المورد
الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط

الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط

عبد الله حنا١ كانون الثاني ٢٠٠٨arنون للنشر والطباعة والتوزيع

الكتاب الذي بين أيدينا هو محاولة توثيقية ضخمة ومؤلمة في آنٍ، يقدّمها المؤرخ عبد الله حنا عن مسار الحركة الشيوعية السورية منذ بذورها الفكرية الأولى قبل الحرب العالمية الأولى وحتى أفول نجمها التدريجي. الموضوع المحوري الذي يشكّل العمود الفقري للكتاب هو التناقض الصارخ بين التضحيات الجسام التي قدّمها رواد الحزب الأوائل، أولئك "الجند المجهولون" الذين زرعوا الفكرة في تربة سورية قاسية، وبين المصير الذي آل إليه الحزب تحت قيادة فردية طويلة الأمد أدّت إلى تصلّبه وانقساماته وابتعاده عن الجماهير. يدافع المؤلف عن أطروحة واضحة: أن تاريخ الحزب هو تاريخ صعود باهر قاده أناس مخلصون من قاع المجتمع، ثم هبوط تدريجي ناتج عن أسلوب قيادي استبدادي، وانبهار بنموذج خارجي (الاتحاد السوفييتي)، وانفصال عن الواقع الاجتماعي السوري المتغير.

تسير حجة الكتاب عبر فصوله من خلال منهج يركز على السير الشخصية كمرآة للتاريخ العام. يبدأ المؤلف بتأسيس الإطار الفكري والسياسي في الفصل الأول، موضحاً كيف سبق الفكر الاشتراكي وجود طبقة عاملة قوية، وكيف تشكّل الحزب من تيارات تنويرية فردية لتصبح تنظيماً له برنامج وطني واضح في الميثاق الوطني لعام 1944. ثم ينتقل فجأةً وبشكل مركز إلى الفصول المخصصة لشخصية ناصر حدة (الفصول الرابع والخامس)، ليُظهر أن المؤسس الحقيقي للحزب في دمشق قد تمّ تهميشه وإسقاطه من الذاكرة الرسمية للحزب لصالح خالد بكداش. هذا التهميش ليس مجرد تفصيل تاريخي، بل هو دليل مبكر على نمط القيادة الفردية التي ستطغى لاحقاً.

بعد ذلك، يتحول السرد إلى شخصيات أخرى تملأ المشهد، سواء كانوا من القيادة أو من القاعدة الشعبية. الفصل السابع عن خالد بكداش هو محور ارتكاز الكتاب، حيث يقدّم المؤلف حياة الرجل الذي قاد الحزب لسبعة عقود، ويمجّد شعبيته الجماهيرية في الخمسينيات (فوزه بـ 21,482 صوتاً في دمشق عام 1954)، ثم يحلّل أسبابه الهبوط التدريجي: القيادة الدكتاتورية، موقفه من تقسيم فلسطين عام 1947 الذي ألحق ضرراً بالغاً بسمعة الحزب، هروبه من التصويت على الوحدة مع مصر عام 1958، وانفصال الحزب الشيوعي اللبناني عنه. يصل التحليل إلى ذروته الساخرة في وصف قبوله الترشح لمجلس الشعب عام 1973، واصفاً إياه بـ "غلطة تاريخية" حوّلت الزعيم البرلماني اللامع إلى مجرد عضو مجلس بصلاحيات محدودة.

من هذا المحور، يتفرع الكتاب في اتجاهين. الاتجاه الأول هو سير الرواد الأوائل، وفي مقدمتهم فؤاد الشمالي (الذي مات فقيراً عام 1939)، وسليم خياطة، وأرتين مادويان، وهيكازون بوياجيان، وغيرهم. هذه السير قدّمها المؤلف كدليل على أن النهضة لم تكن نتاج فرد واحد، بل حصيلة تضحيات عشرات المناضلين الذين غالباً ما أهملتهم الرواية الرسمية. الفصل الثامن عشر عن بدر مرجان مثلاً، يقدّم صورة مؤثرة عن هذا "الجندي المجهول" الذي كان يتنقل بين قرى الجبل العلوي تحت غطاء تجارة البيض، لينشر الأفكار الشيوعية ويبني تنظيماً بين الفلاحين الفقراء، قبل أن يصطدم بقيادة بكداش وينتقد "تسلطه".

الاتجاه الثاني هو العمل القاعدي في المدن والأرياف. فصول حلب مخصصة بكثافة، من خلال شخصيات ربيع محبك وعبد الرزاق دلاله وسعيد السواس، حيث يرسم صورة حية عن كيفية بناء التنظيم من القاعدة الشعبية تحت إشراف القائد الكاريزمي فرج الله الحلو. هذه السير تُظهر التحديات اليومية: الخوف من الشرطة، التمويل الذاتي (ربيع محبك يبيع البيض)، التنقل بين القرى، واستخدام التكتيكات الذكية للتهرب من الملاحقة. الفصل التاسع عشر عن حنا مينة يؤكد هذا التوجه، ويضيف إليه البعد الأدبي، حيث يصف كيف استلهم الروائي الشهير تجربته الشيوعية المبكرة في إسكندرون واللاذقية، وكيف أن النضال اليومي في المرفأ والصراع مع الإقطاعيين كان مصدر إلهامه الأدبي.

يحمل الفصل السادس عشر عن الأطباء الشيوعيين أهمية تحليلية كبرى. هنا يحاول المؤلف تفسير ظاهرة لافتة: لماذا لم يُنتج الحزب الشيوعي نخبة طبية بارزة مثل حزب البعث؟ يقدّم ستة أسباب، من إغراءات الحياة المادية إلى القمع والطبيعة الطبقية للحزب و "عبادة الفرد"، ويختتم باعتراف أن أقلية قليلة لا تزال تحتفظ بوهج الفكرة رغم كل الصعاب. هذه الفقرة التحليلية هي نموذج لمنهج المؤلف: الدمج بين السرد التاريخي المباشر والتحليل الاجتماعي.

من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، يبرز سقوط 95% من الأطفال في بعض مناطق الجبل العلوي، وغياب سوى مستشفيين لمنطقة نصف مليون نسمة، وفقاً لتقرير بدر مرجان عام 1945. كما لا تُنسى شهادة حنا مينة عن أن اللاذقية لم يكن بها شيوعيون حتى عام 1939، وأن الناس كانوا يخلطون بين الشيوعية والمذهب الشيعي. التفصيلة الأكثر إثارة هي قصة "صندوق وثائق" ناصر حدة الذي دفنه في أرض داره، والذي لا يزال مصيره مجهولاً، مما يرمز إلى ضياع أجزاء كبيرة من تاريخ الحركة. والأكثر درامية هو وصف مينا لهروبه من سورية قبل اعتقالات عام 1958 ليلة رأس السنة، حيث عبر النهر الكبير الجنوبي محمولاً على ظهر شخص.

يعترف المؤلف بحدود واضحة في منهجه. فهو يعتمد بشكل كبير على الذاكرة الشفوية لمجموعة من المناضلين المسنين بعد عقود من الأحداث، مما قد يؤثر على دقة التفاصيل. كما يشير مراراً إلى غياب الوثائق الأولية، خاصة أرشيف الأمن الذي إما أحرقه الفرنسيون أو يصعب الوصول إليه في فرنسا. يقرّ أيضاً بأن السير التي قدّمها لا تمثل إلا جزءاً بسيطاً من النشاط الشيوعي، وأن هناك "جند مجهولين" كثراً لم ينالوا حقهم من التوثيق. هناك أيضاً أسئلة مفتوحة يتركها معلقة، مثل سبب استبعاد ناصر حدة من القيادة في فبراير 1937، وحقيقة تهمة التخوين التي طالت فؤاد الشمالي، ومدى دقة مذكرات نجاتي صدقي الذي اتهمه بعض رفاقه بالعمل لصالح المخابرات البريطانية.

يمكن القول إن الحجج المطروحة في الكتاب قابلة للنقاش على عدة مستويات. أولاً، ينحاز المؤلف بوضوح إلى الرواد الأولين على حساب القيادة المركزية، مما يجعل الكتاب أقرب إلى تصحيح لرواية رسمية منه إلى تاريخ موضوعي متوازن. ثانياً، التركيز المفرط على الجانب "البطولي" للتضحية قد يطغى على التحليل النقدي للأخطاء السياسية للحزب نفسه، خاصة في قضايا مثل التقسيم والوحدة. ثالثاً، تعامل المؤلف مع "عبادة الفرد" كشر مطلق يتجاهل السياق التاريخي لقيادة بكداش في فترة كانت تحتاج إلى شخصية قوية لمواجهة القمع. وأخيراً، يمكن القول إن الكتاب يقدّم مادة تاريخية غنية وحيوية، لكنه يظل شهادة من منظور واحد، يحتاج أن يُقرأ إلى جانب مصادر أخرى لتكوين صورة متكاملة عن الحركة الشيوعية السورية.

الفصول(20)

1.الفصل الأول: المراحل الأولى لظهور الحزب الشيوعي13–18▼ ملخص

يُقدّم هذا الفصل الأول من كتاب «الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط» للمؤرخ عبد الله حنا سرداً تأسيسياً للمراحل الأولى لنشوء الحزب الشيوعي السوري، ممتداً من جذوره الفكرية قبل الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1945. يجيب الفصل على سؤال محوري: كيف نشأت الأفكار الاشتراكية في سورية، وتطورت من مجرد توجهات تنويرية فردية إلى حزب سياسي منظم له برنامج وطني واضح، وذلك في سياق تاريخي معقد من الاحتلال الفرنسي والنضال الوطني. يوضح المؤلف أن الفكر الاشتراكي سبق وجود طبقة عاملة قوية، مما خلق إشكالية دائمة في التوفيق بين النظرية والواقع الاجتماعي المحلي.

يسير الفصل خطوة بخطوة منذ البذور الأولى. يذكر أن مفهوم الاشتراكية وُجد في سورية قبل الحرب العالمية الأولى على يد ديمقراطيين ثوريين مثل فرح أنطون وشبلي شكميل، لكنه اتسع بعد الحرب ودخول المشرق تحت الحكم الإمبريالي المباشر. من الأمثلة المهمة على هذه البدايات، إصدار صحيفة «الاشتراكية» في دمشق عام 1912 على يد حلمي الفتياني، وهي صحيفة لم تعمر طويلاً إذ عطلتها السلطات بعد شهر واحد. يشرح المؤلف أن هذه التجربة المبكرة تعكس صعوبات العمل العلني وارتباط الحركة الفكرية بالحركة الفنية والتنويرية، كما في رفقة الفتياني للفنان الرائد أبي خليل القباني.

بعد ذلك، ينتقل الفصل لتحليل المناهل الفكرية التي استقى منها الرواد الأوائل. يحددها في خمسة مصادر رئيسية: التوجهات الثورية للثورة الفرنسية، التأثير المباشر لـالحزب الشيوعي الألماني (خاصة من خلال شخصيات درست في ألمانيا مثل كامل عياد وإحسان بهاء الجابري)، مواقف الحزب الشيوعي الفرنسي الداعمة للتحرر العربي (والجامعات الفرنسية كانت المدرسة الأساسية للطلاب السوريين)، أثر ثورة أكتوبر في روسيا ونشاط الكومنترن بتدريب الكوادر وإرسال المندوبين، وأخيراً التراث العربي الإسلامي بما فيه من نماذج ثورية. يؤكد المؤلف أن هذه المنابع تزاوج بين الفكر الغربي والتراث المحلي.

يقسم الفصل تاريخ الحزب حتى الاستقلال إلى أربع مراحل محددة. المرحلة الأولى (1924-1930) بدأت مع تأسيس الحزب عام 1924، ويبرز فيها اسم مؤسسين لبنانيين هما فؤاد الشمالي ويوسف إبراهيم يزبك، بينما برز في دمشق ناصر حذة وفوزي الزعيم بمساعدة الرفاق اللبنانيين. المرحلة الثانية (1930-1935) تميزت بإعلان البرنامج المطبوع للحزب في 7 تموز 1931، وهي وثيقة مهمة تطالب بـ«حكومة العمال والفلاحين في سورية»، و«الاستقلال التام والوحدة السورية»، و«إلغاء الانتداب»، وتؤكد على «النضال المستمر ضد الاستثمار الإقطاعي والرأسمالي». تبرز في هذه الفترة شخصية سليم خياطة من طرابلس.

المرحلة الثالثة (1936-1940) تشهد نقلة نوعية مع عودة خالد بكداش من الدراسة في موسكو أوائل عام 1937، مما أعطى الحزب زخماً كبيراً. مع دخول سورية في «العهد الوطني الأول»، تمكن الحزب من العمل علنياً لأول مرة، فافتتح مكاتب في المدن الكبرى وأصدر جريدة «صوت الشعب» في 15 أيار 1937. لكن هذا النشاط لم يدم طويلاً، ففي 19 أيلول 1939 أصدر المفوض السامي الفرنسي قراراً بحل الحزب وإغلاق مكاتبه. المرحلة الرابعة (1940-1945) انقسمت إلى فترة سرية (حتى تموز 1941) وأخرى علنية بعد ذلك، حيث التحق بالحزب مثقفون جدد تأثروا بانتصارات الاتحاد السوفيتي في الحرب ضد النازية.

في ختام الفصل، يعرض المؤلف تفاصيل «المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي في سورية ولبنان» الذي عُقد في بيروت أواخر 1943 أو أوائل 1944. أقر هذا المؤتمر «الميثاق الوطني للحزب الشيوعي السوري» وأيضاً ميثاقاً مماثلاً للبنان. يورد الفصل عشرين بنداً كاملة من هذا الميثاق، والتي تشمل: الاستقلال التام والسيادة الوطنية، تأمين الحريات الديمقراطية، تحرير الفلاحين، حماية العمال، تعميم التعليم المجاني والإجباري، وتوطيد العلاقات العربية. يحذر المؤلف من تقييم هذه البنود بمعايير اليوم، ويدعو إلى فهمها في سياقها التاريخي ومستوى تطور القوى المنتجة ونسبة القوى الطبقية في أوائل أربعينيات القرن العشرين. أخيراً، يشير النص إلى خلاف سردي حول تسمية هذا المؤتمر؛ فبعضهم يعده المؤتمر الأول بينما يعتبره آخرون المؤتمر الثاني معتبرين تأسيس عام 1924 هو المؤتمر الأول، مع ملاحظة أن الوثائق المنشورة لا تذكر أسماء المؤسسين الأوائل.

4.الفصل الرابع: مؤسس الحزب الشيوعي في دمشق ناصر حده29–38▼ ملخص

هذا الفصل مخصص لسيرة ناصر الدين حدّة، الذي يُقدمه المؤلف بصفته المؤسس الفعلي للحركة الشيوعية في دمشق، وأول شيوعي عربي سوري قبل أن تطغى أسماء لاحقة مثل خالد بكداش على الرواية الرسمية للحزب. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن دور حدّة التأسيسي تعمّده الإهمال والتجاهل، سواء من قادة الحزب لاحقاً أو من كتاب التاريخ، وهدفه هو "إزالة الغبار" عن هذا الرائد الذي مهّد الطريق لغيره.

يسير الفصل وفق مسارين متوازيين: الأول سيرة ذاتية تفصيلية لناصر حدّة، والثاني نقد لتهميشه في الذاكرة الحزبية. يبدأ المؤلف بنسبه ونشأته، فهو من مواليد يبرود عام 1906 لعائلة تملك أرضاً زراعية، وقد أرسله والده للدراسة في دمشق حيث حصل على الشهادة الابتدائية في 15 حزيران 1926، ثم البكالوريا في 23 تشرين الثاني 1931 بعد تأخر بسبب نشاطه السياسي وانشغاله بالتدريس في الكلية الإنجيلية الوطنية في حمص، التي اتسمت بالروح العروبية. كما درس في المعهد الطبي العربي بين 1934 و1935 قبل أن يعدل عن الطب ويلتحق بكلية الحقوق في 11 كانون الأول 1937. ويوثق الفصل أيضاً انضواءه تحت لواء القائد العربي محمد فخري البارودي في صيف 1934، حيث كُلّف بجمع التبرعات في جبال القلمون وحمص وحماة، رابطاً بين هذا النشاط القومي وبين التوجه "العربي الطبقي" للحزب الشيوعي آنذاك.

يستخدم المؤلف مجموعة من الوثائق التي حصل عليها من ابن حدّة، همام بن ناصر حدّة، بالإضافة إلى مذكرات الرفاق القدامى لبناء سرديته. من أبرز الأدلة التي يسوقها: انتخابه في اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر الوطني الثاني (الكونفرانس) الذي عُقد في بيروت في أواخر نيسان 1930، حيث حضر ممثلون من مدن متعددة بينها يبرود والنبك وحمص، وكُلّفت اللجنة ومنها حدّة بوضع "بيان عام برنامجي" للحزب. التفصيلة الأهم هي كيف كان حدّة حلقة الوصل الأساسية: هو من كسب الشاب فوزي الزعيم إلى الحزب، ومن خلال هذا الأخير تم لقاء حدّة مع خالد بكداش في مزرعة حدّة في تل فطايا، وهو اللقاء الذي يعتبره المؤلف نقطة البداية الحقيقية لمسيرة بكداش. ويصر المؤلف على أن حدّة لم يبخل على بكداش بالكتب، فقد أعطاه كتاب "البيان الشيوعي" بالفرنسية الذي ترجمه بكداش ونشره عام 1933، كما أعطاه كتاب "الاشتراكية" لنقولا حداد. كذلك، كان حدّة هو من أرشد فرج الله الحلو إلى الفكر الماركسي في حمص عام 1931 وأرسله لتأسيس أول منظمة للحزب في بلاد جبيل، وهو ما تحقق بحضور رئيس الحزب فؤاد الشمالي.

