المورد
فلاحو سورية: فلاحوها وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم

فلاحو سورية: فلاحوها وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم

حنا بطاطو١ كانون الثاني ١٩٩٩arالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

بدأ حنا بطاطو كتابه "فلاحو سورية" من فكرة مركزية هي تفكيك الصورة النمطية للفلاح ككيان متجانس، ليؤكد أن الريف السوري كان دائماً عبارة عن فسيفساء معقدة من التمايزات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والقبلية. يدافع المؤلف عن أطروحة رئيسية مفادها أن التحولات السياسية الكبرى في سورية، وخاصة صعود حزب البعث، لم تكن نتاجاً لأيديولوجية مجردة، بل كانت تعبيراً عن صعود طبقة ريفية جديدة، أطلق عليها "الوجهاء الريفيين الأقل شأناً"، الذين استخدموا الدولة والجيش كأدوات لترجمة تفوقهم العددي إلى سلطة سياسية. الكتاب، بذلك، هو تاريخ اجتماعي للسلطة في سورية يقرأ السياسة من منظور الطبقات الريفية وتحولاتها.

يبني بطاطو حجته عبر تتبع تطور الريف السوري من العهد العثماني حتى سبعينيات القرن العشرين. يبدأ بتحليل التمايزات الداخلية بين الفلاحين، فيميز بين الفلاح البستاني في غوطة دمشق، القريب من المدينة والمنفتح على اقتصاد السوق، والفلاح الزراعي في سهول حوران والفرات، الأكثر عزلة. التفريق بين الفلاحين المسالمين والمنحدرين من أصل محارب، والتمييز الديني والمذهبي المعقد بين السنة والعلويين والدروز والإسماعيليين واليزيدين، كلها كانت خطوطاً فاصلة عميقة. هذا التنوع، بحسب بطاطو، هو المفتاح لفهم لماذا امتلكت بعض الجماعات الريفية قدرة على التنظيم والتمرد بينما بقيت أخرى خاضعة.

الأرقام والوقائع التي يقدمها الكتاب صارخة ولا تُنسى. يروي بطاطو أن دخل عائلة فلاحية علوية في منطقة جبلة قبل الحرب العالمية الأولى كان يتراوح بين 5 و10 ليرات ذهبية تركية سنوياً، بينما بلغ دخل أغنى مالك أرض في دمشق، عبد الرحمن اليوسف، بين 7000 و10000 ليرة ذهبية. التباين في الأجور استمر بعد الإصلاح الزراعي، ففي عام 1990، حصل أصغر فلاح في قرية تبنة (يملك 10 دونمات) على دخل صافٍ 4572 ليرة سورية، بينما حصل الأغنى (130 دونماً) على 59,436 ليرة. في قرية إبين بحلب، كان تاجر منسوجات يملك الحصّادة الوحيدة ويكسب 73 ألف ليرة سورية في موسم واحد، بينما لم يتجاوز متوسط دخل الفلاح الصغير 12 ألف ليرة. هذه الفجوات تفسر لماذا كان الصراع على الأرض حاداً.

يتتبع بطاطو تطور التنظيمات الفلاحية، مسلطاً الضوء على حالة استثنائية هي طائفة البستانيين في غوطة دمشق التي شكلت نقابات مهنية منذ القرن السابع عشر. يوضح أن هذه النقابات كانت قوية بما يكفي لمقاومة قرارات الحكام العثمانيين، كما حدث في حلب عام 1617 عندما ألغى القاضي قرار المحتسب بتثبيت الأسعار بعد شكوى من البساتنة. لكن المؤلف يقر بأن هذه كانت حالة نادرة، وأن الغالبية العظمى من الفلاحين ظلت فاقدة للتنظيم. في تحليله للصوفية، يطرح بطاطو سؤالاً جوهرياً: هل كانت مصدراً للاستكانة السياسية أم للمقاومة؟ إجابته معقدة؛ فبينما قدمت الصوفية عزاءً عاطفياً ووساطة لدى الحكومة، فإن غرسها لقيم القناعة والتسليم جعل الفلاحين، برأيه، "فريسة سهلة لملاك الأراضي عديمي الضمير"، خاصة في عهد السلطان عبد الحميد الذي استخدم الطريقة الرفاعية أداة للسيطرة.

المفارقة الكبرى التي يكشفها الكتاب هي أن أول حزب زراعي حقيقي في سورية، وهو الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، لم يصنعه الفلاحون أنفسهم بل نخبة من مثقفي المدن. يشرح بطاطو كيف استغل الحوراني استياء الفلاحين من كبار الملاك بعد الحرب العالمية الثانية، حين ارتفعت أسعار القمح من 4.5 جنيه استرليني للطن عام 1939 إلى 54 جنيهاً عام 1943، مما أدر أرباحاً طائلة للملاك ومكنهم من المكننة وطرد المحاصصين. بحلول عام 1950، استطاع الحوراني حشد نحو 40 ألف شخص من الريف في مؤتمر حلب. هذا النجاح، كما يوضح بطاطو، هو الذي جعل حزب البعث، بقيادة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، يسعى لدمج الحزبين في نوفمبر 1952، لأن الحوراني كان "رجل الشعب العملي" مقابل المثقفين العفلقيين الذين يتعاملون مع الأفكار.

أما التحول الأعمق، فيحدث مع انقلاب آذار 1963 الذي أوصل "البعث الجديد" إلى السلطة. يرسم بطاطو صورة مفصلة للجنة العسكرية التي تشكلت سراً عام 1959، موضحاً أن جميع أعضائها التسعة عشر كانوا من القرى والبلدات وأغلبيتهم من الطوائف الابتداعية (علويون، دروز، إسماعيليون). يقدم إحصاءات دقيقة: 5% فقط من هؤلاء الضباط جاءوا من المدن الرئيسة. هذه المجموعة، التي ضمت حافظ الأسد وصلاح جديد ومحمد عمران، شرعت في "ترييف" الجيش والدولة بشكل منهجي. يصف بطاطو عمليات التطهير الواسعة: في 13 آذار 1964 صرف 104 ضباط، وبعد ثلاثة أيام طرد 150 ضابطاً، وبحلول حزيران 1967 كان ما لا يقل عن 600 ضابط قد أقيلوا، أي أكثر من ثلث سلك الضباط، واستبدلوا باحتياطيين من أصل ريفي.

يفسر بطاطو الهيمنة العلوية على الجيش بعاملين: اقتصادي، حيث كان بدل الإعفاء من الخدمة العسكرية يرتفع من 500 ليرة إلى 3000 دولار عام 1968، وهو مبلغ لا يستطيع الفلاحون الفقراء دفعه، فيضطرون للخدمة بينما يشتري أبناء المدن إعفاءهم. والعامل الثاني هو التماسك الطائفي للضباط العلويين مقابل انقسام الضباط السنة. هذا الترييف امتد إلى البيروقراطية، فارتفع عدد موظفي الدولة من 33,979 عام 1960 إلى 198,079 عام 1971، ووصل إلى 717,387 عام 1992، ويعزو المؤلف هذه الزيادة الكبيرة إلى توظيف الريفيين.

في تحليله للإصلاح الزراعي، يقر بطاطو بتحسن أوضاع بعض الفلاحين لكنه يرفض فكرة أنه حقق العدالة. يوضح أن عدد المستفيدين من الإصلاح بلغ 4% فقط من إجمالي الملاك عام 1958، وأن المستفيد الأكبر كانوا الفلاحين المتوسطين الذين شكّلوا حجر الأساس لدعم الحزب. ينتقد بشدة سياسات البعث في الستينيات، ويصف الإصلاح بأنه "عجيبة القرن العشرين" على لسان سامي الجندي، حيث كانت الملكية تخضع لأهواء موظفي الإصلاح وقيادة الحزب المحلية. ويعترف بأن الأوضاع تحسنت نسبياً بفضل سياسات دعم أسعار المحاصيل والتسليف الميسر، لكنه يوثق أن هذه السياسات خلقت نخبة ريفية جديدة بدلاً من القضاء على التفاوت الطبقي.

ينتقل بطاطو إلى تحليل الكفاءة الاقتصادية للزراعة تحت حكم البعث، ويقدم إجابة متشككة. فمن ناحية، هناك إنجازات في الميكنة (تضاعف عدد الجرارات 12 مرة بين عامي 1972 و1995) وزيادة الإنتاج، لكنه من ناحية أخرى يوثق تراجعاً في المساحة المستثمرة للمزروعات من 6.5 ملايين هكتار في الستينيات إلى 5.5 ملايين في التسعينيات، واستنزافاً جائراً للمياه الجوفية في القلمون حيث حفر نحو 2200 بئر في أقل من عقد، مما أدى إلى انخفاض مردود الآبار في ريف دمشق بنسبة 70% عام 1986. يشير إلى تلوث نهر بردى لدرجة أن قيادة الحزب حذرت من أن "بردى يموت"، وينقل شهادة فلاح مسن يصف كيف أن المياه الملوثة تقتل الأشجار.

الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب هي تحميل خالد بكداش، زعيم الحزب الشيوعي، مسؤولية فشل الشيوعيين في بناء قاعدة ريفية صلبة. يصف بطاطو بكداش بأنه لم يكن يزور الريف أو منظمات الحزب الريفية، وبأنه لم يعرف سورية حقاً، ويعدد انقسامات الحزب إلى خمسة أجنحة رئيسية. لكن قوة التحليل تكمن في ربط هذا الفشل بظروف بنيوية أعمق: الخلفية الأقلوية للقادة، والطبيعة العمالية الأولية للحزب، والتقلبات المتناقضة لموقفه من قضايا رئيسية مثل قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 الذي عارضه بكداش بدعوى أن المستفيد الرئيسي هو "البرجوازية المصرية".

أخيراً، يقر بطاطو بحدود تحليله ويترك أسئلة مفتوحة. فهو يعترف بصعوبة إعادة تركيب أسباب قبول الصوفية في الريف لأن الأدلة "واهية" والفلاحين "نادراً ما يتحدثون من ذاتهم". كما يطرح تساؤلاً حول مدى إمكانية تعميم تقسيماته على كل الريف السوري بسبب فجوات في البيانات. الحجة الأعمق التي يتركها مفتوحة هي ما إذا كان النفوذ العشائري الذي بقي رغم الإصلاحات مجرد تكيف سطحي أم جوهراً لا يزال يحكم العلاقات الاجتماعية. في النهاية، يقدم بطاطو رؤية لا تخلو من حذر التفاؤل، مستشهداً بإنجازات الماضي البعيد حين كانت مملكة إيبلا قادرة على إطعام الملايين، وكأنه يلمح إلى أن استعادة تلك القدرة ممكنة إذا ما أحسن استخدام الموارد، لكنه لا يقدم وصفات جاهزة. الكتاب، في جوهره، تذكير بأن أي فهم للسياسة السورية لا يمكن أن يتجاهل الريف وتحولاته الطبقية والاجتماعية، وأن الصراع على الأرض لم ينتهِ بعد.

الفصول(20)

1.ظروف الفلاحين الاجتماعية والاقتصادية132–150▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين السوريين، مركزاً بشكل خاص على تطور النظام الضريبي وتأثيره عليهم، ثم ينتقل لاستعراض التحسينات التي طالت البنية التحتية والخدمات في الريف خلال فترة حكم حزب البعث. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الفلاحين، رغم تحسن بعض جوانب حياتهم المادية، ظلوا الفئة الأكثر تحملاً للأعباء الضريبية تاريخياً، وأن سياسات الدولة، حتى تحت الحكم البعثي، لم تُحدث تغييراً جذرياً في وضعهم الطبقي أو في توزيع الثروة.

يبدأ الفصل بوصف النظام الضريبي في ظل الانتداب الفرنسي الذي بدأ عام 1920. كان نظام «العشر» هو الأساس، وكان يطبق على القرية كوحدة ضريبية، مما ثقل كاهل الفلاحين الصغار وملاك الأراضي الفقراء أكثر من كبار الملاك. أدت تقلبات سعر صرف الفرنك الفرنسي والليرة السورية إلى جعل العبء الضريبي لا يطاق في الثلاثينيات، حيث خسر الفرنك نصف قيمته مقابل الدولار بين 1920 و1926، ثم ارتفع ثم هبط مجدداً بنسبة 50% بين 1936 و1939، مما أثار شغباً في منطقة حماه عام 1911 كمؤشر على الاحتجاج.

مع استقلال سورية وسيطرة كبار ملاك الأراضي على الدولة، سارعوا إلى تخليص أنفسهم من الضرائب المباشرة. في عام 1944، أُلغيت ضريبتا «الويركو» والعشر، واستُبدلتا بضريبة نسبتها 7% على قيمة البيع بالجملة للإنتاج الزراعي، مما أعفى الفلاحين الذين يزرعون للاستهلاك الذاتي لكنه عامل بالتساوي جميع المنتجين للسوق بغض النظر عن دخلهم. في المقابل، فُرضت ضريبة دخل عام 1942 استثنت الدخل الزراعي وتربية الحيوانات، بينما بقيت ضريبة على المواشي تُفرض بشكل ثابت على كل رأس، بغض النظر عن قيمته الإنتاجية. كانت النتيجة انخفاضاً حاداً في مساهمة الزراعة في الخزينة العامة، من 39.8% من إجمالي الإيرادات الضريبية عام 1939 إلى 15.2% فقط عام 1947.

يستعرض الفصل بعد ذلك استمرار هذا النظام الضريبي المجحف بحق الفلاحين بعد وصول البعث إلى السلطة. حافظ البعثيون، الذين تنحدر أصول الكثير منهم من الشرائط المتوسطة لأهل الزراعة، على الهيكل الضريبي نفسه، مكتفين بزيادة معدلاته. تراوحت الضرائب على المنتوجات الزراعية المصدرة أو المصنعة محلياً بين 9 و12% من متوسط أسعارها، مع بقاء إعفاء الدخل الزراعي من ضريبة الدخل وضريبة الأرباح منذ عام 1992. ويؤكد الفصل عبر جدول أن الضرائب المفروضة على الطبقات الزراعية انخفضت من 13% من الجباية الضريبية الوطنية في الفترة 1962-1963 إلى 2.5% فقط عام 1983 و 3.75% عام 1994. وبدلاً من ذلك، أصبحت التجارة الخارجية والرسوم الجمركية والضريبة على أرباح الشركات ورجال الأعمال المصادر الرئيسة لإيرادات الدولة.

بعد تحليل النظام الضريبي، ينتقل الفصل لعرض المكاسب الملموسة التي حققها المزارعون والفلاحون في الفترة البعثية، وأبرزها في مجال البنية التحتية والخدمات. في الكهربة، قفز عدد القرى المزودة بالكهرباء من 218 قرية فقط حتى عام 1970 إلى ما لا يقل عن 7630 قرية (نحو 95% من جميع القرى) بحلول عام 1992، وذلك بفضل سد الفرات. كما دعمت الدولة أسعار الكهرباء للمزارعين. وفي شبكات المياه، بحلول عام 1980، كان 54% من السكان الريفيين يزودون بماء الشرب عبر الأنابيب.

في مجال الرعاية الصحية، يصف الفصل التخلف الكبير الذي كانت تعاني منه القرى قبل الاستقلال، حيث كان 88% من الأطباء يمارسون في مدينتي دمشق وحلب عام 1939. وبعد عام 1963، تحسنت المؤشرات: ارتفع عدد الأطباء، وتضاعف عدد المستشفيات أربع مرات تقريباً مقارنة بعام 1948، وانخفض معدل وفيات الأطفال من 132 لكل ألف ولادة حية عام 1960 إلى 37 عام 1991. ومع ذلك، يقر الفصل باستمرار التفاوت في توزيع الخدمات الصحية بين المحافظات، فمحافظة دمشق ضمت 37.3% من أسرة المستشفيات مقابل 21.7% من السكان، بينما كانت محافظات مثل الحسكة وإدلب الأقل خدمة، وركزت الحكومة على إنشاء «المراكز الصحية للخدمات الشاملة» في الريف والتي تقدم خدماتها مجاناً.

أخيراً، يستعرض الفصل التحسن الكبير في قطاعي النقل والاتصال، حيث تضاعف طول الطرق المعبدة خمس مرات بين 1963 و1993، وتضاعف عدد العربات اثنتي عشرة مرة. ربطت هذه الشبكات المنطقة الزراعية الشمالية الشرقية بالساحل والأسواق، مما وسع أسواق الفلاحين ويسّر توزيع منتجاتهم. كما توسعت شبكة الهاتف، فوصلت إلى 6% من المنازل الريفية عام 1986 مقارنة بـ 1.6% قبل عقدين. لكن الفصل يذكر أن هذا التطور حمل تأثيراً اجتماعياً ثنائياً، إذ ساهم دخول التلفاز والإذاعة ونمط الحياة الجديد في كسر الإيقاع التقليدي للحياة الريفية، وتغيير القيم والتعاون المجتمعي نحو مزيد من الفردية والمصلحية، مستشهداً بشهادات من فلاحين في السبخة ومنطقة أخرى تصف هذا التحول.

في مجال التعليم، يذكر الفصل الإهمال الكبير الذي عانى منه تعليم الفلاحين قبل الاستقلال، حيث بقي أكثر من ثلاثة أرباع سكان الريف أميين حتى عام 1960، ووصلت الأمية بين النساء الريفيات إلى 94.8%. ومع جهود حكومة البعث، تضاعف عدد المدارس الابتدائية الريفية، وارتفع عدد الريفيين الحاصلين على شهادات دراسية. فبحلول عام 1997، أصبح 27.9% من السكان الريفيين يحملون شهادة ابتدائية مقابل 3.7% عام 1960. ومع ذلك، يحذر الفصل من النظر إلى الأرقام فقط، مشيراً إلى استمرار نقص المعلمين المؤهلين، واكتظاظ الصفوف، وعدم مرونة المناهج، وارتفاع معدل التسرب بين الفتيات، واستمرار الفجوة التعليمية بين الفلاحين والطبقات الأعلى، إذ بقي 29.3% من رجال الريف و12.2% من نسائه أميين حتى ذلك التاريخ.

باختصار، لا يخلو الفصل من حجج قابلة للنقاش، مثل افتراض أن سياسة ملاك الأراضي في إلغاء الضرائب المباشرة كانت مدفوعة بمصلحتهم الذاتية بصورة حصرية، أو أن التحسن في الخدمات هو نتاج مباشر لحكم البعث وحده. كما أن التركيز على الانخفاض النسبي للضرائب على الزراعة قد يُقرأ بشكل انتقائي، إذ قد يعني انخفاض العبء الرسمي تخفيفاً حقيقياً، لكن الفصل نفسه يلمح إلى أعباء أخرى غير مباشرة. ومع ذلك، يظل الفصل قيماً في رصده للتناقض بين التحسن المادي في الخدمات واستمرار التهميش الطبقي للفلاحين.

2.ضروبٌ من التمييز41–88▼ ملخص

يُشكّل الفصل محاولةً لتفكيك الفئة الواحدة التي تُسمى "الفلاحين" في سورية، ويوضح أن هذا المصطلح يخفي تنوعاً اجتماعياً واقتصادياً ودينياً وقبلياً عميقاً. يرفض المؤلف فكرة الفلاح ككيان متجانس، ويسعى بدلاً من ذلك إلى رسم خريطة دقيقة للتمييزات الداخلية التي قسمت الريف السوري تاريخياً.

يسير الفصل عبر عدة مستويات من التمييز. يبدأ بتمييز رئيسي بين "الفلاح البستاني" و "الفلاح الزراعي"، حيث يُقدّم فلاح الغوطة (واحة دمشق) نموذجاً أصلياً للأول. هؤلاء الفلاحون، الذين كانوا أقرب إلى المدن وتأثروا مبكراً بالاقتصاد الأوروبي، تميزوا بمهارات زراعية عالية وحب عميق للأرض، وكانت ملكية الأرض بينهم أعلى. في المقابل، يُصنّف فلاحو حوران (مخزن الحبوب الرئيسي) والمرج والفرات كفلاحين زراعيين، كانوا أقل ارتباطاً بالمدن وأكثر عرضة للتنقل بسبب الظروف السياسية والعشائرية، وغالباً ما كانوا يزرعون الحبوب ويميلون إلى تربية المواشي بدلاً من العمل اليدوي.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تمييز ثانٍ بين الفلاحين المسالمين والفلاحين المنحدرين من أصل محارب. يضع الفصل فلاحي الغوطة وحوران و"أهل العود" في الفئة الأولى. أما الفئة الثانية فتشمل فلاحي الأصول البدوية مثل سكان حوض الفرات والجزيرة، وأبرزهم علويو الجبال والدروز، حيث كان حمل السلاح جزءاً من حياتهم اليومية للدفاع والغزو. يُعرّج الفصل على وصف غيرترود بيل للفرق بين الغزوات البدوية "الرومانسية" و"الحرب الحمراء" عند الدروز الذين كانوا يذبحون الجميع. ويوضح أن شراسة الدروز استمدت قوتها من كونهم أقلية محاصرة تاريخياً.

أكبر مساحة في الفصل تُخصص للتمييز الديني والمذهبي، الذي يُعتبر من أقوى عوامل التمايز وأكثرها تعقيداً. يُفصّل الفصل طبيعة كل طائفة وموقعها الجغرافي ومعتقداتها:

  • اليزيديون (في حوض عفرين): طائفة منغلقة تعبد طاووس ملك وتقدس الشيخ عدي، وتميل إلى السرية.
  • الإسماعيليون (في السلمية وقلاع الخوابي): فرقة شيعية باطنية تؤمن بإمامة إسماعيل.
  • الشيعة الإمامية (في الغوطة وإدلب): يؤمنون باثني عشر إماماً معصوماً وبعودة الإمام الغائب.
  • الدروز (في جبل العرب و قرى متفرقة): طائفة باطنية منغلقة تؤمن بألوهية الحاكم بأمر الله الفاطمي، وتقسيم المجتمع إلى "عقال (علماء)" و"جهال"، مع عهد ولاء سري يبدأ بـ "توكلت على مولانا الحاكم الأحد".
  • العلويون (النصيرية) (في جبال اللاذقية): طائفة تعتقد بثالوث "ع م س" (علي، محمد، سلمان الفارسي)، وتؤمن بتقمص الأرواح. يناقش الفصل الانقسامات الداخلية بين علماء العلويين حول تأليه الإمام علي، ويذكر بياناً صدر عام 1973 يؤكد إسلامهم، ومؤتمراً سرياً عُقد في نفس العام ناقش "مسألة الغلو في الإمام علي". يخلص الفصل إلى أن الفلاحين العلويين العاديين لم يكن لهم دور في هذه النقاشات اللاهوتية.

