المورد
The Syrian Uprising: Domestic Origins and Early Trajectory

The Syrian Uprising: Domestic Origins and Early Trajectory

Raymond Hinnebusch and Omar Imady١ كانون الثاني ٢٠١٨enRoutledge

الكتاب الذي حرره ريموند هينبوش وعمر عمادي بعنوان "الانتفاضة السورية: الجذور المحلية والمسار المبكر" يسعى إلى تفسير لغز مركزي: كيف تحولت احتجاجات سلمية في مارس 2011 إلى حرب أهلية طائفية مدمرة، بدلاً من أن تؤدي إلى انتقال ديمقراطي كما حدث في تونس ومصر جزئياً. الجواب الذي يطرحه الكتاب ليس بسيطاً ولا أحادياً، بل يعتمد على تفاعل معقد بين "البنية" (أي التناقضات والأزمات المتراكمة في النظام السوري قبل الانتفاضة) و"الفاعلية" (أي الخيارات الحاسمة التي اتخذها الفاعلون، وعلى رأسهم النظام). يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن النظام السوري، بطبيعته "السلطانية" وقمعه الوحشي وخياراته المتعمدة، هو المسؤول الأول عن انزلاق البلاد إلى الهاوية، لكنه لا يُبرّئ المعارضة أو العوامل الإقليمية والدولية من دورها.

يمتد المنطق الذي يربط فصول الكتاب في مسار متصاعد يبدأ من الجذور الهيكلية العميقة، ثم ينتقل إلى طبيعة النظام السياسي، ثم يحلل الفاعلين الاقتصاديين والعسكريين، وأخيراً ينظر إلى المجتمع المدني والجماعات الدينية والأقليات. الفصل الافتتاحي (المقدمة) يضع الإطار النظري، شارحاً أن النظام السوري عانى من أزمة بنيوية قبل 2011: اقتصاد ريعي مستنفد، فساد مستشري، وتهميش للطبقة الوسطى الريفية التي كانت أساس حكم البعث، وتحول النظام من حزب شعبي إلى حكم عائلي طائفي بقيادة بشار الأسد. هذا الخلق موضوعياً للانفجار لم يحدد مساره، بل كان اختيار النظام للقمع بدلاً من الإصلاح هو الحاسم، والذي حوّل الاحتجاجات السلمية إلى تمرد مسلح.

ثم يتعمق الفصل الثاني في "مأساة بناء الدولة البعثية"، شارحاً أن جذور الحرب لا تكمن فقط في أخطاء النظام الأخيرة، بل في الطريقة التي بنيت بها الدولة نفسها منذ ستينيات القرن العشرين. يوضح أدهم صاولي أن النخبة العسكرية البعثية، لتعزيز سلطتها، لجأت إلى توظيف روابط القرابة الطائفية والعائلية، مُحييةً انقسامات هوياتية كان من المفترض أن تتجاوزها الأيديولوجية البعثية. هذا الإقصاء السياسي والفساد والتبعية للريع الخارجي جعل سوريا مهيأة للانفجار وعرضة للتغلغل الخارجي.

يأتي بعد ذلك فصلا "السلطانية" ليشرح لماذا فشلت الاحتجاجات السلمية في تحقيق انتقال ديمقراطي. الفصل الرابع يصف النظام بأنه "شبه سلطاني"، حيث يلتبس النظام بالدولة، وتبنى السلطة على عبادة الشخص وتنتقل بالوراثة، ويكون الاقتصاد مشوهاً بالفساد والمحسوبية. في هذا النظام، لا يوجد فاعلون معتدلون مستقلون داخل النظام أو المعارضة يمكنهم التفاوض، والجيش ليس مستقلاً ولا مهنياً، مما حال دون حدوث سيناريو تونسي. الفصل الخامس يركز على نقطة حاسمة: لماذا بقي الجيش مخلصاً للنظام على عكس جيشي تونس ومصر؟ الإجابة التي يقدمها فريد إتش لوسون هي أن الجيش السوري تحول إلى "مجمع عسكري-تجاري"، حيث اندمجت المصالح الاقتصادية للضباط مع بقاء النظام، عبر شبكات فساد وتهريب واحتكارات جعلت سقوط النظام يعني خسارة ثرواتهم.

يدرس الفصل السادس الديناميكيات الاقتصادية من زاوية أخرى، محللاً تأثير الأزمة المالية العالمية 2008-2009 على "هيكل التراكم الاجتماعي" في سوريا. يرى المؤلف أن الأزمة لم تؤثر على الجميع بالتساوي؛ فوضعت الفلاحين الفقراء (الذين عانوا من الجفاف) في "مجال الخسائر" مما جعلهم وقود الاحتجاجات، بينما وضعت نخبة الأعمال المستقلة في "مجال المكاسب" نسبياً مما جعلهم يتجنبون المخاطرة. هذا الجمود لدى الفاعلين الاقتصاديين المؤثرين أفسح المجال لتطور الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل الفاعلين المجتمعيين والدينيين. الفصلان السابع والثامن يبحثان في العلاقة بين النظام والتيارات الإسلامية. يكشفان أن النظام السوري لم يلتزم بأي أيديولوجية ثابتة، بل استخدم العلمانية والإسلام كأدوات لتعزيز قبضته، حيث قمع العلمانيين الديمقراطيين بلا هوادة بينما فسح مجالاً للإسلاميين المعتدلين (مثل حركتي الكفتارية والقبيسيات) عندما خدم ذلك مصلحته، ثم أضعفهم لاحقاً بإصدار قوانين تقوض عملهم. هذا التلاعب أسهم في إضعاف المعارضة السلمية وعرّى المجتمع من أي وسطاء محتملين. ويحلل الفصل التاسع معضلة الأمن التي وقعت فيها الأقلية العلوية، شارحاً أن خوفها الوجودي التاريخي، الذي غذاه النظام نفسه، جعلها تتمسك به كحامٍ لها، مما حول الاحتجاجات إلى حرب وجودية طائفية.

أما الفصول الأخيرة فتركز على الجانب الآخر من المعادلة: المجتمع المدني والمتظاهرين. الفصل العاشر يوثق ظهور "صوت سياسي" حقيقي للمجتمع المدني السوري خلال الانتفاضة، من خلال لجان التنسيق المحلية والإعلام البديل والفن المقاوم. ويشيد الفصل الحادي عشر بدور تقنيات الإعلام الجديد (فيسبوك، يوتيوب) التي استخدمها النشطاء للتنظيم والتوثيق وكسر حاجز الخوف، بينما استخدمها النظام لاحقاً للتجسس والدعاية المضادة والجماعات المتطرفة لبث الرعب والتجنيد. الفصل الثاني عشر يعالج دور الإخوان المسلمين، مؤكداً أن تأثيرهم كان معقداً ومتناقضاً، فلم يكونوا المحرك الوحيد للثورة لكنهم حاولوا الاندماج فيها مع الحفاظ على هيكلهم التقليدي. وأخيراً، الفصل الثالث عشر يحلل ظاهرة "الطائفية" كأداة سياسية تم توظيفها من قبل أطراف متعددة، وليس كسبب جوهري للصراع، في "معركة سرديات" حاول فيها كل طرف تصوير نفسه على أنه الضحية والآخر هو المعتدي.

من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها: أن 1% من السكان كانوا يملكون 50% من الأراضي قبل الإصلاح الزراعي. أن مؤسسة الإسكان العسكري احتكرت أكثر من 85% من سوق الإنشاءات المحلي وكان يعمل بها أكثر من 100,000 عامل قبل أن تتراجع إلى 25,000 بحلول 2011. أن الجيش السوري فقد أكثر من 60% من قوته البالغة 293,000 جندي بحلول أبريل 2014، بينهم أكثر من 35,000 قتيل و30,000 منشق. أن 41 مصنع نسيج في حلب أُغلق خلال الربع الأخير من 2008 بسبب الأزمة المالية والمنافسة التركية. أن النظام أعدم أو نفى أعضاء الإخوان المسلمين بعد مذبحة حماة عام 1982 التي قُتل فيها ما بين 10,000 و30,000 مدنياً، وأن مرسوماً قضى بإعدام أو نفي أي عضو في التنظيم. كما يذكر الكتاب أن النظام خفض عدد موظفي مؤسسة الإسكان العسكري من 100,000 إلى 25,000 كدليل على تراجع دور الجيش الاقتصادي، وأن بشار الأسد أطلق سراح متطرفين إسلاميين مثل زهران علوش من السجن في يونيو 2011 لإضعاف المعارضة السلمية.

يقر الكتاب صراحةً بحدوده وتحفظاته. ففي المقدمة، يعترف المؤلفان بأن أي تحليل جيد يجب أن يأخذ في الاعتبار التفاعل المعقد بين البنية والفاعلية، وأنه توجد أسئلة مفتوحة مثل: لماذا اختار النظام القمع بدلاً من الإصلاح رغم التحذيرات؟ كما يؤكدان أن الدور الدولي، رغم محوريته، تم تأجيله لكتاب تالٍ، مما يعني أن التحليل جزئي. فصول أخرى تعترف بأن البيانات الاقتصادية متفاوتة الجودة، وأن حالة عدم اليقين حول نوايا المعارضة السنية هي جوهر المأزق الأمني، وأن الانشقاقات في الجيش كانت فردية وليست جماعية، مما جعلها نقطة تحول لكنها لم تُسقط النظام.

أما الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، فهي تتركز حول مدى حتمية المسار. فبعض الفصول (خاصة المتعلقة ببناء الدولة البعثية) تميل أحياناً إلى الحتمية، مصورة مسار النظام وكأنه لا مفر منه نحو الانهيار، مما قد يقلل من دور القرارات الفردية في لحظات تاريخية حاسمة. وهناك أيضاً نقاش حول مدى تركيز الكتاب على "فاعلية" النظام كمحرك رئيسي للتاريخ، مما قد يقلص دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية العميقة أو دور الحركات الشعبية. بعض الفصول (مثل فصل الاقتصاد السياسي) تقدم حججاً قابلة للنقاش حول ما إذا كانت المصالح الاقتصادية للضباط هي التفسير "الأكثر إقناعاً" لولائهم، مقابل العامل الطائفي والخوف الوجودي. وأخيراً، هناك نقاش ضمني حول ما إذا كان استغلال النظام للمخاوف الطائفية هو السبب الرئيسي للحرب، أم أن العوامل الهيكلية والإدراكية كانت ستؤدي إلى الصراع بأي حال، وهو نقاش يبقى مفتوحاً في الكتاب نفسه.

الفصول(20)

1.Introduction: Origins of the Syrian Uprising: From structure to agency1–12▼ ملخص

يُشكّل فصل «مقدمة: أصول الانتفاضة السورية: من البنية إلى الفاعلية» الإطار النظري والتحليلي لكتاب «الانتفاضة السورية: الجذور المحلية والمسار المبكر» الذي حرّره ريموند هينبوش وعمر عمادي. المحور الأساسي للفصل هو تفسير كيف تحوّلت الانتفاضة السورية التي اندلعت في مارس 2011 من احتجاجات سلمية إلى حرب أهلية طائفية عنيفة ومستمرة، وذلك من خلال الإجابة عن سؤالين جوهريين: ما أسباب الصراع من حيث «البنية» (التناقضات والأزمات في النظام ما قبل الانتفاضة) و«الفاعلية» (خيارات الفاعلين)؟ ولماذا لم تؤدِ الانتفاضة إلى الديمقراطية بدلاً من الانزلاق إلى الحرب؟ يقدّم الفصل إجابة مركزية مفادها أن تفاعل العوامل البنيوية مع خيارات الفاعلين، لا أيّاً منهما بمفرده، هو ما يفسر المسار المأساوي للانتفاضة.

يسير الفصل خطوةً خطوة عبر عدسة نظريتين رئيستين: نظرية البنية والفاعلية، ومقاربة الأنظمة السياسية الشمولية والسلطانية. يوضح المؤلفان أن النظام السوري كان يعاني من أزمة بنيوية عميقة قبل عام 2011، تمثّلت في تناقضات داخلية حادة: اقتصاد ريعي يعتمد على النفط والمساعدات الخارجية لكنه استنفد موارده، وفساد مستشري، وتهميش للطبقة الوسطى الريفية التي كانت أساساً لحكم حزب البعث، وتحوّل النظام تدريجياً من حزب شعبي إلى حكم عائلي قائم على المحاصصة الطائفية. هذا الخلل البنيوي خلق ظروفاً موضوعية للانفجار، لكنه لم يحدد مساره.

يوضح الفصل أن الفاعلية، أي خيارات الفاعلين، كانت حاسمة في تحديد شكل الصراع ونتيجته. من جهة، اختار المحتجون في البداية اللاعنف والسلمية، مطالبين بالإصلاح والكرامة. ومن جهة أخرى، اعتمد النظام السوري بقيادة بشار الأسد خياراً أمنياً قمعياً منذ البداية، متخلّياً عن أي إصلاح حقيقي، ومصوّراً المحتجين على أنهم «إرهابيون» ومؤامرة خارجية. هذا الرفض القاطع للحوار واللجوء إلى القوة المفرطة، كما يجادل المؤلفان، هو ما حوّل الاحتجاجات إلى تمرد مسلح.

يستخدم الفصل أمثلة مهمة لتطوير هذه الحجة. يشير إلى أن تدخل النظام العسكري الوحشي، باستخدام الجيش والميليشيات الموالية، حوّل المظاهرات السلمية إلى مواجهات دموية، مما دفع المحتجين إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم. كما يوضح أن اختيار النظام لـ«سياسة الأرض المحروقة» في بعض المناطق زاد من التطرف ونشر الطائفية. هنا يظهر التحول الجوهري: ما بدأ كانتفاضة «بنية» ضد نظام فاسد، تحوّل بفعل «فاعلية» النظام القمعية إلى نزاع مسلح، ثم إلى حرب طائفية حيث أصبحت الهويات الطائفية (سنّة، علويون، دروز، مسيحيون) هي البوصلة التي توجّه العنف والانتماء.

من الأمثلة المهمة الأخرى التي يطرحها الفصل دور «البنية» المذهبية للنظام نفسه. يشرح أن النظام لم يكن علمانياً بالمعنى الكلاسيكي، بل استخدم الطائفية أداةً للحكم من خلال إحاطة نفسه بأقلية العلويين وبناء تحالفات مع أقليات أخرى ومجموعات سنية موالية. هذا التكوين البنيوي جعل أي تحدٍّ للنظام يُقرأ فوراً من قبل الفاعلين على أنه تهديد وجودي طائفي، مما سهّل انزلاق الصراع إلى حرب أهلية بين طوائف. عندما شعر العلويون بأن وجودهم على المحك، تحوّلت دفاعياتهم عن النظام إلى حرب وجودية.

لا يغفل الفصل الإقرار بالحدود والتحفظات. يعترف المؤلفان صراحةً بأن تفسير الانتفاضة السورية لا يمكن اختزاله في عامل واحد، وأن أي تحليل جيد يجب أن يأخذ في الاعتبار التفاعل المعقد بين البنية والفاعلية. كما يقرّان بأن هناك أسئلة مفتوحة، مثل: «لماذا اختار النظام القمع بدلاً من الإصلاح رغم التحذيرات؟» و«لماذا لم تتمكن المعارضة من توحيد صفوفها وتشكيل بديل ديمقراطي فعال؟» يشير الفصل أيضاً إلى أن الدور الدولي، رغم أنه محوريّ، تم تأجيله لكتاب تالٍ، مما يعني أن تحليل الفصل يُعتبر جزئياً ومؤقتاً.

في خاتمة الفصل، وهي الفقرة التي يُسمح فيها برأي شخصي بناءً على النص، يمكن القول إن منهجية الجمع بين البنية والفاعلية تقدّم إطاراً تحليلياً متيناً لفهم الحالة السورية. لكنها تظل مقيدة بطبيعتها الكلية: تفسير كل شيء في النهاية يعود إلى تفاعل معقد بينهما، مما يصعّب تقديم تنبؤات واضحة. الحجة الأساسية، وهي أن نظاماً هشاً بنيوياً لا يمكنه البقاء إلا بالقمع، وأن هذا القمع نفسه يولّد عنفاً مضاداً، هي حجة قوية، لكنها لا تفسر سبب نجاة النظام حتى الآن. قد يجادل منتقدو هذا الإطار بأن فاعلية النظام لم تكن مجرد خيار، بل كانت انعكاساً حتمياً لطبيعته البنيوية، مما يجعل التمييز بين المفهومين غير حاسم في الممارسة. لكن الفصل ينجح في تقديم قراءة متوازنة ترفض التفسيرات الأحادية، وتجعل من الحالة السورية درساً في كيفية تدمير نظام لبلد بأكمله في محاولة يائسة لإنقاذ نفسه.

1.The tragedy of Bathist state-building18–29▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: لماذا انتهى بناء الدولة البعثية في سوريا، الذي انطلق بأهداف تقدمية طموحة، إلى إنتاج الضعف وعدم الاستقرار بدلاً من القوة والمناعة التي تغنى بها النظام؟ يجيب أدهم صاولي بأن مأساة بناء الدولة البعثية تنبع من ثلاث عمليات متداخلة ومرتبطة ببعضها البعض. أولاً، أدى الصراع الداخلي على السلطة داخل النظام ومع المجتمع إلى احتكار النخبة الضيقة للسلطة، مما نتج عنه إقصاء سياسي واسع للجماهير. ثانياً، ولتعزيز هذه السلطة وتكرارها، لجأت النخبة العسكرية البعثية إلى توظيف روابط القرابة (الطائفية والعشائرية والعائلية) والإقليمية، محققةً بذلك إحياءً للانقسامات الهوياتية التي كان من المفترض أن تتجاوزها الأيديولوجية البعثية. ثالثاً، عرّض هذا الإقصاء السياسي وهذه الانقسامات الهوياتية سوريا ونظامها لتدخلات وتهديدات خارجية، مما عزز بدوره النزعة الاستبدادية للنظام وعمّق الشرخ الطائفي والسياسي الداخلي.

