المورد
المسيحية في الشام

المسيحية في الشام

محمد سعيد الطريحيar

الكتاب الذي ألفه محمد سعيد الطريحي بعنوان "المسيحية في الشام" يتخذ من حريق الجامع الأموي في دمشق سنة 741هـ/941م محوراً لدراسة أوسع عن علاقة السلطة المملوكية بالأقلية النصرانية، ويدافع عن أطروحة مفادها أن هذا الحريق كان مؤامرة دولية مدبرة من قبل الدولة البيزنطية في القسطنطينية، ونفذتها أيادٍ نصرانية محلية بهدف ضرب رمز إسلامي كبير وإضعاف دولة المماليك. لا يكتفي المؤلف بتقديم رواية تاريخية للحريق، بل يسعى من خلال تحليل أبعاده السياسية والقانونية والاجتماعية إلى فهم طبيعة العلاقة المعقدة بين المسلمين والنصارى في بلاد الشام، وكيف أن حدثاً واحداً يمكن أن يقلب موازين التعايش رأساً على عقب، فيتحول التسامح النسبي إلى اضطهاد جماعي، وتتحول الثقة إلى توجس وقطيعة تمتد لقرون.

يسير الكتاب في بناء حجته وفق تسلسل منطقي واضح، يبدأ بتعريف الإقليم الجغرافي للشام وموقعه الاستراتيجي الذي جعله مسرحاً للهجرات والصراعات عبر التاريخ، ويمر بالفتح الإسلامي وأحوال النصارى بعده، ثم ينتقل إلى الصراع البيزنطي الإسلامي والحروب الصليبية وتأثيرها على الأقلية المسيحية، ليصل في النهاية إلى الحدث المركزي وهو حريق دمشق وتحليله من زواياه المتعددة. يكرس المؤلف فصلاً كاملاً لتحليل حريق سنة 740هـ/1339م (وهو تاريخ مختلف عن التاريخ الوارد في المقدمة مما يستدعي التحقق منه)، ويقدم تفاصيل دقيقة عن مقدماته ودوافعه ونتائجه، مستنداً إلى مخطوطات نادرة مثل مخطوطة ليدن وفتاوى علماء المذاهب الأربعة ومحاضر المحاكمات الرسمية. ينتقل بعدها إلى تحليل ما وصفه بـ"نكبة تنكز"، حيث يبين كيف أن الحريق لم يدمر الممتلكات ويغير أوضاع النصارى فحسب، بل كان سبباً مباشراً في سقوط نائب الشام القوي تنكز نفسه، مما يكشف عن الصراعات الخفية بين السلطة المركزية في القاهرة ونوابها في الشام، وكيف استغلت هذه الصراعات لتغيير موازين القوى.

من الأرقام والوقائع التي يصعب نسيانها في هذا الكتاب، ما أورده المؤلف عن فترة حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون التي تجاوزت 32 سنة، والتي شهدت هجمات المغول على دمشق سنة 699هـ ثم انتصار المماليك عليهم سنة 701هـ. يلفت الانتباه أيضاً تفصيل الألوان التي فرضت على الأقليات: الزرقاء للنصارى، والصفراء لليهود، والحمراء للسامريين، وهي تمييز بصري يهدف إلى تذكيرهم الدائم بمكانتهم الدنيا. وفي حادثة الحريق، يقدم المؤلف اعترافات المتهمين التي وردت في المحضر الرسمي، ومنها أن راهبين من القسطنطينية هما ميلاني وعازر قدما إلى دمشق وأعدا سبع كعكات محشوة بالبارود والنفط، وأن أحد المتعاونين ويدعى عيسى الجرائحي حصل على خمسمائة درهم لوضع النار في دكان مقابل قيسارية القواسين، مما أدى إلى الحريق الثاني الأكبر. أما العقوبات فكانت مروعة: أعدم أحد عشر رجلاً من كبار النصارى بصلبهم ثم تقطيعهم، وطيف بهم في شوارع المدينة، وجمع النصارى من أنحاء البلاد وألزموا بدفع أكثر من مليون درهم ذهب، وأودع الفرنج في قلعة دمشق.

لا يتجاهل المؤلف الحدود والتحفظات في دراسته، فيقر صراحة بأن آلاف المخطوطات لا تزال حبيسة الأدراج، مما يبقي احتمال ظهور أدلة جديدة قد تغير الاتجاه الحالي للبحث قائماً. كما يشير إلى أن الفتاوى لم تكن موحدة بالكامل، فبعضها تحدث عن ظلم تعميم العقوبة على جميع النصارى بجريرة البعض، ويستشهد بالآية القرآنية التي تقول "ولا تزر وازرة وزر أخرى". يفتح الكتاب أيضاً أسئلة حول صحة بعض الوثائق التاريخية المتداولة مثل "عهد النبي للنصارى" وقصة "بشير الرومي"، ويصفها بأنها قد تكون من صنع الخيال الشعبي، مما يلقي بظلال من الشك على بعض الأسس التي بنيت عليها روايات تاريخية متداولة. هذا الاعتراف بالحدود يمنح الكتاب مصداقية نسبية، رغم أن الحجة الأساسية للمؤلف تظل حازمة وواضحة.