أما المسيحيون (الروم الأرثوذكس والسريان وغيرهم) والسنة (الأغلبية)، فيشكلون الباقي، مع إشارة إلى صعوبة تحديد أعدادهم الدقيقة بسبب الهجرات وعيوب الإحصاءات.

التمييز الرابع هو بين الفلاحين المرتبطين بعشائر والفلاحين بلا عشائر. يوضح الفصل أن النظام القبلي ما زال قوياً في مناطق كالفرات والخابور، مستشهداً بقبائل مثل العقيدات والبقارة والعفادلة. يقدم الفصل تفصيلاً تاريخياً لصعود قبيلة العفادلة على حساب سادتها من قبيلة الفدعان بعد الاستقلال والإصلاح الزراعي، موضحاً كيف قوّضت القوانين الجديدة سلطة الشيوخ لكنها لم تمحُ الروابط القبلية والولاءات القديمة تماماً، بل تكيفت مع النظام الجديد. في المقابل، يوضح أن فلاحي الغوطة و"أهل العود" فقدوا روابطهم العشائرية بالكامل.

يُخصص الفصل جزءاً لتحليل حالة بصرى في حوران، حيث تسيطر عشيرة آل المقداد على الحياة المحلية منذ العثمانيين، واستمر نفوذها في ظل حكم البعث، وإن بطرق جديدة. هذا المثال يوضح كيف يمكن للهياكل العشائرية القديمة أن تتكيف مع الأنظمة السياسية الحديثة. وفي جبل العرب، تسيطر عشيرة آل الأطرش، لكن نفوذها تراجع لصالح شخصيات بعثية من عشائر متوسطة مثل حمد عبيد وشبلي العيسمي، الذين خرج معظمهم من صفوف ثوار ثورة الدروز (1927-1925) ضد الفرنسيين. يخلص الفصل هنا إلى أن الشعور بالعشيرة ما زال قوياً حتى بين الدروز الأرستقراطيين.

أخيراً، يتناول الفصل التمييز الاقتصادي بين مالكي الأرض وغير المالكين. يشرح كيف أدى الإصلاح الزراعي في عامي 1958 و1963 إلى تحول جذري في البنية الطبقية. انخفض عدد العمال الزراعيين بأجر، بينما زاد عدد الفلاحين الذين يعملون لحسابهم الخاص. ورغم أن عدد المستفيدين من الإصلاح كان صغيراً نسبياً (4% من إجمالي الملاك في 1958)، إلا أنهم استولوا على ثلث الأراضي المستثمرة. يبرز الفصل ظهور فئة جديدة هي المستثمر الحديث الذي لا يملك الأرض بالضرورة، بل يؤجرها ويجلب رأس المال والآلات، ويعتبره المؤلف الحامل الرئيسي لتقدم الرأسمالية في الزراعة السورية بعد عام 1973. يختم الفصل بالاعتراف بأنه لا توجد بيانات رسمية عن توزيع حيازات الأرض بعد 1971، وأن الأرقام المتاحة عن الفئات العاملة تعطي صورة عامة فقط.

في النهاية، يمكن القول إن حجة الفصل قوية ومقنعة في تفكيك فكرة الفلاح الواحد، وتقديم صورة مركبة للريف السوري. لكن النص يثير تساؤلاً حول مدى إمكانية تعميم هذه التقسيمات على كل الريف السوري، خاصة مع اعتراف المؤلف نفسه بوجود فجوات في البيانات. كما أن الحجج حول بقاء النفوذ العشائري، رغم الإصلاحات، تترك الباب مفتوحاً للنقاش حول ما إذا كان هذا النفوذ مجرد تكيف سطحي أم جوهراً لا يزال يحكم العلاقات الاجتماعية حتى اليوم.

3.الأحوال المعيشية89–131▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوع الأحوال المعيشية للفلاحين في سورية، ويسعى للإجابة عن سؤال رئيسي: كيف توزّع الدخل الزراعي بين الطبقات الريفية المختلفة قبل وبعد الإصلاحات الزراعية التي طبّقتها الحكومات المتعاقبة، ولا سيما بعد وصول حزب البعث إلى السلطة؟ يخلص الفصل إلى أن أوضاع الفلاحين تحسّنت نسبياً مقارنة بفترة ما قبل الإصلاح الزراعي، لكن التفاوتات الطبقية بقيت قائمة وازدادت حدّة بعد عام 1970، مع ظهور نخب ريفية جديدة (أغنياء فلاحون ومستثمرون) حلت محل البكوات القدامى.

يبدأ الفصل بعرض أنماط استغلال الأرض السائدة في النصف الأول من القرن العشرين، حيث كان المحاصصون (المزارعين) الفئة الأكثر شيوعاً. يشرح بالتفصيل نظام المزارعة الذي يشبه نظام "الميتاي" الفرنسي القديم، حيث يقدم المالك الأرض والبذور أحياناً، ويأخذ المزارع حصة من المحصول تتراوح بين الربع والنصف، بحسب المنطقة والاتفاق. على سبيل المثال، في شمال حلب كان المحصول يقسم بالتساوي، بينما في حوران كان المزارع يحصل على الربع فقط. ويشير إلى أن هذه الأنماط كانت شديدة التباين، ليس فقط بين المناطق، بل بين القرى المجاورة.

ثم ينتقل الفصل إلى تقدير دخول الفلاحين، مستنداً إلى مصادر تاريخية. يذكر أن دخل عائلة فلاحية علوية في منطقة جبلة قبل الحرب العالمية الأولى كان يتراوح بين 5 و10 ليرات ذهبية تركية سنوياً (أي ما يعادل 4.5 إلى 9 جنيهات إسترلينية)، وهو دخل بائس دفعهم إلى بيع بناتهم. في المقابل، كان دخل أغنى مالك أرض في دمشق، عبد الرحمن اليوسف، يتراوح بين 7000 و10000 ليرة ذهبية سنوياً. يوضح الفصل أن التباينات كانت صارخة: ففي عام 1936، قدر متوسط الدخل السنوي لعائلة محاصص بـ 20 ليرة ذهبية، ولعائلة فلاح مالك صغير بـ 30 ليرة ذهبية، مقابل دخل زعيم قرية درزية يصل إلى 1000 نابليون ذهبي في سنوات الموسم الجيد.

ينتقل الفصل بعد ذلك لفحص الفترة التي تلت الإصلاح الزراعي، مستنداً إلى إحصاءات رسمية. يوضح أن حصة الزراعة من الناتج المحلي الصافي انخفضت من 38% عام 1963 إلى 22.6% عام 1994، لكن الدخل الزراعي الفردي لم ينحدر بالضرورة بسبب هجرة سكانية كبيرة من الريف. يقدم الفصل بيانات عن أجور العمال الزراعيين، مشيراً إلى هبوط في دخولهم الحقيقية بين 1972 و1980، ثم ارتفاعها بعد ذلك حتى عام 1990، متأثرة بالهجرة المستمرة من الريف والتي تسببت في ندرة العمالة. ويضرب أمثلة ملموسة: في عام 1990، كان الحد الأدنى لأجر الحصاد الموسمي يتراوح بين 20 ليرة سورية في حمص و80 ليرة في السويداء، وكانت أجور النساء تقل بشكل كبير عن أجور الرجال، حيث حصلت العاملات الموسميات على 40 ليرة مقابل 60-65 ليرة للرجال في حلب.

يحلل الفصل وضع صغار المزارعين (أولئك الذين يملكون أقل من 10 هكتارات) مفصلاً كيف أنهم لم يعودوا يعتمدون على الزراعة فقط، بل أصبح دخلهم مكملاً بأعمال خارج المزرعة. يذكر أن عدد "العاملين لحسابهم" في الزراعة انخفض من 364,656 عام 1972 إلى 283,464 عام 1991، بينما ازداد عدد "أصحاب العمل" بأكثر من أربعة أضعاف، مما يشير إلى تركيز الملكية. ويعزو تحسّن أوضاع كثير من صغار المزارعين إلى عاملين رئيسيين: أولاً، سياسة الحكومة في دعم أسعار المحاصيل الاستراتيجية (كالقمح والقطن) من خلال نظام أسعار شراء رسمية يضمن هامش ربح مقبولاً، وهو ما حماهم من تقلبات السوق. ثانياً، حصول أفراد العائلة على دخل إضافي من أعمال خارجية. يقدم الفصل مثالاً عن قرية تبنة حيث كان أصغر فلاح (يملك 10 دونمات) يحصل في سنة جيدة 1990 على دخل صافٍ يتراوح حول 4572 ليرة سورية (أي 408 دولارات بالسعر الرسمي)، بينما كان الأغنى (130 دونماً) يحصل على 59,436 ليرة (5,307 دولارات).

في مقابل هذه الصورة، يرسم الفصل صورة للطبقات الريفية الغنية، مصنفاً إياها إلى ثلاث فئات: بقايا البكوات القدماء، نخبة جديدة تجمع بين المال والسلطة (بما فيها علاقاتها بالحزب والدولة)، وفئة رأسمالية واضحة من المستثمرين في الآلات الزراعية. يقدم مثالاً من قرية إبين في حلب حيث كان تاجر منسوجات من المدينة يملك الحصّادة الوحيدة، ويحقق منها دخلاً إجمالياً تجاوز 73 ألف ليرة سورية (أي 18,599 دولاراً) في موسم واحد، بينما كان متوسط دخل الفلاح الصغير في القرية 12 ألف ليرة فقط. ويؤكد الفصل أن الملكية الخاصة للآلات الزراعية (الجرارات، الحصادات، المضخات) هي السائدة، إذ بلغت نسبة الجرارات المملوكة ملكية خاصة 97.7% من إجمالي 43,595 جراراً عام 1985.

ينتقل الفصل إلى محور ثالث مهم هو تكلفة التسليف الزراعي، مستعرضاً معاناة الفلاحين التاريخية من المرابين الذين كانوا يفرضون فوائد تصل إلى 50% أو تكتم تحت عقود صورية مثل "البيع على الطلع". يقارن ذلك بفترة ما بعد الإصلاح الزراعي حيث توسعت شبكة المصرف الزراعي التعاوني من 30 فرعاً عام 1953 إلى 71 فرعاً عام 1990، وارتفعت قيمة القروض المقدمة من متوسط 8 ملايين ليرة سورية سنوياً في الخمسينيات إلى 4631.8 مليون ليرة بين 1986 و1990. يشير إلى أن أسعار الفائدة التي يقدمها المصرف كانت مدعومة ومنخفضة (تراوحت بين 3% و7.5%)، لكنه يقر بأن القروض كانت تذهب بدرجة أكبر إلى كبار المزارعين (القطاع الخاص) وليس إلى صغار الفلاحين في الجمعيات التعاونية. فعلى سبيل المثال، حصل القطاع الخاص على 68.9% من القروض عام 1971 مقارنة بـ 28.3% للجمعيات. ويعترف الفصل بأن صغار المزارعين ما زالوا يعانون من بيروقراطية الإجراءات، وضمانات صارمة، ونقص الموارد، مما يضطر البعض منهم إلى العودة إلى المرابين بفوائد تتراوح بين 30% و40%.

أخيراً، يناقش الفصل العامل الرابع وهو النظام الضريبي. يصف الظلم التاريخي الذي عانى منه الفلاحون في العهد العثماني، حيث كانت الضرائب تنازلية ومرهقة، مما أدى أحياناً إلى هجرات جماعية للقرى. يشرح نظام "الميري" (العشر) وسوء تطبيقه عبر التلزيم، ويذكر ضرائب أخرى مثل "الويركو" و"الكرّوزة". ويخلص إلى أن الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) خففت بعض الجور لكنها لم تلغِ الظلم، وأن العبء الضريبي ظل يقع بثقل على الفقراء بينما يتمكن الأغنياء والنافذون من التهرب منه عبر نفوذهم.

في ختام الفصل، يمكن القول إن تحليل بطاطو يقدم صورة معقدة ومتناقضة. من ناحية، يعترف بتحسن ملموس في أوضاع كثير من الفلاحين الصغار مقارنة بعصور الاستغلال السابقة، بفضل سياسات الدعم الحكومي والتسليف الميسر. لكنه من ناحية أخرى يوثق بوضوح أن هذه السياسات لم تقضِ على التفاوت الطبقي، بل ساهمت في خلق نخبة ريفية جديدة ومستثمرين رأسماليين، مما يجعل النظام الزراعي السوري، وفقاً للفصل، مزيجاً من بقايا القديم وتشكيلات رأسمالية جديدة، وليس نموذجاً اشتراكياً ناجحاً يخدم الطبقات الفقيرة حقاً.

4.الكفاءة الاقتصادية151–184▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالًا محوريًا حول ما إذا كانت الزراعة في سورية قد حققت تقدمًا في الكفاءة الاقتصادية تحت حكم حزب البعث منذ عام 1963، ويقدم إجابة متشككة ومحملة بالتحفظات. الإجابة ليست بنعم أو لا قاطعة، بل هي استعراض لتناقضات حادة: فمن ناحية، هناك إنجازات لا يمكن إنكارها في ميكنة الزراعة وزيادة الإنتاج في فترات معينة، ومن ناحية أخرى، هناك تراجع واضح في استخدام الأراضي، واستنزاف جائر للموارد المائية، واعتماد مزمن على استيراد الغذاء. يخلص المؤلف إلى أن الصورة العامة مختلطة، وأن التقدم كان غير متوازن وغالبًا ما جاء على حساب الاستدامة البيئية والموارد الطبيعية.

يبدأ الفصل بتحليل استخدام الأراضي، مستخدمًا جدولًا يظهر انخفاضًا في متوسط المساحة المستثمرة سنويًا من 6.5 ملايين هكتار في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين إلى 5.5 ملايين هكتار في الثلث الأول من تسعينياته، أي بانخفاض نسبته 15.3%. في المقابل، ارتفعت نسبة الأراضي البعلية المزروعة فعليًا بنسبة 40.6%، بينما هبطت المساحة المتروكة للراحة (السبات) بشكل حاد بنسبة 82%. يشرح المؤلف هذا التراجع بعوامل عدة، أبرزها الإفراط في ضخ المياه الجوفية دون رقابة. يقدم مثالًا من منطقة القلمون حيث حفر نحو 2200 بئر في أقل من عقد، مما أدى إلى استنزاف الخزانات الجوفية، على حد تعبير فلاح محلي: "ذبحوا الأرض". ويذكر أن هذا الإفراط، إلى جانب الجفاف، تسبب في انخفاض مردود الآبار في ريف دمشق بنسبة 70% عام 1986. كما يتناول تلوث نهر بردى، الذي تعتمد عليه غوطة دمشق، لدرجة أن قيادة الحزب الحاكم حذرت من أن "بردى يموت". يقتبس المؤلف شهادة فلاح مسن يقول إن مياه النهر لم تعد تجري في الصيف، وأن ما يصل ملوث ويقتل الشجر.

ينتقل الفصل ليجادل بأن جزءًا من الانخفاض في المساحة المستثمرة كان تصحيحًا ضروريًا لتوسع غير عقلاني حدث في العقود السابقة. ففي السنوات الخمس والعشرين التي سبقت حكم البعث، تضاعفت المساحة المزروعة أربع مرات من نحو 1.75 مليون هكتار عام 1938 إلى 6.9 ملايين هكتار عام 1963، مدفوعة بارتفاع أسعار المحاصيل. لكن هذا التوسع كان في مناطق ذات تربة رديئة ومعدل هطول مطري منخفض، مما أدى إلى استنزاف التربة. في منطقة الجزيرة، وصف مسؤول حكومي في عام 1949 الوضع بأنه "الغرب البري"، حيث استولى شيوخ القبائل على الأراضي وطوّروها بطريقة استغلالية، مما أدى إلى زراعة مستمرة لنفس المحصول ودورة زراعية مدمرة. يرى المؤلف أن تحويل بعض الأراضي الهامشية إلى مراع في عهد البعث كان تطورًا إيجابيًا، لكنه يربطه أيضًا بعوامل اقتصادية مثل نقص اليد العاملة وارتفاع الطلب على اللحوم.

يخصص الفصل مساحة واسعة لمناقشة أزمة الأعلاف الناتجة عن النمو الهائل في الثروة الحيوانية. يذكر أن عدد الأغنام ارتفع من 5.07 ملايين عام 1965 إلى 13.36 مليونًا عام 1983، وهو ما فاق قدرة المراعي الفقيرة، مما أدى إلى الرعي الجائر. تفاقمت المشكلة مع نمو قطاع الدواجن، حيث ارتفع عدد الدجاج من 4.59 ملايين إلى 17.10 ملايين بين عامي 1965 و1993، مما تطلب كميات ضخمة من الذرة الصفراء وفول الصويا المستوردين، وهو ما عجزت عنه الدولة بسبب نقص العملة الصعبة. يذكر أن مربي الماشية اضطروا أحيانًا لبيع حيواناتهم بأقل من قيمتها، كما حدث عام 1984 عندما انخفض عدد الأغنام إلى 10.99 ملايين. يحاول الفصل أن يكون عادلًا، فيشير إلى جهود الحكومة لمعالجة المشكلة عبر المؤسسة العامة للأعلاف التي شجعت زراعة الذرة العلفية قصيرة الأجل، وبالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) الذي تأسس عام 1977، تم إدخال تقنيات جديدة لزيادة مردود المراعي.

يتناول الفصل بالتفصيل ديناميكيات النمو الزراعي عبر العقود. يظهر أن الإنتاج ارتفع بين 1962 و1965 ثم هبط بين 1966 و1973 بسبب اضطرابات الإصلاح الزراعي والانقلابات والاستثمار في مشاريع بعيدة المدى مثل سد الفرات، بالإضافة إلى حربي 1967 و1973. شهدت الفترة من 1974 إلى 1983 طفرة اقتصادية بفضل "الطفرة النفطية"، مما ضاعف الاستثمار الحكومي في الزراعة وزاد القدرة الاستثمارية لكبار المزارعين. لكن الفترة من 1984 إلى 1989 شهدت تراجعًا حادًا بسبب الجفاف، وهبوط أسعار النفط، وانخفاض المعونات الدولية من 1.5 مليار دولار عام 1981 إلى 610 ملايين عام 1985، مما أدى إلى نقص حاد في العملة الصعبة.

يعزو المؤلف النمو في الفترات الجيدة إلى عوامل متعددة: الميكنة المكثفة (حيث تضاعف عدد الجرارات 12 مرة بين عامي 1972 و1995)، والتوسع في استخدام الأسمدة والمبيدات، وإنشاء كليتين جديدتين للزراعة في دمشق (1963) واللاذقية (1972)، مما أدى إلى تخرج الآلاف من المهندسين الزراعيين وانتشار وحدات الإرشاد الزراعي التي بلغ عددها 600 وحدة بحلول عام 1987، مع وجود أكثر من 13,343 حقلاً إرشاديًا أُنشئت بين عامي 1980 و1990. كما يشيد بإدخال سلالات محسنة من القمح (شام 1 وشام 2) والقطن (حلب 1 وحلب 3) بالتعاون مع إيكاردا.

على الرغم من هذه الإنجازات، يقرّ الفصل بتحفظات جدية. أهمها أن سورية ظلت، منذ أوائل السبعينيات وحتى نهاية عام 1990، مستوردًا صافيًا للمنتوجات الزراعية، وتضاعف متوسط العجز الزراعي السنوي في فترة 1981-1985 بمقدار 1.5 مرة عن الفترة السابقة. أسباب ذلك: النمو السكاني المرتفع (3.3% سنويًا بين 1970 و1991)، وارتفاع مستويات المعيشة، وزيادة التمدن. مع ذلك، يلاحظ أن العجز تقلص بشكل ملحوظ في فترة 1986-1990، وتحول إلى فائض ظاهر في فترة 1991-1995 بفضل السياسات الحكومية الجديدة مثل دفع الأسعار العالمية للقمح وإعفاء الأرباح الزراعية من الضرائب.

في ختامه، يفتح الفصل أسئلة حول مستقبل القطاع. يشير إلى أن تجزئة الملكيات الزراعية لا تزال عقبة، حيث كانت 74.6% من الحيازات الزراعية في عام 1990 أقل من عشرة هكتارات، مما يعيق استخدام الآلات الكبيرة بكفاءة. لمعالجة هذا، تتجه الحكومة إلى "التجميع" أي توحيد الحيازات الصغيرة في وحدات أكبر. كما ينتقد الفصل الآثار البيئية طويلة الأجل لاستخدام المبيدات والأسمدة بكثافة، محذرًا من أن هذا النهج قد يكون مثل "المخدر". يطرح أيضًا إمكانيات التحسين: كفاءة أعلى في الري، مراقبة أفضل للآبار، وإصلاحات مالية لجذب استثمارات المغتربين السوريين والعرب عبر قانون الشركات الزراعية المشتركة (المرسوم رقم 10 لعام 1986). ويعترف أخيرًا بتهديد خارجي كبير هو مشروعات الأناضول التركية التي ستقلص حصة سورية من مياه نهر الفرات، لكنه يختتم بنبرة حذرة من التفاؤل، مستشهدًا بإنجازات الماضي البعيد حين كانت مملكة إيبلا قادرة على إطعام الملايين، وكأنه يلمح إلى إمكانية استعادة تلك القدرة إذا ما أحسن استخدام الموارد.

