
كشف الغموض عن سوريا فريد لاوسن وحازم نهار
يستهدف هذا الكتاب كشف الغموض الذي يحيط بالنظام السوري ومعارضته وسياساته الخارجية، مقدمًا إجابة واضحة ومترابطة: استمرارية النظام لا تعود إلى شرعيته أو قوته الوطنية، بل إلى بنيته التسلطية، وتحالفاته الاقتصادية-الاجتماعية، وبراغماتيته الخارجية، واستغلاله للقضايا القومية والدينية. يرى المؤلفان أن النظام كيان له "نواة صلبة" تضع البقاء في الحكم فوق أي اعتبار، وهو ما يفسر قمعه الوحشي للثورة السورية منذ آذار/ مارس 2011.
تبدأ حجة الكتاب بتحليل بنية النظام السوري، مصنفة إياه، وفق توصيف فولكر بيرتس، بأنه "نظام رئاسي تسلطي بملامح وراثية". توضح الفصول الأولى أن سلطة النظام تستند إلى تقديس الفرد الحاكم، حيث كانت ظاهرة تقديس حافظ الأسد "استراتيجية للسيطرة" تقوم على المطاوعة لا الشرعية. ورغم صعوبة توقع انتقال هذه القداسة إلى بشار الأسد، إلا أن النواة الصلبة للنظام تحركت فور وفاة الأب في 10 حزيران/يونيو 2000 لتنصيب الابن، في مشروع وُصف بأنه "عصرنة الاستبداد". يعرض الكتاب مصادر الشرعية الداخلية للنظام، مثل دعم القضية الفلسطينية، والخطاب العروبي رغم تهميش حزب البعث نفسه، و"العلمانية" التي تجذب الأقليات، وحماية الأقليات التي تعززت بعد الاحتلال الأميركي للعراق في نيسان/أبريل 2003، حيث أصبحت سورية "جاذبة للأقليات في المنطقة". إلى جانب ذلك، يُظهر الكتاب كيف وظف النظام الدين، فقمع الإسلاميين لكنه استقطب رجال دين موالين كـ أحمد كفتارو وأحمد حسون ومحمد سعيد رمضان البوطي، الذي قام بدور "بابوي" في دعم النظام منذ انتفاضة 1979-1982. أما عنصر "الأمن والاستقرار" القائم على القمع، فيستشهد الكتاب بتقدير يشير إلى وجود عنصر استخبارات لكل 153 سورياً فوق سن الخامسة عشرة في عام 2007، مشيرًا إلى أن هذا الاستقرار بدأ يهتز بسبب سياسات التحرير الاقتصادي.
ينتقل الكتاب بعدها إلى تحليل الاقتصاد السياسي السوري، كاشفًا العلاقة المعقدة بين النظام ومجتمع القطاع الخاص. يستند التحليل إلى عمل بسام حداد الذي يرى أن النظام، القادم من خلفية راديكالية ريفية وأقلوية، كان بحاجة للقطاع الخاص اقتصادياً لكنه رفض مشاركته السلطة، فكان حله "ترك القطاع الخاص ينمو بما يكفي لإنقاذ الاقتصاد، لكن ليس بما يكفي لتهديد احتكار السلطة". يُقدم الفصل مثالاً تاريخياً حاسماً من عمل سلوى إسماعيل، حين واجه النظام أزمة وجودية في الثمانينيات: وقف تجار حلب في طليعة المعارضة داعين لإضراب عام، بينما أبقى التجار الدمشقيون السنة محالهم مفتوحة، مما عزز تحالفاً تاريخياً مع النظام العسكري ذي القيادة العلوية. يخلص الكتاب إلى أن هذا التحالف هو أساس النظام، ورغم صعود "أولاد السلطة" في عهد بشار، إلا أن النظام لم يسع لتقويض تحالفاته القديمة. يتعمق التحليل في آثار التحرير الاقتصادي، موضحًا أن الإصلاح اقتصر على الجانب الاقتصادي لتجنب المشاركة السياسية، وأن القانون ظل أداة سيطرة. يُقدم الكتاب أرقامًا صارمة: ارتفعت نسبة من هم تحت خط الفقر الأدنى من 11.4% عام 2004 إلى 12.3% عام 2007، لكن الخطر الأكبر كان على من هم فوق هذا الخط بقليل، حيث بلغ عددهم نحو 4.5 ملايين نسمة، مهددين بالانزلاق إلى الفقر، ليصبح عدد من هم تحت خط الفقر نحو 7 ملايين نسمة (34.3%). كما تجاوزت البطالة 16.5% عام 2009.
بعد تحليل النظام، ينتقل الكتاب إلى المعارضة السورية، متتبعاً تاريخها من بدايات عهد بشار. يصف الكتاب "ربيع دمشق" الذي أعقب تولي بشار، حيث أطلق سراح معتقلين وأغلِق سجن المزة سيئ السمعة، ووقع أكثر من 1000 ناشط على بيان في كانون الثاني/يناير 2003 يدعو للإصلاح. لكن النظام سرعان ما قمع هذه الحركة، وازداد القمع وحشية بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005، وبلغ ذروته باعتقالات بعد "إعلان دمشق-بيروت" في أيار/مايو 2006. ثم يتناول الكتاب انتفاضة الأكراد في آذار/مارس 2004 في القامشلي، موضحاً كيف أظهرت قدرة العمل الشعبي وكيف تعامل معها النظام أمنياً فقط، دون تغيير سياساته التمييزية. يُورد الكتاب أن الأكراد يشكلون نحو مليوني نسمة (10% من السكان). ويحلل الكتاب ضعف المعارضة في سياق الثورة، فيعدد انتقاداتها: أزمة هوية، خطاب أيديولوجي غير ديمقراطي يشبه خطاب السلطة، قيادات غير كفؤة، وغياب التواصل مع المجتمع. يذكر الكتاب تشكيلات المعارضة كـ المجلس الوطني السوري في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2011، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ناقلاً ضغوطاً أميركية (تصريح هيلاري كلينتون) لتجاوز المجلس الوطني. وينتقد الكتاب الخطاب السياسي للمعارضة، معتبراً إياه شعبوياً، وأخلاقياً تطهرياً أو براغماتياً مفرطاً، ومشيراً إلى جدالها العقيم حول "وحدة المعارضة" و"التدخل الخارجي" و"عسكرة الثورة"، معتبراً العسكرة خياراً اضطرارياً بسبب عنف النظام. ويختتم هذا المحور بالإشارة إلى فشل مؤتمر جنيف2 في كانون الثاني/يناير 2014، وإجراء النظام "انتخابات" رئاسية في 3 حزيران/يونيو 2014 رفضتها المعارضة والأمم المتحدة والغرب.
أما المحور الرابع فيتناول السياسة الخارجية السورية وتحالفات النظام، رافضاً التفسيرات التي تختصرها في "حسابات خاطئة". يرى الكتاب أن هذه السياسة، رغم شعاراتها القومية والممانعة، هي في جوهرها أداة لخدمة النظام وتحصينه. يستشهد الكتاب بكيفية توظيف لبنان كورقة ضغط في السياسة الإقليمية ومنطقة عازلة، مؤكداً أن هذا الدور استمر بموافقة أميركية. يُقر الكتاب بنجاح النظام في المناورة وتجنب الضغوط، لكنه يؤكد أن هذا النجاح لم ينعكس على الداخل السوري، ولا على تحسين صورته، ولا على حماية السيادة الوطنية (حيث تخترق الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية باستمرار). في المقابل، ينتقد الفصل المعارضة لعدم فهمها لطبيعة تحالفات النظام الخارجية وقراءتها الخاطئة للعلاقات الدولية، مما جعلها تقدم خطاباً انفعالياً وتدخل في تحالفات وهمية غير منتجة.
يقر الكتاب بحدود تحليله، مشيراً إلى أن السياسات الاقتصادية لا يمكن اعتبارها السبب الرئيس للثورة، بل هي "ساهمت في توسيع رقعة الاحتجاجات"، بينما العوامل الحاسمة كانت المناخ الإقليمي للثورات العربية وارتباط الشعب السوري به. كما يقر بصعوبة التنبؤ بمستقبل المعارضة المنقسمة، ويترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية تشكيل مظلة سياسية حقيقية تستحقها الثورة.
تتمثل إحدى نقاط القوة الرئيسية للكتاب في اعتماده على تحليل البنية الاجتماعية والتحالفات الاقتصادية-السياسية، متجنباً التفسيرات الأحادية. يقدم الكتاب مفهومًا بديلاً عن النظرة إلى النظام بأنه "علوي" فقط، ويقدم مفهوم "العلوية السياسية" لوصف شكل الحكم الذي يهيمن عليه ضباط من الأقلية العلوية، لكنه يرتكز أيضاً على تحالفات مع قوى اجتماعية أخرى، خاصة التجار السنة. ويرى الكتاب أن صعود "أولاد السلطة" في عهد بشار، كطبقة أوليغارشية جديدة تعتمد على المحسوبية والامتيازات، أدى إلى انحلال التحالف التقليدي بين النظام والبرجوازية الوطنية، مما يضعف أسس الاستبداد ويفتح الباب أمام احتمالات التغيير.
مع ذلك، يقدم الكتاب حججاً قابلة للنقاش. فاعتبار صعود أولاد السلطة سبباً وحيداً لانهيار التحالف التقليدي قد يكون مبالغاً فيه، خاصة مع وجود عوامل أخرى مثل السياسات الدولية والضغوط الخارجية التي لم يناقشها الكتاب بعمق. كما أن التركيز على القوانين الاقتصادية بين 1966 و1986 قد يُغفل التطورات اللاحقة بعد إلغاء محاكم الأمن الاقتصادي في 2004. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن تحليل المعارضة يركز على ضعفها وانقساماتها دون تقديم تقييم متوازن للتحديات الهائلة التي واجهتها في مواجهة نظام استبدادي عنيف. أخيرًا، قد يكون التمييز النظري بين "القانون الطبيعي" و"القانون المؤسساتي" مبالغاً فيه، إذ إن معظم الدول الحديثة تُخضع الملكية والتبادل لاعتبارات الصالح العام. رغم هذه النقاط، يظل الكتاب مرجعاً قيماً لفهم آليات الاستبداد السوري وتعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سورية قبل وبعد الثورة.