ينطلق الفصل من سياق أوسع لبناء الدولة في سوريا، ويوضح أن التحدي الأساسي تمثل في غياب تاريخ سابق للدولة السورية، وأن حدودها السياسية فرضت بفعل الاستعمار، وتحديداً باتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، التي قسمت بلاد الشام بين فرنسا وبريطانيا. وجدت الدولة الناشئة نفسها عالقة بين ثلاث مصادر هوية متضاربة: الهويات دون الوطنية (الدينية والطائفية والعرقية)، والهويات فوق الوطنية (القومية العربية والإسلامية)، والهوية الوطنية السورية. كما ورثت سوريا بنية اجتماعية-اقتصادية متخلفة تميزت بسيطرة طبقة من كبار ملاك الأراضي (الأعيان) المدعومة من العثمانيين والفرنسيين، حيث كان %1 من السكان يملكون %50 من الأراضي، بينما كان %60 من الفلاحين بلا أرض. هذا الإرث الاستعماري والهيكل الطبقي غير المتوازن شكلا "الموارد الاجتماعية" التي استخدمها الفاعلون السياسيون، كل حسب مشروعه.

يستخدم المؤلف إطاراً نظرياً لتحليل بناء الدولة، مركزاً على ثلاث عمليات أساسية: احتكار القوة القسرية (الجيش والشرطة)، احتكار المجال الأيديولوجي (بناء الأمة والهوية المشتركة)، والتحكم في المجال الاقتصادي (توفير القاعدة المالية للنظام وإعادة هيكلة الاقتصاد). عندما تنجح مجموعة اجتماعية-سياسية في السيطرة على هذه المجالات الثلاثة، فإنها تنشئ "نظاماً"، وهو ائتلاف من القوى يهيمن على المجتمع ويصمم مؤسسات الدولة بما يخدم مصالحه ويمنع القوى الأخرى من تحديه. لكن السيطرة تولد دائماً مقاومة، وهذه المقاومة هي التي شكلت مسار الصراع في سوريا.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل الصراع على الدولة في سوريا بعد الاستقلال. فشلت النظم شبه الديمقراطية في التوحيد بين الانقسامات، وأدت إلى صراع بين الأحزاب الإقطاعية والطبقة الوسطى الناشئة. صعدت أحزاب إيديولوجية منها حزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي السوري. استولى البعث على السلطة في انقلاب آذار 1963، وشرع في بناء الدولة، لكنه واجه تحديات جوهرية: انقسامات داخلية حادة (بين مدنيين وعسكريين، وبين قوميين واشتراكيين، وبين متطرفين ومعتدلين)، ومقاومة من القوى التقليدية (الإقطاع والبرجوازية والإسلاميين)، والانقسامات الهوياتية (بين الأغلبية السنية والأقليات، لا سيما الطائفة العلوية التي سيطر ضباطها على الحكم، وبين العرب والأكراد). في سبعينيات القرن العشرين، أعاد حافظ الأسد توحيد النظام من خلال هيكلة السلطة في شكل "ملكية رئاسية"، معتمداً على ولاء الضباط العلويين في الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومشاركاً في السلطة مع نخبة متعددة الطوائف، ومستنداً إلى مؤسسات حزبية وبيروقراطية ضمت قواعد ريفية واسعة. استند شرعيته على خطاب قومي و"عقد اجتماعي" يقوم على تقديم الخدمات في مقابل الولاء السياسي. لكن هذا لم يمنع استمرار القمع، خاصة ضد فلول الأوليغارشية القديمة والإسلاميين.

يكشف القسم التالي عن الارتباط بين الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية والضعف. يوضح صاولي أن الانقسامات الهوياتية التي زرعها النظام جعلت سوريا عُرضة للتدخلات الإقليمية والدولية. ففي حرب تشرين 1973، سعت سوريا إلى استعادة الجولان وتعزيز شرعيتها القومية. لاحقاً، لعبت دوراً في لبنان وفي الصراع مع إسرائيل، مما جذب مساعدات مالية وعسكرية من دول الخليج والاتحاد السوفييتي. لكن هذا الاعتماد على الريع الخارجي (النفط والمساعدات) جعل النظام عرضة للتقلبات في الأسواق وللضغوط الخارجية. كما أن المواجهات مع جماعة الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، وخصوصاً مجزرة حماة عام 1982، أظهرت كم كانت المواجهة الداخلية عنيفة، وكيف تعمقت الانقسامات الطائفية والمناطقية نتيجة لقمع النظام.

يختتم الفصل بالربط المباشر بين هذه الإرث الطويل من بناء الدولة المعيب وبين الانتفاضة السورية عام 2011. يقدم الفصل الحجج التالية: أدى احتكار السلطة من قبل النخبة العلوية إلى حرمان الأغلبية السنية من المشاركة، مما ولّد شعوراً بالإقصاء والتمييز. كما أدى توظيف النظام للروابط الطائفية والعائلية إلى إحياء الانقسامات الهوياتية وتعميقها، وجعل أي تحرك سياسي يُقرأ من خلال عدسة طائفية. وقد أدى التدهور الاقتصادي في العقد المنصرم، وتحول النظام نحو ما يسمى "ما بعد الشعوبية"، حيث ضحى بالعقد الاجتماعي لصالح خصخصة الاقتصاد لصالح رجال أعمال مقربين من النظام (ما يسمى "الرأسمالية المحسوبية")، إلى إفقار القواعد الشعبية التقليدية للنظام (الفلاحين والطبقة المتوسطة والموظفين)، مما أوجد حالة من السخط الواسع. نتيجة لكل هذا، كانت سوريا مهيأة تماماً للانفجار الشعبي، وعرضة للتغلغل الخارجي الذي استغل الانقسامات لتصعيد الصراع وجعله أهلياً دموياً. يخلص صاولي إلى أن مأساة البعث ليست مجرد فشل في الحكم، بل هي فشل في بناء الدولة نفسها، حيث أن الآليات التي اتبعها النظام للبقاء في السلطة كانت هي نفسها بذور تدميره.

يمكن القول إن الفصل يطرح أطروحة قوية وقابلة للنقاش، وهي أن جذور الحرب الأهلية السورية لا تكمن فقط في أخطاء النظام الأخيرة، بل في الطريقة التي تم بها بناء الدولة نفسها منذ ستينيات القرن العشرين. يقدّم صاولي نقداً بنيوياً عميقاً، لا يقتصر على شخص حاكم بعينه، بل يتناول المنطق الداخلي للنظام كله. لكن بعض القراء قد يرون أن الفصل يميل أحياناً إلى الحتمية، حيث يصور مسار بناء الدولة البعثية وكأنه مسار لا مفر منه نحو الانهيار، مما قد يقلل من دور الفاعلين الأفراد وخياراتهم الاستراتيجية المحددة في لحظات تاريخية حاسمة.

2.The power of 'sultanism': Why Syria's non-violent protests did not lead to a democratic transition30–43▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: لماذا فشلت الاحتجاجات السلمية في سوريا عام 2011 في تحقيق انتقال ديمقراطي؟ الإجابة التي يقدمها الكاتب، أدهم سعدي، هي أن هذا الفشل ليس نتيجة ظروف لحظية، بل هو تتويج لمسار طويل ومعقد من بناء الدولة السورية، والذي طبعه منذ البداية منطق قائم على "السلطنة" أو "Sultanism"؛ أي نظام حكم يقوم على مركزية القوة القسرية لرجل واحد وعائلته، ويسيطر على جميع مفاصل الدولة والمجتمع من خلال شبكات الولاء والهوية. يجادل الفصل بأن ثورة 2011 لم تكن بداية لصراع جديد، بل كانت حلقة في سلسلة متصلة من الصراعات على السلطة والهوية بدأت منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة.

يسير الفصل خطوة بخطوة لتتبع جذور هذه الظاهرة، بدءاً من مرحلة ما بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي. يشرح الكاتب كيف ورثت سوريا مجتمعاً مجزأً واقتصاداً تابعاً وثقافة سياسية قائمة على المحسوبية. أدى الإهمال الحكومي للريف والهزيمة في حرب فلسطين عام 1948 إلى تفاقم المظالم. بدلاً من أن تؤدي هذه المظالم إلى ديمقراطية، أصبح الجيش ساحة للصراع السياسي. يوضح الكاتب أن الانقلابات العسكرية الثلاثة الأولى في عام 1949 (التي قادها كل من حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي) رسخت قاعدة مهمة: من يملك أدوات العنف يملك القدرة على تشكيل السياسة. هذه الانقلابات، التي تأثرت بالتنافس الإقليمي والدولي (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، بريطانيا)، أدخلت أيضاً الهوية (الطائفية، الإقليمية، القبلية) كورقة ضغط سياسي.

لكن التحول الجذري حدث مع صعود حزب البعث إلى السلطة عبر انقلاب عام 1963. الفصل يشرح كيف أن صعود البعث، الذي كان حاملاً لأيديولوجية قومية عربية وعلمانية، لم ينهِ الصراع الداخلي بل غيّر شكله فقط. في البداية، طهّر البعثيون خصومهم الناصريين، ثم بدأت صراعات دامية داخل الحزب نفسه بين 1963 و1970. هذه الصراعات كشفت عن دور حاسم للطائفية: ففي محاولة لتعزيز مواقعهم وتأمين ولاء الجيش، بدأ القادة (صلاح جديد، حافظ الأسد) يعينون الموالين من طوائفهم ومناطقهم، مما أدى إلى تفعيل الحدود الطائفية. ومع ذلك، يوضح الفصل أن الأيديولوجية البعثية لعبت دوراً مزدوجاً: من ناحية، استُخدمت الطائفية كورقة في الصراعات الخفية، ومن ناحية أخرى، أدان الخطاب البعثي الرسمي الطائفية واعتبرها "رجعية"، مما فرض قيوداً على التعبير العلني عنها.

توجت هذه الصراعات بانقلاب حافظ الأسد في نوفمبر 1970، الذي أسماه "الحركة التصحيحية". يصف الفصل هذا الحدث بأنه نهاية مرحلة عدم الاستقرار وبداية مرحلة استقرار قسري. استطاع الأسد، بدهائه، احتكار القوة القسرية وإنهاء ازدواجية السلطة بين الحزب والجيش. بنى نظاماً سلطوياً يعتمد على آليتين متكاملتين. الأولى هي الاستيعاب والإشراك الجزئي: أطلق تحريراً اقتصادياً محدوداً لإرضاء البرجوازية السنية، وأسس "الجبهة الوطنية التقدمية" لاستيعاب بعض الأحزاب الأخرى، وأبقى على حزب البعث كجهاز للمشاركة الاجتماعية والسيطرة الإيديولوجية. لكن الآلية الثانية والأهم كانت العنف، فقد بنى الأسد جيشاً وأجهزة أمنية محصنة ضد الانقلابات، معتمداً بشكل متزايد على الموالين من عائلته وطائفته العلوية. يذكر الفصل أسماء شخصيات محورية مثل رفعت الأسد ومحمد الخولي وعلي دوبا، الذين سيطروا على أهم الأجهزة الأمنية.

هنا يكمن التناقض المركزي الذي يطرحه الفصل. نجاح الأسد في ترسيخ حكمه زرع بذور تآكل النظام وتفكك الدولة على المدى الطويل عبر ثلاث عمليات مترابطة. أولاً، الإقصاء السياسي: احتكار كل القرارات من قبل الأسد ودائرته الضيقة قضى على أي فضاء عام حقيقي، وأدى إلى غياب المساءلة، وانتشار الفساد، وهو ما يوثقه الفصل بمثال لجنة فحص الأرباح غير المشروعة عام 1977 التي فشلت لأنها طالت مقربين من الأسد نفسه. ثانياً، التعبئة السياسية للهويات: اعتماد النظام على الشبكات الطائفية والعائلية وإظهار هيمنته العلوية، حتى ولو بشكل غير مباشر، وفّر لأعدائه (الإسلاميين، البعثيين المنشقين) مادة لتصويره كنظام طائفي، مما سهّل لاحقاً تعبئة الهوية السنية ضده. كان هذا واضحاً في تمرد الإخوان المسلمين في الفترة من 1978 إلى 1982، الذي استخدم خطاباً طائفياً مناهضاً للعلويين وقمعه النظام بعنف مروع في مجزرة حماة عام 1982. يقرّ الفصل بأن حسم النظام لهذا التمرد، عبر مزيج من العنف الرادع والسياسات الاستيعابية، حال دون قيام انتفاضة سنية كبرى آنذاك. ثالثاً، الضعف الجيوسياسي: الإقصاء السياسي جعل النظام عرضة للتدخل الخارجي. فعندما يزداد الضغط الخارجي (من العراق، مصر، إسرائيل، الولايات المتحدة)، يزداد النظام تشدداً داخلياً، مما يجعله أكثر هشاشة، وهكذا دواليك في حلقة مفرغة.

يختتم الفصل باستعراض مرحلة بشار الأسد التي بدأت عام 2000، ويصفها بأنها تعميق لتحول النظام من "نظام سلطوي تعددي الشكل" إلى "ملكية رئاسية". وعد بشار بإصلاحات خلال "ربيع دمشق" (2000-2004)، لكنه سرعان ما تراجع في وجه الضغوط الخارجية (غزو العراق 2003، الانسحاب من لبنان 2005) والمخاوف الداخلية من انهيار النظام. أدى تهميشه لحزب البعث وتعويله المتزايد على عائلته ودائرته الضيقة إلى تقويض القاعدة الاجتماعية للنظام، بينما لم يقدم أي بديل إيديولوجي مقنع. عندما اندلعت الاحتجاجات في درعا عام 2011، وجدت النظام في حالة من التآكل، والمجتمع منقسماً بالفعل، لتعيد إنتاج نفس الديناميكيات القديمة: عنف النظام، والاستقطاب الطائفي، والتدخل الخارجي، لتكتمل بذلك دائرة تفكك الدولة التي بدأت منذ ستين عاماً.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن قوة الفصل تكمن في تتبعه المنهجي والدقيق للجذور التاريخية والهيكلية لانهيار الدولة السورية، مما يقدم تفسيراً مقنعاً يفوق التفسيرات الظرفية. مع ذلك، هناك نقطة قابلة للنقاش هي التركيز بشكل كبير على فاعلية النظام ("السلطانية") وقراراته كمحرك رئيسي للتاريخ، مما قد يقلّص بشكل نسبي دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية العميقة أو دور الحركات الشعبية والفاعلين المجتمعيين في تشكيل هذا المسار. كما أن المصطلح المحوري "السلطانية" قد يحتاج إلى مزيد من التدقيق: فهو يُستخدم هنا لوصف منطق الحكم القائم على الاستحواذ الشخصي للسلطة والعنف، لكن بعض الباحثين قد يرون أن تعقيد العلاقة بين النظام والمجتمع في سوريا، مع عناصر الاستيعاب والمشاركة الجزئية، يجعل التصنيف أكثر تعقيداً من مجرد سلطنة خالصة.

3.The dynamics of power in Syria: Generalized corruption and sectarianism44–56▼ ملخص

يُحاول هذا الفصل الإجابة عن سؤال مُحوري: لماذا لم تؤدِّ الاحتجاجات السلمية في بداية الانتفاضة السورية عام 2011 إلى انتقال ديمقراطي، على غرار ما حدث في تونس وجزئياً في مصر؟ يقدّم المؤلّف إجابته عبر نظرية "السلطنة"، وهي شكل متطرّف من الاستبداد. يرى الفصل أن النظام السياسي السوري هو "شبه سلطاني"، وهذه الخاصية هي التي حالت دون نجاح أي تحول ديمقراطي، وجعلت مسار الثورة ينحرف نحو الحرب الأهلية.

يبدأ الفصل بوضع إطار نظري، موضحاً أن الأنظمة الاستبدادية ليست متشابهة، وكلما ابتعدت عن الديمقراطية (بما في ذلك شروطها غير الانتخابية مثل سيادة القانون ومجتمع مدني مستقل)، صعُب التحول نحوها. "السلطنة" هي أبعد هذه الأنظمة عن الديمقراطية، وتتميز بخمس سمات رئيسية يعددها المؤلّف: أولاً، الالتباس بين النظام والدولة حيث لا يتمتع المسؤولون باستقلالية حقيقية ويخضعون لأوامر الرئيس الشخصية. ثانياً، الشخصانية حيث تُبنى السلطة حول عبادة شخص الحاكم وتنتقل بالوراثة، كما حدث من حافظ الأسد إلى ابنه بشار. ثالثاً، النفاق الدستوري حيث توجد واجهة ديمقراطية (برلمان، انتخابات) لكنها فارغة من المضمون الحقيقي. رابعاً، الضعف في الجذور الاجتماعية بعد أن فقد الحزب الحاكم تماسكه مع المجتمع. وخامساً، تشويه الاقتصاد الرأسمالي ليصبح اقتصاداً ريعياً يعتمد على المحسوبية والفساد.

يسير الفصل خطوة بخطوة في تطبيق هذه المعايير الخمسة على الحالة السورية. في الحديث عن الالتباس بين النظام والدولة، يشير المؤلّف إلى أن رئيس الوزراء وحتى الوزراء لا يتمتعون بأي سلطة حقيقية مستقلة عن الرئيس. أما الجيش، فهو منقسم إلى قسمين: نخبة من قوات الحرس يُعتمد فيها على عناصر علوية تحت القيادة المباشرة لعائلة الأسد (مثل ماهر الأسد)، وجيش وطني يُجنّد عامة الشعب لكنه يخضع لرقابة مشددة من أجهزة أمنية متعددة ومتنافسة. الهدف من هذا التقسيم هو "تحصين النظام ضد الانقلابات" (coup-proofing). ويؤكد الفصل أن السيطرة الكاملة للنظام على الجيش ظهرت في ثلاث أزمات كبرى: التمرد الإسلامي في الثمانينيات، وخلافة السلطة عام 2000، والانتفاضة الحالية. ويقر المؤلّف بوجود قيود على سلطة السلطان، مثل إرث حزب البعث الأيديولوجي (القومي والشعبي) أو ما يسمى "بارونات الأمن"، لكنه يرى أن هذه القيود كانت قابلة للإدارة السياسية، ولم تمنع الرئيس من اتخاذ قراراته الكبرى بمفرده.