6.أولى التنظيمات الفلاحية أو نقابات الفلاحين البستانيين بين القرن السابع عشر والقرن العشرين191–202▼ ملخص

بدأ المؤلف هذا الفصل بالتمييز بين أنواع الفلاحين السوريين، مؤكداً أنهم ليسوا كتلة واحدة، بل أنماط متعددة تختلف في سلوكها السياسي والاجتماعي. ويركز الفصل على فئة محددة هي «الفلاحون البستانيون» (البساتنة)، الذين يعتبرهم المؤلف أوائل الفلاحين الذين تمكنوا من تشكيل تنظيمات مهنية (نقابات) في سورية، وذلك في فترة مبكرة تعود إلى القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، وربما أبكر من ذلك.

يسير الفصل عبر تتبع تاريخي وتنظيمي لهذه الطائفة. يوضح المؤلف أن البساتنة انتظموا في «طائفة» خاصة بهم، خاصة في غوطة دمشق، حيث كان لهم زعيم خاص يُعرف بـ«شيخ البساتنة». ويشير إلى وجود تنظيمات مماثلة في حلب (عالجت بساتين نهر قويق)، وربما في مناطق أخرى مثل حمص، حماه، وأنطاكية على طول نهر العاصي. يصف المؤلف هذه الطوائف بأنها كانت محلية في جوهرها، وليست على مستوى سورية أو الإمبراطورية العثمانية بأكملها، وكانت جزءاً من نسيج أوسع من 163 نقابة مسجلة في محاكم دمشق وحلب الشرعية. كانت هذه المحاكم هي المرجع لتنصيب أو عزل شيوخ الطوائف، ولتسوية النزاعات.

يعتمد الفصل بشكل كبير على وصف إلياس قدسي من عام 1882 لهيكلية طائفة دمشق، والتي يعتقد المؤلف أن طائفة البساتنة كانت مشابهة لها. يصف قدسي الطوائف كجمعيات دعم متبادل ذات حكم ذاتي، لها تسلسل هرمي (شيخ المشايخ، نقيب، شيخ الحرفة، معلمين، صناع). كان شيخ الطائفة يُنتخب عادةً بموافقة كبار المهنة، لكن المنصب كان أحياناً يتوارث في العائلة ذاتها. كانت الرابطة بين الأعضاء قوية جداً لدرجة أنهم كانوا يعتبرون الأعضاء الجدد «إخوة» ويفضلونهم على أنفسهم.

يناقش المؤلف أصول هذه الهيكلية التنظيمية، ملمحاً إلى جدل تاريخي حولها. يشير إلى أن لوي ماسينيون ربط ظهور الطوائف الإسلامية بالقرامطة في القرن التاسع، معتقداً أن الفترة بين القرنين العاشر والثاني عشر كانت «عصر الحرية العظيم» للطوائف. بينما افترض برنارد لويس أن أشكالها التنظيمية قد تكون بيزنطية الأصل، لكن القرامطة أعطوها زخماً جديداً. ويذكر المؤلف إشارة المؤرخ المسعودي (نحو 956-893م) إلى تحول معظم فلاحي غوطة دمشق لمعتقدات القرامطة في النصف الأول من القرن العاشر. في المقابل، يشير الفصل إلى أن باحثين مثل كلود كاهين وإيرا لابيدوس شككوا في الأصل القرمطي أو فكرة وجود نقابات حرة مستقلة، ورأوا فيها مجرد تكوينات أنشأتها الدولة لأغراضها المالية والتنظيمية. أما غابرييل باير فيرى أن الدولة العثمانية طورت نظام الطوائف في القرن السابع عشر كإطار لتنظيم أبناء المدن، لكنه يعترف بأن طوائف دمشق كانت فريدة في استقلاليتها النسبية. لكن المؤلف يستشهد ببحثي عبد الكريم رافق وبروس ماسترز في سجلات المحكمة الشرعية، اللذين يؤكدان أن طوائف حلب كانت أيضاً طوعية ومستقلة إلى حد كبير.

يقدم المؤلف أمثلة ملموسة على قوة واستقلالية طائفة البساتنة. ففي حلب عام 1617، عندما ضغط موظف رسمي (المحتسب) على طائفة البساتنة لتثبيت أسعار القرنبيط والملفوف، تقدمت الطائفة بشكوى إلى القاضي العثماني معتبرة أن تثبيت الأسعار «ضد العرف»، وأيد القاضي مطالبهم، وأمر المحتسب بعدم التدخل. هذا يثبت أن الطائفة كانت قادرة على حماية أعضائها.

يذهب الفصل أبعد من ذلك ليربط البساتنة بالسياسة. ففي حلب خلال القرن الثامن عشر، يشير المؤلف إلى أن مستأجري البساتين كانوا غالباً من فئتي الأشراف (المدعين بالنسب النبوي) والإنكشارية (الجند)، وهما الجناحان السياسيان الرئيسيان اللذان انقسم إليهما السكان المسلمون. يشرح المؤلف أن معظم هؤلاء البساتنة لم يكونوا أشرافاً أو جنوداً حقيقيين، بل كانوا في الغالب حرفيين وفلاحين، لكن انتماءهم لأحد هذين الفصيلين كان استراتيجية لحماية مصالح طائفتهم بأكملها، بغض النظر عن نتيجة الصراعات. في دمشق، حيث كان الأشراف أقل أهمية، يبدو أن البساتنة وجدوا موطئ قدم في سلك الإنكشارية المحليين (اليرلية) الذين كانوا يدافعون عن المصالح المحلية. يشير المؤلف إلى أن هذه الوضعية تعقّدت بعد عام 1660 مع الصراع المتزايد بين الإنكشارية المحليين والوافدين.

ينتقل الفصل لتحليل الأثر الاقتصادي للتغلغل الأوروبي والتحديث في الدولة العثمانية على طوائف البساتنة. يقرّ المؤلف بأن الحرفيين عانوا بشدة من السلع الأوروبية الرخيصة، لكنه يميز وضع البساتنة عنهم. صحيح أن بساتين الغوطة كانت تؤمن المواد الخام لبعض الحرفيين (قنب، خشب جوز، فواكه)، مما جعل مصيرهم مرتبطاً. كما أن التطورات السلبية مثل تحول التجارة إلى الساحل بعد الملاحة البخارية وفتح قناة السويس عام 1869 أضرت بالاقتصاد الدمشقي ككل. لكن من جهة أخرى، يرى المؤلف أن البساتنة، وخاصة مالكي الأراضي منهم، استفادوا بشكل كبير من التطورات الحديثة. يعدد هذه التطورات: مد شبكة البرق إلى دمشق (1859) وحلب (1862)، شق طرقات آمنة مثل طريق دمشق-بيروت بالعربات في ستينيات القرن التاسع عشر، ربط دمشق ببيروت بسكة حديد (1895) وبحلب عبر رياق (1903-1906) وبالمدينة المنورة (1901-1908)، وأخيراً تعزيز الأمن في الريف عبر إنشاء قوة شرطة وحاميات على أطراف البادية، مما قلل من ابتزاز البدو للبساتين.

نتيجة لهذه التطورات، يذكر المؤلف أن أسعار الفواكه ارتفعت بمعدل ثلاثة أضعاف، وأسعار الخضروات بمعدل الضعفين بين عامي 1891 و1906، مما زاد إيرادات مالكي البساتين والمحاصصين. كمثال على هذا الازدهار، يشير الفصل إلى التوسع في زراعة المشمش في الغوطة قبل الحرب العالمية الأولى، ونمو صادرات «قمر الدين» (معجون المشمش المجفف) من 17,500 جنيه استرليني سنوياً في 1887-1888 إلى 28,500 جنيه استرليني في السنوات السابقة للحرب. كان الفلاحون البستانيون أنفسهم يصنعون قمر الدين، ويبيعونه للتجار.

يفسر المؤلف ازدهار البساتنة واستمرار نقابتهم حتى أوائل القرن العشرين بوضعهم الاقتصادي الجيد نسبياً. ففي دمشق عام 1927، كانت نقابة البساتنة من النقابات «الحرة» القليلة (وغير الرسمية)، وضمت بائعي الخضار. كان آخر رئيس لها هو محمد سعيد آغا شيخ البساتنة، وبوفاته عام 1930، تلاشى المكتب وانتهت النقابة. أما في حمص، فاستمرت النقابة برئاسة خاصة بها حتى عام 1951، وضمت 4 آلاف عضو.

يخلص الفصل إلى أن هذه التجربة التنظيمية الطويلة والتاريخية للبساتنة أكسبتهم قدرة مميزة على حماية حقوقهم (مثل الحقوق المائية) ومقاومة عسف جباة الضرائب، مما ميزهم عن معظم الفلاحين. ويضيف المؤلف تفسيراً إضافياً لهذه القوة، وهو ارتفاع مستوى التعليم بينهم، حيث كان كثيرون من خريجي المدرسة القرآنية أو المدرسة الرشدية (الابتدائية العثمانية) الحديثة التي تأسست في دوما عام 1879. دوما، التي كانت قرية صغيرة (7 آلاف نسمة عام 1911)، أصبحت الآن مدينة كبرى. أيضاً، ساهمت شبكة قنوات الري المعقدة من نهر بردى في تعزيز التعاون والممارسات الديمقراطية بين البساتنة، حيث كانوا يسوون خلافاتهم في مجالس قراهم ويتجنبون المحاكم.

يختتم المؤلف بالإشارة إلى أن البساتنة كانوا من أكثر الفلاحين استعداداً للمخاطرة والمبادرة الاقتصادية. ففي الفترة بين الحربين، كان العديد من المقاولين والمضاربين في الغوطة (المعروفين بـ«الضمّانين») من طبقة البساتنة، حيث كانوا يشترون المحصول على الشجر ويتولون عمليات القطاف والتوضيب والنقل. ويضرب مثالاً بليغاً على ذلك بأن خالد البعثي، العضو المؤسس لفرع حزب البعث في دوما وقائده عام 1946 ورئيس الاتحاد العام لنقابات العمال بين عامي 1963 و1964، كان يتحدر من عائلة من الضمانين الفلاحين البستانيين.

في نهاية المطاف، يطرح الفصل إجابة المؤلف الضمنية: لماذا كان البساتنة سبّاقين في التنظيم النقابي مقارنة بغيرهم من الفلاحين؟ الإجابة هي مزيج من العوامل الاقتصادية (طبيعة عملهم كثيف العمالة والمياه، قربهم من الأسواق الحضرية، استفادتهم من التحديث)، والتنظيمية (هيكل الطوائف الموروث، آليات حل النزاعات الداخلية)، والاجتماعية (ارتفاع مستوى التعليم، الروابط العائلية والعشائرية الأقل صرامة مقارنة بالفلاحين الزراعيين). يوضح الفصل أن هذه العوامل مجتمعة خلقت طبقة فلاحية قادرة على التعبير عن مصالحها بفعالية واستمرار، حتى بعد تراجع النقابات التقليدية. التحفظات التي أبداها المؤلف تتعلق بغموض الأصول التاريخية الدقيقة للطوائف، إذ يعرض آراء متضاربة لمؤرخين دون أن يحسم الأمر، ويشير إلى حدود المعلومات المتاحة عن بعض المناطق خارج دمشق وحلب.

7.الصوفية بين الفلاحين: هل كانت مصدرًا للاستكانة السياسية؟203–214▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل من كتاب حنا بطاطو "فلاحو سورية" الدور الذي لعبته الصوفية في حياة فلاحي سورية، ويطرح السؤال المحوري: هل كانت الصوفية مصدرًا للاستكانة السياسية والخضوع، أم أنها حملت في طياتها إمكانيات للمقاومة؟ يقدم المؤلف إجابة معقدة، مفادها أن الصوفية كانت ظاهرة متعددة الوجوه ومتناقضة، إذ عملت في أحيان كثيرة على تهدئة الفلاحين ودفعهم للقناعة، لكنها في لحظات تاريخية أخرى حرضتهم على الثورة. يخلص بطاطو إلى أن أثرها الغالب، خاصة في الفترة العثمانية المتأخرة، كان بمثابة أداة للسيطرة الاجتماعية في يد الدولة والنخب الحاكمة.

يسير الفصل عبر عدة خطوات لبناء حجته. يبدأ باستعراض الطبيعة المركبة للصوفية، مشيراً إلى أنها ضمت كلاً من الزهاد المتسامحين والمشعوذين، وأنها تذبذبت بين دعم الإسلام الرسمي وإضعافه. ثم يتتبع المؤلف جذور الصوفية الفكرية منذ القرن الثامن الميلادي مع شخصيات مثل رابعة العدوية (ح 717–801م) والحلاج (تـ 922م)، وصولاً إلى تحولها إلى طرق منظمة بدءاً من القرن الثاني عشر. ينتقل بعدها إلى الواقع الملموس للصوفية في الريف السوري، مؤكداً على ندرة الأدلة المباشرة حول انتشارها بين الفلاحين قبل الحرب العالمية الأولى، لكنه يشير إلى أنها كانت القوة العقائدية الأهم في تشكيل قيمهم.

يركز الفصل بشكل خاص على الطريقة الرفاعية باعتبارها الأكثر نفوذاً بين الفلاحين، ويعزو ذلك لعدة أسباب. أولاً، الخلفية الريفية لمؤسسها أحمد الرفاعي (تـ 1183م) ولأبرز دعاتها في سورية مثل سعد الدين الجباوي (تـ 1300م) ومحمد أبو الهدى الصيادي (1849–1909م)، مما جعلهم أقرب لفهم مشاكل الفلاحين. ثانياً، التوافق بين بعض قيم الصوفية (كالصبر والتسليم بالقضاء والقدر) وغريزة البقاء لدى الفلاح تحت حكم قاهر. ثالثاً، الدعم السياسي والمالي الهائل الذي منحه السلطان عبد الحميد الثاني (حكم 1876–1909) للصيادي، مما مكن الطريقة من اكتساب نفوذ واسع ولكن على حساب استقلالها الأخلاقي.

يقدم بطاطو أمثلة ملموسة على هذا الدور المزدوج. في عام 1747، قاد الشيخ إبراهيم الجباوي أتباعه في مسيرة وطقس "الدوسة" لدرء غضب الإلهي عن دمشق بسبب الجراد والفجور، مما يظهر وظيفة الصوفية في تهدئة الرعب وتقديم طقوس سحرية لمواجهة الكوارث الطبيعية. في المقابل، يصف المؤلف كيف استغل أبو الهدى الصيادي علاقته بالسلطان عبد الحميد لتعزيز مكانته، وربما ساعد في تملك أراضي الفلاحين باسم ملاك الأراضي مثل نورس الحراكي، الذي استولى بالقوة على أراضي خمسين قرية. يذكر المؤلف أن طقوس الذكر توقفت في منطقة المعرة بعد ثورة تركيا الفتاة في 1908 وسحب الدعم الرسمي وموت الصيادي في 1909، مما يظهر الترابط بين قوة الطريقة والدعم السياسي.

لم تقتصر الصوفية على الرفاعية، بل يشير الفصل إلى نفوذ عشائر قدمت قادة لطرق صوفية، مثل عشيرة آل الزعبي التي قدمت شيوخ الطريقة القادرية وكانت تهيمن على ست عشرة قرية في منطقتي درعا وإزرع، وعشيرة آل الحريري المرتبطة بالرفاعية والمهيمنة على ثماني عشرة قرية في المناطق ذاتها. هذا يؤكد أن النفوذ الصوفي لم يكن مجرد تأثير روحي، بل كان متجسداً في بنى قبلية وعشائرية ذات ثقل سياسي واقتصادي.

يقر المؤلف صراحةً بصعوبة إعادة تركيب أسباب قبول الصوفية في الريف، ويعترف بأن الأدلة "واهية" وأن الفلاحين "نادرًا ما يتحدثون من ذاتهم". كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان الصيادي قد ساعد فعلياً في عمليات الاستيلاء على أراضي الفلاحين خلال رئاسته للجنة تسوية النزاعات. هذه التحفظات تظهر وعي بطاطو بالطبيعة الجزئية لاستنتاجاته.

يُختتم الفصل بنقاش حول الآثار السياسية للصوفية. فمن ناحية، قدمت عزاءً عاطفياً للفلاحين وساعدت في دمجهم اجتماعياً، وتوسط شيوخها أحياناً لدى الحكومة في أمور الضرائب والتجنيد. ومن ناحية أخرى، يرى المؤلف أن غرسها لقيم القناعة والتسليم جعل الفلاحين "فريسة سهلة لملاك الأراضي عديمي الضمير"، وأنها تحولت في عهد السلطان عبد الحميد إلى "مدافع عن الحكم المطلق وحارس له". لكنه يستدرك بأنه خلال الاحتلال الفرنسي، ابتعدت الصوفية عن هذا الميل للخضوع، إذ قاد بعض شيوخها المقاومة بينما تعاون آخرون مع الاحتلال مثل فارس الزعبي، مما يعيد التأكيد على تناقضية الظاهرة وعدم قابليتها للاختزال في موقف سياسي واحد.

8.نزوع الفلاحين الجبليين إلى التمرد ونزوع فلاحي السهول المفتوحة إلى طرق الدفاع غير المباشر في أيام العثمانيين والانتداب الفرنسي215–232▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل من كتاب حنا بطاطو أنماط المقاومة المختلفة التي اتبعها فلاحو سورية خلال العهدين العثماني والانتداب الفرنسي، مجيباً على سؤال محوري: لماذا مال فلاحو المناطق الجبلية إلى التمرد المسلح والعنف المكشوف، بينما فضل فلاحو السهول المنفتحة استراتيجيات دفاعية غير مباشرة تقوم على الصبر والحذر والالتفاف؟ يقدم المؤلف إجابة تفسيرية تستند إلى العوامل الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية التي شكلت خبرات كل مجموعة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بمقارنة مباشرة بين النموذجين مستشهداً بمقولة لكعب الأحبار ترمز إلى أن الفتنة تجد في الجبال ملاذاً آمناً. ينتقل بعدها إلى تحليل حالة فلاحي سهول حوران في العهد العثماني، مفصلاً الصعوبات التي واجهوها: السلب من قطاع الطرق والقبائل البدوية، مقاومة توسع الدروز بعد عام 1685 وخاصة بعد 1711 وخلال القرن التاسع عشر، ثم مع استعادة الدولة لسيطرتها أواخر القرن، واجهوا ضغوطاً جديدة تمثلت بالعمل القسري، والابتزاز من جباة الضرائب والمشايخ، وبروز طبقة من ملاك الأراضي الغائبين بموجب قانون الأرض لعام 1858، والتجنيد الإجباري المستمر منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، خاصة خلال الاحتلال المصري لسورية (1831-1840). بسبب عجزهم عن مواجهة القوة بالقوة، يصف المؤلف كيف طور هؤلاء الفلاحون "طرائق قائمة على الصبر أو الحذر" مثل بناء "محميات" تحت الأرض لإخفاء الحبوب، والهجرة الجماعية للقرى بأكملها بحثاً عن ملاذات آمنة، والتحالف مع قبائل قوية مقابل دفع "الخوة"، أو الانضمام إلى تجمعات سكانية أكبر في قرى محصنة. ويشير إلى أن تفضيلهم لسلطة حكومية قوية ومستقرة تجلى في عودة السكن للقرى المهجورة في العقدين الأخيرين من الحكم العثماني. يذكر المؤلف استثناءً هاماً، وهو حالة مستأجري الأراضي السّنية التابعة للسلطان عبد الحميد (1876-1909) التي شملت ما لا يقل عن 445 ألف هكتار في 567 قرية، حيث كان الفلاحون يدفعون نسبة 17% فقط من عائداتهم وكانوا معفيين من التجنيد ويتمتعون بالحماية، ويخلص إلى أنهم كانوا في وضع أفضل وأكثر رضاً، لكن حظوظهم تدهورت بعد نقل ملكية هذه الأراضي إلى مشايخ وأعيان بعد ثورة تركيا الفتاة عام 1908 وتحت الانتداب الفرنسي.

على النقيض، يركز الفصل على تميز فلاحي الجبال، خاصة الدروز في جبل العرب والعلويين في الجبال الساحلية، ببراعتهم في استخدام الأسلحة وميلهم إلى الإغارة والمقاومة المسلحة. يعزو المؤلف ذلك إلى طبيعة الجبال الوعرة التي وفرت لهم حصوناً طبيعية وبعداً عن مراكز سلطة الدولة، وإلى التقاليد الطويلة للاستقلال الذاتي والعزلة الإثنية النسبية. يذكر أن الدروز شنوا ما لا يقل عن ثماني عشرة غارة كبرى أو انتفاضة مسلحة بين القرن التاسع عشر والثورة السورية الكبرى (1925-1927)، وتحدى العلويون الحكومة في ثلاث عشرة مناسبة مختلفة خلال الفترة ذاتها. يناقش المؤلف ارتباط التمرد بالابتداع الديني، مشيراً إلى أن العقيدة الدرزية تغرس فضيلة الشجاعة والإيمان بتحديد مسبق لمدة الحياة وانتقال الروح، مما قد يعزز الجرأة، لكنه يؤكد أن التمرس بالحرب ينبع بالأساس من المخاطر الطويلة والصدامات المتكررة مع البدو. يصف الفصل هذه الانتفاضات بأنها غالباً ما تكون "غريزية" (دافع طبيعي) أكثر منها منظمة، ومحدودة الأهداف تركز على مقاومة التجنيد الذي كان أشد بغضاً من الضرائب، وقصيرة المدى، حيث لا تؤثر نتيجة ثورة سابقة على الثورات اللاحقة.

