
صفحات من دفتر قديم - سبعة كتّاب سوريين
صدر كتاب «صفحات من دفتر قديم - سبعة كتّاب سوريين» بتقديم من أحمد بيضون، وهو عمل جماعي يروي سبع سير ذاتية تعود إلى سبعة كتّاب سوريين، يتقاسمون ذاكرة مشتركة لم تكن موضوعاً لبحث علمي كافٍ، كما يرى بيضون. الموضوع المحوري للكتاب هو المدرسة السورية، ليس بوصفها فضاءً للتعليم فحسب، بل كآلية أساسية في تشكيل الشخصية والهوية تحت نظام قمعي دام نصف قرن. الكتاب لا يدافع عن أطروحة نظرية بقدر ما يقدّم شهادات حية عن كيف صاغت المدرسة - بسلطتها وعنفها وطقوسها وانحيازاتها الطبقية والسياسية - أجيالاً من السوريين، وكيف كانت مرآة للمجتمع والسياسة في آن. الإجابة التي تتكرر في الأوراق كلها تكاد تكون أن المدرسة كانت أداة للترويض والإخضاع، لا للتحرر والتنوير، وأن الخوف كان وقودها الأساسي.
الحجة لا تسير في خط واحد بل تتكشف عبر تتابع السرديات الشخصية. يفتتح بيضون التقديم باعتراف بأنه ليس متخصصاً في الشأن السوري، لكنه يبرر عمله بضعف البحث العلمي عن المجتمع السوري في النصف قرن الأخير، وبأننا في سنوات الثورة والحرب نكتشف سوريا كل يوم. يصف الحالة بأنها «تستوي فيها الوشاية مصدراً للدراية»، فالمعرفة كانت تُجمع في إضبارات أجهزة الاستخبارات، لغرض المراقبة لا المعرفة. الكتاب، برأيه، خرق لهذا المنطق، لأنه أوراق كتبها أناس بأيديهم، يكثر فيها ما يجوز تسميته بالوشاية بالوشاة. من هنا، تبدأ رحلة الفصول السبعة، كلٌّ منها يضيء زاوية مختلفة من هذه التجربة.
يستهل فاروق مردم بك فصله «أيام المدرسة» بسرد مسيرته في المعهد الفرنسي العربي بدمشق، الذي التحق به في صيف 1954. يقدم تفاصيل دقيقة عن مؤسسة تعليمية تابعة للبعثة العلمانية الفرنسية، التي أرادت نشر رسالة فرنسا الحضارية رغم تناقضها مع واقع الانتداد. يتذكر مشادة والديه حول تسجيله، وكيف انتصرت والدته، ليمضي سبع سنوات في المعهد. لا يكتفي السرد بوصف البرنامج الدراسي المزدوج، بل يتعمق في مناخ المدرسة وعلاقاته مع زملائه وأساتذته الفرنسيين الذين كانوا يتقنون العربية ويحترمون التقاليد المحلية. ثم ينتقل إلى تصاعد العداء لفرنسا في الشارع السوري تضامناً مع الثورة الجزائرية في تشرين الثاني 1954، وكيف سيّسه هذا الجو سياسياً، حتى إنه نشر منشورات انتخابية على نفقته الخاصة في 1957. يخص بالذكر السنة الدراسية 1958-1959، حيث تجاوز تحفظ الأساتذة وصرح برأيه في الحرب الاستعمارية، وتأثر بقراءته لبيان جان بول سارتر حول حق الجزائر في الاستقلال. ثم يروي حادثة تظاهر الطلاب في نيسان 1959، التي فُضّت قبل الوصول إلى ساحة البرلمان. الأهم في فصله هو إشكالية الهوية المركبة التي يخلص إليها: «له هوية مركبة يصعب تحديدها بين الفرنسية والعربية الإسلامية، تماماً مثل هوية مدينة دمشق نفسها».
يتنقل ممدوح عزام في «سنوات الترحال» مع عائلته بسبب عمل والده في سلك الدرك. يبدأ بأول ذكرى مدرسية في قرية قسطل المعاف، حيث يبرز دور والده كحكواتي ماهر يروي قصصاً بوليسية. يصف التحالف بين الدرك والمعلمين في الريف السوري، حيث كان الدركي يمثل سلطة مخيفة، والمعلم غريباً عن القرية. ينتقل إلى القامشلي، ويسكن في حي الهلالية، ثم حي السريان، ويروي ولعه بالسينما وسرقته لليرة من مطمورة أمه، موقفاً يصفه بأنه جعله يغرق في خزي مريع. في المرحلة الإعدادية، يصف تجربة قاسية مع مدير مدرسة في السويداء كان يضرب الطلاب بعصا من خشب السنديان، ويستنتج أن علاقة المعلم بالطلاب كانت قائمة على العداء والسلطة. أما في دار المعلمين، فيكتشف مناهج متنوعة وممتعة رغم ندمه على اختياره، ويتعرف لأول مرة على المركز الثقافي. يصف الضغوط السياسية للانتماء الحزبي، والمشاركة الإجبارية في المسيرات، ويعود في النهاية إلى القرية. خلاصته أن ذاكرة الحكي عند أبيه، وليس النظام التعليمي، هي التي ساعدته في كتابة روايته الأولى.
يتخذ صالح الحاج صالح في «ذاكرة المكان» مساراً سيرياً ذاتياً مكانياً، يتتبع فيه طفولته من قريته الصغيرة إلى مدينة الرقة. يبدأ بعملية كى الفتق التي أُجريت له صغيراً، ويربطها بصدمة في سوق حلب حيث تخيل أن يهود حلب سيخطفونه. ثم ينتقل إلى بناء أول مدرسة في قريته في العام الدراسي 1955-1956، مفصلاً عملية البناء الجماعي، وظهور المعلم الأول القادم من حماة، والذي يلقبونه «عمود العَجَر»، وهو نموذج للسلطة المطلقة. نقطة التحول هي اكتشافه مصدرين للخوف: المعلم والجد، وكلاهما يمارس عقاباً جسدياً. يبرز دور الألقاب في بناء الهوية، مثل لقب «البعثي» الذي ألصق بأخيه، ثم يروي حادثة انهيار المدرسة الطينية بسبب الأمطار. مع الانتقال إلى الرقة، يصف يومه الأول في ثانوية الرشيد حيث صدمته الزحمة بـ1200 طالب، ثم الصدمة الأكبر: صفعة أمين السر عدنان العجيلي التي بقيت حية في ذاكرته أكثر من أي عقاب آخر. ينتقل إلى تفاصيل المرحلة الإعدادية وثنائية الريف والمدينة، حيث يتحول النقاش من الهوية المحلية إلى هوية سياسية، وتصبح المدرسة ساحة للصراع الحزبي بين البعثيين والناصريين والشيوعيين. يختتم الفصل بمشهدين: وفاة جمال عبد الناصر ومسيرات الحزن، ولقاء متكرر مع خاله الذي كان يعلق على الأحداث بسخرية مريرة، ويكتشف لاحقاً أنه كان يخبره باندلاع حرب تشرين التحريرية 1973 بطريقته الخاصة.
تأخذنا سلام كواكبي في «في معهد الأخوة الخاص جداً...» إلى رحلة ذاتية من مدارس دمشق الخاصة إلى الحكومية. تبدأ بوصف معهد الأخوة (مدرسة راهبات) حيث الكنيسة الإلزامية والطعام الذي لا يُرفض وجدار الفسحة المزروع بالشظايا الزجاجية، مما جعلها تتخيل نفسها مسيحاً صغيراً يُصلب على ذلك الجدار. يظهر والدها كشخصية حنونة ومتعبة، تحقن نفسها بالإبر، وتحاول إقناعها بالصمود. ثم يأتي قرار تأميم المدارس الخاصة الذي اضطر أسرتها لإخراجها من مدرسة الراهبات، لتدخل مدرسة القصر في شارع الصالحية، وهو قصر دمشقي فخم أصبح لها ملاذاً للخيال. تروي أول يوم لها في المدرسة الحكومية حيث قالت للمعلمة «بونجور مدموزيل» لترد عليها بصفعة قائلة «صباح الخير يا آنستي»، وهنا يظهر صراع طبقي وثقافي. تظهر شخصية خير النساء الحسيني، مديرة المدرسة، كبطلة إنقاذ: ذهبت إلى وزير التربية وجعلته يعاقب المعلمة، وأصدرت قراراً يسمح للطالبات المسيحيات بالخروج يوم الأحد للكنيسة، وجمعت الطالبات وتلت سورة مريم. في هذا السياق، تلتقط الكاتبة من كلمات والدها كلمات مثل: «طار الوزير، إجا أمين الحافظ، حتّنونا بغداد»، تعكس الانقلابات والصراعات. ثم يصدم الفصل بموت والدها في مشفى المواساة عن عمر ثمانية وثلاثين عاماً، مما أدخل أسرته في فاقة. تعود للمدرسة لتتفوق، لكن خيبة أمل كبرى تصيبها حين تُلغى رحلتها إلى موسكو لتمثيل المدرسة، وتكتشف أنها استُبدلت بابنة ضابط كبير، لتدرك معنى اليتم الحقيقي. تنتقل بعدها للحديث عن درس الديانة الإسلامية، حيث تطلب البقاء فيه وتتعلم سورة الفاتحة، لتكتشف لاحقاً أن هويتها «نصفها إسلامي ونصفها مسيحي»، وأنها «لم تعد لا مسيحي ولا مسلم، تأخذ من كل عالمهما لتصنع عالمك العلماني الجديد». توثق أيضاً صرامة المرحلة الثانوية بالبدلة العسكرية (الفتوة)، وتروي حادثة مروعة حين افتعلت مديرة المدرسة (المسيحية) بحالة جنونية بطالبتين محجبتين وصفعتهما وركلتهما، صارخة: «بدي أشحطكن وأخفيكن عن وش الدنية... بدكن تخربوا البلد؟». لم تكن تفهم سبب العنف، لكنها تكتشف لاحقاً أن انتشار الإيشارب كان رمزاً للأَسْلَمَة وبداية الحرب مع الإخوان المسلمين التي انتهت بمجزرة في حماه.
تبني روزا ياسين حسن في «حياة موازية كانت هناك» مشاهداتها كطفلة ومراهقة في مدارس وأحياء سورية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. تبدأ بالحديث عن مدرستها الخاصّة نسبياً التي سمحت بالحفاظ على تدريس اللغة الفرنسية كلغة أجنبية بدلاً من الإنكليزية، كامتياز نخبوي. تخصص بالذكر شخصية مساعد المدير الذي كان دائماً من الطائفة المسيحية، في محاولة من الدولة لإظهار احترامها للأقليات بعد تأميم المدارس. تقدم نماذج لمديرين، منهم من أصبح مسؤولاً أمنياً، ومنهم من أظهر تبعية سياسية متقلبة. تنتقل إلى تفصيل الحياة داخل الحافلة المدرسية (الأوتوكار)، وتصف سائقيها كشخصيات مفتاحية، وتروي حادثة مأساوية حين اخترق سيخ حديدي ساق أحد الطلاب. في محور آخر، تصف تجربتها مع «شبيبة الثورة» التي كانت تهدف إلى تنميط الأطفال وتحويلهم إلى مخبرين صغار. تقدم صورة قاتمة لأستاذ التاريخ والجغرافيا الذي أطلقت عليه لقب «الجريدة»، لتكتشف لاحقاً أن معلوماته كانت ضحلة ومتملقة للسلطة. مقطع أساسي هو حديثها عن دروس الدين والانقسام الطائفي، حيث تروي صدمتها الأولى حين طلب المرشد أن ينفصل التلاميذ إلى مسلمين ومسيحيين ويهود. تصف ثلاثة أساتذة للدين الإسلامي: الأول وظيفي، والثاني جاء في زمن صعود الإسلام السياسي في نهايات السبعينيات واستخدم «الرشوة الإيروسية» (الحوريات في الجنة)، أما الثالث فكان أمنياً متشددا من كلية الشريعة بعد القضاء على الإخوان المسلمين. تكرس فقرات لوصف مدينة اللاذقية كفضاء ديمقراطي للتعددية، حيث عاشت المسيحيون والمسلمون العلويون والمرشدية والتركمان والأرمن واليهود، وتصف كيف كانت محلات الكحول تقع بجوار الجوامع والكنائس. تختتم بعنف المدرسة المؤسسي: معلمة كانت تحتفظ بعصا على طاولتها تضرب بها الأكف، وتقول إن «الخيال الصامت» كان سلاحها الوحيد، وهو كلما ازداد العنف المحيط، تتعمق قدرته الإبداعية.