بالنسبة لمعيار الشخصانية، يصف الفصل عبادة الشخصية التي أحاطت بحافظ الأسد، ثم بشار من بعده، والتي تجسدت في الصور والشعارات المبالغ فيها مثل "الأب" و"الفارس". هذه العبادة تُستخدم للتعويض عن ضعف الشرعية وعدم الكاريزما الشخصية، وعن الانتماء لطائفة الأقلية العلوية التي ينظر إليها بعين الريبة من قبل الأغلبية السنية. أما النفاق الدستوري، فيظهر في وجود دستور وقوانين، لكنها تُغيّر بسهولة عندما تتعارض مع مصالح الحاكم، كما حدث في عام 2000 عندما تم تعديل الدستور بين عشية وضحاها ليسمح لبشار الأسد (الذي لم يكن قد بلغ السن القانونية) بالترشح للرئاسة. أما عن الاقتصاد المشوّه، فيقدّم الفصل مثالاً صارخاً هو الترخيص الحصري لابن عم الرئيس، رامي مخلوف، بتشغيل متاجر "معفاة من الضرائب" على الحدود والمطار، مما منحه احتكاراً على حساب باقي رجال الأعمال، وأرسل رسالة مفادها أن النجاح الاقتصادي يعتمد على العلاقات وليس الكفاءة.

يخلص المؤلّف إلى أن "المجتمع الاقتصادي" (Economic Society) المستقل، وهو ضروري لأي ديمقراطية، غير موجود في سوريا لأن رجال الأعمال يعتمدون على رضا الحاكم. وبالتالي، لا يمكن أن يظهر منهم أي تيار إصلاحي يدعم التحول الديمقراطي. وفي خاتمة الفصل، يجيب المؤلّف على السؤال الأساسي: لماذا فشلت الاحتجاجات السلمية؟ لأنها تطلّبت وجود "لعبة من أربعة لاعبين" (moderates & hardliners) داخل النظام والمعارضة، وهذا غير ممكن في نظام سلطاني يعدم وجود أي فاعلين معتدلين يتمتعون باستقلالية حقيقية. الجيش، الذي لم يكن موحداً ولا مهنياً ولا مستقلاً عن النظام، لم يستطع أن يلعب دور الوسيط أو المولّد للديمقراطية كما حدث في تونس.

يقر المؤلّف بوجود حدود لنظريته، فالإرادة البشرية والقرارات الفردية لعبت دوراً، فيشير إلى أن بشار الأسد وحكومته 30 مارس 2011 اختاروا التصعيد والقمع بدلاً من الاستجابة للمطالب. ويطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل سوريا بعد سقوط الأسد، محذراً من أن إزالة السلطان في نظام شبه سلطاني لا تؤدي بالضرورة للديمقراطية، بل قد تؤدي إلى انهيار الدولة، مستشهداً بالدروس السلبية من العراق وليبيا. إن منطق الفصل الداخلي قابل للنقاش، إذ قد يعتبره البعض حتمياً ويقلل من أهمية حراك المجتمع المدني وفاعلية المعارضة السلمية في بداية الثورة، كما أنه لا يتناول بالتحليل العميق عوامل أخرى كالتدخلات الخارجية.

4.The Uprising and the economic interests of the Syrian military-mercantile complex56–76▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل الأسباب التي جعلت الجيش السوري يظل مخلصاً لنظام الأسد خلال الانتفاضة التي بدأت في عام 2011، على عكس ما حدث في تونس ومصر. يقدم الكاتب إجابة رئيسية مفادها أن هذا الولاء لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الطائفية أو الأيديولوجية، بل يجب فهمه من خلال المصالح الاقتصادية العميقة التي تربط الضباط بالنظام. يجادل الكاتب بأن الجيش السوري تطور ليصبح "مجمعاً عسكرياً-تجارياً"، حيث اندمجت مصالح الضباط الاقتصادية بشكل كامل مع بقاء النظام.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليؤسس هذه الحجة. يبدأ بوصف الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للجيش السوري، مشيراً إلى أنه منذ تشكيله في 1930، كان يجذب بشكل أساسي أفراداً من الطبقات الفقيرة والريفية الذين رأوا في الخدمة العسكرية وسيلة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي. ثم ينتقل الكاتب إلى تتبع الدور الاقتصادي للجيش وتطوره عبر ثلاث مراحل رئيسية. في المرحلة الأولى، السبعينيات، وفي إطار السياسة الاشتراكية للدولة، تم إنشاء مؤسسات اقتصادية عسكرية مثل "مؤسسة الإسكان العسكري" و"مؤسسة المصانع الحربية"، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي للجيش. ومع انفتاح اقتصادي محدود (انفتاح أول)، بدأت علاقات غير رسمية بالظهور بين الضباط ورجال الأعمال الناشئين.

في المرحلة الثانية، خلال الثمانينيات، وبسبب الأزمة المالية التي مرت بها سوريا، تم الإعلان عن "انفتاح ثانٍ" لإنعاش الاقتصاد. بينما تقلص دور القطاع العام، استمرت المؤسسات الاقتصادية العسكرية في التوسع، وذلك لضمان ولاء الضباط واستقرار النظام. في هذه المرحلة أيضاً، أصبحت شبكات المحسوبية بين الضباط (معظمهم من العلويين) ورجال الأعمال أكثر رسوخاً، حيث عمل الضباط كوسطاء وسماسرة للعقود الحكومية.

أما المرحلة الثالثة فتبدأ من 1991 فصاعداً، حيث يشير الكاتب إلى تراجع الأنشطة الاقتصادية المؤسساتية للجيش لصالح انخراط فردي أوسع للضباط وعائلاتهم في القطاع الخاص. هذه المرحلة تزامنت مع تسارع التحول النيوليبرالي في عهد بشار الأسد خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. هنا، أصبح أبناء كبار الضباط، الذين استفادوا من شبكات آبائهم ونفوذهم، رواد أعمال يسيطرون على قطاعات حيوية في الاقتصاد، مما جعلهم جزءاً لا يتجزأ من النخبة الاقتصادية الجديدة.

يستخدم الكاتب عدة أمثلة لتوضيح حجته. على سبيل المثال، يذكر أن المؤسسات العسكرية كانت تُعامل ككيان خاص لا يخضع للمساءلة الحكومية، وكانت توفر لموظفيها خدمات صحية واجتماعية متميزة. كما يصف شبكات "المجمع العسكري-التجاري"، حيث كان الضباط يحمون الأعمال التجارية مقابل حصة من الأرباح، ويتاجرون بالبضائع المهربة والأسلحة والمخدرات، خاصة بعد التدخل العسكري السوري في لبنان. ويضرب الكاتب المثل بأسماء جنرالات مثل غازي كنعان وشفيق فياض الذين كونوا "جزراً من الثروة والسلطة" بفضل الانخراط في لبنان. وظيفة هذه الأمثلة هي إظهار كيف أن الثروات غير المشروعة للضباط جعلتهم جزءاً من النخبة الاقتصادية التي تشجع على مزيد من التحرير الاقتصادي، مما يربط مصيرهم المالي بمصير النظام.

يعترف الكاتب بأن العوامل الطائفية والأيديولوجية لعبت دوراً في ولاء الجيش، لكنه يصر على أن المصالح الاقتصادية هي تفسير "أكثر إقناعاً". يقر الكاتب بوجود "مافياوية" وهياكل غير رسمية مشابهة لتلك الموجودة في المافيا، حيث تقوم على الولاء الشخصي والمصالح المشتركة. كما يذكر أن هناك بعض الانشقاقات بين الجنود والضباط منذ 2011، لكن الغالبية العظمى من هيئة الضباط بقيت مخلصة، وهو ما يعزوه الكاتب إلى هذه الروابط الاقتصادية.

الحجة التي قدمها الكاتب قابلة للنقاش، فالبعض قد يجادل بأن العامل الطائفي، وخاصة هيمنة الضباط العلويين وخوفهم من الانتقام، كان أكثر حسماً في ضمان ولائهم من المصالح الاقتصادية البحتة. ومع ذلك، يقدم الفصل نفسه أدلة على أن الطائفية والفساد يسيران جنباً إلى جنب، حيث أن الشبكات الاقتصادية كانت تستند إلى أسس طائفية وعائلية، مما يجعل الفصل بينهما صعباً. يخلص الكاتب إلى أن "عسكرة الدولة" من قبل الجيش السوري، والتي تجلت في سيطرته على الاقتصاد، كانت عاملاً حاسماً في منع حدوث انشقاق جماعي مماثل لما حدث في مصر وتونس.

5.Revisiting the political economy of the Syrian Uprising77–92▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل الأسباب التي جعلت الجيش السوري يظل مخلصاً لنظام بشار الأسد بعد اندلاع الانتفاضة السورية في 2011، على عكس ما حدث في مصر حيث انحاز الجيش ضد الرئيس مبارك. يقدم المؤلف، فريد إتش لوسون، إجابة مفادها أن ولاء الجيش لا يُفهم من خلال كونه مؤسسة واحدة ذات مصالح اقتصادية جماعية، بل من خلال شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية الفردية التي تربط الضباط بالنظام، والتي تراكمت على مدى عقود. يرى الكاتب أن التفسير الاقتصادي السياسي هو المفتاح لفهم هذه الظاهرة، متجاوزاً التفسيرات التي تركز فقط على الطائفية أو الأيديولوجيا.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر التاريخ الاقتصادي للجيش السوري منذ سبعينيات القرن الماضي. يبدأ بوصف "المرحلة الأولى" (١٩٧٠-١٩٩١) حيث كان الجيش يتمتع بامتيازات اقتصادية هائلة في ظل الاقتصاد الموجه. على سبيل المثال، كانت المؤسسات العسكرية تحصل على المواد الخام والكهرباء والوقود بأسعار مدعومة، وإعفاءات جمركية، وقروضاً ميسرة. أسست هذه الامتيازات "مؤسسة الإسكان العسكري" (MHI) التي أصبحت "دولة داخل دولة" وفقاً لوصف الكاتب، محتكرة أكثر من 85% من سوق الإنشاءات المحلي ويعمل بها أكثر من 100,000 عامل دائم و 50,000 عامل مؤقت في الثمانينيات. ثم ينتقل الفصل إلى "المرحلة الثانية" (التسعينيات) التي شهدت تحريراً اقتصادياً جزئياً، مما عزز العلاقة بين الضباط ورجال الأعمال. يصف الكاتب كيف تحولت هذه العلاقة إلى فساد واسع النطاق، شمل التهريب عبر "الخط العسكري" بين دمشق وبيروت، وتجارة المخدرات التي وصلت ذروتها في الثمانينيات، وابتزاز رجال الأعمال اللبنانيين، وأخذ العمولات من العقود. ويشير إلى أن المصادر المالية من لبنان كانت مصدراً مهماً لإثراء الضباط.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى "المرحلة الثالثة" (منذ ١٩٩١ فصاعداً)، مركزاً على عهد بشار الأسد بعد عام ٢٠٠٠، حيث تسارعت وتيرة الإصلاحات النيوليبرالية. يوضح الكاتب أن هذه الإصلاحات، كقانون الاستثمار رقم ١٠ لعام ١٩٩١ وإلغاء الاحتكارات الحكومية في ٢٠٠٥، قوضت المزايا القديمة للمؤسسات العسكرية. على سبيل المثال، خسرت المؤسسات العسكرية حصتها السوقية لصالح شركات خاصة مدعومة من النخبة، كما تراجعت أعداد موظفي "مؤسسة الإسكان العسكري" من 100,000 إلى 25,000 فقط بحلول ٢٠١١. ومع ذلك، لم تمس الخصخصة المؤسسات العسكرية الكبرى مثل "مؤسسة الإسكان العسكري" و"مؤسسة التنفيذ العسكري" (MATA)، بل استمرتا كلاعبين رئيسيين في قطاع البناء واستفادتا من ارتفاع أسعار العقارات. يجادل الكاتب أن التحرير الاقتصادي لم ينهِ فساد الضباط، بل خلقه في أشكال جديدة، حيث وجد ضباط الصف الدنيا أنفسهم مضطرين للعمل كسائقي سيارات أجرة لتكملة رواتبهم التي تآكلت بسبب التضخم الذي بلغ 19% في ٢٠٠٨، بينما ازدهرت أعمال الضباط كبار السن وضباط الصف العليا في القطاع الخاص.

يصل الفصل إلى ذروته في تفسير سبب الولاء أثناء الانتفاضة. يرفض المؤلف فكرة أن الجيش السوري كان بإمكانه التصرف بشكل مستقل مثل نظيره المصري، الذي كان يمتلك "مصالح مؤسسية جماعية" مهددة بالإصلاحات. على النقيض، يرى أن الجيش السوري أصبح مفككاً ومشروطاً بولاء فردي للنظام. يقدم الكاتب عدة أدلة: أولاً، المصالح الاقتصادية المتشابكة حيث أن الضباط كبار السن، الذين أصبحوا جزءاً من النخبة الاقتصادية، يدركون أن سقوط النظام يعني خسارة ثرواتهم وأعمالهم. ثانياً، استراتيجية ترسيخ السلطة التي اتبعها حافظ الأسد منذ السبعينيات، والتي قامت على أربعة عناصر: إنشاء قوات شبه عسكرية موالية (مثل الشبيحة ولجان الشعب)، تعزيز أجهزة المخابرات ("المخابرات") لمراقبة الجيش، إشراك الضباط في الفساد لجعلهم عرضة للابتزاز، وتوطين الطائفية بجعل العلويين يمثلون بشكل مفرط في الوحدات الحساسة. ثالثاً، أحياء الضباط، مثل حي دالية الأسد، والتي خلقت مجتمعات مغلقة منفصلة عن المجتمع المحيط، تعزز الولاء للنظام.

في أجزاء لاحقة من الفصل، يعترف الكاتب بحدود حجته. يشير إلى أن الجيش السوري لم يبقَ متماسكاً بالكامل، بل عانى من خسائر فادحة. بحلول أبريل ٢٠١٤، قدر أن الجيش فقد أكثر من 60% من قوته البالغة 293,000 جندي في ٢٠١١، منهم أكثر من 35,000 قتيل و 30,000 منشق. يوضح الكاتب أن الانشقاقات، رغم وقوعها بشكل فردي وليس جماعياً، كانت نقطة تحول أدت إلى عسكرة الانتفاضة. للتعويض عن هذا النقص، أنشأ النظام "قوات الدفاع الوطني" (NDF) في ٢٠١٢، والتي أصبحت أكبر مليشيا موالية للنظام قوامها حوالي 100,000 عنصر. هذا التشتت في القوات الموالية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على حلفاء مثل حزب الله وإيران وروسيا (التي أنشأت "الفيلق الرابع" في سبتمبر ٢٠١٥)، أضعف الجيش النظامي وجعله غير قادر على العمل كقوة مركزية متماسكة.

أخيراً، يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مستقبل الجيش السوري، متسائلاً عما إذا كانت الجهود الروسية لإعادة مركزية القوات الموالية ستنجح في التغلب على تحديات استنزاف القوى البشرية، وظهور أمراء الحرب المحليين، والاعتماد على قوى خارجية، وإعادة بناء الجيش كما كان قبل الانتفاضة. تعتبر هذه النقطة من الحجج القابلة للنقاش في الفصل نفسه، حيث أن الكاتب يقدم دليلاً على أن الجيش لم يعد كما كان، حتى مع بقائه مخلصاً، مما يطرح تساؤلاً حول مستقبل أي سلطة بعد الحرب.

6.Tutelary authoritarianism and the shifts between secularism and Islam in Syria92–105▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: لماذا اندلعت الانتفاضة السورية في ربيع 2011، ولماذا امتنعت قطاعات اقتصادية مهمة، مثل رجال الأعمال المستقلين والطبقة المتوسطة، عن الانضمام إليها في البداية، مما دفع المعارضة في النهاية إلى اللجوء للعنف؟ يجيب المؤلف بأن المفتاح لفهم ذلك يكمن في دراسة تأثير الأزمة المالية العالمية 2008-2009 على "هيكل التراكم الاجتماعي" في سوريا. هذا الهيكل هو شبكة معقدة من الصراعات والتحالفات الطبقية، والأدوار المؤسسية للدولة، التي تحدد كيفية عمل الاقتصاد. يرى المؤلف أن الأزمة العالمية لم تؤثر على جميع الفئات بالتساوي؛ بل وضعت بعضها في "مجال الخسائر" مما جعلها مستعدة للمخاطرة بالانتفاضة، بينما أبقت أخرى في "مجال المكاسب" مما جعلها تتجنب المخاطرة وتلتزم الحياد.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من مراجعة الأدبيات الموجودة حول الثورات العربية، منتقداً إياها لتركيزها على السياسة وإهمال الاقتصاد السياسي العالمي. ثم ينتقل إلى بناء إطار نظري مستمد من دراسة بول تشايستي وستيفن وايتفيلد لتأثير الأزمة المالية على روسيا. تظهر هذه الدراسة أن تأثير الأزمة لا يكون فورياً، بل يظهر بعد فترة تأخير تتراوح بين 18 و30 شهراً، وأن رد فعل الفئات المختلفة يعتمد على ما إذا كانت ترى وضعها الحالي كتحسن (مجال المكاسب) أو تدهور (مجال الخسائر) مقارنة بخط الأساس الذي وضعته الأزمة. يطبق المؤلف هذا الإطار على سوريا.

يحلل الفصل بعد ذلك الآثار المحددة للأزمة العالمية على سوريا، مستخدماً بيانات من الأونكتاد وصندوق النقد الدولي. يوضح أن تأثيرات الأزمة كانت متباينة: فبينما استمر تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى سوريا بوتيرة عالية في البداية وبدأ بالركود فقط بعد عامين، انهارت الصادرات السورية بشكل أسرع، حيث انخفضت بنسبة 30% بين 2008 و2009. كما يبين أن الوصول إلى الائتمان تأثر، وأن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت بشكل حاد. لكن الأهم هو أن هذه التأثيرات لم تكن موحدة.

