
مراد يوسف - تاريخ نضال من مفكرة وطن
مراد يوسف، المناضل الشيوعي السوري من أصول شركسية، يقدم في هذا الكتاب سيرته الذاتية ملتصقة بتاريخ سوريا الحديث وبنضال الحركة الشيوعية فيها. الموضوع المحوري للكتاب هو مسيرة رجل تحول من بيئة دينية محافظة في القنيطرة إلى ناشط شيوعي قاد انشقاقاً حزبياً ثم عمل من أجل الوحدة بين الفصائل الشيوعية. يدافع المؤلف، من خلال سيرة مراد يوسف، عن فكرة أن الالتزام الفردي الصبور والمبدئي، حتى بعيداً عن العمل التنظيمي الصاخب، يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من انتماء حزبي ظاهري. الكتاب بأسره هو شهادة على هاجس الوحدة بين الشيوعيين السوريين، ودفاع عن ضرورة الديمقراطية الداخلية والحوار الرفاقي، ومراجعة مستمرة لفشل النخب العربية في مواجهة المشروع الصهيوني.
حجة الكتاب تتطور عبر فصوله بدءاً من التكوين الذهني لمراد يوسف، حيث يصف ببطء وتدريجية تأثير جاره الأكبر سناً صلاح جلاحج عليه. كان صلاح، وهو شيوعي انتمى للحزب بين 1944 و1945، يزود مراد الصغير بكتب غوركي وتشيخوف ونشرات حزبية. يصور الكتاب التحول إلى الشيوعية ليس كقفزة أيديولوجية مفاجئة، بل كتراكم ناتج عن المثال الشخصي لأفراد مخلصين، ثم تتويجاً بقراءة رواية "الأم" لمكسيم غوركي في شتاء 1952، بعد عودة مراد من مصر. يكتب مراد في رسالته لمن أعاره الكتاب: "يا صديقي العزيز! إذا بحثت عني يوماً فلن تجدني إلا مع الشيوعيين". يستمر السرد في رسم انقسام الحزب الشيوعي السوري، موضحاً كيف قاد مراد فصيل "منظمات القاعدة" المنشق عام 1980، وكيف ظلت وحدة الحزب هاجساً أبدياً، تحول إلى خطة عملية عنوانها "إلى الوحدة عبر الحوار الرفاقي والأعمال المشتركة". يتابع الكتاب مسيرة المؤتمرات المتعاقبة، من خطاب الوفد في مؤتمر 1987 الذي طالب بتشكيل هيئة حوار بين الفصائل، إلى المؤتمر الثامن عام 1996 الذي اعتبر إنجازاً نوعياً للوحدة الداخلية، وصولاً إلى المؤتمر السابع عام 1991 حيث أعلنت الوحدة الجزئية التي رفضها فصيل خالد بكداش. ينتهي الكتاب بسيرة ذاتية شاملة تعيد ربط مسيرة مراد الشخصية بتحولات سوريا الكبرى، مركزاً على جذوره الشركسية وتعليمه الديني ثم انتقاله للشيوعية، ومختتماً بشهادات على تواضعه وفقره المدقع وإخلاصه حتى رحيله عام 2008.
الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها تتوزع في ثنايا الكتاب. يذكر أن صلاح جلاحج كان "الوحيد من بينهم الذي حافظ على انتسابه حتى النهاية"، رغم عدم تنظيمه في فرقة، ورغم أنه دفع الاشتراكات وأخذ الجريدة بصبر. هناك إشارة مهمة إلى أن القنيطرة أصبحت بؤرة للنشاط الشيوعي، حيث افتتح للحزب مقر ووزعت هويات حزبية. في تحليل القضية الفلسطينية، يستند الكتاب إلى تقرير كامبل بنرمان الصادر عام 1907 كوثيقة استراتيجية بريطانية لتفتيت المنطقة، ويشير إلى أن إسرائيل صادرت أكثر من 60 ألف هكتار من أراضي الضفة الغربية بين 1993 و1998. الأكثر إيلاماً هو الاعتراف بأن العرب حصلوا على قضية عادلة لكنهم فشلوا في تحويلها إلى انتصار، بينما نجحت إسرائيل بقضية ظالمة بفضل الإرادة والتصميم. في تفاصيل الانقسام الحزبي، يذكر أن الخلافات ظهرت علناً في أواخر السبعينيات، حيث وقف مراد مع ثمانية أعضاء آخرين في اللجنة المركزية ضد القيادة التي رأت أن الاعتدال الشديد ضروري. أخيراً، يذكر المؤرخ عبد الله حنا في خاتمة الكتاب أن مراد يوسف كان على استعداد لأن يترك القيادة عشية المؤتمر العاشر، رافضاً الضغوط للبقاء، من أجل إتاحة المجال لكوادر جديدة.
يقر المؤلف بعدة حدود وتحفظات داخل الكتاب، مما يمنحه مصداقية. يعترف صراحة بأن دراسة فايز جلاحج لتجربة الحزب "ينقصها الكثير من المعلومات" في مجالات النشاط الجماهيري والتحارب العملية، وتحتاج لدراسة معمقة. في الفصل الأخير، يقر عبد الله حنا بأن الظروف لم تتح له لقاء مراد ومحاورته حول بعض القضايا، وأنه يقدم فقط ما ورد في النص. هناك تحفظات واضحة حول تاريخ الحزب الشيوعي وانقساماته ودور العوامل الخارجية، خاصة الاتحاد السوفييتي، ويترك أسئلة مفتوحة حول موقف الحزب من الحرب العالمية الثانية وتقسيم فلسطين، معتبراً أن هذا قد تناوله كثيرون سابقاً. أهم تحفظ هو الاعتراف بأن أسباب ضعف اليسار تعود إلى "المفاعيل التراثية"، و"التأثيرات الخارجية"، وبروز الدولة الريعية، حيث أدى القطاع العام إلى ترسيخ الدولة الأمنية، وحلت البرجوازيات البيروقراطية الطفيلية محل الفئات الوسطى المنتجة.
رغم قوة السرد وصدق المشاعر، يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح. المنظور الماركسي الحتمي الذي يقدمه لكل الأحداث، بما في ذلك القضية الفلسطينية التي يختزلها في صراع طبقي وإمبريالي، يتجاهل البعد الديني والقومي الجوهري في الصهيونية بالنسبة لمؤيديها. تعميم وصف المجتمع الإسرائيلي بأكمله بأنه "مهووس عنصري فاشي" هو حكم يصعب إثباته، ويتجاهل التنوع السياسي الداخلي فيه. داخل التجربة الشيوعية نفسها، يقدم الكتاب سرداً دفاعياً عن فصيل "منظمات القاعدة" دون عرض متوازن لوجهة نظر الفريق الآخر بقيادة خالد بكداش، مما يجعله أقرب إلى مذكرات شخصية منه إلى تحليل تاريخي موضوعي متكامل. الحجة الأكثر إثارة للجدل هي تحميل "قطاع الدولة" المسؤولية عن ترسيخ الدولة الأمنية وعشائرتها وطوائففتها، وهو تحليل يضع النظم الاستبدادية في موقع الضحية لا الجلاد. أخيراً، الوصف الأكاديمي للفشل العربي والتفوق الإسرائيلي بالقوة والإرادة يظل تفسيراً أحادياً لقضية معقدة تخضع لموازين قوى دولية وإقليمية هائلة.