أما رستم محمود ففصله «مدرسة الأسد» هو سردية شخصية ومؤلمة عن طفولتها تحت حكم حافظ الأسد. تبدأ بالصورة الطاغية للحاكم التي كانت في كل مكان، وتروي كيف زرعت شعوراً بالرهبة، مثل رفيقتها التي كان والدها يجبرها على الوقوف بتحية عسكرية أمام التلفاز كلما ظهرت صورة القائد. تتوسع في وصف نظام «الطليعة» و«شبيبة الثورة»، وكيف كان الزي العسكري الموحد واليافطات الحمراء تشبه قيوداً تفرض الانضباط، والردد اليومي لشعارات مثل «وحدة، حرية، اشتراكية». ثم يحدث مفصلي: يوم سمع إطلاق نار قرب مدرستها الابتدائية، حيث جمع التلاميذ في الباحة، وسمعت لأول مرة كلمة «الإخوان المسلمين» تهمس بها المعلمات. نظرة والدها، الممزوجة برعب وارتياح وغضب، هي ما جعل الحدث يتحنط في الذاكرة. تكتشف لاحقاً أن ما حدث كان هجوماً على مخبأ للإخوان قرب المدرسة. من هذا الحدث، تنبني شروخات المجتمع والإحساس المزمن بعدم الملكية: «المقاعد ليست مقاعدنا... المدرسة ليست لنا... البلاد ليست لنا». يتناول الفصل أيضاً دور نظام «المخبرين»، حيث أصبح الخوف هو «الرفيق الذي نعتمد عليه»، والخوف من أن يكون أي شخص مخبراً. تتوقف عند التفاوت الطبقي الصارخ المتجسد في تفاحة موز لم تستطع شراءها لأنها لا تملك ثمن حبة كاملة. أما النظام التعليمي فكان يعتمد على الحفظ عن ظهر قلب، ونصوص خطب حافظ الأسد كانت «لغة مقعرة وكاذبة» يصعب حفظها أكثر من القرآن. يصل الفصل إلى نقطة اشتباك سياسي مباشر: حوارها مع معلم «التربية القومية» الذي ضغط عليها للانتساب إلى حزب البعث، ورفضها قوبل بتعنيف، لكن رفيقة اسمها «سميحة» تنصحها بـ«استغلال الحزب» للحصول على علامات إضافية. تنتقل لوصف شخصية «جهينة»، معلمة التربية العسكرية القاسية التي ترمز لقمع الأنوثة، وتجبر طالبة ذات شعر أحمر على غسل شعرها تحت صنبور ماء بارد، وتصفع طالبة أغمي عليها من الخوف أثناء رماية ميدانية بالكلاشنكوف. تصل إلى خلاصة أن الخوف هو الشرط الأساسي للبقاء، وتختتم بسؤال وجودي عن جيلها: «هل نحن بالفعل نعرف كيف نبدأ ولا نعرف كيف ننهي؟».
يتخلل الكتاب أرقام وتواريخ وشهادات لافتة يصعب نسيانها: 1200 طالب في ثانوية الرشيد، صفعة عدنان العجيلي التي بقيت حية في الذاكرة، موت والد سلام كواكبي عن ثمانية وثلاثين عاماً، حريق عامودا في دار السينما، هجوم على مخبأ للإخوان قرب المدرسة، تفاحة موز لم تستطع روزا شراءها، قرار تأميم المدارس الخاصة، وكلها أرقام وحوادث تمنح السرد كثافة واقعية.
يقرّ الكتاب بحدوده وتواضعه. بيضون يعترف أنه ليس متخصصاً، وأن المعرفة عن المجتمع السوري ناقصة بسبب القمع وغياب البحث الحر. كما يعترف كل كاتب بأن ذاكرته قد تخونه في بعض التفاصيل، مثل اسم مدير المدرسة الجيد بالنسبة لروزا، أو أن بعض السباب الجنسي لم تفهمه سلام كواكبي في حينه. كما أن الكتاب يترك أسئلة مفتوحة: لماذا كانت مديرة مدرسة سلام كواكبي عنيفة مع المحجبات رغم دفاعها عن المسيحيات؟ هل كان عنفها نابعاً من موقف سياسي أم قسوة شخصية؟ وهل يمكن تدريس الدين كموضوع توحيدي لتجنب التخندق الطائفي، كما تسأل روزا ياسين حسن؟
أما الحجج القابلة للنقاش، فهي واضحة: المدرسة في سوريا، وفق هذه الشهادات، لم تكن فضاءً للتعلم بقدر ما كانت أداة أساسية في تشكيل الرعية الخاضعة، حيث يتداخل الخوف من العقاب البدني مع الخوف من السلطة الحزبية والدينية. هذا الطرح، رغم قوته الانطباعية، يحتاج إلى تدقيق: هل كل هذه التجارب تعكس الواقع السوري كله، أم أنها شهادات من نُخب مثقفة ومغتربة غالباً؟ وهل كانت هناك استثناءات لمدارس ومعلمين حقيقيين، كما يلمح البعض، يمكن أن تغير الصورة القاتمة؟ لكن في النهاية، قيمة الكتاب ليست في تقديم إجابة شافية، بل في كونه «خرقاً لمنطق الوشاية»، كما قال بيضون، أي وثائق بشرية عن نصف قرن من التشكيل والخضوع والتمرد تحت قمع نظام استمر طويلاً.
الأشخاص
الفصول(7)
1.تقديم / أحمد بيضون5–16▼ ملخص
هذا الفصل هو تقديم لكتاب «صفحات من دفتر قديم - سبعة كتّاب سوريين»، يكتبه أحمد بيضون، وهو يعترف في مستهله أنه ليس متخصصاً في الشأن السوري، ولا يملك خبرة معمقة بالمدارس السورية أو بأنظمتها على اختلاف عهودها. لكنه يبرر اضطلاعه بهذه المهمة بالاستناد إلى أمرين: الأول هو ضعف البحث العلمي عن المجتمع السوري في نصف القرن المنصرم، الذي اتسم بالقمع والقهر، وهو ما تشهد به قلة المراجع في هذا المجال. الثاني هو شعورنا، في سنوات الثورة والحرب الجارية، أننا نجهل سوريا كل يوم، ونكتشف فيها أوضاعاً وعلاقات وتوخّيات جديدة، حتى إننا نتعلم أسماء قرى وبلدات وتقاسيم بشرية لأحياء كنا نجهلها. يرى بيضون أن نصف قرن من الحكم القمعي، بلا صحافة حرة وبحث علمي خاضع للتوجيه، لا يمكن أن يكون بلا تبعات ثقيلة، وأن هذه التبعات تشمل نشر غشاوة على الأذهان تزداد صفاقة مع تباعد الأجيال عن عهد كانت فيه الحال مختلفة.
يصف بيضون الحالة السورية بأنها حالة «تستوي فيها الوشاية مصدراً للدراية»، مشيراً إلى أن المعرفة عن المجتمع السوري كانت تُجمع في إضبارات أجهزة الاستخبارات، في «أقبية» هي قواعد للمعطيات، لكنها معطيات جُمعت لغرض المراقبة أو المعاقبة، لا للمعرفة الحقيقية. يرى أن هذا الكتاب الذي بين يديه يمثل خرقاً لهذا المنطق؛ فـ «تقاريره» ليست تقارير استخباراتية، بل هي أوراق كتبها أناس بأيديهم، بدمهم وتوجّههم ومضمونهم، ويكثر فيها ما يجوز تسميته بالوشاية بالوشاة. موضوع هذه الأوراق هو المدرسة السورية ودورها في التكوين الشخصي لكل من المؤلفين، وما يشير إليه هذا الدور من موقع عام للمدرسة في المجتمع أو في زمن ومكان محددين. يستند هذا التقديم إلى صحافة السنوات الثماني الأخيرة، سنوات العصيان، وإلى بعض الأبحاث السورية الجديدة، وإلى بعض الأدب السوري الجديد، لا سيما الرواية.
يشير بيضون إلى أن أول ما ينبغي التنويه به هو تنوع هؤلاء الكتّاب السبعة. هم مختلفون في الحرفة، يتوزعون بين مضامير كتابية مختلفة، وبين الجنسين، وبين مواقع جغرافية متباينة، وخبرتهم المدرسية تغطي أكثر من ثلاثة عقود من عمر المدرسة المعاصرة في سوريا وعمر نظام البعث وعشاياه. هم موزعون بين مناطق سوريا، ومدارسهم موزعة بين حواضر وأرياف، فلا دمشق وحلب هي الساحتان، ولا القامشلي هي اللاذقية ولا السويداء. هذا التنوع يوقف القارئ على باقة غزيرة من أنماط العيش وأطره، والعلاقات المتبادلة بينها. ثاني ما ينبغي التنويه به هو أن هذه الفصول لا تُعنى بالدرجة الأولى بعرض عملية التدريس أو نقل المعارف، بل تركز على «التربية» بمعنى أوسع من «التعليم» المدرسي، فهي تعرض لذكريات الكتاب وتأملهم في الصلة بين المدرسة وأوساط التنشئة الأخرى، كالأسرة والقرية.
تتناول الأوراق بالتفصيل ظاهرة العنف في المدرسة السورية، الذي يبدو أن وظيفته الأولى هي القمع والإخضاع والترويض. يصف الكاتب صوراً من هذا العنف: ضرب التلامذة بالعصا التي يحضرونها بأنفسهم، والتباري في تلبية هذا الطلب، وتفاوت شدة الضرب حسب سمك العصا وجانبها. يصل الأمر أحياناً إلى الصفع وإلى ما هو أدهى، وقد يكون الضرب أقرب إلى الثأر الشخصي منه إلى العقوبة، فتظهر على وجه الممارس البغضاء. أحياناً يكون العنف فائضاً يستغني عن كل ذريعة، وقد يكون استباقياً لدرء ذنب لم يقع بعد. ويشير بيضون إلى ما يسميه «تفويض صلاحية العقاب» لأحد التلامذة (العريف)، وهو ما يؤدي إلى خراب نفسي متسلسل في علاقة هذا التلميذ بنفسه ومحيطه. البغية العامة لهذه المعاملة كلها هي الإذلال، الذي يُرى انعكاساً للنظام الاجتماعي والسياسي، حيث يمارس من هو أعلى في الهرم الذل على من هو أدنى، ويعوض من هو أدنى بإذلال من هو أكثر ضعفاً، في علاقة مأساوية متداولة.