يتعمق المؤلف في تحليل العلاقة بين الفلاحين وقادتهم من زعماء العشائر، معترفاً بأن بعض الثورات كانت من شأن الزعماء ومنفصلة عن مصالح الفلاحين، مثل تمرد إسماعيل بك العلوي حوالي 1854 الذي انتهى به مستبداً صغيراً وأُعدم في دمشق عام 1859. وفي المقابل، يقدم نموذجاً مفصلاً لثورة "العامية" (1889-1890) في جبل الدروز كحالة استثنائية من "الفعل الطبقي الغاضب". يصف الفصل كيف قاد إسماعيل الأطرش (المتوفى 1869)، وهو راعي أغنام سابق، حركة ضد آل الحمدان الذين عومل الفلاحون في ظلهم "كالعبيد"، ونجح في إنهاء زعامتهم بين 1857-1853 بدعم من الفلاحين والعشائر الأقل. لكن مع صعود عائلة الأطرش، خاصة إبراهيم الأطرش، ساءت أحوال الفلاحين بسبب ازدياد الضغط على الأرض مع قدوم مهاجرين دروز جدد، واحتفاظ المشايخ بجزء كبير منها، وممارسة العمل القسري، والحفاظ على حق طرد الفلاحين. أدى ذلك إلى اندلاع ثورة العامية في 1889 حيث انقلب الفلاحون على آل الأطرش، طاردوا المشايخ وجردوهم من ملكيتهم، وطالبوا بتخفيض حصة الشيخ من الأرض إلى الربع، وتوزيع الباقي، وحق تعيين رؤساء قرى، ووضع حد للإخلاء التعسفي. بلغت الثورة ذروتها بفوز الفلاحين في معركة عين المزرعة قرب السويداء، وهروب المشايخ إلى دمشق. لكن الحكومة العثمانية استغلت الفرصة وأرسلت قوة كبيرة احتلت السويداء وأغرقت الثورة بالدماء. رغم ذلك، يشير المؤلف إلى أن الفلاحين لم يخسروا كل مكاسبهم، فأصبح كثيرون منهم ملاكاً صغاراً، بينما استعاد المشايخ بعض سلطتهم.

يواصل الفصل تحليله للثورة السورية الكبرى (1925-1927)، مؤكداً أن الفلاحين الجبليين في جبل الدروز وفلاحي غوطة دمشق شكلوا عمودها الريفي الفقري. يقدم المؤلف حجة مهمة بالاستناد إلى الأدلة المتوفرة، مفادها أن الفلاحين مالكي الأراضي الصغار في الغوطة، وليس الفلاحين المحرومين من الملكية (المحاصصين)، هم من دعموا الثورة بقوة. يذكر بالاسم قرى مثل جوبر، جسرين، عقربا، عربين، رنكوس، حرستا، برزة، عين ترما، المليحة وكفر بطنا التي هبت للثورة، بينما بقيت قرى أخرى مثل منين ومرج السلطان ومزرعة الشركس منعزلة، وطلب فلاحو كفر سوسة من الثوار إخلاء قريتهم. يحاول المؤلف تفسير سبب اختيار مالكي الأراضي الصغار الانضمام للثورة على الرغم من أنهم كانوا يملكون ما يخسرونه أكثر من غيرهم، عارضاً عوامل محتملة: سوء المحصول في عام 1925، التقلبات الحادة في سعر صرف الفرنك الفرنسي (من متوسط 1.08 دولار عام 1925 إلى 75 سنتاً عام 1926 وما تلاها من زيادة في الضرائب)، وكفاءة جباية الإيرادات الفرنسية مقارنة بالعثمانيين، وارتفاع تكاليف الائتمان التي هددت حيازاتهم الصغيرة. بالإضافة إلى ذلك، يذكر أن قرب هذه القرى من دمشق جعلها عرضة لتأثير عداء الوطنيين الأثرياء للفرنسيين بسبب تقسيم سورية الطبيعية وفصلها عن أسواقها. أما في جبل الدروز، فيؤكد أن التمرد كان بدوافع طائفية إلى جانب الطبقية؛ حيث تحدى الفلاحون الفرنسيين بوصفهم أعضاء في طائفة شعرت بالاستياء من تآكل استقلالية الجبل، وفرض العمل القسري، واستخدام سياسة "فرّق تسد"، ورغبتهم في احترام المحتلين لتقاليدهم. وكان نداء سلطان الأطرش للثورة يركز على "إنقاذ شرف الطائفة الدرزية"، رغم أن همه الأساسي كان التهديد الفرنسي لسلطة عائلته.

يختتم الفصل بفحص الأدوار القيادية، معترفاً بأن الفلاحين لم يلعبوا دوراً قيادياً على المستوى الأعلى، حيث ظلت التوجيهات في أيدي سلطان الأطرش والوطنيين كعبد الرحمن الشهبندر. الاستثناء الوحيد هو حسن الخراط من حي الشاغور الدمشقي. أما القادة الميدانيون والباشرون لجميع الفدائيين الريفيين، فكانوا غالباً من الفلاحين الأغنياء أو أبناء زعماء القرى. وأخيراً، يؤكد المؤلف أن الفلاحين هم من عانى المعاناة الأكبر من الثورة بسبب القصف والغارات العقابية الفرنسية، تاركاً أسئلة مفتوحة عن دوافع الفلاحين العميقة لاختيار الثورة، ومقراً بصعوبة الإجابة عليها دون الخوض في دواخلهم.

9.الشيوعيون والفلاحون233–248▼ ملخص

بدأ الفصل التاسع، «الشيوعيون والفلاحون»، باستعراض الجذور المبكرة للحزب الشيوعي السوري، الذي تشكلت نواته الأولى في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1924، مع الإشارة إلى أنه لم يكن حزباً زراعياً في توجهه بل كان ذا طابع عمالي في المقام الأول. ومع ذلك، كان أول تنظيم سياسي حديث في سورية يضع الفلاحين ضمن نطاق رؤيته. يُظهر المؤلف أن الشخصيات المركزية في الحزب كانت ذات جذور ريفية، مثل فؤاد الشمالي (عامل تبغ من أصل فلاحي ماروني، قاد الحزب حتى عام 1932)، وناصر حذَّة (من أصل ريفي من قرية يبرود في القلمون، وكان له دور في إقناع خالد بكداش بالشيوعية عام 1930). يوضح بطاطو أن هذه الجذور الريفية جعلت القادة الأوائل أكثر حساسية لمشكلات الفلاحين، وهو ما انعكس في برنامجهم الزراعي الصادر في 7 تموز/يوليو 1931، الذي دعا بوضوح إلى تجريد كبار الملاك من سيطرتهم على الينابيع، وإلغاء السخرة والديون، ومصادرة أراضي كبار الملاكين وتوزيعها على الفلاحين الفقراء.

يسير الفصل بعد ذلك ليناقش التحديات التي واجهت الحزب في اختراق الريف، مشيراً إلى أن تقدمه كان بطيئاً جداً بسبب عدة عوامل: طبيعة أعمالهم المتقطعة، وصعوبة الوصول إلى القرى بسبب قلة الطرق، وسيطرة الصوفية وتقديس الأولياء على أذهان الفلاحين، والأهم من ذلك، الخلفية الأقلوية لمعظم القادة الشيوعيين (إما مسيحيون أو أرمن) باستثناء ناصر حذَّة السني الوحيد. تحت قيادة خالد بكداش، الذي تسلم القيادة في الفترة ما بين عامي 1936 و1939، تحول الخط الزراعي للحزب إلى خط غامض وإصلاحي مهادن. ففي عام 1942، كان بكداش يطمئن ملاك الأراضي بأن الحزب لا يطالب بمصادرة أملاكهم، مبرراً ذلك بأن سورية ما زالت في «مرحلة التحرر الوطني» التي تقتضي التركيز على ما يوحد «أبناء الوطن».

على الرغم من هذا الخط القيادي المتراجع، يشير المؤلف إلى أن الشيوعيين في المنظمات المحلية غالباً ما تصرفوا على مبادرتهم الخاصة، ونجحوا بين عامي 1946 و1948 في مد جذورهم بين الفلاحين في قرى محددة. يذكر بطاطو أمثلة على ذلك مثل صحنايا وصيدنايا في الغوطة، والمشرفة وعين التينة في منطقة حمص، والسقيلبية شمال غرب حماة. كما وجدوا موطئ قدم بين الفلاحين العلويين في قرى سبّة وعين بشريتي، وبين الفلاحين الأكراد في منطقة القامشلي الزراعية الغنية، حيث سهّل التغير السريع من الزراعة البعلية إلى زراعة القطن المروي النشاط الشيوعي. لكن هذا الدعم تبخر غداة موافقة قيادة الحزب على خطة تقسيم فلسطين عام 1947، وما تبع ذلك من حظر الحكومة السورية للحزب في عام 1948، حيث انخفض عدد الأعضاء من 15 ألفًا في سورية عام 1947 إلى بضع مئات في عام 1949.

يتناول الفصل بعد ذلك الانتقادات الداخلية التي تعرض لها خالد بكداش في جريدة الحزب السرية «نضال الشعب» عام 1949، والتي اتهمته بالتضحية بالمواقف الأساسية لاسترضاء دوائر برجوازية، وبأسلوبه الديكتاتوري في القيادة. ورغم أن بكداش استعاد قبضته وأبعد منتقديه، إلا أنه غير مساره في عام 1951 وأحيا المطلب القديم بتوزيع الأراضي. في السنوات القليلة التالية، تمكن الشيوعيون من كسب فلاحين سنة عرب لأول مرة، وخصوصاً في كفر تخاريم، وفي قرية الموحسن على الفرات التي عُرفت بـ«موسكو الصغرى». يصف المؤلف كيف قاوم فلاحو عشيرة البوخابور في صيف 1953 الاعتداءات على أرضهم المشاع بقيادة معلمين شيوعيين، ونجحوا في تكوين شركة عامة لشراء مضختين وجرارين. كما حرّض الشيوعيون الفلاحين ضد الإقطاعيين في قرى أخرى، مثل بشرايل وحكر، لمقاومة دفع العشر أو العمل بالشكارة.

لكن هذه المكاسب أثبتت أنها عابرة. ففي عام 1958، دُفع الحزب إلى العمل السري مرة أخرى، وضعف بسبب موقف بكداش السلبي من الوحدة المصرية السورية وقانون الإصلاح الزراعي الصادر في العام نفسه، مما جعله يعاني انحداراً حاداً لم ينهض منه إلى أي دور جدي في حياة الفلاحين أو القطر عموماً. يُقرّ المؤلف بأن الحزب حافظ على وجود هامشي في بعض الحكومات، وشغل مقعدين في القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية التي شكلها الرئيس حافظ الأسد في آذار/مارس 1972، وفاز بعدة مقاعد في انتخابات مجلس الشعب (ستة في 1973، وثمانية في 1977، وتسعة في 1986)، لكن ارتباطهم بالنظام كان مصدر ضعف أكثر من كونه مصدر قوة.

في تحليله لأسباب تراجع الحزب، يخلص بطاطو إلى أن التقلبات المتكررة والمتناقضة في موقف قيادة الحزب، وعدم انسجامها مع الظروف، كانت محبطة. ويضرب مثالاً على سخافة التبريرات بمعارضة بكداش لقانون الإصلاح الزراعي عام 1958 بدعوى أن المستفيد الرئيسي هو «البرجوازية المصرية». واستناداً إلى زملاء بكداش القدامى، يذكر المؤلف أن بكداش لم يكن يزور الريف أو منظمات الحزب الريفية، ولم يعرف سورية حقاً. هذا الاستياء قاد إلى انقسامات متكررة في السبعينيات والثمانينيات، أدت إلى خسارة آلاف الشيوعيين الصادقين. ويصف الفصل الأجنحة الخمسة الرئيسية الناتجة عن هذه الانقسامات: رابطة العمل الشيوعي (التي تحولت إلى حزب العمل الشيوعي)، والحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وجناح خالد بكداش (الذي عقد مؤتمراً منفصلاً في تموز/يوليو 1986)، والجناح الرئيس بقيادة يوسف فيصل، ومنظمات القاعدة بقيادة مراد يوسف.

يختتم الفصل بالإشارة إلى أنه في عام 1969، كان للحزب الموحد نحو 5 آلاف عضو، 62% منهم من العمال والفلاحين الفقراء، لكن 25% فقط من مندوبي المؤتمر كانوا فلاحين. وفي المؤتمر السادس عام 1987، اعترف الأمين العام بأن وجود الحزب بين الفلاحين الفقراء ليس قوياً، وبأنهم متروكون. ورغم هذا التقييم القاسي، يرى المؤلف أنه لا بد من الإقرار بأن الشيوعيين ساهموا في الأربعينيات والخمسينيات مساهمة مهمة في التربية السياسية لعدد من الفلاحين والعمال الزراعيين في مناطق القلمون وحمص والجزيرة والريف العلوي.

الفصل يقرّ بحدوده بوضوح، حيث يعترف بفشل الحزب الشيوعي في بناء قاعدة ريفية صلبة ودائمة، ويعزو ذلك إلى مزيج من العوامل البنيوية (مثل الأقلوية والطبيعة العمالية الأولية للحزب) والعوامل الذاتية المرتبطة بقيادة بكداش وأسلوبها الديكتاتوري وتقلباتها المتناقضة. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي تحميل بكداش الفرد المسؤولية الكبيرة عن تراجع الحزب، وهو أمر قد يُنظر إليه على أنه تبسيط مفرط لديناميكيات أكثر تعقيداً تتعلق بالضغوط الإقليمية والدولية والسياسات السوفيتية. ورغم ذلك، يظل التحليل متسقاً في عرضه للصعوبات التي واجهها الحزب الشيوعي في مخاطبة الفلاحين، وكيف أن ابتعاده عن مطالبهم الجوهرية، وانغماسه في سياسات توفيقية، حكم عليه بالهامشية في الريف.

10.الاشتراكيون العرب أو أول حزب زراعي في تاريخ سورية249–260▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على نشأة وتطوّر الحركة الزراعية في سورية، والتي تبلورت في الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، ويُقدّمها المؤلف كأول حزب زراعي حقيقي في تاريخ البلاد. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن هذه الحركة لم تكن نتاجاً للفلاحين أنفسهم، بل صُنعت على أيدي نخبة من مثقفي المدن، وعلى رأسهم الحوراني، الذين تمكنوا من ترجمة استياء الفلاحين العميق ضد كبار ملاّك الأراضي إلى قوة سياسية منظمة، وذلك بفضل ظروف اقتصادية واجتماعية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ برسم صورة للبنية الريفية في سورية، مُركّزاً على العائلات الكبيرة المالكة للأراضي مثل آل العظم وآل الكيلاني وآل البرازي. يوضح الكيفية التي نشأت بها هذه العائلات، بعضها من أصول عربية أو تركية أو فارسية، وكيف استمدت قوتها من وظائفها الاجتماعية السابقة (القضائية، الدينية، العسكرية). ويستخدم المؤلف حكاية عن أحد أفراد آل العظم ليُظهر مدى فساد هذه النخبة واستبدادها، حيث يُقال إنه اغتال عبداً ودفنه في بستان جاره ليتمكن من اتهامه وانتزاع ملكيته. ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن التمايز الاقتصادي داخل هذه العشائر الكبيرة نفسها، مستشهداً بممارسة حق البكورة في الميراث لدى بعض آل البرازي، مما جعل بعض أفراد العشيرة الأقل حظاً يرون أنفسهم «ضحايا الإقطاع» أيضاً، وهكذا أصبح بعضهم من أوائل الداعمين لـأكرم الحوراني.

بعد ذلك، ينتقل الفصل بشكل مركزي إلى سيرة أكرم الحوراني الشخصية. يشرح كيف أن خلفيته العائلية الدينية (فهو من سلالة شيوخ الطريقة الرفاعية) ربما ساعدته في الوصول إلى قلوب الفلاحين. والأهم من ذلك، يصف نشأته في بيئة ذات حساسية مريرة تجاه سلطة أقطاب المدينة، وتأثره بوالده الذي كان على صلات بالحركة القومية العربية. يذكر الفصل تأثره بالأحداث الكبرى مثل تقسيم سورية بعد الحرب العالمية الأولى والثورة السورية الكبرى (1925-1927)، ثم التحاقه بكلية الحقوق وانضمامه القصير للحزب السوري القومي الاجتماعي، ومشاركته في محاولة اغتيال صبحي بركات (رئيس سوري موالٍ للفرنسيين)، وقيادته لمجموعة مسلحة في حرب 1948 في فلسطين. هذه التجربة الأخيرة، بحسب الفصل، عززت قناعته بأن الهزيمة العربية سببها اجتماعي أساساً، أي «الإقطاع»، مما ربط في ذهنه القضية القومية بالمسألة الزراعية.

يواصل الفصل تحليل الحركة من خلال وصف قيادتها الأولى. يوضح أن النواة الأولى للحزب (حزب الشباب) تألفت من أربعة محامين وأستاذ ومعلمين، معظمهم من أبناء مدينة حماه ومن عائلات متوسطة الدخل (أبناء تاجر، صائغ، شيخ صوفي). ويخلص إلى أن غياب الفلاحين عن القيادة لم يقلل من أهميتهم، ويذكر أسماء قادة فلاحيين بارزين مثل سيف الدين الخالد وخليل الطعمة الذين قادوا العمل التنظيمي في القرى. يُقدر الفصل قدرة الحركة على حشد نحو 40 ألف شخص من الريف في مؤتمرها الأول في حلب عام 1950، وكانت تضم آنذاك ما لا يقل عن 10 آلاف عضو مسجل. ويصف الفصل أن قاعدة الحركة ضمت فلاحين بستانيين سنة من حماه، ومحاصصين من مناطق إدلب ومعرة النعمان، وفلاحين مسيحيين من غرب حماه، وعلويين من ريف مصياف، ودروز من منطقة شهبا.

يجيب الفصل بعد ذلك على سؤال محوري: لماذا تحول استياء الفلاحين إلى حركة منظمة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات تحديداً؟ يعزو ذلك إلى الظروف الاقتصادية الناتجة عن الحرب العالمية الثانية. فقد أدى وجود القوات العسكرية الأجنبية ومشترياتها الكبيرة، وهبوط قيمة العملة، إلى ارتفاع هائل في أسعار القمح من 4.5 جنيهات استرلينية للطن في عام 1939 إلى 54 جنيهاً في عام 1943، مما أدر أرباحاً طائلة لكبار الملاّك والتجار. استُثمر جزء من هذه الأرباح في المكننة الزراعية، فارتفع عدد الجرارات من نحو 300 عام 1948 إلى 977 عام 1952، وزاد تركيب مضخات المياه. لكن هذه التغيرات لم تنفع المحاصصين، بل زادت قوة الملاّك الذين يملكون هذه المعدات، مما مكنهم من انتزاع حصة أكبر من الغلة وطرد العديد من المحاصصين من أراضيهم، مما دفعهم إلى حالة فقر مدقع دفعتهم إلى الالتحاق بالحركة.

في وصف أساليب الحركة، يذكر الفصل استخدام العنف المباشر ضد الملاّك الظالمين عبر مجموعات من الشباب بقيادة علاء الدين الحريري في منطقة حماه، وفي مناطق أخرى كان الأسلوب هو التحريض غير المباشر عبر طرح أسئلة حول غياب الخدمات. كما يوضح كيف استغل الحوراني موقعه كنائب في البرلمان لتحقيق أهدافه، فشارك في تمرير قانون الانتخاب المباشر والغرفة السرية، وأصدر قانوناً يمنع إخلاء الفلاحين من حيازاتهم في عام 1957. وبلغ هذا النضال ذروته بالمساهمة في قانون الإصلاح الزراعي لعام 1958 أثناء فترة الوحدة مع مصر. ويختتم الفصل بتسليط الضوء على دور الضباط المتعاطفين كرافعة للحركة، مؤكداً أن الجماهير الفلاحية كانت «حجر الأساس» الذي جذب إليهم حزب البعث بقيادة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، مما أدى إلى اندماج الحزبين في نوفمبر 1952؛ فالحوراني كان رجل الشعب العملي، على عكس مؤسسي البعث الذين كانوا مثقفين يتعاملون مع الأفكار بشكل أساسي.

يقرّ الفصل ببعض التحفظات والحدود، فهو يعترف صراحةً أن غياب الفلاحين عن القيادة العليا للحركة لا يقلل من دورهم الحاسم في قاعدتها. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول الأسباب الدقيقة التي جعلت الفلاحين يتقبلون دعوات الحوراني، ويقدم تفسيراً يعتمد على الظروف الاقتصادية المضطربة، مما يشير إلى أن هذه الظروف كانت عاملاً ضرورياً وليس مجرد عامل مساعد.

من الحجج التي تبرز في الفصل وتثير نقاشاً محتملاً، هي الفكرة المركزية التي يطرحها الكتاب: أن حزباً زراعياً بامتياز يمكن أن يُصنع من قبل نخبة مدنية مثقفة وليس بالضرورة من قلب الطبقة الفلاحية نفسها. هذا يثير تساؤلات حول طبيعة القيادة «الثورية» ومدى تمثيلها لقاعدة الجماهير التي تتحدث باسمها.

11.البعث القديم والتربية السياسية لإنتليجنسيا ريفية261–280▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو التمييز بين مرحلتين متميزتين في تاريخ حزب البعث السوري: «البعث القديم» الذي تأسس في أربعينيات القرن العشرين، و«البعث الجديد» الذي برز بعد انقلاب عام 1963 وتولى حافظ الأسد السلطة في انقلاب 1970 التصحيحي. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن البعث القديم لم يكن كياناً واحداً، بل تشكيلة من العناصر المتباينة بقاعدتها الاجتماعية وإطارها الذهني وخصال أعضائها. ويكشف الفصل عن الطبيعة المختلفة جذرياً للبعث القديم، الذي كان يحركه المثل العليا والعروبة الجامعة قبل أن يحوله المحترفون والانتهازيون إلى أداة للسلطة في مرحلته اللاحقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تفكيك بنية البعث القديم. يبدأ بتأكيد أن الحزب لم يكن قوة واحدة، ويشير إلى أن أول مكتب تنفيذي تشكل في عام 1945، وعُقد المؤتمر التأسيسي في عام 1947، لكن جذور الحزب تعود إلى دوائر طلابية ومُعلمين بدأت نشاطها عام 1939. يوضح المؤلف أن دور هذا البعث القديم انتهى فعلياً بعد إقامة الجمهورية العربية المتحدة مع مصر في عام 1958، بينما استمد البعث الجديد زخمه من اللجنة العسكرية السرية التي تشكلت في القاهرة عام 1959. ثم ينتقل إلى توصيف روح البعث القديم، مستشهداً بأمثلة ملموسة على تفانيه، مثل أطباء كانوا يسافرون سيراً على الأقدام في الأربعينيات والخمسينيات لتقديم علاج مجاني للفلاحين، وناشطين كانوا يتحملون تكاليف تعليم أبناء فلاحين واعدين. يحذر المؤلف من النظر برومانسية مفرطة إلى الماضي، لكنه يؤكد أن هذه الروح الحالمة كانت عنصراً جوهرياً منح الحزب ديناميكية افتقدها لاحقاً.