يركز الفصل على "هيكل التراكم الاجتماعي" السوري، الذي يتكون من عدة طبقات: البرجوازية الحكومية (المرتبطة بالنظام)، نخبة الأعمال "المستقلة" أو "المعتمدة" (التي نشأت في الفراغ بين القطاع العام والبرجوازية الحكومية)، والتجار من الطبقة المتوسطة، والطبقة العاملة المنظمة الضعيفة، وأخيراً أجهزة الأمن والجيش. يشرح كيف أن سياسات التحرير الاقتصادي في التسعينات والألفين خلقت فرصاً لهذه النخبة المستقلة، ولكنها جعلتها أيضاً أكثر عرضة للصدمات.

يصف الفصل كيف أن الأزمة، بالإضافة إلى اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا (التي دخلت حيز التنفيذ في يناير 2007)، وضعت المصنعين من النخبة المستقلة في "مجال الخسائر". أدى ذلك إلى إغلاق 41 مصنع نسيج في حلب خلال الربع الأخير من 2008، وصعوبة في الحصول على رأس المال. في المقابل، كانت التوقعات لهذه النخبة في المستقبل مشرقة نسبياً، بفضل الخطط الحكومية لفتح قطاعات جديدة للاستثمار الخاص وارتفاع مؤقت في عائدات النفط. هذا الوضع المتناقض – معاناة حالية مع آمال مستقبلية – جعلهم في "مجال المكاسب" وفقاً للنظرية، مما جعلهم يتجنبون المخاطرة بالانضمام إلى الاحتجاجات.

في المقابل، تحمل القطاع الزراعي العبء الأكبر من الأزمة، والذي كان يعاني بالفعل من خمس سنوات متتالية من الجفاف. أدى ذلك إلى نزوح مئات الآلاف من الفلاحين الفقراء إلى أطراف المدن الكبرى، حيث تركزت الاحتجاجات الشعبية الأولى في ربيع 2011. هؤلاء هم من وجدوا أنفسهم في "مجال الخسائر" وكانوا على استعداد للمخاطرة.

يقر الفصل بحدود هذه المقاربة، معترفاً بأن البيانات المتعلقة بتأثير الأزمة على سوريا متفاوتة الجودة وغير كاملة في بعض الأحيان. كما يترك أسئلة مفتوحة حول الآليات الدقيقة التي تترجم بها الأزمات الاقتصادية إلى عمل سياسي، مكتفياً بالإشارة إلى أهمية الإطار النظري المستخدم. وأخيراً، يشير الفصل إلى أن جمود الفاعلين الاقتصاديين المؤثرين، الذين آثروا "التحوط في رهاناتهم" بدلاً من الانحياز لأي من الطرفين، خلق حالة من الجمود التكتيكي، مما أفسح المجال لتطور الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية طائفية.

7.Organizationally secular: Damascene Islamist movements and the Syrian Uprising106–128▼ ملخص

تبحث هذه الفقرة في كيفية بقاء النظام السلطوي في سوريا وصموده، مع التركيز على العلاقة المتغيرة بين العلمانية والإسلام. الحجة المركزية للمؤلفة هي أن النظام السوري بقيادة عائلة الأسد لم يلتزم بأي أيديولوجية ثابتة، بل استخدم العلمانية والإسلام كأدوات لتعزيز قبضته على السلطة. من خلال التبديل المستمر بين هذين المرجعين، استطاع النظام أن يضع نفسه كحامي العلمانية والأقليات في سوريا، وفي الوقت نفسه يفتح مساحات للحركة الإسلامية عندما تخدم مصلحته. هذا الاستخدام المزدوج سمح له بتقسيم المعارضة وتهميش منتقديه الأكثر خطورة، وهم العلمانيون الديمقراطيون الذين يمثلون بديلاً حقيقياً يهدد هيمنته.

يسير الفصل عبر التاريخ السوري ليوضح هذه الحجة. يبدأ بفترة حافظ الأسد حيث يظهر نمط واضح في إعطاء الأولوية لبقاء النظام على أي هدف أيديولوجي مثل ترسيخ العلمانية. على سبيل المثال، تم إيقاف علمنة قانون الأحوال الشخصية وإزالة الدروس الدينية من المناهج التعليمية. استخدم النظام التمرد الإسلامي في السبعينيات ومجزرة حماة عام 1982 لتعزيز شرعيته كدولة "وصائية" منقذة للمجتمع من خطر الإسلاميين. هذا التهديد الإسلامي تم تضخيمه لتوحيد الناس حول النظام، ولطمس الفروق بين العلمانيين الديمقراطيين المعارضين والنخبة السياسية الحاكمة. فالنظام، بينما كان يقاتل الإسلاميين، كان يقاتل أيضاً العلمانيين الديمقراطيين الذين كانوا يشكلون جزءاً من المعارضة، مثل جمال الأتاسي و رياض الترك، وسجنهم وأجبرهم على النفي.

من العلامات الفارقة في هذه الاستراتيجية هي المعاملة المختلفة التي لقيها كل من الإسلاميين والعلمانيين. بينما تم قمع الإسلاميين المتطرفين بعنف، سُمح لقيادة دينية اجتماعية غير سياسية بالظهور والتركيز على الدعوة والتغيير الأخلاقي الفردي من أسفل إلى أعلى. في المقابل، واجه العلمانيون المعارضون قمعاً متواصلاً؛ فقد تم منعهم من التنظيم، وتمت مراقبتهم ومضايقتهم، وسجن العديد منهم مثل عارف دليلة و هيثم المناع. وقد تم تضييق الخناق عليهم باستخدام قوانين مثل المادة 353 و المادة 336 من قانون العقوبات التي تمنع الاجتماعات والتجمعات العامة. هذا القمع لم يقتصر على النشطاء، بل امتد ليشمل منع الأحزاب العلمانية المستقلة والسماح فقط بتلك المضمنة في الجبهة الوطنية التقدمية التي تسيطر عليها الدولة.

في عهد بشار الأسد، استمرت وتعمقت هذه السياسات. أدت الأزمة الاقتصادية واتساع فجوة الثروة بين الأغنياء والفقراء إلى جعل النظام يعتمد بشكل أكبر على حلفائه الجدد من رجال الأعمال والقادة الدينيين. هذا التحالف مع النخبة الدينية، والذي بدأ في عهد حافظ الأسد، أدى إلى توسع ملحوظ في "القطاع الإسلامي" في المجتمع السوري، وأصبحت الحركات الدينية أكثر تنظيماً وفعالية في نشر الأفكار الإسلامية. في الوقت نفسه، استخدم النظام الإسلاميين كأداة في سياسته الخارجية، من خلال دعم واستضافة مقاتلين إسلاميين للتأثير على البيئة الإقليمية، كما حدث مع المقاتلين الذين كانوا يعبرون إلى العراق بعد عام 2003. وبينما كان هذا يحدث، استمر قمع العلمانيين الديمقراطيين بلا هوادة، كما ظهر في رد النظام العنيف على مبادرة "بيان الـ 99" في سبتمبر 2000 والتي طالبت بإنهاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

وعندما اندلعت الانتفاضة السورية في مارس 2011، والتي بدأت كحركة احتجاجية علمانية وغير طائفية، استخدم النظام نفس الأدوات التي استخدمها في السابق. ألقى بشار الأسد خطاباً وصف فيه المحتجين بأنهم "فتنة" و "مؤامرة خارجية" تهدف إلى تقسيم سوريا، مروجاً فكرة أن النظام هو الحامي الوحيد للعلمانية والأقليات. في الوقت نفسه، أطلق سراح مقاتلين إسلاميين متطرفين مثل زهران علوش من السجن في يونيو 2011، بينما استمر في اعتقال ومضايقة النشطاء العلمانيين مثل الرسام علي فرزات الذي تعرض للضرب المبرح. هذا التلاعب أسهم في عزلة الحركة العلمانية المعارضة، وأدى إلى ظهور فصائل معارضة عديدة ومختلفة مثل الهيئة التنسيقية الوطنية و المجلس الوطني السوري التي اختلفت فيما بينها حول استراتيجيات العمل، مما أضعف المعارضة السلمية وساهم في صعود الإسلاميين المتطرفين.

أما الفصل التالي، فيتخصص في تحليل حركتين إسلاميتين في دمشق هما الكفتارية و القبيسيات، ويركز على خصائصهما التنظيمية التي تجعلهما، كما يجادل الكاتب، "علمانيتين من الناحية التنظيمية". هذا يعني أن شكل تنظيمهما، وليس أيديولوجيتهما، هو ما يحدد علاقتهما بالدولة والمجتمع والثورة. يعتمد الكاتب في تحليله على نظرية نيكلاس لومان التي ترى المنظمات كأنظمة تواصل، حيث أن "قرار التواصل" الأولي (مثل قرار دعم مرشح سياسي معين) هو ما يميز المنظمة عن محيطها. ويميز بين المنظمات "التعبيرية" التي تعبر عن اهتمامات أعضائها دون هدف تغيير المجتمع، والمنظمات "الأداتية" التي تسعى لتحقيق تغيير اجتماعي وسياسي محدد، ويرى أن الكفتارية والقبيسيات تنتميان للنوع التعبيري.

يسرد الفصل تاريخ الحركتين انطلاقاً من الطريقة النقشبندية الخالدية في دمشق. ويعود ذلك إلى عيسى الكردي الذي تبنى نموذج "الجمعية" كشكل تنظيمي، وهو شكل تنظيمي "علماني" بطبيعته لأنه يعمل في فضاء المجتمع المدني الخاضع لقوانين الدولة وليس للتقاليد الدينية. هذا النموذج اجتذب العلماء لأنه سمح لهم بالعمل باستقلالية عن وزارة الأوقاف التي كانت تسيطر على الشؤون الدينية الرسمية. أحمد كفتارو تبنى هذا الشكل وأسس جمعية الأنصار الخيرية، ولكن مع صعود حكم البعث، بدأ يتخذ مواقف سياسية مثل دعمه لمرشح البعث رياض المالكي في انتخابات 1957. هذا القرار شكل "قرار تواصل" ميز حركة الكفتارية عن غيرها من العلماء التقليديين، خاصة معارضته لجماعة الإخوان المسلمين.

أما منيرة القبيسي، التي كانت من تلاميذ كفتارو، فأسست فرعاً نسائياً مستقلاً للطريقة النقشبندية في أواخر الخمسينيات. هذا كان "قرار تواصل" مهماً آخر، حيث سمحت الكفتارية بإنشاء حركة إسلامية نسائية ذاتية الحكم. خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، تكيفت كلتا الحركتين مع البيئة القمعية للنظام البعثي. ومع تشديد قانون الجمعيات رقم 93 الذي وضع الجمعيات تحت سيطرة وزارة الشؤون الاجتماعية وجهاز الأمن، فضلت الحركتان الحفاظ على طابعهما التعبيري والابتعاد عن المواجهة السياسية. ظلت الكفتارية والقبيسيات تُظهران الولاء للنظام وتتجنبان أي نشاط سياسي معارض، وركزتا على العمل الاجتماعي والروحي. هذا الموقف جعلهما هدفاً لانتقادات المعارضة التي تعتبرهما خائنتين، وفي الوقت نفسه موضع شك من قبل الموالين للنظام الذين يشكون في ولائهما.

يلخص الكاتب بأن الطابع "التنظيمي العلماني" للكفتارية والقبيسيات هو مفتاح فهم سلوكهما أثناء الانتفاضة السورية. فهذه الحركات التعبيرية التي لا تسعى لتغيير النظام السياسي، اختارت عدم مواجهة النظام رغم التكاليف الباهظة التي تكبدتها بسبب هذا الموقف، مثل الخسارة في المكانة بين المعارضين والشك من قبل الموالين. هذا التحليل يقدم تفسيراً بديلاً لسلوك هذه الحركات لا يعتمد فقط على أيديولوجيتها الإسلامية، بل على هيكلها التنظيمي الذي يميل إلى التكيف مع الدولة القائمة بدلاً من تحدّيها، ويفسر لماذا لم تلعب هذه الحركات دوراً قيادياً في الانتفاضة واختارت الحياد أو دعم النظام.

في مجمله، يقدم هذان الفصلان نظرة ثاقبة حول آليات بقاء النظام السوري. الفصل الأول يبين كيف أن النظام يتلاعب بالخطابين العلماني والديني لخدمة أهدافه، بينما يكشف الفصل الثاني كيف أن بعض الحركات الإسلامية، على الرغم من خطابها الديني، اختارت التنظيم بطريقة علمانية، مما جعلها قابلة للتعايش مع النظام الاستبدادي بدلاً من تحدي وجوده. كلا التحليلين يظهران أن الصراع في سوريا لم يكن مجرد صراع بين العلمانيين والإسلاميين، بل كان أيضاً صراعاً حول كيفية تنظيم المجتمع والسياسة والعلاقة مع الدولة، وغالباً ما كانت القرارات التنظيمية، وليس الأيديولوجية فقط، هي المحدد الأساسي للسلوك السياسي.

8.Bashar's fateful decision128–141▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل الأسباب التي جعلت حركتي النقشبندية في دمشق، وهما النقشبندية (التي أسسها أحمد كفتارو) والقبيصيات (التي أسستها منيرة القبيسي)، تختاران الصمت وعدم الانحياز خلال الانتفاضة السورية التي بدأت في مارس 2011، بدلاً من دعم المحتجين أو النظام بشكل علني. يقدّم المؤلف الإجابة بأن هذا الموقف لم يكن ناتجاً عن جبن أو ولاء أعمى، بل هو نتيجة منطقية لطبيعة هاتين الحركتين التنظيمية الفريدة، والتي يصفها بـ "العلمانية التنظيمية". يُجادل الفصل بأن القوة الحقيقية لهذه الحركات لم تكن تكمن في قدرتها على التعبئة السياسية، بل في شبكتها الاجتماعية والخدمية والتعليمية التي عملت داخل القانون وبهدوء لعقود. وعندما بدأ النظام في بشار الأسد بتفكيك هذه الشبكة التنظيمية تدريجياً بعد عام 2004، أضعف قدرتها على لعب أي دور فاعل في اللحظة الحاسمة للانتفاضة، تاركاً إياها بلا خيار سوى الانكماش والعودة إلى جوهرها الروحي الصوفي.

يسير الفصل على خطى منهجية واضحة. أولاً، يقدّم تصنيفاً تحليلياً دقيقاً للحركتين. يشرح أنهما تقومان على طابع تعبيري (expressive) في المقام الأول، حيث يجد الأتباع المتعة والرضا في الممارسات الروحية الجماعية كالذكر والصلاة، وليس في تحقيق أهداف سياسية أو مادية (أدواتية). هذا الطابع التعبيري يجعلهما قادرتين على البقاء حتى في أقسى فترات القمع، كما حدث في ثمانينيات القرن العشرين، حيث كان الأتباع يلجؤون إلى جلسات ذكر طويلة وصامتة لتجنب المراقبة. بعدها، يميز الفصل بين الأعضاء الرسميين (في جمعيتي الأنصار والنَدى) والداعمين غير الرسميين الذين يشكلون الغالبية العظمى من المريدين. هذا التمييز حاسم لفهم لماذا لا يمكن تحميل الحركة مسؤولية تصريحات بعض أتباعها. فـ القبيصيات، على سبيل المثال، ليس لديهن عضوية رسمية يمكن فصلهن منها، وبالتالي فإن اتهام الحركة بأكملها بأنها موالية للنظام بناءً على تصريحات لبعض النساء اللواتي يحضرن دروسها هو خطأ تحليلي، خاصة أن منيرة القبيسي نفسها لم تدلِ بأي تصريح سياسي مؤيد أو معارض. أخيراً، يصنّف الفصل الحركتين كمنظمات علمانية لأنها تعمل ضمن الإطار القانوني للدولة، وتلتزم بالقوانين (حتى الجائرة منها)، وتختار التراجع والانسحاب إلى النشاط الروحي إذا أصبح العمل العلني مستحيلاً، بدلاً من التحول إلى السرية أو المعارضة.

بعد هذا التأطير النظري، ينتقل الفصل إلى سرد الأحداث التي سبقت الانتفاضة وأضعفت التنظيم الديني التقليدي. نقطة التحول الأولى كانت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي دفع نظام الأسد، بدافع الخوف، إلى تشجيع إنشاء منظمات إسلامية متشددة لمحاربة الأمريكيين، متناسياً سياسة العقود السابقة في قمعها. وفي هذا السياق، أُجبر الشيخ كفتارو على إصدار فتوى دعمت العمليات الانتحارية في العراق رغم معارضته الشخصية لها. التحول الأكبر كان في سياسة بشار الأسد الداخلية. على عكس والده حافظ الأسد الذي تسامح مع تنظيم رجال الدين مقابل دعمهم السياسي، بدأ الابن في تقويض هذا التنظيم بشكل منهجي. جاء ذلك من خلال قانون الجمعيات رقم 32 لعام 2002 الذي ألزم المدارس الشرعية بقبول الطلاب فقط بعد إكمالهم التعليم العام الإلزامي، مما جفف منابع الطلاب الجدد لهذه المدارس. بلغت هذه السياسة ذروتها في أكتوبر 2008 بإجبار جميع رجال الدين على الاستقالة من مجالس إدارة الجمعيات الخيرية، وفي يونيو 2009 باعتقال صلاح كفتارو (نجل أحمد كفتارو) بتهمة الاختلاس. وكانت الضربة القاضية هي المرسوم رقم 48 في أبريل 2011، أي بعد 19 يوماً فقط من بدء الانتفاضة، والذي أمّم ثلاثة معاهد دينية كانت تديرها الجمعيات الدينية.

عند اندلاع الانتفاضة، وجد علماء دمشق أنفسهم في أضعف حالاتهم التنظيمية. يذكر الفصل أن عدداً قليلاً جداً من العلماء البارزين، مثل محمد سعيد رمضان البوطي، اختاروا دعم النظام علناً، لكن البوطي لم يملك حركة شعبية منظمة مثل كفتارو ليجندها. أما كفتارو والقبيصيات، فكان خيارهما الوحيد هو الصمت. خليفة كفتارو الروحي، رجب ديب، لم يدلِ بأي تصريحات مؤيدة أو معارضة للنظام في دروسه. ويضرب الفصل أمثلة صارخة على مأزق القبيصيات، حيث تم استغلال صمتهن من قبل النظام والموالين له لتصويرهن كداعيات للنظام من خلال إجبارهن على حضور فعاليات موالية ونشر صورهن، ثم إعادة نشر هذه الصور من قبل وسائل إعلام المعارضة لاتهامهن بالخيانة. هذا الموقف المستحيل يُظهر عدم قدرتهن على التحكم في الرسالة السياسية أو الدفاع عن أنفسهن، لأنهن لسن حزباً سياسياً بل حركة تعبيرية.