بالإضافة إلى العنف الجسدي، هناك أشكال أخرى من الإذلال، كالوقوف الطويل على قدم واحدة والوجه إلى الحائط، والتحقير اللفظي والبذاء، بهدف استئصال الشعور بالكرامة. هناك أيضاً عقوبات كالحجز، وأحياناً الحرمان من حق الذهاب إلى دورة المياه ولو لساعات. على الجانب الآخر، هناك أنواع أخرى من التمييز والإذلال، كتمييز المدرسين بعض التلامذة على حساب آخرين لمجرد المحسوبية أو الانتماء العشائري أو الطائفي. كذلك، يسلط الضوء على فضيحة تعليم اللغة العربية والتاريخ، حيث يُمنع التلاميذ الكرد من التكلم بلغتهم القومية، ويتعرفون على عالمهم ومعرفتهم عبر لغة المدرسة العربية فقط. أما تدريس الدين، فيوصف بأنه خال من كل روحانية، وأن الانتماء إلى الطبعات المتشددة منه ينطوي على شعور بالاستعلاء، قوامه احتكار الصواب، مما يوفر تعويضاً عن مهانة متنوعة المصادر.
وسط هذا القمع، توجد استثناءات. يحفظ بعض الكتاب ذكرى طيبة لبعض المدرسين الذين جمعوا الطيبة إلى الكفاءة، أو لمدارس دينية كـ«مدارس الراهبات»، التي تفتح أبوابها لثقافة أخرى، وتنشئ علاقة متوترة مع التنشئة العربية، لكنها تبقى حكراً على الطبقات الوسطى والعليا. كما يذكر الكاتب منافذ للهروب من «الحشر المدرسي»، كالمكتبات والسينما والمركز الثقافي، أو مخالفة النظام والنجاة بها، أو استكشاف المدينة. تظهر أيضاً في أكثر من فصل إشارات إلى رغبة غير راكدة في مناوأة الطغيان، كتداول منشورات وكتابات سرية، لكن الخوف غالب على النفس، والاستسلام للسلامة الشخصية. يشير بيضون في ختام تقديمه إلى وجود شقوق في قلعة الهوان هذه، شقوق مجتمعية تطبع المدارس وتنعكس في مصائر التلامذة المتضادة في سنوات الحرب الجارية، مؤكداً أن ما تعد به الكسور ليس بالضرورة عودة إلى تماسك زائف. فالشقوق الطبقية كانت فاغرة، ورسمت خريطة جديدة للمدارس، قضت بنسبة المسؤولين إلى الطبقة المسيطرة، مما ترجم في المدارس على شكل تمييز في المعاملة والفرص بين الطلاب بناءً على انتمائهم الاجتماعي.
3.أيام المدرسة / فاروق مردم بك25–50▼ ملخص
ملخص الفصل: «أيام المدرسة / فاروق مردم بك»
يستعرض الكاتب فاروق مردم بك في هذا الفصل مسيرته الدراسية في المعهد الفرنسي العربي بدمشق، الذي التحق به في صيف 1954 بعد أن قضى خمس سنوات في مدرسة ابتدائية صغيرة اسمها "روضة الأحداث" في حي عين الكرش. يصف الكاتب كيف كان المعهد مؤسسة تعليمية تابعة لـ "البعثة العلمانية الفرنسية" التي تأسست عام 1907 في سياق التنافس الاستعماري بين الكنيسة والدولة في فرنسا، وكانت تهدف إلى نشر "رسالة فرنسا الحضارية" القائمة على قيم الحرية والمساواة والإخاء، رغم تناقض ذلك مع واقع الانتداب الفرنسي.
يسجل الكاتب تفاصيل لقائه الأول مع الناظر العام الفرنسي العابس الذي اختبره بأسئلة بسيطة، ثم خاطب والدته بالفرنسية ليخبرها أن ابنها فريد (وهو اسمه الحقيقي قبل أن يتحول إلى فاروق) بحاجة إلى دروس خصوصية لتعويض نقصه في اللغة الفرنسية. يتذكر المشادة التي نشبت بين والديه في ذلك المساء، حيث أصرت والدته على تسجيله في المعهد رغم اعتراض والده الذي كان يراه طفلاً شارد الذهن وهزيلاً لا يقوى على حمل حقيبته. وانتهت المشادة بانتصار والدته، فأمضى سبع سنوات في المعهد (ست سنوات في الحقيقة، حتى نهاية الصف الحادي عشر).
يصف الكاتب "روضة الأحداث" التي أمضى فيها خمس سنوات قبل المعهد، وكانت مدرسة صغيرة أنيقة يرتادها أبناء الذوات من الجنسين، تديرها سيدة فلسطينية مسيحية بكفاءة وإخلاص. كانت معظم المدرسات مسيحيات مؤمنات يرتدين أيقونات ذهبية أو فضية، لكن لم يكن هناك أي تمييز ديني بين التلاميذ. يعترف الكاتب بفضل هذه المدرسة في تحصيل المعارف الأولية وفي تشجيع والده على شراء مجلة "سندباد" التي بدأت دار المعارف في مصر بإصدارها عام 1940، والتي تميزت بلغتها العربية المشرقة وتصميمها المتقن ورسوم الفنان الكبير حسين بيكار، بالإضافة إلى كتب كثيرة كاملة للأطفال من "قصص من ألف ليلة" إلى "قصص شكسبير".
يتحدث الكاتب عن مناخ المدرسة الرهيف والعناية الفائقة التي حظي بها في البيت، والتي جعلته يعيش في "قوقعة زجاجية" تحميه من "شيطنة" أولاد الحارة الذين كان يراهم يلعبون بصخب ويتبادلون اللكمات والشتائم، وكان يتوق إلى مشاركتهم لكنه كان ممنوعاً من مخالطتهم خوفاً على أدبه وصحته وحياته.
ينتقل الكاتب لوصف المعهد الفرنسي العربي ومبانيه الفخمة على شارع بغداد، ذي الحدائق الواسعة والجدران العالية. يشرح طبيعة البرنامج الدراسي المزدوج الذي كان يجمع بين المنهاج السوري والمنهاج الفرنسي، مع سبع أو ثماني حصص أسبوعية للغة الفرنسية وحدها، ومواد الأدب الكلاسيكي الفرنسي مثل "المتخاصمون" لـ جان راسين ومسرحيات كورنيي وموليير. يصف معاناته في السنة الأولى حيث تعثر في معظم المواد وحصل على المرتبة الثالثة والعشرين من أصل ثمانية وعشرين تلميذاً، فاضطر للدروس الخصوصية على يد أستاذ لبناني طوال العطلة الصيفية.
يصف الكاتب الأساتذة الفرنسيين الذين كانوا يتقنون بعض العربية ويهتمون بالتعرف على التقاليد والعادات السورية، ويشير إلى أن إطلاعهم الواسع دفعهم لاستخدام كتب مدرسية فرنسية متنوعة تجعل الطلاب يتشوقون للغوص فيها بأسلوبها السلس وإخراجها الأنيق. يحتفظ الكاتب بذاكرته لملاحظات هؤلاء الأساتذة التي خطوها على أوراق امتحاناتهم باللغة العربية، وهو ما يدل على احترامهم للغة المحلية.
يتناول الكاتب علاقاته مع زملائه، ويصف كيف كان يجتمع بهم يوم الجمعة بعد الظهر في منزل أحدهم للاستماع إلى أسطوانات الروك الفرنسية أو لعب البوكر، أو التلصص من شرفة في حي الشعلان على بنات مدرسة الفرنسيسكان وهن يمارسن الرياضة البدنية. ويذكر أن جلساتهم كانت تتخللها مناقشات أدبية حول "غثيان" سارتر و"غريب" كامو، بينما كانوا يتحاشون الخوض في السياسية، ربما خوفاً من جو الرقابة الأمنية السائد آنذاك.
يتحدث الكاتب عن علاقته بالبنات في المعهد، وكيف كانت "الحميلات" يجلسن في الصف الأمامي الأيمن أو الأيسر من القاعة، وكيف كان يتابعهن من بعيد لاختيار من يستحق نظرة إعجاب أو ابتسامة. يصف كيف تطورت العلاقات تدريجياً من السهرات الراقصة تحت رقابة أهل الزميل الداعي، إلى ملامسات لطيفة أثناء الرقص في السنتين الأخيرتين. ويعترف بأنه كان كغيره من الأولاد الكبار يفرغ فائض فتوته في "المبغى" الذي كان يقع في موقع الهندسة.
ينتقل الكاتب إلى الحديث عن تصاعد العداء لفرنسا في الشارع السوري تضامناً مع الحركات الاستقلالية في المغرب والجزائر، خاصة بعد اندلاع الثورة الجزائرية في تشرين الثاني 1954، وربط السوريين ذلك بثورتهم على الانتداب عام 1925 وبمجزرة البرلمان عام 1946. يشرح كيف كان هذا الجو حاسماً في تَسيّسه وحماسه القومي الذي بلغ ذروته مع استقلال المغرب ثم تونس عام 1956 وفاض مع تأميم قناة السويس.
يصف الكاتب المشهد السياسي السوري آنذاك، حيث كانت الأحزاب العقائدية تمارس نشاطها علناً باستثناء الحزب السوري القومي الاجتماعي بعد اغتيال عدنان المالكي، وكان حديث الناس يدور على الصراع بين المحورين، وعلى حلف بغداد، وعلى المؤامرات لضم سورية إلى ما كان يسمى "الهلال الخصيب". يذكر كيف كان ينصت إلى الإذاعات ويقرأ عناوين الصحف ثم يتشدق بالكلام في البيت والمدرسة عن المؤامرات الاستعمارية، ويمجد مصر وعبد الناصر، ولا تزيده سخريات زملائه إلا حماسة.
يروي الكاتب حادثة طريفة جرت عام 1957 حين انشغل في معركة انتخابية فرعية بين اثنين من مرشحي دمشق، فطبع منشورات لأحدهما على نفقته الخاصة ووزعها في الحي، وأثار سخرية ودَهشة الوالدين. وبعد العدوان الثلاثي على مصر في تشرين الأول 1956، اشتعلت الحماسة في المعهد، وتذكر كيف كان الطلاب يرقبون النشرات العسكرية المصرية وهم واثقون من انتصار مصر، بينما كان بعض المتعاطفين مع فرنسا يبدون قلقهم من إغلاق المعهد أو تغيير نظامه.
يتناول الكاتب المفاوضات التي جرت بين الحكومة السورية وإدارة البعثة العلمانية الفرنسية، والتي انتهت باتفاق قضى بتعيين ناظر سوري بديلاً عن الناظر الفرنسي، ثم اتفاق آخر يقضي بأن يشغل سوريون مناصب إدارية، وأخيراً اتفاق ثالث بدأ تنفيذه في أواخر 1958 يقضي بأن يشكل السوريون نصف الهيئة التدريسية، وتدرّس المواد العلمية بالعربية أو بالفرنسية في الفرعين الأدبي والعلمي.
يختص الكاتب السنة الدراسية 1958-1959 بالحديث المطول، معتبراً إياها الأكثر تأثيراً في توعيته الفكرية والسياسية. يذكر كيف استطاع فيها تجاوز تحفظ الأساتذة الفرنسيين وموقفهم الحيادي، وصرح برأيه في الحرب الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، فامتعض الناظر العام عندما ألقى في حفل مدرسي قصيدة قيل إنه مدح فيها جميلة بوحيرد. ويذكر أن أستاذ التاريخ كان يقرأ جريدة "البطة المقيّدة" الساخرة ومجلتي "لوبسيرفاتور" و**"لونوفيل أوبسيرفاتور"**، وكان يستعيرها منه فيكتشف أن في فرنسا رجالاً ونساء يدافعون عن قيم الجمهورية ويشعرون بالمهانة مما يرتكب باسم فرنسا من جرائم في الجزائر.