لا يخلو الفصل من تحفظات وثغرات يعترف بها المؤلف صراحةً. فهو يقرّ بأن المعلومات عن كيفية اهتداء حدّة نفسه إلى الماركسية لا تزال "شحيحة"، رغم أنه يرجّح تأثير أخيه الأكبر خالد حدّة المهاجر إلى أمريكا اللاتينية، وعلاقته بفرنسي عضو في الحزب الشيوعي الفرنسي، واتصاله بالشيوعيين الأوائل القادمين من بيروت مثل فؤاد الشمالي وهيكازون بوياجيان. كما يشير المؤلف إلى غياب وثائق حدّة الشخصية عن أعوام تكوينه الأولى (1927-1937)، ويروي حكاية "صندوق الوثائق" الذي دفنه حدّة في أرض داره، ويتساءل بمرارة عن مصيره: هل ما زال مدفوناً؟ هل احتفظ به ابنه سعيد الذي يبدو أن خطه السياسي يختلف عن خط والده؟ أم أن ابنه الآخر همام هو من سلم بعضها للمؤلف؟ السؤال يظل مفتوحاً، ويُظهر إحباط الباحث من صعوبة الوصول إلى المصادر الأولية.

الحجج القابلة للنقاش في الفصل واضحة وتتعلق بتحيز الرواية التاريخية للحزب. النقد الأبرز يوجهه المؤلف إلى كتاب "خالد بكداش يتحدث... " الصادر عام 1993، حيث يلاحظ أن بكداش في حديثه عن لقائه الأول بـ حدّة يتوقف عند عبارة "في عسال الورد بدأت رحلتي الطويلة... وهناك التقيت مع ناصر حدة"، ثم يضع ثلاث نقاط (…) ويتجاهل دور حدّة تماماً لينتقل للحديث عن فوزي الزعيم. يرى المؤلف أن هذا "قفز" متعمد، وأن "أهل البيت" (القيادة الحزبية) الذين أشرفوا على الكتاب كان بإمكانهم اختيار محاور أكثر دراية بالتاريخ ليستثير ذاكرة بكداش المسن حول هذه الثغرة، بدلاً من طمس دور المؤسس الحقيقي. ينتهي الفصل بنبرة استفهامية غاضبة، متسائلاً لماذا يُهمَل هذا الرجل الذي كرس عشر سنوات من حياته لتأسيس الحزب في ظروف صعبة، ثم تنحى عن القيادة طواعية عن قناعة بقدرات بكداش، ليموت في 26 تشرين الأول 1973 دون أن يسجل مذكراته، وربما معه دفنت حقيقة كاملة عن ولادة الحركة الشيوعية السورية.

5.الفصل الخامس: ما كتب أو رُوي عن نشاط ناصر حده39–44▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول شخصية ناصر حدّه، أحد أقدم مؤسسي الحزب الشيوعي السوري، ودوره الريادي في تأسيس الحزب وقيادته في مراحله الأولى. يسعى المؤلف إلى تقديم صورة متعددة الأوجه عن الرجل من خلال مجموعة من الشهادات والروايات التي كتبها أو رواها معاصرون له، محاولاً فهم سبب تراجعه عن القيادة لصالح خالد بكداش، والإجابة على سؤال حول مكانته الحقيقية داخل الحزب.

يسير الفصل عبر ستة محاور رئيسية، يبدأ كل منها بنقل شهادة أو رواية عن ناصر حدّه، ثم يقدم تعليقاً أو مقارنة بينها. المحور الأول هو شهادة الصحفي مصطفى أمين، الذي يروي كيف تعرف على الشيوعيين عبر صديقه مصطفى العشا وابن عمه أحمد العشا، اللذين كانا عضويّن في جمعية لمحو الأمية. يصف أمين كيف حضر اجتماعاً في "مدرسة عمر بن الخطاب لتعليم الأميين" التي كانت في زقاق القداح قرب الجسر الأبيض في دمشق، وفوجئ بأن الخطيب الذي يُنتخب كرئيس للجنة الإدارية هو ناصر حدّه، وأنه الأمين العام للحزب الشيوعي في سورية. ويكمل أمين روايته بحضور محاضرة أخرى بعد بضعة أشهر في حي الأكراد، حيث كان الخطيب مفاجأة أخرى، وهو خالد بكداش الذي أصبح الأمين العام الجديد للحزب بعد عودته من موسكو، مما يظهر الانتقال السريع في القيادة.

المحور الثاني يقدم شهادة منير سليمان، وهو شيوعي قضى سنوات في باريس ودرس الاقتصاد في السوربون. يصف سليمان ناصر حدّه بأنه "إنسان بسيط ثقافته محدودة وهو يحمل البكالوريا"، ويمتاز بأنه "حركة وكثير الاتصال بجميع الأوساط"، لكن مفاهيمه عن الشيوعية كانت "بسيطة وساذجة". هذه النظرة تتعارض مباشرة مع شهادة النقابي جبران حلال، الذي يقول إن ناصر حدّه كان "متعلما وشيق الحديث" ويشرح للعمال أموراً عن الاشتراكية لم يكونوا يعرفونها، مما يظهر الانقسام في التقييم بين المثقفين والعمال.

في المحور الثالث، يشير المؤلف إلى كتابات يوسف خطار الحلو، الذي يؤكد أن قادة الحزب الشيوعي في دمشق على أعتاب النهوض الوطني الجماهيري في شباط وآذار من عام 1936 هم ناصر حدّه وفوزي الزعيم ورشاد عيسى. وقد استدعوا فرج الله الحلو من حلب لمساعدتهم، لكن سلطات دمشق أبعدته إلى بيروت، واستمر الثلاثة في القيادة حتى شباط 1937.

المحور الرابع يتناول الراوية الأهم، وهي رواية ناصر حدّه نفسه عن سبب تخليه عن القيادة. في أحاديثه مع اسكندر نعمة، يروي حدّه أنه سعى لتسليم قيادة الحزب إلى خالد بكداش، الذي حاز إعجاب الرفاق. وبعد اجتماع موسع للشيوعيين، وافقوا بالإجماع على اقتراحه، ويضيف حدّه قائلاً: "لقد وجدت أن خالد بكداش أقدر مني على قيادة الحزب. فهو شاب متحمس، وعلى جانب كبير من الاستيعاب النظري والفكري، وأتوسم فيه مستقبلاً أفضل للحزب". هذه الشهادة تقدم تفسيراً شخصياً للتنحي الطوعي.

المحور الخامس يحاول تتبع مصير حدّه بعد التغيير القيادي. يذكر يوسف خطار الحلو أن اجتماعاً موسعاً للجنة المركزية للحزب عُقد في دمشق بين 3 و7 شباط 1937، قدم فيه خالد بكداش تقريراً سياسياً، وتم تشكيل لجنة مركزية جديدة ضمت: خالد بكداش، فرج الله الحلو، نقولا شاوي، رشاد عيسى، فوزي الزعيم، يوسف خطار الحلو، فؤاد قازان، مصطفى العريس، عبد الجليل سيريس (من حلب)، والدكتور نسيب الجندي (من حمص). ويلاحظ المؤلف أن اسم ناصر حدّه لم يرد في هذه القائمة، ويعلق قائلاً: "لماذا؟ لم يبين يوسف خطار الحلو السبب...".

المحور السادس يقدم تقييمين متباينين. الأول من كامل عياد، المثقف الماركسي القريب من الشيوعيين، الذي قال عن حدّه: "باستثناء كونه من أقدم الشيوعيين السوريين، فهو لم يكن يتمتع بأية سمات قيادية، يمكن إبرازها أو التركيز عليها". الثاني من يوسف خطار الحلو نفسه، الذي يقدم صورة مشرقة، واصفاً حدّه بأنه "من المناضلين الوطنيين السوريين"، وأنه أسس أولى منظمات الحزب عام 1928 مع فوزي الزعيم وشفيق داود آغا. وينقل الحلو انطباعاته الشخصية عن حدّه بأنه شخصية "مرموقة يملك القدرة على الحوار، صدره متسع للنقاش"، ويجيد اللغتين العربية والفرنسية. كما ينقل عن نقولا شاوي رأيه بأن حدّه لم يكن ناضلاً عادياً، بل كان قادراً على إجراء أوسع الصلات مع الجماهير، وكان محبوباً ومقدراً.

في النهاية، وفي المشهد الختامي للفصل، ينقل المؤلف خبراً من صحيفة "صوت الشعب" في عددها الأول الصادر في 10 آب 1936 في بيروت، عن "عودة سلطان باشا الأطرش" من المنفى واستقباله الجماهيري الحاشد. هذا الخبر يبدو وكأنه دليل على النشاط السياسي الذي شارك فيه الحزب الشيوعي وقيادته، بما في ذلك ناصر حدّه، في إطار النهوض الوطني الجماهيري في سورية.

يقرّ المؤلف بحدود واضحة في هذا الفصل، فهو لا يخفي أن المعلومات عن ناصر حدّه قليلة ومشتتة، ويعتمد على "ما استطعنا الوصول إليه" من شهادات وروايات. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول سبب استبعاد حدّه من القيادة في شباط 1937، دون أن يقدم إجابة قاطعة، مما يجعل الفصل أقرب إلى تجميع للأدلة المتناقضة منه إلى سردية متماسكة. الحجج المطروحة في الفصل قابلة للنقاش بوضوح، فالتباين الكبير بين شهادة منير سليمان التي تصف حدّه بأنه محدود الثقافة، وشهادة يوسف خطار الحلو وجبران حلال اللتين تصفانه بالمتعلم والكاريزماتي، يثير تساؤلاً حول معايير التقييم داخل الحزب: هل القيمة الحقيقية للقائد تظهر من خلال معرفته النظرية أم من خلال قدرته على التواصل مع الجماهير الشعبية؟

7.الفصل السابع: خالد بكداش ومسيرته الطويلة في الحزب الشيوعي49–60▼ ملخص

خالد بكداش ومسيرته الطويلة في الحزب الشيوعي هو عنوان الفصل السابع من كتاب "الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط" للمؤرخ عبد الله حنا. الموضوع المحوري للفصل هو سرد حياة خالد بكداش السياسية وتحليل مسيرته التي قاربت السبعة عقود كعضو وقائد للحزب الشيوعي السوري. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن بكداش كان شخصية محورية وقائداً كارزمياً لا يمكن فهم تاريخ الحزب الشيوعي في سورية دون فهم دوره، إلا أن هذه القيادة الفردية الطويلة حملت بذور ضعف الحزب وانقساماته اللاحقة. يركز الفصل على التناقض بين صعود بكداش كزعيم شعبي وبرلماني لامع في منتصف القرن العشرين، وبين هبوطه التدريجي وفقدانه لبريقه في العقود التالية، متأثراً بعوامل خارجية وداخلية وذاتية.

يسير الفصل خطوة بخطوة وفق تسلسل زمني، فيبدأ بنشأة خالد بكداش في دمشق عام 1912 لأسرة ذات خلفية عسكرية عثمانية، وتفوقه الدراسي في "مكتب عنبر" حيث تزامن في المدرسة مع تيارين سياسيين آخرين هما أكرم الحوراني وعلي الطنطاوي. ثم ينتقل إلى انضمامه إلى الحزب الشيوعي عام 1930 بفضل ناصر الدين حدة، ويشير المؤلف مراراً إلى أن بكداش ومصادره الرسمية يتجاهلون دور حدة وغيره من الشيوعيين الأوائل الذين سبقوه. يوضح الفصل كيف أن انتماء بكداش لـ"حي الأكراد" ذي العصبية القوية وفر حماية للحزب الشيوعي الوليد والمستضعف في دمشق، مما مَكّن الحزب من النمو.

يصف المؤلف سفر بكداش إلى موسكو لدراسة الاقتصاد السياسي في معهد بليخانوف بين أوائل عام 1933 وأوائل عام 1937، وحضوره المؤتمر السابع للأممية الشيوعية عام 1935. عند عودته، انتخب أميناً عاماً للحزب، وشرع في بناء تنظيمه مستفيداً من الأجواء الإيجابية بعد وصول الكتلة الوطنية للحكم (1936-1939). يتناول الفصل فترات الصعوبات كالاختفاء إبان حكم حكومة فيشي الفرنسية، وصولاً إلى ترؤسه المؤتمر الوطني للحزب في سورية ولبنان أواخر 1942 وأوائل 1943 حيث أعيد انتخابه أميناً عاماً. يقدم المؤلف مثالاً مفصلاً على ذروة صعود بكداش وشعبيته الجماهيرية، فيشير إلى فوزه المدوي في الانتخابات النيابية عام 1954، حيث حصل على 21,482 صوتاً في دمشق، وهو رقم كبير في ذلك الوقت، وكان خطبه في المجلس النيابي ومواقفه الوطنية مصدر إعجاب واسع.

ينتقل المحور الرئيسي للفصل في مرحلته الثانية إلى تحليل عوامل هبوط نجم بكداش. يحدد المؤلف عدة محطات حرجة وأسباباً داخلية وخارجية. أولها: أسلوب القيادة الفردي والدكتاتوري الذي عززته "عبادة الفرد" في الفترة الستالينية في الاتحاد السوفيتي، حيث كان بكداش "الآمر الناهي" ويُبعد أي كفاءة قيادية محتملة عن مراكز القرار. ثانيها: موقفه من قرار تقسيم فلسطين عام 1947، حيث أيد الحزب القرار السوفيتي، مما أدى إلى تصدع في صفوفه وهجوم شعبي على مقر الحزب، وألحق ضرراً طويل الأمد بسمعة الحزب الوطنية. ثالثها: موقفه من الجمهورية العربية المتحدة، حيث عارض بكداش الوحدة الاندماجية مع مصر خوفاً من الاستبداد، لكنه غاب عن جلسة التصويت في المجلس النيابي وآثر السلامة والهروب إلى بيروت، مما عرضه لانتقادات حادة واتهامات بالجبن. رابعاً: انفصال الحزب الشيوعي اللبناني وإعلان استقلاله عن قيادة بكداش في أوائل الستينيات، مما مثل هزة عنيفة لسلطته.

أخيراً، يصل التحليل إلى المؤتمر الثالث للحزب عام 1969، حيث أعيد انتخاب بكداش أميناً عاماً، لكن هذه المرة كان "إجماعاً أعرج" بوجود قوى وازنة غير راضية عن أسلوبه وتطالب بالتجديد. يخلص المؤلف إلى أن الانقسامات المتتالية في السبعينيات والثمانينيات كانت نتيجة حتمية لمزيج من الاستياء من القيادة الفردية، التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في سورية، والانهيار التدريجي للاتحاد السوفيتي. في نهاية الفصل، يقر المؤلف بوجود أسئلة مفتوحة، خاصة حول أسباب غياب بكداش عن جلسة التصويت على الوحدة مع مصر، معتبراً أن القرار بحاجة لدراسة متأنية وانتظار ظهور مذكرات أو وثائق جديدة. كما يعترف بحدود التحليل، مؤكداً أن دور بكداش في صعود وهبوط الحزب يستحق كتاباً مستقلاً.

يرى النص بوضوح أن هناك حجتين رئيسيتين قابلتين للنقاش. الأولى تتعلق بأسلوب قيادة بكداش الاستبدادي والمتمركز حول الذات، والذي يعتبره المؤلف سبباً رئيسياً في إضعاف الحزب وإفقاده للكفاءات وتهميش النقاد، مما أدى في النهاية للانقسامات. الحجة الثانية هي نقد المؤلف الصريح لقرار بكداش بقبول ترشيح نفسه لمجلس الشعب عام 1973، واصفاً إياه بـ"غلطة تاريخية". يرى المؤلف أن هذا الترجل عن صهوة الفروسية البرلمانية في الخمسينيات إلى مرتبة "عضو مجلس شعب" بصلاحيات محدودة في السبعينيات، شوّه صورة الزعيم التاريخي وأسهم في تآكل هالته، معتبراً أنه كان الأجدر به أن يبقى فارساً محلقاً في ذاكرة الخمسينيات بدلاً من أن ينهي مسيرته بهذا الشكل.

8.الفصل الثامن: من رواد الحركة الشيوعية في سورية61–76▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل سيراً ذاتيةً لعدد من الرواد الذين أسسوا الحركة الشيوعية في سورية ولبنان ونشروها، مؤكداً أن نهضتها لم تكن نتاج جهد فردي، بل حصيلة تضحيات عشرات المناضلين. يقرّ المؤلف بأنه لم يستطع تغطية جميع الرواد، فاكتفى بمن استطاع لقاءهم أو من وصلتهم أخبارهم، مستعيناً بشكل خاص بكتاب "صفحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوري" لـزياد الملا.

يبدأ الفصل بـفؤاد الشمالي، المولود عام 1894 في كسروان. كان فقيراً وهاجر إلى مصر ونفي منها عام 1924 لنشاطه الشيوعي. أسس أول نقابة لعمال التبغ في لبنان، وكان مع يوسف إبراهيم يزبك مؤسساً للحزب الشيوعي اللبناني في 24 تشرين الأول 1924. نفي إلى قلعة القدموس وجزيرة أرواد لدعمه الثورة السورية، ومثّل حزبه في المؤتمر السادس للأممية الشيوعية عام 1928، وانتخب أميناً عاماً للحزب في العام ذاته. أزيح من منصبه وطرد من الحزب في أوائل 1933 بتهمة العلاقة مع الأمن، وهي تهمة يراها البعض كـيوسف خطار الحلو باطلة، بينما يلقي أرتين مادويان شكوكاً حولها. يترك المؤلف السؤال مفتوحاً لتعذّر الوصول إلى أرشيف الأمن، الذي إما أحرقه الفرنسيون أو يتعذر الوصول إليه في فرنسا. يرى المؤلف حياة الشمالي مأساة بكل المعاني، فهو الذي مات فقيراً عام 1939 بعد حياة من النضال والكتابة للعمال.

ثم ينتقل الفصل إلى سليم خياطة، الطرابلسي الماركسي الداعي للوحدة العربية. عقد مؤتمراً للمثقفين العرب في زحلة عام 1934 لهذا الغرض، ونشر أفكاره الماركسية في كتاباته ومجلته "الدهور". من كتبه "حميات في الغرب" (1933) و"على أبواب الحرب" (1934) و"الحبشة المظلومة" (1936). اعتقلته سلطات فيشي الفرنسية عام 1940 وتعرض للتعذيب الذي أثر على صحته حتى وفاته عام 1965.