الفصول(11)
1.النظام والمعارضة والخارج – حازم نهار15–74▼ ملخص
يُفكّك هذا الفصل، بمقدّمته المطوّلة التي كتبها حازم نهار، الغموض الذي يحيط بالنظام السوري، ومعارضته، وسياساته الخارجية، مفسّراً كيفية استمراره في الحكم رغم التحديات. يقدّم الفصل إجابة واضحة: إنّ استمرارية النظام لا تعود إلى شرعيته أو قوته الوطنية، بل إلى بنيته التسلطية، وتحالفاته الاقتصادية-الاجتماعية، وبراغماتيته الخارجية، واستغلاله للقضايا القومية والدينية. يُظهر الفصل أنّ النظام كيان له "نواة صلبة" تضع البقاء في الحكم فوق أي اعتبار، وهو ما يفسّر قمعه الوحشي للثورة السورية منذ آذار/ مارس 2011.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر أربعة محاور رئيسة. يبدأ بتحليل بنية النظام السوري، مستخدماً توصيف فولكر بيرتس له بأنه "نظام رئاسي تسلطي بملامح وراثية". يوضح الكاتب أن سلطة النظام تستند إلى تقديس الفرد الحاكم، حيث كانت ظاهرة تقديس حافظ الأسد "استراتيجية للسيطرة" تقوم على المطاوعة لا الشرعية. ورغم صعوبة توقع انتقال هذه القداسة إلى بشار الأسد، إلا أن النواة الصلبة للنظام تحركت فور وفاة الأب في 10 حزيران/يونيو 2000 لتنصيب الابن. يصف الكاتب مشروع بشار بأنه "عصرنة الاستبداد"، مستشهداً بـ رايموند هينبوش. يعرض الفصل مصادر شرعية النظام الداخلية المزعومة: دعم القضية الفلسطينية، الخطاب العروبي (على الرغم من تهميش حزب البعث نفسه)، "العلمانية" التي تجذب الأقليات وترضي الغرب، وحماية الأقليات التي تعززت بعد الاحتلال الأميركي للعراق في نيسان/أبريل 2003، حيث أصبحت سورية "جاذبة للأقليات في المنطقة". يُضاف إلى ذلك توظيف الدين؛ فيناقش الفصل الرابع للكاتب توماس بيريه كيف قمع النظام الإسلاميين العلمانيين لكنه استقطب رجال دين موالين كـ أحمد كفتارو وأحمد حسون ومحمد سعيد رمضان البوطي، الذي قام بدور "بابوي" في دعم النظام منذ انتفاضة 1979-1982. وأخيراً، يذكر الفصل عنصر "الأمن والاستقرار" القائم على القمع، مستشهداً بتقدير يشير إلى وجود عنصر استخبارات لكل 153 سورياً فوق سن الخامسة عشرة في عام 2007. يُنهي الكاتب هذا القسم بالإشارة إلى أن هذا الاستقرار بدأ يهتز بسبب سياسات التحرير الاقتصادي.
ينتقل الفصل إلى الاقتصاد السياسي السوري، محلّلاً العلاقة بين النظام ومجتمع القطاع الخاص. يستند الكاتب إلى عمل بسام حداد الذي يرى أن النظام، القادم من خلفية راديكالية ريفية وأقلوية، كان بحاجة للقطاع الخاص اقتصادياً لكنه رفض مشاركته السلطة، فكان حله "ترك القطاع الخاص ينمو بما يكفي لإنقاذ الاقتصاد، لكن ليس بما يكفي لتهديد احتكار السلطة". يستخدم الكاتب مثالاً تاريخياً حاسماً من الفصل الأول للباحثة سلوى إسماعيل، حين واجه النظام أزمة وجودية في الثمانينيات ووقف تجار حلب في طليعة المعارضة داعين لإضراب عام، بينما أبقى التجار الدمشقيون السنة محالهم مفتوحة، مما عزز تحالفاً تاريخياً مع النظام العسكري ذي القيادة العلوية. يخلص الفصل إلى أن هذا التحالف هو أساس النظام، ورغم صعود "أولاد السلطة" في عهد بشار، إلا أن النظام لم يسع لتقويض تحالفاته القديمة. يتعمق الفصل في آثار التحرير الاقتصادي في عهد بشار، فيوضح أن الإصلاح اقتصر على الجانب الاقتصادي لتجنب المشاركة السياسية. يذكر الفصلان الثالث والثامن (زهير غزال وآنجا زورب) كيف ظل القانون أداة سيطرة، وكيف عرقل النظام اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لأسباب سياسية. يورد الكاتب أرقاماً صارمة من عمل جمال باروت لتوضيح التداعيات: ارتفعت نسبة من هم تحت خط الفقر الأدنى من 11.4% عام 2004 إلى 12.3% عام 2007، لكن الخطر الأكبر كان على من هم فوق هذا الخط بقليل، حيث بلغ عددهم نحو 4.5 ملايين نسمة، مهددين بالانزلاق إلى الفقر، ليصبح عدد من هم تحت خط الفقر نحو 7 ملايين نسمة (34.3%). كما تجاوزت البطالة 16.5% عام 2009.
بعد تحليل النظام، ينتقل الفصل إلى المعارضة السورية، متتبعاً تاريخها من بدايات عهد بشار. يصف الفصلان الخامس والسابع (جو بيس وجوشوا لانديس) "ربيع دمشق" الذي أعقب تولي بشار، حيث أطلق سراح معتقلين وأغلِق سجن المزة سيئ السمعة، ووقع أكثر من 1000 ناشط على بيان في كانون الثاني/يناير 2003 يدعو للإصلاح. لكن النظام سرعان ما قمع هذه الحركة، وازداد القمع وحشية بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005، وبلغ ذروته باعتقالات بعد "إعلان دمشق-بيروت" في أيار/مايو 2006. ثم يتناول الفصل انتفاضة الأكراد في آذار/مارس 2004 في القامشلي، موضحاً كيف أظهرت قدرة العمل الشعبي وكيف تعامل معها النظام أمنياً فقط، دون تغيير سياساته التمييزية. يورد الفصل السادس (جولي غوتير) أن الأكراد يشكلون نحو مليوني نسمة (10% من السكان). أخيراً، يحلل الفصل ضعف المعارضة في سياق الثورة، فيعدد انتقاداتها: أزمة هوية، خطاب أيديولوجي غير ديمقراطي يشبه خطاب السلطة، قيادات غير كفؤة، وغياب التواصل مع المجتمع. يذكر الفصل تشكيلات المعارضة كـ المجلس الوطني السوري في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2011، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ناقلاً ضغوطاً أميركية (تصريح هيلاري كلينتون) لتجاوز المجلس الوطني. وينتقد الفصل الخطاب السياسي للمعارضة، معتبراً إياه شعبوياً، وأخلاقياً تطهرياً أو براغماتياً مفرطاً، ومشيراً إلى جدالها العقيم حول "وحدة المعارضة" و"التدخل الخارجي" و"عسكرة الثورة"، معتبراً العسكرة خياراً اضطرارياً بسبب عنف النظام. ويختتم هذا المحور بالإشارة إلى فشل مؤتمر جنيف2 في كانون الثاني/يناير 2014، وإجراء النظام "انتخابات" رئاسية في 3 حزيران/يونيو 2014 رفضتها المعارضة والأمم المتحدة والغرب.
أما المحور الرابع والأخير فيتناول السياسة الخارجية السورية وتحالفات النظام الإقليمية والدولية. يرى الكاتب أن هذه السياسة، رغم شعاراتها القومية والممانعة، هي في جوهرها أداة لخدمة النظام وتحصينه. يستشهد الفصل التاسع (باسل صلوخ) بكيفية توظيف لبنان كورقة ضغط في السياسة الإقليمية ومنطقة عازلة، مؤكداً أن هذا الدور استمر بموافقة أميركية. يُقر الفصل بنجاح النظام في المناورة وتجنب الضغوط، لكنه يؤكد أن هذا النجاح لم ينعكس على الداخل السوري، ولا على تحسين صورته، ولا على حماية السيادة الوطنية (حيث تخترق الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية باستمرار). في المقابل، ينتقد الفصل المعارضة لعدم فهمها لطبيعة تحالفات النظام الخارجية وقراءتها الخاطئة للعلاقات الدولية، مما جعلها تقدم خطاباً انفعالياً وتدخل في تحالفات وهمية غير منتجة.
يقرّ الكاتب بحدود هذا التحليل، مشيراً إلى أن السياسات الاقتصادية لا يمكن اعتبارها السبب الرئيس للثورة، بل هي "ساهمت في توسيع رقعة الاحتجاجات"، بينما العوامل الحاسمة كانت المناخ الإقليمي للثورات العربية وارتباط الشعب السوري به. كما يقر بصعوبة التنبؤ بمستقبل المعارضة المنقسمة، ويترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية تشكيل مظلة سياسية حقيقية تستحقها الثورة.
1.تغيير البنية الاجتماعية، تغيير التحالفات، والاستبداد في سوريا – سلوى إسماعيل79–98▼ ملخص
هذا الفصل، بقلم سلوى إسماعيل، يتناول موضوع الاستبداد في سوريا من منظور تحليلي يركز على البنية الاجتماعية والتحالفات الاقتصادية-السياسية التي تدعم النظام. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن استمرار النظام الاستبدادي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية والأمنية، بل يرتكز على تحالفات اجتماعية-اقتصادية قابلة للتغير، وأن التغيرات الاقتصادية الأخيرة، خاصة التحرير الاقتصادي، تؤدي إلى إعادة تشكيل هذه التحالفات، مما يضعف أسس الاستبداد ويفتح الباب أمام احتمالات التغيير.
يبدأ الفصل بالإشارة إلى أن سوريا منذ الستينيات عرفت حكماً استبدادياً يركز السلطة ويستخدم القمع، بقيادة طبقة ضباط عسكريين تخلصت من القوى المنافسة. ثم ينتقل إلى فترة تولي بشار الأسد الحكم في تموز/ يوليو 2000، والتي شهدت بداية انفتاح سياسي محدود عُرف بـ "ربيع دمشق"، حيث تحركت شرائح من المجتمع لتشكيل منتديات المجتمع المدني. لكن هذا الانفتاح لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما عاد النظام إلى القمع وأغلق المنتديات واعتقل الناشطين، مما يظهر "ضعفاً" في النظام رغم استمراره في القمع، وتظهر دلائل على انقسامات داخل النخبة السياسية-العسكرية.
يجادل المؤلف بأن فهم الاستبداد في سوريا يحتاج إلى دراسة أساساته الهيكلية والتحالفات التي تقوم عليها. يرفض الفصل التبسيط الذي يصف النظام بأنه "علوي" فقط، ويقدم مفهوم "العلوية السياسية" لوصف شكل الحكم الذي يهيمن عليه ضباط من الأقلية العلوية، لكنه يرتكز أيضاً على تحالفات مع قوى اجتماعية أخرى، خاصة التجار السنة. يوضح الفصل أن النظام السوري في عهد حافظ الأسد بنى تحالفاً تاريخياً بين ضباط الجيش (ذوي الغالبية العلوية) وطبقة رجال الأعمال من التجار السنة، ولاسيما المكون الدمشقي.
يسير الفصل خطوة بخطوة لشرح نشأة هذا التحالف وتطوره. يبدأ من ستينيات القرن العشرين، حيث قام حزب البعث بتصفية نخبة الملاك والصناعيين الكبار من خلال قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم، مما أفقد العائلات التجارية "الأرستقراطية" القديمة نفوذها السياسي. ثم انتقل إلى فترة السبعينيات، حيث بدأ حافظ الأسد في تبني سياسات التحرير الاقتصادي التدريجي، مما سمح لطبقة جديدة من التجار المتوسطين (من عائلات مثل الشلاح، القباني، الحبال...) بالظهور. أصبح هؤلاء شركاء صغاراً للدولة في المجال الاقتصادي، وهيمنوا على غرف التجارة وحصلوا على امتيازات.