يصف الكاتب كيف قرأ البيان المشهور الذي نشره جان بول سارتر مع مثقفين وفنانين مرموقين يؤكدون حق الجزائر في الاستقلال، وصار يحدّث زملائه عن قادة الثورة الجزائرية واتجاهاتهم المختلفة، وعن مواقف الأحزاب الفرنسية من الحرب. ويذكر أن أستاذ التاريخ كان يسترسل في الشرح وينهي كلامه بقوله: "نحن السوريين خير الناس، لا يفهمون بالوحدة العربية".
يروي الكاتب أطرف ذكرياته عن سنته الدراسية الأخيرة في المعهد، حين كان من المحرضين على التظاهر في أواخر نيسان 1959 بعد نجاحهم في امتحاناتهم، فتجمعوا في الشارع بلا ترخيص، مما أثار دهشة المارة الذين لم يصدقوا أن طلاباً في مدرسة فرنسية يتظاهرون ضد السياسة الفرنسية، خاصة في زمن الوحدة السورية المصرية حين كان المواطنون لا يجرؤون على إبداء رأيهم. ويذكر أن تهورهم بلغ ذروته حين توجهوا إلى ثانوية جودة الهاشمي لدعوة طلابها إلى الانضمام إليهم، لكن الشرطة فضّت التظاهرة قبل أن يصلوا إلى ساحة البرلمان.
يعود الكاتب للحديث عن مضمون البرنامجين السوري والفرنسي، موضحاً أن الكتب الفرنسية كانت أشمل وأكمل من الكتب السورية وأفضل تبويباً، وأن الطلاب كانوا يدرسون المواد العلمية بالفرنسية عن الأسئلة المطروحة في امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية. ويذكر أن البعثة العلمانية كانت تحسن اختيار الكتب المدرسية الفرنسية بحيث يتشوق الطلاب إلى الغوص فيها، لكن هذه الكتب كانت تتوجه أساساً إلى الجمهور الفرنسي وتهدف إلى تلقينه تاريخ بلاده وجغرافيتها، ولذلك كان ما تعلموه عن فرنسا ومحيطها الأوروبي يفوق بكثير ما عرفوه عن سورية والبلاد العربية.
يتساءل الكاتب عن أسباب شغفه بالرياضيات (خاصة الجبر) مقابل كراهيته للتاريخ الطبيعي الذي كان يحصل فيه على الصفر دائماً، ويترك السؤال مفتوحاً بين أن يكون السبب في شخصية الأستاذ أو في مضمون المادة. ويذكر أن أستاذاً قديراً للغة العربية في الصف التاسع شجعه على قراءة الشعر العربي القديم، وأن أستاذاً آخر للتاريخ كان يُغني المعلومات الواردة في الكتاب المدرسي عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
يصف الكاتب كيف صادف في السنة التالية (الصف الحادي عشر حسب الترتيب الفرنسي) أستاذين فرنسيين استثنائيين، أحدهما أستاذ التاريخ الذي كان معارضاً للحرب الاستعمارية، والآخر أستاذ اللغة الفرنسية الذي رسخ في ذهنه ما تعلمه من قبل عن الآداب الفرنسية. ويمتدح الأستاذ الثاني لأنه شجعه على استخدام بعض الأدوات النقدية الحديثة في مقاربة الشعر والرواية.
يتناول الكاتب موضوع التربية الدينية، متسائلاً متى صارت مادة إلزامية، ويصف علاقته المعقدة بالدين. يذكر أنه نشأ في أسرة مؤمنة وسطياً دون تعصب، وأنه مر بمرحلة شك واضطراب في المراهقة مراوحاً بين الإيمان والإلحاد، وانتهى إلى قناعة بأن الإيمان والإلحاد لا يختصان بدين أو مذهب، مع شعور عميق بالانتماء إلى الحضارة والثقافة العربية الإسلامية. يروي حادثة طريفة مع مدرس التربية الدينية الذي كان جابياً يائساً من أمره، ويكتشف مصادفة أن فاروق كتب قصيدة في مدح النبي، فيصافحه ويصطلحان.
يشرح الكاتب كيف تحول اهتمامه بالشعر إلى هوس حقيقي، ويصف اكتشافه صندوقاً في بيت جده يحوي دواوين شعر ودراسات أدبية من مطبوعات الثلاثينيات والأربعينيات في سورية. يروي كيف بدأ ينظم الشعر على بحور الخليل بن أحمد، وكيف نشر قصائده في مجلة المعهد الوحيدة. ويذكر كيف كان يستشير أساتذة العربية في أخطائه اللغوية والعروضية، وكيف شجعه أحدهم على حفظ المعلقات وإنشادها بصوت عال.
يتحدث الكاتب عن إشكالات مربكة في دراسة الشعر القديم، ويروي حادثة مع أستاذ العربية حين سأله عن معنى بيت للفرزدق فيه فحش، فيهمس له الأستاذ في نهاية الدرس بأن البيت رذيل ويمتنع عن شرحه أمام الطالبات. يذكر الكاتب أنه أدمن منذ الصف التاسع على قراءة الشعر قديمه وحديثه وأهمل الدراسة إلا بالقدر الذي يوصله للنجاح.
يصف الكاتب كيف تقدم في بداية عام 1959 إلى مسابقة أعلنها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في الجمهورية العربية المتحدة للشعراء الذين لم يبلغوا 25 سنة، ففاز بالجائزة الأولى ودعي لقراءة قصيدته في مهرجان الشعر العربي الثاني الذي أقيم في أيلول على مسرح معرض دمشق الدولي. يصف اعتزاز زملائه به وفرحته بلقاء شعراء من الرعيل الأول مثل أمين نخلة والشاعر القروي وأحمد رامي، وشعراء مجددين مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، وكبير شعراء العامية صلاح جاهين.
يذكر الكاتب أنه أرسل قصيدة إلى مجلة "الآداب" فرفضها سهيل إدريس، لكنه تلقى رسالة من أدونيس خطها بالحبر الأخضر يقول له فيها إن قصيدته بحاجة إلى تكثيف وصقل، وإن مجلة "شعر" ستنشر مقطعاً منها. ثم وصلته مجلة "الآداب" وفيها قصيدته الثانية تتصدر على صفحتين، فيندم الكاتب على ذلك معتبراً أنها تخزي صاحبها. ويذكر أن مدرس اللغة العربية في صف البكالوريا كان يسعى إلى نشر شعره في المجلات دون أن يفلح، ربما لإصراره على الشعر العمودي في زمن قصيدة التفعيلة.
يختتم الكاتب حديثه عن الدراسة بوصف منهج التاريخ الفرنسي الذي تضمن تاريخ فرنسا من الثورة الكبرى وما فيها من صراعات اجتماعية وفكرية، وكيف تأثر بـ روبسبيير وسان جوست على رغم الصورة البشعة التي رسمتها الثورة المضادة لهما. ويخصص الحديث لأستاذ تاريخ في السنة الدراسية 1960-1961 كان واسع الثقافة يستعين بمراجع غير الكتاب المدرسي ويوصيهم بقراءة روايات تاريخية مثل "الحرب والسلام" و"المواطن توم بين". ويذكر كيف وزع عليهم مقالات عن كبار فناني عصر النهضة وطلب تلخيصها بالعربية، ونصحه بقراءة ناظم حكمت وبابلو نيرودا.
يروي الكاتب حادثة اعتقال أستاذي التاريخ والجغرافيا في بداية 1964 بعد عطلة الميلاد ورأس السنة، بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي المحظور. يصف كيف صدمته هذه الحادثة وكيف تحول إعجابه بـ عبد الناصر إلى كراهية، وندم على وقوفه تحت شرفة قصره في القاهرة.
في القسم الأخير من الفصل، يتحول الكاتب إلى الحديث عن حبه لاكتشاف دمشق. يصف كيف كان سعيه الحثيث لاستكشاف المدينة من أقصاها إلى أقصاها خلال فترة الدراسة الثانوية (1955-1961)، وكيف استمر ذلك في أيام الجامعة وحتى بعد هجرته إلى فرنسا في أواخر 1970. يذكر أنه كان يبهر بمنظر دمشق من أعلى قاسيون، وأنه خجل من جهله بأسماء معظم أحيائها. يصف الكاتب دمشق في منتصف الخمسينيات بغوطتها الخضراء وبساتينها المتاخمة للبيوت، ويتذكر تفاصيل حية عن المرجة والباعة المتجولين، وعن البساتين في جوبر وعربين وحرستا، وعن ذبح خروف العيد في بستان في دمر.
يتحدث الكاتب عن وسائل التنقل في دمشق القديمة، مشيداً بالترامواي الذي كان أنجع وسيلة وأمتعها للتعرف على الأحياء، ويصف رحلاته من الدرويشية إلى الميدان، ومن المرجة إلى العمارة، ومن الجسر الأبيض إلى الشيخ محيي الدين. ويذكر كيف كان الباص وسيلته المعتادة من البيت إلى المدرسة، لكنه كان يعتمد على ساقيه للتجوال، وأينما اتجه إلى الجنوب حتى جسر فيكتوريا أو شمالاً في شارع الصالحية.
يختم الكاتب بإعلان حبه العميق لدمشق، معترفاً بأنه برغم كل التحولات التي مرت بها المدينة بعد بناء العمارات واتساعها، وهجرته الطوعية ثم القسرية، فإن علاقته الحميمة بدمشق لم تنقطع. ويصف دمشق بأنها "جغرافياه العاطفية الأولى" التي لا يشاركه فيها أحد، وعاش فيها بين سعادة وشقاء، ليكتشف في النهاية أن له هوية مركبة يصعب تحديدها بين الفرنسية والعربية الإسلامية، تماماً مثل هوية مدينة دمشق نفسها.
4.سنوات الترحال / ممدوح عزام51–108▼ ملخص
يستعرض الكاتب ممدوح عزام في هذا الفصل سنوات طفولته وتنقلاته المستمرة في سورية، والتي شكلت وعيه المبكر وعلاقته بالسلطة والتعليم والحكي. الموضوع المحوري هو تشكل هويته ككاتب وقارئ عبر الترحال والاحتكاك بأشكال مختلفة من السلطة (الدرك، المدرسة، الحزب) وقصص والده الذي كان دركياً وحكواتياً ماهراً. يقدم الكاتب إجابة ضمنية بأن جذور الكتابة لديه تنبع من هذه الترحالات والمواجهات المبكرة مع القسوة والخوف، ومن حكايات والده الثرية.
يسير الفصل وفق سرد زمني، متتبعاً تنقلات عائلة الكاتب بسبب عمل والده في سلك الدرك. يبدأ بأول ذكرى مدرسية له في قرية قسطل المعاف في جبل الأكراد، حيث كان والده دركياً وأطلق عليه التلاميذ لقب "قشق". يبرز دور والده كحكواتي من طراز فريد، يروي قصصاً بوليسية عن جريمة قتل اكتشفها في قرية قصقص بجبال العلويين. كما يصف تعلقه بأبيه من خلال رعايته لفرسه العربي الأصيل، ويصف تجربة لمس الحصان التي يربطها لاحقاً بإحساس شبيه بالنشوة الجنسية. ينتقل بعدها إلى مدرسة في المزيرعة، حيث يتذكر معلمه القاسي الذي كان يعاقب بالكتابة المتكررة، وتدخل أمه وسيدة تدعى سارة لمساعدته. يحلل الكاتب علاقة التحالف بين الدرك والمعلمين في الريف السوري، حيث كان الدركي يمثل سلطة مركزية مخيفة، بينما كان المعلم غريباً عن القرية أيضاً.