يُعرّج الفصل بعدها على أرتين مادويان، المولود في أضنة عام 1904، الذي تأثر بمآسي الأرمن وأسس منظمة "سبارتاك" اليسارية الأرمنية في بيروت وأسهم في تأسيس الحزب الشيوعي السوري. أمضى فترات طويلة في السجون واستمر ناشطاً في قيادة الحزب حتى وفاته، وله مذكرات بعنوان "حياة على المتراس". يليه هيكازون بوياجيان، عضو جمعية سبارتاك وأحد مؤسسي الحزب الأكثر إخلاصاً. افتتح عيادة أسنان في زحلة ثم انتقل إلى دمشق عام 1928 لنشر الشيوعية، واعتقل أكثر من مرة ونفي إلى الرقة وأرواد، وكان له نشاط بارز في حلب لاحقاً.

يتناول الفصل نسيب الاختيار الدمشقي (مواليد 1912)، والذي تأثر بالماركسية عبر الفرنسية وترجم كراريس سياسية وألقى خطباً في الاجتماعات الشيوعية. نشر دراسات ماركسية في الصحف وألف كتاب "مأساة أسبانيا" عام 1938 مناهضاً لفرانكو. كان عاطلاً عن العمل يعتمد على والده الضابط المتقاعد. يثير المؤلف سخريةً لاذعة من أن المال السعودي (من والد الاختيار الذي عمل في حاشية الملك عبد العزيز) كان يعيل شيوعياً. في الأربعينيات، ابتعد الاختيار عن العمل الحزبي وتفرغ للتأليف الأدبي والعمل في الإذاعة.

يستمر السرد مع علي خلقي (مواليد 1909 في دوما)، المنتمي لحلقة أدبية تنويرية أثارت جدلاً مع حلقة محافظة، وله مجموعة قصصية "في سبيل المجهول" تعتبر الأولى في سورية. ثم رشاد عيسى (مواليد 1911)، المحامي الذي أصبح الشخصية الثانية في الحزب بعد خالد بكداش في أربعينيات القرن، وقد فصل من الحزب بسبب موقفه الناقد من تأييد قيادة الحزب للاتحاد السوفييتي في قضية التقسيم.

يذكر الفصل أيضاً محمود الأطرش (أبو داوود)، الفلسطيني المولود في يافا عام 1903، الذي انتسب للحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1925 وأوفده الكومنترن إلى سورية ولبنان عام 1933. ساعد في تحضير مؤتمر زحلة للوحدة العربية، وأبعدته السلطات الفرنسية إلى فلسطين عام 1936 حيث سجنته بريطانيا. كتب مذكرات هامة لكنها بقيت مخطوطة ولم يعثر عليها في أرشيف الأحزاب الألمانية كما يشير المؤلف.

يتناول الفصل مصطفى العريس، النقابي اللبناني البارز الذي دخل السجون عدة مرات، وله كتاب "مصطفى العريس يتذكر". ثم كامل عياد، الفيلسوف الحائز على دكتوراه من برلين عن ابن خلدون، والذي تأثر بالحزب الشيوعي الألماني. شارك في مؤتمر زحلة وأسس مجلة "الطليعة" اليسارية. لم ينتظم في الحزب لكنه اعتبر الأب الروحي للماركسيين السوريين، ورفض تزكية ميشيل عفلق للانتساب للحزب الشيوعي عام 1934 لشكه في يساريته.

يقدم الفصل منير سليمان الدمشقي (مواليد 1913)، الذي درس الاقتصاد في السوربون وانضم للحزب الشيوعي الفرنسي عام 1931 ثم السوري، وساهم في تأسيس مجلة "الطليعة" عام 1935 ونظم دورات تعليمية اقتصادية. ثم فوزي الشلق (مواليد 1912)، ابن رئيس محكمة الاستئناف الذي درس في فرنسا وتأثر بالصحافة الشيوعية. انتسب للحزب على يد فوزي الزعيم، وجعل بيته مقراً للكادر السري للحزب. اختير أمين سر "جمعية أصدقاء الاتحاد السوفيتي" عام 1943، وشارك في الدفاع عن مكتب الحزب عام 1947. يذكر المؤلف أن الشلق نسب الفضل الأكبر في تأسيس الحزب لخالد بكداش.

يهتم الفصل بدور المرأة، فيذكر فلك طرزة التي كانت المرأة الوحيدة في الحزب قبل 1937، ومقبولة الشلق (مواليد 1921) التي بدأت نشاطها بعد عودة أخيها فوزي من فرنسا عام 1936. تصف مقبولة كيف شاركت في أولى الاجتماعات الشيوعية النسائية في نهاية 1937 بحضور حوالي عشر فتيات، ناشطات في بيئة اجتماعية صعبة.

يختتم الفصل بذكر وصفي البني الحمصي (مواليد 1912)، الذي نمت لديه مشاعر طبقية قوية من عمله مع والده التاجر الذي كان يستثمر البدو. انضم لعصبة العمل القومي ثم تعرف على فوزي الزعيم في سجن القلعة، وانخرط في الحزب الشيوعي عام 1942 وأصبح محرراً في جريدة "صوت الشعب". وجورج عويشق الدمشقي (مواليد 1922)، الذي اكتشف مكتب الحزب مصادفة أثناء هربه من مظاهرة، وكلف بنقل المناشير لنشاطه الحزبي المبكر. شارك في الدفاع عن مكتب الحزب عام 1947 وأصيب برصاصة تركته أعرج. ترشح للانتخابات عام 1954 في قائمة "الاتحاد الوطني" وحصل على ثمانية آلاف صوت.

أخيراً، يستعرض الفصل مذكرات نجاتي صدقي الفلسطيني الذي أوفده الكومنترن إلى دمشق عام 1937 لمساعدة الحزب. ينقل الفصل تفاصيل من مذكراته عن وضع الحزب، وعن تعديلات أدخلها خالد بكداش كاستبدال لقب "أمين عام" بـ"رئيس الحزب" وطلب الاحترام عند الدخول إلى المكتب، والتي يصفها صدقي بأنها "تعديلات شرقية" تراعي العادات. لكن الفصل يبدي تحفظاً شديداً على مذكرات صدقي، متّهماً إياه بخلط الحقائق بالنقد اللاذع والدس، خاصة تجاه خالد بكداش، ويرتاب المؤلف في نزاهته بعد أن باع قلمه لاحقاً وألف كتاباً "الشيوعي المليونير" يهاجم الشيوعية. يشير إلى أن الحزب الشيوعي الفرنسي كان مرتاباً منه وطالب بـ"تجميده"، وأن أرتين مادويان اتهمه بالعمل لصالح المخابرات البريطانية، تاركاً الحسم للباحثين في أرشيف تلك المخابرات.

في مجمله، يقدّم الفصل سرداً وثائقياً لمساهمات فردية متنوعة، معترفاً بأنها لا تمثل إلا جانباً من النشاط الشيوعي، ومبدياً أمله في كشف المزيد من "الجند المجهولين". يتبنى المؤلف موقفاً تعاطفياً واضحاً مع هؤلاء الرواد، مسلطاً الضوء على تضحياتهم المادية والجسدية، مع عدم إخفاء تحفظاته على بعض الشخصيات كنجاتي صدقي، ومشيراً إلى الجدل التاريخي حول تهمة التخوين التي طالت فؤاد الشمالي دون حسمها. يبقى السرد مفتوحاً على أسئلة حول أرشيف الأمن وحقيقة بعض العلاقات، مما يجعل الصورة التاريخية معقدة وغير مكتملة.

9.الفصل التاسع: أصداء نشاط الحزب الشيوعي السوري في صحف الثلاثينيات77–102▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل من كتاب عبد الله حنا "الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط" أصداء نشاط الحزب الشيوعي السوري خلال فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، وذلك من خلال ما نشرته الصحف السورية آنذاك. يعتمد المؤلف منهجاً تاريخياً وثائقياً، فينقل نصوصاً حرفية من صحف تلك الفترة، مع تعليقات وشروحات توضيحية، بهدف إظهار طبيعة النشاط الحزبي، وردود فعل السلطات، وصورة الشيوعية في الرأي العام كما عكستها الصحافة.

يبدأ الفصل التاسع بنقل نشيد "أنشودة الشيوعيين" الذي نشرته جريدة "ألف باء" الدمشقية في 5 أيلول 1926، مترجماً عن الإنكليزية. ويرى المؤلف في هذا النشيد، الذي يتغنى بالحرية ويرفض الاستعمار، خير تعبير عن التضامن بين الحركة العمالية في الغرب وحركات التحرر الوطني في المستعمرات. بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى سرد متتابع لأخبار صحفية متنوعة، تغطي فترة تمتد من أوائل الثلاثينيات حتى منتصفها، وتوثق لأنشطة الحزب المتنوعة.

يوثق الفصل جوانب متعددة من نشاط الحزب، وأبرزها توزيع المنشورات والبيانات. ففي 8 تموز 1930، ذكرت "ألف باء" أن رجال الأمن ضبطوا نشرات شيوعية تحث الأهالي على المطالبة بحقوقهم. وتكررت أخبار ضبط المنشورات في مدن متعددة مثل بيروت وطرابلس وحلب وبعلبك، وكانت تحمل توقيع "اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري" أو "فرع الانترناسيونال الشيوعية". كانت هذه المنشورات تدعو إلى مقاومة الاستعمار والرأسماليين، وتوحيد صفوف العمال والفلاحين، وتحيي الثورة في الصين والاتحاد السوفييتي، وتطالب باستقلال سورية التام ووحدتها. ويشير المؤلف إلى أن الدعوة للوحدة العربية كانت مطلباً أساسياً للحزب حتى أواخر الثلاثينيات، على عكس معظم قادة الحركة الوطنية الذين تراجعوا عنها.

يبرز من الأخبار دور الشخصيات القيادية في الحزب، مثل خالد بكداش، وفؤاد الشمالي، وأرتين مادويان، وفوزي الزعيم، وناصر حدّة. ففي 20 آذار 1931، ذكرت جريدة "الشعب" أن خالد بكداش صرح أمام المستنطق بأنه شيوعي ولا بد أن يسعى لإعلان الشيوعية في سورية، وقد حكم عليه بالسجن لثلاثة أشهر. كما يروي بكداش لاحقاً تفاصيل اعتقاله أثناء طباعة جريدة "المطرقة والمنجل" وكيف كان السجن فرصة للتعلم والتثقيف السياسي. كما يوثق الفصل وصول المحامي الشيوعي الفرنسي أندريه برتون إلى سورية في آب 1931 للدفاع عن المعتقلين، وقد لاقى ترحيباً من العمال الذين أبرقوا له مرحبين به كممثل للطبقة العاملة الفرنسية. وقد نتج عن مرافعته أحكام بالسجن مع وقف التنفيذ بحق أرتين مادويان ورفاقه، الذين كانوا قد وجهت إليهم تهمة التحريض على عصيان الجيش الفرنسي.

لم يخلُ نشاط الحزب من ردود فعل معادية، سواء من السلطات الفرنسية أو من بعض الصحف والتيارات الوطنية. فقد قامت سلطات الانتداد بمنع دخول الصحف الشيوعية الأجنبية، وأصدرت أوامر بإبعاد بعض النشطاء الأجانب. كما لجأت إلى القضاء، حيث أحيل بعض الشيوعيين إلى المجلس الحربي الفرنسي في بيروت. في المقابل، نُشرت مقالات في بعض الصحف، مثل جريدة "القبس"، تحذر من الخطر الشيوعي، وتطالب بمكافحته، واصفة إياه بأنه "دين من لا دين له". لكن الفصل يُظهر أيضاً أصواتاً أخرى أكثر تحليلاً، مثل مقال لـ نجيب الريس في "القبس" في 1 كانون الأول 1931، حيث يرى أن الخطر الحقيقي للشيوعية يكمن في فقر الفلاحين وظلم الإقطاعيين والضرائب الباهظة، وأن علاجها يجب أن يكون بمحاربة الفقر لا بقمع المناشير.

يتناول الفصل أيضاً أحداثاً نوعية، مثل الاعتداء على القنصلية الألمانية في بيروت في نيسان 1933 احتجاجاً على صعود هتلر، حيث كتب المعتدون شعارات مناهضة للفاشية والاستعمار. كما يسلط الضوء على العلاقات الدولية للحزب، من خلال الإشارة إلى تعاون الشيوعيين في سورية وفلسطين، ومحاولات السلطات الفرنسية والبريطانية التنسيق لمكافحة الشيوعية. ويختتم الفصل بقسم وثائقي طويل يتضمن الميثاق الوطني للحزب الشيوعي السوري لعام 1944، والذي يوضح أهداف الحزب وبرنامجه في تلك المرحلة، متضمناً مطالب مثل الاستقلال التام، والنظام الجمهوري الديمقراطي، وتحسين أوضاع العمال والفلاحين.

في خلاصة تحليلية، ينجح الفصل في تحقيق هدفه المعلن وهو نقل "أصداء" النشاط الشيوعي، لا تقديم تاريخ تحليلي شامل. قوته تكمن في اعتماده على الوثائق الصحفية، مما يمنح القارئ إحساساً مباشراً بلغة واهتمامات وتحديات تلك الفترة. لكن هذا النهج يحمل أيضاً حدوداً واضحة، إذ أن الصورة المقدمة مجزأة وتعتمد على ما اختارت الصحف نقله، وهو غالباً ما يركز على الجانب "الحركي" (المناشير، الاعتقالات، المحاكمات) أكثر من الجوانب الفكرية أو التنظيمية الداخلية للحزب. كما أن نبرة بعض الصحف المعادية تدعو إلى التروي في تقييم مدى تأثير الحزب الحقيقي، فكثيراً ما بالغ خصومه في شأنه لمهاجمته. يبقى الفصل، إذاً، مصدراً أولياً قيماً، لكنه يحتاج أن يُقرأ بعين ناقدة وإلى جانب مصادر أخرى لتكوين صورة متكاملة عن تاريخ الحزب الشيوعي السوري.

11.الفصل الحادي عشر: ربيع محبك والعمل مع فرج الله الحلو في حلب107–114▼ ملخص

يستند هذا الفصل من كتاب عبد الله حنا إلى مقابلة أجراها المؤلف مع ربيع محبك، أحد أوائل الشيوعيين في مدينة حلب، بهدف توثيق البدايات المبكرة لتأسيس الحركة الشيوعية في المدينة خلال ثلاثينيات القرن العشرين. يركز الفصل بشكل خاص على الدور المحوري الذي لعبه القائد الشيوعي القادم من بيروت، فرج الله الحلو، والذي استخدم الاسم الحركي "ناجي"، في تنظيم وتثقيف وتدريب جيل من الشباب الحلبي على العمل السياسي والنضالي. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن تأسيس الوعي الشيوعي في حلب لم يكن مجرد نقل للأيديولوجيا، بل تم عبر سلسلة من الأنشطة العملية والنقاشات والتنظيم السري، ولعب فيه الأفراد العاديون وعائلاتهم دوراً حاسماً.

يبدأ الفصل بتقديم خلفية عائلية واجتماعية لربيع محبك، المولود في حلب عام 1915. يروي كيف أن والده أحمد محبك توفي في مطلع عام 1918 وهو جندي إجباري في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى. وتعتبر والدة ربيع، فطوم بنت وحيد سيريس، شخصية محورية في القصة. يخصص المؤلف مساحة لتحليل خبر نقله الجندي أحمد لزوجته قبل وفاته، مفاده أن "البلشفيك قاموا وبدهم يوزعوا بييوت بلاش على الفقراء". يرى المؤلف أن هذا الخبر، رغم بساطته، كان له أثر عميق في الوعي الباطني لفطوم، وغرس فيها كرهاً للحرب وطموحاً للسلام، مما جعلها السند الرئيسي لابنها لاحقاً. تظهر قوة شخصية فطوم عندما أصبح بيتها في منتصف الثلاثينيات مخبأً لمطبعة حزبية سرية، وعندما اعتقل ابنها في ربيع 1941 أيام حكومة فيشي، شاركت في مظاهرة نسائية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين الشيوعيين، مما أدى إلى إطلاق سراحهم بعد ثلاثة أيام.

يتتبع الفصل بعد ذلك مسيرة ربيع محبك نحو الشيوعية. بدأت من خلال اهتمامه بالرياضة وتكوين صداقات في حارته، ثم بتأثره بخطاب وطني للزعيم إبراهيم هنانو، مما دفعه هو ومجموعة من الفتيان لتأسيس "حزب الفقراء". كان لقاؤهم بـ أكرم حمود، بائع الجرائد الذي أخبرهم عن "الحزب الشيوعي" كحزب للعمال والفلاحين، نقطة تحول. قادهم أكرم حمود إلى الصحفي بيير شداروفيان الذي قدم لهم دروساً في مراحل تطور التاريخ. بعدها، رتب شداروفيان لقاء ربيع بشخصية غامضة تدعى "ناجي"، والتي تبين لاحقاً أنها فرج الله الحلو. يصف الفصل حماسة ربيع ورفاقه في توزيع المناشير التي كان يقدمها لهم ناجي سراً، وصولاً إلى وضع منشور في مخفر الشرطة تحدياً.

يسرد الفصل بالتفصيل الأنشطة التأسيسية التي قادها فرج الله الحلو خلال إقامته في حلب من خريف 1934 إلى مطلع 1936. تشمل هذه الأنشطة:

  • إقناع شقيق ربيع، عبد الفتاح محبك، وهو مدرس رياضيات كان معادياً للشيوعيين، بالانضمام إلى الحزب وتأسيس نقابة المعلمين.
  • دفع نظمي الملقي وعلي الكردي لتأسيس نقابة الخياطين بمساعدة شيوعي ثالث هو جميل الصغير.
  • اقتراحه أن يكون نظمي الملقي مسؤولاً عن المجموعة الشيوعية الناشئة نظراً لثقافته ووعيه الطبقي.
  • إرسال عامل النول اليدوي عبد الله فلاحة إلى المدرسة الحزبية في موسكو في سرية تامة.
  • الإشراف على إضراب عمال التريكو في معمل حج أحمد والي لزيادة أجورهم، والذي نجح جزئياً لكنه كشف عن تضامن عمالي كبير.
  • تنظيم حملة في حلب للإفراج عن الزعيم الشيوعي الألماني إرنست تيلمان، مما عرض ربيع لمطاردة من أحد المحققين الأرمن.

