المورد
ماري

ماري

frمنشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي

يطرح كتاب "ماري" موضوعاً محورياً حول ما حققته التنقيبات الأثرية في موقع تل حريري بعد عشرين موسماً من العمل، وكيف أعادت هذه الاكتشافات كتابة تاريخ الشرق الأدنى في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. يدافع المؤلف بقوة عن منهجية التنقيب التي اتبعها، والتي تعتمد على الكشف الأفقي الواسع، معتبراً أن تطبيق أساليب "التنقيب المجهري" البطيئة على موقع بهذا الاتساع سيكون "ضرباً من الزيغ"، ويحول دون الوصول إلى اكتشافات جوهرية كالقصور والمعابد والمكتبات الملكية. يسأل بشكل استنكاري: هل كان سيمكنهم باستخدام تلك الطرق البطيئة اكتشاف معبد عشتار، أو قصر زيمري ليم، أو مكتبة ماري؟ وبذلك يدافع عن نهجه العملي الذي أتاح لهم تحقيق هذه النتائج الهائلة في وقت محدود.

يسير الكتاب عبر سرد زمني صارم، حيث يبدأ الفصل الأول بتقديم إحصاءات عامة عن مجمل الاكتشافات التي تحققت بين عامي 1933 و1975. يذكر أن أعظمها كان قصر الألف الثاني الذي تبلغ مساحته هكتارين ونصف الهكتار كقطعة واحدة ويحتوي على أكثر من 300 غرفة وباحة. بالإضافة إلى ذلك، يشير إلى اكتشاف أقداس عديدة مخصصة لآلهة مثل عشتار وشمش ونينهورساغ وداغان، وزقورة، وأحياء سكنية كاملة، ومقبرة ضخمة. ويبرز أهمية كنوز فنية لا نظير لها مثل التماثيل بالحجم الطبيعي والعشرات من التماثيل الصغيرة النذرية، ورسوم جدارية يعتقد أنها معاصرة للرسوم الكريتية إن لم تكن أقدم، والأهم من ذلك مكتبة ملكية ضمت نحو 25 ألف لوحة مسمارية وثقت سجلات المدينة والدولة، مما مكّن من إعادة بناء تاريخ المنطقة في الألف الثاني. في الموسم الثاني (1934-1935) تم الكشف عن قصر زيمري ليم من الألف الثاني قبل الميلاد، واكتشفت المكتبة الملكية الأولى بـ 16 ألف لوحة مسمارية. وفي الموسم الثالث (1935-1936) ظهرت الرسوم الجدارية واللوحات الدبلوماسية، واستمرت المواسم المتعاقبة بالكشف عن المزيد من المعابد (شمش، عشتارات، نيني زازا، نينهورساغ) وتماثيل ملوك وموظفين، أبرزها تمثال الملك انكو شاماغان والتماثيل الدينية "الدبنية".

أهم مثال على ديناميكية التنقيب يظهر في الموسم الرابع عشر (1956-1957)، حينما كان الفريق منهمكاً في دراسة طبقات قصر زيمري ليم، فاكتشف بالصدفة قصراً أقدم من عهد "ما قبل سرجون" (الألف الثالث قبل الميلاد)، وهو ما فتح آفاقاً جديدة تماماً. المواسم التالية (الخامس عشر إلى العشرين) ركزت على هذا القصر المتراكب، واكتشفت فيه "كنزاً" من الجرار البرونزية، وقرابين أساسات، ومنحوتات تصور مشاهد حرب وأسر، مما يعكس تعقيد الحضارة في ذلك العصر. ويتوج الموسم العشرون (1975) هذه الرحلة باكتشاف ما يقرب من مائة لوحة مسمارية جديدة من السجلات الملكية تعود للقرن 18 ق.م، لتضاف إلى 23 ألف لوحة اكتشفت قبل الحرب. مع ذلك، لا يخفي المؤلف حدود هذه الإنجازات، فهو يعترف صراحة بأنه "لا يمكننا في الحالة الراهنة من التنقيبات تحديد أصول ماري بدقة"، وذلك بسبب الافتقار إلى سبر طبقي عميق وواسع يصل إلى الأرض البكر. السبب هو أن كل محاولة للوصول إلى أقدم العصور كانت تعترضها اكتشافات أفقية مفاجئة (قصور ومعابد) كانت تستحوذ على الجهود. الاستثناء الوحيد كان في عام 1964، حين تم الوصول إلى عمق 8.5 متر في حفرة داخل معبد شمش، مما كشف عن قطع خزفية رمادية تعود للألف الرابع قبل الميلاد، وهي مماثلة لقطع وجدت في شافغار بازار والمستوى 8 من نينوى، مما يعطي لمحة عن أقدم استيطان في الموقع.

يتناول الكتاب في فصوله التالية تفصيلاً دقيقاً للحضارة المادية والدينية في ماري خلال الألف الثالث قبل الميلاد، مركزاً على فترة حكم سلالة حكمت لمدة 1155 سنة. يناقش التماثيل التي تم اكتشافها، مثل تمثال لمجي-ماري من معبد عشتار وتمثال إيكو-شاماغان من معبد نيني-زازا، والتي تؤكد وجود ملوك لم ترد أسماؤهم في النصوص. يصف الكاتب تمثال "الزوجان المتضامان" كدليل على تفتح ثقافة "رافدية" تمتزج فيها العناصر السومرية والسامية، مما أدى إلى فن "شديد التنوع والصقل" رغم قسوته الجوهرية. يستخدم هذا المثال لدعم أطروحته عن الطابع "الرافدي" للثقافة، مقارناً إياه بتماثيل نيبور التي تفتقر إلى هذا التعبير العاطفي، موضحاً أن الثقافة السومرية وحدها لم تكن لتستطيع التعبير عن العاطفة بهذا الشكل. ينتقل بعد ذلك لمناقشة هوية التماثيل النسائية، مسلطاً الضوء على حالة أورنينا التي أثارت جدلاً حول ما إذا كانت تمثل موسيقية أم مغنية، وتطور فهمهم لمجموعة الرؤوس النسائية التي ترتدي "البولوس" والتي اعتقدوا في البداية أنها تمثل الإلهة عشتار ثم توصلوا إلى أنها على الأرجح تمثل كاهنات.

يوثق الكتاب بعناية تفاصيل الحياة اليومية والدينية من خلال القطع الأثرية. يتحدث عن "ودائع الأساسات" المكونة من مسامير نحاسية ولوحات من اللازورد والفضة، وعن الأواني الحجرية المتنوعة والدمى الحيوانية، وعن لوحات الفسيفساء الصدفية التي تصور مشاهد الحرب والحياة اليومية، مثل لوحة "العلم". يخصص فقرة مهمة لـ "كنز أور" الذي تم اكتشافه عام 1956/1957 في إحدى جرار الأساسات، والذي احتوى على قطع فنية ثمينة من بينها نسر برأس أسد من اللازورد والذهب، وخرزة منقوشة باسم ميزانيبادا ملك أور. يصف الكتاب ثلاثة أنواع من المنشآت المعمارية: المساكن الخاصة ذات التخطيط المدني المحكم بشوارع مستقيمة، والمعابد التي تعتبر "بيت الرب" والمخصصة للعبادة الفردية وتتميز بوجود "قدس" واحد أو اثنين وساحات وممرات وقوارب طينية لإراقة السوائل، والقصور وخصوصاً قصور عهد ما قبل سرجون التي تمثل الإنجاز المعماري الأكبر. اكتشف المنقبون تحت قصر زيمري-ليم من الألف الثاني، قصرين متراكبين من الألف الثالث أطلق عليهما "القصر الأعلى" و "القصر الأسفل"، ويصف الكتاب بالتفصيل عظمة عمارتها التي بنيت بالكامل من الطوب اللبن بجدران سميكة وأبواب ضيقة وصولاً إلى "السور المقدس" الذي بلغ ارتفاعه الإجمالي 11.64 متراً.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى التطور المعماري والديني في ماري خلال فترتي الحكم الأكادي وسلالة أور الثالثة. يصف العهد الأكادي حيث تجلى نفوذ ملوك أكاد في بناء معابد سفلى أو "مغلّفة" تتميز بمذابح من اللبن مزينة بدعامات وتجاويف مطلية بالبيتوم. يظهر في هذه الفترة طراز نحت جديد يُعرف باسم "الكوناكس"، يتميز برداء وقبعة صغيرة، ويختلف عن الطراز السومري اللاحق في عهد أور الثالثة. يدعم هذه الصورة اكتشاف جرة فخارية كبيرة مزينة بأفعال ملتفّة، مملوءة بعظام أغنام، تُستخدم كأضاحٍ، وتتوافق مع نصوص تشير إلى تقديم ستة رؤوس غنم لكل من الإلهين نينهورساغ وداغان. يصف الكتاب بعد ذلك عهد سلالة أور الثالثة حيث كانت ماري ضعيفة وخاضعة لنير ملوك أور، وحُكمت من قبل حكام محليين يُدعون "شاكاناك". يصف توسع معبد نينهورساغ في هذه الفترة وإضافة بوابة ذات عمودين من طراز "حيلاني"، مع وجود ودائع تأسيسية في الزوايا تحمل نقشاً يشير إلى الحاكم نيوار مير والحاكم التالي إيشتوب إيلوم الذي بنى مجموعة معمارية جديدة ويُعتبر ممثلاً لملك أور.