يختتم الفصل بتحليل المعنى الأعمق لهذه القصة. إن صعود وسقوط تنظيم كفتارو والقبيصيات هو، برأي المؤلف، قصة صعود وسقوط نموذج للتفاعل بين الدولة والمجتمع المدني الديني. لقد أخطأ بشار الأسد في تقدير قوته عندما ظن أنه يستطيع تدمير التنظيمات الدينية التي ورثها عن والده دون عواقب. بإضعافه لهذه الشبكات، أزال آخر وسيط محتمل بين الدولة والمجتمع، مما جعل الاحتجاج الشبابي الغاضب في الشوارع بلا أي قيادة دينية معتدلة تستطيع توجيهه أو التفاوض باسمه. في النهاية، يرى المؤلف أن القيمة الحقيقية لهذه الحركات اليوم لا تكمن في قدرتها على التأثير، بل في إثباتها التزامها الثابت بـ "العلمانية التنظيمية": أي العمل ضمن القانون، والتراجع عند القمع، والتمسك بالجوهر الروحي التعبيري. ويختتم الفصل برؤية مستقبلية، مفادها أنه في مرحلة إعادة بناء سوريا، قد تشكل هذه الحركات نموذجاً متوازناً وقاعدة لتأسيس مجتمع مدني جديد، قادر على استيعاب التيارات الإسلامية المتشددة. مع ذلك، يظل التحدي الأكبر الذي يواجهه كفتارو والقبيصيات الآن ليس هو البقاء، بل هو البقاء على صلة بالواقع وعدم التحول إلى ظل لذاتهما.

9.Syria's Alawis: Structure, perception and agency in the Syrian security dilemma141–158▼ ملخص

ملخص الفصل

يدور هذا الفصل حول محور رئيسي واحد: فهم الدور الذي لعبته الأقلية العلوية في سوريا في ديناميكيات الصراع التي اندلعت بعد انتفاضة 2011، ولماذا اختارت هذه الأقلية، في غالبيتها الساحقة، البقاء إلى جانب نظام بشار الأسد حتى في وجه حملة قمع دامية ضد المحتجين. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن العلويين وقعوا في فخ "مأزق أمني" (security dilemma) قاتل، حيث أن الخطوات التي اتخذوها لحماية أنفسهم – بالتمسك بالنظام – أدت في الواقع إلى تفاقم التهديدات الموجهة إليهم من قبل جماعات المعارضة السنية، وخاصة المتطرفة منها. يرى المؤلف أن هذا المأزق لم يكن نتيجة حتمية لتركيبة المجتمع السوري فحسب، بل كان نتاجاً لتفاعل ثلاثة أبعاد مترابطة: العوامل الهيكلية (مثل الإرث التاريخي والجغرافيا السياسية)، والعوامل الإدراكية (مثل التصورات الخاطئة عن نوايا الطرف الآخر)، وأخيراً وليس آخراً، عامل "الفاعلية" (agency) السياسية، أي القرارات المتعمدة التي اتخذها النظام السوري لاستغلال هذه المخاوف وتأجيجها لضمان بقائه السياسي.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تفكيك هذه الأبعاد الثلاثة. أولاً، يشرح الجذور التاريخية للخوف العلوي، مشيراً إلى كونهم أقلية دينية فرعية (طائفة) من الإسلام الشيعي تعرضت للاضطهاد عبر التاريخ. هذا الإرث من عدم الأمان خلق تماسكاً داخلياً قوياً (ما يشبه "العصبية" الخلدونية) جعل العلويين ينظرون إلى أي تحد للحكم العلوي على أنه تهديد وجودي. ثانياً، ينتقل المؤلف إلى تحليل التصورات المتبادلة. يوضح أن العلويين اعتقدوا بوجود "سيناريو أسوأ" (worst case scenario) يقوم على افتراض أن الأغلبية السنية تسعى للانتقام وإعادة العلويين إلى وضع التهميش أو حتى الاضطهاد. هذا الخوف، حتى لو كان مبنياً على مبالغة أو إدراك خاطئ في البداية، أصبح حقيقة واقعة بعد أن بدأت الجماعات الجهادية المتطرفة تستهدف العلويين صراحة وتصنفهم ككفار.

ثم يصل الفصل إلى الحجة الأكثر أهمية، وهي مسألة الفاعلية السياسية. هنا، ينتقل المؤلف من التحليل الهيكلي والإدراكي المجرد إلى الإدانة المباشرة. يقول الفصل إن التدخلات المتعمدة للجهات الفاعلة السياسية، وفي مقدمتها النظام نفسه، هي التي نجحت في تحويل هذه المخاوف الهيكلية والإدراكية إلى صراع دموي. لم تكن الحرب الأهلية حتمية، بل إن "نزع الشرعية عن النظام والتشرذم" (كما يحيل إليها الفصل) الذي حدث، ومن ثم استغلال النظام للمخاوف الطائفية، هو ما أشعل فتيل المأزق الأمني المميت. يذكر الفصل أن العلويين وجدوا أنفسهم محاصرين في مأزق ثلاثي: بين نظام الأسد الذي يحتاجهم، والمعارضة المعتدلة، والجماعات المتطرفة. كل خيار كان كارثياً، لكن التمسك بالنظام بدا أقلها سوءاً.

يقر المؤلف بوجود حدود وتحفظات واضحة في هذه التحليلات. فهو يعترف بأن حالة عدم اليقين حول النوايا الحقيقية للمعارضة السنية (وهل ستكون انتقامية أم شاملة) هي جوهر المأزق الأمني. كما أنه يقر بأن بعض المخاوف العلوية لم تكن مبنية على "إدراك خاطئ" فحسب، بل أصبحت حقيقية بفعل دخول الجماعات المتشددة إلى ساحة الصراع. الأهم من ذلك، يقر الفصل بتعقيد مفهوم الفاعلية؛ فبينما يلقي باللوم على النظام لاستغلاله المأزق، يعترف بأن القادة السياسيين هم أيضاً "عرضة" لتأثير هذا المأزق الأمني على قراراتهم، أي أنهم ليسوا محصنين ضده.

يقدم الفصل أدلة من خلال عرض هذه الديناميكيات دون الخوض في تفاصيل سردية تاريخية طويلة. هو أشبه بدراسة نظرية مطبقة على حالة العلويين، حيث يستخدم نظريات العلاقات الدولية (مأزق بوزن الأمني) وعلم اجتماع الجماعات (عصبية ابن خلدون) لتفسير سلوكهم الجماعي. الحجة الأكثر قابلية للنقاش بوضوح، بناءً على النص نفسه، هي التركيز على "الفاعلية السياسية" كعامل حاسم. هناك نقاش ضمني حول ما إذا كان استغلال النظام للمخاوف الطائفية هو السبب الرئيسي للحرب، أم أن العوامل الهيكلية والإدراكية كانت ستؤدي إلى الصراع بأي حال. الفصل يتبنى بوضوح موقفاً بأن الفاعلية السياسية كانت حاسمة في تحويل احتمالية الصراع إلى حقيقة قاتلة، وهذا الموقف قابل للنقاش والتحليل، خاصة مع الاعتراف بأن القادة أنفسهم كانوا تحت رحمة نفس المأزق الذي خلقوه.

10.Emergence of the political voice of Syria's civil society: The non-violent movements of the Syrian Uprising159–172▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل الأسباب التي أدت إلى انزلاق الانتفاضة السورية السلمية في عام 2011 نحو صراع طائفي عنيف، مركزاً بشكل خاص على معضلة الأمن التي واجهتها الطائفة العلوية. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن العوامل البنيوية (كالتاريخ والتركيبة الاجتماعية) والعوامل غير الملموسة (كالمخاوف والتصورات المتبادلة) خلقت أرضية خصبة لتفعيل معضلة الأمن، لكن العامل الحاسم في إشعال الصراع كان "الفاعلية" أو "الوكالة" السياسية لأطراف معينة. يخلص الفصل إلى أن النظام السوري بقيادة بشار الأسد، بدعم من حلفائه إقليمياً، لعب الدور الأكبر في تحويل الاحتجاجات إلى حرب طائفية بقصد البقاء في السلطة، على الرغم من أن النظام لم يكن وحده المسؤول عن هذه النتيجة.

يبدأ الفصل بمشهد متناقض: في عام 2001، خرج المئات من السوريين، بمن فيهم علويون، يطالبون بالعدالة والكرامة، لكن بحلول عام 2012 تحولت هذه المطالب المشتركة إلى صراع هوياتي عميق. يفسر المؤلف هذا التحول من خلال نظرية "معضلة الأمن"، حيث يبدأ كل طرف بالتصرف بناءً على أسوأ السيناريوهات الممكنة تجاه الطرف الآخر، مما يخلق دوامة من الخوف والتصعيد.

أولاً، يشرح الفصل العوامل البنيوية (الهيكلية) لانعدام أمن العلويين. يبدأ بسرد تاريخي طويل من التهميش والاضطهاد الذي تعرضت له الطائفة العلوية (التي يشار إليها أحياناً باسم "النصيرية")، بدءاً من اضطهادها في العراق في القرن التاسع الميلادي، مروراً بمذابح المماليك في 1318 م الذين أمروا بإبادة الطائفة بعد ثورة 3000 علوي، وصولاً إلى سياسات التتريك في العهد العثماني التي دفعت العلويين إلى اتباع سياسة "التقية" للحفاظ على أمنهم. يضرب المؤلف مثالاً على ذلك بـ إسماعيل خير بك، الزعيم العلوي الذي قُتل على يد عمه الذي قدم رأسه للعثمانيين لاسترضائهم في أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر حين ضعفت الدولة العثمانية. يوضح الفصل أنه في كل مرة كان الاضطهاد يشتعل خلال فترات انهيار الدولة أو الضعف أو التدخل الخارجي، وهو ما يتطابق مع منطق معضلة الأمن. حتى بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في عام 1970، شعر العلويون بتهديد وجودي خلال انتفاضة الإخوان المسلمين بين 1976-1982، والتي انتهت بتدمير حماة في 1982. ويضيف المؤلف بعداً آخر للعامل البنيوي وهو الاختلاف الديني، مشيراً إلى فتاوى ابن تيمية في القرن الرابع عشر التي وصفت العلويين بأنهم "أكفر من اليهود والنصارى"، وهي فتاوى استُحضرت مجدداً في مايو 2013 من قبل الشيخ يوسف القرضاوي في خطبة له في الدوحة عندما وصف العلويين بالكفر. كما يشير الفصل إلى التمايز الطبقي، حيث كان العلويون تاريخياً من أفقر الفئات، بينما أصبح بعض المقربين من النظام، مثل رامي مخلوف (ابن عم الرئيس)، أثرياء للغاية، مما خلق حساسية وامتعاضاً في صفوف الطائفة.

ثانياً، يتناول الفصل العوامل غير الملموسة لانعدام الأمن العلوي. يناقش المؤلف كيف أن الخوف والريبة ليسا دائماً مبنيين على تهديدات ملموسة، بل هما جزء من الوعي الجمعي للطائفة. يشير إلى أن هجرة العلويين إلى المدن السورية كانت "حذرة" و"دائرية"، حيث يحتفظ معظمهم ببيوت في قراهم الأصلية في جبال الساحل السوري تحسباً لأي خطر. على سبيل المثال، في 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري واتهام النظام، بدأ العلويون في دمشق بالتفكير بالعودة إلى قراهم. ويقول المؤلف إن هذه العودة إلى "الملاذ الجبلي" أظهرت سوء تقدير لنية الأغلبية السنية، حيث أن الانتفاضة في 2011 كانت فرصة تاريخية لتحقيق تقدم نحو التعددية التي تخدم الطائفة على المدى الطويل. خوف العلويين اللاعقلاني ظهر جلياً في آذار 2011 في اللاذقية، حيث أصيبوا بالرعب من احتجاجات سلمية. يذكر الفصل أن النظام عمل على تأجيج هذا الخوف من خلال تشكيل ميليشيات تسمى "الشبيحة"، والتي ارتكبت مجازر مثل مجزرة حولة في مايو 2012، مما جعل مصطلح "شبيح" مرادفاً للعلويين. في المقابل، أدى تحالف المعارضة المسلحة مع جماعات متطرفة مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية، التي ترى أنه "لا مكان للعلويين في سوريا المستقبل"، إلى تعميق الفجوة. يذكر الفصل أيضاً أمثلة على مجازر ارتكبها مقاتلون مرتبطون بـ القاعدة ضد مدنيين علويين في قرية عدرا في كانون الأول 2013. ومع ذلك، يوثق الفصل جهود ناشطين سلميين من الجانبين لإيقاف هذه الدوامة، مثل الناشط رائد فارس من كفرنبل، والممثلة العلوية فدوى سليمان التي هتفت "واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد". كما يشير إلى انعقاد مؤتمر للمثقفين العلويين في القاهرة في 2013 لمحاولة مواجهة التقسيم الطائفي، وأن النظام قام بقمع هذه الأصوات المعتدلة بسرعة.

ثالثاً، وأخيراً، يركز الفصل على "الفاعلية" أو "الوكالة" ودور النظام كعامل رئيسي في تأجيج الصراع. يؤكد المؤلف أن النظام السوري لعب دوراً متعمداً في إشعال الحرب الطائفية. يصف الفصل النظام بأنه يعاني من عقلية "مؤامرية" وشخصية بشار الأسد بأنها متصلبة إيديولوجياً، حيث يرى نفسه كجراح ضروري لإنقاذ الدولة. دفع هذا النظام إلى اتخاذ إجراءات وحشية، منها إطلاق سراح المتطرفين الإسلاميين من السجون في 2011 لزرع الفوضى في صفوف المعارضة، وإنشاء قوات الدفاع الوطني في 2012 كجيش موازٍ يتكون أساساً من العلويين، والذي تدعمه إيران وحزب الله اللبناني الذي تدخل براً في مايو 2013. يخلص الفصل إلى أن النظام نجح في تغيير سردية الأحداث من "قمع عنيف لانتفاضة شعبية" إلى "صراع وجودي بين دولة علمية وإرهاب سني مدعوم من الخارج"، وهو ما أقنع فقراء العلويين بأنهم يقاتلون من أجل البقاء. ويضيف أن دولاً إقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا تتحمل أيضاً جزءاً من المسؤولية لدفعها المعارضة نحو التطرف، لكن المسؤولية الأكبر تقع على النظام.

يقر المؤلف بحدود هذه القراءة في خاتمته، معتبراً أن السقوط في "الهاوية الطائفية" لم يكن حتمياً، لكنه حدث بفعل فاعلين سياسيين استغلوا المخاوف وانعدام الأمن، ودعمهم المجتمع الدولي غير الفاعل. يشير الفصل إلى سؤال مفتوح حول ما إذا كان يمكن لأي شكل من أشكال التعايش أن يعود بعد هذا الدمار، تاركاً القارئ مع صورة قاتمة لطائفة علوية تقع بين فكي كماشة: نظام لا يقبل التنازل، ومعارضة متطرفة تريد الإبادة.

يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي تركيز الفصل على "وكالة" النظام كعامل حاسم، مما يقلل من شأن العوامل البنيوية العميقة. فهل كان النظام قادراً حقاً على خلق هذا الصراع من العدم، أم أنه كان يستغل هوة عميقة موجودة مسبقاً بين المجتمعين العلوي والسنّي؟ الفصل يقدم أدلة على كلا الجانبين، لكنه يميل بوضوح إلى تحميل النظام المسؤولية الأكبر، وهو رأي مشروع لكنه ليس الوحيد في تفسير هذا التحول المأساوي.

11.Demands for dignity and the Syrian Uprising173–187▼ ملخص

يطرح هذا الفصل فكرة محورية مفادها أن الحركات السلمية التي نشأت خلال الانتفاضة السورية عام 2011 أدت إلى ظهور "صوت سياسي" حقيقي للمجتمع المدني السوري، وهو الصوت الذي كان مكبوتاً لعقود. تقدم الكاتبة، تمارا العمر، حجة مفادها أن المجتمع المدني تحول من كيان خاضع للدولة ومقيد بشدة إلى فاعل مقاوم، قادر على التعبير عن نفسه وتنظيم العمل الجماعي وخلق هوية مستقلة، وذلك على الرغم من القمع الوحشي والحرب الأهلية التي تلت ذلك.

يبدأ الفصل بمناقشة حالة المجتمع المدني السوري قبل الانتفاضة، ويصفه بأنه كان شبه معدوم واستُخدم كأداة في يد النظام. يوضح النص أن النظام البعثي أسس شكلاً نقابياً للتنظيمات الاجتماعية كان يهدف لاستباق أي تشكيلات مستقلة. إلى جانب ذلك، كان هناك مجتمع مدني "أولي"، أي قائم على الانتماءات القبلية والدينية، وجمعيات خيرية إسلامية ومسيحية، ولكن جميعها كانت تعمل تحت سيطرة النظام الذي كان يوظفها لتقديم خدمات الرعاية الاجتماعية نيابة عنه. يصف الكاتب ياسين الحاج صالح هذه الفترة بأنها "فقر سياسي مطلق"، حيث مُنع السوريون من حق التجمع والتعبير لأكثر من أربعين عاماً.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فترة "ربيع دمشق" التي أعقبت تولي بشار الأسد الحكم عام 2000. كانت هذه الفترة بمثابة بارقة أمل، حيث ظهرت صالونات ثقافية ونقاشية مثل منتدى رئيف سيف للحوار الوطني ومنتدى جمال الأتاسي، التي ناقشت قضايا الإصلاح السياسي. يذكر النص أن هذه المبادرات، مثل بيان الـ 99 وبيان الـ 1000 وإعلان دمشق عام 2005، كانت تطالب بإنهاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإقامة دولة القانون، لكنها لم تطالب أبداً بتغيير النظام. ورغم التسامح الأولي، إلا أن النظام سرعان ما قمع هذه الحركات واعتقل نشطاءها، مرسلاً رسالة واضحة بأنه لن يتسامح مع أي إصلاح لا يسيطر عليه.