يستشهد الفصل بحاسمة حدثت في الثمانينيات، عندما واجه النظام انتفاضة وطنية خطيرة. قاد تجار حلب الكبار إضراباً شاملاً ضد النظام وانضموا إلى قوى المعارضة (بما في ذلك الإخوان المسلمين). لكن تجار دمشق، بقيادة بدر الدين الشلاح من غرفة تجارة دمشق، رفضوا المشاركة في الإضراب وأبقوا محالهم مفتوحة. يعزو الفصل هذا القرار إلى خوف التجار الدمشقيين من تكرار تجربة إضراب 1964 حيث فتحت محالهم بالقوة، وخوفهم من مواجهة دموية مع قوات رفعت الأسد. منذ تلك اللحظة، أصبح التجار الدمشقيون شركاء مخلصين للنظام.
ينتقل الفصل لتحليل تطورين مهمين في فترة لاحقة: الأول هو صعود "أولاد السلطة" كطبقة أوليغارشية جديدة. هذه الطبقة تتكون من كبار المسؤولين وأبنائهم، أبرزهم رامي مخلوف (ابن خال الرئيس)، الذي حصل على احتكارات ومشاريع مربحة مثل شركة الاتصالات سيريتل ووكالات السيارات والمطاعم. يوضح الفصل أن النشاط الاقتصادي لهذه الطبقة يعتمد على المحسوبية والامتيازات، مما يخلق انقسامات داخل النخبة الاقتصادية ويقوض التحالف التقليدي بين النظام والبرجوازية الوطنية القديمة.
التطور الثاني هو انحلال هذا التحالف التقليدي بين النظام و"البرجوازية الوطنية" (التجار والصناعيين التقليديين). يوضح الفصل أن هذا التحالف ينهار لأن أولاد السلطة بدأوا يضعون أيديهم على أعمال التجار القائمة. يقدم مثالاً مهماً على هذا الصراع: التنافس بين رامي مخلوف وعائلة سنقر على وكالة سيارات مرسيدس بنز، حيث حاول مخلوف انتزاع الوكالة مستخدماً التدخل السياسي، لكن الصراع أدى إلى تعليق عمليات شركة مرسيدس حتى أعيدت الوكالة إلى عائلة سنقر. يقرأ الفصل هذه الحادثة كتعبير عن التنافس بين الداخلين الجدد (أولاد السلطة) ورجال الأعمال القدماء.
بعد ذلك، ينتقل الفصل لتحليل فاعل مهم آخر، وهو "التجار المتوسطون" الذين يحافظون على درجة من الاستقلال عن الدولة. يصف الفصل ثقلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكيف أنهم يعتمدون على شبكات تمويل وائتمان غير رسمية ومستقلة عن البنوك التي تسيطر عليها الدولة. يوضح أن لديهم روابط قوية مع المؤسسة الدينية، ويشكلون معاً ما يسميه الفصل "عقدة الديني-التجاري". هذا التحالف له آثار سياسية محتملة، إذ يمكن لهذه الطبقة أن تكون أساساً لبديل سياسي، خاصة إذا تحالفت مع حركة المجتمع المدني أو المؤسسة الدينية.
يقدم الفصل أيضاً تحليلاً للقوى الدينية المختلفة، من الإسلام الرسمي (الشيخ أحمد كفتارو، الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي) الذي يدعم النظام، إلى الاتجاهات المحافظة مثل القبيسيات (مريدات الشيخة منيرة القبيسي). يشير إلى أن إعادة إنتاج العقدة الديني-التجاري تتجلى في ممارسات اجتماعية وثقافية، مثل احتفالات الموالد التي تنظمها عائلات التجار الأثرياء، حيث يحضر الشيوخ ويتم التعبير عن هوية سنية متمايزة عن الهوية العلوية.
في الخاتمة، يخلص الفصل إلى أن إعادة تشكيل التحالفات السياسية المصاحبة للتحرير الاقتصادي هو تحول مهم في أسس الاستبداد السوري. ظهور أولاد السلطة يسرّع تمييز النخب الاقتصادية ويضعف التحالف مع البرجوازية الوطنية. النظام، الذي فقد قاعدته الاجتماعية الواسعة وتحالفاته الاستراتيجية، قد يواجه صعوبة في الحفاظ على سياسات توزيعية ضرورية لاستقراره. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت النخب السياسية قادرة على إقامة تحالفات جديدة وتجديد شبكاتها المؤسساتية، مشيراً إلى أن هذه المهمة قد تصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
*ملاحظة شخصية (إلزامية بناءً على التعليمات): يقدم الفصل تحليلاً مقنعاً للاستبداد السوري من خلال التركيز على أسسه الاقتصادية-الاجتماعية وتغيراتها، متجنباً التفسيرات الأحادية. لكنه يعتمد بشكل كبير على مقابلات ومصادر قد لا تكون قابلة للتحقق بالكامل، كما أن بعض التحليلات، مثل اعتبار صعود أولاد السلطة سبباً وحيداً لانهيار التحالف التقليدي، قد تكون قابلة للنقاش، خاصة مع وجود عوامل أخرى مثل السياسات الدولية والضغوط الخارجية التي لم يناقشها الفصل بعمق.
2.موروثات باقية سياسة تنمية القطاع الخاص في سورية – بسام حداد99–130▼ ملخص
يُحاول هذا الفصل حلّ لغزٍ مركزيّ حول طبيعة القطاع الخاص في سورية؛ إذ يبيّن أن هذا القطاع، على عكس التوقعات، ليس كياناً موحداً أو مستقلاً، بل هو مزيجٌ هجينٌ وغير متجانس، يضم برجوازية «جديدة» (ريبيبة الدولة) وأخرى «تقليدية» مستقلة نسبياً. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن القطاع الخاص السوري هو نتاج مباشر لسياسات النظام البعثي الأمنية والاقتصادية التي هدفت على الدوام إلى خلق رأسماليين موالين، مع إبقاء القطاع الخاص الكلّي صغيراً، ضعيفاً، ومقسماً، لمنع تحوّل قوته الاقتصادية إلى نفوذ سياسي يهدد استبدادية النظام. ويرى المؤلف أن هذا الإرث من انعدام الثقة والمصالح المتضاربة ما زال مهيمناً حتى بعد عام 2005، مما يعيق التنمية الحقيقية.
يبدأ الفصل بتأكيد فكرة أساسية: لم يكن في سورية قطاع خاص «سليم» بالمعنى المعياري. فمنذ عام 1963، تدير الدولة القطاع الخاص عبر منظومة من الامتيازات الخاصة لقلّة مختارة، مما يخلق تضارباً مزمناً في المصالح. يعود هذا إلى الإرث الاشتراكي في الدستور، حتى مع ظهور مصطلح «السوق الاجتماعي» في عهد بشار الأسد. ولتجاوز صعوبة البحث الميداني، يركّز الفصل على «الأعمال الكبيرة» التي يرجّح أن يكون لها نفوذ في الدولة، متجاهلاً البرجوازية الصغيرة والتجار والمزارعين.
يسرد الفصل تاريخياً هذه العلاقة المعقّدة. كان الصعود الأولي للنظام البعثي (منتصف الستينيات) على حساب البرجوازية التقليدية (التجار وملاك الأراضي) من خلال التأميم والإصلاح الزراعي، مما خلق عداءً طبقياً واجتماعياً عميقاً. بعد «الحركة التصحيحية» عام 1970، تبنّى حافظ الأسد نهجاً أكثر براغماتية، لكنه ظل ينظر للقطاع الخاص من منظور أمني، ساعياً إلى إنشاء «برجوازية دولة» جديدة تكون تابعة له. منح النظام امتيازات لرجال أعمال موالين مثل «الترويكا» (عثمان العائدي، صائب نحاس، عبد الرحمن العطار)، لكنه أبقي على القطاع العام مسيطراً على الاستثمارات الرئيسية حتى أواخر الثمانينيات.
يقدّم الفصل أدلة رقمية على هذا التحول. في عام 1985، كانت حصة القطاع العام من تكوين رأس المال الثابت (نحو 66%) ضعف حصة القطاع الخاص (34%). ولكن بحلول عام 1992 انعكست النسبة تماماً لصالح القطاع الخاص (نحو 66% مقابل 33% للعام). مع ذلك، يوضح المؤلف أن هذا لم يكن نصراً للقطاع الخاص المستقل، بل كان انسحاباً مدروساً من الدولة، حيث استمرت نفس الوجوه المرتبطة بالنظام في توجيه القرارات في القطاعات التي تخلّت عنها الدولة رسمياً. ويضرب مثلاً بتراجع شركات القطاع العام في صناعة الثلاجات (بادي) والسجاد (غوتا) لصالح شركات خاصة تنتج نفس المنتجات.
لمواجهة صعود القطاع الخاص، لم يسمح النظام بإنشاء مؤسسات تمثيلية مستقلة. كانت غرف التجارة والصناعة، على الرغم من إعادة تفعيلها، بمثابة «منظمات شعبية» لا تملك سلطة حقيقية. ويصف أحد الصناعيين عضويته فيها بأنها غير فعالة، بينما يصفها النائب الأسبق لغرفة صناعة دمشق، محمد غسان زريق، بأنها بالكاد تحقق تنظيمًا تمثيليًا. أما المؤسسة الأكثر تأثيراً، لجنة الإرشاد والتوجيه، فقد أصبحت مركزاً لتوزيع الريع والامتيازات بدلاً من كونها هيئة لرسم سياسات عقلانية. ويؤكد العديد من الاقتصاديين مثل خالد عبد النور ورزق الله هيلان أن هذه اللجنة هي الذراع المؤسساتي للشبكات الاقتصادية غير الرسمية، حيث تُتخذ القرارات في دهاليز السياسة.
نتيجة هذا التفاعل كانت قطاعاً خاصاً مجزّأً ومشتتاً. يوضح الفصل أن 99% من شركات القطاع الخاص تعمل بـ 9 عمال أو أقل، ويعمل معظمها ضمن نطاق العائلة لحماية نفسها من تقلبات البيئة القانونية. وقد لاحظ أحد الصناعيّين المستقلّين، رياض سيف، بدقة: «القطاع الخاص قطاع غير طبيعي، نما وتطور في ظل أوضاع وشروط غير طبيعية». ويرى المؤلف أن انعدام الثقة بين الدولة ورجال الأعمال، إلى جانب هيكلية الحوافز التي تجعل التعاون بين رجال الأعمال غير عقلاني، هو ما أبقى القطاع الخاص رهينة الولاء والريع بدلاً من الكفاءة والإنتاج.
يختتم الفصل بمناقشة عهد بشار الأسد، الذي بدأ بآمال إصلاحية. بين عامي 2001 و2008، حدثت تغييرات في البيئة التنظيمية كتأسيس المصارف الخاصة والشركات القابضة، ودخلت نخبة اقتصادية جديدة (مثل نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري) تصف «التحول نحو الاقتصاد المعولم». لكن الفصل يطرح تساؤلات مهمة حول القوة الفعلية لهذه النخبة في مواجهة الشبكات الاقتصادية الراسخة التي تدعمها أجهزة الأمن والجيش. ويخلص إلى أن النظام ما زال عالقاً بين حاجته الماسة للقطاع الخاص لتوليد العملة الصعبة وفرص العمل، ورغبته الأمنية الجامدة في منع هذا القطاع من تحويل قوته الاقتصادية إلى نفوذ سياسي.