يتضمن الفصل أيضاً أمثلة على روح المبادرة التي غرسها فرج الله في تلاميذه، مثل قيام مجموعة شيوعية من حلب (ضمّت ربيع محبك، أديب بكري، مصطفى أسد، وبيير شداروفيان) بالتوجه إلى حماة خلال الإضراب الوطني في مطلع عام 1936 لتوزيع مناشير سرية. يختتم الفصل بإعادة التأكيد على أن فرج الله الحلو قام بتدريب حلقة شيوعية أخرى في حلب سيروي تفاصيلها عبد الرزاق دلالة في الفصل التالي.

يقر المؤلف في هذا الفصل بحدوده كمؤرخ يعتمد على ذاكرة شخص واحد (ربيع محبك) بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على الأحداث، مما قد يؤثر على دقة بعض التفاصيل والتواريخ. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول كيفية تنظيم فرج الله الحلو للحلقة الشيوعية الأخرى التي سيتحدث عنها عبد الرزاق دلالة. يمكن القول إن الفصل يشكل سرداً حياً ومفصلاً، لكنه يظل محكوماً برؤية المصدر الوحيد، وهو ربيع محبك، مما قد لا يعكس كامل تعقيدات الحركة الشيوعية في حلب أو الآراء الأخرى حول شخصية فرج الله الحلو وأساليبه.

12.الفصل الثاني عشر: فطوم سيريس الأم الأسطورة115–120▼ ملخص

هذا الفصل مخصص لسرد حياة فطوم سيريس (1880–1965)، والدة المناضل الشيوعي ربيع محبك. جوهر ما يقدمه المؤلف هو تقديمها كنموذج للأم المناضلة العاملة، التي لم تقتصر تضحياتها على تربية أطفالها بعد وفاة زوجها، بل امتدت لتشمل دعمها المطلق لنشاطهم السياسي الشيوعي، محولةً بيتها إلى ملاذ آمن للحزب. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن سيرة هذه المرأة تمثل رمزاً للكفاح الشعبي والوعي الطبقي الفطري.

يبدأ الفصل بتقديم عبد الملك سيريس، ابن أخ فطوم ومؤلف النص الأصلي لهذا الفصل، والذي جمع تفاصيل حياتها من روايات المقربين. يتضح أن فطوم وُلدت في حلب لعائلة تميزت بالثقافة، والدها وحيد سيريس شاعر أمي ولاعب شطرنج، وتزوجت من التاجر أحمد محبك المُلقب بـ "العقاد"، وأنجبت منه ثلاثة أطفال: عبد اللطيف وعبد الفتاح وربيع. لكن الحرب العالمية الأولى غيرت كل شيء. تم تجنيد زوجها، وبوفاته نتيجة المرض، تركت فطوم أرملة مع ثلاثة أيتام. هنا تبدأ قصتها النضالية: أتقنت العمل على "النول العربي" لإنتاج "الجِبّر" (نسيج حريري مطرز بالذهب)، وبرعت في بيعه، ورفعت أجرها كلما ازداد الطلب، مما أغضب رب عملها الذي حاول دون جدوى الزواج بها لتأمين مصدر إنتاجها، لكنها رفضته رفضاً قاطعاً بعبارتها المشهورة: "أنا بعد حصان أبو غرة".

بعد أن كبر أطفالها، يوضح الفصل كيف أصبح ابنها ربيع محبك، من خلال صديقه الأرمني بيير شاداروفيان، أول المبشرين بالشيوعية في حلب، ونجح في إقناع شقيقه عبد الفتاح وخالهما عبد الجليل سيريس (الذي أصبح سكرتيراً للحزب الشيوعي بحلب بين 1938 و1947). هنا ينتقل السرد ليركز على دور فطوم المحوري كحاضنة للنشاط الحزبي، فقد كانت تطبع المناشير وتخفيها في فراش ابنها ربيع. بسبب وعيها الطبقي النابع من كفاحها كعاملة، استقبلت في بيتها أبرز رموز الحزب، ومنهم القائد الشيوعي البارز فرج الله الحلو والأمين العام خالد بكداش، وأخفتهما من المطاردة. كان بيتها بمثابة "خلية عمل" سرية.

يتناول الفصل حلقتين دراميتين تثبتان شجاعتها الفائقة. الأولى، أثناء فترة حكم حسني الزعيم (بين آذار وحزيران 1949) حيث اعتقل ابناها وأخوها. سافرت وحدها إلى دمشق، وتسللت إلى سجن المزة لإجراء مقابلة، وهناك شاهدت ابنها ربيع يعمل في تنظيف "المراحيض"، فيما رفضت السلطات تشغيل أستاذ الرياضيات عبد الفتاح بنفس الأعمال المهينة. بعد عودتها إلى حلب، كشفت عن أرشيف المناشير المخبأة تحت فراش ابنها، وبدأت توزعها في الأسواق وحتى داخل مخافر الشرطة، معتقدة أن ذلك سيوهم السلطة بأن نشاط الحزب لم يتوقف رغم اعتقال قادته. وتكررت المغامرة في عهد أديب الشيشكلي (بين 1951-1953) حيث شاركت في تحشيد مظاهرات نسائية، وفي حادثة استخدم فيها المناضلون تابوتاً وهمياً لتحويل جنازة إلى مظاهرة.

الأحداث تبلغ ذروتها خلال فترة الوحدة السورية المصرية (1958-1961). حين عارض الحزب الشيوعي الوحدة وطالب بـ "الفيدرالية"، قام ابنها الأستاذ عبد الفتاح محبك بانتقاد موقف الحزب معتبراً الوحدة مطلباً شعبياً لا يمكن تحديه، مما أدى إلى اتهامه بـ "الناصرية" و فصله من الحزب بقرار من خالد بكداش هو ومجموعة من رفاقه. يتناول الفصل صدمة فطوم القوية من هذا الفصل، وكيف كانت توبخ ابنها وتخوفه من أن الحزب سيقتله إن لم يعد، لكنه رفض. ثم في زمن الوحدة، اعتُقل ابنها الآخر ربيع ورفيقه بيير شادوفيان اللذان توفي الأخير أثناء التحقيق (وتسربت أخبار كاذبة عن وفاة ربيع أيضاً). هنا تبرز قيادتها لمظاهرة نسائية عنيفة أمام مقر "الشعبة السياسية" في العزيزية، حيث قادت النسوة بالولولة والعويل مطالبات بإظهار الجثتين، إلى أن أقسم لها ضابط أن ربيعاً لا يزال حياً وأحضره لها.

يختم الفصل بتفاصيل أيامها الأخيرة، حيث أصيبت بالربو. في مشهد مؤثر، طلبت عصاها قبل موتها مباشرة، وعندما سألوها عن حاجتها إليها وهي جالسة، أجابت بمزاحها الأسطوري: "حتى إذا حضر عزرائيل ليقبض روحي أهوي على رأسه بهذه العصا لأخلص العالم منه". لكن روحها فارقتها قبل أن تنفذ التهديد. وينتهي الفصل بقصيدة كتبها كاتب النص عبد الملك سيريس في رثائها، وبعدها تنتقل الصفحات إلى رسالة داخلية صادرة عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي حول تنظيم العمل بين النساء وتطويره، بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس الحزب، وهي رسالة غير مرتبطة عضوياً بسيرة فطوم.

يقر المؤلف ضمنياً بتحفظات وأسئلة مفتوحة، أبرزها الاعتماد على الرواية الشفوية من عائلة سيريس دون مصادر مستقلة، كما أن تفصيل الخلاف حول الوحدة (فصل عبد الفتاح من الحزب) يُظهر تناقضاً بين التضحية الفردية والانضباط الحزبي، مما يثير تساؤلات عن حدود الولاء للأم مقابل الحزب. المنهج نفسه يمتزج فيه السرد الأسطوري (كابوس موت حسني الزعيم) مع الوقائع السياسية دون تمييز واضح.

أما الحجج القابلة للنقاش، فهي أن الفصل يميل إلى جعل فطوم سيريس أيقونة أسطورية "للأم الشيوعية" أكثر مما هي شخصية تاريخية معقدة. تجلياتها كمناضلة فطرية لا تخطئ، ووعيها الطبقي المثالي، وعلاقتها الخالية من أي توتر حقيقي مع أبنائها رغم فصلهم من الحزب – كلها خصائص تجعل السرد أقرب إلى هاجيوجرافيا (سيرة القديسين) منه إلى سيرة سياسية نقدية. هناك أيضاً وجه للفضول في تمجيد كاتب الفصل لحرص فطوم على عدم تعليم نفسها القراءة (حفاظاً على سرية المناشير) كفضيلة، بينما هي في السياق ذاته ألحقت أبناءها بمدرسة الليسيه ليتقنوا الفرنسية. على كل حال، تبقى هذه السردية شهادة على قوة الأثر الذي تتركه الأم الكادحة في تشكيل وعي أبنائها السياسي، وجرأتهم على المواجهة.

13.الفصل الثالث عشر: عبد الرزاق دلاله والعمل مع فرج الله الحلو في حلب121–126▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول سيرة عبد الرزاق دلاله، العامل الشاب في صناعة الأحذية من حلب، وكيف تحول إلى ناشط شيوعي تحت قيادة فرج الله الحلو في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين. يقدم المؤلف، عبد الله حنا، من خلال رواية دلاله المباشرة، إجابة عن سؤال كيفية بناء التنظيم الشيوعي من القاعدة الشعبية في مدينة محافظة مثل حلب. الفصل هو شهادة حية على الطريقة التي جند بها الحزب الشيوعي العمال الفقراء والأميين تقريباً، ودربهم، ثم أرسلهم للدراسة في موسكو ليعودوا نواةً للحركة في مدينتهم.

يسير الفصل وفق السيرة الذاتية لعبد الرزاق دلاله، خطوة بخطوة، منذ طفولته. يبدأ المؤلف بوصف نشأة دلاله في حي القصيلة بحلب عام 1919، حيث اضطر والده لإخراجه من المدرسة بعد الصف الرابع قائلاً له: "الصنعة أحسن لك من العله". وهكذا دخل دلاله، وهو صبي صغير، ورشة لصنع الأحذية يملكها عبد القادر جوكان في خان قرطبة. يصف الفصل بدقة حياة العمال الصعبة، حيث كان دلاله يعمل "أجيراً" بأجر زهيد لا يتجاوز "برغوث في الجمعة" (عملة عثمانية قديمة)، وكان يقوم بخدمات منزلية لمعلمه. هذا الواقع المادي القاسي هو السياق الذي جعل دلاله وزملائه قابلين للتأثر بالأفكار الجديدة.

يصف الفصل أول لقاء لدلاله بالشيوعية من خلال حوارات في الورشة مع صانعي الأحذية أبو علي شنينة وأبو عبدو بني، الذين تحدثا عن "حزب للعمال لا يدخل فيه لا أغنياء ولا معلمين" وعن "دولة شيوعية استلم العمال الحكم فيها". في صيف 1935، حضر دلاله وزميله رضوان رضوان اجتماعاً سرياً في بيت أبو علي، حيث التقيا للمرة الأولى بـ فرج الله الحلو (الذي كان يستخدم اسماً سرياً) وبالصحفي بيير شاداروفيان. يورد الفصل تفاصيل طريفة عن الاجتماع، حيث كان الصبيان يملّان من الحديث النظري عن الإمبريالية ويبدأان باللعب معاً، مما اضطر فرج الله للتوقف حتى يستعيدا انتباههما. التفت فرج الله إلى دلاله تحديداً لأنه كان يجيد القراءة والكتابة على عكس الآخرين.

مع توثيق العلاقة، بدأ فرج الله الحلو يكلف دلاله ورضوان بمهام حزبية صغيرة، مثل نقل رزم من المطبوعات الشيوعية السرية. يصف الفصل عملية تسلم دلاله لرزمة مكتوب عليها شعار "المنجل والمطرقة" وتحتوي على جريدة سرية ومجلات مثل "الشرق العربي" و "الدهور" . طور دلاله نفسه ليصبح قارئاً لهذه المطبوعات ومعلماً لزملائه. بلغت الثقة بدلاله ذروتها عندما اصطحبه فرج الله إلى بيروت في أواخر 1935، حيث ألقى خطاباً باسم عمال حلب أمام عمال الأحذية المضربين في بيروت، وقدم لهم تبرعاً قدره مئة ليرة، ثم هربوا عندما وصل الدرك. يوضح الفصل أن هذه المهمة كانت جزءاً من تدريج فرج الله لرفاقه، حيث قال له: "نحن لا نرسل العمال رأساً إلى الثورة، بل نمرنهم على المعارك تدريجياً".

يصف الفصل بعد ذلك تطور نشاط دلاله، من توزيع مناشير على طلاب المدارس، إلى المطالبة بإطلاق سراح الزعيم الشيوعي الألماني إرنست تيلمان بعد اتهامه بحرق الرايخستاغ. ويورد حادثة مداهمة الشرطة لبيت أبي علي شنينة حيث كان المجتمعون يتظاهرون بلعب الورق، مما أنقذهم. وتتوج هذه المرحلة باختيار دلاله للسفر إلى موسكو للدراسة في جامعة كادحي الشرق، بعدما تم استبعاد أبي علي شنينة كونه أمياً ويشرب الخمر. يشرح الفصل آلية السفر السرية، حيث غادر دلاله مع إبراهيم ميرزا إلى استنبول بجواز سفر، ومن هناك استقلا سفينة شحن سوفييتية إلى أوديسا فموسكو، في رحلة استغرقت شهوراً، واصلاً في أوائل آذار 1936.

في موسكو، يذكر الفصل أن دلاله وميرزا التقيا في فندق الكومنترن بـ "الرفيق رمزي" (الذي عرفا لاحقاً أنه خالد بكداش)، الذي حذرهما من التجسس ومنعهم من الاختلاط بالآخرين. درس دلاله في موسكو لمدة ثلاث سنوات (من 1936 إلى 1938)، مع أربعة شبان حلبية هم: عبد الله فلاحة (عامل نسيج)، عبد الغني مصري (صانع أحذية)، وإبراهيم ميرزا (عامل مطبعة). يحلل المؤلف هذا الاختيار، مشيراً إلى أن فرج الله اختار عمداً فتياناً من الأحياء الشعبية والمهن اليدوية (الأحذية، النسيج، الطباعة) ليكونوا نواة حزبية راسخة الجذور في المجتمع، محكوماً بالبنية الاقتصادية والثقافية السائدة حيث كانت الأمية هي الغالبة.

بعد عودته إلى دمشق في صيف 1938، التقى دلاله بخالد بكداش ثم عاد إلى حلب ليعمل صانع أحذية على القطعة، لكنه أسس سراً "فرقة ماركسية" لتعليم رفاق جدد منهم محمد علي الحلاق وفاضل مخالاتي. يذكر الفصل كيف قاد دلاله ورضوان رضوان، دون توجيه حزبي، هجوماً على الخانات في "أيام الجوع" (عهد حكومة فيشي عام 1941) بعد أن أخبرا المصلين في الجامع أن الخانات مليئة بالأغذية. بعد سنوات، ترك دلاله مهنة الأحذية وعمل في الأوقاف ثم طرد منها لميوله الشيوعية. بجهده الذاتي، حصل على شهادة الكفاءة في صيف 1952 وعُين معلماً، لكن نشاطه السياسي ظل يطارده، فقد داهمه الدرك في قريته أبو الظهور بحثاً عن منشورات. يختم الفصل باعتقاله في أوائل عام 1959 من قبل "المباحث السلطانية"، حيث بقي في السجن مدة طويلة.

يعترف المؤلف في ثنايا الفصل بحدود رواية دلاله، فهي مأخوذة عن ذاكرة رجل مسن بعد عقود من الأحداث، ولذلك قد تحوي بعض النسيان أو عدم الدقة في التفاصيل الصغيرة. كما أن المؤلف لا يخفي أن هذه الفترة كانت مرحلة "تدجين" سياسي لاحق قضت على الروح الكفاحية. الجدير بالملاحظة أن الفصل يقدم صورة غير بطولية أو مثالية للتنظيم الشيوعي المبكر، بل يصوره من خلال عيون صبي صغير يجد صعوبة في فهم النظريات الماركسية، ويتعلم شيئاً فشيئاً من خلال المهام العملية الصغيرة والعلاقة الشخصية مع قائد كاريزمي مثل فرج الله الحلو.

14.الفصل الرابع عشر: النقابي الحلبي سعيد السواس127–140▼ ملخص

الفصل الرابع عشر من كتاب "الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط" لعبد الله حنا، مخصص لسيرة النقابي الحلبي سعيد السواس، وهو شخصية نقابية بارزة ارتبط اسمها بالحركة الشيوعية في حلب لفترة محددة، ثم ابتعد عنها. الموضوع المحوري للفصل هو تتبع المسار الحياتي والنضالي لسعيد السواس، منذ طفولته اليتمية القاسية وحتى بروزه كزعيم نقابي، مروراً بفترة عضويته النشطة في الحزب الشيوعي السوري ثم خروجه التدريجي منه. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن قصة السواس تمثل نموذجاً للنقابي الجماهيري ذي الشخصية الحادة والمستقلة، والذي اصطدمت مزاجه الثوري وانفعالاته مع أسلوب القيادة الحزبية المركزية والمنضبطة، مما أدى إلى تهميشه وابتعاده عن الحزب، رغم استمراره في العمل النقابي.