يخصص الكتاب وصفاً مفصلاً لـ "معبد الأسود" أو معبد داغان الذي بناه إيشتوب-إيلوم، وهو هيكل مستطيل يفضي إلى ساحة ومزود بمذابح، وقد دفع ضيق المدخل وغموضه إلى الاعتقاد بأنه كان مخصصاً لشعائر سرية واحتفالات دينية خاصة، ربما تضم طقوس الزواج المقدس على أسرة. تم العثور على ثلاث ودائع أساس من أصل أربع تحتوي على ألواح برونزية ومسامير، ولوحتين من الحجر الجيري والشيست تحملان نقشاً يذكر إيشمي-داغان وابنه إيشتوب-إيلوم كحاكمين لماري، ويكرس المعبد للإله داغان، رب الفرات الأوسط وسيد المنطقة. يصف الكتاب بعد ذلك زقرة عهد أور الثالثة (حوالي 2100 ق.م)، وهي مستطيلة الشكل (45م × 26م) ومبنية من اللبن بالكامل، وتستند إلى الواجهة الجنوبية الشرقية من الزقرة. تبلغ مساحة الساحة المحيطة حوالي 900 م²، وتتكون من طبقتين من الحصى تغطيان ردمًا أحمر اللون من "الكتلة الحمراء". يصف الكتاب "طريقاً للطواف الديني" مصنوعاً من بلاط اللبن، ومشكلة الصعود إلى الزقرة عبر مدارج بدون درجات.

يصف الكتاب قصر زيمري-ليم الذي يُعتبر درة العمارة الشرقية القديمة وواحداً من عجائب العالم القديم، لدرجة أن ملك أوغاريت أرسل ابنه لزيارته. تبلغ مساحته حوالي 2.5 هكتار، ويضم نحواً من 300 غرفة وباحة، وله باب واحد في الشمال يتقدمه مدرج حجري. يتكون القصر من عدة كتل معمارية، تشمل باحة كبيرة مبلطة بأجر مربع جميل تُدعى "باحة النخيل"، وقاعة جلسات الملك (195) التي يصعد إليها بدرج نصف دائري مهيب، وغرفة نوم الملك والملكة المجهزة بحمام فخم بمغطسين وسخان ماء ومصطبة، ومدرستين (52 و55) تتسعان لـ 66 و34 مقعداً على الترتيب مع بقايا أدوات كتابة. يصف الكتاب أيضاً الجناح المخصص للموظفين المجهز بدورات مياه كاملة، والمطابخ ومخازن المؤن، ومعبداً صغيراً يستخدم للعبادة. الأهم من ذلك، يصف الكتاب اللوحات الجدارية الرائعة، أبرزها مشهد "تنصيب الملك" الذي يصور الإلهة عشتار تمنح ملك ماري (زيمري-ليم) رمزي السلطة (العصا والحلقة)، بالإضافة إلى رسوم تصويرية لشجرات نخيل وكائنات تُفسّر بأنها عناصر من الجنة والملائكة الحارسة، معترفاً بتشابهها مع عناصر من سفر التكوين التوراتي.

ينتقل الكتاب إلى الثراء الاستثنائي للألواح الطينية في مملكة ماري، مركزاً على أنها نافذة حية على تفاصيل الحياة اليومية والسياسية والدينية في الألف الثاني قبل الميلاد. من خلال المراسلات الملكية، نتعرف على سفراء مثل إيبال-بي-أبل في بابل وسيدقو-لاناسي في كركميش، وضباط مثل آمور-آشور ومجدى-حدو، وعرافين مثل حدو-باني ونارام-سين، وحتى مهنيين كالطبيب أبيبّق-سين والخباز آكيا. يبرز الكتاب شخصية الملكة شيبتو القوية، ابنة ملك حلب باريم-ليم وزوجة الملك زيمري-ليم، التي لم تكن مجرد زوجة محبة، بل كانت وصية على العرش في غيابه، تضع ختمها الأسطواني على الأبواب والمستودعات، مما جعل حتى المسؤول الكبير موكانيشوم لا يستطيع دخولها دون إذنها. نقرأ رسائلها التي تطمئن زوجها على سلامة القصور والمعابد، وتتمنى له النجاح في الحرب، وترسل له معطفاً وثوباً من صنع يديها، ومن بين أشدها تأثيراً تلك التي تخبره فيها بوضعها لتوأمين، صبي وبنت، طالبة منه أن يفرح.

يؤكد الكتاب أن الملك زيمري-ليم كان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، من إصلاح جدار في ساغاراتيم، إلى إرسال طبيب لعلاج أذن على بعد أميال، أو مكافحة جراد، أو استرداد ثور مريض. هذا التدخل المباشر كان أسلوباً للحكم، وهو ما يظهر في قصص مروعة مثل عرض رأس مقطوع لرجل يدعى حانيان لإرهاب السكان، أو تهديد الحاكم كيبري-داغان للمتهربين من الخدمة العسكرية بالخوزق. في المقابل، يُظهر الملك جوانب إنسانية، كاهتمامه بمصير فتيات صغيرات أرسلهن له المسؤول دام-حوراسي، أو حرصه على تعليم الموسيقى لبنات بحدون-ليم. يتعمق الكتاب في المعتقدات الدينية، موضحاً إيمان الملك المطلق بالتنبؤات والعرافة، حيث نقرأ عن هيدو-دوري الذي يحذر الملك من مغادرة المدينة بناءً على فأل، وعن داغان رب معبد ترقا الذي يأمر بتقديم القرابين الجنائزية عن بحدون-ليم.

يخصص الكتاب جزءاً كبيراً لمناقشة جماعات ظهرت في النصوص مثل الخبيرو، الذين كانوا مرتزقة وعصابات معادية، والبنيامين أو بني-يمينا. هنا يقدم المؤلف جدالاً دقيقاً: لا توجد صلة قبلية بينهم وبين بنيامين ابن يعقوب، لكن تشابه الأسماء لا يمكن أن يكون محض صدفة، مما أثار جدلاً بين الباحثين. يربط الكتاب بين طرق التواصل بالإشارات الضوئية لدى البنيامين القدماء وتلك المذكورة في سفر إرميا، وبين مصطلح «قتل الدمدوم» واسم الملك داود. هذه الاكتشافات، كما يجادل المؤلف، تجعل من المستحيل الاستمرار في النظر إلى قصص العهد القديم البطاركية على أنها مجرد أساطير، بل تضعها على أرضية تاريخية صلبة بعد انهيار «القصور الورقية» للتفسيرات القديمة. يصف الكتاب كيف أن "الحصاد الأثري في السنوات الأربعين الأخيرة يقلب كل هذه الأفكار".

أخيراً، ينتقل الكتاب إلى الساحة السياسية الكبرى في عهد حمورابي، موضحاً كيف كان على زيمري ليم أن يناور بين مملكته والممالك الأخرى في زمن لم يكن فيه ملك واحد قوي. في البداية، لم تكن هناك دولة موحدة، بل مملكة بابل ومملكة لارسا ومملكة اشنونة ويمحاض، فكان هناك 10 إلى 15 ملكاً يتبعون حمورابي في بابل، ومثلهم يتبعون ريم سين في لارسا، وعشرون ملكاً يتبعون ياريم ليم في يمحاض. انحاز زيمري-ليم في البداية نحو بابل ونجدتها، مخصصاً سنتين من حكمه لذلك. لكن بعد سقوط لارسا في السنة 31 من حكم حمورابي، أصبحت بابل طليقة اليدين، وبعد سنوات قليلة، ربما في السنة 35 من حكم حمورابي، سقطت ماري نفسها. يعزو المؤلف مسؤولية خراب المدينة إلى الملك البابلي حمورابي، مستنداً إلى عدة قرائن: وجود مبنيين متداخلين على السور الشرقي دليلاً على استعدادات دفاعية متسرعة، والدمار الواسع في التماثيل المقطوعة الرؤوس والرسوم المطرقة، والأهم من ذلك غياب أي مراسلات دبلوماسية أو سجلات اقتصادية تذكر أي ملك بابلي خلف حمورابي، مما ينفي تورط الحثيين أو الكاشيين في التدمير.

يختتم الكتاب برؤية تأملية حول معنى هذا الاكتشاف، مشبهاً ماري بمن مات ثم قام من جديد: ماتت بفعل جنود حمورابي، وقامت بفضل رجال القرن العشرين. لكن الكتاب يحذر من خطر جديد يهدد الأوابد المعمارية المبنية من اللبن، والتي تدمرها عوامل الطبيعة، لذلك تأسست جمعية «لإنقاذ موقع ماري» لحمايتها. ويختتم برسالة أن ماري هي جزء من تراث الإنسانية وأن هذا الكتاب يحاول منحها المكانة اللائقة بها في الطليعة. الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب تتمثل في الدفاع المنهجي العنيف عن "التنقيب الأفقي" ضد "التنقيب المجهري"، حيث يمكن القول إن التضحية بالدقة الطبقية في موقع معقد مثل ماري قد أفقدت الباحثين القدرة على فهم التطور التاريخي الدقيق للمدينة في أقدم عصورها، وهو ما يعترف به المؤلف نفسه عندما يقر بعدم إمكانية تحديد أصول ماري بدقة. كما أن الادعاء بأن حمورابي هو المدمر الوحيد لماري، رغم أنه مدعوم بحجج أثرية ونصية، يظل محل نقاش بين الباحثين.

الفصول(8)

1.ماري في التاريخ13–24▼ ملخص

يطرح هذا الفصل السؤال المحوري: ما الذي حققته تنقيبات ماري بعد عشرين موسماً من العمل في موقع تل حريري، وما هي الصورة التاريخية التي أمكن إعادة بنائها بفضل هذه الاكتشافات؟ لا يكتفي المؤلف بعرض النتائج، بل يدافع بقوة عن منهجية التنقيب التي اتبعها، والتي تعتمد على الكشف الأفقي الواسع، معتبراً أن تطبيق أساليب "التنقيب المجهري" البطيئة على موقع بهذا الاتساع سيكون "ضرباً من الزيغ"، ويحول دون الوصول إلى اكتشافات جوهرية كالقصور والمعابد والمكتبات الملكية.

يسير الفصل بتسلسل زمني صارم، حيث يسرد تاريخ التنقيب موسمًا تلو الآخر على مدى أربعين عامًا (من 1933 إلى 1973). يبدأ بالموسم الأول (1933-1934) الذي شهد أولى الأدلة الحاسمة: العثور على تمثال صغير نقش عليه اسم "لمجي ماري"، وهو ما أكد أن التل هو موقع مدينة ماري. ثم يتوالى العرض بذكر المواسم المتعاقبة، ويستخدم المؤلف الصياغة التالية لكل موسم: تحديد التواريخ، ورشات العمل المفتوحة، وأهم المكتشفات. على سبيل المثال، في الموسم الثاني (1934-1935) تم الكشف عن قصر زيمري ليم من الألف الثاني قبل الميلاد، واكتشفت المكتبة الملكية الأولى (16 ألف لوحة مسمارية). وفي الموسم الثالث (1935-1936) ظهرت الرسوم الجدارية واللوحات الدبلوماسية.

