المورد
مخيم العائدين _حمص_ - مخيم تحت الإعتقال

مخيم العائدين _حمص_ - مخيم تحت الإعتقال

ar

يتمحور كتاب “مخيم العائدين – حمص – مخيم تحت الاعتقال” حول توثيق الانتهاكات المنهجية التي تعرض لها أبناء مخيم العائدين في حمص خلال الحرب السورية، بين 15 آذار/مارس 2011 ونهاية أيلول/سبتمبر 2016. الموضوع المحوري هو أن هذا المخيم تميز عن غيره من المخيمات الفلسطينية في سورية بكونه الأكثر تعرضاً لحملات الاعتقال والملاحقة، حيث تحول إلى “سجن كبير” لم يكد يخلو بيت من معتقل أو فقيد أو جريح أو مفقود. الإجابة التي يدافع عنها المؤلف هي أن الحياد الذي سعى إليه اللاجئون الفلسطينيون في المخيم لم يحمهم من ويلات الحرب، بل جعلهم هدفاً للاعتقال والقصف والتهجير، ودفعوا ثمناً باهظاً تجسد في أكثر من 700 حالة اعتقال، مع بقاء نحو 70 منهم قيد الاعتقال حتى تاريخ التوثيق، إضافة إلى سقوط قرابة 170 ضحية وعشرات الجرحى.

يسير الكتاب عبر فصوله في خط متصاعد من التوثيق التفصيلي، حيث يبدأ بتسجيل ضحايا الخطف والقتل، ثم ينتقل إلى حملات الاعتقال والدهم، وينتهي بقائمة طويلة من الأسماء والأحداث البارزة التي شكلت ذروة المعاناة. المنطق الذي يربط الأجزاء هو أن المخيم تحول إلى هدف أمني بسبب موقعه الجغرافي وموقفه الحيادي من الثورة السورية، مما جعله عرضة لسياسة العقاب الجماعي. يقدم الفصل الأول توثيقاً دقيقاً لظاهرة الاعتقالات، بدءاً من حوادث الخطف والقتل المروعة، مثل مقتل شخص عُثر عليه مذبوحاً بالقرب من حاجز للأمن العسكري في حمص بعد اختطافه بشهر، وحادثة أخرى قتل فيها شخص وسُرقت سيارته بعد يومين من اختطافه. كما يسجل ضحايا الهجرة القسرية، كمقتل قصي وائل اللبابيدي برصاصة أثناء محاولته عبور الحدود مع عائلته، ووفاة عز الدين قصاد في ليبيا نتيجة أزمة صحية، ووفاة الشاعر وأطفالها غرقاً قبالة السواحل المالطية، ومقتل أحمد محمود عباس وعلي حميد وآخرين غرقاً في البحر المتوسط.

يتوسع الكتاب في توثيق حملات الاعتقال التي انطلقت بشكل كثيف منذ 8 شباط/فبراير 2014، بحملة دهم وتفتيش واسعة لمنازل المخيم تزامنت مع حصار من الجيش النظامي وانتشار قناصة على أسطح المباني المجاورة. يسرد الفصل قائمة طويلة من عمليات الاعتقال الفردية والجماعية، مع ذكر أسماء المعتقلين وأعمارهم وأصولهم الفلسطينية التي تعود لقرى مثل صفد، عكا، الشجرة، طيرة حيفا، وترشيحا، وتفاصيل ظروف الاعتقال التي تنوعت بين الدهم المنزلي والاعتقال على الحواجز العسكرية مثل دوّار تدمر وحاجز زيدل، وأحياناً على يد “اللجان الشعبية الموالية للجيش السوري النظامي” كما في حادثة اقتحام صيدلية محمد زهير السباعي التي أدت إلى إصابته بكسور. تبرز في هذا السياق حالات إنسانية قاسية، كاعتقال جودت كمال (في العقد السادس من عمره) مرتين أثناء عودته من عمله، واعتقال محمد خالد عثمان أثناء نقله والده لإجراء عملية قلبية حيث تركه وحده في السيارة، واعتقال معان عمر صبحية للمرة الثانية بعد الإفراج عنه بساعات فقط. كما يوثق حالات الإفراج بعد فترات متفاوتة، مثل الإفراج عن أحمد عثمان بعد أكثر من عام وثلاثة أشهر، وعن مروان علي غريب بعد أكثر من عام في سجن حمص المركزي.