يسير الفصل عبر سرد السيرة الذاتية خطوة بخطوة. يبدأ بعرض الحالة السياسية في منتصف الخمسينيات، عندما كان السواس الشخصية المحورية في قائمة يسارية مشتركة بين البعث والشيوعيين في انتخابات نقابية، مما أثار جدلاً في مجلس النواب عام 1956 حيث اتهمه حزب الشعب بأنه شيوعي. ويشير المؤلف إلى أن خالد بكداش نفى علاقة السواس بالحزب في ذلك الوقت، بينما لم يعترض أكرم الحوراني على ذلك. ينتقل الفصل بعدها إلى سرد تفاصيل حياة السواس المبكرة: ولادته عام 1909 في الرقة لوالد كان ضابطاً في الدرك العثماني، ويتمه وفقدانه لوالديه، وانتقاله إلى حلب حيث عانى في دار الأيتام قبل أن يحتضنه أخوه الأكبر. يصف الفصل بدقة كيف انجذب السواس إلى الشيوعية، بدءاً من حمايته لشاب شيوعي يهرب من الشرطة أوائل عام 1935، وانتهاءً بانضمامه الرسمي للحزب في أواخر العام نفسه بعد لقاء بالقائد الشيوعي أرتين مادويان، حيث قال له إن "مرارة اليتم" هي ما دفعته نحو الشيوعية. يوضح الفصل طبيعة العمل الحزبي السري في حلب، مع وجود منظمتين منفصلتين (أرمنية وعربية) بتوجيه من الكومنترن لتعريب الحزب، وهو ما تحقق تدريجياً.

لتطوير سرديته، يستخدم المؤلف حكايات ونوادر متعددة تبرز شخصية السواس "الزكرتية" (المشاكسة والجريئة)، والتي تشكل الأدلة الأساسية في الفصل. فمن قصته مع الشرطة عندما أوقفت اجتماعاً للحزب، حيث استعان بالزعيم الوطني ميخائيل اليان لتفريقهم، ثم طلب منه دفع أجرة العربة لأنه لا يملك نقوداً. ومن قصته مع عميل شرطة تسلل إليه، حيث طلب منه رسوم اشتراك خيالية، ثم كشف هويته وأخذ مسدسه، وأخبره أنه أرسل المبلغ لجريدة الحزب. ومن قصته مع أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي حيث كان يرسل رفاقه الجياع لأكل "الكاتو" في مكتبهم. هذه الحكايات لا تهدف فقط إلى التسلية، بل توظف لبيان طبيعة عمل الحزب السري، وتحدياته، وعلاقاته المتوترة مع السلطة والأحزاب الأخرى، وذكاء السواس في التعامل مع هذه المواقف.

يتناول الفصل بالتفصيل الصراع الخفي والتنافس بين السواس وزميله عبد الجليل سيريس، الذي كان يتمتع بثقة القيادة أكثر. ينقل المؤلف حرفياً اتهامات السواس لسيريس بأنه "يمسّح جوخ" خالد بكداش ويتزلف إليه، بينما يصف نفسه بالمستقل الذي يعمل بما يراه صحيحاً. يقدم الفصل هذا التنافس كسبب رئيسي لإقصاء السواس التدريجي من قيادة الحزب بعد مؤتمر بيروت أواخر عام 1943 أو أوائل 1944، حيث انتقد طريقة بكداش في إدارة المؤتمر، مما أغضبه. يذكر السواس أنه شعر بأنهم "بلشوا يدفشونه لبرا شوي شوي" فقرر عزل نفسه والتركيز على العمل النقابي فقط، دون أن ينفصل رسمياً أو يحاكم من قبل الحزب. يعترف المؤلف هنا بحدود هذه الرواية ويشير إلى تحامل السواس الواضح على منافسه، داعياً إلى سماع الطرف الآخر.

يتبع ذلك وصف لمسيرة السواس بعد خروجه من الحزب. يُظهر كيف استمر كشخصية نقابية مستقلة، حيث ترأس اتحاد عمال حلب وانتخب رئيساً للاتحاد العام لنقابات العمال لدورة واحدة عام 1957. يشير الفصل إلى أنه لم ينضم لأي حزب آخر بشكل واضح، لكنه أصبح معروفاً بميوله الناصرية، واعتقل في سجن القلعة خلال عهد الانفصال عام 1961-1963 لمشاركته في مظاهرات مؤيدة للوحدة مع مصر. وفي تاريخ لقاء المؤلف به عام 1988، كان السواس قد أصبح عضواً في حزب الوحدويين الاشتراكيين. يختم الفصل ملخصاً بأن شخصية السواس كانت تؤهله للعمل الجماهيري الحيوي، بينما كانت شخصية سيريس تناسب العمل الصامت البعيد عن الضجيج، وهو ما جعل القيادة تثق بالأخير أكثر.

في نهاية الفصل، يطرح المؤلف تساؤلاً حول مدى دقة رواية السواس في وصفه لمنافسه، معترفاً بأن تحامل السواس كان واضحاً من نبرته. هذه الإشارة إلى حدود الرواية الفردية تمثل تحفظاً منهجياً من المؤلف. كما يترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان عبد الجليل سيريس قد "ترك الحزب" فعلًا تحت ضغط الأحداث أم أن السواس بالغ في وصف ذلك. بناءً على النص، يمكن القول إن الحجج المطروحة قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بصحة اتهامات السواس لسيريس بالتزلف للقيادة، مقابل رواية أخرى محتملة ترى في انضباط سيريس وفاءً وليس تملقاً، مما يجعل الفصل شهادة مهمة عن الصراعات الداخلية في الحزب الشيوعي السوري المبكر من خلال عين أحد أبطالها المثيرين للجدل.

17.من الأطباء الناشطين في الحزب الشيوعي141–152▼ ملخص

يُشكّل الفصل السادس عشر من كتاب "الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط" للمؤرخ عبد الله حنا دراسةً مكثّفة لدور الأطباء المنتمين إلى الحزب الشيوعي السوري، ويحاول تفسير ظاهرة لافتة: لماذا لم يُنتج هذا الحزب نخبةً طبيةً بارزةً على غرار ما فعله حزب البعث، وذلك على الرغم من النشاط الطلابي الشيوعي القوي في كلية الطب خلال الأربعينيات والخمسينيات. يطرح المؤلف السؤال المحوري حول مصير هؤلاء الأطباء الناشطين، ويقدّم إجابته من خلال تتبّع مساراتهم المهنية والسياسية، وتحديد العوامل التي أدت إلى تراجع غالبيتهم أو خروجهم من الحزب، مع الإبقاء على فكرة وجود أقلية صمدت.

يسير الفصل وفق بناء منهجي واضح، يبدأ بإطار عام عن التنافس الحزبي بين الحزب الشيوعي، حزب البعث، والإخوان المسلمين في الجامعة السورية. يذكر المؤلف أن الدكتور نبيه رشيدات قدّر عدد الطلاب الشيوعيين ومناصريهم في منتصف الأربعينيات بـ 150 طالباً، لم يقتصروا على السوريين بل ضمّوا عراقيين وأردنيين ولبنانيين وفلسطينيين، وقد نظّموا أنفسهم ضمن "عصبة الطلبة الديمقراطيين العرب". وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى مصير هؤلاء الطلاب بعد التخرج، مقسماً إياهم إلى ثلاث فئات: فئة انصرفت كلياً عن السياسة، وفئة حافظت على علاقة واهية بالحزب، وفئة ثالثة أقلية بقيت مرتبطة عضوياً، مع اختلاف درجات ارتباطهم تبعاً للظروف. ومن هذا الإطار العام، ينتقل الفصل لسرد سِيَر ذاتية لسبعة أطباء شيوعيين بارزين نشطوا قبل عام 1959، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، في محاولة لتطبيق فرضياته على أرض الواقع.

يستخدم المؤلف السير الذاتية كأدلة رئيسية لدعم حجته. أول هذه السير هي للدكتور نسيب الجندي، المولود في حمص عام 1907، وهو أول طبيب شيوعي في سورية. تحوّلت عيادته في دمشق وحمص إلى مقرّ للحزب، وانتُخب عضواً في مؤتمر الحزب الشيوعي السوري اللبناني في بيروت (31 كانون الأول 1943 - 3 كانون الثاني 1944). يُظهر مساره كيف أنهى السجن، مرتين الأولى أيام حكومة فيشي في 1941 والثانية بعد انقلاب حسني الزعيم في 1949، حياته السياسية بعد أن اضطر للتوقيع على تعهد بعدم ممارسة السياسة، مما أدى إلى فصله من الحزب. يليه الدكتور خالد البني من حمص الذي ترك السياسة بعد اعتقاله هو الآخر في عام 1949. أما الدكتور عبد الرحمن ترجمان، وهو طبيب شيوعي من حمص ورد اسمه في تقرير شرطة يعود لـ 25 نيسان 1939، فقد ترك الحزب والسياسة أيضاً بعد حملة 1949.

تتوالى السير لتؤكد النمط نفسه. الدكتور رياض حوك، المولود في طرابلس الشام، كان معروفاً بنشاطه الشيوعي في الجامعة وزيارته لقرى دمشق لتطبيب الفلاحين، لكنه اختفى بعد انتقاله إلى طرابلس. ثم تأتي سيرة الدكتور إلياس ورد، المولود في إنطاكية عام 1921 والمتخرج عام 1948، والتي تُعتبر من أكثر السير تفصيلاً وإضاءةً على العوامل التي يطرحها المؤلف. فعيادته في حلب تحوّلت إلى مكتب للحزب، وترشح للانتخابات النيابية في خريف 1953 وصيف 1954 ضمن قائمة الاتحاد الوطني. اعتقل في أعقاب الوحدة مع مصر في مطلع 1959 وقضى في سجن المزة سنتين ونصف، وهرب إلى بيروت بعد انقلاب 8 آذار 1963. والأهم من ذلك، يُظهر لقاء المؤلف معه في 1994 كيف أن السياسة أنهكته مادياً، فهو لم يمتلك سيارة وعاش في بيت بالأجرة حتى 1967، وظل عازباً "بسبب الإفلاس" حسب تعبيره. يشير المؤلف إلى أن ورد ترجم فصلاً من كتاب لينين لكنه لم يُطبع، ولم يؤلف أي كتاب رغم إجادته الفرنسية، مما يدعم حجة المؤلف حول ندرة الإنتاج الفكري لدى الأطباء الشيوعيين.

السيرة الأخيرة والأطول هي للدكتور نبيه رشيدات، المولود في إربد (الأردن) عام 1922، والتي تُظهر مساراً مختلفاً بعض الشيء حيث استمر في العمل السياسي لفترة أطول. دخل الحزب عبر "بوابة النضال الوطني"، واعتقل في الأردن مراراً، وجُرّد من الجنسية الأردنية وحُكم عليه غيابياً بـ 6 سنوات. عمل في الإذاعة في بكين وموسكو، ووصل في السبعينيات إلى اللجنة المركزية ثم المكتب السياسي في تنظيم خالد بكداش. يقرّ المؤلف بأن رشيدات يمتلك موهبة خطابية وكتابية، لكنه يعزو عدم تطويرها إلى "الأعمال السياسية اليومية" وسياسة الجمود الفكري في الحركة الشيوعية. في نهاية سيرته، يورد المؤلف مقابلة مع رشيدات في صيف 1993 يعبّر فيها عن تفاؤله بمستقبل الشيوعية رغم انهيار الاتحاد السوفييتي، معتبراً أن الماركسية منهج للتفكير لا يمكن تجاوزه.

يعود المؤلف بعد السير الذاتية ليُجمل الأسباب التي جعلت الأطباء البارزين نادرين في الحزب الشيوعي، وهي الحجج التي كانت السير بمثابة تطبيق عملي لها. يذكر ستة عوامل رئيسية: أولاً، إغراءات الحياة المادية والطموح للصعود الاجتماعي. ثانياً، القمع السلطوي الذي استهدف الشيوعيين بشكل خاص. ثالثاً، الدوافع الرومنسية الثورية التي تتبخر تحت وطأة الحياة العملية. رابعاً، الأيديولوجية الطبقية للحزب كحزب عمال وفلاحين، مما جعل من الصعب على أبناء الطبقة المتوسطة الاستمرار. خامساً، السياسة التنظيمية الصارمة التي اتبعتها قيادة الحزب. سادساً، "عبادة الفرد" والاعتماد على "وطن الاشتراكية الأول"، مما حدّ من التفكير الحر والإبداع، وهو ما يفسر ندرة الإنتاج الفكري لدى الأطباء الشيوعيين. ويضيف المؤلف سبباً سابعاً هو الانقسامات الحزبية الداخلية التي تفاقمت في السبعينيات وتراجع المدّ اليساري في الثمانينيات، مما دفع معظم الأطباء إما إلى ترك السياسة والانغماس في المادة، أو البقاء بصفات إنسانية مع اهتمام عام بالشأن السياسي، مع بقاء أقلية قليلة لا تزال تحتفظ بوهج الفكرة وتضحي من أجلها، معترفاً بأن دراستهم تحتاج بحثاً خاصاً.

يقرّ المؤلف صراحةً بحدود بحثه، أهمها نقص المعطيات حول نشاط الحزب السوري القومي الاجتماعي في الجامعة آنذاك. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مصير بعض الأطباء كالدكتور منصور داوود الذي لا يعلم شيئاً عنه. الفصل نفسه ليس خالياً من حجج قابلة للنقاش. فبينما تتجه فرضية المؤلف الرئيسية نحو تفسير "الندرة" بالعوامل المذكورة، يمكن للقارئ أن يرى في السير المقدّمة قصصاً عن تضحية مادية واضحة (كما في حالة إلياس ورد) وعمل سياسي دؤوب ومستمر (كما في حالة نبيه رشيدات)، مما قد يفتح الباب لنقاش حول تعريف "البروز" و"الندرة" ذاته، وما إذا كان الإنتاج الفكري هو المعيار الوحيد للنجاح و"البقاء" في الحزب.

17.الفصل السابع عشر: عبد القادر إسماعيل من خضم الحركة الوطنية واليسارية العراقية153–162▼ ملخص

يتركّز هذا الفصل من كتاب عبد الله حنا حول سيرة المناضل العراقي عبد القادر إسماعيل، ويهدف إلى توثيق مساره السياسي الحافل بدءاً من نشأته في العراق وصولاً إلى منفاه في سورية ولبنان، حيث انخرط في صفوف الحزب الشيوعي السوري واللبناني وأصبح أحد قادته. يقدم المؤلف إسماعيل كنموذج للوطني المخلص الذي قضى أكثر من عشرين عاماً في المنافي والحياة السرية، ليكشف من خلال سيرته عن طبيعة العلاقة بين الحركات اليسارية في العراق وبلاد الشام، وعن التحديات التي واجهها المناضلون العرب في ظل الأنظمة الديكتاتورية والاضطهاد.

يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، مستخدماً شهادات ومذكرات ووثائق صحفية كمصادر رئيسية. يبدأ بميلاد عبد القادر إسماعيل في بغداد عام 1906، وتأثره المبكر بأفكار الثورة الفرنسية ومن ثم الماركسية. يصف الفصل المراحل التكوينية الأولى، حيث كان إسماعيل جزءاً من أول مجموعة ماركسية في بغداد بقيادة حسين رحال في عشرينيات القرن الماضي، والتي ضمت شخصيات مثل زكي خيري وعبد الفتاح إسماعيل. يتابع الفصل نشاطه الطلابي في ثانوية المأمونية ومشاركته في إضرابات العام 1928، وطرده من كلية الحقوق بسبب مظاهرة تضامنية مع فلسطين، قبل أن يعود إليها بفضل الضغط الشعبي. ويشير الفصل إلى نشاط الحلقات الماركسية في العراق، بما في ذلك حلقة يوسف سلمان (فهد) في الناصرية، والتي أدت إلى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في أواخر آذار 1934.

يتناول الفصل دور إسماعيل البارز في جماعة الأهالي التي تشكلت في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، والتي أصدرت مجلة وجريدة بنفس الاسم، وكان إسماعيل من بين من تولوا رئاسة تحريرها. ويصف دعم الجماعة لانقلاب الجنرال الكردي بكر صدقي في عام 1936، مع الإشارة إلى أن إسماعيل وزميله عبد الفتاح إبراهيم لم يكونا راضيين عن هذه المشاركة في الحكومة. يوضح الفصل أن هذا التحالف لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما شنّ بكر صدقي حملة على اليسار في عام 1937، وسحب الجنسية من إسماعيل، مما اضطره إلى مغادرة العراق كلاجئ سياسي.

يوثق الفصل بالتفصيل مرحلة لجوء إسماعيل إلى سورية ولبنان، حيث استقبله الحزب الشيوعي السوري واللبناني وأصبح قيادياً فيه، وإن كان مقتصراً على العمل في الهيئات العليا بسبب وضعه كلاجئ. يذكر الفصل أن إقامته كانت سرية في دمشق وبيروت، حيث شارك في تحرير جريدة "صوت الشعب" مع وصفي البني وعبد المعين الملوحي. ويستشهد بنصوص من خطاب ألقاه إسماعيل في المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي في سورية ولبنان المنعقد في بيروت بتاريخ 1 و2 كانون الأول 1943، والذي ركز فيه على القضية القومية العربية ونضال الأمة العربية ضد الاستعمار، معبراً عن انتمائه للحزب بعبارة "حزبنا". هذا الخطاب يمثل دليلاً مهماً على اندماجه الكامل في الحزب السوري اللبناني وتبنيه لقضاياه.