ينتقل الكاتب مع أسرته إلى عين البيضاء في جبال الساحل، ثم إلى تل الخريطة التابعة للحسكة، في رحلة شاقة بالشاحنة. هناك يتعرف على عائلة آشورية، ويشهد حادثة شفاء طفلة تعاني من الاستسقاء بمساعدة والده الذي استخدم معرفته بالنباتات الجبلية. تنتقل العائلة بعدها إلى القامشلي، حيث يسكن في حي الهلالية. هنا يشهد حريق عامودا الشهير في دار السينما، وهي ذكرى أليمة. يصف انتقاله إلى حي السريان، وولعه الشديد بالسينما وأفلام البطل ماشيستي أو هرقل، وهو ما يدفعه لسرقة الليرة من مطمورة أمه. يصف شعوره بالعار حين اكتشفت أمه سرقته، واكتفائها بسؤال خائب "ليه يا ممدوح؟"، وهو الموقف الذي يصفه بأنه جعله يغرق في خزي مريع ويترك السرقة للأبد. يحلل الكاتب إيمان أمه الدرزي بالتقمص والمحاسبة على ذنوب الحياة الماضية، وهو ما كان يثير فيه الرعب.
ينتقل الفصل إلى المرحلة الإعدادية. يصف الكاتب الصفعة الوحيدة التي تلقاها من والده بسبب سباحته في نهر قرب المالكية (ديريك) رغم تحذيرات أمه. ثم يصف رحلة الانتقال الطويلة من القامشلي إلى درعا، مروراً بدير الزور وجسرها الشهير. يستقرون في بلدة بصر الحرير، حيث يبدأ والده ببناء منزل العائلة في القرية. يتعمق الكاتب في تاريخ عائلته عبر حكايات جده، الذي هاجر من لبنان وبنى بيوتاً بالحجارة في قرى جبل العرب، ويصف سحر منطقة اللجاة البركانية بجغرافيتها الفريدة وطحالبها التي تتحول إلى خضرة مع المطر. ينتقل بعدها إلى المدرسة الإعدادية "الثورة" في السويداء، حيث يركز على تجربة قاسية مع مدير المدرسة الذي كان يضرب الطلاب بعصا من خشب السنديان، مجسداً قسوة النظام التعليمي. يصف مشهداً محدداً للضرب الجماعي في البرد، ويستنتج أن علاقة المعلم بالطلاب كانت قائمة على العداء والسلطة. ينتقل بعدها إلى تجربة أخرى في صف الإعدادي الملحق بالثانوية، حيث عانى من احتقار الطلاب الأكبر سناً، ومن نظام "العسكرة" ومدرب هتلري شرس كان يعاقب الطلاب بتمارين مهينة مثل "مشي البطة".
يدخل الكاتب دار المعلمين بعد الشهادة الإعدادية، وهو خيار يندم عليه لأنه ضيق أفقه، لكنه يكتشف أن المناهج فيها متنوعة وممتعة، وتتضمن مواداً مثل التربية الزراعية والصناعية. يصف زياراته الأولى للمركز الثقافي برفقة أستاذ لغة عربية، حيث تعرّف على الأدب التراثي والمزيد من الكتب. يصف بدايات تشكل وعيه حول أهمية الاجتهاد الشخصي بفضل مفتش في مادة علم النفس ترك أثراً عميقاً في نفسه. يتناول الفصل في هذه المرحلة الضغوط السياسية للانتماء الحزبي (البعث أو الشيوعي)، والمشاركة الإجبارية في المسيرات المؤيدة أو الرافضة لأعداء متغيرين. يحاول الكاتب الانضمام لفرقة موسيقية في الدار بآلة كمان اشتراها، لكنه يواجه احتقاراً من أعضاء الفرقة واتهامات لاحقة بالمخدرات. يختتم الفصل بعودته للقرية في عطلة شتوية، ومواجهته مع أمه لذئاب كانت تهاجم حمارهما، في مشهد يظهر شجاعتها وحكمتها. ينتهي الفصل بالحديث عن الكتب التي كان يقرأها مثل "الأرض" لفرانز فانون، و"معذبو الأرض" للسياب، رغم أن تأثيرهما لم يظهر في المدرسة بقدر ما ظهر لاحقاً. ويخلص إلى أن ذاكرة الحكي عند أبيه، وليس النظام التعليمي، هي التي ساعدته في كتابة روايته الأولى عن رحلة جده من فلسطين.
5.ذاكرة المكان / صالح الحاج صالح109–166▼ ملخص
هذا الفصل هو سيرة ذاتية مكانية، يتتبع فيها الكاتب صالح الحاج صالح مسار طفولته وصباه مرتبطاً بالمدارس التي تنقل بينها، من قريته الصغيرة إلى مدينة الرقة. الموضوع المحوري هو تشكل الوعي والهوية عبر المكان المدرسي بوصفه فضاءً للسلطة والمعرفة والخوف والاكتشاف، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن المدرسة، بمعلميها ونظامها وطقوسها، كانت العامل الأكثر حسماً في صياغة جيل الريف السوري في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حيث شكلت وعيه السياسي والاجتماعي والجنسي، وزرعت فيه بذور الطاعة والخوف، وفي الوقت نفسه فتحت له آفاقاً للتمرد والحلم.
يسير الفصل زمنياً، بدءاً من مرحلة ما قبل المدرسة في القرية، حيث تسرد الذاكرة المواكبة للجسد. يتذكر الكاتب عملية كى الفتق التي أُجريت له صغيراً، وهي تجربة غامضة ومؤلمة، ويربطها بصدمة في سوق حلب حيث تخيل أن يهود حلب سيخطفونه، مما يخلط لديه الألم الجسدي بالخوف الأسطوري. هذه الذاكرة التأسيسية تقدم طفلاً هشاً يعيش في عالم تسيطر عليه الحكايات والأوصاف الجسدية والألقاب، مثل لقب "الصغير" الذي لازمه لسنوات.
ينتقل السرد إلى بناء أول مدرسة في قريته في العام الدراسي 1955-1956، مفصلاً عملية البناء الجماعي الذي شارك فيه الأهالي، والتجارة التي أحاطت بالمشروع، وتفاصيل المكان: الواحة، الجسر، القباب الطينية. هنا يظهر المعلم الأول القادم من مدينة حماة، طويل القامة، يلقبونه "عمود العجَر" (العجر: الشوك)، وهو نموذج للسلطة المطلقة داخل الصف. نقطة التحول في عالم الطفل تكمن في اكتشافه مصدرين للخوف: المعلم في المدرسة والجد في البيت، وكلاهما يمارس عقاباً جسدياً كالقرص وفرك الأذن، وكلاهما يمتلك سلطة غير قابلة للنقاش.
يبرز الفصل دور الألقاب في بناء الهوية الاجتماعية، سواء تلك التي تطلق عند الولادة حسب التقاليد، أو الألقاب المكتسبة مثل "البعثي" الذي ألصق بأخيه، وهو لقب سياسي سيظل ملازماً له في السجلات الرسمية على حساب اسمه الحقيقي. ثم يروي الكاتب حادثة انهيار المدرسة الطينية بسبب الأمطار الغزيرة، مما اضطرهم للانتقال إلى غرف مستودع ضيقة، ثم بناء مدرسة إسمنتية جديدة. هذا الانهيار كشف هشاشة المكان وهشاشة السلطة في آن واحد.
مع الانتقال إلى المدرسة الجديدة، التي كان العلم يرفرف فوقها بشكل دائم تقريباً، ينتقل السرد إلى تفاصيل الحياة اليومية: الألعاب، العلاقات مع "أبو عبد الله التونسي"، الجندي العثماني السابق الذي يروي القصص ويصنع التتن من أعقاب السجائر، وجلسات السمر الصيفية على "الكولة" (بركة الماء) حيث كانت القرية بأكملها تنعكس كمرآة سحرية. في هذه الأثناء، يصف الكاتب أول مظاهرة سياسية يشارك فيها في القرية، وهتافاتهم لحزب البعث، وتعليق والده الساخر الذي أربك يقين الطفل السياسي الناشئ، لكنه لم يحسم أمر الشك في سلطة المعلم بعد.
الحقبة الثانية من السرد هي المرحلة الإعدادية والثانوية في مدينة الرقة، وتتميز بكثافة التفاصيل الحسية والسياسية. يصف الكاتب يومه الأول في ثانوية الرشيد، حيث صدمته الزحمة المكتظة بـ1200 طالب تقريباً، وبعدها الصدمة الأكبر: صفعة أمين السر عدنان العجيلي عندما جادل في توزيعه على شعبة اللغة الإنجليزية بدلاً من الفرنسية. هذه الصفعة، كما يصفها المؤلف، بقيت حية في ذاكرته أكثر من أي عقاب آخر، وزرعت فيه شعوراً بالعار والغربة والعداء تجاه النظام المدرسي.
ثم ينتقل الفصل إلى تفاصيل المدرسة الإعدادية: ثنائية الريف والمدينة المعادية، ومحاولة إخفاء ملامح "الشّوايا" (الريفيين) والوشم الذي كانوا يحاولون إزالته بحمض الليمون، ما يخلف ندوباً على الوجوه. هنا يتحول النقاش من الهوية المحلية إلى هوية سياسية وأيديولوجية، فتصبح المدرسة ساحة للصراع الحزبي بين البعثيين والناصريين والشيوعيين، ويظهر "عبد الفتاح" كموجّه طلابي يراقب ويبلغ، بينما يرفض البعض مثل الكاتب الانخراط في اتحاد شبيبة الثورة، مفضلين ملاذات أخرى.
ملاذات الكاتب في تلك السنوات كانت متعددة: السينما (غرناطة، الزهراء، الشرق) التي كانت تقدم أفلاماً عن الفدائيين والأفلام الهندية، وقراءة روايات ألبيرتو مورافيا التي أغنت خياله الجنسي، والتسرب من حصص الرياضة لاستكشاف بناية المجمع الحكومي، ومطاردة الأرانب في البرية، وأخيراً حادثة هروب أخيه مصطفى للانضمام إلى الفدائيين الفلسطينيين، مما كشف عن أفق سياسي مأساوي آخر كان ينتظر الشباب في تلك الفترة.
يختتم الفصل بمشهدين يلخصان تقاطع الذاكرة الشخصية مع التاريخ الكبير. الأول هو مشهد وفاة جمال عبد الناصر ومسيرات الحزن التي تلتها، حيث حاول الكاتب التظاهر بالبكاء دون جدوى، ليكتشف في تلك اللحظة مسافة ما بين المواكبة العاطفية الجماعية وبين مشاعره الحقيقية. الثاني هو لقاء متكرر مع خاله صالح في دكانه، الذي كان يعلق على الأحداث الكبرى بسخرية مريرة، قائلاً: "وصلت لندن خبر"، ليكتشف الكاتب لاحقاً أن الخال، الذي كان يبدو وكأنه يفتقر للوعي السياسي، كان يخبره باندلاع حرب تشرين التحريرية 1973 بطريقته الخاصة.
يمكن ملاحظة أن الفصل يبني حجة قابلة للنقاش: أن المدرسة لم تكن مجرد فضاء تعليمي، بل كانت أداة أساسية في تشكيل الرعية الخاضعة، حيث يتداخل الخوف من العقاب البدني مع الخوف من السلطة الحزبية والدينية والطبيعية. تستند هذه الحجة على كثافة الأمثلة الحسية، من صفعة عدنان العجيلي إلى سرية السجائر إلى شكل وشم الوجه، مما يجعل السيرة الذاتية بمثابة قراءة أنثروبولوجية للمكان كمُنتج للهويات المقهورة والمتمردة معاً.