الفصول(6)
2.في المؤتمر السادس للحزب عام 198794–101▼ ملخص
في المؤتمر السادس للحزب عام 1987، يتناول الفصل خطاباً ألقاه وفد من الحزب الشيوعي السوري - منظمات القاعدة، بقيادة مراد يوسف (الرفيق أبو سامي)، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري بقيادة يوسف الفيصل، والذي عُقد في الفترة من 29 إلى 31 كانون الثاني 1987. الموضوع المحوري للفصل هو قضية وحدة الشيوعيين السوريين وإنهاء الانقسامات التي يعاني منها الحزب الشيوعي السوري، والتي أدت إلى وجود عدة فصائل شيوعية في البلاد. يقدم المؤلف، من خلال هذه الكلمة، رؤيته وأسباب ضرورة الوحدة، وخطته العملية لتحقيقها، معبراً عن تفاؤل حذر إزاء إمكانية التوحد.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من تحية الوفد للمؤتمر وشكر اللجنة المركزية للحزب المستضيف على الدعوة، والتي وصفها بأنها "خطوة جيدة نحو تقارب الفصائل الشيوعية". ثم ينتقل إلى تحديد المهام التي تنتظر المؤتمر في ظل الظروف التاريخية الراهنة، وهي مواجهة التهديدات الإمبريالية والصهيونية، والتصدي للأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ومكافحة نشاط البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية. ويشير الفصل إلى أن مؤتمرهم السادس الذي عقدوه في حزيران 1986 ركز على "النضال من أجل إجراء انعطاف ديمقراطي تقدمي"، كما يؤكد على دور الشيوعيين في لبنان.
يخصص الجزء الأكبر من الفصل لمناقشة قضية الوحدة. يعلن الوفد أن وحدة الحزب كانت "هاجساً" لديهم منذ الانفصال عام 1980، ويرى أن ضرورتها تنبع من ثلاثة مصادر: أولاً، من مبادئ الماركسية اللينينية والأممية البروليتارية التي توجب وجود حزب شيوعي طليعي واحد للطبقة العاملة. ثانياً، من مصالح النضال الوطني لتحرير مرتفعات الجولان من الاحتلال الإسرائيلي، ودعم القضية الفلسطينية (حق العودة، تقرير المصير، إقامة الدولة المستقلة)، ومواجهة التصعيد الإمبريالي. ثالثاً، من ضرورة أن يكون الشيوعيون قدوة في الوحدة حتى يتمكنوا من الإسهام بجدية في توحيد كل القوى الوطنية التقدمية، مشيراً إلى أن الدعوة للوحدة الوطنية فقدت بريقها بسبب انقساماتهم.
يشرح الفصل بالتفصيل خطة التوحيد التي يتبناها الحزب الشيوعي السوري - منظمات القاعدة، والتي وضعت منذ المؤتمر الخامس عام 1982 وتحمل عنوان "إلى الوحدة عبر الحوار الرفاقي والأعمال المشتركة". تتضمن الخطة ثلاث مراحل رئيسية: ١) إزالة الجفاء والعداء بين جميع الشيوعيين عبر حوار رفاقي ودي على جميع المستويات. ٢) القيام بأعمال ونضالات مشتركة في الدفاع عن الطبقة العاملة، ومواجهة المؤامرات، ومكافحة البرجوازية الطفيلية، والحريات الديمقراطية، وحماية قطاع الدولة. ٣) من خلال الحوار والعمل المشترك، سينشأ التقارب والتعاون، وستنضج ظروف الوحدة وإعادة بناء الحزب الموحد.
يقدم الفصل تقييماً نقدياً لاقتراح قدمته قيادة الحزب المستضيف قبل المؤتمر، والقاضي بعودة الرفاق الذين انتخبوا للهيئات القيادية في المؤتمر الرابع عام 1974 إلى مواقعهم. ورغم تقديرهم للرغبة الجيدة في هذا الاقتراح، فإنهم يرون أنه لا يحقق الأهداف العميقة للتوحيد لأربعة أسباب: ١) لا يعالج جذور الانقسام ودروسه. ٢) يسبقه مناقشة البرنامج السياسي والنظام الداخلي. ٣) لا يشرك القواعد والكوادر في عملية التوحيد. ٤) يجب أن تنطلق خطوات التوحيد بحوار شامل وجدي تشارك فيه جميع الفصائل الشيوعية الأساسية، بدلاً من حل جزئي.
بدلاً من ذلك، يقترح الوفد تشكيل "هيئة حوار للتنسيق بين الفصائل الشيوعية وتوحيدها"، تضم الفصائل الرئيسية الثلاثة: الحزب بقيادة خالد بكداش، والحزب بقيادة يوسف الفيصل، والحزب الشيوعي السوري - منظمات القاعدة، بالإضافة إلى "حركة اتحاد الشيوعيين" التي انضمت إلى المؤتمر. تكون مهمة هذه الهيئة مناقشة القضايا الفكرية والسياسية والتنظيمية والعملية لإعادة الوحدة الكاملة، ويصاحب ذلك تنسيق المواقف والقيام بأعمال مشتركة لرفع تأثير الشيوعيين واستعادة الثقة المتبادلة. وعند الاتفاق على القضايا الأساسية، يُعقد مجلس وطني يوصي بعقد مؤتمر استثنائي لتوحيد الفصائل في حزب واحد. ويختتم الفصل بالإشارة بإيجابية إلى النداء الذي وجهه خالد بكداش في 18 من الشهر الجاري حول الوحدة، معتبراً أنه يفتح منافذ جديدة للتفاؤل.
يعترف الفصل صراحة بوجود اختلافات بين الفصائل، خاصة حول "فهم قضية التبعية للسوق الرأسمالية العالمية"، لكنه يؤكد وجود تقارب في الشعارات والسياسات المطروحة، ويعرب عن ثقته بإمكانية التغلب على تلك الخلافات عبر الحوار الجاد. كما يقر أن عملية التوحيد لا يمكن أن تتم بجهود طرف واحد، بل تحتاج إلى تضافر جهود الجميع، وأن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق هذا الهدف النبيل الذي طال انتظاره. يمكن القول إن الفصل يطرح رؤية واضحة ومنهجية للوحدة، لكنه يظل خطاباً سياسياً يعبر عن وجهة نظر فصيل واحد، مما يجعله حجة قابلة للنقاش حول مدى واقعية هذه الخطة وقدرتها على تجاوز الخلافات الأيديولوجية والتنظيمية العميقة التي أشر اليها.
3.عبد الله حنا289–320▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل، وهو الخاتمة من كتاب "مراد يوسف - تاريخ نضال من مفكرة وطن"، على سيرة المناضل الشيوعي مراد يوسف (1928-2008)، ويضعها في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها سورية في القرن العشرين. يقدّم المؤلف مراد يوسف كنموذج للوطني الشيوعي المخلص، الذي جمع بين جذوره الدينية والاجتماعية المتواضعة والتزامه الراديكالي بقضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية. الإجابة المحورية التي يطرحها الفصل هي أن مسيرة مراد يوسف تعكس صعود وهبوط النهضة العربية، وتجسد إخلاص جيل كامل من المناضلين الذين دفعوا ثمناً باهظاً من حريتهم وحياتهم في سبيل مبادئهم، في وجه الاستبداد والتشرذم الحزبي.
يسير الفصل وفق بنية واضحة، حيث يبدأ باستعراض المراحل التاريخية التي مرت بها سورية منذ أواخر القرن التاسع عشر، ليوضح السياق الذي ولد ونشأ فيه مراد يوسف. يصف الفصل مرحلة ما قبل النهضة التي هيمنت فيها الإيديولوجيات الصوفية، ثم الانتقال إلى الدولة العثمانية وصولاً إلى مرحلة الانتداب الفرنسي بين عامي 1920 و1943. ويُشير إلى أن ميلاد مراد يوسف عام 1928 في القنيطرة تزامن مع مرحلة الاستقلال الأولى (1943 – 1958) التي شهدت أزهى عهود الحكم البرلماني والحريات. ثم ينتقل إلى فترة الوحدة مع مصر (1958 – 1961) التي شهدت تضييقاً على الحريات، حيث اعتُقل مراد يوسف مع المئات، وانتهى بحكم حزب البعث بعد انقلاب 8 آذار 1963، الذي يتسم بحكم عسكري متسربل بثياب مدنية حتى تاريخ كتابة الفصل.
