن الخلافات تفاقمت حول كيفية إدارة الأموال التي كانت تصل للثوار، مما أدى لتبادل الاتهامات العلنية بين الفريقين وتضرر صورة الثورة.

6.الفصل السادس - آخر مراحل الانتداب325–374▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل، وهو الأخير في الكتاب، توثيقاً للمرحلة الختامية من الانتداب الفرنسي على سورية، وصولاً إلى الاستقلال التام والجلاء. يقدّم المؤلف يوسف الحكيم سرداً تفصيلياً للتطورات السياسية المتسارعة التي شهدتها البلاد بين عامي 1943 و1946، مركزاً على الصراع على السلطة بين الفرقاء السوريين، والتنافس الفرنسي-البريطاني، والانتفاضة الشعبية، والعدوان الفرنسي الدامي، وأخيراً تحقيق الجلاء.

يبدأ الفصل بوصف حالة عدم الاستقرار الوزاري، فيروي قصة تشكيل حسني البرازي لوزارة جديدة بعد خلاف أدى إلى استقالة الوزارة السابقة. لم تدم هذه الوزارة طويلاً، إذ نشب خلاف حاد بين رئيسها البرازي ورئيس الجمهورية الشيخ تاج الدين الحسني حول التوجه السياسي، حيث مال البرازي إلى بريطانيا بينما تمسك الرئيس بعلاقات حسنة مع فرنسا. وبعد ثلاثة أشهر من الجمود، تدخل الجنرال كوليه لإنهاء الأزمة، مما مهد الطريق أمام جميل الألشي لتشكيل وزارة جديدة في كانون الثاني 1944. لكن بعد أيام قليلة فقط، توفي الرئيس تاج الدين الحسني، وتولى الألشي مهام الرئاسة بالوكالة، إلا أن وزارته واجهت معارضة شديدة من الوطنيين وتظاهرات شعبية، مما أدى إلى نهايتها السريعة.

يتناول الفصل بعد ذلك الدور البريطاني المتزايد في سورية من خلال شخصية الجنرال سبيرس، الوزير البريطاني المطلق الصلاحية. يصف المؤلف حفلة أقامها نقيب المحامين فؤاد العسلي على شرف سبيرس، والتي أعلن فيها الأخير استعداد بريطانيا لدعم السوريين في مطالبتهم بالاستقلال، مؤكداً أن بريطانيا "لن تكون ملكية أكثر من الملك نفسه". ويشير المؤلف إلى أن هذه التصريحات شجعت السوريين على الانتفاض ضد الانتداب. وفي المقابل، سارع المندوب الفرنسي الجنرال كاترو إلى استباق النفوذ البريطاني بالتفاهم مع قادة الكتلة الوطنية، وفي مقدمتهم هاشم الأتاسي وشكري القوتلي. تم الاتفاق على إنهاء حكومة الألشي وتشكيل حكومة حيادية برئاسة عطا الأيوبي تشرف على انتخابات نيابية حرة.

تُجرى الانتخابات في جو من الحرية، وتُسفر عن فوز ساحق للكتلة الوطنية. ويتناول الفصل بالتفصيل المساومات والترتيبات السياسية خلف الكواليس لاختيار رئيس الجمهورية، حيث يروي المؤلف حواراً ثلاثياً دار بين هاشم الأتاسي وفارس الخوري وشكري القوتلي. انتهى الاتفاق على أن يظل الأتاسي الزعيم الروحي، على أن يتولى القوتلي رئاسة الجمهورية، وهو ما تم بالفعل، ليشكل سعد الله الجابري وزارته الأولى. يتطرق الفصل أيضاً إلى الأحداث في لبنان، حيث قام المندوب الفرنسي جان هيلو باعتقال رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح ووزراء آخرين، مما أدى إلى اضطرابات واسعة أجبرت فرنسا على التدخل وإعادة الجنرال كاترو الذي أفرج عن المعتقلين وأعاد الأمور إلى نصابها.

يصل الفصل إلى ذروته مع وصف تفصيلي للعدوان الفرنسي على دمشق في 29 أيار 1945. يروي المؤلف كيف أن حادثة صغيرة تتعلق برفض الضابط السوري أداء التحية للعلم الفرنسي تطورت إلى قصف مكثف للمجلس النيابي وللأحياء السكنية بالمدافع والرشاشات، مما أوقع مئات القتلى والجرحى من المدنيين والدرك. يصف المشهد المروع وكيف اقتحم الجنود السنغاليون مبنى المجلس وارتكبوا مجزرة بحق رجال الدرك. في اليوم الثالث، تدخل الجيش البريطاني بقيادة الفريق باجيت، وأجبر القوات الفرنسية على وقف إطلاق النار والانسحاب، في خطوة اعتبرها المؤلف إنقاذاً للفرنسيين من غضبة الشعب السوري. انتشرت الاضطرابات بعد ذلك إلى جميع المحافظات السورية، حيث هاجم الأهالي القوات الفرنسية، وبلغت ذروتها في اشتباكات دامية في اللاذقية.

يؤكد المؤلف في ختام هذا المقطع، أن بريطانيا، حليفة فرنسا، لم تكن راضية عن وجودها في سورية، واستغلت ضعفها أثناء الحرب العالمية الثانية لتقويض نفوذها، وتوجت ذلك بالتدخل العسكري لإنهاء العدوان. بعد هذه الأحداث، تشكلت وزارات متعاقبة برئاسة فارس الخوري ثم سعد الله الجابري، ركزت جهودها على تحقيق الجلاء الكامل. يُختتم الفصل بالإعلان عن جلاء الجيوش الفرنسية والبريطانية عن كامل الأراضي السورية في نيسان 1946، واعتبار اليوم 17 نيسان عيداً وطنياً، لتنتهي بذلك حقبة الانتداد الفرنسي.

في سياق تقييمه للحقبة، يقرّ المؤلف بسلبيات الانتداب، مشيراً إلى سياسة التقسيم والتجزئة وانتزاع لواء إسكندرونة، وقمع الحريات والحكومات الوطنية، مما أدى إلى ثورات متعاقبة. لكنه في الوقت نفسه، يقدم تحفظاً مهماً، فيشيد بكفاءة الإدارة الحكومية السورية ونزاهة القضاء خلال فترة الانتداب، واصفاً إياهما بأنهما "خير مثال للنزاهة وضمان العدالة"، ويذكر أن الرشوة كانت "شبه مفقودة"، لافتاً إلى الدور الإيجابي لكبار الموظفين الفرنسيين المخلصين. ويختتم الكتاب بتأمل شخصي حول مسيرته الوظيفية التي قضاها في القضاء والوزارة، مؤكداً تمسكه بالنزاهة وعدم الرضوخ للتدخل السياسي.