6.في معهد الأخوة الخاص جداً .... / سلام كواكبي167–202▼ ملخص
يستعرض الفصل رحلة الكاتبة الذاتية والوجدانية في مدارس دمشق خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، مُركّزاً على التحوّل من التعليم الخاص (مدرسة الراهبات الكاثوليكية) إلى التعليم الحكومي (مدرسة القصر في الصالحية)، وكيف شكّلت هذه البيئات المدرسية المختلفة وعيها وهويتها الاجتماعية والدينية. الموضوع المحوري هو تأثير السياسة والمجتمع والطبقية في تشكيل الذاكرة الشخصية، والإجابة التي يقدّمها المؤلف ليست نظرية بل سردية حكائية تظهر أثر المؤسسات التربوية والصراع بين العلمانية والدين والهوية في سورية.
يبدأ الفصل بوصف دقيق للكاتبة في مرحلة الروضة في معهد الأخوة الخاص جداً (مدرسة راهبات)، حيث تقضي يومها في الأكل واللعب والنوم، وتصف كيف كانت الراهبات القاسيات يُجبرن التلاميذ على النوم، وكيف كانت تمزح معهنّ بنفخ مسحوق (التعومة) على أثوابهنّ السوداء. تفاصيل المدرسة قاسية: الكنيسة الإلزامية، الطعام الذي لا يمكن رفضه، وجدار الفسحة المزروع بالشظايا الزجاجية لمنع الهروب، مما جعلها تتخيّل نفسها مسيحاً صغيراً يُصلب على ذلك الجدار. في مقابل هذه القسوة، يظهر والدها كشخصية حنونة ومتعبة، يعمل بجد ويمرض، ويحقن نفسه بالإبر، ويحاول إقناعها بالصمود في المدرسة. والدتها، من جهة أخرى، تضطر للتوسّل للراهبات لتخفيف أقساط المدرسة تحت شعار الانتماء للطائفة الكاثوليكية.
تنتقل الكاتبة إلى نقطة تحول مفصلية: قرار تأميم المدارس الخاصة (الذي تلمّح أنه صدر عن وزير التربية أو المعارف)، مما اضطر أسرتها لإخراجها وأختها من مدرسة الراهبات وإلحاقهما بمدرسة حكومية. هذا القرار الذي لم تفهمه في حينه، والذي نعتَه والدها بعبارات غاضبة مثل (حمار معبّى ببنطلون) موجّهة للوزير، مثّل لها خلاصاً من (ذاك السجن الكاثوليكي)، بينما قابله الأهل بحسرة لأن بناتهم الكبرى حصلن على شهادات أجنبية وفنون اجتماعية من المدرسة الخاصة. هنا، تبدأ مغامرة جديدة في مدرسة القصر الواقعة في شارع الصالحية، وهو قصر دمشقي فخم وصفته بأدق التفاصيل: باحات رخامية، مرايا ضخمة مذهّبة، أشجار الكباد والليمون، أقبية مظلمة، وقصص غامضة عن ملك وملكة وابنة محبوسة في طابق علوي. هذا المكان، بجماله وحكاياته الخرافية، أصبح لها ملاذاً للخيال واللعب، على عكس المدرسة السابقة التي كانت تخلو من أي متعة.
في المشهد التالي، تروي الكاتبة أول يوم لها في المدرسة الحكومية، حيث قالت للمعلمة (بونجور مدموزيل) بحكم عادتها الفرنسية، لتردّ عليها المعلمة بصفعة قوية قائلة: (صباح الخير يا آنستي). هذه الحادثة لم تكن مجرد عنف، بل كشفت صراعاً طبقياً وثقافياً: فالكاتبة المنحدرة من أسرة مسيحية وتعليم أجنبي خاص كانت تُرى (مغرورة) من قبل البنات الأخريات، وخصوصاً (البنت السمراء ذات الجدائل السوداء الطويلة) التي نعتها بالـ(كافرة). في المقابل، تظهر شخصية خير النساء الحسيني، مديرة المدرسة، كبطلة إنقاذ ورمز للأناقة والسلطة. هذه السيدة التي كانت ترتدي تايورات شانيل البيضاء وكعوباً عالية، وتضع مكياجاً كنجمات السينما، استطاعت أن تعيد الاعتبار للكاتبة: ذهبت إلى وزير التربية، وجعلته يعاقب المعلمة التي صفعتها بثلاثة أشهر بلا راتب ونقلها إلى منطقة نائية، كما أصدرت قراراً تاريخياً يسمح للطالبات المسيحيات بالخروج يوم الأحد صباحاً للكنيسة. الأهم من ذلك، أنها جمعت كل الطالبات في باحة المدرسة وأعلنت بصوتها الجلجلي: (أي حديث سوء معاملة على أساس الدين في هذه المدرسة سيعاقب بسرعة). لم تكتفِ بذلك، بل صعدت على المنصة وبدأت تتلو سورة مريم قائلة: (مريم العدرا... ما تعرفوا سورة مريم؟). هذا الحدث جعل الكاتبة تدرك أن المديرة، التي تعلمت في مدارس راهبات داخلية، كانت تتعاطف مع الطالبات المسيحيات لأنها فهمت معاناتهنّ.
لكن خلف أناقة المديرة وقوتها، تظهر صورة أخرى من الفصل عن حالة البلاد السياسية المضطربة. الكاتبة تلتقط من كلمات والدها ونوبات غضبه المتقطع كلمات مثل: (طار الوزير، إجا أمين الحافظ، حتّنونا بغداد، أبو عبدو الجحش، نور الدين الأتاسي، صلاح جديد، الشيوعيين، اخوان، مخابرات). هذه الكلمات تعكس الانقلابات والصراعات التي شهدتها سورية في النصف الثاني من الستينيات. في هذا السياق، تروي حادثة طفولتها حين ركضت واختبأت مع أختها بإطلاق نار ورأت بيتاً يحترق في ساحة (الرمّانة) قرب حديقة المدفع، وهو البيت الذي تقول إنه ربما كان لـأمين الحافظ أو أحد معاونيه. هذا العنف السياسي يتسلّل إلى حياتها اليومية عبر إجازات والدها المفاجئة من العمل وغيابه، ودخولهما الغرفة المظلمة (دارك روم) لتحميض الصور، وتخزينه لعلب الأرز والزيت والسكر احتياطاً، مما جعل طفولتها تتشرب قلقاً سياسياً مبكراً دون أن تفهم أبعاده.
في وسط هذه الفوضى، يصدم الفصل القارئ بموت والدها. الكاتبة تصف كيف سافر الوالد إلى المشفى الأميركي في بيروت حيث مكث ستة أشهر متواصلة، وعاد بمعجزة طبية لكن صحته تدهورت، ليدخل لاحقاً إلى مشفى المواساة في دمشق حيث يموت عن عمر ثمانية وثلاثين عاماً. هذا الموت المبكر لم يكن مجرد فقدان عاطفي، بل كان كارثة مالية وإدارية، لأن علاجه في الخارج حرم أسرته من راتبه التقاعدي، وأدخلهم في (مرحلة من الفاقة). بعد سواد هذه السنة (التي تركت الدراسة فيها)، تعود الكاتبة إلى المدرسة لتحقق تفوقاً لافتاً: تصبح الأولى على المدرسة، وتنضم إلى فريق الجمباز وتصبح بطلة على مستوى دمشق، وتشارك في الفرقة الموسيقية وفرقة المسرح. هذا التفوق لم يكن نابعاً من حب العلم، بل كان محاولة يائسة لإسعاد والدتها الحزينة التي لم تتوقف عن البكاء بعد موت الأب: (كان القدر الذي يضعك في امتحاناته الكبرى... تنجح أو تسقط؟).
من نافذة التفوق والموهبة الموسيقية، تظهر قصة خيبة أمل كبرى حين رشّحتها أستاذة الموسيقى (التي كانت بمثابة الأب الحنون) للسفر إلى موسكو لتمثيل المدرسة، وبدأت عائلتها بتجهيز ملابس صوفية ثقيلة وقصاصات أوراق مكتوب عليها هدايا يطلبونها من الاتحاد السوفياتي. لكن فرحتها انقلبت ليلة سفرها حين أُلغيت رحلتها دون سبب، لتكتشف لاحقاً أنها استُبدلت بـ(ابنة ضابط كبير للغاية)، وهي نفس (البنت السمراء ذات الجدائل الطويلة) التي نعتها بالكافرة، والتي تحالفت مع ابنة الضابط لتأخذ مكانها. هنا، تكتشف الكاتبة المعنى الحقيقي لليتم: (سأفهم المعنى الحقيقي لليتم. وما حاجة البنت إلى أب). هذا التحالف الطبقي والسياسي بين عائلة الضابط والمحامي الطموح (والد البنت السمراء) يمثل لها جرحاً مزدوجاً: إقصاء اجتماعي وحرمان من فرصة العمر.
على الجانب الآخر، تقدم الكاتبة صوراً لطيفة من المدرسة، مثل صديقتها ندى ابنة الفنان عبد اللطيف فتحي (الذي اشتهر بدوره (بدري الحلاء))، والتي كانت تحكي لهنّ النكات وتحفظهنّ من والدها، رغم معاناتها مع زوجة أبيها والفقر، فكانت الكاتبة تتقاسم معها (سندويشتها) اليومية. هناك أيضاً وصف لرفيقات من بيئات شعبية دمشقية عرّفتها على أغاني وأسرار (البيئة الدمشقية الشعبية). وفي مقابل ذلك، تظهر مكانة السينما في حياتها، حيث كانت ترافق أسرتها عشاق الأفلام لدرجة أنها كانت تغمض عينيها خجلاً من مشاهد التقبيل، واكتشفت لاحقاً أن اثنين من أبناء عموم والدها هاجرا إلى مصر في بداية القرن العشرين وساهما في تأسيس السينما المصرية وأنتجا أول فيلم ناطق، وهو ما ستستفيد منه مستقبلاً في كتابة السيناريو.
المشكلة الوحيدة التي ستواجهها الكاتبة في هذه المرحلة الإعدادية هي درس الديانة الإسلامية. في المرة الأولى، أُجبرت على الخروج من الصف مع الطالبات المسيحيات الأخريات، وشعرت بالوحدة والغرابة. في المرة الثانية، ازداد ضيقها، وهنا يأتي قرارها الجريء: طلبت البقاء في درس الديانة الإسلامية، ووافقت المديرة الجديدة السيدة عفاف (وهي شابة محجبة حنونة طلبت استبدال اسمها من (خير النساء) إليها، على عكس صرامة المديرة السابقة). هذا القرار حوّلها من طرد من الصف إلى استكشاف حقيقي للإسلام. تبدأ بتعلم: (بسم الله الرحمن الرحيم) بدلاً من (بسم الآب والابن والروح القدس)، وتسأل البنات عن النبي محمد والمسيح، وتتعلم قصص الأنبياء وسورة الفاتحة، وتجتهد في تلاوتها بموسيقى صوتها، حتى تتفوق في درس الديانة الإسلامية وتثبت للبنت السمراء أنها مسيحية وتفهم في الإسلام أيضاً. هذا الاكتشاف يقودها لاحقاً إلى إدراك أن هويتها ليست أحادية: (لتكتشف لاحقاً أن حياتك نصفها إسلامي ونصفها مسيحي... ستكتشف أنك لم تعد لا مسيحي ولا مسلم... تأخذ من كل عالمهما لتصنع عالمك العلماني الجديد).
في فقرة مكثفة، تكتشف الكاتبة أن الرجل الطويل الذي كانت تمرّ بجانبه يومياً في شارع الباكستان أثناء ذهابها للمدرسة، والذي كان يخرج من بناء صغير ويصعد إلى سيارة سوداء تحت حراسة مسلحين، هو نفسه الرئيس الذي شاهدته على شاشة التلفزيون أثناء حرب تشرين. تقول: (أمي بيبيبي... هادا الرجال اللي حكيتلكم عنه ... كنت شوفه كل يوم قدام بيته بشارع الباكستان). هذا الكشف الصادم (الرئيس هو جار الطفولة اليومي) يربط بين الحكايات السياسية الكبيرة والمشاهد اليومية الصغيرة.