يؤكد العرض على الطبيعة التراكمية والمتغيرة للاكتشاف، حيث كان كل موسم يعدّل الاتجاهات السابقة. ففي الموسم الرابع (1936-1937) انتهى التنقيب في معبد عشتار، بينما تم فتح ورش جديدة حول الزقورة ومعبد داغان. وقد توقفت الأعمال بسبب الحرب العالمية الثانية وما بعدها (ما بين 1939 و1951)، وهي فترة يشير إليها المؤلف بوصفها عائقاً كبيراً. بعد الاستئناف في الموسم السابع (1951-1952)، تنوعت الاكتشافات بين مقابر آشورية وسلوقية، وأختام أسطوانية، وجرار مزينة بمشاهد الأضحية. ومع المواسم اللاحقة (من الثامن إلى العشرين)، تم الكشف عن المزيد من المعابد (شمش، عشتارات، نيني زازا، نينهورساغ) وتماثيل ملوك وموظفين، أبرزها تمثال الملك انكو شاماغان والتماثيل الدينية "الدبنية".

أهم مثال على ديناميكية التنقيب يظهر في الموسم الرابع عشر (1956-1957)، حينما كان الفريق منهمكاً في دراسة طبقات قصر زيمري ليم، فاكتشف بالصدفة قصراً أقدم من عهد "ما قبل سرجون" (الألف الثالث قبل الميلاد)، وهو ما فتح آفاقاً جديدة تماماً. المواسم التالية (الخامس عشر إلى العشرين) ركزت على هذا القصر المتراكب، واكتشفت فيه "كنزاً" من الجرار البرونزية، وقرابين أساسات، ومنحوتات تصور مشاهد حرب وأسر، مما يعكس تعقيد الحضارة في ذلك العصر. ويتوج الموسم العشرون (1975) هذه الرحلة باكتشاف ما يقرب من مائة لوحة مسمارية جديدة من السجلات الملكية تعود للقرن 18 ق.م، لتضاف إلى 23 ألف لوحة اكتشفت قبل الحرب.

مع ذلك، لا يخفي المؤلف حدود هذه الإنجازات. فهو يعترف صراحة بأنه "لا يمكننا في الحالة الراهنة من التنقيبات تحديد أصول ماري بدقة"، وذلك بسبب الافتقار إلى سبر طبقي عميق وواسع يصل إلى الأرض البكر (التربة الأصلية غير الملموسة). السبب هو أن كل محاولة للوصول إلى أقدم العصور كانت تعترضها اكتشافات أفقية مفاجئة (قصور ومعابد) كانت تستحوذ على الجهود. الاستثناء الوحيد كان في عام 1964، حين تم الوصول إلى عمق 8.5 متر في حفرة داخل معبد شمش، مما كشف عن قطع خزفية رمادية تعود للألف الرابع قبل الميلاد، وهي مماثلة لقطع وجدت في شافغار بازار والمستوى 8 من نينوى، مما يعطي لمحة عن أقدم استيطان في الموقع.

في خاتمة الفصل، يقرر المؤلف عدم ترجيح أي من العصرين الذهبيين للمدينة: عصر الألف الثالث ("ما قبل سرجون") وعصر الألف الثاني ("عهد زيمري ليم"). يصفهما بأنهما متساويان في الروعة والاتساع والكمال المعماري، ويقول إن "القارئ سيحكم ويقرر من تلقاء ذاته"، واعداً بعرض عناصر "ملف ماري" بالتفصيل. يبدأ هذا العرض بالتركيز على عصر "ما قبل سرجون"، من 2334 إلى 2279 ق.م تقريباً، ويذكر السلالة العاشرة بعد الطوفان وفقاً للوحات التأريخ من نيبور وكيش، والتي كان أول ملوكها آنسود (الذي حكم ثلاثين سنة) وهو رئيس فرع من مئة ملك.

الحجة القابلة للنقاش بوضوح في الفصل هي الدفاع المنهجي العنيف عن "التنقيب الأفقي" ضد "التنقيب المجهري". بينما يرى المؤلف أن الأخير مناسب فقط لمواقع ما قبل التاريخ أو الكهوف، يمكن القول إن التضحية بالدقة الطبقية في موقع معقد مثل ماري قد أفقدت الباحثين القدرة على فهم التطور التاريخي الدقيق للمدينة في أقدم عصورها، وهو ما يعترف به المؤلف نفسه عندما يقر بعدم إمكانية تحديد أصول ماري بدقة.

2.الفصل الثاني13–24▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل محاولة لتقديم حصيلة شاملة لعشرين موسماً من التنقيبات الأثرية في موقع تل حريري، الذي يعود لمدينة ماري القديمة، ويوضح كيف أدت هذه الاكتشافات إلى إعادة كتابة تاريخ الشرق الأدنى في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. يطرح المؤلف أن النتائج التي توصلوا إليها، رغم توقف العمل بسبب الحرب العالمية الثانية وما تلاها، كانت كافية لتقديم صورة جديدة ومفصلة عن حضارة متطورة كانت ستظل مجهولة لولا هذه الجهود. ويؤكد أن حجم الاكتشافات وغناها تجاوز كل التوقعات، حيث تم الكشف عن مجمعات عمرانية ضخمة ومعابد وقصور ومكتبة ملكية تحتوي على آلاف الألواح المسمارية، مما يستلزم إعادة تقييم جذري للتاريخ المقبول في ذلك الوقت.

يسير الفصل عبر سرد زمني منهجي، حيث يبدأ بتقديم إحصاءات عامة عن مجمل الاكتشافات، ويذكر أن أعظمها كان قصر الألف الثاني الذي تبلغ مساحته هكتارين ونصف الهكتار كقطعة واحدة ويحتوي على أكثر من 300 غرفة وباحة. بالإضافة إلى ذلك، يشير إلى اكتشاف أقداس عديدة مخصصة لآلهة مثل عشتار وشمش ونينهورساغ وداغان، وزقورة، وأحياء سكنية كاملة، ومقبرة ضخمة. ويبرز أهمية كنوز فنية لا نظير لها مثل التماثيل بالحجم الطبيعي والعشرات من التماثيل الصغيرة النذرية، ورسوم جدارية يعتقد أنها معاصرة للرسوم الكريتية إن لم تكن أقدم، والأهم من ذلك مكتبة ملكية ضمت نحو 25 ألف لوحة مسمارية وثقت سجلات المدينة والدولة، مما مكّن من إعادة بناء تاريخ المنطقة في الألف الثاني.

ينتقل بعدها للحديث عن منهجية التنقيب التي يتبعها، ويدافع عنها بقوة ضد منتقديه الذين ينادون بطرق دقيقة ومجهرية أشبه بالتنقيب في كهوف ما قبل التاريخ. يرى المؤلف أن تطبيق هذه الطرق على موقع ضخم مثل ماري دون روية هو "ضرب من الزيغ"، ويؤكد أنهم استخدموا الأدوات الدقيقة عند الحاجة لكنهم ركزوا على الكشف الأفقي الواسع لاستخراج المعالم الكبرى. يسأل بشكل استنكاري: هل كان سيمكنهم باستخدام تلك الطرق البطيئة اكتشاف معبد عشتار، أو قصر زيمري ليم، أو مكتبة ماري؟ وبذلك يدافع عن نهجه العملي الذي أتاح لهم تحقيق هذه النتائج الهائلة في وقت محدود.

يخصص الجزء الأكبر من الفصل لسرد تفصيلي لكل موسم من مواسم التنقيب العشرين الممتدة بين عامي 1933 و1975، مع ذكر تواريخ البداية والنهاية لكل موسم، وأهدافه، وأهم الاكتشافات التي تحققت فيه. يبدأ بالموسم الأول 1933-1934 الذي شهد التعرف الأول على الموقع واكتشاف معبد عشتار مع تمثال صغير يحمل اسم لمجي ماري مما أكد هوية الموقع، وصولاً إلى الموسم العشرين 1975 الذي كشف عن قرابة 100 لوحة ملكية جديدة. خلال هذه المواسم، يتتبع القارئ تطور الاكتشافات: من معبد عشتار إلى القصر الملكي الضخم (الذي بلغ عدد غرفه 260 غرفة في موسم واحد)، ثم إلى القصرين المتراكبين من عهد ما قبل سرجون في الألف الثالث، والاكتشافات المتتالية لمعابد شمش وعشتارات ونيني-زازا وداغان، والمقابر الآشورية والسلوقية، بالإضافة إلى الكنوز البرونزية وتماثيل العبيد النذرية وقواقع الصدف المزخرفة.

لا يخلو الفصل من إقرار بحدود المعرفة وترك أسئلة مفتوحة، ويعترف المؤلف صراحة بأنهم لا يستطيعون تحديد أصول مدينة ماري بدقة بسبب نقص السبر الطبقي العميق حتى "الأرض البكر". يوضح أنهم كلما اعتزموا التعمق للوصول إلى أقدم الطبقات، كان يظهر اكتشاف غير متوقع يجبرهم على التوسع أفقياً. ويضرب مثالاً على ذلك بكشفهم عام 1964 عن قطع خزفية رمادية في حفرة داخل معبد شمش على عمق 8.50 متراً، والتي تماثل قطعاً من شافغار بازار ونينوى، مما سمح لهم بإرجاع عمر أقدم طبقة إلى الألف الرابع قبل الميلاد. في ختام الفصل، يترك المؤلف للقارئ مهمة الحكم على أي العصرين كان أكثر ازدهاراً: الألف الثالث (عهد "ما قبل سرجون") أم الألف الثاني (عصر قصور زيمري ليم). يرى أن كلا العصرين تميز بعمارة مذهلة واتساع وكمال، ويمتنع عن إعطاء الأفضلية لأحدهما، مكتفياً بتقديم "عناصر ملف ماري" ليقرر القارئ بنفسه، وهو بذلك يفتح باباً للنقاش حول أيهما يستحق لقب العصر الذهبي لهذه المملكة العظيمة.