يغوص الفصل في الأصول الاجتماعية والجغرافية لمؤسسي البعث القديم ليفسر أيديولوجيتهم. يذكر أن ثلاثة من الأعضاء الأربعة في أول مكتب تنفيذي لعام 1945 وهم ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، ومدحت البيطار، كانوا من أبناء تجار حبوب. كان هؤلاء ينتمون إلى الطبقة التجارية التي تضررت من تجزئة الولايات العربية بعد 1917، مما جعل الأفق العربي الجامع أمراً طبيعياً بالنسبة لهم. يوضح الفصل كيف أن حي الميدان في دمشق، حيث نشأوا، شكّل وعيهم القومي لسببين: أولاً، ارتباطه بتاريخ ثورة 1927-1925 الكبرى، وثانياً، طبيعته المتنوعة طائفياً وإثنياً، حيث عاش المسيحيون والمسلمون والدروز والبدو جنباً إلى جنب، مما ولد توترات نبهت القادة المستقبليين إلى ضرورة التركيز على الخلفية العربية المشتركة.

يواصل الفصل سرد الخلفيات المختلفة التي غذت القومية العربية في البعث القديم، ويخص بالذكر عضوين آخرين. الأول هو جلال السيد من دير الزور، والذي كان والده شيخاً لعشيرة الخرشان. يرتبط نزوعه نحو الوحدة العربية بتعطل تجارة عائلته مع شمال العراق بسبب الحدود التي فرضتها بريطانيا وفرنسا، والتي فصلت بين أفراد العشائر نفسها. ويذكر الفصل التزامه العميق من خلال تورطه في تهريب الأسلحة والذخيرة إلى فلسطين بين عامي 1936 و1939. أما المجموعة الثانية المؤثرة فهي لاجئو لواء الإسكندرون، الذين التحقوا بالحزب بين عامي 1945 و1947 بعد إلحاق منطقتهم بتركيا عام 1939. كان قائدهم المعترف به هو زكي الأرسوزي، وهو مُدرس علوي من أنطاكية، وقد استلهم من «الكارثة» التي حلت بمواطنيه الحاجة إلى إثارة شباب الأمة. يصف المؤلف الأرسوزي بأنه شخص متأثر بالفقر والاضطهاد، وكان يعيش في ظروف قاسية في دمشق. ويؤكد أن تلامذته اللوائيين هم من أدخلوا إلى حزب البعث العفلقي «توقداً وحرارة شغف لا يملكهما سوى الأشخاص الذين تأذوا».

يكشف الفصل أن البعث القديم، على عكس ما قد يُظن، لم يكن حزباً فلاحياً ولا أولويته الفلاحون. يذكر أن جميع أعضاء المكتب التنفيذي حتى اندماج الحزب مع الحزب العربي الاشتراكي في عام 1952 كانوا من أصول حضرية أو من بلدات رئيسة، باستثناء ميشيل عفلق الذي كان حضرياً في نظرته. ويؤكد المؤلف أن عفلق لم يهتم بشكل مركزي بالفلاحين، ولم تكن كتاباته معادية لملاك الأرض، وهذا يتناقض مع ميول «الانتقاليين» الذين كانوا أقرب إلى أكرم الحوراني. ويشير إلى أن الحزب لم يضرب بجذور عميقة في القرى؛ فعند المؤتمر الأول لعام 1947، لم يكن بين المشاركين البالغ عددهم 217 إلا «عامل واحد ومزارع واحد»، وكان معظم الباقين معلمين أو طلاباً أو موظفين.

مع ذلك، يوضح الفصل التناقض الظاهري بأن الكتلة العظمى من أعضاء الحزب العاديين كانت من الطلاب ذوي الخلفية الريفية أو الفلاحية. وهذا لم يكن نتيجة حسابات من القيادة، بل لأن رسالة الحزب وجدت استجابة أكبر بين أبناء الأقليات الدينية والمناطق المهملة مثل الدروز والعلويين والإسماعيليين والمسيحيين الأرثوذكس. بالنسبة لهؤلاء، كان البعث، بوقوفه ضد الظلم الاجتماعي والتمييز الطائفي وتركيزه على العروبة بدلاً من الدين، يمثل قطيعة مع الماضي وصعوداً نحو المساواة. يُعزى الوزن العددي للطلاب إلى مركزية المُعلمين في الحزب؛ فكثير من مؤسسي فروعه كانوا مؤسسي مدارس أو مديريها، مثل موفق الشرع ومنصور الأطرش ووائل إسماعيل. كان جميع هؤلاء القادة المحليين أبناء فلاحين مالكي أرض، باستثناء منصور الأطرش. ويؤكد المؤلف أن القادة البعثيين نظروا إلى الحزب على أنه قوة تثقيفية تهدف إلى تشكيل جيل جديد وفق مثال العروبة الجامعة، مركزين على الشباب الذي يجب أن يزج بصفاته من اندفاع ومثالية في خدمة الحزب.

يختتم الفصل بالإشارة إلى أن أكرم الحوراني، الذي كان قائد الحزب العربي الاشتراكي، كان يرى تركيز البعث القديم على الطلاب كمصدر ضعف، بينما رأى قادة البعث أن الحزب هو مدرسة لتخريج الرجال. فيما يتعلق بالحجج القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، يمكن الإشارة إلى جدلية دور المثل العليا مقابل المصالح الطبقية. فبينما يؤكد المؤلف على الروح المثالية للبعث القديم، فهو يربط أيديولوجية العروبية الجامعة مباشرة بالمصالح الاقتصادية لطبقة التجار التي ينتمي إليها المؤسسون، الذين تضرروا من الحدود الجديدة. كما يطرح السؤال حول ما إذا كان التمييز الحاد بين البعث القديم «الحالم» والبعث الجديد «الانتهازي» دقيقاً تماماً، أو ما إذا كان البذور الأولى لتلك التحولات قد زرعت في البنية التنظيمية والطبقية للحزب منذ نشأته.

12.البعث «الانتقالي» أو بعث الستينيات وصعود الوجهاء الريفيين أو القرويين الأقل شأنًا وترييف الجيش وإلى حد ما بيروقراطية الدولة281–336▼ ملخص

بدأ الفصل باستعراض الأزمة الداخلية الحادة التي عصفت بحزب البعث قبل الوحدة بين مصر وسورية بفترة قصيرة، حيث تحول الحزب إلى «فوضى من التيارات العقائدية» وفقاً لتقرير داخلي صدر في 9 تموز/ يوليو 1957 تحدث عن «عدم الانضباط»، و«الفجوة العميقة» بين القادة والأعضاء، وأشار إلى أن القادة صاروا ينظرون إلى الحزب كعبء. وأضاف المؤلف أن جمال عبد الناصر أكد بعد سنوات، في آذار/ مارس 1963، أن قادة البعث أنفسهم أبدوا استعداداً لحل الحزب مقابل إقامة الجمهورية العربية المتحدة، وهو ما أكده ميشيل عفلق عام 1968 واصفاً الاقتراح بأنه كان «صدمة». من هنا ينتقل الفصل إلى مركز الثقل الجديد في الحزب: اللجنة العسكرية، التي تشكلت سراً عام 1959 وضمت ضباطاً من أصول ريفية.

يتناول الفصل بالتفصيل تشكيل اللجنة العسكرية وتطورها، مستنداً إلى شهادات أعضائها والتحديات في توثيق بداياتها بسبب اغتيال أو اعتقال أو وفاة مؤسسين رئيسيين مثل محمد عمران (اغتيل عام 1972)، ومزيد هنيدي (توفي عام 1983)، وعبد الكريم الجندي (انتحر عام 1969)، وصلاح جديد (سجن من تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 حتى وفاته عام 1993). ويوضح الفصل أن حافظ الأسد روى للكاتب باتريك سيل عام 1985 أن اللجنة تأسست في أوائل 1960 من خمسة ضباط، بينما يقدم أحمد المير رواية مخالفة بأن التأسيس كان في 1959 من قبل أربعة ضباط آخرين. غير أن المؤكد أن النواة القائدة منذ 1960 ضمت عمران، جديد، الأسد، المير، والجندي. ويوضح الفصل تطور حجم اللجنة من أربعة أعضاء عام 1959 إلى سبعة عشية انقلاب أيلول/ سبتمبر 1961، وخمسة عشية انقلاب آذار/ مارس 1963، وأربعة عشر في تموز/ يوليو 1963، قبل أن يحل محلها المكتب العسكري لحزب البعث في آب/ أغسطس 1965، لتظل المجموعة الداخلية قلب هذا المكتب النابض حتى نكسة حزيران/ يونيو 1967، حيث حدث انقسام قاده الأسد جناحاً براغماتياً وجديد جناحاً مدنياً راديكالياً، انتهى بـانقلاب الأسد في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970.

يبرز الفصل الاختلاف الجوهري بين قادة البعث الكلاسيكي وهم مدنيون في الغالب من أصول حضرية سنية، وبين المجموعة الداخلية للجنة العسكرية بين 1960 و1965 التي كانت بكاملها من القرى والبلدات الريفية ومن طوائف ابتداعية (علويون ودروز وإسماعيليون). ويقدم إحصاءات دقيقة: بين أعضاء اللجنة العسكرية التسعة عشر، 5% فقط جاءوا من المدن السورية الرئيسة، و10% منهم كانوا من طوائف ابتداعية عشية انقلاب آذار/ مارس 1963، وارتفعت نسبتهم إلى 50% بين تموز/ يوليو 1963 وكانون الأول/ ديسمبر 1964، مقابل 75% من السنة في المكتب التنفيذي القديم عام 1945. ويؤكد المؤلف أن 10 من أصل 19 عضواً في اللجنة ينتمون إلى طبقة «الوجهاء الريفيين أو القرويين الأقل شأناً»، ولم يأت أحد منهم من طبقة العمال الزراعيين المحرومين.

يفرد الفصل مساحة واسعة لتحليل الأصول الاجتماعية لأعضاء اللجنة العسكرية واحداً تلو الآخر، ليثبت أطروحته حول الصعود الطبقي للريفيين. فـمزيد هنيدي يتحدر من عائلة وجهاء قرويين دروز، وحمد عبيد من مالكي أراض متوسطين في السويداء نالوا الوجاهة لدورهم في ثورة 1925-1927. وموسى الزعبي من عشيرة سنية مالكة أراض متوسطة سيطرت على ست عشرة قرية في حوران، وأحمد السويداني من عشيرة سنية قديمة قدمت شيوخ البلدة. ومصطفى طلاس من عشيرة زراعية سنية في الرستن، ووالده كان مختار البلدة لكنه لم يكن غنياً. ويحلل الفصل بالتفصيل تاريخ عائلة عبد الكريم الجندي الإسماعيلية في السلمية وتنافسها مع عائلة الأمر. وينتقل إلى أحمد المير المتحدر من الأمراء في مصياف، ومحمد عمران ابن رجل دين علوي من عشيرة الخياطين. وأخيراً، يصف عائلة صلاح جديد من عشيرة الحدادين العلوية التي تمتع والدها بمكانة في منطقة جبلة وامتلك أرضاً لم تتأثر بقوانين الإصلاح الزراعي، ويكشف عن ولاء الأخوة الجديد السابق للحزب السوري القومي الاجتماعي وعلاقتهم باغتيال عدنان المالكي عام 1955، ويترك أسئلة مفتوحة حول توقيت انضمام صلاح جديد للبعث.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفسير ظاهرة صعود طبقة الوجهاء الريفيين الأقل شأناً، ويعزوها إلى سياسات الانتداب الفرنسي: تقسيم سورية لكيانات ريفية (دولة العلويين والدروز)، وتكاثر الهيئات الإدارية، وتحويل الأراضي الأميرية والمشاع إلى ملكيات خاصة. ويدعم ذلك بأرقام: ارتفعت حصة الفلاحين المتوسطين من مساحة الحيازات الإجمالية من 15% تقريباً عام 1922 إلى نحو 33% عام 1944 و36% عام 1955، لتصل عام 1970-1971 إلى 58.7% من مساحة الحيازات الخاصة المملوكة بالكامل و49.6% من الحيازات المستأجرة، بينما لم تتجاوز حصة حائزي أقل من 10 هكتارات 23.5% و15.1% على التوالي. ويحذر المؤلف من أن هذه الأرقام تقريبية ولا تطابق تماماً التقسيم الطبقي الدقيق.

يكرس الفصل قسماً مطولاً لـ «ترييف القوات المسلحة»، موضحاً كيف قامت اللجنة العسكرية بعد آذار/ مارس 1963 بتسريح وتطهير شامل لسلك الضباط من العناصر المعادية أو المترددة وتعويضهم بريفيين. يسرد الفصل عمليات التصفية: ففي 13 آذار/ مارس 1964 صرف 104 ضباط، وبعد ثلاثة أيام طرد 150 ضابطاً متوسطاً، وتبع ذلك تغييرات في أيار/ مايو، تموز/ يوليو من العام نفسه، وشباط/ فبراير، آب/ أغسطس، وأيلول/ سبتمبر 1966. وبحلول حزيران/ يونيو 1967 كان ما لا يقل عن 600 ضابط - أي أكثر من ثلث سلك الضباط - قد أقيلوا، واستبدلوا باحتياطيين من أصل ريفي. ويشير إلى أن بين آذار/ مارس 1963 وحزيران/ يونيو 1967 تعاقب على منصب وزير الدفاع ثمانية جنرالات، وخمسة على منصب رئيس الأركان، بعضهم كانوا مجرد نقباء أو رواد عند توليهم المنصب.

يحلل الفصل بالتفصيل أسباب الهيمنة العلوية على الجيش، رغم أن نسبتهم لا تتجاوز 12.5% من سكان سورية. يرفض التفسير الساذج بالإرث الفرنسي (وجود كتائب علوية في القوات الخاصة)، لأن الجيش تضخم من 7,000 جندي عام 1946 إلى 65,000 عام 1963 و149,000 عام 1973، مما يلغي تأثير تلك الكتائب. ويقدم تفسيرين رئيسيين: الأول اقتصادي، حيث كان بدل الإعفاء من الخدمة العسكرية يرتفع من 500 ليرة إلى 3,000 دولار عام 1968 و5,000 دولار عام 1978، وهو مبلغ لا يستطيع الفلاحون الفقراء – ومعظمهم من العلويين – دفعه، فيجبرون على الخدمة بينما يشتري أبناء المدن إعفاءهم. الثاني: تماسك الضباط العلويين ككتلة واحدة ذات أصول ريفية وطائفية مشتركة، مقابل انقسام الضباط السنة الحاد بين حضريين وريفيين، وبين ناصريين وانفصاليين وحورانيين، وهو ما استغله العلويون الذين كانوا يسيطرون على التنظيم العسكري للبعث ويخططون بدقة لتصفية خصومهم مجموعة تلو الأخرى. ونتيجة هذه التصفيات، التي بلغت ذروتها بضرب الدروز في آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر 1966 وتصفية مجموعة أحمد السويداني الحورانية في شباط/ فبراير 1968، أصبحت السيطرة للضباط العلويين.

يمتد الترييف إلى بيروقراطية الدولة، حيث يصف الفصل تدفق القرويين إلى دمشق بعد صعود البعث، مستشهداً بشهادة سامي الجندي: «بدأت قوافل القرويين... تترك القرى... وطغت القاف المقلقة على شوارعها ومقاهيها». ويرتبط هذا بارتفاع عدد سكان دمشق من 529,963 عام 1960 إلى 836,668 عام 1970 و1,112,214 عام 1981، بمعدل نمو سنوي بلغ 46.7% بين 1960 و1970 مقابل 26.3% بين 1970 و1981. وازداد عدد موظفي الدولة والقطاع العام (باستثناء الشرطة والجيش) من 33,979 عام 1960 إلى 198,079 عام 1971، و367,649 عام 1980، و546,146 عام 1985، و717,387 عام 1992، ويعزو المؤلف هذه الزيادة الكبيرة إلى توظيف الريفيين.

يتناول الفصل تعزيز الصبغة الريفية لحزب البعث نفسه. فبعد انقلاب آذار/ مارس 1963، لم يزد عدد الأعضاء المدنيين عن 400، بينما كان التنظيم العسكري أكبر بكثير بسبب ضم الاحتياطيين بسرعة على أساس القرابة والعشائرية. واعترف أمين الحافظ في آب/ أغسطس 1963 بأن العدد لا يتجاوز 5,000، بل هو أقل، بينما تشير تقديرات أخرى إلى 2,000-3,000 عضو عامل، تضاعفوا إلى نحو 5,000 عضو عامل وربما 8,000 مرشح بحلول خريف 1967. ويقدم الفصل جدولاً بالتركيبة الاجتماعية للحزب عام 1968 يظهر أن 29.1% من الأعضاء العاملين فلاحون و13.7% عمال. لكن الأهم هو تحليل القيادة القطرية: فبين آذار/ مارس 1966 وتشرين الثاني/ نوفمبر 1970، جاء 54.1% من أعضاء القيادة من القرى، و33.3% من بلدات ريفية، و8.4% فقط من المدن الرئيسة، ولم يشغل أي دمشقي مقعداً في القيادة. وتشير الأرقام إلى انحدار 37.5% من الأعضاء في هذه الفترة من طبقة الوجهاء الريفيين أو القرويين المتوسطين، وأن 45.8% كانوا من أصل فلاحي. ويظهر الجدولان (4-12) و(5-12) الوزن الثقيل للطوائف الابتداعية ونقص تمثيل السنة في القيادة، مع ارتفاع حاد في دور العلويين بعد شباط/ فبراير 1966 على حساب الدروز.

يخصص الفصل قسماً للسياسات الزراعية في الستينيات، فيشرح تعميق قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 الصادر في 27 أيلول/ سبتمبر 1958 عبر المرسوم 88 في 23 حزيران/ يونيو 1963 الذي خفض سقف الملكية إلى 15-55 هكتاراً للأراضي المروية و80-300 هكتار للأراضي البعلية، ثم قانون عام 1968 بحد أقصى 80 هكتاراً للأراضي المروية أو المشجرة و300 هكتار للبعلية. وقد تأثر بالإصلاح 3,247 مالكاً و1,176,482 هكتاراً (نحو 20% من الأراضي المستثمرة) بموجب قانون 1958، وأضيف إليهم 1,372 مالكاً و48,767 هكتاراً بموجب مرسوم 1963. ويصف الفصل بطء عملية التوزيع الأولي ومعوقاتها، ثم تسارعها بفضل جهود إبراهيم ماخوس، وهو طبيب من طبقة الوجهاء العلويين الريفيين، الذي تولى مكتب الفلاحين في القيادة القطرية بين 1969-1968 وشارك الفلاحين مباشرة في التوزيع، فوزع في ستة أشهر ما لم يوزع في كل السنوات السابقة. لكن الفصل يقدم أيضاً انتقادات حادة من سامي الجندي الذي وصف الإصلاح بأنه «عجيبة القرن العشرين» حيث الملكية تخضع لأهواء موظفي الإصلاح وقيادة الحزب المحلية، وانتقد تفتيت الملكية وإهمال التوجه التعاوني. ويخلص الفصل إلى أن الإصلاح عمل أداة تسوية قلّصت الفقراء على المدى القصير لكنها تركت كثيرين بلا أرض، وأن المستفيد الأكبر هم الفلاحون المتوسطون الذين شكّلوا حجر الأساس لدعم الحزب ومصدراً لضباطه.

يختتم الفصل بتحليل أسباب سقوط تيار صلاح جديد، ويركز على عامل الزعزعة الناتج عن عدم استقرار قبضتهم على السلطة. ويفصل الأسباب: سيولة الوضع الاجتماعي، مقاومة المدينة، عدم استقرار الاقتصاد، تقلب الحزب من أزمة لأخرى، تغير ميزان القوى في الجيش، آثار نكسة حزيران/ يونيو 1967، وانعدام الثقة والانشقاقات داخل التيار السائد على أسس شبه مناطقية وشبه طائفية تعكس تشظي المجتمع الريفي. ويحلل شخصية صلاح جديد بوصفه سياسياً براغماتياً لا أيديولوجياً واضحاً، يتلاعب بالقوى ويتحالف مع اليساريين ثم يتخلى عنهم وفقاً للمصلحة، ويفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة. ويؤكد الفصل أن سياساته الخارجية غير الحصيفة تجاه إسرائيل وقضية «الحرب الشعبية» و«الفدائيين» تجاوزت قدرات سورية الفعلية، مما أدى إلى حرب 1967 وتغيير المعادلات داخلياً. في المقابل، يظهر حافظ الأسد الذي أدرك الحاجة إلى مسار أكثر براغماتية يقوم على تسوية الصراع الحضري-الريفي والتصالح مع الطبقات الوسطى، والتركيز على إعادة بناء الدفاعات. ويشير الفصل إلى خلافات مبكرة بين الأسد وجديد حول طرد الضباط في شباط/ فبراير 1967 وفبراير 1968، حيث استفاد الأسد من تصفية مجموعة أحمد السويداني الحورانية (التي عززت سلطة العلويين) لتعيين مصطفى طلاس رئيساً مخلصاً للأركان، قبل أن يتوج صراعه بالانقلاب في 1970.