يستخدم الفصل مذكرات يوسف الفيصل كمصدر رئيسي لرواية أحداث أخرى من مسيرة إسماعيل. يصف كيف كان ضمن سبعة عشر رفيقاً تجمعوا في مكتب الحزب بدمشق في 28 تشرين الثاني 1947 للدفاع عنه بعد قرار تقسيم فلسطين، وكيف تمكن إسماعيل وفوزي الشلق من إيجاد مخرج للرفاق المحاصرين عبر بناء جسر من سلم خشبي إلى شقة مجاورة، مما أنقذهم من الموت. كما يورد الفصل أن إسماعيل كان مسؤولاً عن منظمة دمشق في عام 1949، يقودها من مخبئه على جبل قاسيون أثناء فترة حكم حسني الزعيم. ويذكر أن إسماعيل انتقل إلى بيروت خلال دكتاتورية أديب الشيشكلي (1951-1953)، حيث داهمت الشرطة اللبنانية بيته واعتقلته بتهمة حيازة مطبوعات ممنوعة. يستشهد المؤلف هنا بخبر صحفي من جريدة صوت الشعب بتاريخ 19 أيلول 1951 يتناول هذا الاعتقال، ويظهر كيف نددت الصحيفة بهذا الإجراء ووصفته بأنه حلقة في سلسلة مؤامرات استعمارية.

يختتم الفصل بعودة إسماعيل إلى العراق بعد ثورة 14 تموز 1958، حيث استقبل استقبالاً جماهيرياً وانتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وأسندت إليه مسؤولية جريدة "اتحاد الشعب". وتكتمل المأساة بانقلاب 8 شباط 1963 الدموي، حيث ألقي القبض على إسماعيل في قصر الرحاب وتعرض للتعذيب. هنا يورد المؤلف عبارة منسوبة إلى السياسي فارس الخوري عن الاعتراف تحت التعذيب، ويصف كيف أن إسماعيل، وهو في السابعة والخمسين من عمره وبعد حياة كاملة من النضال والمعاناة، أصدر بياناً أعلن فيه انسحابه من الحياة السياسية، معتبراً ذلك مأساته الكبرى. بهذا، يختتم الفصل سيرته بسرد مؤثر يبرز التضحية الشخصية التي دفعها المناضلون في مواجهة القمع، ويترك القارئ يتأمل في العلاقة المعقدة بين النضال الوطني والاضطهاد السياسي في تلك الحقبة.

18.الفصل الثامن عشر: بدر مرجان الشيوعي الناشط بين فلاحي (الجبل العلوي)163–170▼ ملخص

ملخص الفصل الثامن عشر: بدر مرجان الشيوعي الناشط بين فلاحي "الجبل العلوي"

يدور هذا الفصل حول شخصية بدر مرجان، وهو شيوعي من أصل علوي، يُوصف بأنه الجندي المخلص والمؤسس الحقيقي للتنظيمات الشيوعية في منطقة "الجبل العلوي" (ريف محافظتي اللاذقية وطرطوس حالياً). يقدم المؤلف عبد الله حنا صورة تفصيلية عن هذا المناضل "المجهول"، مستنداً إلى شهادات ووثائق ومقابلات، ليبين كيف استطاع هذا الفرد بوسائله البسيطة أن يبني حركة سياسية بين الفلاحين الفقراء، مسلطاً الضوء على مرحلة حاسمة من تاريخ الحركة الشيوعية السورية وهي مرحلة النزول إلى الريف والارتباط بقضايا الفلاحين.

يبدأ المؤلف بتتبع جذور بدر مرجان العائلية، فهو من عائلة علوية استقرت في حي باب التبانة في طرابلس، بينما تعود أصولهم إلى ريف صافيتا. يصف الكيفية التي انطلق بها بدر في عمله الحزبي بعد انضمامه إلى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1937، حيث تفرغ للعمل في أرياف اللاذقية. ولتغطية نشاطه أمام السلطات، استخدم "مهنة" تجارة البيض كوسيلة للتنقل بحرية بين القرى، فكان يحمل معه أفكار العدالة الاجتماعية إلى جانب بضاعته. يورد المؤلف شهادات متعددة، مثل شهادة دانيال نعمة الذي يعترف بأن بدر مرجان هو من مهد الطريق أمامه للعمل بين الفلاحين، وشهادة فايز بشور التي تروي كيف كان بدر يزور صافيتا، ويبيع الصابون ويشتري البيض، وفي الوقت نفسه ينظم اللقاءات الحزبية.

يصف الفصل بالتفصيل أساليب عمل بدر مرجان. لم يكتف بالتنقل، بل أسس مع رفاقه مجلة باسم "صوت القرية"، التي كانت تطبع في طرابلس وتوزع في القرى، وتكتب عن هموم الفلاحين. يشير المؤلف إلى حادثة طريفة تدل على طابع المجلة، حيث كتب فيها دانيال نعمة مقالاً بعنوان: "بغال الفلاحين لا تحترم أحصنة الدرك"، تعليقاً على حادثة انتقام من فلاح. بفضل هذا النشاط، تمكن بدر في بداية أربعينيات القرن العشرين من بناء منظمات شيوعية في قرى مثل الكفرون، ويعود الفضل له في تجنيد حوالي 60 شخصاً في بلدة صافيتا وحدها بمساعدة قيصر ضومط، مما أثار حفيظة منافسيهم من الحزب السوري القومي الاجتماعي وقاد إلى اشتباكات.

يوثق الفصل محطات أخرى من حياة بدر مرجان من خلال شهادة القيادي ظهير عبد الصمد، الذي عاش في بيته. يصفه بأنه كان مسؤولاً عن منظمة طرابلس التي كانت تشرف على مناطق واسعة مثل عكار وطرطوس وصافيتا. يبرز دور بدر مرجان في تجنيد عائلته كلها للعمل الحزبي، وأيضاً تعرضه للاعتقال في دمشق في عهد رئيس الوزراء هاشم الأتاسي عام 1952، حيث تعرض لتعذيب نفسي قاسٍ (تمثيلية الإعدام)، مما سبب له انهياراً عصبياً. بعد خروجه من السجن، بدأ بدر ينتقد علناً أسلوب عمل خالد بكداش و"تسلطه"، مما أدى إلى خلاف مع الحزب، ووقف أقرباؤه ضده، وهو ما يظهره المؤلف كبداية لتصدعات داخلية.

الجزء الأهم في الفصل هو عرض تفصيلي لتقرير سياسي ألقاه بدر مرجان أمام "المجلس المنطقي لممثلي منظمات الحزب الشيوعي في محافظة اللاذقية" في تشرين الثاني سنة 1945، والذي نُشر في كراس بعنوان "مطالب الشعب في الجبل العلوي". يعرض التقرير الوضع الدولي والمطالب الوطنية، لكنه يركز على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. يطالب التقرير بمكافحة الغلاء، وتحسين الزراعة ومشاريع الري، وبناء المدارس (مشيراً إلى نقصها الحاد)، وتحسين الحالة الصحية (حيث يموت 95% من الأطفال في بعض المناطق، ولا يوجد سوى مستشفيين في اللاذقية وطرطوس لمنطقة يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة). يهاجم التقرير بشدة "استبداد الإقطاعيين" الذين يضربون الفلاحين ويسخرونهم، ويطالب بحل مشكلة الأرض وعلاقة الفلاحين بها على أساس "ديمقراطي عادل". كما ينتقد تعسف "رجال الدرك" والمحسوبية في الدوائر الحكومية، والضرائب المرهقة. في ختام التقرير، يرفع بدر مرجان شعاراً: "عاشت سوريا العربية حرة مستقلة سعيدة موحدة ديمقراطية".

لا يخلو الفصل من حجج قابلة للنقاش، فقد أقرّ المؤلف نفسه بوجود "عبادة الفرد" التي طغت على الحركة الشيوعية آنذاك، ويتجلى ذلك بوضوح في الإطراء المبالغ فيه من قبل بدر مرجان لـخالد بكداش في تقريره، حيث يصفه بـ"قائدنا ومعلمنا ورئيس حزبنا الوطني الكبير". يعلق المؤلف على هذه النقطة بقوله إنها "غريبة عن الماركسية" وأدينت في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، لكنه يترك السؤال مفتوحاً عن استمرار هذه الظاهرة بأشكال جديدة.

في النهاية، يقدم الفصل نموذجاً للجندي الشيوعي المخلص الذي عمل بصمت في أصعب الظروف لربط النظرية الماركسية بواقع الفلاحين في الجبل العلوي، وتظهر من خلال سرد حياة بدر مرجان صورة أوضح لتاريخ الحركة الشيوعية السورية كما يراها المؤلف: تاريخ من النضال والتضحية، لكنه أيضاً تاريخ من الخلافات الداخلية وبدايات التصلب الأيديولوجي الذي ظهر في قصة معاقبة المناضل القديم زكريا حسن لاعتراضه على مقال يمجد ستالين.

19.الفصل التاسع عشر: حنا مينة في إسكندرون واللاذقية171–176▼ ملخص

ملخص الفصل التاسع عشر: حنا مينة في إسكندرون واللاذقية

يركز هذا الفصل على النشاط الشيوعي المبكر للروائي السوري حنا مينة، مستنداً بشكل أساسي إلى لقاءين أجراهما المؤلف معه في منزله بدمشق عامي 2004 و2007. لا يهدف الفصل إلى دراسة حياته الأدبية، بل إلى توثيق دور مينة كشاب شيوعي ناشط في كل من لواء إسكندرون ومدينة اللاذقية خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، معتمداً على ذاكرة مينة التي تجاوزت الثمانين عاماً وقت اللقاءين.

يسرد الفصل بدايات نشاط مينة في إسكندرون، حيث لعبت موجات اللجوء الأرمني الفارة من مذابح الأناضول في آذار (مارس) 5 دوراً في نشر الأفكار الشيوعية. ترأس المنظمة الشيوعية الناشئة كل من الأرمني أرتين ماخيام والعربي قاسم رضوان. يذكر مينة زيارة زكي الأرسوزي قادماً من إنطاكية في عام 38 لافتتاح مكتب لعصبة العمل القومي، وأن اعتقال الأرسوزي أدى إلى مظاهرة سقط فيها الشيوعي عبد المسيح (الذي لم يتذكر مينة كنيته) وكان مينة إلى جانبه. في أواخر عام 1936، وفي أجواء انتصار الجبهة الشعبية في فرنسا، افتتح الحزب الشيوعي مكتباً علنياً في إسكندرون. ويصف مينة بحماسة زيارة خالد بكداش إلى المدينة، وكيف ألقى بكداش خطبة في سينما روكسي أدهشت الحشد الكبير، ويذكر أن ازدحام الجماهير مزق "أول جاكيت" اشترته له أمه.

يتناول الفصل تداعيات ضم لواء إسكندرون إلى تركيا عام 1938 بموجب "المؤامرة" بين فرنسا وتركيا حسب تعبير مينة، وما تبعها من هجرة الأرمن والعرب في عام 1939. يروي مينة هروبه بنفسه في أيلول 1939 وهو في السادسة عشرة من عمره إلى اللاذقية عبر بلدة كسب. ويشير إلى انتقال قيادات شيوعية مثل قاسم رضوان (الذي استقر لاحقاً في حمص ثم طرابلس) وأرتين ماخيام إليها أيضاً. ويوضح الفصل أن اللاذقية لم يكن بها شيوعيون حتى عام 9، وأن الناس كانوا يخلطون بين المذهب الشيعي والشيوعية، مطلقين على الشيوعيين اسم "شيعيين". في أوائل عام 1940، وصل عبد الجليل سيريس من حلب لتنظيم الشيوعيين، وشارك مينة في تأسيس "أول خلية شيوعية في اللاذقية" ضمته مع عامل في الريجي وشخص من بانياس.

عند بدء ملاحقة الفرنسيين الفيشيين بقيادة الجنرال دانتز للشيوعيين، أُرسل حنا مينة إلى بلدة كسب لقيادة الشيوعيين هناك تحت اسم "جواد". بعد انتهاء هذه الملاحقة، عاد مينة إلى اللاذقية وعمل حمّالاً (عثتالا) في المرفأ، وهي تجربة استوحى منها روايته "نهاية رجل شجاع". يصف مينة نشاطه الحزبي وبيعه لجريدة "صوت الشعب" الشيوعية علناً في الشوارع، حيث كان يبيع ما بين عشرة وخمسة عشر عدداً يومياً. يورد الفصل أيضاً وثيقة من تقرير شرطة في حمص تعود لتاريخ 25 آب 1939، تؤكد عقد اجتماع شيوعي في منزل قاسم رضوان، مما يدل على انتقال نشاطه إلى حمص. كما ينقل عن ذكريات ظهير عبد الصمد التي تؤكد دور قاسم رضوان في قيادة نضال المنظمة في اللواء ضد التتريك واستقراره لاحقاً في طرابلس.

يسرد الفصل تفاصيل صراع مينة مع الإقطاعيين في منطقة اللاذقية، حيث تعرض لمحاولة اغتيال بالخنجر ليلاً امتنع عن الذهاب بسببها إلى المستشفى خوفاً من تكرار المحاولة. وفي حادثة لاحقة، دخل مينة بشجاعة إلى دكان كان يجتمع فيه "أزلام الإقطاع" ومن بينهم يوسف خلاص، وخاض معهم حواراً حول الشيوعية والإلحاد، انتهى بتكريم من خلاص له على شجاعته، قائلاً إنه لن يقتله بعد أن جمعتهم "الخبز والملح والعرق". يذكر مينة أن الشيوعيين نشطوا في قرى اللاذقية برفقة بدر مرجان، المسؤول عن منظمة الساحل القادم من طرابلس، ولكن نشاط وهيب الغانم ممثل حزب البعث استطاع أن يجذب الفلاحين إليهم بكلماته القليلة.

في سياق الانتخابات النيابية لعام 1947، يتلقى مينة تعليمات من الحزب الشيوعي في دمشق للعمل ضد نجاح وهيب الغانم. فيذهب إلى بلدة كسب حيث للشيوعيين قوة بين الأرمن، ويعمل على توجيه أصوات الناخبين لصالح أمين رويحة وبدوي الجبل، مما أدى إلى فشل الغانم في الفوز. يذكر الفصل أسماء شيوعيين معروفين في اللاذقية آنذاك، منهم طبيب الأسنان محمد الحاج حسين، وعبد الرحمن مسبوت، وعز الدين نعيسة، كما زار المنظمة من دمشق نجاة قصاب حسن. ويحدد الفصل تشكيل وفد اللاذقية إلى مؤتمر الحزب الشيوعي في بيروت أواخر 1943 أو أوائل 1944 من: د. محمد حاج حسين، عبد الرحمن مسبوت، حنا مينة، وكامل كساب.

يختتم الفصل بفترة ما بعد إقامة مينة في اللاذقية، حيث غادرها إلى دمشق عام 1948، وبدأ صعوده مع روايته "المصابيح الزرق" وعمله في الصحافة. ويذكر دوره الأساسي في تأسيس "رابطة الكتاب السوريين" التي تحولت لاحقاً إلى "رابطة الكتاب العرب". يصف مينة هروبه من سورية قبل اعتقالات الشيوعيين بليلة في 31 كانون الأول 1958، ويروي تفاصيل العبور السري عبر النهر الكبير الجنوبي بمساعدة شخص حمله على ظهره، ثم سفره إلى بيروت فالصين بمساعدة الدكتور جورج حنا، وهي تفاصيل يوردها في روايته "الثلج يأتي من النافذة". يختم الفصل بنقل كلمتين كتبهما مينة بخط يده: الأولى يعلن فيها تكريس كل ما كتبه في سبيل الفقراء والبؤساء، والثانية يصف فيها الكتابة بأنها اللذة الكبرى والرذيلة الكبرى التي لا خلاص منها سوى الموت. يورد الفصل أيضاً مقتطفات من برنامج الحزب الشيوعي في لواء إسكندرون كملحق، لكن التحليل الأساسي يظل مركزاً على السرد التاريخي المباشر الذي قدمه حنا مينة.

20.الفصل العشرون: إحسان بهاء الدين الجابري من الأعيان إلى الماركسية177–184▼ ملخص

ملخص الفصل العشرون: إحسان بهاء الدين الجابري من الأعيان إلى الماركسية

يتناول هذا الفصل التحول الفكري لشخصية بارزة من عائلة أرستقراطية في حلب نحو الماركسية، وهو المهندس إحسان بهاء الدين الجابري. يقدم المؤلف عبد الله حنا سيرة هذا الرجل كحالة فريدة لابن طبقة الأعيان الذين اعتنقوا الأفكار الشيوعية، ويقارنها بحالة مماثلة هي المهندس مراد القوتلي من دمشق. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن التحول إلى الماركسية يمكن أن ينبع من شعور أخلاقي عميق بالظلم الاجتماعي، وليس بالضرورة من خلفية طبقية فقيرة.

يسير الفصل عبر سيرة الجابري الذاتية التي رواها بنفسه للمؤلف خلال زيارة في 15 ديسمبر 1974 في منزله بدمشق. يصف الجابري نشأته في أسرة من "أصحاب الضيّع والأطيان"، وكيف أن مشاهدته للمعاملة القاسية للفلاحين في ضيعة عائلته هي التي حركت ضميره. يروي حادثة رأى فيها أخاه يضرب فلاحاً هرماً فصاح به: "ألا يكفي أنك ملكت أرضاً هي من حقه". ويذكر حادثة أخرى عن إقطاعي أخذ ابنة فلاح خادمة لقاء دين، فقال له الجابري: "إنكم تستعبدون الناس أفظع مما يستعبدهم الاستعمار ذاته". هذه المشاهدات جعلته يتساءل: "أي دين يسمح بهذا الظلم؟".

ولد الجابري في حلب عام 1902، وتلقى تعليمه الأولي في مدرسة ألمانية ثم في التجهيز السلطاني حتى الصف الثاني عشر. غادر حلب عام 1922 إلى ألمانيا للدراسة على نفقة أهله. هناك، تأثر بأستاذه فريدريك فيلهلم فرستر الذي كان يعيش كما يتكلم. عندما قصفت دمشق عام 1925، كتب مقالات في جريدة "مينشهايت" (الإنسانية) في فيسبادن يفضح فيها الإمبريالية. تعرف على صديق لفرستر اسمه تسيمرمان، وهو فرنسيسكاني غني وهب أملاكه للكنيسة ثم تحول إلى قراءة ماركس، وقال له: "المسيحي الدقيق يجب أن يكون أول شيوعي في العالم". حضر الجابري اجتماعات النقابات العمالية واستمع إلى خطابات إرنست تيلمان رئيس الحزب الشيوعي الألماني.