3.ماري في الألف الثالث25–94▼ ملخص

يقدم هذا الفصل من كتاب "ماري" دراسة تفصيلية للحضارة المادية والدينية في مدينة ماري خلال الألف الثالث قبل الميلاد، مركزاً بشكل خاص على فترة حكم سلالة حكمت لمدة 1155 سنة. يستعرض الفصل الأدلة الأثرية التي تشهد على عظمة هذه المدينة، بدءاً من التحف الفنية والتماثيل وصولاً إلى العمارة الدينية والملكية، محاولاً فهم طبيعة المجتمع والدين والفن في تلك الحقبة.

يسير الفصل عبر عدة محاور رئيسية، في البداية يناقش التماثيل التي تم اكتشافها، مثل تمثال لمجي-ماري من معبد عشتار وتمثال إيكو-شاماغان من معبد نيني-زازا، والتي تؤكد وجود ملوك لم ترد أسماؤهم في النصوص. يشير الفصل إلى أن هذه التماثيل، رغم أنها تمثل أشخاصاً حقيقيين في بعض الأحيان مثل "الوكيل إيبيه-إيل"، إلا أنها غالباً ما كانت صوراً نمطية للمؤمنين. يصف الكاتب تمثال "الزوجان المتضامان" كدليل على تفتح ثقافة "رافدية" تمتزج فيها العناصر السومرية والسامية، مما أدى إلى فن "شديد التنوع والصقل" رغم قسوته الجوهرية.

بالانتقال إلى موضوع آخر، يناقش الفصل التحديات التي واجهها علماء الآثار في تحديد هوية التماثيل، خاصة تماثيل النساء مثل تمثال "أورنينا" التي اعتبروها مغنية أو راقصة، وتماثيل النساء المرتديات غطاء الرأس "بولوس" اللواتي اعتقدوا في البداية أنهن يمثلن الإلهة عشتار. مع اكتشاف المزيد من القطع، طوروا فهمهم معتبرين أن هؤلاء على الأرجح كاهنات. يطرح الفصل سؤالاً حول مكان وجود تماثيل الآلهة نفسها، مشيراً إلى أن الصورة تميل إلى الإجابة بأن هذه التماثيل نادرة جداً أو معدومة، وأن المنصة كانت ترمز إلى الحضور الإلهي غير المرئي.

يوثق الفصل بعناية تفاصيل الحياة اليومية والدينية من خلال القطع الأثرية. يتحدث عن "ودائع الأساسات" المكونة من مسامير نحاسية ولوحات من اللازورد والفضة، وعن الأواني الحجرية المتنوعة والدمى الحيوانية، وعن لوحات الفسيفساء الصدفية التي تصور مشاهد الحرب والحياة اليومية، مثل لوحة "العلم". يخصص الفصل فقرة مهمة لـ "كنز أور" الذي تم اكتشافه عام 1956/1957 في إحدى جرار الأساسات، والذي احتوى على قطع فنية ثمينة من بينها نسر برأس أسد من اللازورد والذهب، وخرزة منقوشة باسم ميزانيبادا ملك أور. يشير الفصل إلى أن الكنز ربما يكون هدية دبلوماسية، أو ودائع أساسات محفوظة.

يتحول التركيز بعد ذلك من القطع الصغيرة إلى العمارة الكبيرة. يصف الفصل ثلاثة أنواع من المنشآت: المساكن الخاصة، المعابد، والقصور. المعابد، مثل معابد عشتار ونيني-زازا، كانت تعتبر "بيت الرب" ومخصصة للعبادة الفردية. يتميز التصميم بوجود "قدس" واحد أو اثنين، وساحات وممرات، وقوارب طينية لإراقة السوائل. القصور، وخصوصاً قصور عهد ما قبل سرجون، تمثل الإنجاز المعماري الأكبر. اكتشف المنقبون تحت قصر زيمري-ليم من الألف الثاني، قصرين متراكبين من الألف الثالث أطلق عليهما "القصر الأعلى" و "القصر الأسفل" .

يصف الفصل بالتفصيل عظمة العمارة في هذه القصور، التي بنيت بالكامل من الطوب اللبن، بجدران سميكة وأبواب ضيقة، وصولاً إلى "السور المقدس" الذي بلغ ارتفاعه الإجمالي 11.64 متراً. يلفت الانتباه إلى التخطيط المدروس الذي يشمل منطقة رسمية (باحة رقم 15 للتجمعات) ومنطقة دينية (باحة رقم 29 وقاعة رقم 68 ومصلى). يقدم الفصل تحليلاً لتراكم المذابح في هذا المصلى عبر العصور، من قصر زيمري-ليم وصولاً إلى تأسيس الألف الثالث، مما يدل على استمرارية التقديس.

في الختام، يؤرخ الفصل لخراب هذه الحضارة المزدهرة، معترفاً بصعوبة تحديد المسؤول بدقة. في البداية كان يُعتقد أن الملك السومري لوغالزاغيزي من أوروك هو المسؤول عن الدمار حوالي منتصف الألف الثالث. لكن الكاتب يرفع هذه التهمة عنه لاحقاً، ويصرح أن التدمير ربما يكون من فعله، لكنه يستبعد أن يكون الملك الأكادي سرجون هو الفاعل لأنه من الساميين مثل أهل ماري. الفصل يترك سؤالاً مفتوحاً حول سبب هجر القصر الأسفل، مشيراً إلى أن لا أثر لتدمير عنيف بين القصرين. يُختتم الفصل بذكر الفترة الأكادية التي تلت سقوط ماري، حيث عانت المدينة من السيطرة الأجنبية، كما يتضح من وجود قطع برونزية تعود لحفيد سرجون، نارام-سين، وتولي ابنته منصب الكاهنة.

3.الفصل الثالث25–94▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب "ماري" يتناول بالتفصيل الإنتاج الفني والمعماري الغني والمتنوع الذي ازدهر في مدينة ماري خلال النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، ولا سيما في العصر الذي يسبق عهد الأسرة السرجونية الأكادية. الموضوع المحوري الذي يعالجه المؤلف هو تفرد ثقافة ماري التي يصفها بأنها "رافدية" وليست صرفة "سومرية"، ناتجة عن تداخل بين السكان الساميين والساسة السومريين. الإجابة التي يقدمها هي أن هذا التمازج الفريد أنتج فنًا وعمارة يتسمان بالقوة والتنوع والرقة والقدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية، وهو ما يميز ماري عن غيرها من مدن بلاد ما بين النهرين.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر اكتشافات البعثة الأثرية في ماري، مع التركيز على منحوتات العصر الذي يسبق عهد سرجون. يبدأ المؤلف بالتماثيل التي عُثر عليها، والتي يحمل بعضها أسماء ملوك ماري مثل لمجي ماري وإيكو شاماغان، وأخرى لأفراد مثل الوكيل إيبيه إيل والطحان إبدي ناروم. يشير المؤلف إلى أن علم الآثار وعلم الكتابات القديمة لا يتفقان دائمًا، فتظهر أسماء ملوك من التماثيل لا توجد في النصوص، والعكس صحيح. هو يقر بوجود تحفظات في التأكيد على أن هذه التماثيل هي صور حقيقية لأشخاص، لكنه يميل إلى الاعتقاد بأن بعضها، مثل تمثال إيبيه إيل، هو بالفعل صورة شخصية نظرًا لدقة تفاصيلها الفريدة. يستخدم مثال تمثال "الزوجان المتضامان" لدعم أطروحته عن الطابع "الرافدي" للثقافة، مقارنًا إياه بتماثيل نيبور التي تفتقر إلى هذا التعبير العاطفي، موضحًا أن الثقافة السومرية وحدها لم تكن لتستطيع التعبير عن العاطفة بهذا الشكل.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة هوية التماثيل النسائية، فيسلط الضوء على حالة أورنينا، التي تظهر كامرأة ترتدي رداءً يذكرهم بنشاطها كراقصة، مما أثار جدلاً حول ما إذا كانت تمثل موسيقية أم مغنية. كذلك، يناقش تطور فهمهم لمجموعة من الرؤوس النسائية التي ترتدي "البولوس"، والتي اعتقدوا في البداية أنها تمثل الإلهة عشتار، لكنهم توصلوا في النهاية إلى أنها على الأرجح تمثل كاهنات. هذه التطورات في التفسير تؤكد المنهج العلمي للمؤلف، حيث يعترف بأن مفاهيمهم عن هوية التماثيل تطورت من سنة إلى أخرى بناءً على اكتشافات جديدة. يتناول الفصل أيضًا أماكن إيداع هذه التماثيل في المعابد، مشيرًا إلى أنها لم توجد قط في أماكنها الأصلية بسبب تخريب المعابد عبر التاريخ، وأن الكهنة ربما كانوا ينقلون النذور القديمة إلى مستودعات لإفساح المجال لنذور جديدة.

ينتقل المؤلف بعد ذلك لتفصيل المواد المستخدمة في النحت، مثل الجص والرخام واللازورد المستورد من أفغانستان، موضحًا كيف أن جودة المواد وبراعة الفنانين أنتجت أعمالاً فنية رائعة. يُسلط الضوء على أن معظم التقدمات كانت عبارة عن تماثيل صغيرة تمثل المؤمنين في وضعية الصلاة، سواء واقفين أو جالسين، مع تفاصيل دقيقة عن اللباس والشعر واللحية، مما يكشف عن نزعة واقعية قوية في الفن الماري. يستخدم المؤلف تفاصيل دقيقة مثل لحية لمجي ماري أو وجه "البدوي" لإظهار قدرة النحاتين على التقاط الشخصيات الفردية.

يتناول الجزء الأكبر التالي من الفصل الأواني الحجرية والمنحوتات البارزة والموزاييك الصدفي والأختام. يصف المؤلف تنوع الزخارف على الأواني، بدءًا من نقوش النسر برأس الأسد ذي الطابع السومري، وصولاً إلى زخارف الأفاعي والصراع بين الأسد والثعبان. ثم يصف بالتفصيل "لوحة الحرب الكبرى" المصنوعة من الصدف، واصفًا الجنود بملابسهم وأسلحتهم، وانتقالهم بعد ذلك إلى مشاهد الحياة اليومية مثل الصيد والصناعة والموسيقى. يذكر أن كل هذه الأعمال الفنية، سواء كانت للحرب أو للعبادة، تعكس الواقع المعاش لأهل ماري، الذين كانوا إما غزاة أو محاربين أو مزارعين يدافعون عن أراضيهم. فيما يتعلق بالأختام، يقر المؤلف أن ماري لا تضاهي مدنًا أخرى مثل تلو في عددها، لكنها تحتوي على قطع فريدة مثل ختم "الرب المركب" الذي أثار تفسيرات متعددة حول معناه الديني أو الأسطوري، تاركًا الحكم للمختصين والعلماء.

بعد استعراض الفنون، يتحول الفصل إلى التركيز على العمارة المارية كدليل على الازدهار الحضاري والقوة السياسية. يصف المؤلف ثلاثة أنواع من المنشآت: المساكن الخاصة، والمعابد، والقصور. في المساكن، لاحظوا تخطيطًا مدنيًا محكمًا بشوارع مستقيمة ومنازل تتجمع في كتل. أما المعابد، فهي "بيت الرب" بطابعها الذي يخدم العبادة الفردية. يصف بالتفصيل مكونات المعابد مثل "القدس" والمنصات وقوارب الإراقة، ويذكر أسماء الآلهة التي عرفت من الكتابات مثل عشتار، نيني زازا، شمش، نينهورساغ، وداغان. يكرر تحفظه بعدم العثور على تمثال كامل لأحد هذه الآلهة، وأن وجود الرب كان يمثل بشكل رمزي عبر المنصة الفارغة. يُحدثنا عن "الكتلة الحمراء"، وهي بناء قديم يشتبه بأنه زقرة، وعن تعقيدات كشف معبد شمش الذي يحتوي على حفرة غامضة.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لوصف قصور عصر ما قبل سرجون التي تم اكتشافها تحت قصر زيمري ليم الأحدث. يشرح كيف كشفت التنقيبات عن قصرين متراكبين (القصر العلوي والقصر السفلي)، مؤكدين على ضخامتها وتنظيمها الداخلي الذي يجمع بين الغرف والباحات. يصف المؤلف "الحي الرسمي" و"القطاع الديني" داخل القصر، حيث عُثر على مذابح متراكبة تعود لعصور مختلفة، مما يدل على استمرارية المكان المقدس عبر قرون. كان أبرز هذه الاكتشافات هو "السور المقدس" الضخم الذي حافظ على ارتفاع كبير وجدران سميكة، مما أثار إعجاب البعثة بفضل حالته الجيدة من الحفظ بعد آلاف السنين.

يختتم الفصل بمناقشة التحديات والأسئلة المفتوحة. يقر المؤلف بوجود معضلات مستعصية، أبرزها عدم فهمهم سبب استبدال القصر السفلي بالقصر العلوي دون سبب واضح أو أثر للعنف، بينما توجد آثار دمار وحريق في القصر العلوي يعتقدون أن لوغالزاغيزي، ملك أوروك، هو المسؤول عنها. يبرئ المؤلف سرجون الأكادي من تدمير ماري، معتقدًا أن ملك جنوبي سومري هو من ارتكب ذلك. على الرغم من اعترافهم بوجود فترة ازدهار كبيرة في عصر "السلالة العاشرة بعد الطوفان"، إلا أنهم يواجهون مشكلة في تحديد أسماء الملوك المسؤولين عن هذا الازدهار. يعترف المؤلف أنه حتى الآن لم يصلوا إلى أصل ماري (التربة البكر)، وأن 5.47 متر لا تزال تفصلهم عن ذلك الهدف، خائفين من أن يصلوا إلى منسوب المياه الجوفية قبل تحقيقه.

في جوهره، يُظهر الفصل أن فن وعمارة ماري يقدمان أدلة قوية على ثقافة رافدية متميزة، نابعة من تفاعل مثمر بين التقاليد السومرية والوجود السامي، وأن هذه الثقافة ازدهرت اقتصاديًا وفنيًا. لكنه يترك القارئ أمام العديد من الأسئلة التاريخية غير المحلولة حول أسماء الملوك، أسباب الهجر، وتحديد المسؤول عن الدمار، مما يعكس طبيعة العمل الأثري الذي يعتمد على التفسير والاحتمال وليس اليقين التام.

4.الفصل الرابع95–152▼ ملخص

يقدم الفصل الرابع من كتاب "ماري" تحليلاً أثرياً وتاريخياً مفصلاً لتطور مدينة ماري من العهد الأكادي حتى سقوطها النهائي، مع التركيز على التحولات المعمارية والدينية والسياسية التي شهدتها عبر القرون. الموضوع المحوري هو تتبع هذه التحولات من خلال المكتشفات الأثرية، وخاصةً المعابد والقصور واللقى الفنية، واستخلاص التسلسل الزمني للحضارة فيها. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن ماري شهدت فترات ازدهار وعظمة متقطعة، وأن كل فترة تركت بصماتها المادية المميزة التي تسمح بإعادة بناء تاريخها رغم فترات الخراب والفراغ.

يبدأ الفصل بوصف آثار العهد الأكادي، مشيراً إلى وجود أختام أسطوانية تدل على نفوذ ملوك أكاد الذين كانوا يفوضون بناتهم لمراقبة المدينة. ينتقل بعدها إلى وصف دقيق للمعابد وتجهيزاتها، فيذكر وجود مذابح من اللبن مبنية داخل الأحرام وخارجها، مزينة بدعامات وتجاويف مطلية بالبيتوم. يوضح المؤلف أن هذه المذابح كانت تستخدم لإقامة طقوس العبادة في القاعات المغلقة وفي الهواء الطلق. يبرز اختلافاً بين المذابح الداخلية ذات الوجه العلوي المستوي والمذابح الخارجية التي تحمل بروزاً مشابهاً لمذابح آشور. يصف اكتشاف تماثيل صغيرة جديدة الطراز، مثل تمثال نصفي لحامل قربان اكتُشف في عام 1111 وآخر مماثل اكتشف بعد عام في عام 1111، ويشير إلى طراز جديد في اللباس على شكل عمامة أقل عرضاً وارتفاعاً من لباس السومريين الجدد وعهد أور الثالثة. يثير المؤلف دهشته من حصر هذا الأسلوب الفني في قطاع محدد في وسط المدينة، بينما لا يوجد مثله بين عشرات التماثيل التي عُثر عليها في معابد أخرى تعود لعهد ما قبل سرجون. يعرض الفصل دليلاً مادياً على طقوس التضحية، حيث عُثر في جوار معبد نينهورساغ على جرة فخارية كبيرة مزينة بأفعال ومملوءة بعظام حيوانات (أغنام)، ويتم الربط بين هذه العظام وهبات المعابد التي تذكر تقديم رؤوس غنم.

في الانتقال إلى عهد سلالة أور الثالثة، يوضح المؤلف أن ماري كانت ضعيفة وخضعت لنظام حكام محليين عُرفوا بلقب شاكاناك. ورغم الخضوع السياسي، كانت هذه الفترة فترة تقدم في شتى الميادين. كمثال على هذا التقدم، توسع معبد نينهورساغ وأضيفت له بوابة بعمودين. الأكثر أهمية هو اكتشاف ودائع أساس (Foundation Deposits)، وهي صناديق تحتوي على مسامير وألواح برونزية مثبتة في زوايا المباني الجديدة. يقدم الفصل نصوصاً مكتوبة على هذه الألواح، مثل: "نيوار مير: شاكاناك ماري بنى المعبد لنينهورساغ". النقش الأهم يعود للحاكم إيشتوب-إيلوم، شاكاناك ماري القوي، باني ساحورو (مصلى أو دهليز). هذه النقوش لا تؤكد فقط هوية البناة بل تثبت أيضاً استمرار التقاليد الدينية والمعمارية تحت إشراف ممثلي ملك أور.

يتعمق الفصل بعد ذلك في وصف "معبد الأسود"، الذي يُقترح أنه معبد مخصص للإله داغان. تم اكتشاف أسدين من البرونز في موضعهما الأصلي في عام 1111، وكانا يحرسان المدخل من الداخل، مما أكسب المعبد اسمه. يصف الفصل بناء هذا المعبد المستطيل (بعرض 1.11 متر وطول يزيد عن 5 أمتار) وقاعدته الرائعة من اللبن، بالإضافة إلى مذابحه الأربعة التي يقترح المؤلف أنها كانت تستخدم في طقوس الزواج المقدس أو كأسرة للاستلقاء لتلقي الوحي. تم العثور على ثلاث ودائع أساس من أصل أربع في زوايا هذا المعبد في عام 1914، تحتوي على ألواح برونزية وأشياء ثمينة مثل أوراق الحور الذهبية وقطع اللازورد والأصداف. النص المكرر على اللوحات يقرأ: "إيشمه-داغان، شاكاناك ماري، إيشتوب إيلوم، شاكاناك ماري، ابنه، بنى بيت الرب ملك البلاد". يقر المؤلف بصعوبة العثور على الوديعة الرابعة المفقودة في الزاوية الشمالية الشرقية، مما يترك سؤالاً مفتوحاً حول اكتمال الطقوس التأسيسية للمعبد. في الخارج، تجهزت الساحة بمذابح وموائد وأوتاد مقدسة (تشبه الآشيروت الكنعانية) وجرة كبيرة لتقديم الأضاحي، مما يرسم صورة كاملة للممارسات الشعائرية.

يخصص جزء كبير من الفصل لوصف زقرة أور الثالثة، وهو بناء ضخم من اللبن (15 م × 6م) يستند إلى الواجهة الجنوبية الشرقية لمعبد داغان. يوضح المؤلف أن بناء هذه الزقرة تطلب ملايين اللبنات وأعمالاً ضخمة من الردم والتسوية، بما في ذلك تغطية معبد داغان القديم لتهيئة ساحة فخمة. يشير إلى أن بناء الزقرة في ماري يعود إلى نفس عصر الحكام الذين بنوا زقرات في أور وأريدو وأوروك. يقر المؤلف بصعوبة تحديد تاريخها بدقة، لكنه يربطها بتاريخ بناء معبد الأسود المجاور. يصف الطبقات الأثرية المختلفة في الساحة، مشيراً إلى استخدام طبقات من الحصى والتراب المدحول والبلاط، مما يشكل طرقاً للطوائف الدينية. يذكر بقايا ثلاثة جدران طويلة يُعتقد أنها كانت قاعدة لمدارج صاعدة، لكنه يعترف أنه لم يبق شيء من معبد القمة الذي كان يتوج الزقرة، وهي أعلى نقطة في تل حريري بارتفاع 111.1 متر.

ينتقل الفصل إلى وصف القصر الملكي، واصفاً إياه بأنه "درة العمارة الشرقية القديمة" وواحد من عجائب العالم القديم، لدرجة أن ملك أوغاريت أرسل ابنه لزيارته. تبلغ مساحته 2.5 هكتار ويضم حوالي ... غرفة وباحة. يُعطي الفصل وصفاً تفصيلياً للمدخل الوحيد في الشمال، والباحة الكبرى ( 9 م × 111 م ) التي كانت مركز الحياة الرسمية، وقاعة جلسات الملك المطلة عليها بدرج نصف دائري. يصف القصر بأنه يتكون من كتل معمارية (باحات وغرف متجاورة) موصولة بممرات متعرجة، مما يعكس تخطيطاً معمارياً دفاعياً ومدروساً. يخصص المؤلف فقرات لوصف أقسام القصر المختلفة، بما في ذلك: الجناح الملكي الخاص الذي يشمل غرف الملك والملكة مع حمام مجهز بمغطسين وسخان ماء ومصطبة، وقاعات الاستقبال والعرش التي تدهش الزائر بمقاييسها وزخارفها مثل سدة ارتفاعها 1111 متراً بدرج من 11 درجة من الآجر المطلي بالبيتوم ويكتنفها تمثال حاكم ماري إيشتوب-إيلوم على ظهره.

في إطار الفن ورمزية السلطة، يحلل الفصل تمثالين رئيسيين عُثر عليهما في القصر. الأول: تمثال حاكم ماري إيشتوب-إيلوم المنحوت من البازلت، والذي يمثل القوة والواقعية القاسية. الثاني: تمثال "ربة الينبوع" المنحوت من الحجر الأبيض الناعم، والمكسور والمرمي على الأرض في مشهد يثير الدهشة. يصف الفصل آلية خدعة مائية في التمثال، حيث يسكب الماء في خزان شاقولي ليخرج من الإبريق الذي تمسكه الربة، محاكياً معجزة الخصب. يرى المؤلف أن هذين التمثالين يمثلان قمتين متقابلتين من فن بلاد ما بين النهرين: الرقة الأرستقراطية مقابل القوة البدائية. يضاف إلى ذلك وصف مشاهد مرسومة على الجدران، أشهرها "مشهد التنصيب" الذي يصور الإلهة عشتار تمنح ملك ماري (زيمري-ليم) رمزي السلطة (العصا والحلقة)، ومشاهد أخرى تمثل تقديم أضاحي ملكية، معترفاً بتشابهها مع عناصر من سفر التكوين التوراتي (شجرتا الحياة والمعرفة والملائكة وأنهار الجنة الأربعة).

يتناول الفصل التنظيم الإداري والتعليمي في القصر. يصف قاعتي مدرستين ( 111 و 111 ) تتميزان بمصاطب صغيرة مرتبة مثل مقاعد الصف، مع وجود ما يُسمى بـ"الزوارق" وهي علب لأدوات الكتابة تحتوي على أصداف صغيرة. يذكر عدد المقاعد ( 111 مقعداً في الأولى و 111 في الثانية) وأعداد "الزوارق" التي عُثر عليها. يقر المؤلف أن بعض علماء الآثار لم يقبلوا تفسير هذه القاعات كمدارس في البداية، لكنه يدعم فرضية وجودها بسبب الحاجة إلى تدريب الكتبة على علم الرموز في قصر يحتوي على آلاف اللوحات. إلى جانب المدارس، يصف جناحاً للموظفين مجهزاً بدورات مياه كاملة (مغطسان ومرحاض "على الطريقة التركية" وأفران لعلاج الخشب)، وأماكن لاستقبال الضيوف (يُقدر عددهم بـ 111 بناءً على الرسائل)، ومطابخ، ومخازن، ومصلى صغير في قلب القصر.

ختاماً، يركز الفصل على نهاية ماري المأساوية. يعزو المؤلف مسؤولية خراب المدينة في القرن 18 قبل الميلاد إلى الملك البابلي حمورابي، مستنداً إلى عدة قرائن: وجود مبنيين متداخلين على السور الشرقي (الأول متقن والثاني سريع) دليلاً على استعدادات دفاعية متسرعة، والدمار الواسع في التماثيل المقطوعة الرؤوس والرسوم المطرقة، والأهم من ذلك، غياب أي مراسلات دبلوماسية أو سجلات اقتصادية تذكر أي ملك بابلي خلف حمورابي (سامو-أبلونا أو كاشتيلياش)، مما ينفي تورط الحثيين أو الكاشيين في التدمير. يرفض المؤلف نظريات السيد ش. جان والسيدة هلدغارد ليفي التي تلقي باللوم على الحثيين أو الكاشيين، ويعتبرها نظرية غير مقبولة. يخلص الفصل إلى أن نصر حمورابي حوالي عام 1711 قبل الميلاد كان مطلقاً، ولم تنهض ماري منه أبداً، بينما شهدت الفترة التي تلت ذلك ظهور مملكة عانة الصغيرة التي قد تكون لجأ إليها ناجون من الكارثة. يختتم المؤلف بذكر دلائل استيطان آشوري في ماري لاحقاً، مثل نصب تذكاري للحاكم شمشي-آدا الخامس ونقوش تشير إلى مسئول عن منطقة سوهو التي تشمل ماري، بالإضافة إلى مدافن آشورية، معترفاً بعدم وضوح طبيعة المباني السكنية الآشورية رغم وجود هذه الدلائل.

5.ماري في ظل الاكاديين والسومريين الجدد95–152▼ ملخص

ملخص الفصل: «ماري في ظل الأكاديين والسومريين الجدد»

يُركّز هذا الفصل على التطوّر المعماري والديني في مدينة ماري خلال فترتَي الحكم الأكادي وسلالة أور الثالثة، ويُظهر كيف تجلّى هذا التطوّر في تغيير الشعائر والمنشآت الدينية، مع انتقال السلطة من ملوك أكاد إلى حكام تابعين لملوك أور، ثم تأكيد حضورهم عبر بناء معابد وزقورات.

يبدأ الفصل بمناقشة العهد الأكادي، حيث لم يقتصر نفوذ ملوك أكاد على إرسال بناتهم للإشراف على المدينة، بل تجلّى في بناء معابد سفلى أو "مغلّفة"، تقع على مستوى أقل من الساحة الرئيسية، وتتميّز بمذابح من اللبن مزينة بدعامات وتجاويف مطلية بالبيتوم. تُستخدم هذه المذابح للشعائر داخل القاعات أو في الهواء الطلق، وتحمل بعضها تماثيل صغيرة، مثل تمثال نصفي لحامل قربان اكتُشف عام 1952 وآخر مقطوع الرأس اكتُشف عام 1954. ويظهر في هذه الفترة طراز نحت جديد يُعرف باسم "الكوناكس"، يتميز برداء وقبعة صغيرة، ويختلف عن الطراز السومري اللاحق في عهد أور الثالثة. ومن اللافت أن هذا الأسلوب يظهر فقط في قطاع محدد وسط المدينة، بينما كانت معابد أخرى كمعبد عشتار وداغان من العهد السابق لا تحتوي على تماثيل حاملي القرابين. يدعم هذه الصورة اكتشاف جرة فخارية كبيرة مزينة بأفعال ملتفّة، مملوءة بعظام أغنام، تُستخدم كأضاحٍ، وتتوافق مع نصوص تشير إلى تقديم ستة رؤوس غنم لكل من الإلهين نينهورساغ وداغان، وهما الأكثر تلقياً للقرابين في ماري. ويقرّ المؤلف بعدم العثور على لوحات طينية من نوع "الراعي الطيب" الشائعة في جنوب بلاد ما بين النهرين، ويعزو ذلك ربما إلى استبدالها بنقوش حجرية رائجة في ماري.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الفترة المضطربة التي تلت انهيار الأكاديين، والتي شهدت تعاقب سلالتَي أوروك الرابعة والخامسة والغزو الجوتي، وهي فترة لا توجد فيها معلومات كافية لتحديد توضعات معمارية واضحة. ثم ينتقل إلى عهد سلالة أور الثالثة، حيث كانت ماري ضعيفة وخاضعة لنير ملوك أور، وحُكمت من قبل حكام محليين يُدعون "شاكاناك". ويصف الفصل توسّع معبد نينهورساغ في هذه الفترة، وإضافة بوابة ذات عمودين من طراز "حيلاني"، مع وجود ودائع تأسيسية في الزوايا، منها مسمار مفروز في صفيحة برونزية وعظام حيوانات، تحمل نقشاً يشير إلى الحاكم نيوار مير. كما توجد وديعة أخرى لصفيحة برونزية سميكة بدون مسمار، تحمل كتابة تُقرأ على أنها تعود للحاكم بلكين أو أبلكين، وتشير إلى بناء "ساحورو"، وهو دهليز أو مصلى على قمة الزقرة. يُدعى الحاكم التالي إيشتوب إيلوم، الذي بنى مجموعة معمارية جديدة ويُعتبر ممثلاً لملك أور. يصف الفصل أيضاً اكتشاف عيون ضخمة في قطاع الزقرة، ظُنّ خطأً أنها نذور للشفاء، ثم تبيّن أنها جزء من تماثيل أسود حارسة. ويُفصّل وصف "معبد الأسود" أو معبد داغان الذي بناه إيشتوب-إيلوم، وهو هيكل مستطيل يفضي إلى ساحة، ومزود بمذابح، وقد دفع ضيق المدخل وغموضه إلى الاعتقاد بأنه كان مخصصاً لشعائر سرية واحتفالات دينية خاصة، ربما تضم طقوس الزواج المقدس على أسرة. وقد أظهرت ودائع الأساس المكتشفة في هذا المعبد وجود صناديق حجرية تحتوي على ألواح برونزية ومسامير، ولوحتين من الحجر الجيري والشيست تحملان نقشاً يذكر إيشمي-داغان وابنه إيشتوب-إيلوم كحاكمين لماري، ويُكرّس المعبد للإله داغان، رب الفرات الأوسط وسيد المنطقة. وتمّ اكتشاف ثلاث ودائع فقط من أصل أربع، إذ تعذّر العثور على الرابعة رغم البحث المكثّف.

بعد ذلك، يصف الفصل الساحة المحيطة بمعبد داغان، والتي كانت مجهزة بمنشآت للشعائر الدينية، مثل موائد القرابين وجرة كبيرة مزينة بأفعالين تحتوي على عظام الأضاحي. كما يصف الحاجز الضعيف الذي يفصل الساحة إلى منطقتين، يُعتقد أنه كان يُخفي الاحتفالات الخاصة عن الأنظار. ويُذكر أن الملك زيمري-ليم هو من أنشأ حراس الأسود البرونزية عند باب المعبد، وهو ما تؤكده نصوص حول سنة من حكمه. ويتم وصف بوابة ذات قواعد حجرية، بعضها غُيّر عن موضعه، بالإضافة إلى قاعدة مزخرفة بموضوع "الجبل" المكرر، الذي يظهر في منحوتات أخرى كتمثال كابان ودبسّة تمثل رباً ملتحياً يخرج من جبل.

ينتقل الفصل لوصف زقرة عهد أور الثالثة (حوالي 2100 ق.م)، وهي مستطيلة الشكل (45م × 26م) ومبنية من اللبن بالكامل، وتستند إلى الواجهة الجنوبية الشرقية من الزقرة. يُعزو بناء هذه الزقرة إلى حكام مفوّضين من ملوك مثل أور-نامو أو شولغي. ويصف الفصل كيف تمّ تغطية معبد داغان من العهد السابق بالردم الناتج عن هدم جزء من "الكتلة الحمراء"، وإعداد ساحة فخمة للزقرة الجديدة. تبلغ مساحة هذه الساحة حوالي 900 م²، وتتكون من طبقتين من الحصى تغطيان ردمًا أحمر اللون من "الكتلة الحمراء". كما يصف "طريقاً للطواف الديني" مصنوعاً من بلاط اللبن، ومشكلة الصعود إلى الزقرة عبر مدارج بدون درجات. ويشير الفصل إلى أن تاريخ الزقرة يقارب تاريخ معبد الأسود، استناداً إلى العلاقة الوثيقة بينهما، على الرغم من عدم العثور على وثائق تأسيسية.

يُختتم الفصل بوصف قصر زيمري-ليم، الذي يُعتبر درة العمارة الشرقية القديمة. تبلغ مساحته حوالي 2.5 هكتار، ويضم نحواً من 300 غرفة وباحة، وله باب واحد في الشمال يتقدمه مدرج حجري. يتكون القصر من عدة كتل معمارية، تشمل باحة كبيرة مبلطة بأجر مربع جميل تُدعى "باحة النخيل"، وقاعة جلسات الملك (195) التي يصعد إليها بدرج نصف دائري مهيب، وغرفة نوم الملك والملكة المجهزة بحمام فخم، ومدرستين (52 و55) تتسعان لـ 66 و34 مقعداً على الترتيب، مع بقايا أدوات كتابة. يصف الفصل أيضاً الجناح المخصص للموظفين والمطابخ ومخازن المؤن، ومعبداً صغيراً يُستخدم للعبادة، ولوحات جدارية رائعة، أبرزها مشهد "تنصيب الملك" الذي يظهر زيمري-ليم تتسلم منه الإلهة عشتار رمزَيْ السلطة (العصا والحلقة)، بالإضافة إلى رسوم تصويرية لشجرات نخيل وكائنات تُفسّر بأنها عناصر من الجنة والملائكة الحارسة. ويُظهر القصر تخطيطاً غير منتظم، مع اختلاف في سماكة الجدران، مما يُشير إلى بنائه على مراحل متعددة عبر السنين. يختم الفصل بوصف نهاية ماري على يد الملك البابلي حمورابي، الذي يُعتقد أنه دمّر المدينة حوالي عام 1759 ق.م، بناءً على أدلة أثرية تشمل طبقات الرماد والتماثيل المشوهة والرسوم المطرقة، وأيضاً بناءً على غياب أي ذكر لملوك بابل لاحقين في الأرشيف الملكي. ويشير الفصل إلى محاولات إعادة إعمار متواضعة بعد ذلك، تلاها وجود آشوري في المنطقة، ثم اختفاء ماري تماماً عن مسرح التاريخ.

في نهاية الفصل، يمكن القول إنه يُظهر بوضوح التحولات العميقة التي شهدتها ماري عبر فترات الحكم المختلفة، حيث تتجلى القوة من خلال العمارة الدينية والمدنية الضخمة. ومع ذلك، يبقى السؤال حول مدى دقة التفسيرات المتعلقة بالوظائف الشعائرية لبعض المنشآت، مثل الغموض حول وظيفة القاعة ذات الصفوف الثلاثة من المقاعد، أو التفسير الحرفي لبعض الرموز الدينية في الرسوم الجدارية مقارنة بنصوص كتابية لاحقة. كما أن الادعاء بأن حمورابي هو المدمر الوحيد لماري، رغم أنه مدعوم بحجج أثرية ونصية، يظل محل نقاش بين الباحثين، خاصة مع وجود نظريات بديلة تعزو التدمير للحثيين أو الكاشيين.

7.سجلات ماري الملكية169–186▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل، «سجلات ماري الملكية»، الثراء الاستثنائي للمعلومات التي كشفت عنها الألواح الطينية في مملكة ماري القديمة، مركزاً على أنها لم تكن مجرد سجلات جافة، بل نافذة حية على تفاصيل الحياة اليومية والسياسية والدينية في الألف الثاني قبل الميلاد. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه السجلات تُظهر ماري كعاصمة نابضة بالحياة، يحكمها ملك مهتم بأدق التفاصيل، وتكشف عن روابط عميقة وغير متوقعة مع نصوص العهد القديم.

يبدأ الفصل بسرد حشد من الأسماء والوظائف التي ظهرت في المراسلات الملكية، ليرسم صورة لجهاز دولة معقد. نتعرف على سفراء مثل إيبال-بي-أبل في بابل وسيدقو-لاناسي في كركميش لدى آبلا-هاندا، وضباط مثل آمور-آشور ومجدى-حدو، وعرافين مثل حدو-باني ونارام-سين، وحتى مهنيين كالطبيب أبيبّق-سين والخباز آكيا. هذا التنوع يبرز مدى تعقيد إدارة المملكة، حيث كان كل شيء يخضع لتدوين دقيق، من الحصص الغذائية في المطابخ التي كان يديرها أبلو-كانوم، إلى أنواع الخمر المستوردة من حلب وكركميش بكميات ضخمة قد تصل إلى أكثر من خمسمائة جرة مع تاجر يدعى داريجا.

ثم ينتقل الفصل إلى التركيز على عالم النساء في القصر، وعلى رأسهن الملكة شيبتو، ابنة ملك حلب باريم-ليم وزوجة الملك زيمري-ليم. من خلال 1784 رسالة نسائية، تبرز شخصيتها القوية؛ فهي تخبر زوجها عن وضع توأمين للعالم، وتصنع له الثياب، وتستطلع الفأل لحمايته. لم تكن مجرد زوجة، بل كانت وصية على العرش في غيابه، تضع ختمها الأسطواني على الأبواب والمستودعات، مما جعل حتى المسؤول الكبير موكانيشوم لا يستطيع دخولها دون إذنها. يذكر الفصل أيضاً نساء أخريات مثل إنيبشينا وبالاسونو اللواتي قد يكن محظيات، وابنيبشاري المنفية إلى ناحور، مما يترك الباب مفتوحاً للتساؤل عن طبيعة علاقات الملك العاطفية.

يؤكد الفصل أن الملك زيمري-ليم كان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، من إصلاح جدار في ساغاراتيم، إلى إرسال طبيب لعلاج أذن على بعد أميال، أو مكافحة جراد، أو استرداد ثور مريض. هذا التدخل المباشر كان أسلوباً للحكم، وهو ما يظهر في قصص مروعة مثل عرض رأس مقطوع لرجل يدعى حانيان لإرهاب السكان، أو تهديد الحاكم كيبري-داغان للمتهربين من الخدمة العسكرية بالخوزق. في المقابل، يُظهر الملك جوانب إنسانية، كاهتمامه بمصير فتيات صغيرات أرسلهن له المسؤول دام-حوراسي، أو حرصه على تعليم الموسيقى لبنات بحدون-ليم كما فعل شمشي-حدو.

يتعمق الفصل في المعتقدات الدينية، موضحاً إيمان الملك المطلق بالتنبؤات والعرافة. نقرأ عن هيدو-دوري الذي يحذر الملك من مغادرة المدينة بناءً على فأل، وعن داغان رب معبد ترقا الذي يأمر بتقديم القرابين الجنائزية عن بحدون-ليم. يصف الفصل أهمية العرش المذهب الذي أُهدي للإله داغان، ويشير إلى أن معبده كان مركزاً للوحي. يذكر المؤلف أن التنقيب في موقع تل العشارة (ترقا) قد يكون مهماً جداً، لكنه توقف منذ عام 1938 حيث غطت القرية التل بأكمله، مما حال دون استكمال البحث.

يخصص الفصل جزءاً كبيراً لمناقشة جماعات ظهرت في النصوص مثل الخبيرو، الذين كانوا مرتزقة وعصابات معادية، والبنيامين أو بني-يمينا. هنا يقدم المؤلف جدالاً دقيقاً: لا توجد صلة قبلية بينهم وبين بنيامين ابن يعقوب، لكن تشابه الأسماء لا يمكن أن يكون محض صدفة، مما أثار جدلاً بين الباحثين. يربط الفصل بين طرق التواصل بالإشارات الضوئية لدى البنيامين القدماء وتلك المذكورة في سفر إرميا، وبين مصطلح «قتل الدمدوم» واسم الملك داود. هذه الاكتشافات، كما يجادل المؤلف، تجعل من المستحيل الاستمرار في النظر إلى قصص العهد القديم البطاركية على أنها مجرد أساطير، بل تضعها على أرضية تاريخية صلبة بعد انهيار «القصور الورقية» للتفسيرات القديمة.

أخيراً، ينتقل الفصل إلى الساحة السياسية الكبرى في عهد حمورابي. في البداية، لم تكن هناك دولة موحدة، بل مملكة بابل ومملكة لارسا ومملكة اشنونة ويمحاض، ولكل منها ملوكها وحلفاؤها. أظهرت رسالة أن عدداً من الملوك كانوا يسيرون في ركاب حمورابي ومثلهم مع ملوك آخرين. كان على زيمري-ليم أن يناور بين هذه القوى، فانحاز في البداية نحو بابل ونجدتها، مخصصاً سنتين من حكمه لنجدتها. لكن بعد سقوط لارسا في السنة 31 من حكم حمورابي، أصبحت بابل طليقة اليدين، وبعد سنوات قليلة، ربما في السنة 35 من حكم حمورابي، سقطت ماري نفسها، وهو ما تدل عليه نقوش الجنود البابليين المقيمين فيها ونظام التأريخ الجديد. ينهي الفصل بالتأمل في أن الماضي يمكن أن يعود للحياة كما حدث مع ماري بفضل جهود علماء الآثار الفرنسي-البلجيكي، وأن كنوزها المعمارية المبنية من اللبن أصبحت الآن مهددة بعوامل الطبيعة، مما يستدعي تضافر الجهود لإنقاذها من موت ثانٍ، فهي جزء من تراث الإنسانية.

8.خاتمة169–186▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل الختامي لوحة بانورامية شاملة لعالم مملكة ماري في الألف الثاني قبل الميلاد، مركزاً على عهد الملك زيمري ليم. الموضوع المحوري هو إظهار كيف أن الحياة في ماري لم تقتصر على السياسة والحروب، بل امتدت لتشمل كل تفاصيل الوجود اليومي، من أسماء الموظفين والسفراء والجنود إلى تفاصيل العلاقات الأسرية والطقوس الدينية والاقتصاد. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن ماري لم تكن مجرد مملكة بائدة، بل كانت عالماً نابضاً بالحياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وقد أتاح لنا اكتشاف أرشيفها الملكي استعادة هذا العالم بكل أبعاده.

يسير الفصل عبر مجموعة من الصور المترابطة، فيبدأ باستعراض حشد من الأسماء التي وردت في اللوحات، مما يعطي إحساساً ملموساً بتنوع المجتمع الماري. يذكر السفراء مثل إيبال بي أبل في بابل وسيدقو لاناسي في كركميش، والضباط مثل آمور آشور ومجدى حدو، والعرّافين مثل حدو باني ونارام سين، وأصحاب المهن اليومية كالطبيب اببيق سين والخباز آكيا والراعي سامو إيلا. وظيفة هذا الاستعراض هي تأكيد أن الأرشيف لا يوثق أعمال الملوك فحسب، بل حياة قطاع عريض من الناس.

ثم ينتقل الفصل إلى عالم النساء، قائداً إيانا عبر المراسلات النسائية في القصر. تحتل الملكة شيبتو، ابنة ملك حلب وزوجة زيمري ليم، مركز الصدارة. نقرأ رسائلها القصيرة التي تطمئن زوجها على سلامة القصور والمعابد، وتتمنى له النجاح في الحرب، وترسل له معطفاً وثوباً من صنع يديها. ومن بين أشدها تأثيراً، تلك التي تخبره فيها بوضعها لتوأمين، صبي وبنت، طالبة منه أن يفرح. يُظهر الفصل أن الملكة لم تكن مجرد زوجة محبة، بل كانت وصية على العرش في غياب زوجها، تضع ختمها على الأبواب والمخازن، وتتمتع بسلطة لا جدال فيها. كما يذكر أسماء فتيات من العائلة الملكية مثل كيروم ونارام توم، وأختين هما نيفانوم وآحاتا، اللتين تظهر رسائلهما جوانب من الحياة العائلية الواقعية، حتى في مطالبة أخت بأغنامها من أخيها رغم ظروف الشتاء.

بعد الحياة الخاصة، ينتقل الفصل إلى الحياة العامة في القصر، مبرزاً تفاصيل الإدارة والحياة اليومية. يتحدث عن «اجتماعات القمة» بين الملوك، وعن دعوات عيد عشتار، وعن كميات الخمر الهائلة التي كانت تقدم، ويحدد ثلاثة أصناف منها. يدخلنا الفصل إلى المطابخ والمخازن، ويذكر آبل كانوم رئيس المطابخ وآمادوغا جامع الحاصلات، ويصف كيفية إقامة «مآدب الملك» التي كان يحضرها كبار الشخصيات، وقد كان عدد المدعوين يتراوح بين 50 و 60 شخصاً. الأهم من ذلك، يظهر الفصل مدى تدخل الملك الشخصي في أدق الأمور، فهو من يصدر أوامر بإصلاح جدار في ساغاراتيم أو إرسال طبيب لعلاج التهاب أذن أو تعزيل قناة مسدودة أو مكافحة جراد، وهو ما يتناقض مع الحكمة اللاتينية التي تقول إن الرئيس لا يهتم بصغائر الأمور. القسوة كانت أيضاً أداة حكم، كما في إرسال رأس عدو للتجول في الريف لإخافة المتمردين، لكن الفصل يقر بأن الجو لم يكن إرهاباً مطلقاً، ويذكر اهتمام الملك بمصير فتيات صغيرات وإرسالهن أخباراً عنهن.

يتناول الفصل بعد ذلك عالم الدين والمعتقدات، مشيراً إلى الإيمان المطلق الذي كان يكنّه الملك وحاشيته للوحي والتنبؤات. يذكر إحدى وعشرين لوحة تتعلق بالتكهنات، وكيف أن العرّافين كانوا ينصحون الملك بعدم مغادرة المدينة أحياناً. يبرز أهمية معبد داغان في ترقا كمركز رئيسي للوحي، ويشير إلى الأهمية الدينية لمدينة ترقا التي لم يتم تنقيبها بشكل كاف بعد. ثم ينتقل إلى جماعات سكانية مختلفة كالحانيين والسوتين، ويركز بشكل خاص على الخبيرو كعصابات مرتزقة، وعلى البنيامين كمفاجأة أثرية كبرى. يعترف الفصل بأن الاسم لا يربطهم بـ بنيامين ابن يعقوب، لكنه يشير إلى جدل علمي حول تشابه الأسماء واحتمال وجود صلة ما، مستشهداً بوجودهم في حران حيث حدث تحالف في معبد سين.

يرتقي الفصل ليقدم هذه الاكتشافات كدليل يربط سجلات ماري بالكتاب المقدس، وتحديداً بقصة البطاركة. يصف كيف أن بعض المفسرين كانوا يعتبرون قصص التكوين أسطورية، لكن «الحصاد الأثري في السنوات الأربعين الأخيرة يقلب كل هذه الأفكار». ماري لم تقتصر على الإضاءة على الكتاب المقدس، بل ألقت ضوءاً على التحولات السياسية الكبرى في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، مثل صعود بابل. يصف الفصل كيف كان على زيمري ليم أن يناور بين مملكته والممالك الأخرى في زمن لم يكن فيه ملك واحد قوي، فكان هناك 10 إلى 15 ملكاً يتبعون حمورابي في بابل، ومثلهم يتبعون ريم سين في لارسا، وعشرون ملكاً يتبعون ياريم ليم في يمحاض. يوضح التحالف بين ماري وبابل أولاً، ثم يصف كيف أن سقوط لارسا أمام حمورابي أطلق يديه للتوسع شمالاً، مما أدى في النهاية إلى سقوط ماري نفسها في السنة 32 من حكم حمورابي (أو السنة 31 حسب بعض التأويلات).

يختتم الفصل برؤية تأملية حول معنى هذا الاكتشاف. يقول إن ماري كانت «عاصمة»، ومقراً لسلالة ملكية هي العاشرة بعد الطوفان. اكتشاف التمثال في آب عام 1933 هو الذي أطلق شرارة التنقيب في تل حريري. ورغم أن التل لم يكن يبدو مثيراً للاهتمام من الخارج، إلا أنه أنتج كنوزاً فنية: معابد، قصور، منحوتات، رسوم جدارية أقدم من الرسوم الكريتية، والأهم المكتبة الملكية بعشرات الآلاف من اللوحات. الفصل يشبه ماري بمن مات ثم قام من جديد: ماتت بفعل جنود حمورابي، وقامت بفضل رجال القرن العشرين. لكن الفصل يحذر من خطر جديد يهدد الأوابد المعمارية المبنية من اللبن، والتي تدمرها عوامل الطبيعة، لذلك تأسست جمعية «لإنقاذ موقع ماري» لحمايتها. ويختتم برسالة أن ماري هي جزء من تراث الإنسانية وأن هذا الكتاب يحاول منحها المكانة اللائقة بها في الطليعة. وأخيراً، يُدرج الفصل قائمة بملوك ماري عبر عصورها المختلفة، من سلالتها الأولى بعد الطوفان وصولاً إلى العصر الأشوري.