من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، ما يطرحه المؤلف من أن "التسامح المطلق مع أهل الكتاب هو القاعدة العامة في الإسلام، وأن حالات الاضطهاد هي فردية وشاذة"، وهي قراءة تبدو متعارضة مع الحوادث الكثيفة والممنهجة التي يسردها هو نفسه في فصول الكتاب، من سياسة عمر بن الخطاب التمييزية إلى اضطهاد المتوكل العباسي إلى فظائع محمد بن إسماعيل الصنهاجي في القدس، وصولاً إلى العقوبات الجماعية بعد حريق دمشق. كما أن تحليله لسلوك الأقليات الدينية القائل بأنهم "لا ينسون الاضطهاد بل يكتمونه ويستخدمون التقية كأسلوب للتعايش، وقد يثورون عند سنوح الفرصة" يطرح نموذجاً نفسياً اجتماعياً يمكن مناقشته، خاصة وأن بعض المصادر التي استشهد بها تشير إلى تعاون المسيحيين الشرقيين مع صلاح الدين عند حصار القدس، وتعاون آخرين مع الصليبيين، مما يشير إلى تنوع في المواقف لا يمكن اختزاله في نموذج واحد. أخيراً، يمكن القول إن الكتاب، رغم غنى مادته الوثائقية وحجته المتماسكة، يظل مادة خصبة للنقاش التاريخي حول عدالة المحاكمات في ظل الاتهامات الطائفية الجماعية، وحول دور السلطة في استغلال الشعور الديني لتحقيق أهداف سياسية ومادية، كما يلمح المؤلف نفسه عندما ينتقد "استغلال السلطة السياسية الحاكمة للشعور الديني لإلهاء الشعب وكسب مادي ومعنوي".

الفصول(5)

1.مقدمة5–26▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل تمهيداً مفصلاً لدراسة حريق الجامع الأموي في دمشق الذي وقع في السادس عشر من شوال سنة 741 هـ (الموافق 941 ميلادي)، معتبراً إياه حدثاً محورياً لفهم العلاقة بين السلطة المملوكية والأقلية النصرانية في بلاد الشام. يطرح المؤلف الأطروحة الأساسية بأن هذا الحريق لم يكن حادثاً عابراً، بل كان عملاً إرهابياً مدبّراً من قبل الدولة البيزنطية (من القسطنطينية) ونُفّذ بتعاون عناصر نصرانية محلية، بهدف إضعاف دولة المماليك وضرب رمز إسلامي كبير. يهدف الفصل إلى تقديم خلفية شاملة عن هذا الحدث وتحليل نتائجه الكارثية على النصارى.

يسير الفصل وفق بنية تدريجية، تبدأ بتصوير الصدمة التي أصابت العالم الإسلامي عامة ودولة المماليك خاصة عند وقوع الحريق. ينتقل بعدها إلى وصف الوضع السياسي والاجتماعي في عهد السلطان محمد بن قلاوون (الذي حكم أكثر من 32 سنة)، والذي شهد هجمات المغول على دمشق (سنة 699 هـ - 1299 م) وانتصارهم عليها، ثم انتصار المماليك عليهم سنة 701 هـ - 1301 م، بالإضافة إلى إخماد ثورات العربان وملوك النوبة المسيحية. يبيّن الفصل تناقض موقف السلطان من الأقليات: تقرّبه من النصارى وتعيينهم في مناصب رفيعة من جهة، وتضييقه عليهم بإجبارهم على ارتداء ألوان مميزة (الزرقاء للنصارى، والصفراء لليهود، والحمراء للسامريين) من جهة أخرى. تبرز هذه السياسة في سياق حريق القاهرة (سنة 721 هـ) الذي أُتِمت به الأقباط، وأدى إلى أعمال انتقامية وأعمال حرق منظمة.

يُركّز الفصل على شخصية نائب السلطنة في دمشق، تنكز، ويصفه بأنه كان جباراً ومستبداً، وقاد علاقة متوترة مع السلطان الناصر محمد بن قلاوون قبل الحريق. ويشير إلى أن اتهام تنكز للنصارى وإعدامهم أصبح ذريعة بيد السلطان للفتك بنائبه والاستيلاء على ثرواته، مما جعل من الحريق سبباً مباشراً لتغيير سياسي كبير. ثم ينتقل المؤلف لسرد الدلالات التي يستخلصها من الحادثة، مؤكداً أنها كانت عملاً إرهابياً بامتياز، استخدم المواد الكيميائية كالحرق المحشو بالزيت والكبريت، واستهدف مخازن السلاح والأسواق ودور العلم. ويقرّ المؤلف بأن تورط بعض النصارى يعكس حالة الغيظ والاضطهاد الذي عانوا منه، لكنه ينتقد هذا الفعل لكونه عرّض طائفتهم بأكملها لخطر مصيري، تمثل في مصادرة الأموال وإعادة بناء المئذنة الشرقية من أموالهم، والهجرة، والعزلة في أحياء محددة مثل حي الخراب وباب توما، وظهور إشاعات كتسميم السكاكين.

يُظهر الفصل كيف أن النصارى، كأقدم وأكبر أقلية دينية، كانوا يتحينون الفرصة للعيش بكرامة، لكنهم يخفون عداوة تعود جذورها إلى فتح دمشق، مستشهداً بحادثة انتقام من حجاج مسلمين وردت في رحلة ابن جبير في أواخر القرن السادس الهجري. يقدم المؤلف تحليلاً بأن هذه الظروف أوجدت شعوراً مشتركاً بين الأقليات (النصارى، اليهود، والشيعة) أدى إلى تعايشهم وتضامنهم في أحياء متجاورة، مع الحفاظ على هوياتهم. ويخلص إلى أن نتائج الحريق كانت كارثية، وأدت إلى قطيعة واستمرار التوجس حتى العهد العثماني، حيث حاولت القوى الاستعمارية الأوروبية استغلال ذلك بحماية النصارى لكنها فشلت. أخيراً، يعرض الفصل الوثائق التي اعتمد عليها، وهي مخطوطة ليدن (رقم 0951) التي تحتوي على اعترافات المتهمين، وفتاوى علماء المذاهب الأربعة (الشافعية، الحنفية، المالكية، الحنابلة) والتي اتفقت على نقض العهد وإلزام النصارى بالتعويض، مع اختلافات في تفاصيل العقوبة (قتل أو إجلاء). كما يشير إلى مصادر مؤرخين معاصرين كـالذهبي وابن كثير، ومؤرخ نصراني هو المفضل بن أبي الفضائل، لتثبيت التهمة.