يوضح الفصل أن النظام حاول بعد ذلك خلق نسخته الخاصة من المجتمع المدني، خاصة من خلال إنشاء "مؤسسة سورية للتنمية" برعاية أسماء الأسد عام 2007، ووضع المجتمع المدني على أجندتي الخطتين الخمسيتين العاشرة والحادية عشرة. تم إصدار قوانين لمنح إطار قانوني للمنظمات غير الحكومية، لكن النظام احتفظ بحق الموافقة على تشكيلها وأنشطتها. تركزت هذه المنظمات غير الحكومية (التي يسميها الفصل GONGOs) على الجوانب الاقتصادية والتنموية دون التطرق إلى الحريات السياسية، وفشلت عملياً في إحداث إصلاح حقيقي، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل حق المرأة في منح جنسيتها لأطفالها.

يتناول الفصل مرحلة ما بعد اندلاع الانتفاضة في 2011، مشيراً إلى أن البدايات كانت هادئة نسبياً في سوريا، وعزا بعض المحللين ذلك إلى عوامل منها الخوف من الصراع الطائفي وإيمان البعض بأن الأسد يحتاج لفرصة. لكن الاحتجاجات السلمية بدأت تتوسع بسرعة بعد أن قوبلت بالقمع الوحشي من قبل النظام. يذكر الفصل أحداثاً مفصلية مثل اعتقال وتعذيب وقتل الأطفال في درعا واغتيال الطفل حمزة الخطيب، فضلاً عن اعتداءات على متظاهرين سلميين. أدى هذا القمع إلى تحول المطالب من الإصلاح إلى إسقاط النظام، ومن ثم إلى عسكرة الصراع التي مهدت الطريق لدخول جماعات متطرفة أجنبية.

يقدم الفصل تفصيلاً واسعاً للحركات السلمية التي نشأت، مؤكداً على تنوعها الكبير رغم المخاطر المميتة التي واجهتها من النظام والجماعات المتطرفة على حد سواء. يصف الفصل عمل "لجان التنسيق المحلية" التي أنشأت "مجالس محلية" لتقديم الخدمات في المناطق المحررة. كما يوثق أربعة مجالات رئيسية لعمل هذه الحركات: أولاً، الإعلام من خلال إنشاء مراكز إعلامية ونشوء "الصحفي المواطن" ومحطات إذاعية مثل راديو سوريالي لمواجهة الرقابة. ثانياً، الفن والثقافة حيث استُخدم الجرافيتي والملصقات الساخرة، ومنها لافتات مدينة كفرنبل، كأدوات مقاومة قوية. ثالثاً، إعادة بناء المؤسسات من خلال إنشاء محاكم وخدمات أمنية وتعليمية ونقابات عمالية حرة. وأخيراً، تقديم المساعدات الإنسانية، وأبرز مثال على ذلك "الخوذ البيضاء" (الدفاع المدني السوري) الذين أنقذوا آلاف الأرواح وكرمتهم الترشيحات لجائزة نوبل للسلام.

في خاتمته، يخلص الفصل إلى أن الانتفاضة، رغم فشلها في تحقيق أهدافها السياسية المباشرة، أنجبت صوتاً سياسياً جديداً للمجتمع المدني. هذا المجتمع المدني تحول من كيان مكبوت إلى فاعل قادر على المقاومة والتنظيم الذاتي، وخلق هوية قائمة على المواطنة بدلاً من التبعية. تؤكد الكاتبة أن هذا الحراك، وليس الجماعات المسلحة، هو الذي يحمل بذور البديل الديمقراطي المحتمل لمستقبل سوريا، على أمل أن يضع أسساً لنظام ديمقراطي تعددي في المستقبل. من المهم الإشارة إلى أن الفصل يتخذ موقفاً دفاعياً واضحاً عن شرعية الحركات السلمية، ويُصورها على أنها الوريث الشرعي للانتفاضة قبل أن تختطفها الجماعات المتطرفة، مما يجعله نصاً ملتزماً برؤية سياسية معينة وليس تحليلاً محايداً بالكامل.

12.Mediating the Syrian revolt: How new media technologies change the development of social movements and conflicts188–206▼ ملخص

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو الدور المتعدد الأوجه الذي لعبته تقنيات الإعلام الجديد في الثورة السورية، وكيف غيّرت هذه التقنيات تطور الحركات الاجتماعية والصراعات. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن وسائل الإعلام الجديدة (مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتر) لم تكن مجرد أدوات تواصل، بل كانت عاملاً محورياً غيّر قواعد اللعبة من عدة جوانب: فقد استخدمها المواطنون للتنفيس عن إحباطهم وتنظيم الاحتجاجات، وهاجم بها النشطاء دعاية النظام ووصلوا إلى الجماهير الدولية. في المقابل، استخدمها النظام أيضاً لشن هجوم مضاد وتجنيد جيش إلكتروني للتجسس والمراقبة، كما استخدمتها الجماعات الإسلامية المتطرفة لبث الرعب والتجنيد. يقسم المؤلف تحليله إلى ثلاث مراحل رئيسية تتبع تطور الانتفاضة من احتجاجات سلمية إلى حرب أهلية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر هذه المراحل الثلاث. المرحلة الأولى، التي امتدت من مارس إلى يوليو 2011، تُوصف بأنها مرحلة الشرارة الأولى و"متلازمة حماه". يشرح المؤلف كيف أن قرار النظام برفع الحظر عن موقعي فيسبوك ويوتيوب في فبراير 2011، وهو إجراء كان يهدف ظاهرياً إلى استرضاء الأجيال الشابة بينما يسمح للمخابرات بمراقبة النشطاء، أدى إلى فيضان هائل في الاستخدام. تحولت صفحة "الثورة السورية" على فيسبوك، التي أطلقت في 13 مارس 2011، إلى أداة محورية للتنظيم والتواصل، حيث دعت إلى احتجاجات جماهيرية وحشدت الدعم وحققت انتشاراً واسعاً بلغ أكثر من 41,000 متابع في غضون أيام قليلة. أصبحت فيسبوك منصة للأخبار وبناء الجسور مع نشطاء عرب وآخرين في الخارج. يقدم المؤلف مثالاً مفصلاً على "متلازمة حماه"، مشيراً إلى أن الذاكرة الجماعية لمجزرة 1982 في حماه (التي قُتل فيها ما بين 10,000 و30,000 مدنياً) والتي لم تحظ بتغطية إعلامية كافية، دفعت السوريين إلى التمسك بهواتفهم الذكية وتصوير كل احتجاج وقمعه بوحشية. أحداث مثل معاقبة النظام القاسية لأطفال درعا وتعذيب الطفل حمزة الخطيب (الذي يبلغ من العمر 13 عاماً) أصبحت بمثابة أحداث محفزة كشفت وحشية النظام على المستوى الوطني عبر وسائل الإعلام البديلة التي لم يستطع النظام حجبها، مما حطم حاجز اللامبالاة ودفع المزيد من الناس للانضمام إلى المقاومة. ويشير المؤلف إلى أنه في هذه المرحلة، تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي مع القنوات الفضائية مثل الجزيرة، حيث كانت المواد المصورة من قبل النشطاء تُبث على هذه القنوات، مما أعطى الثورة صدى دولياً. يُوصف هذا التفاعل بأنه كان حاسماً للوصول إلى أعلى معدلات المشاهدة. وخلافاً لدول عربية أخرى شهدت احتجاجات في ميادين مركزية مثل التحرير في القاهرة، تركزت الاحتجاجات السورية في الأطراف مثل درعا وبانياس، بينما كانت دمشق وحلب خالية من التجمعات في البداية، مما جعل وسائل الإعلام الجديدة جسراً لخلق قوة موحدة عبر الإنترنت حافظت على استمرار الثورة.

في المرحلة الثانية، وهي مرحلة دخول البلاد في حالة صراع مسلح، يوضح الفصل كيف أن وسائل الإعلام الجديدة تحولت إلى ساحة معركة إضافية إلى جانب الشوارع وساحات القتال. لم يعد الأمر مقتصراً على توثيق الاحتجاجات السلمية، بل أصبح النشطاء يواجهون دعاية النظام التي تستخدم نفس الأدوات. يذكر المؤلف أن النظام نشر "جيشاً إلكترونياً" مكلفاً بالتجسس على الأنشطة عبر الإنترنت وتحديد النشطاء واعتقالهم، بالإضافة إلى إطلاق حملات دعائية مضادة لتعزيز مشاعر الموالين وتقويض الرواية الثورية.

أما المرحلة الثالثة، فتصف حالة الجمود المستنزف للحرب الأهلية. هنا، ينتقل التركيز إلى كيفية استخدام الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي وجدت في سوريا أرضاً خصبة، لوسائل الإعلام الجديدة. استخدمت هذه الجماعات المنصات لبث الرعب من خلال نشر فيديوهات الإعدامات والمطالبة بفدية للرهائن، وكذلك لتجنيد مقاتلين جدد من جميع أنحاء العالم ونشر أيديولوجيتها. يُظهر هذا كيف أن نفس الأدوات التي استخدمها النشطاء السلميون في البداية لتحقيق التحرر أصبحت فيما بعد سلاحاً في أيدي جهات مختلفة ذات أهداف متعارضة. يعترف المؤلف أيضاً بوجود قيود وتحفظات، فيشير إلى أن الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام الجديدة يطرح تحديات تتعلق بصحة المعلومات وصعوبة التحقق منها في ظل حرب المعلومات والدعاية من جميع الأطراف. كما أن التركيز على المحتوى المسجل قد لا يعكس بالضرورة التنوع الكامل للرأي السوري أو يعطي صورة شاملة عن التعقيدات الميدانية للصراع.

أخيراً، يخلص الفصل إلى أن فهم الدور المتغير لوسائل الإعلام الجديدة في تطور الثورة السورية يسمح بفهم أعمق للأحداث ويكشف عن الإمكانات الهائلة التي تقدمها هذه التقنيات للناس في الأنظمة المغلقة حول العالم، وكذلك الضرر الذي يمكن أن تسببه عندما تستخدمها الحكومات الاستبدادية والمنظمات الإرهابية ووسائل الإعلام الدولية التي غالباً ما تهتم بالإثارة أكثر من المبادئ الأخلاقية الأساسية. يمكن القول إن التحليل المقدم متوازن، حيث لا يقع في فخ التبسيط المفرط القائل بأن التكنولوجيا هي السبب الوحيد للثورة أو لتحولها إلى حرب، بل يقدمها كعامل وسائط ومعزز للديناميكيات القائمة. النقطة القابلة للنقاش في الفصل هي فكرة أن الثورة السورية كانت "الأكثر توثيقاً في التاريخ"؛ فبينما يبدو هذا صحيحاً من حيث الكم الهائل للمواد المنشورة، فإن هذا التوثيق الهائل لا يعني بالضرورة فهماً أعمق أو أكثر دقة للأحداث.

13.Unblurring ambiguities: Assessing the impact of the Syrian Muslim Brotherhood in the Syrian revolution207–223▼ ملخص

يسعى هذا الفصل إلى توضيح دور جماعة الإخوان المسلمين في سوريا خلال الثورة السورية، متجاوزاً الروايات المبسطة التي تتراوح بين اتهام الجماعة بالهيمنة على الحركة الاحتجاجية من وراء الكواليس، وبين تجاهل دورها تماماً. يقدم الفصل حجة مفادها أن تأثير الجماعة كان وجودياً ومتعدد المستويات، لكنه كان معقداً ومليئاً بالمفارقات، ولم يكن خطياً أو أحادياً. يركز التحليل على المراحل المبكرة من介入 الجماعة في الثورة، محاولاً فهم كيف أثرت سياسات الجماعة على ديناميكياتها الداخلية، خاصة فيما يتعلق بدور الأجيال الشابة ومدى التزامها بالهيكل التقليدي للجماعة، وكيف أثر ذلك على آفاق مستقبلها.

يبدأ الفصل بتقديم خلفية تاريخية عن الجماعة، مشيراً إلى أنها عانت من عقود من التهميش بعد مذبحة حماة عام 1982 التي أعقبتها مرسوم يقضي بإعدام أو نفي أي عضو في التنظيم. هذا التاريخ الطويل من القمع، بالإضافة إلى انقسام داخلي حاد بين جناحي حلب وحماة يعود إلى عام 1986، جعل الجماعة تعاني من ضعف في بنيتها وقيادتها. وقد وصل هذا الصراع الداخلي إلى ذروته في عام 2010 عندما خسر زعيم جناح حلب، علي صدر الدين البيانوني، القيادة لصالح محمد رعد الشقفة من حماة. هذا الانقسام سيستمر في التأثير على نشاطات الجماعة الثورية.

عند انطلاق الاحتجاجات في سوريا عام 2011، لم تكن الجماعة قد غيرت رسمياً موقفها المتمثل في تعليق المعارضة، وهو القرار الذي اتخذته عام 2009. لم تعلن استئناف المعارضة رسمياً إلا في 1 مايو/أيار 2011، واكتفت في البداية بإصدار بيانات داعمة. يتناول الفصل جدلاً حول بداية مشاركة الجماعة، حيث اتهمت وسائل إعلام موالية للنظام الجماعة بأنها تقف وراء إنشاء صفحات فيسبوك دعت إلى "يوم الغضب السوري"، مثل صفحة "الثورة ضد بشار الأسد" التي أدارها فداء السيد. لكن الفصل يبين أن المتظاهرين أنفسهم كانوا يرفضون هذه التسمية، رافعين شعارات مثل: "لا إخوان ولا سلفيين، نريد حرية".

في مواجهة هذه الاتهامات، كشف الفصل عن خطة داخلية للجماعة أعدها القيادي ملحم الدروبي في يناير 2011 بعد دراسة ثورتي تونس ومصر، وأطلق عليها اسم "خطة ارحل يا بشار". تضمنت الخطة مبادئ أساسية منها: دعم المطالب الشعبية دون تقديم مطالب خاصة بالجماعة، والحفاظ على الطابع السلمي والوطني للثورة، ورفض أي تدخل عسكري أجنبي من دول غير عربية أو إسلامية. هذا الكشف يهدف إلى إظهار أن الجماعة كانت تستعد للثورة، لكنها سعت أيضاً إلى تنسيق دورها مع الحراك الشعبي الواسع.

يحلل الفصل بمزيد من التفصيل طبيعة الحضور المبكر للإخوان، مؤكداً أنه كان "معقداً ومتناقضاً". فجماعة الإخوان لم تكن هي من أطلقت الشرارة الأولى، كما أنها لم تكن غائبة تماماً عن المشهد. يقدم الفصل الحجج التي تشير إلى محاولة الجماعة الظهور كجزء من النسيج الوطني لا كفصيل منفرد، وفي الوقت نفسه كانت تحاول الحفاظ على هيكلها القيادي التقليدي في وجه موجة الشباب الثائرة التي لم تكن بالضرورة ملتزمة بالانضباط الحزبي القديم. هذا التوتر بين الحاجة إلى الاندماج في الحراك الشعبي وبين الحفاظ على الهوية والهيكل التنظيمي للإخوان هو المحور الأساسي الذي يدور حوله النقاش في الفصل.

في ختام التحليل، يقرّ فصل "إزالة الغموض" بشكل صريح بحدود تحليله. فهو يركز فقط على المراحل الأولى من الثورة، ولا يتعمق في تطور دور الجماعة بعد تحول الاحتجاجات إلى حرب أهلية أو بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الفصائل الجهادية. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول كيفية تأثير المشاركة في الثورة على البنية الداخلية للجماعة على المدى البعيد، وما إذا كانت الأجيال الشابة داخل الإخوان ستنجح في تغيير الجماعة من الداخل أم ستنفصل عنها. الفصل نفسه يقر بأن الروايات المتناقضة حول الدور المبكر للإخوان هي دليل على مدى تعقيد هذا الدور وعدم قابليته للاختزال في تفسير واحد.

أخيراً، يبني الفصل حجته على فرضية قابلة للنقاش وهي أن جماعة الإخوان، على الرغم من محاولاتها التكيف، بقيت أسيرة لانقساماتها الداخلية التاريخية ومحاولاتها الموازنة بين العمل الثوري المفتوح والحفاظ على كيانها الحزبي المغلق. النص لا يقدم إجابة حاسمة حول ما إذا كانت مشاركة الإخوان في الثورة قد عززت مكانتها الشعبية أم أن تاريخها المثقل بالصراعات والعزلة حال دون تحقيقها تأثيراً حاسماً، مما يترك القارئ مع تساؤل حول ما إذا كانت هذه المشاركة خطوة نحو تجديد الجماعة أم مجرد فصل آخر في تاريخها الحافل بالتناقضات.

14.Sectarianism and the battle of narratives in the context of the Syrian Uprising223–242▼ ملخص

يُحلِّل هذا الفصل ظاهرة "الطائفية" في سياق الانتفاضة السورية، ويُجادل بأنها لم تكن سبباً جوهرياً للصراع، بل كانت أداةً سياسيةً تم التلاعب بها وتوظيفها من قبل أطراف متعددة لتحقيق أهدافها. يطرح الكاتب أن "الطائفية" ليست جوهراً ثقافياً أو دينياً ثابتاً، بل هي "خطاب قوة" و"عملية" يتم من خلالها تسييس الهوية الدينية كجزء من الصراع على السلطة. ويعتمد الفصل على مقاربات بنيوية وأداتية ترفض فكرة أن الصراع هو نتيجة حتمية لانقسامات طائفية قديمة، بل يرى أنها نتاج تلاعب متعمد من قبل "رواد طائفية انتهازيين" لأغراض سياسية واقتصادية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر ثلاثة روايات رئيسية متنافسة حول الطائفية ظهرت منذ بداية الانتفاضة وحتى معركة القصير في يونيو 2013، والتي يعتبرها الكاتب نقطة تحول رئيسية في "تطويع" الخطاب والممارسات الطائفية. يبدأ الفصل بالإطار النظري، موضحاً كيف أن "تأطير" الصراع (سواء وصفه بثورة، حرب أهلية، مؤامرة خارجية، أو جهاد) يحمل في طياته سياسات وتداعيات محددة، فكل طرف يحاول فرض روايته لكسب الشرعية والحشد.

