المورد
عالم داعش - هشام الهاشمي

عالم داعش - هشام الهاشمي

١ كانون الثاني ٢٠١٤arدار الحكمة - لندن / دار بابل - بغداد

عالم داعش من النشأة إلى إعلان الخلافة، للمؤرخ والباحث هشام الهاشمي، هو دراسة معمقة في نشأة وتطور تنظيم القاعدة في العراق وتحوله إلى "دولة العراق الإسلامية" التي شكلت النواة الأولى لما عُرف لاحقاً بتنظيم داعش. لا يقدم الكتاب سرداً تاريخياً محايداً فحسب، بل يحاول تفكيك البنى الفكرية والتنظيمية واللوجستية التي مكّنت هذه الجماعات من النشوء والاستمرار. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف ضمنياً هو أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمي لتفاعلات معقدة بين أيديولوجيا متطرفة، وأخطاء سياسية وعسكرية إقليمية ودولية، وبيئة حاضنة من عدم الاستقرار والصراعات.

يسير الكتاب في حجته وفق مسار زمني وتنظيمي واضح، يبدأ بجذور تنظيم القاعدة العالمي وتجربة "العرب الأفغان" في الثمانينيات والتسعينيات، حيث يؤكد المؤلف على أن هذه التجربة أنتجت شبكة من المقاتلين ذوي الخبرة القتالية والأيديولوجية المتشددة. ينتقل بعدها إلى المسرح العراقي، مفصلاً كيف أن غزو العراق عام 2003 وفر البيئة الخصبة لنمو تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" بقيادة أبي مصعب الزرقاوي. يُظهر الكتاب المنطق الذي ربط هذه الأجزاء؛ فخبرة الأفغان العرب والبنى التنظيمية التي طوروها تم نقلها وتكييفها مع الواقع العراقي، مستفيدة من الفراغ الأمني والسياسي والطائفي الذي خلفه الاحتلال. وهكذا، ينتقل الزرقاوي من كونه قيادياً متطرفاً إلى مؤسس هيكل تنظيمي معقد، ثم يتحول هذا الهيكل بعد مقتله على يد أبي عمر البغدادي إلى "دولة العراق الإسلامية"، التي ورثت التنظيم ووسعت نفوذها.

يحتوي الكتاب على عدد من الوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها. من أبرزها، التفصيل الدقيق للهيكل التنظيمي الذي وضعه الزرقاوي، والذي ضم "وزارات" مثل وزارة الحرب والأمن والمالية والإعلام، مما يعطي انطباعاً عن دولة مصغرة وليس مجرد عصابة مسلحة. كما يذكر المؤلف أن حجم التمويل الشهري الذي كان يصل إلى الزرقاوي من القاعدة الأم كان يقارب 580 ألف يورو، بالإضافة إلى التبرعات، مما يوضح قوة الدعم اللوجستي. من الوقائع المذهلة أيضاً ذكر أسماء أكثر من 170 مقاتلاً أجنبياً قتلوا في العراق من جنسيات مختلفة (مع غلبة سعودية)، وهي لائحة تمتد من المغرب والجزائر إلى الكويت واليمن، مما يؤكد الطابع العالمي للتنظيم. يشير الكتاب إلى أن مجموع مقاتلي تنظيم القاعدة في العراق تجاوز 12000 مقاتل في فترة من الفترات، وأن تنظيم "الدولة الإسلامية" ضم نظرياً محافظات عراقية كاملة مثل الأنبار ونينوى وصلاح الدين. وصف المؤلف آلية "المفارز" (الخلايا المكونة من 3 إلى 6 أفراد) بوصفها التكتيك القتالي الأساسي، وكيف كانت تستهدف الإيقاع بالهدف أثناء تحركه عبر طرق محددة مثل طريق محمد القاسم وشارع فلسطين.

المؤلف لا يتردد في الإشارة إلى حدود عمله أو تحفظاته. فهو يقر، بدون تسمية الفصل، أن النجاح النسبي في إضعاف القاعدة في العراق بتجربة "الصحوات" لا يمكن تعميمه على باقي الدول، لأن نجاح تلك التجربة لم يكن أمريكياً بحتاً بل مدعوماً بغطاء شرعي ومعنوي من بعض الرموز السلفية المعتدلة. كما يترك المؤلف أسئلة مفتوحة، أبرزها: ماذا ستفعل الحركات المتطرفة بعد اندحارها من ساحات القتال التقليدية؟ إنه يشير إلى أن تفرق المقاتلين يمكن أن يولد أخطاراً جديدة، تماماً كما حدث مع "العرب الأفغان" بعد انتهاء حرب أفغانستان. كما يعترف بصعوبة الحوار مع هذه الجماعات التي تفتقر للمكر السياسي وترفض الحوار مع أمريكا، ويرى أن العمليات ضد الغرب ستكون طويلة المدى.

هذا الكتاب، ورغم قيمته الكبيرة في تفكيك بنية التطرف، يحمل في طياته حججاً قابلة للنقاش. يبدو المؤلف متأثراً بقراءة تضع جزءاً كبيراً من المسؤولية عن صعود هذه الجماعات على السياسات الأمريكية والإقليمية الخاطئة، خاصة فيما يخص الربيع العربي ودعم المعارضة في سوريا، وهو تحليل قد يعتبره البعض تبسيطياً أو إلقاءً للوم خارجياً. كما أن التركيز الكبير على الجانب التنظيمي والمالي واللوجستي، دون الخوض بعمق في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية العميقة للتطرف، قد يترك القارئ مع فهم غير مكتمل لظاهرة معقدة كهذه. ومع ذلك، يظل الكتاب مرجعاً لا غنى عنه لفهم كيفية تحول تنظيم إرهابي إلى مشروع دولة، من خلال التراكم المنهجي والاستفادة القصوى من الأخطاء والصراعات الأوسع.