3.القانون المدني وجبروت الدولة السورية – زهير غزال، بودوان ديريه وسهيل بلحاج131–146▼ ملخص
يُفنّد هذا الفصل الافتراضَ الشائع بأن عام 1949 يمثل لحظة تأسيسية ثابتة للقانون السوري الحديث، ويقدّم بدلاً من ذلك قراءة مغايرة تُظهر كيف أن القانون المدني، رغم بقاء نصوصه الجامدة على حالها تقريباً، قد جُرّد من مضمونه عبر تشريعات موازية وإجراءات قضائية وإدارية حوّلت الدولةَ إلى وكيل طبيعي يُخضع العلاقات الخاصة لمنطق «الصالح العام». الإجابة التي يطرحها المؤلفون هي أن جبروت الدولة السورية لم يتجسّد في إلغاء القانون المدني بل في فرض «جماعية أيديولوجية» فوقه، جعلت من المعاملات الخاصة جريمة محتملة ضد النظام الاشتراكي، ومن الملكية الفردية مجالاً مفتوحاً للمصادرة باسم المصلحة العامة.
يسير الفصل خطوةً خطوة بدءاً من عرض تاريخي للقوانين الاقتصادية التي أُقرّت بين عامَي 1966 و1986، وهي قوانين لم تُلغِ القانون المدني بل أكملته وأفرغته من روحه. يذكر المؤلفون أن أول هذه القوانين كان قانون العقوبات الاقتصادية لعام 1966، الذي عرّف مفهوماً موسّعاً وفضفاضاً لـ«الأموال العامة» شمل أملاك الدولة وأملاك الجمعيات التعاونية والنقابات والمنظمات الشعبية وحتى مؤسسات حزب البعث. وقد فرض هذا القانون عقوبات تتراوح بين سنة وثلاث سنوات سجن على كل من «قاوم النظام الاشتراكي»، وحوّل بذلك معاملات مدنية بحتة إلى جرائم اقتصادية. ثم تبع ذلك قانون قمع التهريب (1974)، وقانون إحداث محاكم الأمن الاقتصادي (1977) الذي أنشأ محاكم خاصة في دمشق وحلب وحمص، وقانون عقوبات تهريب العملة (1986). ويشير الفصل إلى أن هذه المحاكم لم تُلغَ إلا بمرسوم رئاسي في عام 2004، فيما بقي قانون 1966 سارياً تحت سلطة المحاكم الجزائية العادية.
ولإيضاح كيف تقع هذه القوانين في شرك المستخدمين، يقدّم الفصل حالتين قضائيتين مفصّلتين. الأولى حالة التاجر محمد خير، عضو غرفة تجارة دمشق، الذي اتُهم في سبعينيات القرن العشرين بالإتجار غير المشروع بالعملة الصعبة وإلحاق الضرر بالاقتصاد السوري بما يُقدّر بـ3.457.580 ليرة سورية (نحو 70.000 دولار). كان جوهر القضية أنه حصل على موافقة من البنك المركزي السوري لتصدير منتوجات غذائية إلى مصر خلال ستة أشهر بين 20 تموز/ يوليو 1971 و10 كانون الثاني/ يناير 1972، لكن أمواله صودرت بموجب أمر عرفي في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1972، أي قبل الموعد النهائي بثلاثة أشهر، مما منعه من إتمام التصدير. رغم أن محكمة الأمن الاقتصادي رفضت استئنافه، إلا أن المحكمة الابتدائية في دمشق قضت في آذار/ مارس 1988 ببراءته من جميع التهم، وأشارت إلى الطبيعة غير المنطقية لمحكمة الأمر العرفي. واستمرت القضية عشرين عاماً حتى أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكماً في كانون الأول/ ديسمبر 1992 اعتبرت فيه أن الأمر العرفي تجاوز غرضه التشريعي وكان باطلاً. تُظهر هذه القضية كيف تحوّلت صفقة تصدير بسيطة إلى قضية «أمن دولة»، وكيف تورّط مستخدمون يعتقدون أنهم يتبعون الإجراءات في متاهة بين القوانين المدنية والاقتصادية.
الحالة الثانية هي قضية نذير الذي رفع دعوى في شباط/ فبراير 1982 ضد محافظ دمشق، مدعياً أنه أُرغم على التنازل عن جزء من أرضه مجاناً مقابل الحصول على رخصة بناء. اعتمد دفاع المحافظ على المادة 773 من القانون المدني التي توجب مراعاة القوانين التي تحمي المصلحة العامة، والقرار رقم 350 لعام 1968 الذي ينص على إلحاق جزء من الممتلكات للصالح العام عند الترخيص. في البداية ردت المحكمة الابتدائية الدعوى في شباط/ فبراير 1983، معتبرة أن الترخيص بالبناء يجعل التنازل قانونياً بغض النظر عن تحفظات المالك. لكن في شباط/ فبراير 1991، حكمت محكمة النقض في دمشق لصالح المدعي وعوّضته بمبلغ 1.215.000 ليرة سورية (نحو 24.000 دولار). يوضّح النقاش القضائي هنا أن المحكمة ميّزت بين انتهاك الحقوق الشخصية وبين التبادل المتعمّد ضمن الإجراءات الإدارية، لكن مفهوم الإكراه ظل غامضاً، مما جعل المستخدمين عُرضة لمصادرة أملاكهم دون تعويض عادل.
يُقرّ الفصل بحدود واضحة؛ فهو لا يزعم أن جميع المواطنين السوريين وقعوا في مثل هذه الشباك، بل يشير إلى أن «المنطقة الرمادية» على هامش القانون المدني هي التي تجعل المستخدمين يتورّطون فجأة في اتهامات بالإضرار بالإنتاج الاشتراكي أو بتهديد أمن الدولة. كما يعترف بأن الإجراءات البرلمانية، رغم طابعها الاستبدادي، تُتيح هامشاً للمناورة والطعن، وهو ما يتجسّد في مناقشة تعديل قانون الأحوال الشخصية لعام 2003 (القانون رقم 18)، الذي رفع سن حضانة الأم للصبي من التاسعة إلى الثالثة عشرة وللفتاة من الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة. كانت الجلسة البرلمانية فوضوية ومتداخلة، لكنها أظهرت أن القواعد الإجرائية تُستخدم أداةً في يد الرئيس لتوجيه النقاش وأداة في يد النواب لمقاومة التهميش، مما يعكس علاقات تبعية واستقلالية معقّدة بين مجلس الشعب وحزب البعث ورئيس الجمهورية.
الحجج القابلة للنقاش في هذا الفصل تدور حول فكرة أن القانون السوري تحوّل إلى نظام «جماعية أيديولوجية» بدلاً من أن يكون نظاماً مدنياً كلاسيكياً. يعتمد الفصل على تمييز نظري بين «القانون الطبيعي» و«القانون المؤسساتي»، ويرى أن الدولة السورية تبنّت الأول لصالح جبروتها، لكن هذه الثنائية قد تكون مبالَغاً فيها، إذ إن معظم الدول الحديثة تُخضع الملكية والتبادل لاعتبارات الصالح العام. كما أن التركيز على القوانين الاقتصادية بين 1966 و1986 قد يُغفل التطورات اللاحقة التي حدثت بعد عام 2004 مع إلغاء محاكم الأمن الاقتصادي. غير أن الفصل يظل قيماً في كشفه عن التناقض الصارخ بين النص القانوني الجامد والممارسة القضائية والإدارية التي حوّلت المواطنين إلى متهمين محتملين في دولة توهمت أن المعاملات الخاصة تهدّد وجودها ذاته.
4.سياسة رجال الدين الشيعة في مدن سورية البعثية – توماس بيريه147–164▼ ملخص
يسعى هذا الفصل إلى تحليل سياسة النظام السوري تجاه رجال الدين السنة في المدن السورية الكبرى، وتحديداً دمشق وحلب، وذلك في ظل حكم حزب البعث. يقدم المؤلف، توماس بيريه، حجة رئيسية مفادها أن النظام البعثي، وبسبب افتقاره إلى الشرعية الدينية والموارد الاقتصادية الكافية، لم يتمكن أبداً من إنتاج طبقة من رجال الدين موالية له بشكل كامل. بدلاً من ذلك، اعتمد النظام على استراتيجية انتقائية تقوم على استقطاب رجال الدين الموجودين فعلاً والذين يمتلكون قاعدة اجتماعية راسخة، وذلك عبر تقديم الدعم لمن يتعاون معه، والتسامح مع المحايدين، وقمع المعارضين.
يبدأ الفصل بتوضيح الفضاء الديني السني في سورية، والذي يهيمن عليه تقليديًا رجال الدين (العلماء) المنتسبون إلى طرق صوفية أو جماعات دينية. يقسم الفصل هذه الشبكات إلى نوعين رئيسيين: الطرق الصوفية غير المركزية مثل الشاذلية والنقشبندية، والتي تعتمد على العلاقات الروحية بين الشيخ وتلاميذه، والجماعات الأكثر تنظيماً والتي تُعرف باسم "الجماعات" والتي ظهرت كرد فعل على الأفكار العلمانية في القرن العشرين. من أبرز شخصيات الطرق الصوفية يذكر الفصل محمد سعيد رمضان البوطي، الذي يُوصف بأنه "وسطاء" بين النظام والنخبة الدينية، وهشام البرهاني وعبد الرحمن الشاغوري من الشاذلية. أما الجماعات فتنقسم بين تلك الموالية للنظام مثل جماعة أحمد كفتارو (الذي عُيّن مفتياً للجمهورية عام 1964) وجماعة محمد نبهان، وتلك التي عارضته مثل جماعة الميدان التابعة لحسن حبنكة، وجماعتي زيد وأبي ذر اللتين شاركتا في الانتفاضة الإسلامية بين عامي 1979 و1982، مما عرضها للقمع الشديد.
يشير الفصل إلى أن سلطة وزارة الأوقاف تظل محدودة في تشكيل النخبة الدينية، إذ لا تملك القدرة على إنتاج علماء دين "بعلامة تجارية" حكومية على غرار الأزهر. تعتمد الوزارة في تعييناتها على الشخصيات البارزة اجتماعياً، وتقتصر صلاحياتها على منح مرتبات رمزية. ويُقدّم الفصل عدة أدلة على هذه السياسة، منها التحالف الطويل مع المفتي كفتارو، والشراكة غير المباشرة مع البوطي الذي وازن بين دعمه العلني للنظام والحفاظ على مصداقيته الدينية. ويضرب الفصل مثالاً على التنوع في هذه الإستراتيجية من خلال جماعات مثل الميدان وزيد، التي كانت معارضة بشدة في السبعينيات، لكن النظام بدأ في التسعينيات بالسماح تدريجياً لأبنائها بالعودة وإعادة بناء نفوذهم، خاصة بعد اعتلاء بشار الأسد الحكم عام 2000، وذلك كوسيلة لتعزيز شرعية النظام المتآكلة.