عاد الجابري إلى حلب عام 1928 حاملاً أفكار الإصلاح، وعمل في الأشغال العامة. بدأ يدافع عن الفلاحين ويهاجم الرأسماليين وينتقد الحكومة. انتقل بعدها إلى دمشق وبنى خط ترامواي دمشق-دوما. تعرف عام 1937 على خالد بكداش وتوطدت العلاقة بينهما، حتى أن بكداش اختبأ في بيت الجابري أكثر من شهر عندما لُوْحق عام 1941.

يصف الجابري نفسه بأنه "متمرد على المجتمع" و"حامل السلام في العرض". زوجته نادرة خانم، التي عانت معه، تصفه بأنه "بدو يصلح الدنيا والدنيا ما بتنصلح في ميت سنة. هو سابح في الخيال".

أهم إسهام فكري للجابري هو دراسته المنشورة عام 1937 في مجلة "الطليعة" الدمشقية تحت عنوان "من أين يعيش الشعب السوري". أرفق هذه الدراسة بجدول يوزع مداخيل الفئات المنتجة وغير المنتجة في سورية ولبنان. في قسم الفئات المنتجة، قسم المجتمع إلى: الفلاحون تحت النظام الإقطاعي (240 ألف عائلة، دخل سنوي وسطي 20 ليرة ذهبية)، الفلاحون الأحرار (87 ألف عائلة، دخل وسطي 30 ليرة)، المتعلمون وأرباب الحرف والمهن الحرة (عدد غير محدد، دخل وسطي 60 ليرة)، وكبار المنتجين من مديري الأعمال (3 آلاف عائلة، دخل وسطي 350 ليرة). أما الفئات غير المنتجة فضمت الإقطاعيين والمستعمرين والسماسرة وأصحاب الأرباح المجانية. يعتبر المؤلف هذا التصنيف عملاً رائداً وفريداً في تلك المرحلة، رغم انتقاده لخلط الجابري أحياناً بين بعض الفئات.

نشر الجابري عام 1939 كراساً بعنوان "مسألة عمال المدن في سورية"، تناول فيه التنظيم النقابي وأوضاع اليد العاملة والحركة العمالية. طرح الجابري معضلة اجتماعية ثانية للشعوب المتأخرة بعد معضلة الاستثمار، وهي كيف يمكن لشعب متأخر أن يدرك معضلته الاجتماعية ما دام يعيش بفكرة "يوم جديد رزق جديد" ويعزو فقره إلى تقدير ربائي. وضع الجابري على غلاف كتابه جملة تعكس موقف التيار الشيوعي من الربط بين التحرر القومي والتحرر الاجتماعي: "قضية تحرير الطبقة العاملة هي الدعامة الرئيسية التي ترتكز عليها قضيتنا الوطنية".

يختتم المؤلف الفصل بسيرة المهندس مراد القوتلي المولود في دمشق عام 1923، كحالة مشابهة. كان والده رجلاً دين من تلاميذ الشيخ بدر الدين الحسني، لكنه كان متسامحاً ولم يفرض رأيه على ابنه. دفعت أجواء الفكر الإسلامي الصوفي المتسامح القوتلي نحو الماركسية. انتسب للحزب الشيوعي عام 1941 عن طريق نجاة قصاب حسن. درس الهندسة في الكلية اليسوعية في بيروت ثم في باريس بين 1947 و1952، وانتسب هناك للحزب الشيوعي الفرنسي. بعد عودته عام 1952، افتتح مكتباً للهندسة كان مركزاً لأنصار السلام. ترشح في انتخابات المجلس النيابي عام 1954 ونال أصواتاً كثيرة في غوطة دمشق. اعتقل بين عامي 1958 و1961، وكان صموده بطولياً. أصبح بعدها عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ثم أوفده الحزب للدراسة في موسكو، ثم اختاره ممثلاً له في مجلة "قضايا السلم والاشتراكية" في براغ. عاد إلى سورية عام 1965 واستأنف نشاطه حتى وفاته.

لا يخفي المؤلف إعجابه بجرأة الجابري الفكرية، ويشير إلى أن تصنيفه للفئات الاجتماعية كان "عملاً رائداً وفريداً" رغم بعض الخلط في التصنيف. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول استمرار الجابري في إيمانه الماركسي، خاصة من خلال تعليق المؤلف في نهاية القسم الخاص بالجابري، حيث يتساءل لو كانت زوجته نادرة خانم لا تزال على قيد الحياة ورأت الانهيارات في عالم اليوم، لقالت لزوجها "ألم أقل لك إنك سابح في الخيال"، ليجيبها الجابري أن التاريخ لا يقاس بعقود من السنين. هذا يشير إلى تحفظ حول صمود الماركسية كمنظومة فكرية في مواجهة التحولات التاريخية اللاحقة.

21.الفصل الحادي والعشرون: ملكية الأرض خلفية لا بد منها لفهم الأحداث185–188▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب عبد الله حنا "الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط" موضوعاً تمهيدياً لا غنى عنه لفهم مسار الحركة الشيوعية، ألا وهو مسألة ملكية الأرض في سورية. يرى المؤلف أن هذه الخلفية الزراعية والعلاقات الإقطاعية التي نشأت عنها هي المفتاح لفهم الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد، ويقدم إجابة واضحة: نظام الملكية الإقطاعي لم يكن مجرد تفصيل اقتصادي، بل كان بنية اجتماعية وسياسية حاسمة شكلت طبيعة الدولة والمجتمع والصراع بين الطبقات.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مراحل زمنية ثلاث امتدت مئة عام، هي أواخر العهد العثماني ثم الانتداب الفرنسي فالاستقلال. يبدأ الفصل بتحليل قانون الأراضي العثماني لعام 1858 الذي مهد لتكوين طبقة إقطاعية من كبار الموظفين ورجال الدين والضباط والتجار الذين استولوا على مساحات شاسعة. ثم ينتقل إلى فترة الانتداب الفرنسي (1920-1943) التي شهدت توسع نفوذ الإقطاعيين القدامى وظهور طبقة جديدة من مشايخ العشائر الذين انضموا إلى الصف الإقطاعي. وأخيراً، يصف مرحلة الاستقلال (1943-1958) التي اكتمل فيها تشكل طبقة واضحة من كبار ومتوسطي ملاك الأراضي، وهذه الطبقة هي التي طالتها قوانين الإصلاح الزراعي بين عامي 1958 و1964.

لا يعتمد المؤلف على إطار نظري فقط، بل يستشهد بأدلة ملموسة. يذكر أنه قام بدراسة أضابير المشمولين بالإصلاح الزراعي وتتبع مهن آبائهم وأجدادهم، وتوصل إلى النتائج التي يطرحها، مشيراً إلى أن باحثين آخرين مثل فيليب خوري توصلوا إلى استنتاجات مماثلة. كما يعتمد على دراسة وثائقية لجلسات المجلس النيابي في خمسينيات القرن العشرين، والتي يراها دليلاً واضحاً على انقسام الطبقة الحاكمة (البرجوازية بالتعاون مع ملاك الأرض) بين مؤيد لاستمرار العلاقات الإقطاعية وراغب في إصلاحات طفيفة تخدم تطور الرأسمالية الزراعية. هذا الانقسام حول القضية الزراعية، والذي يهمله المؤرخون الآخرون في رأي المؤلف، يعد أحد الأسباب الداخلية الهامة وراء الانقلابات العسكرية في سورية.

يشير الفصل أيضاً إلى أن الحزبين الرئيسيين اللذين نشطا في تلك الفترة لحل المسألة الزراعية هما الحزب الشيوعي السوري والحزب العربي الاشتراكي (حزب أكرم الحوراني). ويعلن المؤلف أن سياسة هذين الحزبين في خمسينيات القرن العشرين، والتي يعتبرهاما "حزبا الفلاحين" في تلك المرحلة، سيكون موضوع الفصلين التاليين من الكتاب، اللذين سيعتمدان على التاريخ المروي والمكتوب. بهذا، يضع الفصل الحالي نفسه كأساس ضروري للفهم، مؤكداً أن الصراعات السياسية الكبرى لم تكن مجرد صراعات أيديولوجية بل كانت تعبيراً عن صراعات طبقية عميقة الجذور في الأرياف السورية.

22.الفصل الثاني والعشرون: الحزب الشيوعي السوري والفلاحون189–194▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل العلاقة بين الحزب الشيوعي السوري والفلاحين، ويقدم إجابة أساسية مفادها أن الحزب كان أول قوة سياسية في سورية تتبنى مطالب الفلاحين بشكل جذري، لكنه تذبذب في مواقفه تجاه الإقطاع بين المهادنة والتشدد، ثم عاد ليقود نضالات فلاحية واسعة في خمسينيات القرن العشرين، قبل أن ينهار نفوذه لاحقاً بسبب تغير البنى الاجتماعية.

يبدأ الفصل بعرض البرنامج التاريخي للحزب الصادر في 7 تموز 1931، والذي طالب صراحةً بـ"توزيع أراضي الإقطاعيين على الفلاحين" و"إقامة حكومة العمال والفلاحين" و"الاستقلال التام وإلغاء الانتداد". هذا البرنامج وضع الحزب في موقع الطليعة، لكن الفصل يشير إلى أن الحزب اتخذ منذ عام 1937 موقفاً "ليناً أو مهادناً" من ملكية الأرض الإقطاعية، بهدف تشكيل جبهة عريضة مناهضة للفاشية. ثم عاد الحزب إلى التشدد، كما يظهر في تقرير أمينه العام خالد بكداش أمام اللجنة المركزية في كانون الثاني 1951، حيث حدد الإقطاعيين وكبار ملاّكي الأرض كطبقة رجعية يجب إزالتها.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى فترة النشاط السري بين 1947 و1954، حيث نشط الحزب بقوة بين الفلاحين رغم المنع. يصف الفصل تنظيم مؤتمر فلاحي في الجزيرة السورية في أواسط أيار 1952، دعا إلى توزيع أراضي الإقطاعيين والدولة، وإلغاء السخرة، ونتج عنه تشكيل "لجنة للدفاع عن حقوق الفلاحين" وإصدار جريدة. المنطقة الثانية للنشاط المكثف كانت الساحل السوري، وتحديداً منطقة صافيتا، التي كانت تمتلك كادراً شيوعياً مثقفاً نسبياً بفضل انتشار المدارس المسيحية. ويصف الفصل بالتفصيل مؤتمر فلاحي عُقد في صافيتا في أيار 1954، حضره مندوبون من 150 قرية، وطالب بـ"توزيع أراضي أملاك الدولة وأراضي الإقطاعيين على الفلاحين الفقراء دون مقابل". وقد تعرض التقريران المقدمان في المؤتمر لوسائل نهب الإقطاعيين وتحالفهم مع موظفي الدولة والدرك، كما شملت المطالب افتتاح مدارس ومستوصفات وشق طرق. وقرر المؤتمر تأسيس "اتحاد الفلاحين" وانتخب لجنة تنفيذية، وأصدر جريدة سرية باسم "الأرض للفلاح" في أيار 1954. ويؤكد الفصل أن الهدف الأساسي لهذه الجريدة كان إحلال التضامن الطبقي الفلاحي محل العصبية العشائرية والطائفية.

يقدم الفصل ثلاثة أمثلة تفصيلية لنشاط الحزب في قرى محددة، وهي أمثلة تُظهر استراتيجية العمل الميداني: الأولى هي بشرايل (قرية علوية شرق صافيتا مملوكة من آل عباس)، حيث قاد الحزب نضال الفلاحين منذ عام 1950، وفي صيف 1956 استولى الفلاحون على أرض القرية وقامت منظمة الحزب بتوزيع الأرض بالتساوي وتحويل قصر الإقطاعي إلى مدرسة. المثال الثاني هو المشرفة (قرية مسيحية شرق حمص مملوكة من آل ثابت اللبنانيين)، حيث خاض الفلاحون بإشراف الحزب معركتين ناجحتين في عام 1956 ضد الاستغلال الإقطاعي، لكن بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة تعرض العشرات من فلاحيها للاعتقال والتعذيب. المثال الثالث والأبرز هو الموحسن (قرية سنية على الفرات شرق دير الزور)، والتي أُطلق عليها في خمسينيات القرن العشرين اسم "موسكو الصغرى". يشرح الفصل كيف استغل الشيوعيون الشباب من مختلف العشائر خصاماً بين الزعامات العشائرية والرأسمال التجاري القادم من دير الزور، وقادوا "قومة الموحسن" في صيف 1953 لاسترجاع الأرض المنهوبة. ويعدد الفصل عوامل النجاح: استغلال العصبية العشائرية لصالح الحركة الفلاحية، دعم القوى التقدمية من المدينة، النهوض الوطني، ومقدرة الشيوعيين على استخدام التناقضات بين الزعامات والرأسمال.

في ختام الفصل، يقرّ المؤلف بحدود مهمة ويترك أسئلة مفتوحة. فهو يشير إلى أن هذه القرى الثلاث تشكل نموذجاً لفهم صعود الحزب وهبوطه، ويؤكد ضرورة إجراء دراسة ميدانية مقارنة بين تركيبها الاجتماعي في منتصف القرن العشرين ووضعها الحالي. ويذكر أن التيار الإسلامي أصبح قوياً في الموحسن، وأنه لم يبقَ من نفوذ للحزب الشيوعي في بشرايل بعد وفاة الشيوعيين القدامى، وأن المشرفة لا تشذ عن هذه القاعدة. هذه الإشارات الواضحة إلى انهيار النفوذ الشيوعي تُظهر أن الفصل لا يكتفي بسرد النجاحات، بل يقدم تفسيراً ضمنياً للهبوط يعتمد على تغير البنى الاجتماعية والتركيبة السكانية، وهو تحليل يُمكن اعتباره حجة قابلة للنقاش، حيث يطرح السؤال: هل كان الهبوط نتيجة حتمية لتغير التركيبة الطبقية والديموغرافية، أم هناك عوامل سياسية وتنظيمية أخرى ساهمت فيه؟

23.الفصل الثالث والعشرون: الحزب الصربي الاشتراكي المناهض للاقطاعية195–200▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب عبد الله حنا يتناول نشأة وتطور الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني، ويحلله كتيار سياسي مناهض للإقطاع ظهر في سورية، مع التركيز على علاقته التنافسية مع الحزب الشيوعي السوري. يرى المؤلف أن فهم هذا الحزب ضروري للإحاطة الكاملة بسياق الحركة الشيوعية في سورية، معتبراً إياه "التوأم" أو الخصم المباشر لها في الميدان الريفي.

يبدأ الفصل بتأكيد أن حزب البعث العربي بجناح ميشيل عفلق وصلاح البيطار أولى القضية القومية والوحدة العربية أولوية على القضية الزراعية، بينما انشغل الجناح الآخر بقيادة أكرم الحوراني بالعمل بين الفلاحين انطلاقاً من حماة، معقل الإقطاعية السورية. يشرح المؤلف جذور حركة الحوراني، التي تعود إلى حركة التنوير في حماة بقيادة شخصيات مثل علي الأرمنازي وصالح قنباز، والتي تطورت إلى "حزب الشباب" برئاسة عثمان الحوراني (مدرس التاريخ) ثم ابن أخيه أكرم الحوراني المحامي، الذي فاز بعضوية البرلمان عام 1943. ويشير إلى أن الحوراني أصدر جريدة "اليقظة" بين 1943 و1948، وأسس الحزب العربي الاشتراكي رسمياً عام 1949.

يوضح المؤلف أن الحركة المناهضة للإقطاعية في حماة وريفها، والتي كانت موجهة ضد العائلات الإقطاعية الكبرى (البرازي، الكيلاني، العظم)، حملت الحوراني إلى مصاف الزعماء الشعبيين. وكانت المطالب الأساسية هي توزيع أراضي أملاك الدولة على الفلاحين والحد من نفوذ كبار الملاك. ويستشهد المؤلف بشهادة أحد مؤسسي الحزب في حلب، منيب اليوسفي، الذي أكد أن الحزب لم يبحث عن أعضاء بل وجد مئات الفلاحين المستعدين للانضمام إليه، مما يدل على أن العفوية الفلاحية والوعي الطبقي سبقا أي إعداد فكري مسبق. ويذكر أن الإقطاعيين استغلوا هذه النقطة ووصفوا الحوراني في بيان عام 1951 بـ"الماركسي المزيّف"، كما تصفه بعض الدراسات الحديثة (مثل دراسة محمد جمال باروت) بالشعبوية.

يخصص الفصل مساحة لتحليل الانتخابات النيابية في خريف 1949 في حماة، حيث كانت المعركة بين قائمة مناهضة للإقطاع (تضم الحوراني، محمد السراج، خليل الكلاس، ودرويش العلواني) وكبار الملاك. يصف المؤلف كيف ركزت القائمة في جولاتها الانتخابية على نقد استغلال كبار الملاك لمشاريع الري وهموم الفلاحين، ورفعت شعارات دينية معتدلة (مثل "ليست الإقطاعية من الدين بشيء") تهدف لكسب صغار الملاك وشق صفوف الإقطاعيين. لكن النجاح لم يحالف القائمة بالكامل، ولم يفز إلا الحوراني مع بعض الإقطاعيين والمستقلين، مما دل على ضعف الوعي الفلاحي آنذاك، على عكس انتخابات 1954 التي فازت فيها قائمة الحوراني بأكملها.

يقدم الفصل تفاصيل عن المؤتمر العام للحزب في آذار 1951، الذي وضع دستوراً ونظاماً داخلياً. يلخص الكاتب مواد الدستور ذات الصلة، التي تصف الحزب بأنه "قومي، انقلابي اشتراكي، ديموقراطي"، معتبراً العامل والفلاح "الركن الأساسي في كيان الأمة"، داعياً إلى تأميم وسائل الإنتاج وتطوير الزراعة وتحديد ملكية الأراضي كخطوة نحو الاشتراكية، مع توزيع أملاك الدولة على الفلاحين وإنشاء تعاونيات. ويشير المؤلف إلى أن هذه المبادئ صاغها أنطون مقدسي، مفوض الثقافة في الحزب وأستاذ الفلسفة المقرب من الشيوعيين، ويلاحظ أن الحزب لم يضع توزيع أراضي الإقطاعيين هدفاً آنياً في سياسته.