يقرّ المؤلف بحدود دراسته، معترفاً بأن آلاف المخطوطات ما زالت حبيسة الأدراج، مما يبقي احتمال ظهور أدلة جديدة تُغيّر الاتجاه الحالي إذا لم يظهر دليل جديد. ويبقى هذا احتمالاً قائماً. كما يلمح إلى أن الفتاوى لم تكن موحدة بالكامل، وأن بعضها أشار إلى ظلم تعميم العقوبة على جميع النصارى بجريرة البعض. كما يفتح أسئلة حول صحة بعض الوثائق كـ"عهد النبي للنصارى" وقصة "بشير الرومي"، ويصفها بأنها قد تكون موضوعة من الخيال الشعبي، مما يترك مجالاً للشك في أساس بعض الأدلة التاريخية المتداولة.

تُظهر الفقرات الختامية تحليلاً صريحاً من المؤلف، حيث يرى أن الأقليات الدينية لا تنسى الاضطهاد بل تكتمه وتستخدم "التقية" كأسلوب للتعايش، وقد تثور عند سنوح الفرصة. ويحمّل السلطة السياسية الحاكمة مسؤولية استغلال الشعور الديني لإلهاء الشعب وكسب مادي ومعنوي بـ"فرق تسد". وينتقد ظلم معاقبة جماعة بأكملها بفعل أفراد، مستشهداً بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). ويخلص إلى أن ملف القضية يقدم دروساً قيّمة لتجنب الاصطفافات الطائفية في مجتمعات الشرق، داعياً إلى السلام والتعايش المشترك.

إن كان في الفصل حجة قابلة للنقاش بوضوح، فهي ربط الحادثة بالإرهاب المنظم الدولي (البيزنطي) والتأكيد على تورط نصراني محلي، وهو ما يستند إليه المؤلف بنصوص تاريخية يصفها بأنها واردة من مؤرخين مسلمين ونصراني على حد سواء. كما أن تحليله لسلوك الأقليات (الكتمان والثورة لاحقاً) يطرح نموذجاً نفسياً-اجتماعياً يمكن مناقشته.

1.المسيحية في بلاد الشام27–74▼ ملخص

يبدأ المؤلف بتحديد الإقليم الجغرافي المعني، وهو "الشام"، الذي أطلقه العرب القدامى، خاصة أهل العراق، على كل ما يقع وراء نهر الفرات. يحد هذا الإقليم بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) غرباً، والبادية من إيلة إلى الفرات شرقاً، وبلاد الروم شمالاً، ومصر وصحراء سيناء حتى رفح جنوباً. يذكر المؤلف تعريفاً أوسع للشام قدمه كاتب جلبي في القرن الحادي عشر، ثم يستعرض أصول تسمية "الشام" اللغوية المختلفة، ويرجح أنها التسمية التي أطلقها العرب على المنطقة التي تتضمن فلسطين وسوريا حالياً. كما يوضح أن اسم "سورية" أقدم، ويعود لعهد الفراعنة وأصله "آشورية". يقسم الجغرافيون العرب القدماء الشام إلى "كور" أو "أجناد"، وهو تقسيم إداري عسكري. بدأت بتقسيم أبي بكر للشام أربعة أجناد (دمشق، حمص، الأردن، فلسطين) ثم أضاف معاوية جنداً خامساً (قنسرين) وجعل الرشيد جنداً سادساً (العواصم والثغور) وعاصمته أنطاكية. يصف المؤلف موقع الشام الاستراتيجي كمعبر للهجرات والأقوام عبر التاريخ مثل الحيثيين، الآشوريين، المصريين، اليونان، الرومان، العرب، والصليبيين، ويؤكد أن العرب كانوا الأكثر تأثيراً في تكوينها الحضاري.

ينتقل الفصل إلى الفتح الإسلامي للشام، حيث كانت دمشق مدينة بيزنطية استراتيجية. بدأ الصدام في عهد النبي محمد، وأبرزها غزوة مؤتة، ثم عزم أبو بكر على الفتح عام 13هـ/634م. بعد حصار دام أربعة أشهر، تم فتح دمشق في 15 رجب 13هـ/أيلول 634م على يد خالد بن الوليد. بعد معركة اليرموك الحاسمة في رجب 15هـ/636م، انسحب البيزنطيون إلى الأناضول. يذكر المؤلف أن خالداً وجنوده اتخذوا مساكن في الأديرة النصرانية، مثل دير صليبا (الذي سمي لاحقاً دير خالد) ودير سمعان، الذي استخدمه كمسجد مؤقت. يربط المؤلف بين تجربة خالد السابقة مع نصارى دومة الجندل والحيرة، حيث خاض معارك مع نصارى العرب هناك، مما مهد لفتح الحيرة، الحاضرة النصرانية العربية.