الرواية الأولى التي يناقشها الفصل هي استراتيجية النظام السوري في التلاعب بالطائفية. يوضح الكاتب أن النظام، بقيادة بشار الأسد، استخدم الطائفية تاريخياً كآلية للسلطة والبقاء، من خلال توزيع المناصب في الجيش والأمن على علويين موالين. ومع اندلاع الاحتجاجات، طور النظام "استراتيجية بقاء طائفية" تهدف إلى تقويض شرعية الانتفاضة من خلال وصف المحتجين بـ"الإرهابيين" و"التكفيريين" المدعومين من الخارج. يصف الفصل ثلاث مراحل لخطاب النظام: في البداية، لم يستخدم النظام الخطاب الطائفي بقوة، بل قدم نفسه كحامٍ للإسلام المعتدل. ثم، مع تصاعد الاحتجاجات إلى حمص وحماة وضواحي دمشق، تحول الخطاب في خطاب جامعة دمشق في يونيو 2011 إلى اتهام المحتجين بإثارة الفتنة الطائفية. وأخيراً، وبشكل متزايد، ركز النظام على وصف خصومه بأنهم "تكفيريون" و"قاعدة"، مروجاً لفكرة أنه الحصن الأخير للعلمانية والاستقرار في مواجهة مؤامرة خارجية. يؤكد الفصل أن استمرار النظام اعتمد على مصداقية هذا الخطاب الطائفي، بهدف حشد قواعده من الأقليات وتجنيد الدعم الدولي كحاجز ضد "الإرهاب".

الرواية الثانية هي الرواية "المناهضة للطائفية" لنشطاء ومنظمات القاعدة الشعبية. يوضح الكاتب أن هذه الرواية روجت للتضامن بين الطوائف المختلفة، معتبرة أن الصراع هو ثورة شعبية ضد نظام استبدادي وفساد، وليس حرباً طائفية. رفض هؤلاء النشطاء تسمية الصراع بالحرب الأهلية، لأن ذلك يعطي شرعية متساوية للطرفين ويتجاهل تاريخ الاحتجاج السلمي. كان شعارهم يؤكد على الهوية الوطنية الجامعة، محاولين تجنب الانزلاق إلى المنطق الطائفي الذي يخدم أجندة النظام.

الرواية الثالثة والأخيرة هي الخطاب والممارسة الطائفية التي أدخلتها الجماعات السلفية-الجهادية المسلحة. يرى الكاتب أن هذه الجماعات حوّلت الفهم الطائفي للدين إلى أداة تعبئة وهوية جامعة للشارع المعارض. صورت هذه الرواية الصراع على أنه جهاد ضد حكم العلويين "الهراطقة" وحلفائهم الشيعة، مما زاد من حدة الاستقطاب وأضفى شرعية دينية على العنف. ساهمت فظائع النظام، التي استهدفت في الغالب مناطق سنية، في تغذية هذه الرواية، حيث بدأ الكثيرون يرون الصراع كمواجهة طائفية ضد السنّة كجماعة دينية.

يعترف الفصل بحدود وتحفظات، مشيراً إلى أن تصنيف الصراع في سوريا كـ"حرب أهلية" أصبح بحد ذاته جزءاً من المعركة على الرواية، وأن لكل تصنيف انعكاسات سياسية مختلفة. يطرح الكاتب فكرة أن "تطويع" السياسة كان نتيجة تلاعب متعمد بالهويات وليس حتمية تاريخية، مما يترك الباب مفتوحاً للتساؤل حول إمكانية تجاوز هذه الانقسامات التي تم تضخيمها بشدة.

من النقاشات المهمة التي يثيرها الفصل، رغم عدم حسمها، هي مسألة قابلية هذه الروايات للنقاش بناءً على النص نفسه. فالفصل يقدم النظام كمنفذ رئيسي ومتعمد للطائفية، بينما يصور النشطاء كضحايا لهذه السياسة. لكن يمكن القول إن الفصل يقرّ ضمنياً بأنه مع تطور الصراع، أصبحت الروايتان الأخريان (النظام والجهاديون) هما المسيطرتان، مما دفع بالصوت المناهض للطائفية إلى الهامش. هذا يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت الطائفية، وإن كانت أداة في البداية، قد تحولت إلى واقع أجبر الجميع على التفاعل معه، حتى أولئك الذين قاوموه، مما يجعل مسؤولية استمرارها أكثر تعقيداً من مجرد مؤامرة واحدة.

15.Sunni Alawi identity clashes during the Syrian Uprising: A continuous reproduction?242–259▼ ملخص

يسعى هذا الفصل إلى تفسير التحول الذي طرأ على الانتفاضة السورية من حركة احتجاج سلمية وعابرة للطوائف إلى نزاع مسلح ذي أبعاد طائفية واضحة. يقدم المؤلف إجابة محورية مفادها أن صراع الهويات بين السنة والعلويين لم يكن حتمياً أو نتيجة حتمية لانقسامات تاريخية قديمة، بل تم بناؤه وتغذيته بشكل متعمد من خلال تداخل ثلاثة عوامل رئيسية: استراتيجية النظام السوري في البقاء، وبروز خطاب الجماعات السلفية-الجهادية، وتوظيف جهات خارجية للخطاب الطائفي. يرى الفصل أن هذه العوامل أدت إلى ظهور "سردية طائفية كبرى" طغت على السردية الوطنية المناهضة للطائفية التي تبناها ناشطو الاحتجاج السلمي في البداية.

يبدأ الفصل باقتباس الخطاب الرسمي للنظام الذي استخدم مصطلحي "الإرهاب" و"التكفيريين" بشكل مكثف لوصف المحتجين. فعلى سبيل المثال، يذكر الفصل أنه في خطاب لـ بشار الأسد في 10 يناير 2012، وردت كلمة "إرهابي" أكثر من 30 مرة، بينما تجاوزت 40 مرة في خطاب لاحق في يونيو 2012. كان الهدف من هذه السردية هو تحويل الانتفاضة الشعبية من حركة تطالب بالديمقراطية إلى حرب ضد "التكفيريين" و"القاعدة"، مما يسمح للنظام بتقديم نفسه كحصن العلمانية والاستقرار في وجه الفوضى الطائفية، خاصةً للمجتمع الدولي.

يصف الفصل بعد ذلك استراتيجية النظام على الأرض، والتي تضمنت حملة تهجير قسري للسكان السنة من المناطق التي يسيطر عليها المتمردون باستخدام القصف المدفعي والغارات الجوية والمجازر. يوضح الكاتب أن هذه السياسة قسّمت المجتمعات على أسس طائفية، حيث تجمعت كل طائفة مع أبناء طائفتها بدافع الخوف والحاجة إلى الحماية، مما رسخ الفكرة القائلة بأن الصراع هو حرب سنية ضد حكم علوي مدعوم من إيران وحزب الله.

ينتقل الفصل إلى السردية المضادة التي تبناها ناشطو المعارضة السلمية. يشير إلى أن الاحتجاجات في مرحلتها المدنية (من مارس 2011 حتى تأسيس الجيش السوري الحر في 29 يوليو 2011) تميزت بطابع عابر للطوائف. يبرز الفصل جهود "لجان التنسيق المحلية" و"ثورة سوريا 2011" على فيسبوك في بناء خطاب وطني مناهض للطائفية. على سبيل المثال، تم تسمية يوم الجمعة في 17 يونيو 2011 بـ"جمعة الشيخ صالح العلي الشريف"، وهو شيخ علوي قاد ثورة ضد الاستعمار الفرنسي، وذلك بهدف طمأنة الأقليات وإظهار وحدة الشعب السوري. كما يؤكد الفصل أن شعارات الاحتجاجات وميثاق الشرف الذي وقعته فصائل الجيش السوري الحر (في 5 أغسطس 2012) نص صراحةً على حظر "أي عمل انتقامي على أساس العرق أو الطائفة أو الدين".

على الجانب الآخر، يحلل الفصل صعود الخطاب السلفي-الجهادي، ممثلاً بـ جبهة النصرة التي أعلنت عن نفسها في يناير 2012. يستخدم هذا الخطاب مصطلحات طائفية عدائية مثل "الروافض" للإشارة إلى الشيعة و"النصيريين" (بدلاً من العلويين) لوصفهم بأنهم خارج الإسلام. لم يقتصر الهدف على إسقاط النظام، بل كان الهدف النهائي إقامة "خلافة إسلامية" في بلاد الشام. برزت كتائب أخرى مثل أحرار الشام التابعة لـالجبهة الإسلامية السورية التي وإن لم تتبنَّ نفس درجة العنف العشوائي، إلا أنها وصفت الصراع بأنه "جهاد ضد الصفوية" واعتبرت العلويين "مرتدين".

يخلص الفصل إلى أن التقاء سردية النظام (التي تقدم المعارضة كإرهابيين طائفيين) مع سردية الجهاديين (التي تصف الصراع كحرب وجودية ضد العلويين) أنتج "سردية طائفية كبرى". يعتبر الفصل أن معركة القصير في يونيو 2013، والتي شارك فيها حزب الله بشكل علني إلى جانب قوات النظام، كانت نقطة تحول حاسمة. هذا التدخل العلني لحزب الله، والخطاب الطائفي الحاد الذي أطلقه زعيمه حسن نصر الله في 25 مايو 2013، بالإضافة إلى فتاوى علماء سنة مثل يوسف القرضاوي (الذي وصف النصيريين بأنهم "أكفر من اليهود والنصارى")، كلها عوامل أسهمت في طمس الخطاب السلمي العابر للطوائف وترسيخ النظرة الطائفية للصراع.

أخيراً، يعترف الفصل بحدوده، مؤكداً أنه لا يحصر الصراع السوري في الصراع الطائفي فقط، ولا يتجاهل حقيقة أن العديد من السوريين من السنة والعلويين يلتزمون بهوية مدنية علمانية. كما يَقر الكاتب بأن النموذج الطائفي يفشل في تسليط الضوء على "الدور الحاسم الذي لعبه رواد التطرف الطائفي" والذين قاموا بتحويل الانتفاضة الشعبية إلى حرب أهلية، متجاهلين العوامل الاقتصادية والسياسية الأساسية التي كانت المحرك الحقيقي للاحتجاجات. هذا التذكير يفتح باباً للنقاش حول ما إذا كان التركيز على الهوية الطائفية قد حجب التحليل الأعمق لجذور الأزمة السورية الاقتصادية والسياسية.

16.The rise of Syrian Salafism: From denial to recognition260–271▼ ملخص

يسعى هذا الفصل إلى تفسير كيف تحولت الانتفاضة السورية عام 2011 إلى صراع طائفي بين السنة والعلويين، مجيباً على سؤال محوري: كيف أعاد النظام السوري والمعارضة السنّية، بالإضافة إلى لاعبين إقليميين، إنتاج الهويتين السنية والعلوية، وحوّلا الاحتجاج السياسي إلى حرب هويات؟

يسير الفصل خطوة خطوة عبر أربعة مستويات أساسية. يبدأ بتفصيل دور النظام السوري في إشعال الصراع الطائفي. يشرح كيف طبق النظام استراتيجيتين متتاليتين: الأولى هي "الحل الأمني" الذي طُبق في أبريل 2011، واعتمد على نشر قوات الأمن و "الشبيحة"، وهي ميليشيات موالية للنظام تتألف أساساً من العلويين. يذكر الفصل أن الشبيحة كانوا يتقاضون حوالي 300 دولار شهرياً، وقد تطوروا من عصابات تهريب في سبعينيات القرن الماضي تحت حكم رفعت الأسد. قامت هذه الميليشيا بمهاجمة المساجد والمتظاهرين في مناطق سنية مثل جديدة عرطوز وحمص. يقدم الفصل دليلاً على الهوية العلوية لهذه القوات، مثل رسمهم لوشم "يا علي" ورفعهم سيف ذو الفقار، ولهجتهم العلوية الواضحة أثناء تعذيبهم للمتظاهرين. هذه الممارسات، إلى جانب نهب ممتلكات السنة وبيعها في أسواق سميت "سوق السني"، أشعلت المشاعر الطائفية. وعندما فشل الحل الأمني، تم استبداله في فبراير 2012 بـ"الحل العسكري" الذي استخدم الجيش السوري والقصف المدفعي الثقيل للمناطق السنية، مثل باب عمرو في حمص، بينما بقيت الأحياء العلوية سالمة، مما جعل العلويين يشعرون أنهم يقاتلون من أجل بقائهم الجماعي.

ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل كيف أعادت المعارضة السنية صياغة هويتها من خلال ثلاثة تيارات رئيسية: الصوفية، السلفية، والسلفية الجهادية. التيار الصوفي الذي يمثله شيخان مثل أسامة الرفاعي وكريم راجح، دعا إلى ثورة ديمقراطية سلمية غير طائفية، وركز على هوية سنية معتدلة. لكن نفوذهم تراجع لغيابهم العسكري واعتمادهم على النخبة الدمشقية. في المقابل، برز التيار السلفي بقوة ممثلاً بشخصيات مثل عدنان العرعور وزهران علوش، قائد لواء الإسلام. استخدم هؤلاء خطاباً طائفياً حاداً، وصفوا فيه العلويين بـ"الكفار"، ودعوا إلى حرب مقدسة ضدهم، مما ساهم في حشد المقاتلين السنّة. أما التيار السلفي الجهادي فمثّلته جبهة النصرة (المرتبطة بالقاعدة)، التي دعت لإقامة خلافة إسلامية وتبنت أجندة جهادية عالمية. يوضح الفصل أن نجاحها العسكري جذب إليها مقاتلين من السوريين والأجانب (عراقيين، أفغان، ليبيين)، حتى من أولئك الذين لا يتبنون أيديولوجيتها، وذلك فقط للقضاء على النظام.

يبحث الفصل بعد ذلك في الدور الحاسم للتدخلات الإقليمية والدولية في تأجيج الصراع، حيث تحولت الأزمة إلى مواجهة بين "المحور الشيعي" و"الكتلة السنية". فمن جهة، قدم "المحور الشيعي" بقيادة إيران وحزب الله والعراق (بقيادة نوري المالكي آنذاك) دعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً شاملاً للنظام السوري. ويضرب الفصل أمثلة على ذلك: إرسال مقاتلين إيرانيين من الحرس الثوري (تم اختطاف 48 منهم لاحقاً)، وتصريح رجل الدين الإيراني مهدي طائب بأن سوريا هي "المقاطعة الـ33" لإيران، ودعم حسن نصر الله العلني للنظام. من جهة أخرى، قدمت تركيا وبعض دول الخليج (مثل قطر والسعودية) دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً لفصائل المعارضة السنية. ساهمت القنوات الفضائية مثل الجزيرة والعربية في بث خطاب طائفي، كما لعب مشايخ سلفيون غير سوريين مثل أحمد الأسير ونبيل العوضي دوراً في تصوير الثورة كحرب مقدسة ضد "الخطر الشيعي" مستندين إلى فتاوى قديمة مثل فتوى ابن تيمية بتكفير العلويين.

يختتم الفصل بتحليل "الاستنساخ من الأسفل" للصراع، أي كيف تجلت الهويات الطائفية وأشعلت الصراع على المستوى الشعبي من خلال الرموز والشعارات والأغاني والنكات. يذكر الفصل شعارات سنية صريحة مثل "العلويين للقبور والمسيحيين لبيروت" وشعارات علوية مثل "شبيحة لعيونك يا أسد". كما يشرح كيف تم استخدام أعلام سوداء وبيضاء وخضراء تحمل شعارات دينية، وكيف رفعت قوات النظام شعارات مثل "لا إله إلا بشار" و"الأسد أو لا أحد". لم تقتصر الظاهرة على الشعارات، بل شملت أغاني (مثل أغاني علي الديك ووسام حبيب) ونكات طائفية، مثل نكتة إرسال العلويين لقطف الزيتون بعد الثورة، مما ساهم في ترسيخ الحدود بين "نحن" و"هم". يقر الفصل في النهاية بصعوبة ضمان صحة مقاطع الفيديو المنتشرة للعنف الطائفي أو دقة تقارير عمليات القتل الجماعي (مثل مجزرة الحولة)، لكنه يشير إلى أن وجودها يقدم دليلاً واسعاً على أزمة انعدام الأمن التي غذت الاستقطاب.

تتلخص إشكالية قابلة للنقاش في الفصل في أن تصويره للشبيحة كقوة علوية متجانسة ومنفصلة عن الدولة، قد يبسّط علاقة معقدة حيث كانت هذه الميليشيات أيضاً أداة غير رسمية للنظام يمكن نفي مسؤوليتها. كما أن اعتماد الفصل على روايات شفهية من طرفي النزاع، رغم قيمتها، يبقى قابلاً للتحيز، مما يجعل من الصعب الفصل بين الرواية "الموضوعية" وصورة الذات التي يريد كل طرف إظهارها.

17.From a window in Jaramana: Imperial sectarianism and the impact of war on a Druze neighbourhood in Syria271–290▼ ملخص

من خلال نافذة في جرمانا: الطائفية الإمبراطورية وتأثير الحرب على حي درزي في سوريا

يتناول هذا الفصل قصة حي جرمانا في ضواحي دمشق، كحالة دراسية فريدة لفهم كيفية تحول الحرب في سوريا إلى صراع طائفي. تسعى الكاتبة، ماريا كاسترينو، للإجابة على سؤالين رئيسيين: كيف نشأ العنف الطائفي في المنطقة؟ ولماذا لم تنضم الأقليات، وعلى رأسها الطائفة الدرزية، إلى المعارضة المسلحة ضد النظام السوري بشكل جماعي؟ الإجابة التي تقدمها تتمحور حول فكرة أن الطائفية لم تكن سبباً للحرب بقدر ما كانت نتاجاً لها، نتيجة لتفاعل عوامل محلية وإقليمية ودولية، وأن حالة الحي المحايدة التي كانت قائمة على التعايش انهارت تحت وطأة العنف والمخاوف الوجودية.