بعد ذلك، يستعرض الفصل بالتفصيل أربعة مجالات تظهر فيها هذه العلاقة المعقدة. أولاً، في المؤسسات التعليمية حيث تسيطر الجماعات الدينية التقليدية على معاهد الشريعة الثانوية، ومؤخراً سُمح بإعادة النظر في فتح معهد حسن حبنكة المغلق. أما كلية الشريعة في جامعة دمشق فلم تكن حاضنة لبيروقراطية إسلامية، بل ضمت أساتذة مستقلين سياسياً أو متعاطفين مع الإخوان المسلمين مثل وهبة الزحيلي ومصطفى البغا. ثانياً، في الجمعيات الخيرية، حيث سُمح لحركة زيد بالسيطرة على القطاع الخيري في دمشق نظراً لقاعدة تمويلها القوية من تجار الطبقة الوسطى، مما جعلها الأكثر شعبية. ثالثاً، في وسائل الإعلام حيث كان الظهور الإعلامي حكراً على الموالين للنظام مثل البوطي ومحمد حبش، ثم كُسر هذا الاحتكار لاحقاً بظهور برامج دينية على قنوات غير حكومية مثل قناة الرسالة الكويتية، والتي تبث دروساً لعلماء مستقلين مثل راتب النابلسي وأسامة الرفاعي.
رابعاً وأخيراً، يتناول الفصل التعيينات في المناصب الدينية الرسمية كمقياس للسياسة النظامية. يُظهر المؤلف تردد النظام في تعيين مفتٍ جديد بعد وفاة كفتارو عام 2004، حيث اختار في النهاية أحمد حسون من حلب كأول مفتٍ غير دمشقي. أما الخطوة الأكثر دلالة فكانت تعيين البوطي في عام 2008 كبيراً لخطباء الجامع الأموي وهو منصب بارز كان حكراً على أتباع كفتارو، مما يعكس تحولاً مهماً لصالح إدماج شخصيات أكثر استقلالية. في الختام، يعترف الفصل بأن هذه السياسة الانتقائية صعبة الاستمرار على المدى الطويل، لأن الشركاء الموالين أنفسهم بدأوا يستخدمون نفوذهم للشفاعة لصالح لاعبين دينيين كانوا مرفوضين سابقاً، مما مهد الطريق تدريجياً لسياسة إدماج أكثر تعددية، وإن كانت لا تزال محكومة بقيود النظام الأمنية والسياسية.
5.الأضرحة الشيعية في الرقة: التبشير الإيراني والدلالات المحلية – ميريام عباسة165–184▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل التحولات الرمزية والسياسية التي شهدتها أضرحة الرقة، وتحديداً ضريحي عمار بن ياسر وأويس القرني، من مزارات محلية ذات طابع شعبي وقبلي إلى مواقع نفوذ ديني وسياسي إيراني، ثم إلى فضاءات للصراع الرمزي والمقاومة المحلية. يقدّم الفصل إجابة واضحة: هذه الأضرحة لم تعد مجرد قبور لصحابة، بل أصبحت أدوات في لعبة جيوسياسية بين سورية وإيران، وفي الوقت نفسه، مسرحاً لاستعادة الهوية من قبل السكان المحليين، لا سيما القبائل البدوية شبه الرحل.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر أربعة محاور رئيسية: أولاً، يصف المشهد المادي للأضرحة التي بُنيت عام 1988 بأمر من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بقبابها الزرقاء وأسوارها الفضية، لتحل محل قبور بسيطة كانت محور معتقدات محلية. ثانياً، يشرح السياق الجيوسياسي لهذا البناء، حيث كانت الأماكن المقدسة في النجف وكربلاء مغلقة أمام الحجاج الإيرانيين منذ عام 1980، مما جعل سورية بديلاً، خاصة مع تزايد أعداد الحجاج الإيرانيين الذين دخلوا سورية من 77,423 عام 1991 إلى 270,915 عام 2006. أصبحت بلدة السيدة زينب قرب دمشق مركزاً شيعياً رئيسياً، ويُقدم بناء أضرحة الرقة كمرحلة أولى في "طريق جنائزي" يربط كربلاء بـدمشق، وهو مشروع يهدف لرسم مسار رأس الإمام الحسين المقطوع.
أما ثالثاً، فيتناول الفصل بالتفصيل المعنى المحلي القديم لهذه القبور، وخصوصاً قبر أويس القرني الذي كان يُعتبر "شفيع الرقة". يصف الفصل كيف كانت شجرة التوت الملاصقة لقبره حَرَماً تحمي مقتنيات البدو، وكيف كان "طقس طاسة أويس" يُستخدم لحل النزاعات واستعادة المسروقات، مما جعل الرقة بأكملها "مكاناً محرماً" خلال هذه الطقوس. هذه الممارسات كانت تعبر عن هوية المجتمع الرقي واستقلاليته تجاه حلب. ثم ينتقل رابعاً إلى الحاضر، موضحاً التبشير الشيعي من خلال جلسات تعليمية (مجالس حسينية) ومكتبات ومؤتمرات ثقافية، نظمها المركز الثقافي الإيراني، والتي ربطت التشيع بمقاومة إسرائيل، خاصة بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000. خُتمت هذه الجهود بتجمع حاشد في الأضرحة يوم الجمعة 16 نيسان/أبريل 2002 تضامناً مع انتفاضة الأقصى، حضره ما لا يقل عن 5,000 شخص، وشاركت فيه أوركسترا حزب الله.
لكن المؤلف لا يقدم صورة بسيطة عن إحلال إيراني كامل. بل يكشف عن طبقات من التعقيد والمقاومة المحلية. من جهة، يقابل السكان المحليون، وخصوصاً المثقفين السنة، هذه الأضرحة بالصمت والتجاهل الرسمي، حيث خصصت وزارة الثقافة صفحة واحدة فقط من أصل 200 صفحة في التاريخ الرسمي للمحافظة لمعركة صفين. بل إن هناك حكايات شعبية تعبر عن مقاومة رمزية، كقصة أن قدم عمار بن ياسر كانت تخرج من القبة كلما حاولوا ترميمها ليلاً، مما يدمرها. من جهة أخرى، رحبت القبائل البدوية، التي تنتسب إلى "البيت الحسيني" (وهو ادعاء نسب لا يتعارض مع مذهبها السني)، بهذه الأضرحة، معتبرة إياها تعزيزاً لمكانة أوليائها. هؤلاء "الشوايا" يزورون الأضرحة بطريقتهم الخاصة، صامتين ومتباركين، بعيداً عن البكاء والطقوس الإيرانية، مما يشكل إعادة تخصيص للموقع في إطار التقاليد الصوفية المحلية، كالطريقة المرندية.
أخيراً، يقر المؤلف بحدود البحث ويثير أسئلة مفتوحة: مشاريع الإقامة الفندقية في الرقة ليست قيد الدراسة، مما يطرح تساؤلاً حول كيفية استيعاب المدينة للموجة المتوقعة من الحجاج، إذ يُرجح أن تستفيد حلب أكثر من الرقة. كما أن التبشير الشيعي، رغم توسعه، لا يزال يواجه تحديات، ويخلق لعبة معقدة بين رجال الدين، الأجهزة الأمنية ذات الهيمنة العلوية، والنخبة المثقفة. بشكل عام، يرى المؤلف أن هذه الأضرحة أصبحت "أضرحة غير مرئية" من منظور رسمي محلي، لكنها في الواقع مساحات يتجلى فيها الصراع بين الذاكرة المحلية والطموحات الإقليمية، وبين الهوية السنية والتأثير الشيعي.
6.حوادث عام 2004 في القامشلي: هل اندلعت المسألة الكردية في سورية؟ – جولي غوتير، ترجمة ديانا ف. غالبريت185–200▼ ملخص
ملخص الفصل: «حوادث عام 2004 في القامشلي: هل اندلعت المسألة الكردية في سورية؟»
يتناول هذا الفصل بشكل أساسي مسار الحركة السياسية الكردية في سورية، ويختبر فرضية ما إذا كانت حوادث القامشلي في ربيع عام 2004 قد مثلت نقطة تحول جذرية أدت إلى اندلاع "المسألة الكردية" بشكلها الحاد والمباشر على الساحة الوطنية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الحوادث، رغم عنفها ودلالاتها العميقة، كشفت عن تعقيد المشهد الكردي وعن حدود قدرة المجتمع الكردي على تحويل ثقله الديموغرافي (نحو مليوني مواطن، أو حوالي 10% من سكان سورية) إلى قوة سياسية مؤثرة، كما أظهرت حالة من التردد والانقسام بين الأحزاب الكردية ذاتها.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تاريخ الحركة الكردية في سورية، بدءاً من الانقسام التاريخي بين جناحين رئيسيين: الأول يتمثل في حزب العمال الكردستاني (PKK) بقيادة عبد الله أوجلان، وهو حزب ذو أيديولوجية قومية متطرفة يهدف لتحرير كردستان بأكملها ويركز على عبادة القائد، مما جعل أنصاره يتخلون أحياناً عن هويتهم السورية الخاصة. أما الجناح الثاني فيضم تشكيلة من الأحزاب الصغيرة، وعلى رأسها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية الذي تأسس عام 1958 على يد مصطفى البرزاني، ويدعو بخط معتدل إلى اندماج الأكراد في الدولة السورية وإصلاحات ديمقراطية، مع دعم قوي للقوميين الأكراد في العراق.
يشرح الفصل كيف أن النظام الدولي الجديد بعد حرب الخليج الثانية، وتحديداً إضعاف النظام في بغداد وإنشاء منطقة الأمن الكردية في شمال العراق، دفع دمشق للتقارب مع تركيا، وهو ما تجسد بطرد أوجلان من الأراضي السورية وزيارة بشار الأسد إلى أنقرة في شباط/فبراير 2004 وتسليم سجناء PKK. في هذه الأثناء، شهدت الساحة الكردية السورية جهوداً للتوحيد أسفرت عن تشكيل ائتلافين هما الجبهة والتحالف، بالإضافة إلى ظهور حزب جديد يدعى يكيتي قام بتعبئة جيل جديد من المناضلين مثل فؤاد عليكو ومروان عثمان.
ويتناول الفصل بالتفصيل التصعيد التدريجي في الأشهر التي سبقت حوادث القامشلي، حيث برز تكتيك جديد يتمثل في الوضوح عبر استخدام اللافتات والملصقات في التظاهرات. في 10 كانون الأول/ديسمبر 2002، نظم حزب يكيتي تظاهرة أمام البرلمان في دمشق بمشاركة 110 أشخاص، حملت لافتات تطالب باعتراف الدستور السوري بالأكراد كعرق رسمي وحل قضية "مكتومي القيد"، أي الأكراد الذين جردوا من جنسيتهم في إحصاء عام 1962 (ويقدر عددهم بأكثر من 300.000 شخص لم يستعيدوا وضعهم القانوني). كان هذا التجمع مختلفاً عن الاحتفالات التقليدية، إذ كان بمثابة رسالة سياسية واضحة للنظام. لكنه أدى إلى عزلة حزب يكيتي عن بقية الأحزاب الكردية التي رفضت المشاركة في تظاهرات لاحقة، خشية المواجهة مع الحكومة.