تتضمن المادة التوثيقية أرقاماً وشهادات لافتة يصعب نسيانها، مثل مصادرة نصف مليون ليرة سورية من منزل محمد عيسى شطارة خلال عملية دهم تزامنت مع توجه الأهالي لصلاة الجمعة. كما يسجل الكتاب حالات فقدان اتصال مثل خير الدين محمد الشعبي الذي كان دائم الحضور بالقرب من “معبر الشبكات” ثم اختفى فجأة. في خاتمة الكتاب، تبرز “محطات لا تنسى” تؤرخ لتصاعد العنف ضد المخيم، بدءاً من وفاة الشاعر الفلسطيني إبراهيم محمد الصالح في 11 مارس 2015، ثم وفاة الطفل نور الدين ماجد خليلي برصاصة طائفة في اليوم نفسه أثناء خروجه من مدرسته. يلي ذلك قصف على حي الشامي المحاذي للمخيم في 9 نيسان 2015 أسفر عن ضحايا بينهم مهند فايز القاضي (50 عاماً). وفي 1 تموز 2014، قامت قوات الأمن السورية بتفتيش وإغلاق مكاتب حركة حماس ومنشآتها التعليمية (روضة “زهور الياسمين” ومعهد “النجاح”) بالشمع الأحمر. وبلغت الذروة في 19 شباط 2015، حين أعلنت وكالة الأنباء السورية صوراً للمعتقلين ”وسام السيد”، ”رامي صبحة”، ”أحمد الشعبي”، و**”عبد الرزاق عمايري”** بعد إعدامهم، رغم تسليم أنفسهم للأمن السوري سابقاً.

يقرّ المؤلف صراحة بحدود ما جرى، معترفاً بأن جهود الأهالي للوقوف على الحياد تجاه الثورة السورية “لم تفلح في تجنيب المخيم كوارث الحرب”. يشرح كيف أن هذا الحياد، الذي اتخذ إجراءات عملية على الأرض وتلاقى مع رغبة النظام في تحديد المخيم نظراً لحساسية موقعه الجغرافي، لم يمنع الكارثة. كما يترك أسئلة مفتوحة عن المصير، موثقاً حالات عدة من الاعتقال إلى “جهة مجهولة”. يحاول الفصل تفسير تباين المواقف الفلسطينية، فيشير إلى أن غالبية الفصائل (مثل الجبهة الشعبية، فتح المركزية، الجهاد الإسلامي) وقفت إلى جانب النظام السوري، بينما تراجع دور حركة حماس بسبب حيادها، مما أدى إلى تدهور العلاقة مع النظام حتى القطيعة.

بناءً على المادة المقدمة، يمكن ملاحظة أن الكتاب يقدم نفسه كشاهد على المعاناة أكثر من كونه محاولة لتفسير الأسباب الكامنة وراء هذه الموجة الاستثنائية من الاستهداف. هناك حجتان قابلة للنقاش بوضوح. الأولى، أن التعداد الكبير للحوادث والأسماء والتفاصيل الدقيقة يخدم غرضاً توثيقياً وإنسانياً واضحاً، لكنه يفتقر إلى تحليل أسباب هذه الموجة من الاعتقالات التي طالت هذا المخيم تحديداً، أو الربط بينها وبين الديناميات السياسية والأمنية الأوسع في سورية آنذاك. الثانية، أن النص يحاول تقديم صورة “محايدة” ومأساوية حصراً، حيث يُصوَّر الفلسطينيون في المخيم كضحايا سلبيين لقوى خارجية، متجاهلاً أي أدوار سياسية أو عسكرية محتملة لبعض سكان المخيم التي قد تكون أحد أسباب استهدافه، ومكتفياً بالإشارة إلى أن الشاب “وسام السيد” كان “مطلوباً”. كما أن التأكيد على وقوف الفصائل الفلسطينية إلى جانب النظام السوري يطرح تساؤلاً حول حدود هذا “الحياد” الذي يدّعيه النص، ويجعله يبدو وكأنه حياد فرضته الظروف وليس خياراً سياسياً صافياً، وأن بعض الفصائل كانت جزءاً فاعلاً من الأزمة لا مجرد متفرج عليها.