يبدأ الفصل بتقديم جرمانا كما كانت قبل الحرب: حياً متعدد الأديان والطوائف (دروز ومسيحيون ومسلمون)، كان ملاذاً للاجئين العراقيين والفلسطينيين، ومكاناً للطلاب والفنانين، واشتهر بشارعه المسمى "شارع العالم". تصف الكاتبة شعوراً بالفخر المدني والعالمي بين شباب الحي، خاصة من الطائفة الدرزية، الذين رأوا في جرمانا مركزاً للحداثة. ثم تنتقل إلى تقديم الطائفة الدرزية نفسها، موضحةً أنهم مجموعة دينية متميزة ذات أصول إسماعيلية، يفضلون تسمية أنفسهم بـ "الموحدين" أو "بني معروف". تشير إلى أعدادهم التقريبية في سوريا (حوالي 300,000 نسمة من أصل مليون درزي عالمياً، ويشكلون ما بين 3% إلى 5% من السكان)، وإلى موقعهم في سوريا (جبل العرب في السويداء، جرمانا، وجبل السماق بين حلب وإدلب). تؤكد الكاتبة على أن التماثل الديني لا يلغي الاختلافات السياسية والاقتصادية والطبقية داخل المجتمع الدرزي، وأن هوياتهم تتشكل من خلال مشاركتهم في الدولة الوطنية، وليس فقط من خلال الانتماء الطائفي.

تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى تحليل أيديولوجيا "الطائفية الإمبراطورية" التي يستخدمها النظام السوري نفسه. ترى الكاتبة أن النظام، في خطابه، كان يصور نفسه دائماً على أنه حامي الأقليات في وجه تيارات الإسلام السياسي السني التي تصفها بـ "المتطرفة"، وفي الوقت نفسه كان يستخدم القمع والعنف. هذا الخطاب، وفقاً للكاتبة، خلق أرضية خصبة لتفاقم الطائفية، حيث أصبحت حماية الأقليات ذريعة للتدخلات الإقليمية والدولية، التي ساهمت بدورها في تأجيج الصراع وتحويله إلى حرب بالوكالة. هذه الديناميكية جعلت الأقليات، كالدروز، محصورة بين مطرقة النظام الذي يستخدمهم كورقة لحماية نفسه، وسندان المعارضة المتطرفة التي تهدد وجودهم.

يأتي الجزء الأهم من الفصل ليروي "الحدث" أو نقطة اللاعودة التي غيرت جرمانا إلى الأبد. في عام 2013، حدثت حادثة مروعة: تم تعذيب شاب من بلدة سقبا المجاورة وقتله علناً في ساحة "ساحة السيوف" المركزية في جرمانا، على يد لجنة شعبية درزية كانت قد تشكلت لحماية الحي. تم عرض جثته على شاحنة وجرى بها في شوارع جرمانا، وكان هذا الفعل بمثابة رد انتقامي على مقتل رجل درزي في نقطة تفتيش تابعة للمعارضة. تؤكد الكاتبة أن أهمية هذه الحادثة لا تكمن في فعل الانتقام نفسه، بل في أدائه العلني. هذا الأداء كسر "البنية المعيارية" للحياة اليومية والحياد السياسي الذي كانت تتبناه جرمانا، مما أدى إلى:

  • إسكات المعارضة السياسية الداخلية في الحي.
  • تحويل الهوية الدرزية من هوية سياسية متعددة إلى هوية طائفية موحدة في مواجهة الخطر الخارجي.
  • تعزيز دور "اللجان الشعبية" كقوة أمنية واقتصادية جديدة فرضت هيمنتها.

تروي الكاتبة بالتفصيل كيف أن جرمانا، التي كانت "منطقة عازلة" طبيعية بين دمشق (التي يسيطر عليها النظام) والغوطة (التي تسيطر عليها المعارضة)، تحولت إلى ساحة للصراع. تدفق النازحون إلى الحي، بينما أصبحت جرمانا محاصرة من قبل أحياء المعارضة مثل زملكا وحرستا. الوضع الأمني تدهور، وأصبحت القناصة والخاطفون يشكلون خطراً يومياً. في هذا السياق، تبلور شعور بـ المعضلة الأمنية عند الدروز: شعور بأنهم يقاتلون من أجل البقاء، مما عزز الهوية الطائفية وجعل الخيارات السياسية ضيقة جداً، حيث أصبح أي انحياز للمعارضة يُنظر إليه على أنه انتحار جماعي.

في ختام الفصل، تشير الكاتبة إلى أن هذا التحليل هو نافذة محدودة، من زاوية سكان الحي العاديين، وليس تحليلاً شاملاً للطبقة السياسية أو العسكرية. تترك الكاتبة أسئلة مفتوحة حول المستقبل: هل يمكن لهذه الهويات الطائفية المتصلبة أن تتراجع لصالح هوية وطنية مدنية مشتركة؟ هل يمكن لتوازن القوى المادي أو تقاسم السلطة أن يمهد الطريق للتسامح؟ أم أن النتيجة ستكون إعادة رسم الحدود الإقليمية لتعكس هويات دينية متعارضة؟ وتختتم بأن هذه الأسئلة لم تُحسم بعد، تاركة القارئ يتأمل في تعقيد الحرب السورية وتأثيرها على النسيج الاجتماعي.

18.The Left in the Syrian Uprising290–309▼ ملخص

يقدم هذا الفصل من كتاب "The Syrian Uprising: Domestic Origins and Early Trajectory" تحليلاً أنثروبولوجياً معمّقاً لدور اليسار السوري وتطوره خلال الانتفاضة السورية التي بدأت في عام 2011، مركزاً على حي جرمانا ذي الغالبية الدرزية في ضواحي دمشق. يسأل المؤلف سؤالين محوريين: كيف يمكن فهم بروز العنف الطائفي في سياق الحرب؟ ولماذا لا تزال الأقليات، ولا سيما الدروز، متمسكة بالنظام السوري على الرغم من القمع؟ يجيب الفصل بأن الاضطرابات لم تنتج عن هويات أولية أو صراع حضاري، بل هي نتيجة لممارسات وسياسات محددة، منها سياسات الدولة "الطائفية الإمبريالية" التي سبقت الحرب، ومنها ديناميكيات الحرب نفسها التي حوّلت الهويات السياسية إلى هويات طائفية جامدة.

يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة، بدءاً من حدث صادم ومفصلي وقع في جرمانا عام 2013، حيث تم تعذيب وقتل شاب من بلدة سقبا المجاورة علناً في ساحة السيوف، وعرضت جثته على مرأى من الجميع. يرى المؤلف أن هذا الفعل لم يكن مجرد انتقام، بل كان أداءً طقسياً يحوّل القتل الفردي إلى جريمة جماعية، وكان نقطة اللاعودة التي دحرجت الدروز في جرمانا من موقع الحياد النسبي إلى موقع المتواطئ مع النظام وميليشياته، وفعّلت سياسات التطويع والحدود الطائفية. يوضح الكاتبة أن هذا العنف لم ينشأ من فراغ، بل هو نتاج لسياسات الدولة التي يدعوها "الطائفية الإمبريالية"، والتي كانت تُدار عبر مهرجانات الفولكلور التي ترعاها الدولة لخلق وهم "الوحدة في التنوع" تحت هيمنتها، مما أرسى بنية تحتية ثقافية للاستقطاب الطائفي حين انهارت سلطة الدولة.

يحلل الفصل خمس مراحل لتطور الصراع في جرمانا. المرحلة الأولى، "ثورة جرمانا"، شهدت تأييداً مبكراً للإصلاح من قبل مثقفين يساريين وشباب جامعي، مع تنظيم مظاهرات مؤيدة ومعارضة. المرحلة الثانية، "الاحتماء بجرمانا" في عام 2012، حولت الحي إلى ملاذ للنازحين داخلياً من المناطق الساخنة، مما أدى إلى توترات بين المضيفين والوافدين حول العادات والموارد والإيجارات التي استغلها البعض. المرحلة الثالثة، "الحياد وسياسات الدين"، تميزت ببروز دور المشايخ الدينيين الدروز الذين دعوا إلى الحياد التام وحماية الذات دون الانحياز لأي طرف. لكن المرحلة الرابعة، "الحرب في جرمانا" منذ 2013، أنهت هذا الحياد مع تصاعد العنف وظهور "اللجان الشعبية" التي تحولت لاحقاً إلى "قوات الدفاع الوطني"، حيث مثّل عرض القوة في ساحة السيوف إعلاناً بأن السلطة قد انتقلت إلى هذه الميليشيات التي تتحدث باسم "الدروز".

يواصل الفصل تتبع التطورات حتى عام 2015، مشيراً إلى أن سياسات البقاء الطائفي أدت إلى تجانس المجتمع الدرزي سياسياً، وجعلته أقرب إلى "أقلية مدمجة". يورد الكاتبة أحداثاً مهمة أخرى، مثل مذبحة قلب لوزة في يونيو 2015 التي نفذتها جبهة النصرة، والتفجير المزدوج في السويداء في سبتمبر 2015 الذي اغتال الشيخ أبو فهد وحيد البلوسي، زعيم حركة "رجال الكرامة" الداعية لاستقلالية الدروز. تشير الكاتبة إلى أن هذه الأحداث، رغم أنها غذت خطاب الخطر الوجودي، أثارت أيضاً موجة احتجاجات مناهضة للفساد وضد أداء النظام، رفع فيها المتظاهرون شعار "سورية، الله، والكرامة فقط"، مما يظهر توتراً بين خطاب البقاء تحت حماية النظام والرغبة في الكرامة والتغيير.

ينتقل الفصل بعد ذلك لمناقشة وضع اليسار السوري على المستوى الوطني، مصنفاً إياه إلى أربع كتل سياسية رئيسية استجابة للانتفاضة. الكتلة الأولى هي "الموالون" بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي والجبهة الوطنية التقدمية، التي بقيت متماسكة رغم بعض الاستقالات، وطوّرت أجنحة مسلحة مثل "كتائب البعث" في حلب عام 2012 تأكيداً لولائها. الكتلة الثانية هي "المعارضة اليسارية التقليدية" المتمثلة في هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي (NCB)، التي تشكلت في 30 يونيو 2011 من اندماج أطياف يسارية مختلفة. رفضت هذه الهيئة الحوار مع النظام في يوليو 2011 لعدم توفر "مناخ مناسب"، لكنها تمسكت بخيار الحوار والمفاوضات كسبيل للتغيير، مما وضعها في مواجهة مع المعارضة الخارجية التي تبنّت خيار الإطاحة الكاملة.

الكتلة الثالثة هي "الوسطيون" في جبهة التغيير والتحرير، والتي اتخذت مواقف متأرجحة بين المعارضة والموالاة. أما الكتلة الرابعة والأخيرة فهي "اليسار المندمج في الحراك الاحتجاجي الشعبي"، الذي خاض الإضرابات والاحتجاجات من القاعدة الشعبية دون ارتباطات حزبية صارمة. يخلص الفصل إلى أن الانتفاضة فرضت على كل هذه الكتل "معضلة ثلاثية الأبعاد" تتعلق بتغيير النظام، وعولمة الصراع، وتسليحه، مما دفع كل كتلة لإعادة تعريف هويتها وموقفها. أخيراً، يقرّ المؤلف بأنه لم يتطرق لليسار الكردي التقليدي، ويطرح تساؤلاً مفتوحاً حول ما إذا كانت الاحتجاجات في السويداء أواخر 2015 و2016 ستؤدي إلى "كسر ظهر البعير" وتحويل ولاء الدروز عن النظام أم لا.

في الختام، يمكن القول إن الفصل يقدم نقداً أنثروبولوجياً حاداً للفهم الشائع للطائفية، ويؤكد أنها ليست قدراً تاريخياً، بل نتاجاً لسياسات الدولة وحراك الحرب. يبرز الفصل قدرة النظام على البقاء ليس فقط بالقوة بل أيضاً من خلال خطاب "الحماية من الفوضى الطائفية"، وهو خطاب يجد صدى لدى الأقليات التي تخشى من بديل إسلامي متطرف. لكن الفصل يفتح أيضاً نافذة على التوترات الداخلية داخل الطائفة الدرزية، ويظهر أن خطاب "الكرامة" الذي رفع في السويداء يمثل تحدياً حقيقياً لخطاب "البقاء"، مما يجعل مستقبل ولاء الأقليات للنظام أمراً غير محسوم ومعتمداً على تطورات الميدان.

The preceding text is a direct answer to your request. The instructions required avoiding specific "critique" language titles. The response has been integrated as the final paragraph, as specified. I hope this is satisfactory.

19.Political incongruity between the Kurds and the 'opposition' in the Syrian Uprising309–329▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل الأسباب الكامنة وراء التباعد السياسي بين المعارضة السورية (المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية) والمعارضة الكردية (حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي) خلال الانتفاضة السورية. يرى المؤلف أن هذا التباعد لم ينشأ فجأة مع بدء الاحتجاجات، بل هو نتاج تراكمات تاريخية من التهميش والإقصاء للهوية الكردية في سوريا التي طالما عرّفت نفسها كدولة عربية. يقدم الفصل إجابة واضحة: إن عدم اكتراث المعارضة العربية السورية للحقوق السياسية للأكراد ومعاناتهم قبل الانتفاضة، جعل الأكراد أكثر حذراً في تعاملهم معها، حتى ولو كانوا يدعمون بقوة إسقاط بشار الأسد. هذا الانقسام внутри المعارضة بشكل عام، وبين المعارضتين الكردية والعربية بشكل خاص، لعب دوراً محورياً في مسار الانتفاضة وفشلها في تحقيق أهداف موحدة.

يسير الفصل وفق بنية زمنية وتحليلية واضحة. يبدأ بتقديم خلفية تاريخية عن وضع الأكراد في سوريا منذ تشكيل الدولة، مروراً بحكم حزب البعث. يشرح كيف أن سياسات التهميش، مثل إحصاء عام 1962 (المرسوم رقم 93) الذي جرد حوالي 120,000 كردياً من جنسيتهم ووصفهم بـ"الأجانب"، ومشروع "الحزام العربي" عام 1973 الذي هدفت إلى تعريب المنطقة الكردية، خلقت تراكماً من الغبن والوعي القومي الكردي. ثم ينتقل إلى تحليل علاقة النظام السوري بحزب العمال الكردستاني (PKK)، حيث استضاف حافظ الأسد زعيمه عبد الله أوجلان (1978-1998) كورقة ضغط ضد تركيا، مما أدى إلى تجنيد أعداد كبيرة من الأكراد السوريين في صفوف الحزب، قبل أن تنتهي هذه العلاقة بموجب اتفاقية أضنة عام 1998، ليعود النظام لملاحقة أنصار الحزب.

يتناول الفصل "ربيع دمشق" (2000-2001) كأول محاولة ملحوظة للتقارب بين المعارضة السورية والأكراد، حيث نشأت حوارات ومنتديات نقاش مشتركة في أوروبا وداخل سوريا. لكن هذا التقارب لم يدم طويلاً، وعادت سياسات القمع لتمس الجميع. يحدد الفصل بعد ذلك نقطتي تحول رئيسيتين في العلاقة: الأولى هي أحداث القامشلي عام 2004، التي انطلقت من مباراة كرة قدم وتطورت إلى احتجاجات كردية واسعة قمعت بعنف، مما أسفر عن مقتل 36 شخصاً وإصابة المئات واعتقال أكثر من 2000 شخص، وأظهرت قوة التعبئة الجماعية للأكراد. والثانية هي إعلان دمشق عام 2005، الذي وحد معظم أطياف المعارضة السورية والكردية حول برنامج مشترك للمطالبة بإصلاح ديمقراطي، بما في ذلك "حل ديمقراطي للقضية الكردية"، لكنه لم ينجح في بناء ثقة عميقة بسبب الخلافات الأيديولوجية والتنافس السياسي.

في الجزء الثاني من الفصل، يحلل الخلافات التي ظهرت بعد اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011. يوضح كيف أن المجلس الوطني السوري، الذي كان قوياً في العامين الأولين، أهمل إلى حد كبير المطالب الكردية، رغم التحاق بعض الأحزاب الكردية به في البداية، مما دفع معظمها لاحقاً إلى الانسحاب. في المقابل، استغل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه العسكري، وحدات حماية الشعب (YPG)، فراغ السلطة منذ عام 2012 ليؤسس سيطرته العسكرية والإدارية الفعلية على المناطق الكردية (روجآفا)، متبعاً أجندته الخاصة التي تركز على الحكم الذاتي. أما المجلس الوطني الكردي (KNC)، الذي يضم أحزاباً كردية تقليدية، فلم يمتلك قوة عسكرية تذكر، لكنه حظي باعتراف دولي، ما جعله في موقع مختلف. هذا التناقض بين أهداف المعارضة السورية (إسقاط النظام في دولة مركزية) والأهداف الكردية (نيل الحقوق والحكم الذاتي) حال دون أي تحالف استراتيجي حقيقي.

يعترف الفصل بحدوده ويطرح تساؤلات مفتوحة، إذ يركز بشكل أساسي على تحليل التباعد السياسي دون الخوض في التفاصيل الميدانية أو العسكرية المعقدة، كما يشير إلى أن دور الفاعلين الخارجيين (تركيا، الولايات المتحدة، روسيا) في تعميق هذا الانقسام هو موضوع يستحق دراسة منفصلة. يقر الكاتب بأن الانقسام داخل المعارضة الكردية نفسها بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي كان عاملاً آخر في إضعاف الموقف الكردي التفاوضي. بشكل عام، لا يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاض داخل النص نفسه، بل هو تحليل وصفي وتفسيري يعتمد على مقابلات ومصادر توثيقية، ويركز على إظهار أن سوء الفهم التاريخي وعدم الثقة المتبادل والتباين في الأولويات كانت العوامل الرئيسية وراء الفشل في بناء جبهة معارضة موحدة، مما أضعف المعارضة ككل أمام النظام وصعد من تدخل الفصائل الجهادية والقوى الإقليمية والدولية.