يتناول الفصل الصراع الفكري والتنافسي مع الحزب الشيوعي. فنقل الكاتب أن صحيفة الشيوعيين السرية "نضال الشعب" هاجمت الحزب العربي الاشتراكي معتبرة أنه يصرف أنظار الفلاحين عن النضال لأخذ أراضي الإقطاعيين بمطالبه المحدودة (توزيع أملاك الدولة). وردت صحيفة الحزب العربي الاشتراكي "الاشتراكية" متهمة الشيوعيين بأنهم يعرقلون الإصلاحات التمويهاً لصالح ثورتهم.

ثم يصف الفصل بالتفصيل المهرجان الفلاحي الحاشد الذي نظمه الحزب في مدينة حلب بتاريخ 15 أيلول 1951، معقل الأحزاب البرجوازية ("الشعب" و"الوطني"). يروي المؤلف تردد الحوراني في البداية، ثم إصرار عبد الفتاح زلط (مؤسس الحزب في حلب) الذي رجح كفة عقد المهرجان بدعم من الجيش. كان المشهد "احتلالاً سلمياً" للمدينة من قبل آلاف الفلاحين، ودخل موكب بأكثر من 150 سيارة تحمل شعارات مثل "العامل والفلاح هما الركن الأساسي في كيان الأمة" و"لا طبقية". ويعلق المؤلف أن شعار "لا طبقية" كان يهدف لتطمين الإقطاعيين بأن ممتلكاتهم لن تصادر، ويميز الحزب عن الشيوعية. كما يشير إلى الاختلافات داخل الحزب، فهاجم عبد الفتاح زلط "الطبقية والطائفية" بينما هاجم معتمد حماة محمد عطورة "طبقة الإقطاعيين والرأسماليين" وأشاد بالاشتراكية، مما يدل على عدم التوحد الفكري.

ينتقل الفصل إلى مرحلة الاندماج مع حزب البعث في نهاية 1952 لتشكيل حزب البعث العربي الاشتراكي، مشيراً إلى أن جناح الحوراني كان "أكثر ميلاً للحديث عن الاشتراكية والاتجاه نحو اليسار"، بينما كان جناح عفلق مهتماً بالقضايا القومية والأيديولوجية مع "ميول يمينية". وفي انتخابات أيلول 1954، ركز الحزب الموحد على شعارات "إصدار قانون لحماية الفلاح" و"توزيع أراضي أملاك الدولة". ويلعب المؤلف دوراً في ذكر أن كتلة البعث البرلمانية، مع الشيوعي خالد بكداش ونواب برجوازيين، ساهمت في إصدار قانون حماية الفلاح عام 1957 الذي منع الإقطاعي من تهجير الفلاح.

في التحليل الأخير، يحدد الكاتب قاعدة الحزب الطبقية: اعتماده على الفلاحين بمختلف فئاتهم (فقراء ومتوسطين وأغنياء)، واستناده إلى صغار الإقطاعيين (والسعي للحلول محلهم مما كان مصدر قوته في الريف)، وكسبه ود البرجوازية الصغيرة في حماة. ويؤكد أن ولادة الحزب كانت في أحضان حركة شعبية قادها رجال دين متنورون مثل الشيخ أحمد الصابوني والشيخ عبد القادر عدي والشيخ سعيد الجابي (الذي حارب "الأفكار الدينية الخرافية"). ويخلص إلى أن هذا التحالف بين حماة وفئاتها الشعبية والبرجوازية أعطى زخماً هائلاً للحركة الفلاحية.

يختم الفصل بملاحظة نقدية مهمة للمؤلف، حيث يرى أن الحزب العربي الاشتراكي (ولاحقاً البعث) لم يهتم كثيراً بتثقيف الفلاحين أو بتنظيمهم الدقيق، بل ترك العفوية والشعارات الشعبوية تأخذ مداها، معتمداً على الضجة الإعلامية. ويقارن ذلك مع الحزب الشيوعي الذي جعل من مسألتي التنظيم الدقيق والتثقيف الطبقي إحدى دعائم عمله الريفي، مبقياً الباب مفتوحاً لحوار حول أي النهجين كان أكثر تأثيراً على المدى البعيد.

24.الفصل الرابع والعشرون: قراءة في الخلفيات الاجتماعية لأحداث حماة201–206▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل الخلفيات الاجتماعية والطبقية لأحداث حماة في شباط 1982، مقدّماً قراءة تختلف عن التحليلات السائدة التي تركز على الجوانب السياسية أو الأيديولوجية. يرى المؤلف أن فهم هذه الأحداث لا يكتمل دون دراسة العوامل الاقتصادية-الاجتماعية، وتحديداً الصراع الطبقي التاريخي بين الإقطاع والفلاحين، وتحوّلات البرجوازية الصغيرة السورية إلى برجوازية بيروقراطية طفيلية. يقدّم المؤلف إجابة واضحة: إن أحداث حماة هي، في جوهرها، حلقة من حلقات صراع طبقي طويل، استُخدمت فيه الجبهة المذهبية والدينية كغطاء لصراع على الأرض والنفوذ والثروة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بإطار نظري عن إهمال الباحثين للعوامل الاقتصادية-الاجتماعية، ثم يحدد ثلاث مراحل لتحوّل البرجوازية السورية: مرحلة الصعود الوطني والقومي (من ثلاثينيات إلى ستينيات القرن العشرين)، ثم مرحلة قطف الثمار ونهب القطاع العام، وأخيراً مرحلة التحالف مع البرجوازية الطفيلية التابعة للرأسمالية العالمية. يربط المؤلف بين هذا التحوّل وصعود التيارات الإسلامية، مشيراً إلى أن العائلات الإقطاعية في حماة وحلب دعمت هذه التيارات بهدف استعادة الأراضي التي صادرها الإصلاح الزراعي.

ينتقل الفصل بعدها إلى التحليل الميداني، مستنداً إلى شهادات حية، أبرزها شهادة الفلاح نواف المحمد من قرية حيالين في منطقة الغاب. يروي المحمد، وهو فلاح مسلم سني من أصول بدوية، قصص الصراع مع الإقطاعيين من عائلة البرازي في حماة. يصف كيف استولى صالح آغا البرازي على أراضيهم، وكيف حاول "شمط النسوان" (أخذهن قسراً)، مما أدى إلى معركة مسلحة في شتاء 1949 سقط فيها قتلى من الطرفين. يشرح المحمد سبب انضمامهم لاحقاً إلى الحزب العربي الاشتراكي قائلاً: "نحن من ضيم الإقطاع دخلنا في الحزب العربي الاشتراكي".

يستخدم المؤلف هذه الشهادة كدليل على أن العداء الطبقي التاريخي ظل كامناً في صدور الفلاحين، وظهرت آثاره خلال أحداث 1982. يروي المحمد كيف أن ابنه، الذي أصبح ضابطاً في "الوحدات الخاصة" بقيادة علي حيدر، كان على رأس المهاجمين في حماة، ودخل حي البرازية منتقماً لعمه الذي قُتل عام 1949. لكنه لم يمسّ النساء والأطفال، وفقاً للتقاليد البدوية. يخلص المؤلف من هذه الحادثة إلى أن "العداء التاريخي بين الفلاحين والإقطاعيين لا يمكن أن يزول من الصدور بسرعة"، خاصة لدى الفلاحين من أصول بدوية حيث "تمكن عادة الثأر".

يذكر الفصل أيضاً عوامل أخرى ساهمت في إخماد حركة الإخوان المسلمين، منها تحالف "كبار موظفي الساحل مع تجار دمشق" لتصفية التحركات، والأهم من ذلك، موقف الفلاحين المنتفعين من الإصلاح الزراعي (سنة وعلويين) الذين "هبوا" للدفاع عن مكتسباتهم، خوفاً من عودة الإقطاعيين. يشير المؤلف إلى أن فلاحي وادي الفرات، من أصول بدوية (الشوايا)، استفادوا من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وشكلوا "سدا منيعا" أمام التحرك الديني ذي الأبعاد الاجتماعية الرامية لاستعادة الأراضي.

يعترف المؤلف في نهاية الفصل بأن أحداث حماة لها أسبابها الكثيرة المرتبطة بجملة عوامل، لكنه يصرّ على أن الخلفيات التاريخية الاجتماعية هي الأهم، وهي "التي تبقى في الظل ولا يهتم بها الباحثون والكتّاب". يضع الفصل بذلك تفسيراً قاطعاً: الحركة المسلحة في حماة كانت بوجهها المذهبي، لكن بجذور طبقية واضحة، كاشفاً عن وقوف الفلاحين الفقراء (سنة وعلويين) ضد محاولة استعادة النظام الإقطاعي القديم.

هذا التحليل، على قوته وتركيزه على البعد الطبقي، يظل تفسيراً أحادياً للحدث المعقّد، حيث يُهمش دور العوامل الأيديولوجية والسياسية والإقليمية، ويختزل الصراع إلى مجرد رد فعل على ظلم إقطاعي قديم. إن كان الفصل يقدّم قراءة ثرية للخلفيات الاجتماعية، إلا أنه لا يناقش بشكل كافٍ التحولات الداخلية داخل الحزب العربي الاشتراكي نفسه، ولا دور السياسات الاقتصادية للدولة في خلق حالة الاحتقان التي أدت إلى الانفجار. تبقى شهادة نواف المحمد قوية ومؤثرة، ولكن هل تكفي وحدها لتفسير كل تعقيدات ما حدث في شباط 1982؟ إنها تذكير مهم بأن الصراع على الأرض والكرامة لم ينتهِ بقوانين الإصلاح الزراعي، وأن جذور العنف تمتد عميقاً في التربة الاجتماعية، لكن الفصل لا يقدم سوى جزء من الصورة الكبيرة.

25.الفصل الخامس والعشرون: يسار حركة التنوير الديني المناهض للاقطاعية207–214▼ ملخص

الفصل الخامس والعشرون، المعنون "يسار حركة التنوير الديني المناهض للإقطاعية"، يتناول تياراً فكرياً محدداً نشأ داخل حركة التنوير الديني الإسلامي في سورية، ويقدمه المؤلف كجزء من النهضة العربية الأوسع التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين. يرى المؤلف أن حركة التنوير والنهضة كانت تعبيراً عن ظهور "الطبقة الوسطى" ذات التفكير البرجوازي، ووضعت اللبنات الأولى للقومية العربية بمحتواها البرجوازي. لكنه يشير إلى أنه في النصف الأول من القرن العشرين، بدأ يتشكل داخل هذه النهضة تيار تقدمي نادى بالعدالة الاجتماعية وأفكار اشتراكية غير واضحة المعالم، وتكرست معالمه في فترة ما بين الحربين العالميتين، وأصبح واضحاً بعد الحرب العالمية الثانية. المحور الأساسي للفصل هو إثبات وجود تيار تقدمي مماثل تشكل داخل حركة التنوير الديني نفسها، وهو تيار عبر عن آلام الفلاحين والعمال وتطلعاتهم للخلاص من الاستثمار الإقطاعي والبرجوازي معاً، ويقر المؤلف بأن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة أعمق.

يسير الفصل عبر تقديم نموذجين بارزين لهذا التيار الديني المستنير، هما الشيخ عبد القادر بدران (1927-1864) والشيخ عثمان زكي اليوسفي (1952-1878). في النموذج الأول، يُظهر المؤلف كيف أن الشيخ عبد القادر بدران، وهو من أصل فلاحي من بلدة دوما (على بعد 20 كيلومتراً شمال دمشق)، بدأ حياته العملية باتجاه عقلي خالص، وعمل في الصحافة والتعليم. في أواخر العهد العثماني، شن حملة على أكبر أسرة إقطاعية في دوما، وهي أسرة الشيشكلي، التي كانت مدعومة من السلطة الحميدية الاستبدادية. حرض الشيخ بدران الفلاحين ضد هذه الأسرة، واخترع طريقة رياضية جديدة لتوزيع مياه نهر تورا (أحد فروع بردى) بهدف إنصافهم، كما حرضهم ضد "زلم" الإقطاعيين، وهم مجموعة من الجاويين (أندونيسيا) استقدمهم آل الشيشكلي كسياط لاخضهاد الفلاحين، وتمكن الفلاحون بفضل تكاتفهم من طرد هؤلاء. لكن قوى الإقطاع والجهاز الإداري المحافظ تمكنت من تأليب الرأي العام ضده، واتهمته بالكفر والإخلال بالأمن، وطالبوا بنفيه، مما أدى إلى فشل حركته واضطراره للالتجاء إلى دمشق، حيث تحول من النضال الفلاحي إلى الاهتمام بالتأليف والإصلاح الاجتماعي والديني.

يوضح المؤلف أن الشيخ عبد القادر بدران بعد انتقاله إلى دمشق انضم إلى مجموعة المتنورين وخاض نضالاً ضد القوى الرجعية، واتهم بالوهابية مثل غيره من المصلحين. شن حملة في مؤلفاته ودروسه تحت قبة النسر في جامع بني أمية على الأرستقراطية ورجال الدين المرتبطين بها، والذين استولوا على أموال الأوقاف وأكلوها بالباطل. دعا الشيخ بدران إلى إعادة هذه الأموال وإنفاقها على افتتاح المدارس وتخليص أبنية الأوقاف وجعلها مدارس للعلم، وقد تجرأ على تسمية آكلي أموال الأوقاف بأسمائهم مما أثار غضبهم عليه.

أما النموذج الثاني فيتناول الشيخ عثمان زكي اليوسفي من معرة النعمان، وهي معقل آخر للإقطاعية في أواسط سورية حيث سيطرت عائلة الحراكي. يصف المؤلف كيف انتشرت أفكار التنوير الديني ذات الطابع الشعبي في معرة النعمان وريفها بتأثير من الشيخ الحموي المتنور سعيد الجابي. ينتمي الشيخ عثمان لأسرة من المزارعين، وتلقى تعليماً بسيطاً، ثم انتقل إلى حماة لمدة أربع سنوات حيث تأثر بالجو الاجتماعي والحركة الشعبية الناهضة التي تحدث عنها أكرم الحوراني. بعد عودته، شرع يلقي دروساً في الجامع الكبير بالمعرة، ثار فيها على الشعوذة والبدع ودعا لتحرير المرأة. قام بهجوم عنيف على الإقطاعية، ولم يكتف بالتبشير بل بدأ ينظم القوى المناهضة للإقطاع ويبعث فيهم روح الكفاح. يستشهد المؤلف بأبيات من قصائد الشيخ عثمان مثل قصيدة "المحتكر" وقصيدة "الزراع" التي يهاجم فيها الإقطاع ويشيد بالفلاح ويدعو لثورة تحرق كل سيطرة، والأبيات تظهر بوضوح عداءه للإقطاعية ورؤيته التفاؤلية بانهيار القديم وحلول الجديد محل العدل والمساواة.

يواصل الفصل توثيق نشاط الشيخ عثمان اليوسفي في أواخر الثلاثينيات، حيث بدأ يحرض الفلاحين ضد الإقطاعيين. ينقل المؤلف شهادات شفوية من شخصيات محلية، منها شهادة منيب اليوسفي (نائب عن المعرة في برلمان 1958-1954) الذي وصفه بأنه أول ثوري تقدمي في المعرة، وشهادة عبد الرحمن فارس الذي أكد أن فكره تقدمي وجمع حوله شباباً ثوريين وهجا بيت الحراكي الإقطاعيين. يشير الفصل إلى أن الشيخ عثمان ربى جيلاً من المتنورين، وأن تلامذته تناقلوا أشعاره المنددة بالظلم، وكانت محصلة نشاطه أن بعض من تحلقوا حوله جَهروا بآراء شيوعية، مثل تلميذه الشيخ مالك الخطيب من كفرسجنة. ولمنع هذا التيار، اضطر المستشار الفرنسي (ضابط الاستخبارات) في معرة النعمان الشيخ عثمان في أوائل عام 1941 إلى التنكر للمبادئ الشيوعية وإدانتها في خطبة الجمعة. بالتزامن مع ذلك، قام عتاة الإقطاعيين باضطهاد المستضعفين الشيوعيين، ويروي الفصل حوادث قاسية مثل قلع الإقطاعي طالب الحراكي لأظافر الشيوعي عيسى الطويش ونتف أزلامه شوارع عامل البناء الشيوعي أبو تركي، مما اضطر آخرين للهرب إلى الجزيرة.

يختم الفصل بتحليل سياقي، فيشرح لماذا لجأ قسم من الفلاحين إلى الحزب العربي الاشتراكي لاحقاً بدلاً من الحزب الشيوعي؛ لأن الحزب العربي الاشتراكي كان بإمكانه توفير الحماية من اضطهاد الإقطاعيين بفضل قوته ونفوذه في حماة وأوساط الجيش، بينما كان الحزب الشيوعي يعمل في السرية ويعاني من التهم بالكفر ومعاداة القومية. يخلص المؤلف إلى أن الشيخ عثمان زكي اليوسفي كان رجل دين متنوراً تجاوز الأهداف البرجوازية التقدمية ليصبح ضد كل استثمار واستغلال، لكن ظروف الاستعباد الإقطاعي والاضطهاد الفكري حالت دون نجاح جهوده بشكل كامل. يورد المؤلف أيضاً معلومات إضافية عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي في معرة النعمان من شهادة عبد الرحمن فارس، الذي يصف سطوة آل الحراكي، وكيف استمال كبار الملاك رجال الدين إلى جانبهم، وكيف أشاع رجال الدين أن الاشتراكية كفر وإلحاد، وأن الصلاة في أراضي الإصلاح الزراعي حرام، مستشهدين بآية "ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات" لتبرير السيادة الإقطاعية.