يصف الفصل تطور التعاون بين الأكراد والمعارضة العربية، بدءاً من 25 حزيران/يونيو 2003 عندما شاركت أحزاب كردية أخرى مع يكيتي في تظاهرة للأطفال. ثم حدث تنسيق أكبر في 10 كانون الأول/ديسمبر 2003، حيث تم الاتفاق على الموقع والشعارات بين الأحزاب الكردية والعربية. وتصاعد النشاط الطلابي بشكل خاص في جامعة حلب، حيث شكل الطلاب الأكراد محوراً للتحريض بعد سقوط النظام البعثي في بغداد في نيسان/أبريل 2003، فنظموا تظاهرات في 27 كانون الثاني/يناير 2004 و26 شباط/فبراير 2004. يعتبر الفصل يوم 8 آذار/مارس 2004 يوماً مهماً لظهور ثلاثة أنواع من الاحتجاجات: حشود عفوية للاحتفال بالفدرالية في العراق، وتظاهرة مضادة في دمشق بذكرى ثورة عام 1963، واحتفالات هائلة بـ يوم المرأة العالمي في القامشلي. كل هذا مهد للمواجهة الكبرى.
تصل الذروة في وصف الحوادث التي بدأت في 11 آذار/مارس واستمرت حتى 25 آذار/مارس 2004 في القامشلي. بدأت بمشاحنة في ملعب كرة قدم بين أنصار فريق دير الزور وفريق المدينة، حيث قام أنصار الفريق العربي بشتم القادة القوميين الأكراد ورفع صورة صدام حسين، وتمكنوا من إدخال أسلحة لأنهم لم يفتشوا. أطلقت الشرطة النار بأوامر من محافظ الحسكة، سليم كبول، مما تسبب بمقتل عشرة أشخاص، بينهم أطفال. تحولت جنائز الضحايا إلى موجة احتجاج عنيفة وصلت إلى تدمير تمثال حافظ الأسد وامتدت إلى بلدات كردية أخرى مثل رأس العين ودرباسية وعامودا والحسكة، واندلعت فيها اشتباكات شوارع ومليشيات عربية مسلحة، وأُحرقت مبانٍ حكومية. رد النظام كان وحشياً، حيث وصلت وحدات من الحرس الجمهوري، وامتد القمع إلى زور آفا في ضواحي دمشق، وأسفرت الأحداث عن حوالي 50 قتيلاً واعتقال آلاف، مع انتشار التعذيب.
يحلل الفصل موقف النظام، مشيراً إلى أن رد الفعل العنيف بدا وكأنه مخطط له بشكل متعمد، وتناقض مع سياسات حافظ الأسد المعتدلة نسبياً السابقة، مشابهاً قمع الستينيات الذي أنتج «الحزام العربي». وتساءل المؤلف عن دور النظام في تأجيج العنف، وهل كان يهدف لخلق شقاق عربي-كردي لشد الصفوف العربية خلفه في ظل التهديد الأميركي من العراق. ويذكر تدخل بشار الأسد عبر الجزيرة في 1 أيار/مايو، حيث اعترف بوجود "مكتومي القيد" وأكد أن الأكراد جزء من النسيج الوطني، وهو اعتراف تاريخي لكنه لم يتبعه إجراءات ملموسة، مما كشف عن حدود النظام الاستبدادي.
أخيراً، يناقش الفصل تداعيات هذه الأحداث على الحركة الكردية نفسها. بعض المراقبين استخدموا مصطلح "انتفاضة" (مستوحى من النضال الفلسطيني) للإشارة إلى عفوية وشعبية الاحتجاج. وقد أظهرت الحوادث عناصر تتجاوز القومية، باستحضار شعارات وأساليب حزب العمال الكردستاني مثل رفع صور أوجلان، ما أعطى الحزب (تحت اسمه الجديد الاتحاد الديمقراطي) فرصة للظهور من جديد بقوته النضالية. في المقابل، كشفت الحوادث عن ضعف الأحزاب الكردية التقليدية وعجزها عن اغتنام الفرصة، حيث انخرط رؤساؤها في مفاوضات مع الأجهزة الأمنية دون إستراتيجية واضحة، وسرعان ما سقطت في لعبة السلطة التي أدارتها السلطات بينهم، مما أدى إلى تكبيل الحركة الكردية بدلاً من توحيدها. ويترك الفصل أسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت مشاركة الطلاب ستؤدي إلى ولادة حركة مستقلة، وحول طبيعة العلاقة بين هذه "الانتفاضة" والحركة السياسية القائمة. الخلاصة أن الفصل يرى في حوادث آذار/مارس 2004 لحظة مفصلية رسخت المواجهة العلنية ووحدة رمزية للمساحة الكردية السورية، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن إخفاقات تنظيمية عميقة داخل الحركة الكردية نفسها.
7.المعارضة السورية: النضال من أجل الوحدة وأهميتها، 2003 2008 – جو بيس وجوشوا لانديس201–230▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل مسار المعارضة السورية بين عامي 2003 و2008، مُركّزاً على سعيها الدؤوب للوحدة وأهمية هذا السعي في مواجهة نظام استبدادي. يقدّم المؤلفان إجابة واضحة مفادها أن المعارضة، رغم نجاحها في تحقيق لحظات من التكاتف غير المسبوق، مثل إعلان دمشق، ظلت كياناً هشاً ومجزأً، وعاجزة عن ترجمة وحدتها السياسية إلى قوة ضغط حقيقية أو بديل فعّال للنظام. ويعود هذا الفشل في المقام الأول إلى ممارسات النظام القمعية، والانقسامات الأيديولوجية والشخصية الحادة بين فصائل المعارضة، بالإضافة إلى غياب قاعدة شعبية عريضة واستغلال النظام للعوامل الإقليمية والدولية لصالحه.
يبدأ الفصل بتقديم خلفية عن لحظة الأمل التي أعقبت وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران/ يونيو 2000، وتولي ابنه بشار الحكم، والتي عُرفت بربيع دمشق. يوضح المؤلفان كيف شهدت تلك الفترة إطلاق سراح معتقلين سياسيين (انخفض عددهم من نحو 4000 في عام 1998 إلى ما بين 1000 و0 معتقل)، وظهور منتديات حوار ومنظمات حقوق إنسان، وتقديم بيان الألف في كانون الثاني/ يناير 2001، والذي وقعه نحو 1000 ناشط مطالباً بإصلاحات سياسية شاملة. لكن هذا الانفتاح سرعان ما تلاشى مع حملة القمع التي عُرفت بشتاء دمشق، حيث تم سجن ثمانية من أبرز قادة المجتمع المدني بحلول صيف 2001.
بعد ذلك، يتناول الفصل بالتفصيل مكونات المعارضة المختلفة ومشاكلها البنيوية. فمنظمات حقوق الإنسان، التي كان عددها نحو عشر منظمات بحلول عام 2003، عانت من صغر حجمها واعتمادها على أفراد وميزانيات شحيحة، ونزاعات شخصية حالت دون التعاون. أما منتديات المجتمع المدني، مثل لجنة إحياء المجتمع المدني ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي (الذي أُغلق في ربيع 2005)، فقد قدمت منبراً للنقاش لكنها لم تنتج حلولاً ملموسة. والأحزاب السياسية كانت الحلقة الأضعف؛ فباستثناء الأحزاب الكردية، لم يتجاوز عدد أعضاء أي حزب لاطائفي الألف عضو، وكانت عرضة للانشقاق والاختراق الأمني. ويشير الفصل إلى أن الحزب الأكثر تقديراً هو حزب رياض الترك، الذي أعيد هيكلته كحزب ليبرالي.
يُخصص الفصل مساحة واسعة للدور المتنامي للأكراد، خاصة بعد حوادث القامشلي في آذار/ مارس 2004، والتي انطلقت من مباراة كرة قدم لتتحول إلى اشتباكات واحتجاجات كردية واسعة. يوضح المؤلفان أن هذه الحوادث شكلت نقطة تحول، حيث أظهرت قدرة الأكراد على حشد الآلاف، بينما كانت المعارضة العربية تكافح لتخرج بثلاثمائة مؤيد. وقد أجبر هذا الواقع المعارضة العربية على الاعتراف بالقوة الكردية، والبدء بتنسيق منخفض المستوى مع القادة الأكراد، وهو ما تجسد لاحقاً باعتراف الإخوان المسلمين بشرعية المظالم الكردية لأول مرة.
يمثل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005 منعطفاً حاسماً. فقد أدى إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، وعزلة دولية للنظام، مما دفع المعارضة لاعتقاد أن انهيار النظام أصبح احتمالاً قائماً. هذا الشعور ولّد ديناميكية جديدة أدت إلى ولادة لجنة التنسيق الوطنية للدفاع عن الحريات والحقوق في نيسان/ أبريل 2005، وهي أوسع تحالف معارض حتى ذلك الوقت. لكن الذروة كانت في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 مع إطلاق إعلان دمشق. يصف الفصل هذه الوثيقة بأنها المرة الأولى منذ عقود التي تتفق فيها فصائل متعددة (علمانيون، إسلامويون، أكراد، ليبراليون) على منصة موحدة للتغيير الديمقراطي واللاعنف، متجنبة عمداً القضايا الخلافية الحادة مثل تفاصيل النظام الاقتصادي أو حل واضح للمسألة الكردية، ومكتفية بالإصرار على معالجتها في إطار ديمقراطي شامل.
لكن هذا الإنجاز واجه انتقادات حادة من أطراف متعددة، كشفت عن الانقسامات العميقة. فالقوميون العرب رأوا في الإشارة لانتماء سورية العربي تنازلاً، بينما انتقد أكراد متطرفون مجرد هذه الإشارة. والأكثر جوهرية، أن الإشارة إلى الدين الإسلامي باعتباره "دين الأغلبية" أثار حفيظة العلمانيين الذين اعتبروها تخلياً عن العلمانية. محاولة النظام لاستغلال هذه الانتقادات عبر وكلائه، واتهام المعارضة بالخيانة تحت الضغوط الدولية، هما جزء من السياق الذي يشرحه المؤلفان. على صعيد متصل، يوضح الفصل جدلاً داخل المعارضة حول دور القوى الأجنبية، حيث انقسمت بين رافض مطلق وقابل مشروط.
في عام 2006، ظهر تطوران جديدان: تشكل جبهة الخلاص الوطني بقيادة عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السابق المنشق) والإخوان المسلمين في مارس 2006. يشرح الفصل أن هذه الجبهة كانت ضربة أقوى للنظام من إعلان دمشق، لأنها امتلكت ثروة خدام وعلاقاته ومعرفته بالنظام من الداخل. لكنها أعادت فتح التصدعات، حيث انقسمت المعارضة بين من يرفض التعامل مع خدام كرمز للنظام القمعي، ومن يرحب بالتحالف على مضض. ويخلص المؤلفان إلى أن حقيقة عدم تمزق المعارضة تماماً كانت دليلاً على القوة المتماسكة لإعلان دمشق.