توثّق الكاتبة صرامة المرحلة الثانوية حيث ارتدت الطالبات البدلة العسكرية (الفتوة)، وخضعن لتدريبات الرماية وحمل السلاح، وتعرّضن لشتائم وصفعات من مدربة فتوة قاسية باتت تشك في احمرار وجناتهن الطبيعي (بسبب الخجل) وتتهمهنّ بوضع الماسكارا. في هذه الفترة تحديداً، وقعت حادثة مروّعة روتها الكاتبة بالتفصيل: عندما فتحت مديرة المدرسة (المسيحية) باب الصف بحالة جنونية، وانقضت على طالبتين ترتديان الحجاب، وصفعتهما، وركلتهما، وأسقطتهما على الأرض وهي تربطهما بكعب حذائها المدبب، وتصرخ: (بدي أشحطكن وأخفيكن عن وش الدنية... بدكن تخربوا البلد؟) لم تكن الكاتبة تفهم سبب هذا العنف، لكنها تذكر دموع الفتاتين ورعب الجميع، وتكتشف لاحقاً أن (انتشار الإيشارب كان الرمز الواضح والمعلن للأَسْلَمَة، وبداية الحرب مع الإخوان المسلمين) التي انتهت بمجزرة في مدينة حماه. هنا، تترك الكاتبة أسئلة مفتوحة دون إجابة واضحة: لماذا كانت المديرة بهذه القسوة؟ وما علاقة الحجاب بتخريب البلد؟
أما أمها، فكانت توصيها بـ(الصبر والصمت)، لكن الكاتبة تشك أن أمها كانت تشتم (البعث). الفصل لا يقدم إجابة قاطعة عن موقف الأم السياسي، ولكن يلمّح إلى وجود توتر عائلي مع النظام. في المرحلة الثانوية أيضاً، تكتشف الكاتبة الفروق الطبقية بين الطالبات: بعضهن قادمات من الساحل السوري بسيارات عسكرية من نوع (بيجو أو جيب)، وهو ما ظنه البعض دلالة على الثراء، لكنها اكتشفت أن هؤلاء الفتيات يعشن (معيشة متواضعة جداً)، وأن السيارة كانت مجرد ميزة وظيفية لأب يعمل ضابطاً. في المقابل، كانت الكاتبة والبنات الأخريات يختلن في أثوابهن ويداعب هواء الشارع.
بحلول نهاية الفصل، تقدم الكاتبة مشهداً أخيراً يتعلق بدروس الديانة الإسلامية في المرحلة الثانوية، حيث كان هناك أستاذ ذو لحية يتحدث بخجل عن موضوعات تحمل إيحاءات جنسية، بينما تتظاهر البنات بالخجل وتمتنع عن الإجابة، بينما الكاتبة التي أتقنت (الثقافة الجنسية النظرية) من مجلات (طبيبك)، كانت تجيب بثقة، مما أثار سخرية البعض لكنها جعلتها (مثقفة). هذا التحدي النهائي يلخص موقفها: مسيحية متقنة لعلوم دين الإسلام، طالبة مثقفة في مجتمع محافظ، وهويتها أخيراً ليست مطابقة لأي من المجموعتين بالكامل، بل شيء جديد: (عالمك العلماني الجديد). الفصل لا يخفي تحفظات المؤلفة تجاه عنف الدولة (مدرسة الفتوة، قمع الحجاب، حرب الإخوان)، كما يقرّ بحدود معرفتها حين كانت طفلة لا تفهم السياسة، لكنها تعود اليوم لتفسر الأحداث بعد عقود. الحجج القابلة للنقاش تنبع من النص نفسه: كيف يمكن التوفيق بين صورة المديرة خير النساء كمدافعة عن المسيحيات وفي الوقت نفسه عنيفة مع المحجبات؟ وهل كان عنفها نابعاً من موقف سياسي (معاداة الأسلاميين) أم من قسوة شخصية؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، لكن الفصل يبرز أن الذاكرة هي التي تجمع هذه الشظايا المتناقضة في سردية واحدة.
7.حياة موازية كانت هناك / روزا ياسين حسن203–230▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل من كتاب "صفحات من دفتر قديم" للكاتبة روزا ياسين حسن موضوعاً محورياً هو تشكّل الذاكرة والهوية من خلال تفاصيل الحياة اليومية في المدارس والأحياء السورية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. تقدم الكاتبة مشاهداتها كطفلة ومراهقة، لترسم صورة لنظام تعليمي وسياسي واجتماعي معقد، حيث تتقاطع البرجوازية المتأفلة مع الأيديولوجيا الاشتراكية، وتختلط الطقوس الدينية والمذهبية في مدينة ساحلية تعد نموذجاً مصغراً للتنوع السوري.
يسير الفصل على خطى الذاكرة، فيتنقل بين عدة محطات أساسية. تبدأ الكاتبة بالحديث عن مدرستها الخاصّة نسبياً، التي كانت استثناءً في نظام حافظ الأسد الذي أمّم التعليم. تشير إلى "التخصيص" الذي سمح بالحفاظ على تدريس اللغة الفرنسية كلغة أجنبية بدلاً من الإنكليزية، وذلك كامتياز نخبوي. تروي تفاصيل حول بنية المدرسة: كانت أحادية الجنس، يدرس فيها أبناء الطبقة الوسطى والثرية إلى جانب أبناء بقايا البرجوازية، مما خلق مزيجاً طبقيّاً متفجراً. وتخص بالذكر شخصية مساعد المدير الذي كان دائماً من الطائفة المسيحية، في محاولة من الدولة لإظهار احترامها للأقليات بعد تأميم المدارس الخاصة. تقدم الكاتبة نماذج لمديرين تعاقبوا على المدرسة، منهم من كان مسؤولاً لاحقاً في الحقل الأمني، ومنهم من أظهر تبعية سياسية متقلبة عندما قام بإخفاء صورة الرئيس ووضع سجادة صلاة خلال أحداث نهاية السبعينيات.
تنتقل الكاتبة إلى تفصيل الحياة داخل الحافلة المدرسية (الأوتوكار)، التي كانت عالماً قائماً بذاته. تصف سائقي الحافلات كشخصيات مفتاحية، يمثلون سلطة موازية وسط نظام "الأكرامية" السنوية التي يمنحها الأهل. تروي حادثة مأساوية حين اخترق سيخ حديدي من هيكل الحافلة ساق أحد الطلاب، وتبقى صورة دهشته عالقة في ذاكرتها. تتحدث عن حافلتها الخاصة ذات الرقم 5 التي كانت فرنسية الملامح، وتطور لديها إحساس بأن تصميم السيارات يعكس شخصية الشعوب التي صنعتها: نعومة الفرنسي، وصرامة الألماني، وعنف الأميركي.
في محور آخر، تصف الكاتبة تجربتها مع "شبيبة الثورة" التابعة لحزب البعث. تروي كيف كانت هذه الشبيبة تهدف إلى تنميط الأطفال وتحويلهم إلى مخبرين صغار في بيوتهم. تذكر أنها حاولت استخدام عضويتها في الشبيبة لفتح آفاق معرفية من خلال قراءة الصحف الرسمية الفقيرة مثل جريدة الجماهير، ثم لجأت إلى الإذاعات الأجنبية مثل مونت كارلو وبي بي سي، الأمر الذي أثار جدلاً سياسياً مع والدها. تقدم صورة قاتمة لأستاذ التاريخ والجغرافيا الذي أطلقت عليه لقب "الجريدة" بسبب كثرة اطلاعه، لتكتشف لاحقاً أن معلوماته كانت ضحلة ومتملقة للسلطة، مما أصابها بالإحباط.
مقطع أساسي في الفصل هو حديث الكاتبة عن دروس الدين والانقسام الطائفي. تسرد صدمتها الأولى حين طلب منهم المرشد أن ينفصل التلاميذ إلى مسلمين ومسيحيين ويهود. تطرح سؤالاً استباقياً عن إمكانية تدريس الدين كموضوع حضاري موحد لتجنب التخندق، لكنها تتركه مفتوحاً. تصف ثلاثة أساتذة للدين الإسلامي تعاقبوا عليها: الأول كان وظيفياً يستخدم الحديث الشريف كخطابة أخلاقية؛ والثاني جاء في زمن صعود الإسلام السياسي في نهايات السبعينيات، وكان أكثر حماساً واستخدم "الرشوة الإيروسية" (الحوريات في الجنة) لتحفيز الطلاب، مما أخرجها من صفه نهائياً؛ أما الثالث فكان أمنياً متشددا من كلية الشريعة بعد القضاء على الإخوان المسلمين، حيث أصبحت الدولة تريد إقامة "إسلام موازٍ" للسيطرة على الشارع المحافظ. تشير الكاتبة إلى أن أساتذة الدين الثلاثة ركزوا على التهديد بالجحيم والوعد بالجنة الحسية، بدلاً من تقديم الدين كرسالة إنسانية.
تنتقل الكاتبة جغرافياً بين حلب وبيروت واللاذقية. تروي ذكريات صيفية في بيروت قبل الحرب، حيث كانت خالتها قد هربت من تأميم المدارس. تعدد مشاهداتها الطفولية: شاحنة القمامة الهيدروليكية، آلة توزيع المشروبات في مسبح الكورال بيتش، ومتجر السبينيس. وفي المدرسة الداخلية في دير لبناني، تتذكر حياة النزل المنظمة والأب المشرف الذي كان يوقظهم بتصفيق ونشرة بي بي سي. من حلب، تصف مشاهد من سوق الخبز، حيث كان الفرن مكاناً للصراع على الرغيف، وبروز شخصيات مثل "عيّاش" التركماني الذي يبيع العرق، أو الرجل ذو الشارب الأسود الذي يقفز الطابور.
تكرس الكاتبة فقرات لوصف مدينة اللاذقية كفضاء ديمقراطي للتعددية. تذكر كيف عاشت فيها المسيحيون بطوائفهم، والمسلمون العلويون، والمرشدية، والتركمان، والأرمن، واليهود. تصف كيف كانت محلات الكحول تقع بجوار الجوامع والكنائس، وكيف كان الكورنيش يجمع الفتيات المحجبات وغير المحجبات. هذا التنوع السلمي، الذي بدا طبيعياً في طفولتها، تعترف بأنها لم تدرك عمقه الأخّاذ إلا لاحقاً، خاصة عندما قارنته بجحيم الحرب والانقسام لاحقاً.
تختتم الكاتبة بعنف المدرسة المؤسسي: معلمة كانت تحتفظ بعصا خشبية على طاولتها تضرب بها الأكف، مما يسبب ألماً يتطور إلى جلد تمسحه باللعاب أو تنفخ عليه. هذا العنف يتوازى مع عنف المؤسسات الاستهلاكية التي تبيع المواد الغذائية عبر كوبونات ورقية تحمل صورة حافظ الأسد. وفي مواجهة هذا كله، تعلن الكاتبة أن "الخيال الصامت" كان سلاحها الوحيد، وهو كلما ازداد العنف المحيط، تتعمق قدرته الإبداعية، لكنه قد يصبح خطيراً ومظلماً إذا تراكم إلى حد الانفجار دون أن يعرف أحد.