يتناول الفصل أحوال نصارى الشام بعد الفتح الإسلامي، حيث قام تعاهد بين المسلمين والمسيحيين "بتبادل المنافع": مقابل البقاء على حياتهم، يدفعون الجزية. يذكر المؤلف شروط عمر بن الخطاب التي تضمنت لبس الزنار وعدم التشبه بالمسلمين، لكنه في نفس الوقت جعل صدقات بني تغلب في فقرائهم. يشير المؤلف إلى أن بعض الأمويين، مثل معاوية الذي تزوج من نصرانية وكان يحكم في خلافاتهم، أظهروا تسامحاً، في حين اتسم عصر عمر بن عبد العزيز بإنصاف النصارى في نزاعاتهم. ومع ذلك، يورد المؤلف روايات عن تشدد الأمويين، خاصة في زمن عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، الذين زادوا الجزية والخراج. ويستشهد برأي الباحث المسيحي الإرشيمندريت إغناطيوس حاج الذي يرى أن الملكيين تعرضوا لظلم بسبب اتهامهم بالميل للبيزنطيين، بينما كان اليعاقبة موالين للأمويين، مما أدى إلى تأسيس البطريركية المارونية التي اعترف بها مروان الثاني. في العهد العباسي، يذكر المؤلف بناء أبي جعفر المنصور لكنيسة في دمشق، وتفريق أحمد بن طولون مبالغ طائلة على نصارى دمشق بعد حريق كنيستهم. لكنه يشير أيضاً إلى فترات من الاضطهاد، خاصة أيام المتوكل العباسي، وأثناء الحكم الطولوني والإخشيدي، وصولاً إلى فظائع محمد بن إسماعيل الصنهاجي والي القدس الذي دمر كنيسة صهيون وقتل البطريرك. يرى المؤلف أن الصراع البيزنطي الإسلامي كان له انعكاسات سلبية مباشرة على النصارى في بلاد الشام، حيث كانت كنائسهم تُهدم كلما انتقم المسلمون من البيزنطيين، مستشهداً بحوادث حرق كنيسة مريم بدمشق وكنائس أخرى. ويختتم هذا القسم بالإشارة إلى أن النصارى، مثلهم مثل المسلمين، عانوا من الاضطرابات الداخلية، وأن حالتهم كأقلية كانت تتأثر بالعداوات الخارجية مع البيزنطيين أو الصليبيين.

يبحث الفصل في الصراع البيزنطي الإسلامي، موضحاً كيف انحسر دور نصارى الشام بعد الفتح الإسلامي وتحولوا إلى أقلية. تعلقوا بأمل الإمدادات البيزنطية، بينما طمح المسلمون للسيطرة على أملاك البيزنطيين، فاستولوا على جزر قبرص وردوس وكوس. اتخذ الصراع صفة الحرب المقدسة، لكنه تحول إلى حرب حدودية. استولى المسلمون على أزمير سنة 105هـ/724م وحاصروا القسطنطينية سبع سنوات (54-60هـ/714-720م)، ولم يكبح جماحهم إلا "النيران الإغريقية" التي اخترعها مهندس مسيحي سوري فر من الشام اسمه كاليبيكوس. في عهد المأمون، تحرك توماس الصقلبي نحو الشام لكنه عقد معاهدة معه، ثم احتل المسلمون كريت. في عهد المعتصم، وقعت معركة عمورية الفاصلة سنة 223هـ/838م. استمرت الانتصارات في عهد الدولة الحمدانية والفاطمية، حيث كان البيزنطيون يدفعون الجزية حتى زمن نقفور فوكاس. ومع ظهور السلاجقة، انتزعوا بيت المقدس من الفاطميين سنة 462هـ/1070م. بعد هجوم إسلامي عنيف، اضطرت الإمبراطورة إيرين لدفع جزية، ثم عاد نقفور لدفعها بعد هزيمته، لينهار في النهاية سيطرة بيزنطة على البحر المتوسط.

أخيراً، يناقش الفصل الحروب الصليبية وتأثيرها. انطلقت الحملة الصليبية الأولى في 15 أغسطس 1096م/589هـ، وتبعتها حملات أخرى أخفق الصليبيون فيها إخفاقاً تاماً. انتهت الحملة الثالثة بصلح الرملة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد سنة 588هـ/1192م. ثم يتناول الصليبيون ونصارى الشرق، مشيراً إلى أن الصليبيين الغربيين احتقروا المسيحيين الشرقيين، وخاصة البيزنطيين، بسبب الخلافات المذهبية، لكنهم استبقوهم لمهاراتهم. أما الأرمن فكانوا أفضل حالاً وشجعهم ملوك بيت المقدس على الهجرة. يذكر المؤلف أن المسيحيين الشرقيين تعاونوا مع صلاح الدين عند حصار القدس، لكنهم في نفس الوقت تعاونوا مع لويس التاسع ملك فرنسا، وأبدى الموارنة ميلاً شديداً للصليبيين، فأدخلوهم تحت حمايتهم. يضرب المؤلف مثالاً على الخيانة بإرسال نصارى حلب وحارم معلومات سرية للصليبيين، مما أدى لفشل خطة إسلامية وفقدان حصن حارم. ويشير إلى الريبة المتبادلة، ففي حصار أنطاكية، شك حاكمها المسلم في نصاراها وطردهم، في حين رحبت مصادر لاتينية بمساعدة الأرمن والسريان لهم. ويصف المؤلف كيف أن ملوك الأرمن فضلوا الحكم الإسلامي على البيزنطي بسبب اضطهاد الأخيرين لهم، مستشهداً بـميخائيل السرياني الذي فضل الأتراك السلاجقة لأنهم لا يتعرضون للعقيدة. وعند دخول الصليبيين، طردوا رجال الدين الأرثوذكس وأقاموا أديرة غنية جداً. وحين دارت الدائرة على المسلمين، طردوا المسيحيين الشرقيين من بيت المقدس لعدم الثقة بهم. يختتم المؤلف هذا القسم بالتأكيد على أن ادعاء أن الحروب الصليبية كانت رد فعل لاضطهاد المسيحيين في البلاد الإسلامية هو ادعاء باطل، مستشهداً برسالة ثيودوسيوس بطريرك بيت المقدس التي تمتدح تسامح المسلمين، ومقارناً ذلك بمجازر المسيحيين أنفسهم بحق غيرهم في أوروبا.