توضح الأقسام الأخيرة من الفصل كيف استغل النظام عوامل إقليمية ودولية لصعّد حملته القمعية. ففشل تحقيق الأمم المتحدة في اغتيال الحريري، وعدم رغبة إسرائيل في تغيير النظام، وفشل إدارة بوش في العراق والشرق الأوسط (الذي أوصل حماس للسلطة في فلسطين 2006)، والحرب الإسرائيلية على لبنان 2006، كلها عوامل أقنعت بشار الأسد بإحكام قبضته. بدأت حملة قمع واسعة في آذار/ مارس 2005 وبلغت ذروتها في 2006، وتمثلت في اعتقالات طالت كل شخصيات المعارضة تقريباً، لا سيما الموقعين على إعلان دمشق-بيروت في أيار/ مايو 2006، والذي اعتبره النظام دليلاً على تآمر المعارضة مع الحكومة اللبنانية المعادية. حُكم على شخصيات مثل ميشيل كيلو ومحمود عيسى بالسجن لثلاث سنوات، وتم إغلاق المنتديات وحجب مواقع إلكترونية (نحو 160 موقعاً) ومراقبة الإنترنت في عام 2007.
في الخاتمة، يناقش الفصل كيف خرجت سورية من عزلتها الدبلوماسية في 2008 بفضل دهاء الأسد وفشل المعارضة في حشد التأييد، فضلاً عن فشل أجندة بوش الديمقراطية. زيارات مسؤولين أوروبيين وأميركيين، وإعادة العلاقات مع فرنسا، واستئناف المفاوضات مع إسرائيل، كلها عوامل أعطت النظام حماية لسحق المعارضة دون احتجاج دولي. يختتم الفصل باقتباس من الناقد اليساري ياسين الحاج صالح الذي يدعو المعارضة إلى نقد ذاتي لاذع، والتخلي عن الأيديولوجيات القديمة، والتركيز على فهم المجتمع السوري وبناء الذات، مؤكداً أن المخرج الوحيد من الأزمة هو الاستقلال عن الخارج.
يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن وهم الوحدة قد يكون أضر بالمعارضة أكثر مما نفعها، إذ أن إعلان دمشق، بتجنبه للقضايا الجوهرية، لم يبن أساساً متيناً للعمل المشترك، مما جعله سريع الانهيار تحت أول ضغط. كما يبرز الفصل بوضوح العجز المتبادل بين المعارضة والنظام الإقليمي والدولي؛ فبينما استغل النظام المخاوف من التقسيم الطائفي و"الخطر الخارجي" لتعزيز قبضته، فشلت المعارضة في تقديم نموذج بديل مقنع يضمن الاستقرار الذي يقدّره المواطن السوري.
8.الشراكة مع الاتحاد الأوروبي: آمال، مخاطر وتحديات الاقتصاد السوري – أنجا زوروب231–250▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول اتفاقية الشراكة المعلقة بين سورية والاتحاد الأوروبي، ويبحث في آمال الاقتصاد السوري منها مقابل المخاطر والتحديات التي تفرضها شروطها، والتي يراها الكاتب أكثر صرامة من تلك التي وقعتها دول متوسطية شريكة أخرى. يقدم الفصل إجابة متوازنة تميل في النهاية إلى القول بأن توقيع الاتفاقية، رغم تكاليفه الباهظة، هو تحدٍ لا مفر منه لدفع عجلة الإصلاح الاقتصادي في سورية.
يبدأ الفصل بتقديم خلفية تاريخية عن العلاقة، مشيراً إلى أن سورية انضمت إلى مبادرة برشلونة (الشراكة الأوروبية المتوسطية) في تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، لكنها بقيت الدولة الوحيدة التي لم تبرم اتفاقية الشراكة بشكل نهائي. تم التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاقية في تشرين الأول/ أكتوبر 2004، لكن التصديق الرسمي بقي معلقاً بسبب شروط مسبقة سياسية طلبها الاتحاد الأوروبي، مثل التعاون مع المحكمة الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، والتعامل مع فقرة أسلحة الدمار الشامل. ويلفت الكاتب إلى أن مشاركة الرئيس بشار الأسد في الإطلاق الرسمي لاتحاد من أجل المتوسط في تموز/ يوليو 2008 أعادت الأمل في إحياء توقيع الاتفاقية.
ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل العلاقات التجارية القائمة، موضحاً أنه على الرغم من كون الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الرئيسي لسورية، إلا أن هذه العلاقة تشهد ركوداً نسبياً. ففي السنوات الأخيرة، انخفضت حصة الصادرات السورية إلى الاتحاد الأوروبي من أكثر من %70 في عام 2000-2001 إلى أقل من %45 في عام 2006، كما تراجعت حصة الواردات الأوروبية من إجمالي واردات سورية من حوالي %35 إلى ما دون %20 في العام نفسه. ويعزو الكاتب هذا التراجع إلى ضعف القدرة التنافسية للصادرات السورية غير النفطية، ولجوء المستوردين السوريين إلى موردين أرخص من دول أخرى مثل الصين. ويؤكد الفصل أن الصادرات السورية إلى أوروبا لا تزال تعتمد بشكل كبير على النفط الخام، الذي شكل في عام 2006 حوالي %45 من إجمالي الصادرات السورية، لكنه شكل %95 من الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي، مما يكشف تنوعاً محدوداً للغاية. أما الصادرات الزراعية، فتبقى مقيدة بشدة، حيث لا تتجاوز حصة الاتحاد الأوروبي 10-13% منها، معظمها من القطن الخام، بينما تُباع الفواكه والخضروات التي تتمتع بتنافسية عالية بشكل رئيسي إلى الدول العربية الأخرى.
يدرس الفصل بعد ذلك بنود اتفاقية الشراكة المقترحة بالتفصيل، ويشرح كيف أن شروطها تذهب أبعد كثيراً من الاتفاقيات المماثلة مع دول متوسطية أخرى. فإلى جانب إنشاء منطقة تجارة حرة، تلزم الاتفاقية سورية بإلغاء جميع القيود على الاستيراد والتصدير فوراً، وخفض الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأوروبية إلى الصفر خلال مدة انتقالية أقصاها اثنا عشر عاماً. كما تمنح الاتفاقية المستثمرين الأوروبيين معاملة وطنية وتضمن حرية حركة رؤوس الأموال، وتُلزم سورية بتبني قواعد المنافسة والمعايير الدولية في مجالات الملكية الفكرية والمشتريات الحكومية. يشير الكاتب إلى أن هذه البنود تجاوزت بكثير تلك الموجودة في اتفاقيات الشراكة مع دول مثل المغرب وتونس، مما يضع الاقتصاد السوري أمام تحديات فريدة.
يتناول الفصل بعدها تحليلاً للفوائد والمخاطر المحتملة. من ناحية الفوائد، يرى الكاتب أن الاتفاقية قد تساهم في تحسين الكفاءة الاقتصادية عبر زيادة المنافسة، وتحسين وصول الصادرات السورية إلى السوق الأوروبية، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة المساعدات المالية والتقنية الأوروبية. ويضيف أن الاتفاقية قد تمنح الحكومة السورية أداة لتعزيز مصداقية إصلاحاتها الاقتصادية الداخلية التي تواجه معارضة شعبية واسعة، وخاصة في قطاعي الصناعة والزراعة منذ خريف 2004. أما من ناحية المخاطر، فيحذر الكاتب من عدة آثار سلبية محتملة: أولاً، صدمة تنافسية قاسية قد تؤدي إلى إغلاق العديد من المصانع والمشاريع الزراعية غير القادرة على منافسة الواردات الأوروبية، مما سيؤدي إلى خسائر في الدخل والوظائف على المدى القصير والمتوسط. ثانياً، خطر تحويل التجارة، حيث قد يتحول المستوردون السوريون إلى الموردين الأوروبيين الأقل كفاءة من حيث التكلفة بدلاً من الموردين الأكثر كفاءة مثل الصين، وذلك بسبب الإعفاءات الجمركية. ثالثاً، خسارة في الإيرادات الجمركية الحكومية، التي تشكل ما بين 7% و9% من إيرادات الميزانية.
يختتم الفصل بالاعتراف بأن الإجابة الواضحة من وجهة نظر اقتصادية بحتة هي أن التوقيع على الاتفاقية يستحق التكلفة، معتبراً أن الاقتصاد السوري في حاجة ماسة لموارد جديدة لتعزيز النمو. ويؤكد الكاتب أن الأمل معقود على أن تعمل الاتفاقية على تشجيع صناع القرار في دمشق على الاستمرار في طريق الإصلاح. ومع ذلك، يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول قدرة سورية على تخفيف المخاطر عبر سياسات داخلية مساعدة، مثل إنشاء شبكات أمان اجتماعي ودعم الشركات المحلية، وحول استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم مساعدات مالية وتقنية أكبر، وتحسين وصول الصادرات الزراعية السورية عبر تبسيط قواعد المنشأ المعقدة وخفض الحواجز. يمكن القول إن حجج الفصل قابلة للنقاش، فرغم الميل النهائي لدعم الاتفاقية، إلا أن التحليل التفصيلي يظهر بوضوح حجم المخاطر الجسيمة التي قد تواجه الاقتصاد السوري الضعيف والمحمي، مما يجعل القرار النهائي أقرب إلى رهان استراتيجي محفوف بالمخاطر منه إلى مسار مضمون الفوائد.
9.إزالة الغموض في السياسة الخارجية في عهد بشار الأسد – باسل فوزي صلوخ251–274▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول محاولة كشف الغموض عن السياسة الخارجية السورية في عهد بشار الأسد، وتقديم تفسير بديل للحسابات التي تقف وراء خياراتها. يرفض المؤلف، باسل فوزي صلوخ، التفسيرات السائدة التي تختزل هذه السياسة في «حسابات خاطئة» أو قلة خبرة القائد الشاب، ويسعى بدلاً من ذلك إلى إثبات أن سلوك دمشق كان مدفوعاً بمنطقين مترابطين هما: الموازنة (Balancing) ضد التهديدات الخارجية، وأمن النظام (Regime Security) أي حماية النظام من المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدد بقاءه. يخلص الفصل إلى أن السياسة الخارجية السورية، رغم ما تعرضت له من انتكاسات، كانت عقلانية ومتسقة مع أولويات البقاء.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مرحلة حرجة بدأت بغزو واحتلال العراق في نيسان/أبريل 2003. يصف المؤلف كيف أن سقوط بغداد مثل صدمة وجودية للنظام السوري، فبعد أن راهن بشار الأسد على قدرة العراق على الصمود، أدركت دمشق فور سقوط النظام العراقي أن التهديد موجّه إليها مباشرة. لم يكن هذا التهديد عسكرياً فحسب، بل كان استراتيجياً يهدف، من وجهة نظر دمشق، إلى إعادة تشكيل المنطقة لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقسيم العراق على أسس طائفية مما قد يشجع الانقسامات في المجتمع السوري. في مواجهة هذا الخطر، لم تختر سورية الانصياع للمطالب الأميركية التي نقلها كولن باول في أيار/مايو 2003، بل اتبعت إستراتيجية «الموازنة غير المتكافئة» عبر تخريب الاحتلال الأميركي للعراق بتمرير المقاتلين الأجانب والأسلحة عبر حدودها. يوضح المؤلف أن هذا لم يكن خطأً حسابياً، بل خياراً استراتيجياً واعياً لحماية النظام، إذ كان الامتثال لمطالب واشنطن سيهدد وجود النظام ذاته.