يمكن القول إن الفصل يقدم أطروحة متماسكة وقوية تفسر التحول الاجتماعي-السياسي في سورية خلال ستينيات القرن العشرين. ورغم غنى الفصل بالتفاصيل والأسماء والشهادات الشخصية، إلا أنه يعتمد بشكل كبير على مصادر شفوية (مقابلات مع شخصيات محورية) ووثائق داخلية للحزب، وهو أمر قد يكون عرضة للتحيز أو النسيان أو إعادة بناء الذاكرة. كما أن الحجج القابلة للنقاش تتعلق بالتبسيط المفرط أحياناً في تفسير الصراع على أنه «حضري ريفي» أو «سني علوي» فقط، رغم أن الفصل نفسه يعترف بالانقسامات داخل كل فئة. هناك أيضاً تساؤل حول مدى دقة الأرقام المتعلقة بالتركيبة الاجتماعية للحزب والجيش، حيث تعتمد على تقديرات ومصادر محدودة. وأخيراً، يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان صعود الوجهاء الريفيين تحريراً أم مجرد إحلال طبقة جديدة محل طبقة قديمة بنفس الآليات السلطوية.

13.بعث ما بعد 1970 بقالبه الأسدي وتوجهه337–362▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوع التحول الجذري الذي طرأ على حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية بعد انقلاب 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، والذي أوصل حافظ الأسد إلى سدة الحكم. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف حنا بطاطو هي أن الحزب فقد هويته القديمة كمنظمة نخبوية أيديولوجية، وأصبح أداة بيد شخص واحد، حيث خضع بالكامل لشخصية الأسد وأهدافه، وتحول إلى جهاز ضخم للتجنيد الجماهيري وشرعنة حكمه، مع تغيير جذري في تركيبته الاجتماعية ليعكس قوته الجديدة في الأرياف وبين الأقليات.

يبدأ الفصل بتأكيد أن حزب البعث بعد عام 1970 يحمل بصمة حافظ الأسد الشخصية، حيث امتزج تاريخ الحزب بسيرته. ويشير إلى أن عبادة الشخصية بدأت تتشكل رسمياً منذ أيار/ مايو 1971، وتطورت حتى رفع المؤتمر القطري الثامن في عام 1985 شعار "قائدنا إلى الأبد". ويستشهد المؤلف بتصريح لرئيس الوزراء آنذاك محمود الأيوبي عام 1975 مفاده أنه لا توجد في سورية سوى سلطة واحدة وقائد واحد. ليوضح أن هذه السلطة المطلقة لم تكن ترضي الجميع داخل الحلقة الضيقة؛ فيروي حادثة عام 1974 التي أسرّ فيها رفعت الأسد (شقيق الرئيس وقائد سرايا الدفاع) إلى صديقه صالح عضيمة عن مرارته من معاملة أخيه له كأحد العبيد، رغم حبه له. ويعلق المؤلف أن هذا لا يعني بالضرورة أن حافظ الأسد عامل الجميع بنفس الحسم، لكنه يؤكد هيمنة شخصيته على الحزب.

ينتقل الفصل إلى تحليل الخصائص العامة للبعث الجديد، وأبرزها نموه العددي الهائل. يورد أرقاماً دقيقة: ارتفع عدد أعضاء الحزب من 65,398 في عام 1971 إلى 374,460 في عام 1981، ثم إلى 1,008,243 في 30 حزيران/ يونيو 1992، في بلد كان عدد سكانه آنذاك حوالي 13 مليوناً. ويحسب المؤلف أنه في عام 1992، كان الحزب يضم 14.5% من جميع السوريين البالغين (14 سنة فأكثر)، و 24.7% من الذكور البالغين. ويقارن هذا بنسبة 9% فقط كانت ذروة قوة الحزب الشيوعي السوفياتي. ويفسر هذه القفزات الهائلة، ليست نتيجة إيمان أيديولوجي كما في الأربعينيات والخمسينيات، بل بقرارات واعية من القيادة العليا لتوسيع القاعدة الشعبية. ويوضح أن الحزب افتتح أبوابه على مصراعيها للانضمام كأنصار، لكن التدرج إلى "عضو عامل" (المرحلة المخوّلة للتصويت والقيادة) كان أصعب بكثير؛ ففي عام 1971 لم يشكل الأعضاء العاملون سوى 12.2% من الكتلة الحزبية، وارتفعوا إلى 21.8% في عام 1992، لكن العدد الإجمالي للعمال تضاعف 27 مرة خلال الفترة نفسها.

يقدم الجدولان (3-13 و6-13) تحليلاً للتركيبة الجغرافية والاجتماعية للحزب. يخلص الفصل إلى أن الحزب كان أضعف نسبياً في المدينتين الكبريين دمشق وحلب، لكنه كان أقوى بكثير في محافظات الأرياف مثل حماه، اللاذقية، حمص، وطرطوس. ويعزو المؤلف ذلك إلى التاريخ الريفي والأقلوياتي للحزب، فحماه كانت معقل حركة أكرم الحوراني الزراعية، بينما اللاذقية وطرطوس هما معقل الطائفة العلوية، التي أصبحت العمود الفقري للنظام. ويذكر أن الزعيم اللبناني كمال جنبلاط أكد في منتصف السبعينيات أن العلويين أصبحوا يشكلون أغلبية (أو ثلثاً) في مدينة حمص بفضل هجرة صامتة وكبيرة.

على المستوى المهني، يكشف الجدولان (5-13 و6-13) أن الطلاب شكلوا نصف أعضاء الحزب في عام 1992. كما يشير الفصل إلى أن الحزب كان ثقيلاً بين المعلمين، حيث انتمى إليه ما لا يقل عن 55% من جميع معلمي المدارس عام 1992. ويعزو الفصل تركيز الحزب على المؤسسات التعليمية إلى سيره على خطى البعثيين القدامى. ويظهر الجدول (4-13) أن نسبة الفلاحين في الحزب انخفضت من 25.1% عام 1974 إلى 12.4% عام 1989، ثم ارتفعت بشكل طفيف إلى 13% عام 1992. ويشرح المؤلف أن هذا يعكس تحولات اقتصادية واجتماعية أوسع، فانخفاض عدد المشتغلين بالزراعة في سورية من 53% عام 1974 إلى 22.9% عام 1989 بسبب الهجرة الريفية الناتجة عن الجفاف والميكنة والوظائف ذات الدخل الأعلى، قبل أن تبدأ هجرة عكسية نحو الريف في عام 1989.

يقرّ الفصل بحدود وتحديات هذه السياسة، فيعترف باستمرار صعوبة تجنيد الفلاحين رغم التوسع، ويستشهد بتعميم حزبي داخلي يصف الفلاح بأنه يعيش في "وسط اجتماعي ضيق" وثقته بالدولة "ضعيفة". ويذكر أن القيادة حذرت الناشطين من استخدام لغة أيديولوجية معقدة معهم. لكنه ينقل أيضاً تفاؤل رئيس الاتحاد العام للفلاحين في عام 1991 الذي رأى أن القرية السورية أصبحت "على غير ما كانت عليه" بفضل الكهرباء والطرق والمدارس. وفي المقابل، ينقل الفصل شكوى مرشد زراعي يأسف لفقدان التعاون والمحبة القديمة في القرية لصالح المعاملات المادية، تاركاً التساؤل مفتوحاً حول مدى تعميم هذا الشعور.

ختاماً، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن تحول حزب البعث من حزب أيديولوجي نخبوي إلى جهاز دولة جماهيري لشرعنة الحكم الفردي، رغم نجاحه العددي والتنظيمي، قد أضعف طابعه الأيديولوجي. البنية نفسها توحي بأن الحزب أصبح أداة لاختراق المجتمع ومراقبته، في تناقض مع خطابه التحرري، حيث حلّ الولاء للقائد محلّ الولاء للمعتقدات القديمة.

14.خلفية حافظ الأسد وتعليمه الباكر وتدرّبه الحزبي وأولى معاركه السياسية363–372▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول النشأة المبكرة لحافظ الأسد، أول حاكم لسورية من أصول فلاحية، وتكوينه الفكري والسياسي، وصولاً إلى أولى معاركه السياسية. يقدم المؤلف حنا بطاطو تحليلاً لشخصية الأسد لا يقتصر على السيرة الذاتية، بل يربطها بالتركيبة الاجتماعية والطائفية والاقتصادية لسورية في تلك الفترة، ويجادل بأن فهم أصول الأسد الفلاحية وتجربة طائفته العلوية كأقلية مقهورة هو المفتاح لفهم سلوكه السياسي، وخاصة ميله للغموض والحذر والتركيز على قضايا الريف والفلاحين.

يسير الفصل مستهلاً بالتأكيد على أن شخصية الأسد ما زالت محط اهتمام، لكنها عصية على الإحاطة الكاملة. ينقل المؤلف عن مصادر متعددة، منها صديقه القديم مصطفى طلاس والقائد الفلسطيني أبو إياد، وصفاً لشخصيته بأنها “باطنية” وغامضة، حيث لا يكشف لسانه عما في قلبه. يقدم الفصل تفسيراً لهذا الغموض، حيث يعتبره نزعة متأصلة لدى أبناء الطائفة العلوية الذين عانوا طويلاً كأقلية مضطهدة، مما جعل التورية والتكتم سلاحاً للبقاء، وهو سلوك لا يتغير بسرعة حتى بعد الصعود إلى السلطة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل الخلفية الفلاحية للأسد، مستشهداً بخطاباته التي يعلن فيها بفخر عن هويته، مؤكداً أنه “فلاح وابن فلاح”. يصف المؤلف كيف عاش الأسد حياة الفلاحين وعمل معهم في الحقول، ويذكر أنه قال صراحة إن هذه المعاناة شكلت لديه “الأرض الصلبة” لفهم الحاضر وبناء المستقبل. ومع ذلك، يوضح الفصل أن أسرته، رغم أصولها المتواضعة، لم تكن من عامة الناس، حيث كان والده علي سليمان (المولود عام 1875) يلقب بـ “المتشرّع” لمعرفته بالشريعة والقوانين، مما أكسبه احتراماً ونفوذاً في قريته القرداحة.

يغوص الفصل في جغرافية القرداحة وبنيتها الاجتماعية، ويصفها بأنها سوق للقرى المجاورة على سفوح جبل يبعد عن اللاذقية بحوالي ثلاثين كيلومتراً، ويذكر أن عدد سكانها كان نحو 1500 نسمة عام 1930 (عام ميلاد الأسد) وارتفع إلى 3357 نسمة عام 1970 (عام وصوله للسلطة). يبين المؤلف أن نفوذ آل الأسد كان يتركز في حارة العيلة التي تضم ربع سكان القرية، ويصف التنافس بينهم وبين عائلتي إسبر وإسماعيل اللتين كانتا تزعمان فرعين آخرين من عشيرة الكلبية، بينما كانت سلطة الدين بيد عائلة الخيّر. يرفض الفصل الرواية التي أشاعها معارضو الأسد بأن والده ساند الانفصال عن سورية عام 1936، ويورد وثيقة من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية تظهر أن علي سليمان كان من موقعي بيان في 2 تموز/ يوليو 1936 يرفض سياسة التفرقة الفرنسية ويؤكد أن العلويين مسلمون وأن إقليمهم جزء لا يتجزأ من سورية.

يسرد الفصل قصتين متناقلتين عن والده، علي سليمان، بهدف رسم ملامح شخصيته الصارمة والعنيفة. تروي الأولى، التي يصعب التحقق من صحتها، عن وفاة شقيق الأسد الأكبر بهجت عام 1938 بعد أن ضربه والده ضرباً مبرحاً برسن حديدي بسبب تبديد نقود، مما أدى إلى انتحاره. أما الثانية فتحكي عن معاقبته لأخيه عزيز الذي اعتنق المسيحية بربطه وإجباره على العودة إلى الإسلام. يضع المؤلف هذه القصص في سياق التحليل المحتمل لتأثير هذه البيئة القاسية على تكوين شخصية حافظ الأسد نفسه.

يتبع الفصل مسيرة الأسد التعليمية، فيذكر أنه تعلم القراءة والكتابة على يد الشيخ القروي كامل حامد وحفظ ربع القرآن في السابعة من عمره. ثم حظي بتعليم ابتدائي حديث في القرداحة، وانتقل عام 1944 إلى اللاذقية للتعليم الثانوي. يبرز تفوقه في مادة التاريخ (حيث نال علامة 19 من 20 عام 1944-1945) وضعفه في الرياضة البدنية (علامة 6 من 20 في نفس العام)، ويشير المؤلف إلى أن هذا الضعف قد يكون أحد العوامل التي ساهمت في اعتلال قلبه لاحقاً. على الرغم من خلفيته العلوية، يذكر الفصل أن الأسد لم يظهر أي اهتمام بالقضايا الطائفية في شبابه، فلم ينخرط في الحزب العلوي الناشط آنذاك.

يخصص الفصل حيزاً مهماً لتأثير الطبيب وهيب الغانم، وهو علوي من لواء إسكندرون تحول إلى مناضل بعثي. يوضح المؤلف أن قدوم علويي اللواء بعد ضمه إلى تركيا عام 1939 شكل العمود الفقري لحركة البعث في اللاذقية. يصف الغانم بأنه كان يجول في الريف لعلاج الفقراء، مما أكسبه مكانة “قداسة” بينهم وأثر بعمق في طلابه، ومنهم الأسد، حتى أن الغانم تحمل جزءاً من نفقات دراسة الأسد. أصبحت المدرسة التي درس فيها الأسد قاعدة للفكر البعثي بفضل الغانم ورفاقه، واتخذ الأسد من نسخة الغانم من البعثية نموذجاً له، وهي التي تخاطب الفلاحين في المقام الأول.

يختتم الفصل بذكر أولى دلائل نضج الأسد السياسي، فيشير إلى تقرير من مدرسته الثانوية عام 1950 يصفه بأنه “أول طالب ريفي” يرأس اللجنة الطلابية في اللاذقية، ويساهم في توحيد النشاط الطلابي على مستوى سورية. يعزو المؤلف بروزه هذا إلى صفاته الشخصية (الحذر والهدوء) وإلى صلته بحزب البعث. ثم يصف أول معركة سياسية خاضها الأسد، وكانت ضد شركة التبغ اللبنانية السورية، وهي شركة ذات ملكية فرنسية كانت تحتكر إنتاج التبغ في سورية. على الرغم من أن الفصل لا يذكر تفاصيل هذه المعركة، إلا أنه يحددها كنقطة انطلاق لنشاطه السياسي العملي.

يمكن القول إن الفصل ينجح في توجيه أضواء كاشفة على المراحل التكوينية لحافظ الأسد سياسياً واجتماعياً، جامعاً بين السيرة الذاتية وتحليل البنية الاجتماعية الأوسع. مع ذلك، يعتمد الفصل، كما يشير المؤلف نفسه، بشكل كبير على روايات وذكريات شخصية قد يصعب التحقق من دقتها بالكامل، خاصة القصتين المتعلقتين بوالد الأسد. هذا يترك بعض التفاصيل، رغم قيمتها في رسم صورة مقنعة، مفتوحة على احتمال أن تكون جزءاً من الأساطير أو الخطاب السياسي الذي أحاط بشخصية الأسد أكثر من كونها حقائق تاريخية ثابتة.

15.سيرة الأسد ومؤهلاته العسكرية أو الاستنتاجات المتعلقة بقيادته العسكرية استنادًا إلى أدائه في حربي 1967 و1973 وفي أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان373–382▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول تقييم القدرات العسكرية لحافظ الأسد كقائد عسكري، استناداً إلى أدائه في حربي 1967 و1973، وأثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982. يخلص المؤلف، حنا بطاطو، إلى أن الأسد كان أبرع في "الحرب السياسية" منه في الحرب العسكرية، وأن مكانته في فن الحكم تفوق مكانته بين القادة العسكريين. فمسيرته العسكرية، منذ انضمامه إلى اللجنة العسكرية السرية عام 1960 وحتى توليه وزارة الدفاع، كانت منصة للوصول إلى السلطة أكثر من كونها تدريباً قتالياً حقيقياً.

يبدأ الفصل بسرد خلفية الأسد كابن فلاح، ودخوله الكلية العسكرية المجانية في أيلول/سبتمبر 1951، وتخرجه كطيار عام 1955. هذا السياق يقدمه المؤلف كدليل على أن الأسد لم يكن لديه ميل خاص للحياة العسكرية، بل كانت مهنة عسكرية ضرورة طبقية وسياسية، خاصة بعد أن أصبح السياسيون العسكريون هم المسيطرون على سورية منذ عام 1949.

في تحليله لحرب 1967، يعترف المؤلف بالظروف المخففة كالتفوق الإسرائيلي الجوي والتكنولوجي، وتشرذم هيئة الضباط بسبب التطهيرات السياسية التي كان الأسد طرفاً فيها. لكنه يركز على حادثة البلاغ رقم 66 سيئ الصيت، الذي بثه الأسد بصفته وزيراً للدفاع في 10 حزيران/يونيو 1967، زاعماً سقوط مدينة القنيطرة ووصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف دمشق، وهو ما نفته المصادر الإسرائيلية (موشي دايان وإسحق رابين). يقدم الفصل روايتين متناقضتين للحادثة: الأولى من إبراهيم ماخوس، وزير الخارجية آنذاك، الذي قال إن ضابطاً من الجبهة أبلغ الأسد خطأً برؤية رتل دبابات، فتم بث البلاغ دون تحقق كاف. والثانية من سامي الجندي، سفير سورية في باريس، الذي وصفها بأنها "خطة ماهرة" لإجبار العالم على وقف إطلاق النار. أياً كانت الحقيقة، يخلص المؤلف إلى أن البلاغ كشف عن نقص في الكفاءة وسوء تقدير، وأن أي وزير دفاع أكثر خبرة كان سيحسب تأثير البلاغ على الجيش قبل بثه. كما يشير إلى شائعات بأن وحدات عسكرية موالية للأسد وجديد كانت أول من انسحب من الجبهة، مما يثير شكوكاً حول إعطاء الأولوية للحفاظ على النظام على حساب التضحية بالأرض والجيش.

وعلى النقيض، يرى المؤلف أن الأسد تعلم من هزيمة 1967، ويصف إدارته لحرب 1973 بأنها أفضل بكثير. فقد عزز انضباط الجيش، وحسن أسلحته بقوة نارية أكبر (خاصة الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات مثل سام 3 وسام 6)، وأظهر مفاجأة استراتيجية وتكتيكية بتركيز هجومه في القطاع الجنوبي بدلاً من الشمالي كما توقع الإسرائيليون. لكنه يذكر أيضاً نواقص، منها التصلب في القتال نتيجة أوامر بعدم الانسحاب حتى لو كان ذلك ضرورياً، مما كبدهم خسائر فادحة. يلقي الفصل باللوم الأساسي في عدم تحقيق النصر على افتراق أهداف القادة المصريين، الذين توقفوا بعد عبور القناة، تاركين القوات السورية وحدها لمواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي لأسبوع كامل. ورغم الخسائر، يقرّ المؤلف بأن الحرب كانت نصراً نفسياً للأسد، حررته وإرادة شعبه من "عقدة الخوف"، ورفعت مكانته في عيون الضباط والمواطنين.

أما فيما يخص الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982، فيمدح المؤلف حذر الأسد وضبط النفس. فبدلاً من الانجرار إلى مواجهة شاملة كان التفوق الإسرائيلي يجعلها "شبه معدومة" النجاح، ترك الأسد الفلسطينيين لقدرهم ولم يقدم سوى القليل في معركة بيروت. هذا القرار، رغم قسوته، يقدمه المؤلف كحساب بارد وبعيد النظر لحماية الجيش السوري، الذي يعتبر أداة الحفاظ على النظام، خاصة بعد أن أخرجت مصر نفسها من المعادلة العسكرية العربية بتوقيعها اتفاق سلام في 1979.

الحجج القابلة للنقاش جوهرية في هذا الفصل. فحكم المؤلف على حادثة البلاغ رقم 66، سواء كانت خطأً عسكرياً "غير مقصود" أو "خدعة سياسية معدّة سلفاً"، يصور الأسد إما كقائد غير كفؤ أو كسياسي لا يبالي بتضحيات جيشه. كلا الاحتمالين يضر بصورته كقائد عسكري. كما أن الشائعات التي يذكرها حول انسحاب وحدات موالية للأسد تحت جنح الظلام تبقى غير مثبتة ويقرها المؤلف كشكوك، لكنها تشكل أساساً لتفسير مفاده أن بقاء النظام كان دائماً الأولوية القصوى. أخيراً، يبقى التوفيق بين صورة الأسد في 1973 (القائد الجريء والمخطط) و1982 (القائد شديد الحذر) مفتوحاً في التحليل، حيث يظهر أنه جريء فقط حين تتوفر حسابات الربح، وحذر حين تهدد المخاطر النظام، وليس بالضروري حين تكون ثمة مصلحة عسكرية أو قومية عليا.

17.تركيزٌ سريع على أشكال السلطة الأشد حذقًا389–404▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تحليل أشكال السلطة الأقل وضوحاً والأكثر حذقاً في سورية في عهد حافظ الأسد، وذلك بعد أن يكون قد مهد لذلك بوصف للهرم الرسمي للسلطة. يرى المؤلف أن حصر الاهتمام بالقيادة العليا والمؤسسات الرسمية يحجب نوعاً آخر من السلطة غير المباشرة لكنها فاعلة، وهي سلطة المجموعات أو الأفراد القادرين على التأثير في السياسات العامة عبر وسائل ملتوية أو علاقات غير رسمية. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن نخبة رجال الأعمال في سورية، رغم استبعادها من مراكز السلطة السياسية والحزبية الرسمية، نجحت في بناء نفوذ متزايد مكنها من دفع الحكومة نحو سياسات تخدم مصالحها، وذلك منذ منتصف الثمانينيات بشكل خاص.

لتطوير هذه الحجة، يبدأ الفصل بإعطاء مثال حي من زمن الاضطرابات بين 1976 و1982، حين مارس تجار سوق الحميدية في دمشق لعبة مزدوجة: البعض ساعد الإخوان المسلمين سراً، والبعض الآخر دعم النظام علناً. يوضح المؤلف أن الرئيس حافظ الأسد نفسه سهّل أمور التجار في 1976، ثم زاد حصتهم من مستوردات السلع الاستهلاكية، والتي قفزت من 1.72 مليار ليرة سورية عام 1975 إلى 3.63 مليارات عام 1976 وصولاً إلى 4.17 مليارات عام 1980. وفي 1980، شكر الأسد تجار دمشق علناً على موقفهم الوطني، مما يشير، حسب المؤلف، إلى أن الطبقة التجارية أصبحت تضارع النظام عندما يتعلق الأمر بالأعمال. يُعزى جزء من قوتهم إلى تدفق الأموال على سورية بوصفها دولة مقصودة من دول الخليج في السبعينيات ومن تحويلات العاملين في الخارج.

يستشهد الفصل بمواقف رفعت الأسد، شقيق الرئيس الأصغر، الذي كان يرى أن أصحاب الأعمال هم من يثيرون الخلافات في قيادة الحزب منذ 1963، معتبراً أنهم «يكرهون حزب البعث». لكن المؤلف يقر بوجود عيوب في مزاعم رفعت، ويحذر من وضع طبقة الأعمال كلها في سلة واحدة، مشيراً إلى وجود تفاوتات بين التجار التقليديين والأغنياء الجدد وأولئك الذين ثروتهم ذات غطاء سياسي. ومع ذلك، يخلص إلى أنه لا شك في مهارة نخبة أصحاب الأعمال في حماية مصالحهم، رغم أنهم لم يشغلوا مقاعد مؤثرة في قيادة الحزب أو في مجلس الشعب (ثلاثة مقاعد فقط من 186 في الدورة 1973-1977، وثمانية من 250 في دورة 1990-1994).

يقدّم الفصل أدلة ملموسة على تقدم رجال الأعمال، منها زيادة عدد أعضاء الفئة «الخاصة» في غرفة تجارة دمشق بنسبة 50% وتضاعف أعضاء «الفئة الأولى» ثلاث مرات بين 1971 و1990. والدليل الأهم هو الانخفاض الحاد في معدلات الضرائب، حيث هبط الحد الأقصى للتكليف الضريبي على الأرباح الصافية من المشاريع من 74.70% عام 1974 إلى 45% عام 1992. كما يشير إلى قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 لعام 1991، الذي يمنح إعفاءات ضريبية لمدة خمس أو سبع سنوات للمشاريع القائمة على رأس مال لا يقل عن عشرة ملايين ليرة سورية، مما أدى إلى استثمارات جديدة بلغت قيمتها 1.6 مليار دولار بين أيار/مايو 1991 وآب/أغسطس 1992، وصولاً إلى نحو 3.76 مليارات دولار عام 1996.

ينتقل الفصل إلى تحليل حصة القطاع الخاص من التجارة الخارجية، موضحاً أنها تقلبت صعوداً وهبوطاً في السبعينيات، ثم هبطت إلى مستوى قياسي بلغ 3% عام 1984، لكنها ارتفعت لاحقاً لتصل ذروتها 65.3% عام 1995. أما في الصادرات، فبلغت حصتها حدها الأدنى 7.6% عام 1985 لترتفع إلى 48% عام 1989. ورغم أن المؤلف يحذر من صعوبة تفسير هذه الأرقام بدقة بسبب عوامل كالتهريب وأسعار الصرف المختلفة، إلا أنه يؤكد أن دور رجال الأعمال في التجارة الخارجية نما بشكل واضح منذ 1986، وكان لهم «حصة الأسد» في تجارة التجزئة الداخلية، حيث لا تتعدى مساهمة الحكومة 7%. ويلفت النظر إلى أن القطاع العام ما زال مسيطراً على الصناعات التحويلية الثقيلة وعلى الصيرفة وتجارة الحبوب.

لكنّ الأهم من الأرقام الرسمية هو واقع الاقتصاد غير المنظم أو «السري»، الذي يُسمى أحياناً «الفرع الرابع من الاقتصاد» أي التجارة بالمهربات. ويشير الفصل إلى تقرير غير منشور من 1987 يُقدّر حجم هذا الاقتصاد بأكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي. ويصف بالتفصيل شبكات التهريب الواسعة التي يديرها كبار رجال الأعمال عبر عملاء محترفين، وبمساندة من موظفين كبار في الجمارك والأمن، مقابل مكافآت مجزية. ويورد حادثة كشف عنها أحد أعضاء مجلس الشعب في 1981 عن «تقسيم للعمل» في هذا المجال، حيث خُصصت مجموعات متخصصة لتأمين الطرق ورشوة الموظفين. ورغم أن الأسد أقر في 1993 بمشكلة التهريب، مؤكداً أن المهربين مسلحون وأن صدامات وقعت مع قوات الأمن، إلا أن الشكوى الدارجة في دمشق هي أن السلطات تغمض عينها عن كبار المهربين ذوي الصلات.

يخلص الفصل إلى تفسير نفوذ رجال الأعمال هذا بعاملين رئيسيين. الأول هو قوتهم المالية التي تشكل سنداً مباشراً للنظام، إذ إن أموالهم الموجودة في حسابات مصرفية أجنبية بعيدة عن متناول الحكومة التي تحتاج إلى اجتذابها، خاصة بعد أن نضبت المعونات الخليجية في الثمانينيات. الثاني هو نجاحهم في استمالة كبار الموظفين في مؤسسات الدولة بإشاعة روح الكسب لديهم، خاصة مع تراجع الأيديولوجية الحزبية ونمو الفساد منذ أواخر السبعينيات. ويذكر الفصل أن الرئيس الأسد نفسه أنشأ لجنة للتحقيق في الكسب غير المشروع في 1977، وتبرع ببعض ممتلكاته «للتبرؤ» من هذه الممارسات، لكن الفساد استمر كما يتضح من شكاوى أعضاء في مجلس الشعب.

18.تنظيم السلطة في الجزء الثاني من نظام الأسد واتّسام هذا التنظيم من بين صفات أخرى بسمة أساسية من سمات الحياة الفلاحية405–448▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل من كتاب حنا بطاطو البنية الأساسية لتنظيم السلطة في المرحلة الثانية من حكم حافظ الأسد، ويقدّم أطروحةً محوريةً مفادها أن هذا التنظيم يتّسم، بصورة جوهرية، بسمة مستمدة من الحياة الفلاحية، وتحديداً من الغرائز الأوّلية تجاه العائلة والعشيرة والطائفة، التي شكّلت وشائج القرابة حجر الأساس للثقة والحماية والأمان في المجتمعات الريفية السورية.

يسير الفصل خطوةً خطوةً، بدءاً من تأصيل هذه الغريزة الفلاحية، حيث يوضح أن القرابة والعشيرة كانتا، لقرون طويلة، وحدتي الحياة الأساسيتين في القرى السورية، متفوقتين في الأهمية على أي روابط اجتماعية أخرى، ومتمتعتين بسلطة معنوية أعلى من سلطة الدولة التي لم يثق بها الفلاحون. ويركز الفصل على أن هذا الشعور كان قوياً بشكل خاص في جبال العلويين والدروز، إذ كان الفلاحون يعتمدون على عشائرهم للحماية ودرء المجاعة. يمتد هذا الشعور، لدى كثير من العلويين، ليشمل كامل الطائفة العلوية، ليس فقط بسبب الاضطهاد المشترك، بل أيضاً نتيجة اعتقاد واسع النطاق بأن جميع العلويين ينحدرون من أصل قبلي واحد، وهو ما يعكسه قول الدكتور أحمد سليمان الأحمد بأن "جميعهم تقريبًا أبناء عمومة". لكن الفصل يقرّ بأن هذه النظرة ليست مطابقة للحقيقة التاريخية بالكامل، وأن الروابط العشائرية تشوبها درجات من التفكك لدى الأجيال الأصغر سناً.

بعد ذلك، يربط الفصل هذه الغرائز بهيكل السلطة، مستخدماً جداول إحصائية (خاصة الجدولين 1-18 و2-18) لإظهار الهيمنة العلوية الواضحة على المناصب العسكرية والأمنية الحساسة. فبين عامي 1970 و1997، كان من العلويين ما لا يقل عن 61.3% من الضباط الـ 31 الذين شغلوا المواقع الرئيسية. والأكثر دلالة هو أن 12 من هؤلاء كانوا من عشيرة الأسد (الكلبية) أو عشيرة زوجته (الحدادين)، ومن بينهم سبعة من أقرباء الدم أو المصاهرة، مثل شقيقه رفعت وابن عم زوجته عدنان مخلوف وابن عمته شفيق فياض، الذين قادوا وحدات النخبة مثل سرايا الدفاع والحرس الجمهوري والفرقة الثالثة المدرعة. يخلص الفصل إلى أن ما لا يقل عن 11 (أي 57.9%) من 19 علوياً في أعلى مستويات السلطة يتحدرون من "طبقة الوجهاء الريفيين الأقل شأناً" أو "القرويين الأقل شأناً"، وهي طبقة كانت تملك مساحات صغيرة أو متوسطة من الأرض وتتمتع بنفوذ محلي، مما يعيد التأكيد على البعد الفلاحي والقرابي في تكوين النخبة.

ينتقل الفصل إلى مناقشة السؤال المركزي: "هل نظام الأسد طائفي؟". يعترف الفصل بأن قاعدة السلطة جوهرها علوي، وأن هذا خلق مناخاً سياسياً مشحوناً بالطائفية، لكنه يقدّم أدلة مضادة تقطع بأن النظام ليس طائفياً بالمعنى الاقتصادي أو الاجتماعي. فالأغلبية الساحقة من العلويين، وخاصة الفلاحين في جبالهم، لا تتمتع بمعاملة مميزة وتعيش في ظروف صعبة، بدخل سنوي صافي بالكاد يصل إلى 10,000 ليرة سورية (نحو 600 دولار) في عام 1991، وهي زيادة مشكوك في حقيقتها بسبب انخفاض القيمة الشرائية. ويستشهد الفصل بشهادات من معارضين من طوائف مختلفة، مثل حمود الشوفي (درزي) وصلاح الدين البيطار (سني)، يؤكدون أن "أغلبية العلويين لا تتمتع بمعاملة مميزة" وأنهم "مهمشون سياسيًا مثل بقية الشعب". ويستخدم الفصل هذا التفاوت بين هيمنة علوية ضيقة على مراكز القوة وبين فقر الأغلبية العلوية لدعم أطروحته بأن التنظيم قائم على الولاء الشخصي والعشائري، وليس على خدمة الطائفة ككل.

يكرس الفصل قسماً كبيراً لتحليل ظاهرة سوء استعمال السلطة والفساد، متخذاً من رفعت الأسد شقيق الرئيس "رمزها الأول". يسرد الفصل بالتفصيل ثروات رفعت الهائلة، التي تتعارض مع راتبه الرسمي الضئيل، ويذكر مزاعم عن شرائه فيلا في بوتوماك (ميريلاند) بمليون دولار نقداً في 1982، وامتلاكه عقارات فخمة في سورية ولندن وفرنسا. ويقدّر بعض منتقديه ثروته بأكثر من 100 مليون دولار في منتصف الثمانينيات. ويعرض الفصل اتهامات متعددة لرفعت بتلقي الرشاوى على العقود الحكومية، والشراكة الخفية مع رجال أعمال مثل صائب النحاس، وحتى الاستيلاء على ذهب عثماني ونهب آثار من متحف حماة أثناء قمع انتفاضة 1982. ويشير الفصل إلى أن هذه الممارسات لم تقتصر على رفعت، بل امتدت لقادة آخرين مثل شفيق فياض وعلي دوبا، اللذين اتُّهما ببناء قصور باهظة التكلفة، مما يخلق شعوراً عاماً في سورية بأن المكاسب غير المشروعة في المناصب العليا "خرجت عن السيطرة".

يحتل صراع الخلافة بين عامي 1983 و1984، الذي أشعلته أزمة مرض الأسد الخطير، حيزاً كبيراً من التحليل. يسرد الفصل بالتفصيل محاولة رفعت اغتنام الفرصة لخلافة أخيه، متهماً إياه بأنه نسج مؤامرة واتصل بالسفير الأميركي لضمان دعم واشنطن. ويصف "حرب الملصقات" التي شنها رجال رفعت في دمشق، والمواجهة العسكرية شبه المفتوحة بين سرايا الدفاع والحرس الجمهوري في 27 شباط/فبراير 1984، والتي كادت تؤدي إلى صدام دموي. ويؤكد الفصل أن عزلة رفعت وكراهية المجتمع لسرايا الدفاع وعداء الضباط الكبار له حال دون نجاح مسعاه. ويوضح كيف استخدم الأسد، بعد استرداد عافيته، مناورة بارعة إثر أخرى لحصر سلطة أخيه، حيث عيّنه نائباً للرئيس (من بين ثلاثة) ثم جرده من مناصبه وأرسله إلى المنفى، وقلّص قوات سرايا الدفاع ودمجها في الجيش. وتشير الرواية إلى أن الأسد تحرك بتحريض من "عقلاء الطائفة العلوية" الذين رأوا في رفعت تهديداً للنظام برمته.

في خضم الأزمة وتداعياتها، يبرز الفصل الدور المتنامي للحرس الجمهوري، بقيادة عدنان مخلوف (ابن عم زوجة الأسد)، كقوة رئيسية في حماية النظام. ويقدّم تفاصيل عن دور ابن الرئيس البكر باسل الأسد في الحرس الجمهوري وبرنامج "الضباط القادة" قبل وفاته في حادث سيارة عام 1994، مما مهّد الطريق لابنه الأصغر بشار الأسد لتولي الدور نفسه لاحقاً. ويشير الفصل إلى أن هذه التطورات عززت ما يسميه "ظاهرة السلطة السلالية"، التي أثارت استياء بعض القادة العسكريين مثل علي حيدر (قائد الوحدات الخاصة)، الذي عبر عن شكوكه حول نقل السلطة "على أساس النسب"، مما أدى إلى اعتقاله وإبعاده عن منصبه في صيف 1994.

يختتم الفصل بوصف تفصيلي لشبكات الأمن والاستخبارات الأربع الرئيسية: الأمن السياسي، المخابرات العامة (التي تضم فروعاً لفلسطين والأمن الداخلي والخارجي)، المخابرات العسكرية، ومخابرات القوى الجوية. يوضح الفصل أن هذه الأجهزة، التي تخضع جميعها للجنة المخابرات الرئاسية، تعمل كأدوات بيد الحاكم، وتتمتع بقدر كبير من التداخل في الوظائف، مما يخلق نوعاً من المراقبة المتبادلة ويضمن ولاءها للأسد وحده. ويقدّم لمحة عن الشخصيات الرئيسية التي تدير هذه الأجهزة، مثل علي دوبا (رئيس المخابرات العسكرية منذ 1974، المنحدر من عائلة دينية من عشيرة النميلاتية)، ومحمد الخولي (رئيس مخابرات القوى الجوية ولجنة المخابرات الرئاسية، المتحدر من عائلة "خولية" كانت تعمل كوسطاء بين الفلاحين وملاك الأراضي). ويضرب الفصل مثلاً بقضية نزار الهنداوي في مطار هيثرو بلندن عام 1986 (محاولة تفجير طائرة إسرائيلية) كدليل على تعقيد عمل هذه الأجهزة وحتى على الخلافات الداخلية المحتملة، مشيراً إلى أن الخولي ربما تحمل مسؤولية هذه "الخطوات غير المتعقلة" لحماية النظام.

19.نظرة إلى المستوى الثالث من مستويات السلطة أو إلى قوام النخبة العليا من حزب البعث449–466▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على تحليل المستوى الثالث من مستويات السلطة في سورية في عهد حافظ الأسد، أي النخبة العليا من حزب البعث ممثلةً بالقيادة القطرية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه النخبة، رغم شكلها التنظيمي، ليست سوى أداة في يد الأسد، وأن سلطتها الحقيقية مستمدة منه وحده، وليس من أي عملية ديمقراطية داخل الحزب. ويوضح الفصل الآليات التي استخدمها الأسد لضمان ولاء هذه النخبة وتحييد أي تهديد محتمل منها.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة محاور. يبدأ بتسليط الضوء على شخصية محورية في جهاز الأمن، وهو محمد ناصيف، الذي يصفه المؤلف بأنه الرجل الأقل ظهوراً بين مساعدي الأسد الأساسيين، لكنه الأكثر نفوذاً في تعقب أعداء النظام الداخليين. يذكر الفصل أن ناصيف، المولود في قرية اللقبة قرب مصياف عام 1939، ينحدر من جزء مختلف من عشيرة الكلبية التي ينتمي إليها الأسد، مما يخلق رابطة قرابية محتملة. يوضح المؤلف أن ناصيف كان جندياً بسيطاً عند وصول البعث إلى السلطة عام 1963، ثم عُهد إليه بقسم الأمن الداخلي المسؤول عن مراقبة الهواتف. وبفضل كفاءته وولائه، اختاره الأسد في منتصف السبعينيات لرئاسة فرع الأمن الداخلي في المخابرات العامة، ليصبح الأداة الرئيسية للأسد. يشير الفصل إلى أن ناصيف طغى على كل من شغل منصب مدير المخابرات العامة من السنة الخمسة الذين تعاقبوا على المنصب أثناء ولايته، مثل علي المدني (1976-1979) ونزيه زرير (1979-1984) وفؤاد عيسى (1984-1987) وماجد سعيد (1987-1994) وبشير النجار (من 1994)، وذلك بسبب ثقة الأسد المطلقة به وقدرته غير المحدودة على الاتصال به. يُضيف الفصل اتّهاماً غير مثبت لناصيف باستخدام نفوذه لبناء ثروة شخصية، ويربطه برجل الأعمال صائب نحاس كشريك خفي. يُطرح سؤال محيّر حول سبب تسامح الأسد، المعروف باستقامته المالية، مع فساد مساعديه. يقدم الفصل تفسيرين سوريين: الأول أن فساد المساعدين يجعلهم أكثر خضوعاً لإرادة الأسد، والثاني أنهم يشكلون قاعدة سلطته التي لا يريد إضعافها، لكنه يقر بأن هذا التسامح أضر بمكانة الأسد وزاد من روح السخرية تجاه النظام.

ينتقل الفصل بعد ذلك لوصف تطور القيادة القطرية لحزب البعث. يذكر أنه بعد انقلاب 1970، أصبحت القيادة أكثر قابلية للتنبؤ والانتظام، لكنها ظلت تستقبل دماً جديداً في كل مؤتمر قطري. يُشير إلى قانون عام 1985 الذي فصل الجهاز الحزبي عن الحكومة، ومنع معظم الوزراء من عضوية القيادة العليا، باستثناء رئيس الوزراء ووزير الدفاع. ورغم التغييرات، كان الاتجاه العام هو الاستمرارية: فمن بين 21 شخصاً يشكلون الطبقة العليا من النخبة في 1990، كان 6 أعضاء في القيادة منذ عام 1985، وعشرة منذ 1980، واثنان منذ 1975، وأربعة (الأسد نفسه، مصطفى طلاس، عبد الحليم خدام، وعبد الله الأحمر) منذ بداية حكم الأسد. يبرز الفصل فجوة عمرية متزايدة بين القيادة وقاعدة الحزب: في عام 1990، كان 87% من أعضاء الحزب تحت سن 41 عاماً، بينما كان 19 من أعضاء القيادة الـ21 تتراوح أعمارهم بين 55 و65 عاماً. ويؤكد أن التعيين من الأعلى هو القاعدة، وأن الإخلاص المطلق للأسد هو شرط لا غنى عنه لتولي المنصب.

ثم يحلل الفصل التغيير في التركيب الطائفي والاجتماعي للقيادة القطرية. يُظهر التحول الأبرز في زيادة الوزن النسبي للبعثيين السنة. فعشية انقلاب 1970، كانت نسبتهم 42.9% فقط، لكنها قفزت بعدها إلى 69%، وهي أعلى نسبة لهم في أي قيادة سابقة. ورغم انخفاضها إلى 52.4% في عام 1975، ارتفعت مرة أخرى إلى 66.7% في عام 1980 واستقرت عند هذا المستوى. يفسر المؤلف هذه الزيادة برغبة الأسد في كسب ولاء أغلبية السكان السنة وإصلاح الخلل الطائفي. لكنه يقر بصعوبة تفسير الانخفاض المؤقت في 1975 لمصلحة العلويين، وهو ما تزامن مع صعود نفوذ شقيقه رفعت الأسد. ويُفهم التعديل في 1980 لصالح السنة في سياق مواجهة التهديدات الإسلامية آنذاك. إلى جانب الطائفية، ازداد تمثيل الأعضاء من خلفيات حضرية أو تجارية في القيادة بعد 1970 (من 12.6% إلى 27.1% للمدن الكبرى، ومن 8.3% إلى 18.7% للتجار). ورغم ذلك، ظل الفلاحون يشكلون النسبة الأكبر (45.8%)، وكان المعلمون الفئة المهنية الأكثر تمثيلاً (37.5%). ومن اللافت للانتباه أن حصة الضباط العسكريين انخفضت بشكل كبير من 34.5% عام 1963 إلى 18.8% بين 1970 و1997، مما يعزز فكرة تهميش الدور العسكري المباشر لصالح الحزبيين المدنيين الموالين.

في ختام تحليل النخبة الحزبية، يعود الفصل ليؤكد أن القيادة القطرية لا تتمتع إلا بأهمية ثانوية من حيث السلطة الحقيقية، وأن أي سلطة لها تستمد من الأسد فقط، الذي أصبح منذ 1970 القوة المحركة بلا منازع. بذلك يكون الفصل قد بنى حجته على عدة مستويات: فمن خلال دراسة شخصية كـ ناصيف، يُظهر شبكة الولاء الشخصي والأمنية التي تدعم الحكم. ومن خلال تحليل تركيبة القيادة الحزبية، يُظهر كيف يعمد الأسد إلى هندسة النخبة لتكون خليطاً متوازناً طائفياً واجتماعياً، لكنه في النهاية خاضع بالكامل لإرادته. يستخدم المؤلف الجداول الإحصائية المضمنة (مثل الجدول 1-19 و2-19 و3-19) كأدلة رئيسية لدعم حججه حول الفجوة العمرية والتركيب الطائفي والاجتماعي والمهني للقيادة.

حدود وتحفظات: يقرّ المؤلف في الفصل بعدم قدرته على إثبات الاتهامات المتعلقة بفساد ناصيف وعلاقته بـصائب نحاس، معتبراً إياها "أشياء تروى فحسب". كما أنه يعترف بصعوبة تفسير بعض التقلبات في التمثيل الطائفي، كالانخفاض المؤقت لحصة السنة في 1975، معتبراً أن افتراض تحول استراتيجي قد يكون مبالغاً فيه، ويربطها بصعود نفوذ رفعت الأسد. يبقى السؤال المطروح حول تسامح الأسد مع الفساد دون إجابة قاطعة، مكتفياً بتقديم تفسيرات سورية شائعة.

حجج قابلة للنقاش: يمكن مناقشة الافتراض المركزي للفصل بأن النخبة الحزبية مجرد أداة منزوعة السلطة. فبينما يقدم المؤلف أدلة على هيمنة الأسد، يمكن القول إن هذه النخبة، رغم خضوعها، تمارس نفوذاً حقيقياً في مجالاتها وتشكل جزءاً من شبكة المصالح التي لا يمكن للأسد تجاهلها بسهولة، وهو ما يظهر من تسامحه مع فسادها. كما أن تفسير استمرار الفساد كآلية للسيطرة هو تفسير وظيفي قد يكون مبالغاً فيه، إذ يمكن تفسيره أيضاً بضعف مؤسسات المحاسبة أو بتواطؤ أوسع في النظام.

22.الطريقة التي تعامل بها الأسد مع الإخوان المسلمين ومقاتليهم وما تلقيه من أضواء على أساليبه في السيطرة479–510▼ ملخص

بدأ حافظ الأسد حكمه بسياسة احتواء تجاه الإخوان المسلمين، فسعى لاستمالة رجال الدين السنة عبر تكريمهم ودعمهم مالياً. ففي عام 1971، أدخل عدداً من كبار العلماء إلى مجلس الشعب المعين، وقدم تبرعات شخصية للمدارس الشرعية والمؤسسات الدينية في حماه وحمص. كما رفع رواتب أئمة المساجد والخطباء والمؤذنين عدة مرات بين عامي 1974 و1980، وخصص مبلغ 5.4 ملايين ليرة سورية لبناء مساجد جديدة. وكان يحافظ على تقليد الإفطار السنوي مع رجال الدين في رمضان، مؤكداً لهم أنه يريد معرفة مشاعر الناس.

لكن هذه العلاقة الودية تعرضت لاختبار حقيقي في عام 1973، عندما أقر مجلس الشعب مشروع دستور علماني لم ينص على أن "دين الدولة الإسلام"، مكتفياً بالإشارة إلى أن "الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع". قاد الشيخ حسن حبنكه احتجاجات في جوامع دمشق، فرد الأسد بخطاب شديد اللهجة وصف فيه المتعصبين بأنهم يقدمون "تفسيراً حافاً للإسلام يكشف عن تزمت بغيض وتعصب مقيت". ولمواجهة اتهامات طائفته العلوية، أصدر ثمانون من رجال الدين العلويين بياناً أكدوا فيه أنهم مسلمون شيعة، وصادق عليه المفتي الجعفري الممتاز في لبنان.

انقسم العلماء السنة في ردهم على محاولات الأسد. فبعضهم، مثل مريدي الشيخ حسن حبنكه، ظل معادياً للنظام. بينما تعاون آخرون تدريجياً، أبرزهم الشيخ أحمد كفتارو، مفتي الجمهورية منذ عام 1965، الذي لم يتردد في دعم الأسد ووصف إعادة انتخابه عام 1991 بأنها "واجب على كل مسلم". أما الإخوان المسلمون فكانوا هم أنفسهم منقسمين بشدة طوال النصف الأول من السبعينيات بين ثلاث مجموعات: "الطليعة المقاتلة" بقيادة مروان حديد والتي آمنت بالعنف المسلح، وجناح دمشق بقيادة عصام العطار الذي رفض العنف، وجناح الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في حلب الذي لم ينبذ العنف لكنه اعتبره سابقاً لأوانه.

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية بعد عام 1975 مع تراجع تدفق النفط العربي وارتفاع التضخم والإيجارات، مما أثر بشدة على طبقة التجار الصغار والحرفيين التي تشكل القاعدة الاجتماعية للإخوان. كما أثار تدخل الأسد في لبنان عام 1976 ضد الفلسطينيين استياء شعبياً واسعاً. في هذا المناخ، بدأت الطليعة المقاتلة عملياتها العنيفة باغتيال الرائد محمد غرّة، رئيس مخابرات حماه، في أوائل عام 1976، انتقاماً لمقتل زعيمهم مروان حديد في السجن. في محاولة لتهدئة الموقف، ضم الأسد الدكتورة نجاح العطار، شقيقة زعيم جناح دمشق، إلى حكومته كوزيرة للثقافة في آب 1976. واستمر جناح دمشق بالفعل في النأي بنفسه عن العنف لمدة عامين.

بلغت حملة الطليعة المقاتلة ذروتها في 16 حزيران 1979 بضربة كبرى في مدرسة المدفعية في حلب. استغل المقاتلون انتماء النقيب إبراهيم اليوسف إلى الحركة، والذي زود 11 مسلحاً ببزات عسكرية وكلمة السر، فدخلوا قاعة المحاضرات وأطلقوا النار، مما أسفر عن مقتل 31 ضابطاً وجرح آخرين. ألقى النظام باللوم على الإخوان المسلمين، بينما اتهمهم جناح دمشق بتدبير المجزرة لتبرير القمع. أثارت هذه المجزرة صدمة في الشارع السوري، وأدت إلى تغيير مواقف بعض قادة الإخوان، فبدأ جناح دمشق بالتقارب مع الطليعة المقاتلة، وشكلت في كانون الأول 1980 قيادة مشتركة من اثني عشر عضواً.

بعد محاولة فاشلة لاغتياله في 26 حزيران 1980، تحول الأسد إلى القمع الشامل وأعلن قوانين صارمة، كما أجرى تعديلات حكومية لتحسين صورة النظام، وأظهر استعداداً لفتح باب التسوية لمن لم يشارك في العنف. ومع ذلك، انتهى الصراع بمواجهة دموية في شباط 1982 في حماه، حيث قاد عدنان عقلة، قائد الطليعة المقاتلة، انتفاضة مسلحة شاملة رد عليها النظام بقصف عشوائي بالمدفعية والهاونات، مما أدى إلى دمار واسع وسقوط أعداد هائلة من القتلى تتراوح تقديراتها بين 10 آلاف و25 ألف شخص. نجح الأسد بهذه الضربة في كسر شوكة الطليعة المقاتلة واستعادة السيطرة الكاملة، لكنها بقيت باعتراف المؤرخين وصمة أخلاقية في سيرته.

بعد القمع المباشر، تحول الأسد إلى حرب استنزاف في المنافي، فاستغل الانقسامات بين قادة الإخوان ونجح في إحداث المزيد من التصدع في صفوفهم. كما تحرك في نهاية الثمانينيات لانفتاح اقتصادي محدود، وأبقى قبضته الأمنية مشددة، مانعاً الأحزاب الإسلامية في سورية مع بقائه على علاقات ودية مع حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس.

23.المفاهيم الرئيسة لدى حافظ الأسد على صعيد السياسات الإقليمية: الغايات أم الوسائل؟511–524▼ ملخص

يُحاول هذا الفصل تفكيك الرؤية الإقليمية للرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، مركزاً على السؤال الجوهري: هل تحركه غايات أيديولوجية كبرى مثل القومية العربية، أم أنه براغماتي صرف يهتم بالوسائل وبقاء سلطته أكثر من أي شيء آخر؟ يخلص الفصل إلى أن الإجابة معقدة، وأن ما هو معروف عن وسائل الأسد يفوق بكثير ما هو معروف عن غاياته الحقيقية، التي لا تتكشف إلا بعد تحققها. فالأسد، وفقاً للمؤلف، بارع في إخفاء أفكاره، وغالباً لا تتطابق أقواله العلنية مع سياساته الفعلية.

يسير الفصل خطوة بخطوة لفحص سلوك الأسد في عدة قضايا إقليمية رئيسية، مستخدماً إياها كأدلة لاختبار فرضية "البراغماتية" مقابل "الأيديولوجيا". يبدأ بمسألة القومية العربية، حيث يستشهد بتصريحات الأسد القوية حول الوحدة العربية، مثل قوله إن السوريين واللبنانيين "شعب واحد"، أو تأكيده في عام 1989 أن الوحدة العربية "ضرورة حياتية". لكن المؤلف يواجه هذه التصريحات بسلوك الأسد الفعلي، فيتناول انضمامه إلى "اللجنة العسكرية السرية" التي تشكلت في القاهرة عام 1959. يوضح الفصل أن هذه اللجنة كانت معادية لـ جمال عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة (1971-1958)، مما يضعف تفسير انتمائه الأولي لحزب البعث كدليل على قومية عربية خالصة. يقدم الفصل روايتين عن أهداف اللجنة: رواية الأسد التي تدّعي أنها كانت للدفاع عن الوحدة، ورواية سامي الجندي التي تؤكد أنها كانت تهدف لوقف التعاون مع نظام الوحدة وإعادة بناء الحزب، ويرجح الفصل أن رواية الجندي أكثر اتساقاً مع الأدلة.

يواصل الفصل تتبع سياسات الأسد بعد وصوله إلى السلطة عام 1970، مشيراً إلى سلسلة من اتفاقيات الوحدة التي أبرمها مع دول مثل مصر وليبيا والأردن والعراق. ويبين الفصل أن هذه الاتفاقات كانت جميعها فضفاضة ولم تتضمن أي تضحية حقيقية بسلطة الأسد. فعند توقيع اتفاق الوحدة مع ليبيا عام 1971، اشترط الأسد صراحة الاحتفاظ بقوة حزبه في الجيش، قائلاً للزعيم الليبي معمر القذافي: "أريدكم أن تعرفوا أمراً أساسياً... لن نسمح بنشوء قوى أخرى". أما اتفاقيات الوحدة مع العراق بين عامي 1978 و1979، فتنهار بسبب خلافات أعمق حول توحيد جناحي حزب البعث والاعتراف بـ ميشيل عفلق، وبسبب إصرار النظام السوري على عدم إخضاع وحداته العسكرية النخبوية للقيادة الموحدة.

يوفر الفصل مساحة لتقديم رواية مفصلة عن "مؤامرة" العراق عام 1979 التي اتهمت سورية بالتآمر للإطاحة بـ صدام حسين، مستنداً إلى تفاصيل اعترافات مهبي عبد الحسين المشهدي. يوضح الفصل أن حافظ الأسد نفى أي تورط، واقترح تشكيل لجنة تحقيق مشتركة، لكن صدام حسين ظل مقتنعاً بضلوع سورية. ثم ينتقل الفصل لتحليل قضية الحرب العراقية-الإيرانية كدليل أقوى على براغماتية الأسد. يظهر دعم الأسد لإيران (غير العربية) ضد العراق (العربي) كتناقض صارخ مع خطابه القومي العربي. يقدم الأسد تبريراً "قومياً" للحرب، زاعماً أنها "ضد العرب" في جوهرها، وأنها تستنزف قدرات الطرفين.

لكن الفصل يقدم دليلاً أكثر عمقاً حول الدوافع الحقيقية للأسد، عبر تحليل وثيقة داخلية لحزب البعث السوري صدرت في آذار/ مارس 1981. توضح هذه "الوثيقة السرية" أن الهدف الحقيقي من سياسة الأسد لم يكن قومياً، بل كان إسقاط حكم "الزمرة التكريتية" المتمثلة بصدام حسين. الحرب كانت وسيلة لشل جيش صدام، وكشف طبيعته "غير الثورية"، وخلق فرصة لاستبداله بنظام موالٍ لسورية. حتى السماح باستئناف ضخ النفط العراقي عبر الأراضي السورية، وفقاً للوثيقة، كان خطوة محسوبة لإطالة أمد الحرب بغية تحقيق هذا الهدف. يقر الفصل بأن هذه الوثيقة قد لا تمثل نوايا الأسد الحقيقية بل ما أراد تصديقه لأعضاء حزبه، لكنها مع ذلك تكشف منطقاً سلطوياً بحتاً.

أخيراً، يُقرّ الفصل أن تحليل السياسة الإقليمية للأسد لا يمكن فصله عن طبيعة نظامه الداخلي. يذكر أن مؤسسات الأمن والاستخبارات والوحدات المسلحة الموالية له شخصياً هي التي ضمنت بقاءه في السلطة وسيطرته. كما يصف كيف أن سلطة الأسد أصبحت بلا منازع، رغم خضوعها لحدود طبيعية، مثل ميله للعزلة وقلة اهتمامه بالتفاصيل الاقتصادية. وتبرز قوته أيضاً من "الخوف المشترك" من فراغ السلطة الذي قد يخلفه غيابه، مما يجعل أي تحدٍ له بمثابة تهديد لوحدة البلاد نفسها. بهذا، يصل الفصل إلى نتيجته الضمنية: أن غاية الأسد القصوى هي الحفاظ على نظامه وتوسيع نفوذه، وأن أيديولوجية القومية العربية هي مجرد وسيلة من وسائل الشرعية والتبرير لهذه البراغماتية السياسية الصارمة.

24.دراسة معمقة لعلاقات الأسد بحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بين عامي 1966 و1997 والضوء الذي تلقيه على أهدافه وأساليبه525–590▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل العلاقات المعقدة والمتقلبة بين حافظ الأسد وحركة فتح (الفصيل الأكبر في منظمة التحرير الفلسطينية) من عام 1966 إلى عام 1997. يرى المؤلف أن دراسة هذه العلاقات ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي عدسة تُضيء على شخصية الأسد وأهدافه وأساليبه القيادية، خاصة في ظل عدم توفر وثائق داخلية سورية. يخلص الفصل إلى أن الأسد تعامل مع فتح ومنظمة التحرير كأدوات في خدمة أهدافه الاستراتيجية الأوسع، متأرجحاً بين التعاون والتسليح، وبين الخنق والقتال المباشر، بهدف إخضاعها لسيطرته ومنعها من أن تصبح قوة مستقلة تهدد مصالحه أو تخرج عن إرادته.

يسير الفصل زمنياً، مبتدئاً ببدايات التعاون بين حزب البعث وفتح في عامي 1964 و1966، حين كانت سورية قاعدة دعم لهما، لكنه يبرز أن هذا الدعم كان مشروطاً ومحدوداً. ثم ينتقل إلى أول قطيعة كبرى في 5 أيار/ مايو 1966، وهي حادثة مقتل النقيب الفلسطيني يوسف عرابي في ظروف غامضة، والتي أعقبها اعتقال ياسر عرفات ومساعديه بأمر من الأسد (الذي كان حينها وزيراً للدفاع). يروي الفصل رواية متناقضة للحادثة؛ إذ يرى أبو إياد أنها كانت مؤامرة، بينما يعتقد أبو جهاد وعرفات أنها جزء من محاولة لصلاح جديد والأسد للسيطرة على نشاط فتح العسكري. يُظهر هذا الحادث المبكر ميل الأسد للاستخدام العنيف للقوة وللتخلص من القيادات المستقلة. ومع ذلك، يحدث تحول مفاجئ بعد حرب 1967، حيث يتحول الأسد من خصم إلى داعم، ويشجع فتح على مواصلة الكفاح، ويمنحها أسلحة، وهو ما يراه المؤلف تنافساً مع صلاح جديد وخطوة لبناء نفوذ خاص به.

يدرس الفصل بالتفصيل دور الأسد خلال الأزمة الأردنية (أيلول الأسود) في عامي 1970 و1971. يوثق تحذير حزب البعث السوري للملك حسين، ثم دخول الدبابات السورية (تحت علم جيش التحرير الفلسطيني) إلى الأردن، وانسحابها بعد أيام قليلة. لكنه يلفت الانتباه إلى أن سلاح الجو السوري لم يشارك في القتال بأوامر من الأسد، مما أثار اتهامات بتعطيله لقرار الحزب. يقدم الفصل أدلة غير حاسمة على أن الأسد ربما كان على اتصال بالملك حسين وطمأنه بعدم تدخل سلاح الجو. هذا الغموض في موقف الأسد يظهر أسلوبه في إمساكه بخيوط اللعبة من جميع الأطراف. بعد وصوله إلى السلطة في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، يتحول موقفه مرة أخرى، فيقيّد نشاط فتح في سورية ويمنع مساعدتها خلال هجوم الجيش الأردني في تموز/ يوليو 1971 الذي قضى على وجودها في الأردن، مما يدل على أولويته المطلقة لاستقرار نظامه وعلاقاته الإقليمية على حساب القضية الفلسطينية.

يصل ذروة التعقيد والصراع مع الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1976). يرسم الفصل صورة لـلأسد كلاعب محوري ومناور، يمسك بكل الخيوط ويتحالف مع أطراف متصارعة في وقت واحد. في البداية، يدعم منظمة التحرير والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، لكنه سرعان ما ينقلب عليهما. يقدم المؤلف أدلة على أن الأسد بدأ بالتقرب من الموارنة (أعدائه الأيدولوجيين) بعد تلقي ضمانات أمريكية-إسرائيلية عبر سفير الولايات المتحدة ريتشارد مورفي في تشرين الأول/ أكتوبر 1975. يشرح الفصل أن الأسد رأى في نجاح اليسار الفلسطيني اللبناني تهديداً يخرج عن نطاق سيطرته، ويخشى من تقسيم لبنان أو تدخل إسرائيلي. لهذا، يوجه قواته رسمياً في نيسان/ أبريل 1976 إلى لبنان، ليس لمساعدة المنظمة بل لتقييدها، مما أدى إلى معارك دامية بين الجيش السوري والفلسطينيين. ينتقد المؤلف بشدة رواية الأسد الرسمية عن الأحداث، معتبراً أنها لا تتطابق مع الوقائع التي تشير إلى أنه كان يعمل على تقويض حلفائه السابقين. ويركز الفصل على مأساة مخيم تل الزعتر في آب/ أغسطس 1976، حيث حمّل الفلسطينيون الأسد مسؤولية سقوطه والمجزرة التي تلت ذلك، باعتبار تحريره للجيش الماروني للحصار مكّنهم من الهجوم.

بعد هذا القتال المباشر، يعود الفصل ليشرح عودة التقارب القسري بين الأسد وفتح بعد عام 1977، بدافع التهديدات المشتركة الجديدة: اتفاقيات كامب ديفيد (1978)، صعود اليمين الإسرائيلي، وتشكيل «شريط سعد حداد» في جنوب لبنان. أدى ذلك إلى تشكيل «جبهة الصمود والتصدي» وإعادة العلاقات، لكن الفصل يوضح أن التعاون لم يكن صافياً. فالأسد استمر في تقويض ياسر عرفات من خلال دعم فصائل منشقة مثل أحمد جبريل وأبو نضال، محاولاً إضعاف نفوذ عرفات على أمل إنشاء قيادة فلسطينية أكثر طواعية.

الخيانة الكبرى التالية، من وجهة نظر الفصل، كانت خلال الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982. يذكر الفصل أن الأسد قطع وعوداً كبيرة لعرفات بتقديم غطاء جوي ودعم كبير، لكنه لم يفِ بها. سحب صواريخ الدفاع الجوي قبل الغزو، ووافق على وقف منفرد لإطلاق النار بعد أيام قليلة من بدء الحرب البرية، تاركاً مقاتلي منظمة التحرير يحاصرون في بيروت لأكثر من ثمانين يوماً دون مساعدة تذكر من الجيش السوري. يرى المؤلف أن الأسد كان حريصاً على عدم خوض حرب خارج سيطرته وحسب حساباته، وأن صمود الفلسطينيين أضرّ بمكانته الإقليمية.

تستمر المأساة وتصل إلى ذروتها بقطيعة نهائية في عام 1983، بعد خروج عرفات من بيروت. يبدأ انشقاق في فتح بقيادة أبو موسى وأبو صالح، يدعمه الأسد بشكل واضح، حيث يسمح للمتمردين بالاستيلاء على مستودعات الأسلحة ويقصف مواقع أنصار عرفات. بطرد الأسد لعرفات من سورية في حزيران/ يونيو 1983، ويحاصره في طرابلس، مما يؤدي إلى معركة دامية يضطر عرفات في النهاية إلى مغادرتها في كانون الأول/ ديسمبر 1983 في مشهد وصفه المؤلف بالخروج المهين. يخلص الفصل إلى أن الأسد نجح في تحطيم القوة العسكرية لمنظمة التحرير في لبنان وفرض هيمنته على ما تبقى من الفصائل، محققاً أهدافه في السيطرة وإضعاف أي قيادة فلسطينية مستقلة، وإن كان ذلك على حساب إراقة الدم الفلسطيني وزيادة مرارة علاقته معهم.

في النهاية، يقرّ الفصل بأن هذه الدراسة تستند إلى مصادر فلسطينية وقصص من قادة فتح، معترفاً بأنها لا تخلو من التحيز. ومع ذلك، فإن الحجج المقدمة والتفاصيل الموثقة تجعل صورة الأسد في هذا الفصل صورة رجل دولة بارد، براغماتي إلى أقصى درجة، لا يتردد في استخدام القوة، والخيانة، والمناورات المعقدة لتحقيق أهدافه، وخاصة هيمنة سورية الإقليمية واستقرار نظامه، حتى لو كان ذلك على حساب القضية الفلسطينية التي يدّعي دعمها. هذه النتيجة، على الرغم من قوتها، تبقى قابلة للنقاش، إذ يعتمد الفصل بشكل كبير على اتهامات الخصوم، ويتجاهل التحديات الأمنية والاستراتيجية الحقيقية التي واجهها الأسد، مثل التهديد الإسرائيلي والحرب الباردة. لا يمكن للملخص أن يقدم رأياً محايداً، ولكن يمكن القول إنه يبني قضية مقنعة ضد الأسد، لكنها ليست الحقيقة الوحيدة الممكنة، بل هي مرآة لعلاقة معقدة ودامية بين قائدين قوميين وولاءاتهما المتنافسة.