بعد ذلك، يتناول الفصل تأثر الصليبيين بالمسلمين، حيث كان مستوى الصليبيين الحضاري أدنى بكثير، مما جعلهم يقلدون المسلمين في كل شيء: لبس الثياب الفضفاضة، تربية الذقون، الطعام، الأزياء الشرقية للنساء، وحتى الحجاب. يخلص المؤلف إلى أن المجتمع الإسلامي احتفظ بأصوله بينما اضطر الصليبيون للتخلي عن الكثير من عاداتهم، مستشهداً بالمؤرخ الصليبي فوشيه الشارتري الذي تأسف لتحولهم إلى "شرقيين تماماً". يحوي الفصل حجة قابلة للنقاش وهي سردية المؤلف القائلة بأن "التسامح المطلق" مع أهل الكتاب هو القاعدة العامة في الإسلام، وأن حالات الاضطهاد هي الفردية الشاذة، وهذه قراءة تختلف مع بعض ما سرده من حوادث اضطهاد كثيفة وممنهجة في الفصل نفسه.

2.حريق دمشق سنة ٧٤٠ه - ١٣٣٩م مقدماته - دوافعه - نتائجه75–114▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل حريقاً كبيراً اندلع في مدينة دمشق سنة 740هـ / 1339م، ويقدّم إجابة واضحة مفادها أن هذا الحريق لم يكن حادثاً عابراً، بل كان نتيجة مؤامرة دبّرها نصارى المدينة بالتعاون مع راهبين قادمين من بلاد الروم، وذلك بدوافع دينية وانتقامية، وكان له نتائج وخيمة على الممتلكات والأرواح، كما أدى إلى عقوبات قاسية ضد الجناة وتغييرات اجتماعية.

يسير الفصل وفق بنية واضحة، فيبدأ بمقدمة تاريخية عن الجامع الأموي بدمشق، ويذكر أنه بُني على أنقاض معبد وثني وكنيسة للقديس يوحنا المعمدان. يورد المؤلف تفاصيل تحويل الكنيسة إلى جامع في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، ويذكر المعارضة التي لاقاها من النصارى الذين استشهدوا بعهود قديمة. ثم يستعرض تاريخ الحرائق والزلازل التي تعرّض لها الجامع عبر القرون، ليصل إلى الحريق موضوع الدراسة، في عدد من المواقع منها المئذنة الشرقية المعروفة بمئذنة عيسى، والتي يرتبط بها في المعتقد الإسلامي نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان.

ينتقل الكاتب بعدها لرسم السياق السياسي والاجتماعي للحريق، فيتحدث عن أحوال السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ويصف فترة حكمه الطويلة التي شهدت صراعات مع التتار وفتوحات وازدهاراً نسبياً، لكنها اتسمت أيضاً بتقلبات في معاملة غير المسلمين. يوضح الفصل أن النصارى (خاصة الأقباط) كانوا قد نالوا حظوة ومناصب رفيعة في عهد الناصر، مما أثار حفيظة العامة والفقهاء، وبلغت ذروتها بصدور أوامر تقييدية تلزمهم بلبس ألوان معينة وتمنعهم من ركوب الخيل والتباهي، كرد فعل على ترفهم وتكبرهم.

يخصص الفصل قسماً مهماً للحديث عن نائب الشام، تنكز، ويصفه بأنه كان قوياً ومهاباً، وله أيادٍ بيضاء في عمارة دمشق، لكنه في نفس الوقت كان شديد البطش صارماً في عقوباته. ويشير إلى أن علاقته مع السلطان الناصر توترت في أواخر أيامه، مما مهّد لعزله لاحقاً. ثم يصل إلى صلب الموضوع، وهو رواية وقائع الحريق كما دوّنها عدد من المؤرخين المعاصرين.

تتفق المصادر التاريخية التي استعرضها المؤلف، مثل ابن الوردي وابن كثير والمقريزي وابن قاضي شهبة، على التفاصيل الأساسية. ففي ليلة الثلاثاء 26 شوال 740هـ، نشب حريق في منطقة "الدهشة" شرقي الجامع الأموي، وامتد بسرعة ليحرق الأسواق المجاورة ويتلف أجزاء من المئذنة الشرقية. وبعد أيام، وتحديداً في ليلة السبت 1 ذي القعدة، اندلع حريق ثانٍ وأكبر في "قيسارية القواسين" حيث كانت تصنع الأسلحة، مما أدى إلى خسائر مادية فادحة قدرت بملايين الدراهم.

يُظهر الفصل كيف تمكنت السلطات من كشف المؤامرة، فبعد العثور على ورقة تشير إلى شاب نصراني اسمه يعقوب، تم القبض عليه واعترف تحت التعذيب على عدد من كبار النصارى الكتاب. وكشفت التحقيقات أن راهبين من القسطنطينية، هما ميلاني وعازر، قدما إلى دمشق بغرض حرق الجامع. وقد إلتقيا بأحد النصارى في بستان جوبر، وصنعا "كعكات" من النفط لها تأثير متأخر، ثم دسّاها في دكاكين التجار في ساعات متأخرة من النهار. واعترف الجناة بأن هدفهم كان الانتقام مما حل بالكنائس، وإرسال بقايا المئذنة المتفحمة إلى قبرص والقسطنطينية كبشرى.

يسرد الفصل نتائج هذه الأحداث بشكل دقيق، فبعد الاعترافات، أمر تنكز بتوقيع أشد العقوبات. فتم إعدام أحد عشر رجلاً من كبار النصارى، منهم المكين يوسف بن مجلى وكاتب الجيش، وذلك بصلبهم ثم توسيطهم (تقطيعهم)، وقد جرى الطواف بهم في شوارع المدينة. كما صودرت أموالهم التي قيل إنها بلغت أضعافاً مضاعفة، وأنفق جزء كبير منها في ترميم ما خربه الحريق من الجامع والأسواق. وأسلم على إثر هذه الحادثة عدد من النصارى خوفاً من العقاب، وتشددت الرقابة عليهم بشكل كبير.

أخيراً، يقرّ المؤلف بأن الروايات التاريخية قد تتفاوت في بعض التفاصيل الثانوية، لكنها تجمع على مسؤولية النصارى عن تدبير الحريق. كما يترك الكاتب المجال للقارئ ليتأمل كيف كانت النزعة الطائفية والصراعات السياسية والدينية تغذي مثل هذه الأحداث المأساوية، والتي تعكس جانباً من تعقيدات العلاقة بين السلطة والمجتمع في العصر المملوكي. ويشير ضمناً إلى أن العنف كان سمة مشتركة ووسيلة للتعبير عن الاحتقان أو تصفية الحسابات، ليس فقط بين الطوائف ولكن أيضاً بين الحكام أنفسهم.

3.وثائق المعالجة القانونية لقضية (حريق دمشق)115–136▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول التوثيق القانوني لقضية حريق دمشق، وتحديداً حريق الجامع الأموي ومئذنته الشرقية وأوقاف المدرسة الأمينية في سنة 740 هجرية، والذي اتُهم به المسيحيون. يقدم المؤلف حزمة من الوثائق القانونية الرسمية التي تعكس الموقف الشرعي والقضائي من هذه الحادثة، ويكشف عن الآلية التي تم بها التعامل مع المتهمين، وأثر ذلك على وضعهم كأهل ذمة في المجتمع الإسلامي في ذلك العصر.

يسير الفصل عبر ثلاثة أقسام رئيسية: أولها الفتاوى الصادرة من أئمة المذاهب الأربعة، ثم الشروط المملوكية السلطانية المفروضة على أهل الذمة، وأخيراً المحضر الرسمي القضائي لمحاكمة المسيحيين المتهمين. في القسم الأول، يستعرض المؤلف صورة الفتيا التي وجهت لقضاة المسلمين، والتي تسأل عما إذا كان حريق أوقاف الجامع والمئذنة والأسلحة ينتقض به عهد النصارى، ويلزمهم ضمان ما تلف، وما الحكم فيهم إن انتقض عهدهم. يقدم الفصل أجوبة أربعة من كبار القضاة: تقي الدين السبكي (الشافعي) الذي أفتى بنقض العهد وأخذ الأموال وصرفها في عوض ما تلف، وقاضي الحنفية الذي أقر بالضمان وأجاز لولي الأمر قتلهم سياسة أو إجلائهم، وأكد أن إسلامهم لا يسقط عنهم حقوق العباد من مال أو قتل. أما محمد بن أبي بكر المالكي فذهب إلى أن الحريق يوجب نقض العهد ويستوجب القتل، وأكد أن الإسلام الصحيح يحقن الدم فقط، ولا يمنع من أخذ الأموال. وأخيراً، علي بن المنجا الحنبلي الذي أفتى بنقض العهد ووجوب القتل، وأضاف أن كل من واطأ أو أعان أو علم بذلك ولم يبلغ المسلمين، ينتقض عهده أيضاً. يشير المؤلف إلى فتوى لابن قيم الجوزية بهذا الشأن، ورد النص على أن هذا هو مقتضى نصوص الإمام أحمد وأصوله، وأن الإسلام لا يسقط القتل إذا كان حداً لكونه ناقضاً للعهد، خلافاً لمن يقتل جريمة قبل الإسلام.

أما القسم الثاني، فهو نسخة من المرسوم السلطاني الملكي، والذي يظهر كرد فعل مباشر على الحادثة. يتضمن المرسوم إعادة تأكيد الشروط العمرية على أهل الذمة (النصارى واليهود والسامرة) بصرامة. يحوي النص تفصيلاً دقيقاً للتمييز في اللباس: الزرقاء للنصارى، والصفراء لليهود، والحمراء للسامرة، وألوان محددة لملابس نسائهم، مع منع التشبه بالمسلمين في العمامة أو النعل أو فرق الشعر. كما شمل منعهم من ركوب الخيل والبغال، وبناء كنائس جديدة، وإظهار الخمر، وخدمة الملوك والأمراء في وظائف تمس المسلمين. ويشير الفصل إلى أن هذه الشروط قُرئت على بطارقة النصارى ورؤساء اليهود وألزموا بها، وأشهد عليهم بأنهم داخلون تحت حكمها، وأن من يخالفها تحل دماؤه وأمواله.

القسم الثالث هو المحضر القانوني الرسمي لمحاكمة المسيحيين المتهمين، وهو نص طويل يعرض تفاصيل الاعترافات. يشهد الرشيد سلامة بن سليمان بن مرجي النصراني على نفسه بأنه حضر في بستانه اجتماع ضم يوسف بن مجلي النصراني والمكين جرجس الاسعد النصراني، حيث أحضروا راهبين من بلاد قسطنطينية: ميلائي الذي يعرف صناعة النفط والنار، وعازر. يحكي المحضر أنهم اتفقوا على حريق أماكن المسلمين، وأن الراهبين عملا سبع كعكات محشوة بالبارود والنفط، وأُلبسا قباءين وخفين بيض، ثم دخلا الجامع الأموي وأدخلا الكعكات. بعد ذلك، استعانوا بـ عيسى الجرائحي (ابن ريش) لوضع نار في دكان مقابل قيسارية القواسين مقابل خمسمائة درهم، مما أدى إلى الحريق الثاني. كما دفعت العصابة لـ مخلوف النصراني الطواف خمسمائة درهم أخرى لإلقاء حراريق دهن في أقطار البلد لإبعاد الشبهة. وأخيراً، يذكر المحضر وصول نفرين من سيس (بلاد الأرمن) مع كتاب من صاحبها حول الحادثة.

يقر المؤلف ضمنياً بحدود في الوثائق التي قدمها، حيث يذكر في حاشية أن الأصل لم يرد فيه اسم قاضي قضاة الحنفية في فتواه، وإنما خلص إليه من المصادر الأخرى. كما يشير إلى وجود فتاوى أخرى لعلماء ذلك العصر لم ترد في هذه المخطوطة، مستشهداً بابن قيم الجوزية الذي أشار إلى فتوى مشابهة في كتابه. هذا يترك الباب مفتوحاً لوجود وثائق أخرى قد تزيد من تفاصيل القضية أو تقدم آراء شرعية إضافية.

من الواضح أن النص يبني حجة قوية على أن الحريق كان مؤامرة مدبرة من قبل مسيحيين بتحريض من جهات خارجية (قسطنطينية وسيس)، وأن السلطة المملوكية استخدمت هذه الحادثة لتطبيق أقصى العقوبات الشرعية وتشديد القيود على أهل الذمة بشكل عام. الترتيب المنطقي للفصل (الفتوى → القرار السلطاني → المحضر القضائي) يخلق سردية قانونية مكتملة تبدأ بالرأي الشرعي وتنتهي بالتطبيق والإدانة. يمكن القول إن الفصل، ورغم طابعه التوثيقي، يعكس صورة صارمة لإدارة الأزمات بين الدولة والمكونات الدينية في ذلك العصر، لكنه لا يناقش احتمالية تلفيق التهمة أو سياق التوترات السياسية مع العالم المسيحي في ذلك الوقت، مما يجعله مادة خصبة للنقاش التاريخي حول عدالة المحاكمة وحيادية الفتاوى في ظل اتهام جماعي طائفي.

4.ما وراء الحريق (تحليل الواقعة ونتائجها - نكبة تنكز)137–370▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب «المسيحية في الشام» لمحمد سعيد الطريحي يحلل واقعة حريق ضخم هزّ مدينة دمشق في سنة 740 هـ (الموافق 1340 م تقريباً)، وهي الحادثة المعروفة بـ«نكبة تنكز»، ويبحث في أسبابها المباشرة والعميقة، وفي نتائجها الكارثية على الطائفة النصرانية في الشام، وفي تداعياتها السياسية التي أدت في النهاية إلى سقوط نائب الشام القوي تنكز.

يبدأ الفصل بتقديم الوثيقة الرسمية للحادثة، وهي محضر قانوني دوّن في سجلات الدولة بدمشق بتاريخ 4 ذي القعدة سنة 740 هـ، وهو يتضمن اعترافات أحد المتهمين، وهو الأمير طَيْبَغَا حاجي، الذي كان رئيس نوبة الجمدارية سابقاً ثم اعتُقل بعد إمساك تنكز. يخلص المحضر إلى تورط شخصيات بارزة من النصارى في دمشق بالتخطيط والإعداد للحريق الذي استهدف الجامع الأموي والممتلكات الإسلامية في المدينة.

ينتقل المؤلف لتحليل أهداف الحريق ومخططيه الرئيسيين، مجيباً عن سؤال محوري: من يقف وراء هذا العمل التخريبي؟ يرى المؤلف أن الهدف كان زعزعة الأمن في دمشق والتسبب بأكبر خسائر ممكنة للمسلمين في مكانهم المقدس. أما المخطط الرئيسي، فيرجح المؤلف بقوة أنه البلاط البيزنطي، العدو التقليدي للدولة الإسلامية، الذي كان يتربص بها. يستند المؤلف في هذا الاستنتاج إلى أدلة من الوثائق التاريخية، وفي مقدمتها اعترافات المحضر الرسمي التي تشير إلى ضلوع مخابرات الدولة البيزنطية. ويطرح فكرة أن التخطيط للحريق استغرق سنوات، وأن أحد المنفذين الرئيسيين، وهو رجل يُعرف بـ«سبيل الله»، كان جاسوساً بيزنطياً زرع في دمشق. كما يشير إلى أن راهبين بيزنطيين، هما ميلاني وعاذر، قدما من القسطنطينية على هيئة حاجين ليكون على اتصال بهذا الجاسوس ولتنسيق العملية مع زعماء النصارى المحليين.

يصف المؤلف رد فعل تنكز، نائب الشام، على الحريق بأنه كان قاسياً وسريعاً. فقد أعدم الإرهابيين ومعاونيهم، وقاد حملة اعتقالات واسعة طالت ستين رجلاً من وجهاء النصارى وموظفيهم الكبار، بمن فيهم من كان يشغل مناصب حساسة مثل عامل الجيش وكاتب الحوطة. تعرض المعتقلون للمصادرة والضرب والتعذيب، ثم صلب منهم أكثر من عشرة أشخاص وجُروا على الجمال في البلاد، حتى ماتوا واحداً تلو الآخر، وأحرقوا بالنار حتى صاروا رماداً. كما جُمع النصارى من أنحاء البلاد، وألزموا بدفع مبالغ طائلة من المال، فاستخلص منهم ما يزيد على مليون درهم ذهب. هذا الإجراء لم يقتصر على دمشق بل شمل جميع النصارى تحت حكم المماليك، فألقي القبض على البطريرك والنصارى في مصر وبلاد الشام وألزموا بدفع لوازم نكاية الفرنج، وأودع الفرنج في دمشق في قلعتها.

يقدم المؤلف تفسيراً لقسوة رد الفعل هذه، مشيراً إلى أن تنكز كان في السابق مائلاً للنصارى ويشاركهم في الأعمال، بل وعين عبد الله بن الضيعة المصري القبطي (غبريال) وزيراً له، وعاش النصارى في أمن ورفاهية طوال ولايته. لذلك، كان تورطهم في هذه الجريمة، خاصة وأن بعضهم كان في مراكز حساسة، خيانة عظيمة في نظره، مما جعل ردة فعله عنيفة. يضيف المؤلف أن هذه القسوة أدت إلى انتشار الإشاعات والأحقاد بين العامة، فشاع أن النصارى سمموا السكاكين والخوابي (أواني الماء)، مما زاد من انتهاك حرماتهم وحقوقهم.

في تحول دراماتيكي، يغيّر الفصل مساره ليركز على العواقب التي حلت بـتنكز نفسه. يوضح المؤلف أن ثروة تنكز الهائلة، التي جُمعت من مصادرات النصارى وضرائب وتجارته، أغرت السلطان الناصر محمد بن قلاوون في القاهرة. كان السلطان يتحين الفرصة للاستيلاء على هذه الثروة، ويعتبر تنكز منافساً قوياً له في الشام. فكانت حادثة حريق دمشق الفرصة المثالية. استغل السلطان قسوة تنكز مع النصارى وأرسل إليه يوبخه على تصرفه، محتجاً بأن ذلك سيضر بالتجار المسلمين في بلاد الفرنج، وطالبه بحمل الأموال التي صادرها إليه. وعندما اعتذر تنكز بأنه أنفق المال على عمارة الجامع المحترق، أرسل السلطان إليه حملة عسكرية ثقيلة بقيادة ستة أمراء وخمسمائة مملوك، حاصروا تنكز في دمشق حتى سلم نفسه مقيداً في 13 ذي الحجة سنة 740 هـ. أُرسل إلى السجن في الإسكندرية حيث أمر السلطان بخنقه لاحقاً، قبل أن تنتقل جثته إلى دمشق لتُدفن في تربته.

يتناول الفصل أيضاً الاحتجاجات الدينية والفقهية، فيقدم نصاً لبيان للإمام تقي الدين السبكي قرئ في دمشق يحذر من الغزاة التتر ويحث على الجهاد، لكنه يخصص قسماً كبيراً منه للتحذير من أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وآراء السلف الصالح في تحريم توليتهم المناصب واستكتابهم، ومشدداً على ضرورة التمييز بينهم وبين المسلمين وإذلالهم.

يختتم الفصل بملاحق قيمة تشمل ثلاثة نصوص أدبية معاصرة للحدث:

  1. قصيدة مجهولة الناظم نظمت يوم السبت مستهل ذي القعدة سنة 740 هـ تصف الحريق ورعب الناس وخراب المكان، وتمدح نائب الشام في البداية لبطشه.
  2. المقامة الدمشقية «الصفو الرحيق في وصف الحريق» لـ ابن الوردي، التي تسرد بأسلوب ادبي بليغ مشاهد الحريق في الجامع الأموي والأسواق، وتصف دور النائب في إخماده، وتستعرض الاعترافات التي أدت إلى كشف تورط النصارى، وتصف عقوباتهم بالتفصيل.
  3. مقامة «رشف الرحيق في وصف الحريق» لـ صلاح الدين الصفدي، وهي مقامة مشابهة في أسلوبها الأدبي وموضوعها، تسرد بأسلوب شيق هول الحريق وانتشاره، ثم القبض على النصارى الذين اعترفوا بالتآمر، وعقوباتهم التي انتهت بإحراقهم.

باختصار، يقدم الفصل رواية مفصلة لحريق دمشق سنة 740 هـ، محللاً أبعاده المحلية (كرد فعل عنيف على النصارى وإنهاء دورهم البارز) وأبعاده الإقليمية (كصراع بين السلطان الناصر ونائبه تنكز)، وملقياً باللائمة على البلاط البيزنطي كمخطط رئيسي، مع الإشارة إلى تواطؤ زعماء النصارى المحليين، ومستشهداً بنصوص أدبية وفقهية معاصرة تثري السرد التاريخي وتوثق الحدث.