في الفصل اعترافات واضحة بحدود: الكاتبة تعترف بأن ذاكرتها قد تخونها في بعض التفاصيل مثل اسم مدير المدرسة الوحيد الجيد، أو أن بعض السباب الجنسي لم تفهمه في حينه. كما تترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية تدريس الدين كموضوع توحيدي، وعن أسباب عدم فهمها لطبيعة "عيّاش" الذي لم ينادها إلا بـ"يا ولد" حتى عرفت لاحقاً أنه من أصل تركماني يواجه صعوبات في التمييز بين المذكر والمؤنث في العربية.
8.مدرسة الأسد / رستم محمود231–332▼ ملخص
هذا الفصل، الذي يحمل عنوان «مدرسة الأسد / رستم محمود»، هو سردية شخصية ومؤلمة للكاتبة عن طفولتها ومراهقتها في سوريا تحت حكم حافظ الأسد. الموضوع المحوري هو كيف تخلق الديكتاتورية، عبر أدواتها المتشابكة، نظاماً نفسياً واجتماعياً متكاملاً يقوم على الخوف والرقابة وتفتيت الذات، ويمتد من المدرسة إلى البيت والشارع. لا تقدم الكاتبة إجابة نظرية جافة، بل تروي تجربتها الحياتية كدليل حي على هذه الآلية.
يسير الفصل عبر مشاهد متتالية ومترابطة، أشبه بلوحات من الذاكرة، تبدأ بالصورة الطاغية لحافظ الأسد التي كانت موجودة في كل مكان: في الشوارع، على الجدران، في المدرسة، في التلفاز، وحتى في الأغاني المدرسية. تروي الكاتبة كيف أن هذه الصورة، بجمودها وهيبتها، زرعت شعوراً بالرهبة والخضوع منذ الطفولة المبكرة. مثال على ذلك رفيقتها التي كان والدها يجبرها وأخوتها على الوقوف بتحية عسكرية أمام التلفاز كلما ظهرت صورة القائد، مؤكداً أن «الاحترام والتبجيل» يجب أن يكون مطلقاً، حتى في الخفاء.
تتوسع الكاتبة في وصف نظام «الطليعة» ثم «شبيبة الثورة»، وكيف كان الأطفال يتحولون تدريجياً إلى طلائع عسكرية. تذكر كيف كان الحرص على صورة الأسد واجباً طليعياً، وكيف كان الزي العسكري الموحد «الباهت» واليافطات الحمراء والسراويل «الفولارات» تشبه قيوداً تفرض الانضباط. تنتقد الكاتبة بمرارة شعارات «الفتوة» أو «التربية العسكرية»، التي كانت تغرس فيهم فكرة الحرب الدائمة مع عدو خارجي، وتجعل الذهاب إلى المدرسة كأنه ذهاب إلى معركة، مع التركيز على «العتاد» لا على التعلم. أحد الأدلة القوية على هذه التربية هو الردد اليومي لشعارات مثل «وحدة، حرية، اشتراكية» و«العهد» الذي يكرس مفردات مثل «الصهيونية العالمية» و«الإمبريالية» في اللاوعي، بلا فهم حقيقي، لتتحول إلى مسلمات لا تقبل النقاش.
ثم ينتقل الفصل إلى حدث مفصلي في ذاكرة الكاتبة: يوم سمع إطلاق نار قرب مدرستها الابتدائية. تدمج الكاتبة ذاكرة الخوف الجسدي مع تفاصيل يومية صغيرة، مثل بقعة الحبر التي شكلتها يدها المرتجفة على دفتريها أثناء كتابتها قصيدة لسليمان العيسى. بعد دوي الانفجار، تجمع التلاميذ في الباحة الداخلية، حيث «الرائحة الكريهة للمراييل الباهتة» والبول والخوف. هنا تسمع الكاتبة لأول مرة كلمة «الإخوان المسلمين» تهمس بها المعلمات. أما والدها الذي ينتظرها في الشارع، فكانت نظرته هي البؤرة الحقيقية للألم: نظرة رعب ممزوج بارتياح وغضب، وهي نظرة الخوف من المجهول التي تلاحق الكاتبة منذ ذلك اليوم. هذه النظرة، والإصرار على الصمت في البيت حول ما حدث، هو ما جعل الحدث يتحنط في الذاكرة. تكتشف الكاتبة لاحقاً، بعد بحث شخصي، أن ما حدث كان هجوماً على مخبأ للإخوان المسلمين قرب المدرسة، وأن التلاميذ دفعوا ثمن صراع السلطة.
من هذا الحدث، تنبني شروخات المجتمع. تنتقل الكاتبة للحديث عن الإحساس المزمن بعدم الملكية: «المقاعد ليست مقاعدنا... المدرسة ليست لنا... البلاد ليست لنا». هذا الشعور، الذي زرعته الديكتاتورية عبر جعل كل شيء ملكاً للحزب والقائد، يؤدي إلى اللامبالاة تجاه المرافق العامة، بل وتخريبها أحياناً كنوع من التمرد الكتوم. مثال ذلك تكسير المقاعد والرسم على الجدران، وهو ما لم يكن يثير شعوراً بالذنب لأنهم «ضيف» في تلك البلاد.
يتناول الفصل أيضاً دور نظام «المخبرين». بالنسبة للكاتبة، أصبح الخوف هو «الرفيق الذي نعتمد عليه». الخوف من أن يكون أي شخص، حتى الأقرباء، مخبراً يحول بين ليلة وضحاها أي إنسان إلى عدو للوطن. هذا الخوف زرع الشك في نسيج المجتمع، وجعل السياسة وحشاً يجب تلافيه، لأنها لا تؤذي الفرد وحده بل كل من ينتمي إليه. مثال على ذلك قصة جدتها «جميلة» التي كانت تحذر والد الكاتبة: «الباب اللي بيجيك منه الريح سده واستريح»، معبرة عن الرعب من تبعات العمل السياسي حتى بعد التحقيق.
تتوقف الكاتبة مطولاً عند التفاوت الطبقي الصارخ، والذي يتجسد في أشياء بسيطة لكنها مدوية في ذاكرة طفل. مثل تفاحة موز: بينما كانت «ميريام»، الفتاة الأشقر الجميلة من عائلة ثرية، تأكل الموز بشهية أمام التلاميذ المحتشدين، كان الموز بالنسبة للكاتبة وأقرانها مجرد نكهة في علكة رخيصة. حين حاولت شراء موز بإحدى المرات، لم تستطع لأنها كانت لا تملك ثمن حبة موز كاملة. هذا الحرمان الاقتصادي، الذي تعيشه شريحة كبيرة بينما تتعاظم ثروة أخرى، يطرح أسئلة مؤلمة: لماذا يعيش البعض في فقر مدقع بينما يزداد آخرون غنى؟ إجابة والدها الساخرة كانت: «النظيف هو الفقير، والغني هو السارق».
أما النظام التعليمي، فكان أداة أخرى للسيطرة. كان يعتمد على الحفظ عن ظهر قلب لمناهج ثابتة، وليس على الفهم والإبداع. التحصيل الدراسي كان يهدف للحصول على علامات عالية، لا لتراكم المعرفة. كان التفوق في المواد التي تتطلب حفظ أقوال حافظ الأسد أمراً صعباً مقارنة بحفظ القرآن، لأن نصوص خطبه كانت، على حد وصف والدها، «لغة مقعرة وكاذبة». في هذا الجو، كان أي حلم مختلف، مثل حلم الكاتبة بأن تصبح عازفة كمان، مكبوتاً بسبب غياب الإمكانيات والمناهج الفنية. وكانت حصص الموسيقى والفنون تتحول إلى حصص رياضيات أو تربية عسكرية.
يصل الفصل إلى نقطة اشتباك سياسي مباشر: حوار الكاتبة مع معلم «التربية القومية» الذي ضغط عليها للانتساب إلى حزب البعث. رفضها، مدعية أنها لا تحب السياسة، قوبل بتعنيف فكري واتهامات. هذا الموقف، الذي اعتبرته الكاتبة جلسة تعذيب، جعلها تشعر بالخزي أمام زملائها. لكن، وفي سخرية مؤلمة، تنصحها رفيقة اسمها «سميحة» بـ«استغلال» الحزب: «وقّعي طلب الانتساب... ستأخذين في البكالوريا علامات إضافية... هم يريدونك عضوة في الحزب لنعطيهم ما يريدون وتأخذين ما تريدين». هذه الرفيقة نفسها هي التي بلغت عن مدرسي الرياضيات والرياضة في علاقة غير لائقة، مما يعقد صورة المجتمع وأخلاقياته المنهارة تحت النظام.
تنتقل الكاتبة بعدها إلى وصف شخصية «جهينة»، معلمة التربية العسكرية القاسية، والتي ترمز إلى القمع اليومي للأنوثة والفردية. تروي كيف أجبرت طالبة ذات شعر أحمر فاتح على غسل شعرها تحت صنبور ماء بارد، وكيف كانت تعاقب أي ملمح أنثوي مثل أحمر الشفاه أو الجوارب المخفية. ثم يأتي مشهد أكثر فظاعة: أخذ التلميذات إلى رماية ميدانية بالكلاشنكوف، حيث كانت «جهينة» تصفع الطالبة التي أغمي عليها من الخوف، صارخة بصوت رجولي: «مالك يا... جايبتينك لتغمي هون؟!».
من خلال كل هذه المشاهد، تصل الكاتبة إلى خلاصة مركزية: الخوف هو الشرط الأساسي للبقاء. الخوف حماية، والخوف دمار. يتجلى هذا الخوف في قصص مقتل «الدكتور سمير» و«حسان» على يد «شبيحة آل الأسد»، أولئك الذين تحولوا إلى عصابات تجوب المدينة بلا عقاب. قصص الموت هذه تظهر تغير مفهوم الموت نفسه: من حدث مروع وله سطوة، كما في مقتل الدكتور سمير الذي هز المدينة، إلى حدث اعتيادي في زمن لاحق، حيث «تلتصق الجدران بالنعوات المتجددة كل يوم». تذكر الكاتبة كيف أن القاتل، الذي ينتمي لـ«آل الأسد»، كان بلا عقاب، وأن العبارة التي ترددها جدتها هي: «عين البني آدم ما تسمليها إلا التراب».
أخيراً، تتأمل الكاتبة في جيلها، جيل السبعينيات والثمانينيات، الذي وُلد مع استلام الأسد للسلطة. يتحدث عن تجربة مدرسيّة مختلفة، حيث كان جده لأمه هو البطل الذي يواجه مدير المدرسة بالعصا. لكن هذا الجيل، بخلاف جيل الستينيات الثائر، بدأ يحياه الكآبة والعجز. لم يعد هناك عمل سياسي حقيقي، بل مجرد مشاريع صغيرة مثل تشكيل فرقة موسيقية اسمها «15 دور» على اسم فرقة عالمية، محاولة يائسة لملء فراغ الروح وكسر «الجدار الوهمي» الذي فرض عليهم. تختتم الكاتبة بسؤال وجودي مؤلم: «هل نحن بالفعل نعرف كيف نبدأ ولا نعرف كيف ننهي؟» مشيرة إلى أن جيلها حُشر بين جيل دفع ثمن مقاومته في السجون، وجيل آخر يبدو أن همه الوحيد هو البقاء.
إن كان في الفصل حجج قابلة للنقاش بناءً على النص، فهي تتعلق بفكرة أن الصمت ذاته أصبح سلاحاً، وأن العلاقة مع النظام ليست مجرد علاقة اضطهاد، بل هي شبكة معقدة من المصالح والخوف والاستغلال، بحيث يصبح حتى المخبرون والمطيعون ضحايا ضمن هذه المنظومة الشمولية. السؤال المفتوح الذي يطرحه الفصل هو: كيف يمكن للفرد أن يحافظ على إنسانيته في ظل هذا النظام المتسق الذي يبتلع كل شيء؟