ينتقل الفصل إلى لبنان كجبهة ثانية في معركة الحماية. مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 في أيلول/سبتمبر 2004، والذي دعا إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات، رأت دمشق أن الهدف ليس استقلال لبنان، بل تفكيك نفوذها الإقليمي وتهديد أمن نظامها. في هذا السياق، يشرح المؤلف قرار بشار الأسد بتجديد ولاية الرئيس إميل لحود الموالية له، متحدياً بذلك الضغوط الدولية. يرفض الفصل تفسير هذا القرار على أنه «حساب خاطئ» آخر، ويقدمه بدلاً من ذلك كإجراء دفاعي يهدف إلى الحفاظ على خط الدفاع الأول لـدمشق في لبنان، ومنع تشكيل حكومة أو قيادة عسكرية قد تفتح ملفات النشاط السوري السابق في البلاد. ثم يتناول اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005 باعتباره لحظة حاسمة، مشيراً إلى أن النظام السوري رأى في الحريري تهديداً متصاعداً بسبب علاقاته وسعيه لتوحيد المعارضة اللبنانية، لكنه يترك السؤال حول تورط دمشق مفتوحاً دون إجابة قاطعة، مكتفياً بعرض التفسيرين المتنافسين.
بعد الانسحاب السوري من لبنان في 25 نيسان/أبريل 2005، يوضح الفصل أن أهمية لبنان ازدادت بدلاً من أن تقل. فقد تحول لبنان إلى ساحة رئيسة لصراع جيوسياسي أوسع بين الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية من جهة، وتحالف سورية – إيران – حزب الله من جهة أخرى. هنا يقدم الفصل تفاصيل عن اللاعبين المحليين الذين استعانت بهم دمشق، وفي مقدمتهم حزب الله كرأس حربة لعرقلة أجندة خصومها. توقيع مذكرة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر بقيادة ميشال عون في شباط/فبراير 2006 يُفسّر على أنه خطوة لخلق توازن في مواجهة تحالف قوى 14 آذار. ولم تقتصر المعركة على لبنان، بل امتدت إلى اتهامات متبادلة بين دمشق والرياض، حيث اتهمت دمشق السعودية بدعم المعارضة السورية في الداخل والخارج، ومحاولة استغلال التوترات الطائفية على الحدود اللبنانية السورية لإضعاف النظام.
في خاتمة الفصل، يسجل المؤلف التحولات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة. يُبرز كيف أن اتفاق الدوحة في 21 أيار/مايو 2008 وإنهاء الأزمة السياسية في لبنان بطريقة خدمت حلفاء سورية، وانتخاب ميشال سليمان رئيساً، وحصول المعارضة على حق النقض، كلها تطورات أغلقت فصلاً صعباً وبدت وكأنها انتصار لسياسة دمشق القائمة على الصمود. الإشارة إلى حوادث مثل الغارة الإسرائيلية على موقع دير الزور (أيلول/سبتمبر 2007) واغتيالات قيادات في حزب الله وسورية (2008) تذكّر القارئ بأن النظام ظل تحت ضغط، لكنها تخدم في الوقت نفسه حجة المؤلف: قدرة النظام على تجاوز هذه الأزمات تؤكد نجاح إستراتيجيته الدفاعية. ويختتم الفصل بالإشارة إلى صورة بشار الأسد الواثق في قمة باريس (تموز/يوليو 2008) واستضافته للقادة في دمشق، كدليل على كسر عزلته الإقليمية والدولية، ليؤكد في النهاية أن هذه السياسة الخارجية القائمة على الموازنة هي التي مكنته من الصمود ومنحته مساحة للمناورة. لم يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، لكنه بذلك يفتح الباب أمام التساؤل حول ما إذا كانت هذه الإستراتيجية نفسها ستستمر في النجاح بعد هذه النقطة، خاصة مع تصاعد التداعيات الإقليمية والدولية لاحقاً.
10.بداية صداقة حسنة: العلاقات السورية التركية منذ العام 1998 – باسل فوزي صلوخ275–306▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل التحول الجذري في العلاقات السورية التركية، من حافة المواجهة العسكرية في خريف عام 1998 إلى شراكة استراتيجية متنامية بحلول عام 2008. يطرح المؤلف السؤال المحوري: لماذا بادرت دمشق إلى تهدئة الخصم التاريخي وتقديم تنازلات له، في وقت كانت فيه التهديدات الخارجية تتصاعد؟ الإجابة التي يقدمها لا ترجع هذا التغيير إلى مجرد حسن النية أو الضغوط الاقتصادية وحدها، بل إلى حسابات استراتيجية معقدة: كلما زادت تكلفة الصراع على سورية، وكلما ضعفت قدرة تركيا على استغلال أي مبادرة سورية لمصلحتها الخاصة، كلما ازدهر التعاون بين البلدين.
يسير الفصل خطوة بخطوة، متتبعًا موجات المد والجزر في العلاقات الثنائية. يبدأ من نقطة التوتر الأقصى في تشرين الأول/أكتوبر 1998، حين أمرت أنقرة بنشر 10,000 جندي على الحدود، ووصف رئيس الأركان التركي الوضع بأنه "حرب غير معلنة"، في مقابل نشر سورية 36 من أصل 120 صاروخًا من نوع سكود سي قرب الحدود. كان الخلاف حول دعم دمشق لحزب العمال الكردستاني (PKK) ومياه نهر الفرات هو الشرارة. لكن سرعان ما تراجعت سورية، فطردت زعيم الحزب عبد الله أوجلان من دمشق في تشرين الأول/أكتوبر 1998، وأغلقت معسكرات التدريب، وشكّلت لجنة أمنية مشتركة مع تركيا بحلول عام 1999. ويشرح المؤلف أن هذا الاسترضاء كان ردًا على ثلاثة تطورات جعلت الحرب مكلفة للغاية: أولاً، التحالف العسكري الإسرائيلي-التركي الذي بلغ أوجه بمناورات "ريلاينت ميرميد" البحرية المشتركة بين 1998 و2001، مما جعل سورية عرضة لهجوم منسق من خصمين رئيسيين. ثانيًا، اعتماد سورية المتزايد على مياه الفرات، حيث استخدمت تركيا سدودها كسلاح، لا سيما خلال الجفاف في ربيع 1999. ثالثًا، تفوق القوة العسكرية التركية المدعومة بتقنيات إسرائيلية، مثل تحديث دبابات M-60، مما جعل أي مواجهة محسومة لصالح أنقرة.
يوضح الفصل كيف أن هذه المبادرات السورية الأولى لم تلقَ استغلالاً تركياً كاملاً، بسبب قيود فرضت على أنقرة نفسها. كان الرأي العام التركي في أواخر التسعينيات يعارض التعاون العسكري مع إسرائيل ويتعاطف مع القضية الفلسطينية، خاصة بعد انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر 2000. كما كانت الحكومة التركية منشغلة بانبعاث القومية العلوية داخليًا، مما جعلها حذرة من إثارة حساسيات طائفية. إضافة إلى ذلك، سعت دمشق إلى استغلال نقاط ضعف تركيا الإقليمية، عبر بناء علاقات مع أرمينيا (بدأت بزيارة الرئيس الأرمني ليفون تير بتروسيان إلى حلب)، ومع روسيا، ومع الفصيل الكردي في شمال العراق (الاتحاد الوطني الكردستاني) الذي كان ينافس الحزب الديمقراطي الكردستاني المدعوم من أنقرة. هذا التعدد في أوراق الضغط السورية جعل دمشق في موقع يمكنها من المبادرة دون خوف كبير من الرفض.
يتناول الفصل بعد ذلك فترة التسارع الكبير في التعاون التي بدأت من أوائل عام 2002. توج هذا التقارب بزيارة تاريخية لرئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى أنقرة في تموز/يوليو 2003، وهي الأولى منذ 1986، وتبعتها زيارة الرئيس بشار الأسد الأولى إلى تركيا في كانون الثاني/يناير 2004، حيث وقع على وثائق تشير صراحة إلى هتاي (إسكندرون)، متنازلاً عن المطالب السابقة. ويبين الفصل أن هذا التقارب تسارع مع تزايد العدائية الإسرائيلية ضد سورية في 2003-2004 (مثل اغتيال قيادي في حماس بدمشق)، مما دفع الخصمين السابقين إلى الاقتراب أكثر. ومع ذلك، لم يخلُ المسار من فتور، خاصة في عام 2005، حين طالبت أنقرة دمشق بـ"خطوات ملموسة" بشأن اغتيال رفيق الحريري، وتنشيط الشراكة التركية-الإسرائيلية مجددًا بزيارة رئيس الوزراء أردوغان للقدس في أيار/مايو 2005، مما قوض استعداد دمشق للتعاون.
يختتم الفصل بشرح الديناميات التي أعادت الزخم للتقارب في عامي 2007-2008، محددًا ثلاثة عوامل رئيسية في وجهة نظره. أولاً، تورط تركيا المتزايد في عمليات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق خلال 2007-2008، مما جعل مصالحها الاقتصادية مع الإقليم الكردي (الذي بلغت تجارته 3 مليارات دولار في 2006) معرضة للخطر، وأضعف قدرتها على المناورة مع سورية. ثانيًا، الأزمة السياسية الداخلية الحادة في تركيا بين العلمانيين والإسلامويين، بما في ذلك إبطال المحكمة الدستورية للاقتراع الرئاسي في نيسان/أبريل 2007. ثالثًا، تدهور العلاقات التركية مع روسيا بسبب مشاريع الطاقة مثل خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، مما دفع أنقرة إلى التعاون مع دمشق كمنفذ استراتيجي بديل. في ظل هذه الظروف، ازدهر التعاون في الطاقة (مثل بناء خط أنابيب غاز مشترك)، والمياه (تخصيص أراضٍ لريها من الفرات)، والأمن (تشكيل لجان تنسيق مشتركة لمكافحة الإرهاب)، حتى إن سورية عدّلت خرائطها الرسمية في نيسان/أبريل 2008 لإزالة إسكندرون من أراضيها.
في الخاتمة، يلخص المؤلف دينامية العلاقة بوضوح: كلما وجدت تركيا صعوبة في استغلال المبادرات السورية بسبب انشغالها الداخلي أو الإقليمي، كان التعاون يزدهر؛ وكلما استعادت قدرتها على الاستفادة، فتر التعاون. هذا المنطق العملي، القائم على حسابات التكلفة والفائدة والقوة النسبية، يشرح لماذا بدأت دمشق بخطوات استرضائية غير متوقعة في 1998، وكيف تمكنت في النهاية من تحويل عدوة قديمة إلى شريك قريب دون أن تنتظر تغيرًا في أيديولوجية النظامين.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص