
مذكرات تحسين قدري
تبحث مذكرات تحسين قدري في شهادة تاريخية فريدة عن لحظة التحول المصيرية من الدولة العثمانية إلى الدولة العربية الحديثة، من وجهة نظر رجل عاش في قلب الأحداث. لا يدّعي الكتاب أنه سيرة ذاتية شاملة، بل هو شهادة مركزة على المرحلة التكوينية الأولى من حياة مؤلفها، وصولاً إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف، سيار الجميل، هو أن هذه المذكرات تمثل وثيقة مهمة تكشف الجرائم التي ارتكبها حزب الاتحاد والترقي بحق الدولة العثمانية وشعوبها، وتدحض اتهامات الأتراك للعرب بالخيانة، من خلال إظهار كيف أن القادة الاتحاديين هم من أفسدوا الدولة وأدخلوها في الحرب العالمية الأولى دون مبرر. يقرّ الجميل بأن المذكرات مبتورة وتتوقف مبكراً، ويأمل لو أنها غطت نصف قرن من التاريخ العراقي، لكنه يؤكد أنها تظل شهادة تاريخية لم تنشر بعد، تحتوي على معلومات جديدة.
يسير الكتاب وفق منطق زمني واضح، يبدأ بمقدمة تحدد شخصية تحسين قدري (1892-1986) وتشرح سياق المذكرات وتحفظاتها. ثم ينتقل إلى طفولته ونشأته في كنف الدولة العثمانية، مروراً بتنقلات والده العسكرية بين بعلبك وفلسطين والبصرة ثم إسطنبول. يتتبع وعيه المبكر بالاضطهاد القومي التركي، وانضمامه إلى التجمعات العربية السرية. في الفصل التالي، يصف أهوال الحرب العالمية الأولى على جبهة أرضروم، ومعاناته من مرض التيفوس، ومشاهد مذابح الأرمن المروعة، والتي نجح خلالها في إنقاذ مئات الأسر الأرمنية. ثم يصل السرد إلى مرحلة الحسم، حيث يصف التحضير للثورة العربية الكبرى، ودوره السري في تمرير المعلومات للثوار من داخل الجيش العثماني، وهروبه الخطير للالتحاق بقوات الأمير فيصل بن الحسين. يختتم الكتاب بوصف اللحظات الأخيرة من الحرب، ودخول دمشق، ثم مشاركة الأمير فيصل في مؤتمر فرساي في باريس، حيث تنتهي المذكرات فجأة، مخلفة فراغاً كبيراً عن الفترة الأطول من حياة تحسين قدري في العراق.
تزخر المذكرات بالوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها. حادثة إنقاذه لشقيقه الدكتور أحمد قدري من الموت، والتي يعتبرها فضل الله عليه، حيث قفز من قطار مسرع ليطلعه على التهم الموجهة إليه، فينقذه من المشانق التي سار إليها غيره في 6 مايو/أيار 1916. وصفه المفصل لمذابح الأرمن التي أمر بها فخري باشا، حيث قام بحصار مدينة أورفه وقذف الكنائس بالمدافع، ونجاحه في إنقاذ طفلتين أرمينيتين وتعهده برعايتهما، بالإضافة إلى إنقاذه ما يزيد على المائتي أسرة أرمنية. قصة هروبه من قبضة فخري باشا الذي خيّره بين الإعدام والمغادرة، ونجاته بفضل صديقه قدري بك. وصوله إلى سلطان باشا الأطرش وإعلان استقلال جبل الدروز وانضمامه للثورة. الرحلة الشاقة مع الأرمن عبر وادي السرحان، حيث عانوا العطش لدرجة أن البعض شرب بول الإبل، ومواجهته لعشيرة بني صخر التي أغراها جمال باشا بمكافأة قدرها خمسمائة جنيه من الذهب للإتيان به حياً أو ميتاً. دخوله دمشق في فجر 1 أكتوبر/تشرين الأول 1918 إلى جانب جميل المدفعي، والاستقبال الحماسي من الأهالي. وفي باريس، حواره مع لورنس الذي اتهمه بعدم الوفاء بوعوده، وحادثة رفض الأمير فيصل لوليمة راقصة في بلدية باريس قائلاً إنه لم يأت للتمتع بالراقصات.
يعترف الكتاب صراحة بحدوده. فصاحب المذكرات، تحسين قدري، التزم الصمت طوال حياته ولم يبح بأسرار من عمل معهم، حتى بعد رحيل العهد الملكي. يعلل حفيده، الأستاذ فيصل قدري، أن السبب كان خشيته من إيذاء سمعة أناس لا زالوا على قيد الحياة. يضرب مثالاً على ذلك عندما سأل جده عن سبب وفاة الملك فيصل الأول، فأجابه بأنه توفي بعد شرب شاي أعدته ممرضة هندية، متحاشياً اتهام البريطانيين بمؤامرة، لأن ذلك سيكون اتهاماً له بالتقصير في حمايته. يترك الكتاب أسئلة تاريخية مهمة مفتوحة، مثل تفاصيل مصرع الملك غازي، وزواج الملك فيصل الثاني، وتقييمات شخصيات العصر، مما يجعل القارئ يتساءل عن الكثير من التفاصيل التي دفنها تحسين قدري معه في قبره.
الحجج القابلة للنقاش في الكتاب تتمثل بشكل رئيسي في موقفه من القضية الفلسطينية واتفاقية فيصل-وايزمان. يبرئ المؤلف فيصل الأول من هذه الاتفاقية، مشيراً إلى تلاعب لورنس بالترجمة، ويعتبرها اتفاقية مزيفة. هذا الموقف الذي يرفع المسؤولية عن فيصل ويحملها للوسيط البريطاني وحده، هو موضع نقاش تاريخي واسع. كما أن اعتماد الثورة العربية على الوعود البريطانية، والذي يظهره الكتاب كخيار وحيد في ظل الإبادة التركية، يُظهر الجانب السياسي الحساس والمحفوف بالمخاطر الذي اتسمت به الثورة منذ بداياتها. أخيراً، فإن التركيز على دور الضباط العراقيين في الإدارة والحكومة العربية في سوريا، وانتقاد عدم تنظيم جيش سوري قوي، يثير تساؤلات حول الديناميكيات الإقليمية والطموحات الشخصية التي ساهمت في انهيار المملكة السورية في معركة ميسلون.
الفصول(5)
1.مقدمات5–39▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل التمهيدي هو تقديم شخصية تحسين قدري (1892-1986)، صاحب المذكرات، وشرح السياق التاريخي لأهميتها، مع تحديد نطاقها ومحتواها وتحفظاتها. يقدم المؤلف، سيار الجميل، إجابة واضحة: هذه المذكرات ليست سيرة ذاتية شاملة، بل هي شهادة تاريخية مركزة على المرحلة الأولى من حياة تحسين قدري، وصولاً إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وهي تغطي فترة مفصلية من التحول من الدولة العثمانية إلى الدولة العربية الحديثة، من وجهة نظر رجل كان في قلب الأحداث.
يسير الفصل خطوة خطوة عبر عدة أقسام. يبدأ بـ"من هو تحسين قدري؟" الذي يشرح نشأته: وُلد في بعلبك عام 1892 لأسرة سورية، ودرس في مدارس فلسطين والبصرة وبغداد، ثم تخرج من المدرسة الحربية في إسطنبول عام 1914 برتبة ملازم ثاني. يوضح النص كيف أن مساره المهني بدأ كضابط في الجيش العثماني، لكنه هرب ليلتحق بـالثورة العربية الكبرى عام 1916 في معسكر الأمير فيصل بن الحسين. سرعان ما لاحظ فيه فيصل الوفاء والمؤهلات، فعيّنه مرافقاً عسكرياً أقدماً له، وظل ملازماً له في حكومته في سورية (1918-1920)، وفي تأسيس المملكة العراقية (1921)، وحتى وفاة فيصل الأول في عام 1933. يبين الفصل أن تحسين قدري استمر في خدمة الملك غازي الأول والملك فيصل الثاني، وتولى مناصب حساسة مثل رئاسة دائرة التشريفات الملكية، وعمل سفيراً للعراق في عدة عواصم، ثم أمضى سنواته الأخيرة في سويسرا حتى وفاته عام 1986.
ثم ينتقل الفصل إلى قسم "ماذا كتب عنه البريطانيون؟"، حيث يُدرج المؤلف نقلاً من وثائق بريطانية تعود للفترة 1914-1966، والتي تصف تحسين قدري بأنه "سني من دمشق ومن مواليد 1893"، وتتابع مساره الوظيفي الدقيق. تشير الوثائق البريطانية إلى تعيينه مديراً للمراسم والتشريفات في آذار/مارس 1932، ومرافقته لفيصل في زيارته الرسمية إلى بريطانيا عام 1933، وحصوله على وسام K.C.V.O البريطاني. تذكر الوثائق أيضاً إجباره على الاستقالة من البلاط في حزيران/يونيو 1936 بسبب "فضيحة زواج الأميرة عزة"، ابنة فيصل الأول، التي أحبت وتزوجت خارج العراق وتخلت عن لقبها، وهو ما اعتبر فضيحة للأسرة الحاكمة. بعد ذلك، عُين في مناصب دبلوماسية كقنصل في طهران (تشرين الثاني/نوفمبر 1936) وقنصل عام في بومبي (كانون الأول/ديسمبر 1937)، ثم وزيراً مفوضاً في دمشق وبيروت، حيث كان ناشطاً في قضايا الوحدة العربية.
في القسم الثالث، "دراسة في المذكرات"، يقدم المؤلف تحليله النقدي. يعترف سيار الجميل بتحفظه وأسفه لأن المذكرات "مقتضبة" و"مبتورة"، متمنياً لو كانت أكبر حجماً لتغطي نصف قرن من التاريخ العراقي، خاصة العهد الملكي الذي عاصره تحسين قدري عن كثب. يشير المؤلف إلى أن المذكرات تتوقف عند مرحلة البدايات الأولى فقط وتنتهي عند مشاركة فيصل في مؤتمر فرساي 1919، مما يترك فراغاً كبيراً عن الفترة الأطول والأكثر أهمية في حياة الرجل في العراق. برر المؤلف ذلك بأن تحسين قدري التزم الصمت والأمانة، فلم يبح بأسرار من عمل معهم، حتى بعد رحيل العهد الملكي. ويضرب مثلاً على ذلك بأنه لم يذكر شيئاً عن المذكرة الشهيرة المنسوبة لفيصل الأول والتي زُعم أنه وزعها على حاشيته.
يستمر القسم النقدي في إظهار قيمة المذكرات على الرغم من قصرها. يؤكد المؤلف أنها تقدم "شهادة تاريخية لم تنشر بعد" وتحتوي على معلومات جديدة، خاصة فيما يتعلق بفعاليات الثورة العربية الكبرى، وسياسات قادة "الاتحاد والترقي"، وبطش جمال باشا السفاح، وإبادة الأرمن. ويشرح المؤلف كيف أن هذه المذكرات تعد "رسالة" موجهة إلى الأتراك الذين يتهمون العرب والآخرين بالخيانة، إذ تظهر للقراء الجرائم التي ارتكبها الاتحاديون بحق الدولة العثمانية وشعوبها بأنفسهم، وأدخلوها في الحرب العالمية الأولى دون مبرر. يوضح النص أيضاً إخفاق الرجل في معالجة قضايا حساسة كان يتوقعها القارئ، مثل "الاتفاقية المزيفة" مع حاييم وايزمان، والتي يبريء فيها فيصل الأول منها، مشيراً إلى تلاعب لورنس بالترجمة. ويسرد جملة من الملفات الأخرى التي لم يغطها النص مثل مسألة مصرع الملك غازي، وزواج الملك فيصل الثاني، وتقييمات شخصيات العصر.
أخيراً، يختتم الفصل بـ"شهادة الاستاذ فيصل قدري"، حفيد صاحب المذكرات، الذي يقدم شهادة شخصية عن جده. يصف الاستاذ فيصل كيف تلقى خبر انقلاب 14 تموز/يوليو 1958 مع العائلة، واتصالاتهم بقصر الرحاب التي انتهت بمعرفة مقتل العائلة المالكة بأكملها. يروي الحفيد أنه خلال زياراته لجده في سويسرا في الستينيات، دارت بينهما أحاديث عن أسباب عدم إكمال المذكرات، وكان الرد دائماً أن نشرها سيؤذي سمعة أناس لا زالوا على قيد الحياة. يذكر مثالاً على ذلك عندما سأل جده عن سبب وفاة الملك فيصل الأول، فأجاب تحسين قدري بأنه توفي بعد شرب شاي أعدته ممرضة هندية، متحاشياً اتهام البريطانيين بمؤامرة، لأن ذلك سيكون اتهاماً له بالتقصير في حمايته. ويخبره بأن قناعته الشخصية كانت المرض.
الفصل بأكمله يعترف صراحة بحدود المذكرات. فهو لا يدّعي أنها سرد كامل أو تحليل عميق، بل يقر المؤلف بأنها مختصرة وتتوقف مبكراً. هناك تحفظ واضح من قبل صاحب المذكرات نفسه، الذي كتم الأسرار طوال حياته، وترك أسئلة تاريخية مهمة مفتوحة دون إجابة، مما يجعلنا نتساءل عن الكثير من التفاصيل التي دفنها معه في قبره.
2.عصر الدولة العثمانية السنين الأولى39–87▼ ملخص
ملخص الفصل: «عصر الدولة العثمانية السنين الأولى» من مذكرات تحسين قدري
يستهل تحسين قدري مذكراته بتوضيح الدوافع التي أملت عليه كتابتها، بعد أن تردد طويلاً في الاستجابة لطلبات رفاقه في العروبة والمؤرخين الشرقيين والغربيين، خوفاً من تأثير ما قد ينشره على استقرار الأوضاع في سوريا والعراق. ويؤكد أنه كان الوحيد الذي تمتع بثقة الملك فيصل الأول في حياته الخاصة، وأنه جمع على مر السنين وثائق تاريخية مهمة، لكن أحداث عام 1958 أرغمته على مغادرة العراق والاستقرار في لوزان بسويسرا. ويهدف من نشر مذكراته إلى تعريف الجيل العربي الناشئ بكيفية تحقيق الاستقلال وبجهاد الأجيال السابقة.
يروي تحسين قدري أصول أسرته، التي ترجع من جهة والده إلى جده الأكبر الملقب بـ«الترجمان»، الذي اصطفاه الأتراك بعد فتح الشام لإتقانه الفارسية والتركية، وصار من الأعيان وله أوقاف خيرية في دمشق وحلب. أما والدته فتنتسب إلى أسرة «الكليدار»، التي يقال إن أصولها ترجع إلى خالد بن الوليد. والده، عبد القادر أنس باشا، كان من أمراء الجيش العثماني، وأصيب في معركة في روميليا، فنقل حاكماً عسكرياً إلى بعلبك، حيث وُلد تحسين قدري عام 1892 في بيت يقع بجانب معبد جوبيتر الشهير.
يتنقل تحسين قدري مع ذكرى طفولته المبكرة، متتبعاً تنقلات والده العسكرية بين بيروت وعكا وفلسطين، ثم استقراراً نسبياً حين عُين والده قائداً لموقع نابلس. هناك بدأ دراسته الابتدائية في مدرسة الفرير الفرنسية اليسوعية، وتعلم مبادئ اللغة الفرنسية. ويصف اهتمام والده البالغ بتعليم أبنائه، حيث أرسل أخاه أحمد إلى باريس لدراسة الطب، وأدخل أخاه الأكبر زكي مدرسة ملكية شاهان في إسطنبول، التي كانت شديدة التنافس والقبول محدود. ويشير إلى أنه في تلك الفترة، زمن السلطان عبد الحميد الثاني، لم تكن النعرة القومية التركية واضحة في الدولة، وكان السلطان يظهر مراعاته للعرب وغيرهم.
ينتقل السرد إلى الرحلة الشاقة التي قامت بها العائلة من دمشق إلى البصرة سنة 1903 أو 1904، بعد ترقية والديه إلى رتبة أمير آلاي وتعيينه قائداً في البصرة. استغرقت الرحلة بالقافلة أكثر من ثلاثين يوماً، مروراً بـدير الزور والقائم وهيت وبغداد. بعد وصولهم بغداد وتوقف قصير، توجهوا إلى البصرة بالباخرة النهرية «البرهانية» في رحلة استمرت ثمانية أيام. في البصرة، دخل تحسين مدرسة الرشدية، وواظب على دروس اللغة الفرنسية مع أستاذ خصوصي، وتعرف على أسر البصرة المعروفة مثل آل القرطاس والفداغ والزهير وباش أعيان.
بعد سنتين، عادت العائلة إلى بغداد، حيث سكنت في محلة الميدان بالقرب من سكن ياسين باشا الهاشمي. التحق تحسين قدري بالمدرسة الإعدادية، ويذكر من أساتذتها الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي الذي كان يدرس اللغة العربية، ومن زملائه رشيد عالي الكيلاني وحسن الكيلاني وتوفيق السويدي وناجي شوكت ومزاحم الباجه جي. كان هادئ الطبع ومنزوياً، ولم يشترك في النشاطات الطلابية السياسية.
لم يطل الاستقرار في بغداد، إذ نُقل والديه إلى البصرة ثانية، لكن الأسرة لم ترغب في العودة بسبب الرطوبة وانتشار مرض الملاريا، فقررت الانتقال إلى إسطنبول سنة 1905. يسرد تحسين تفاصيل حياته اليومية في إسطنبول، حيث سكن في ضاحية قاضي كوي، وكان يستيقظ باكراً ليركب الباخرة ثم يمشي ليصل إلى مدرسته في الساعة الثامنة صباحاً. ويصف أجواء شهر رمضان في إسطنبول بجمالها، من ألحان الباعة إلى موائد الإفطار التي ترسلها السلطنة من قصر يلدز، وجمال لباس السيدات المعروف بـ«اليشماق»، وموكب ليلة المعراج.
تمكنت والدته من نقل والدها إلى دمشق، فعادت العائلة إليها. التحق تحسين بمدرسة عنبر الإعدادية في الصف الخامس، وكان من زملائه نسيب البكري. برع في دراسته وخاصة في الأدب والتاريخ والفنون الجميلة. في سنة 1908، أُعلن الدستور في الدولة العثمانية، واحتُفل به في مدرسة عنبر، وأُلقى خطاباً ارتجالياً نال استحسان والده الذي كافأه بمجيدي ذهبي.
رغم تفوقه المدني، رغب والده في أن يتجه للعمل العسكري تخليداً لمسلكه، فأخرجه من مدرسة عنبر وأدخله المدرسة الرشيدية العسكرية، مما شعر معه بالإحباط. لكنه سرعان ما عاد للاجتهاد وتفوق في المراحل الأولى، حتى أنه كان يعطي دروساً لزملائه.
يصف تحسين بداية ظهور الاتجاهات القومية التركية من خلال الحركة الطورانية، مما دفع القوميات الأخرى للتكتل. أنشأ العرب جمعية الإخاء العربي العثماني، التي كانت تهدف إلى إعلاء شأن القومية العربية ثقافياً واقتصادياً دون عداء للحكم القائم. لكن مظاهر العداء للقوميات غير التركية كانت منتشرة، ولم يدم حال الجمعية طويلاً. في 31 مارس عام 1909، قام أفراد الجيش في إسطنبول بعصيان ضد الضباط، مطالبين بعودة السلطان عبد الحميد الثاني لسلطاته. زحف الجيش المرابط في الولايات الأوروبية بقيادة محمود شوكت باشا على إسطنبول، وقضى على الفتنة وخلع السلطان نهائياً. وبما أن معظم مؤسسي جمعية الإخاء العربي كانوا من أنصار عبد الحميد، انحلت الجمعية.
يختتم الفصل بذهابه إلى إسطنبول سنة 1911 للالتحاق بالمدرسة الحربية في القوله لي. هناك، وسط جو الاضطهاد القومي ومنع قراءة التاريخ العربي، تولد لديه شعور بوجوب التكتل للدفاع عن القومية العربية. ويورد حادثة طريفة عن التنويم المغناطيسي، حيث أنقذ زميلاً له من غيبوبة، فسُجن ثم مثُل أمام محكمة عسكرية أطلقت سراحه. ويشير إلى أن جو الاضطهاد دفع لإنشاء تجمعات عربية، أولها «المنتدى الأدبي» الذي شارك في نشاطاته وساهم في تأسيسه أخوه أحمد عام 1909.
ملاحظات ختامية
يقدّم هذا الفصل لمحةً سيرة ذاتية غنية بالتفاصيل عن حياة تحسين قدري في كنف الدولة العثمانية، مازجاً فيها التاريخ الشخصي بالعام. تكمن قيمة الفصل في كونه يوثق مرحلة التكوين الأولى لشخصية سياسية وعسكرية عراقية بارزة، ويكشف عن جذور وعيها القومي المبكر. مع ذلك، يكتفي السرد بالوصف التاريخي والاجتماعي، ولا يتعمق في تحليل التناقضات السياسية والاجتماعية التي كانت تعصف بالدولة العثمانية في ذلك العصر، والتي ألمح إليها فقط. كما أن الفصل يبقى مقتصراً على رؤية تحسين قدري الشخصية، مما يجعله بحاجة إلى مقارنة مع مصادر تاريخية أخرى لتكوين صورة أكثر شمولاً عن تلك الفترة الحاسمة.
2.الحرب العالمية الأولى87–115▼ ملخص
بدأ الفصل بوصف الأوضاع المعيشية القاسية في اسطنبول، وتحديداً في المدرسة الحربية التي كان يدرس فيها المؤلف تحسين قدري. كان الطعام المقدم للطلاب سيئاً ومليئاً بالحشرات كالصراصير والفئران، وعندما احتج الطلاب، كان رد المسؤولين أن الجندي يجب أن يتدرب على ظروف أقسى.
بعد تفوقه في مادة الفروسية ومادة الفنون الحربية، تخرج تحسين قدري من المدرسة الحربية برتبة ملازم ثان مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. أُرسل فوراً إلى جبهة أرضروم شرق الدولة العثمانية، والتي تعرضت لهجوم كبير من الجيش الروسي بقيادة الجنرال يودنيتش الذي استولى على مدينة أرضروم. شرح المؤلف خلفية الصراع وأسباب دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا، ومن أهمها المطامع الروسية في احتلال مضيق الدردنيل.
على الجبهة، عانى تحسين قدري من ظروف الحرب القاسية؛ من نقص العتاد والطعام، إلى الثلوج التي بلغ ارتفاعها أكثر من مترين، والتي كانت سبباً رئيسياً في فشل الهجوم المضاد للجيش العثماني بقيادة أنور باشا. في إحدى المعارك، أظهر المؤلف شجاعة كبيرة باقتحامه صفوف القوزاق وانتزاع سيف من أحدهم، وفي مهمة أخرى تطوع لإنقاذ رتل عثماني محاصر، كوفئ عليها بعد ذلك بميدالية حربية.
مع اشتداد القتال، أصيب تحسين قدري بمرض التيفوس وأُفقدته الحمى الشعور أربعين يوماً، ثم نُقل بعدها ليصبح آمراً للمقر الحربي للجيش الرابع في مدينة حلب. من هنا، يصف الفصل أبشع ما شهده في الحرب وهي مذابح الأرمن التي وقعت بأمر صريح من فخري باشا، حيث قام بحصار مدينة أورفه وقذف الكنائس بالمدافع. يخصص المؤلف فقرات مؤلمة لوصف هذه المجازر، وذكر كيف نجح في إنقاذ طفلتين أرمينيتين من الموت، وتعهد برعايتهما لسنوات، بالإضافة إلى إنقاذه ما يزيد على المائتين من الأسر الأرمنية وإرسالهم إلى القاهرة.
بعد حملة قناة السويس الفاشلة، قام جمال باشا (المعروف بجمال باشا السفاح) بحملات الإبادة والشنق التي طالت خيرة شباب العرب القوميين. في 21 أغسطس/ آب 1915م، أُعدم عدد كبير من أعضاء حزب اللامركزية وجمعية العربية الفتاة. هذه الحوادث دفعت الشريف حسين بن علي أمير مكة إلى التفكير جدياً في الثورة والتعاون مع الحلفاء. في هذه الأثناء، أصبح تحسين قدري عضواً في جمعية العربية الفتاة تحت ستار كونه ضابطاً موثوقاً من قبل القيادة العثمانية، واستخدم منصبه للاطلاع على نوايا حزب الاتحاد والترقي.
وصف الفصل تفاصيل مهمة تمثلت في وصول الشريف فيصل بن الحسين إلى دمشق في أبريل/ نيسان 1915م، ولقائه بقادة الجمعية، ومحاولته التوسط لدى جمال باشا لإطلاق سراح المعتقلين، باءت بالفشل. كان من بين المعتقلين شقيق المؤلف الدكتور أحمد قدري. قام المؤلف بمخاطرة كبيرة حين استطاع، أثناء نقل ملفات السجناء من دمشق إلى بيروت، القفز من القطار والتوجه إلى السجن في عالية لإطلاع شقيقه على التهم الموجهة له وتعليمه كيفية الرد. كانت هذه المبادرة هي السبب المباشر في إنقاذ حياة أخيه الذي أُفرج عنه في 14 مارس/ آذار 1916م، بينما سار غيره إلى المشانق في 6 مايو/ أيار 1916م في بيروت ودمشق. يختتم الفصل بالتأكيد على أن هذه المذابح كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وأيقنت الزعامات العربية أن لا حل إلا بالثورة والاستقلال التام عن الدولة العثمانية.
2.إعلان الثورة العربية115–153▼ ملخص
ملخص الفصل الثالث: إعلان الثورة العربية
يتركز هذا الفصل على مرحلة الحسم التي سبقت إعلان الثورة العربية الكبرى، ويعرض تفاصيل التحول من مرحلة المساعي السياسية إلى المواجهة العسكرية، من وجهة نظر المؤلف الذي كان ضابطاً في الجيش العثماني. يقدم الفصل إجابة واضحة مفادها أن فشل جميع الوساطات والضغوط السياسية، وإصرار الدولة العثمانية على رفض مطالب الاستقلال للولايات العربية، دفع الشريف حسين بن علي وأولاده إلى خيار الثورة المسلحة ضد الحكم العثماني، بالتحالف مع بريطانيا.
يسير الفصل زمنياً، بدءاً من ديسمبر/ كانون الأول 1915، عندما غادر الشريف فيصل بن الحسين دمشق بعد فشل وساطات والده مع أنور باشا لإطلاق سراح المعتقلين العرب. عاد فيصل إلى دمشق في يناير/ كانون الثاني 1916 ومعه خمسون متطوعاً حجازياً، ونزل ضيفاً على عطا باشا البكري في القابون. يُظهر الفصل أن فكرة القضاء على جمال باشا وأنور باشا حين كانا تحت حماية العرب قد طُرحت، لكن الشريف فيصل رفضها التزاماً بتقاليد حماية الضيف.
يذكر المؤلف أن الأخبار باحتمال قيام الشريف حسين بثورة في الحجاز دفعت جمال باشا إلى إصدار أوامره بتعزيز المدينة المنورة ونقل قيادة الجيش الرابع إليها. في المقابل، جاء إلى المنطقة وفد بريطاني رفيع بقيادة اللورد الأميرال ويست وويمس وكورنواليس، وقدموا وعوداً خطية نيابة عن الحكومة البريطانية، لكن المؤلف يشير إلى أنها كانت تحمل "السموم الخفية بخصوص فلسطين". حاول الشريف فيصل مرة أخيرة الاتفاق مع الأتراك مقابل ترك بريطانيا، لكن الحكومة التركية رفضت شرط استقلال البلاد العربية، مما اضطر فيصل لإكمال مسيرة الثورة بناءً على الوعود البريطانية.
في هذه الأثناء، كان المؤلف (تحسين قدري) يخدم ضابطاً في مقر القيادة العثمانية بالمدينة المنورة تحت إمرة فخري باشا المتعصب قومياً. يكشف الفصل عن دوره السري في تمرير المعلومات للثوار؛ فقد كان على اتصال دائم بأخيه الدكتور أحمد في دمشق، الذي بدوره كان يبلغ مقر الشريف فيصل بالشيفرة عن تحركات الأتراك ونواياهم، وكانت كل رسالة تكلف أكثر من 20 جنيهاً ذهبياً من جيب أخيه. يصف المؤلف كيف حاولت الحكومة العثمانية إخماد الثورة بتنصيب الشريف علي حيدر من ذوي زيد شريفاً على مكة بدلاً من الشريف حسين، وزودته بالمال ليشتري الولاءات. لكن المؤلف، الذي رافق علي حيدر في رحلة القطار من دمشق إلى المدينة، يصفه بأنه شخصية "شفافة لطيفة للغاية ولكنه ليس برجل ثورة" وغير مستعد لخوض المعركة ضد ابن عمه، مما أدى إلى فشل مهمته.
يتناول الفصل بالتفصيل العمليات العسكرية في الحجاز. يصف المؤلف كيف قاد فخري باشا بنفسه قوة رتل خاطفة للهجوم على قوات الثوار في بئر الماشي بين المدينة وينبع، في محاولة لقطع خط الرجعة على قوات الأمراء فيصل وزيد. يصف قسوة الحرب في الحرارة الشديدة التي وصلت إلى الخمسين درجة مئوية، ويشير إلى أنه خلال مجلس حرب قرب ينبع، أقنع المؤلف والضباط الآخرون فخري باشا بالعودة خوفاً من تطويق قواتهم، وهو ما تم. وفيما بعد، يذكر المؤلف أن الشريف فيصل بدأ بتموز/ يوليو 1917 بتنظيم قواته النظامية لقطع خط سكة حديد الحجاز بين المدينة ودمشق، والاستيلاء على العقبة، ثم التوجه نحو أبو اللسن.
يخصص الفصل مساحة لوصف كيفية تعامل فخري باشا مع كنوز الحرم النبوي الشريف، بنقلها على عجل إلى اسطنبول في صناديق خشبية بقطار خاص، حماية لها من الثوار، وهو ما يعلق عليه المؤلف باستغراب من عدم مطالبة الحكومات الإسلامية لاحقاً بإعادتها. كما يعرض الوضع المتأزم للأتراك، حيث انقطعت اتصالاتهم مع سورية، وحوصرت قواتهم في المدينة المنورة، وبدأ الجنود بالالتحاق بقوات الثوار بسبب الحرارة والأمراض وقلة الطعام.
تصل الأحداث مع المؤلف إلى ذروتها عندما يقرر الالتحاق بالثورة في عام 1917. يكشف الفصل كيف وقع في ورطة حين أرسل رسالة بخط يده مع جندي لطبيب كان قد اتفق معه على الهرب، لكن الجندي وقع في قبضة السلطات. يستدعيه فخري باشا بغضب ويخبره أن ديوان الحرب العرفي يطلبه للمحاكمة بتهمة الخيانة، ما يعني الإعدام. لكن فخري باشا، لاعتماده عليه كحافظ لأسراره العسكرية لمدة سنتين، يمنحه فرصة لمغادرة الحجاز خلال أسبوعين بدلاً من إحالته إلى المحكمة. تنجح محاولة إنقاذه بفضل صديقه قدري بك، قائد الفرقة 53 في غزة، الذي يطلب نقله كمرافق له نظامياً. يغادر المؤلف المدينة إلى دمشق، ويحصل على إجازة طبية بمساعدة أخيه.
في القسم الأخير، يصف المؤلف كيف عمل بعدها في الناصرة في مقر قيادة ليمان فون ساندرس، القائد الألماني لجبهة فلسطين. استطاع الوصول إلى خرائط وبيانات حربية عن مواقع الجيش العثماني كاملة. يؤكد المؤلف أن التخوف من قوات الشريف فيصل كان أكبر من التخوف من الجيش البريطاني، حتى أن التعبئة التركية كانت مبنية على هذا الخوف من الالتفاف العربي. بعد أن حصل على كل المعلومات التي أرادها، قرر الهرب مرة أخرى. تمكن من مغادرة القطار العسكري من الناصرة إلى دمشق، وخلال الرحلة قام بمجازفة خطيرة بالقفز من القطار قبل وصوله محطة القدم في دمشق لتجنب التفتيش، تاركاً أغراضه مع جنديه الوفيّ محمد لتوصيلها إلى أخيه.
يمكن القول إن الفصل يقدم رواية شاهد عيان من داخل الجهاز العسكري العثماني، تُظهر الوجه الآخر للصراع: التردد السياسي التركي، والاعتماد على شخصيات غير مؤهلة مثل الشريف علي حيدر، وسرية ونجاح عمليات التنسيق بين الثوار والضباط المنتمين للجمعيات السرية. في هذا الإطار، تبقى بعض الأسئلة مفتوحة حول مدى دقة بعض الأسماء التي لم تسعفها ذاكرة المؤلف، كما أن الاعتماد على الوعود البريطانية يُظهر الجانب السياسي الحساس والمحفوف بالمخاطر الذي اتسمت به الثورة منذ بداياتها.
4.اللقاء153–195▼ ملخص
بدأ الفصل بمشاعر من القلق والملاحقة، حيث شعر الراوي بضرورة مغادرة منطقة الخطر بسرعة، وهو ما لم يلتفت إليه الآخرون في تلك اللحظة. وفعلاً، علموا لاحقاً أن بيت أخيه تعرض لهجوم من الشرطة العسكرية بعد ساعة واحدة فقط من مغادرتهم دمشق. توجه الراوي وأخوه أحمد نحو جبل الدروز، وفي الطريق كان عليهم اجتياز مخفرين، فاستعدوا لصد أي هجوم، وحدث تبادل لإطلاق النار مع هذه المخافر.
يصف الفصل وصولهم إلى قرية درزية حيث نزلوا ضيوفاً عند شيخ القرية، وتنفسوا الصعداء بعد عناء السفر بين دمشق وجبل الدروز. في اليوم التالي، واصلوا مسيرتهم في الجبل وعبروا مركز لواء الجبل، ثم وصلوا إلى قرية "الحلبية". وهناك، هاجمتهم قوة من الجندرمة التركية، فقرروا الدفاع بالسلاح وعدم الاستسلام. كان أهل الحلبية موالين للأتراك، وألقى الأخ أحمد خطباً في المختار وشيخ القرية وزعيم العائلة، وأثار فيهم النخوة العربية، مستذكراً أن الضيف عند العرب لا يُلمس حتى لو كان قاتلاً. لكن الشيخ الحلبي لم يوافق على ثورتهم العربية، واعتبر الأتراك أولياء نعمته، ورغم أنه لم يسلمهم للقوة احتراماً للضيافة، إلا أنه طلب منهم المغادرة بسرعة. غادروا تحت ضغط شديد حتى وصلوا إلى أول قرية من قرى بيت الأطرش، حيث تبدل الموقف لأنهم أصبحوا قريبين من الزعيم سلطان باشا الأطرش.
يقدم الفصل سيرة ذاتية مطولة لـ سلطان باشا الأطرش (1891-1982)، قائد الثورة السورية الكبرى عام 1925 ضد الانتداب الفرنسي. يذكر أنه ولد في قرية القريا، وأن والده ذوقان أُعدم شنقاً من قبل الأتراك عام 1911 بسبب تمرده. شارك سلطان في الثورة العربية، ودخل دمشق عام 1918 ورأى راية الثورة فوق دار الحكومة، فمنحه الملك فيصل لقب "باشا". رفض مشروع الفرنسيين بدولة درزية مستقلة، وآمن بوحدة سوريا العربية. أعلن الثورة في 21 يوليو 1925، وامتدت نيرانها في عموم سوريا، وخاض معارك عديدة مثل معركة المزرعة والكفر. انسحب إلى الأردن والحجاز، وعاد بعد عفو عام 1936، واستقبل في دمشق استقبالاً شعبياً كبيراً في 18 مايو 1937. تابع نضاله، وشارك في انتفاضة 1945، ودعا عام 1948 لتأسيس جيش عربي موحد لتحرير فلسطين، وتوفي في 26 مارس 1982 ودفن بجنازة مهيبة.
عند وصولهم إلى سلطان باشا الأطرش، بالغ في إكرامهم، وكان يقدم لهم "المنسف" العربي شهرياً، وهو طبق كبير يحمله أكثر من ستة أشخاص. خلال فترة ضيافتهم، انضم إليهم شخصان من آل العسلي وبعض الأشخاص الآخرين، ووجدوا جندياً معه مدفع رشاش. وهناك، أعلنوا استقلال جبل الدروز وانضمامه لثورة الشريف الحسين بن علي.
يتحول الفصل بعد ذلك إلى مهمة إنقاذ الأرمن، حيث كانوا ما زالوا يهربون من بطش جمال باشا السفاح وجمعية الاتحاد والترقي. طُلب من الراوي أن يخلص مئتي أسرة من الأرمن ويوصلهم إلى مقر الشريف فيصل بن الحسين، الذي كان يعطي ليرة من الذهب لكل أرمني يصل إلى العقبة لتسفيره إلى القاهرة. أصبح الراوي رئيساً للقافلة، وكانوا يسيرون ليلاً تجنباً للحر وخوفاً من القوات التركية. يصف الراوي وصولهم إلى قلعة الأزرق، حيث فوجئوا بهجوم، وحصل تلاسن، وأخذ بعض أفراد القافلة حصان أخيه الدكتور، فغضب الأخ، لكن الراوي بقى معه وأخذه أمامه على الهجين، محاولاً تهدئته رغم جرح يده.
بعد خلاصهم من منطقة الخطر، مروا بـ عمان صباحاً، وكانت في ذلك الحين قرية صغيرة يقطنها الشراكسة، لا يوجد فيها سوى حوالي خمسين بيتاً من الطين. كان الشراكسة مزارعين ولم يكونوا موالين للقوة التركية، وكانوا فرساناً أقوياء، وقسم منهم شكل سرية خيالة في حلب كانت تحت إمرة الراوي لاحقاً. ثم يذكر أنه في السنوات 1923 إلى 1926، التقى بأفراد هذه السرية في مقر الملك عبد الله في عمان.
عند وصولهم منطقة بني صخر ظهراً، فوجئوا بطلقات نارية من التلال والوديان المحيطة. كان الراوي يعلم أن بدو بني صخر موالون للأتراك، فأوقف القافلة وأخذ ترتيباته، وصعد إلى أعلى تل مع جندي يحمل مدفعاً رشاشاً. طلب من الجندي إطلاق النار حتى لو لم ير الهدف، لأن البدو كانوا يخشون هذا السلاح الجديد. بعد إطلاق الرشاش، انقطعت الطلقات ورأى البدو يتراجعون. علم الراوي لاحقاً أن جمال باشا أغرى عشيرة بني صخر للإتيان به حياً أو ميتاً بمكافأة قدرها خمسمائة جنيه من الذهب، وهو ما وجده مبلغاً زهيداً لا يساوي حياته.
بعد ذلك، دخلوا حدود وادي السرحان، حيث كانوا يسيرون معتمدين على الآبار، وأحياناً يبقون يومين أو ثلاثة بدون ماء. يصف الراوي معاناتهم من العطش، حيث كان البعض يشرب بول الإبل، وعند وصولهم بئراً، وجدوا الماء أسود اللون ومليئاً بالحشرات، فقام بتصفية الماء بمحرمته وشربه باشتهاء. كما يذكر شجاراً حصل بين رجال القافلة من البدو والأرمن عند البئر، حيث جرح أحد البدو أحد الأرمن، فتدخل لحل الشجار وطمأن الجميع. يصف طعامهم في الرحلة بأنه كان القليل من الخبز اليابس والتمر.
يذكر الراوي قصة طريفة بعد سنوات، حيث ذهب إلى طبيب في الإسكندرية عام 1934 أو 1935، واكتشف أن الطبيب، واسمه "كريكوريان"، كان حاضراً معركة البئر نفسها. تصافحا، وقال الطبيب له: "لولاك لقتلنا جميعاً". استنتج الراوي من هذه الحادثة أن عمل الخير لا يضيع، وأنه تخلص من مآزق كثيرة بسبب مساعدته للمحتاجين.
بعد أكثر من عشرين يوماً من العطش وقلة الزاد، وصلوا إلى مخيم الشيخ عودة أبو تايه من قبيلة الحويطات. يصف الراوي الشيخ بأنه طويل القامة، ذو لحية سوداء وأعين براقة، وقد رحب بهم ترحيباً حاراً وذبح لهم الخرفان. قدموا لهم منسفاً ضخماً يزيد قطره عن مترين، فيه الأرز وخمس حفر من السمن البلدي وخمسون كيلو من السكر. كان الشيخ جالساً يراقبهم ولا يأكل معهم حسب التقاليد البدوية.
بعد الضيافة، واصلوا المسيرة إلى مقر الأمير فيصل بن الحسين. يذكر الراوي أنه التقى بعدة شخصيات بارزة: نوري الشعلان، والشيخ عجيل الياور، والشيخ طلال حريدين شيخ طفس. دخلوا خيمة الشريف فيصل، والتي كانت بسيطة ومفروشة بالأثاث السفري، فرحب بهم. بجانب خيمة فيصل كانت خيمة أخيه زيد، ثم خيمة رئيس أركان حرب جيش الشمال نوري السعيد، وآمر الهجانة تحسين علي، وآمر الفوج علي جودت الأيوبي، وآمر المدفعية جميل المدفعي وراسم سردست. خصصت لهم خيمة، وسلم الأرمن لتسفيرهم إلى القاهرة بواسطة الجيش البريطاني.
أصبح الراوي مرافقاً حربياً خاصاً للأمير فيصل. يصف الفصل الحركات الحربية مع جيش الشمال، حيث تكونت حملة من القوة النظامية العربية وقوة بدوية بقيادة الشريف ناصر بن علي. في 16 سبتمبر 1918، وصلوا إلى حوران، وفي 17 سبتمبر، وصلوا إلى تل عوار في منطقة درعاء. يذكر الراوي أن لورنس كان يرافقهم بزيه العربي، وكان يفضل البقاء وحيداً. يصف الروتين العسكري البريطاني الصارم، ويسجل وجود ضباط بريطانيين مثل الميجر يانغ والكابتن كليتون.
في 24 سبتمبر 1918، علموا بنجاح الهجوم البريطاني وانهيار الجيش التركي. حاول الراوي الإسراع بتخريب جسر حديدي في المزيريب، لكن البيروقراطية البريطانية حالت دون ذلك، فوصلت قوة تركية كبيرة، لكنهم نجحوا في تدمير جزء من خط السكة الحديدية وأسروا ضباطاً وجنوداً أتراكاً. يصف الراوي انهيار الروح المعنوية لدى الجيش العثماني، ومنظر جنديين بدويين يسوقان مئتي ضابط تركي. عثروا في هذه الأثناء على حاجيات تعود إلى مصطفى كمال، منها معطف من الفرو الفاخر، قدمه نوري السعيد للأمير فيصل.
جاءهم خبر الاعتداء على قرية طفس، حيث هاجمتها قوات معادية بقيادة ألمان، وأسرع الشيخ طلال حريدين بالهجوم قبل استكمال الحملة، فاستشهد هو ورجاله. في 27 سبتمبر، قصدوا الشيخ سعد لقطع خط العودة. يصف الراوي كيف أن ظهور القوة العربية خلف خط انسحاب القوة التركية أثر في سرعة انسحابهم، فكانت فكرة الجيش العثماني الانسحاب المنتظم، ولولا القوة العربية لاستحال انتصار الجنرال اللنبي. يصف الراوي بطولة اثني عشر جندياً عثمانياً دافعوا عن قلعة حتى نفاد عتادهم، ثم استخدموا القنابل اليدوية قبل أن يستسلموا. في 24 سبتمبر، دمرت قواتهم السكة الحديدية في تلعوار، وفي 28 سبتمبر، استولوا على درعا. التحق بهم رجال من بدو الشعلان ومتطوعون من الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش.
في فجر 1 أكتوبر 1918، دخلوا دمشق، وكان الراوي راكباً حصانه بجانب جميل المدفعي، يتحدثان عن آمال الاستقلال والوحدة العربية. يصف الاستقبال الحماسي من الأهالي، حيث كانت النساء يزغردن والعلم العربي مرفوعاً على دار الحكومة منذ 30 سبتمبر 1918. يذكر أن قوة الخيالة البريطانية رابطت بجوار دمشق ولم تدخلها، بل هم الذين دخلوا واستلموا الأمن وإدارة الحكومة. باشر الراوي عمله كمرافق خاص للأمير فيصل.
يتناول الفصل بعد ذلك فترة الحكومة العربية في سوريا، ويذكر أن جميع الضباط العراقيين عينوا في وظائف مهمة لتشكيل قوة عربية موحدة، مع الحفاظ على إدارة محلية لكل إقليم، لكن العلم والجيش والسياسة الخارجية كانت موحدة. ينتقل بعدها إلى الحديث عن إقامة الأمير فيصل في قصر عثمان باشا في جسر الصالحية بدمشق.
يطرح الفصل قضية مهمة حول لورنس ودوافعه، ولماذا سارع إلى المملكة المتحدة بعد دخول دمشق. يتطرق إلى معاهدة سايكس-بيكو، وقضية لبنان وفلسطين، وعهود البريطانيين للملك حسين، وحب لورنس للعرب، ويتساءل عن الدوافع التي أدت إلى عدم صراحة لورنس في قضية فلسطين. ثم يسرد أسباباً أدت إلى معركة ميسلون، وهجوم غورو على دمشق، وضعف الاستخبارات العسكرية، وعدم تنظيم جيش سوري قوي، والأخطاء السياسية من 1918 إلى 1920.
يصف الفصل سفر الأمير فيصل إلى مؤتمر فرساي في باريس، حيث كان برفقته نوري السعيد ورستم حيدر وفائز الغصين والدكتور أحمد قدري. استقبل فيصل استقبالاً رائعاً في حمص وحماه وحلب وبيروت. في باريس، يصف الفصل تقليد الأمير وسام الليجيون دونور، وغضب لورانس من مطالب فرنسا. يسجل الراوي حواراً مع لورانس، اتهمه فيه بأنه لم يف بوعوده، فأجابه لورانس بأن الأمير سيدخل المؤتمر إذا كان للحكومة الإنكليزية وجود. يصف الفصل محاولات الفرنسيين إغراء الأمير فيصل بالنساء والولائم الفاخرة، لكن الأمير رفض ذلك بغضب وترك حفلة راقصة في بلدية باريس قائلاً إنه لم يأت للتمتع بالراقصات.
في باريس، تعرفوا على عوني عبد الهادي من نابلس. قرر فيصل الذهاب إلى لندن، وفي 9 ديسمبر 1918، ذهبوا إلى بولوني ثم دوفر، ونزلوا في فندق كارلتون. قابل الأمير الملك جورج الخامس بزيه العربي، وكان لورانس مترجماً. طالب الأمير الحكومة البريطانية بمطالبه، لكنهم مارسوا المماطلة. علم فيصل أن لويد جورج وكليمنصو اتفقا على إلحاق الموصل بالعراق مقابل حرية العمل لفرنسا في سوريا. حاول فيصل الاستفادة من مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون، ولكن السياسة الفرنسية والإنكليزية طغت على الأمريكية.
اتصل اليهود بالأمير فيصل، ممثلين بـ حاييم وايزمان وناحوم سوكولوف وهربرت صموئيل، وأرادوا توقيعه على وثيقة مقابل مساعدتهم في تشكيل دولة عربية. يذكر الراوي أن فيصل كان يعلم ما يضمره اليهود، لكنه أراد الاستفادة من المناورة السياسية لوضع أساس للقومية العربية. كانت سياسة فيصل تقوم على بناء نواة لجيل المستقبل، واستغلال كل فرصة مناسبة. ألقى الأمير فيصل خطابه بالعربية في مؤتمر فرساي، وترجمه لورانس إلى الإنكليزية، وأثر الخطاب تأثيراً قوياً. تقرر إرسال هيئة استفتاء دولية إلى سوريا. بقي الأمير فيصل في الطابق الأول من الفيلا المستأجرة في باريس، وكان الراوي مسؤولاً عن تنظيم الإعاشة والمواجهات.
يختتم الفصل بالتأكيد على شخصية الأمير فيصل القوية، وارتدائه الدائم للزي العربي، ووزنه الثقيل في الأوساط السياسية الأوروبية والأمريكية.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص