المورد

قاموس الصناعات الشامية

محمد سعيد القاسميarدار طلاس للدراسات والترجمة والنشر

ملخص كتاب "قاموس الصناعات الشامية" لمحمد سعيد القاسمي

الموضوع المحوري لهذا الكتاب هو توثيق الصناعات والحرف التي كانت سائدة في بلاد الشام، وبالأخص في مدينة دمشق، خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يدافع المؤلف عن فكرة أن الصناعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي ركيزة أساسية في نظام العالم، وأن الإتقان والصدق في العمل هما جوهر الصناعة الإسلامية. يسعى الكتاب إلى حفظ ما كان يمكن أن يندثر من أسماء وأوصاف الصناعات الشامية، ليصبح وثيقة تاريخية واجتماعية واقتصادية فريدة تعكس الحياة في تلك الفترة.

يسير الكتاب وفق ترتيب منطقي يبدأ بمقدمة شاملة عن مفهوم الصناعة وتاريخها وتطورها عبر العصور، ثم ينتقل إلى فضل الكسب والحث عليه من منظور ديني وأخلاقي، مع ذكر آداب المعاملة والتجارة. بعد ذلك، يبدأ المؤلف في سرد الصناعات والحرف وفق ترتيب حروف المعجم، حيث يخصص لكل صناعة تعريفاً ووصفاً لطريقة مزاولتها والأدوات المستخدمة فيها. يربط الكتاب بين هذه الأجزاء عبر خيط فكري واضح: أن الصناعة ليست مجرد عمل يدوي، بل هي نشاط إنساني متكامل يجمع بين المهارة والأخلاق والدين، وأن فهم الصناعات يساعد في فهم المجتمع وتطوره.

من الأرقام والوقائع اللافتة في الكتاب أنه أحصى أربعمئة وسبعاً وثلاثين صناعة (437) في بلاد الشام. وقد بدأ محمد سعيد القاسمي في تدوين الكتاب حوالي عام 1307هـ، لكنه توفي قبل إتمامه، فأكمله ولده جمال الدين القاسمي وصهره خليل العظم. استغرق العمل على الكتاب ست سنوات متواليات من الجمع والترتيب والتحقيق. يذكر الكتاب أن صناعة النسيج الحريري عرفت في أوروبا بين القرنين العاشر والرابع عشر الميلادي باسم "الدور العربي"، وأن الأسواق الأوروبية ظلت حريصة على المنسوجات السورية حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وتوجد وثيقة شحن مؤرخة في 10/9/1798م تؤكد تصدير الغزل والنسيج والحرير والنحاس من إسكندرون إلى أوروبا.

يتضمن الكتاب أيضاً شهادة من المستشرق لويس ماسينيون الذي كتب مقدمة الكتاب، حيث يشير إلى أن دمشق تميزت بأصالة صناعية فريدة، وأن الصناع في دمشق كانوا يتمتعون بخيال مبدع وتنوع كبير في الحرف. ويذكر ماسينيون أن الفضل في رهافة الصناعة الإسلامية يعود إلى الإتقان والصدق اللذين يشكلان دستور العمل في المنظمات الحرفية. كما يشير الكتاب إلى أن الحروب الصليبية ساهمت في نقل كثير من الصناعات من الشرق إلى الغرب، مثل صهر الحديد والمبادئ الأولية للكيمياء والترقيم.

يقر المؤلف بحدود واضحة في عمله، حيث يؤكد أن الإحصاء لم يكن كافياً وأن تتبع الصناعات في الأسواق لم يكن وحده وفياً بهذا العمل، لأن كثيراً من الصناعات كانت تمارس في الدور أو الحقول أو على ضفاف الأنهار، وبعضها موسمي لا يعرف لأصحابه مقر ثابت. كما يقر بأن بعض الصناعات التي ضمها الكتاب كانت قد انقرضت فعلاً أو على طريق الانقراض، مما جعل تتبعها والاستفسار عن دقائقها أمراً صعباً. ويشير المؤلف إلى أن الكتاب لم يكتمل بالشكل المطلوب، وأن الجزء الثاني منه يحمل فارقاً واضحاً في الأسلوب بين المواد المختلفة، مما يدل على تعدد الكتاب الذين عملوا عليه.

من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، يمكن ملاحظة النظرة الإيجابية المطلقة تجاه الصناعات التقليدية والمبالغة في تقدير دور الحروب في نقل التكنولوجيا، كما أن التركيز على الجانب الأخلاقي والديني في وصف الصناعات قد يكون على حساب الوصف الموضوعي المحايد في بعض الأحيان. ومع ذلك، يبقى الكتاب مرجعاً فريداً لا يمكن الاستغناء عنه لفهم الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بلاد الشام خلال فترة تاريخية مهمة، وهو جدير بالدراسة العلمية المنظمة لاستخراج ما فيه من معلومات قيمة عن الاقتصاد والمال والمجتمع والدين في تلك الحقبة.