ينتقل الفصل بعدها إلى سيرة مراد يوسف الشخصية، مبرزاً جذوره الشركسية في القنيطرة التي كانت "شبه بادية"، وكيف تم توطين الشركس فيها من قبل الدولة العثمانية في عامَي 1879 و1880 ليكونوا درعاً أمام غزوات البدو. يتناول تعليمه الابتدائي وحصوله على شهادة السرتفيكا عام 1942، ثم التحاقه بالكلية الشرعية في دمشق، وهو مسار نموذجي لشاب فقير. يصف الفصل بالتفصيل رحلة مراد يوسف من التدين إلى النفور من مظاهر النفاق والتمييز التي شاهدها بين بعض رجال الدين والمشايخ، مما دفعه تدريجياً إلى الابتعاد عن المظاهر الدينية مع بقاء إيمانه الإنساني. ثم يتناول انتقاله للدراسة في الأزهر بالقاهرة، الذي وجده أكثر تحرراً فكرياً، حيث درس منشأ الديانات وتطورها.
أخيراً، يصل الفصل إلى المحور الأهم: انتقال مراد يوسف من الوسط الديني إلى الشيوعية في منتصف القرن العشرين. يقدم الفصل أدلة على أن هذه كانت ظاهرة، فيذكر أن بعض رجال الدين المتنورين في مدينة الباب كانوا من أوائل من حملوا أفكار الحزب الشيوعي السوري في النصف الثاني من الثلاثينيات (بين عامَي 1937 و1938). ويضرب مثلاً مفصلاً بـ ظهير عبد الصمد الذي انتقل من النشأة الدينية إلى الحزب الشيوعي، ودرس الفكر الإسلامي النهضوي لـ ابن باديس بهدف "تلقيح" الحزب الشيوعي بأفكار تنويرية تجذب الجماهير المتدينة. يُظهر هذا التوازي أن مسار مراد يوسف لم يكن فردياً، بل جزءاً من تيار أوسع. ينتهي الفصل بمجموعة من الشهادات على شخصية مراد، تبرز وطنيته التي لم تتعارض مع انتمائه القومي الشركسي، وتضحياته التي تجلت في تحمله التعذيب في سجن المزة، وتواضعه الشديد وعيشه في فقر مدقع، ممتنعاً عن أي مغانم أو امتيازات، مع إيمانه الراسخ بأن النضال من أجل العدالة الاجتماعية لن يتوقف رغم الإخفاقات والهزائم.
يعترف الفصل بتحفظات وحدود واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بتاريخ الحزب الشيوعي السوري وانقساماته المتتالية ودور العوامل الخارجية، ويقر المؤلف بأن الدخول في تفاصيلها خارج نطاق هذه الخاتمة. ويُبقي السؤال مفتوحاً حول موقف الحزب الشيوعي من الحرب العالمية الثانية وتقسيم فلسطين، مشيراً إلى أن هذا الموضوع قد تطرق إليه كثيرون. يتحفظ المؤلف أيضاً حول دور بعض رجال الدين وعملهم، كما هو الحال مع الشيخ علي رسلان، حيث يقول إنه "لا توجد معلومات" عن عمله. كما يقر بأن مناقشة أسباب انقسام الحزب والموقف من الجمهورية العربية المتحدة خارج نطاق الخاتمة، ويذكر أن "ثمة خلاف أشد ضراوة حول الموقف من عبادة الفرد المتمثلة في خالد بكداش". يعترف أيضاً بأن الظروف لم تتح له فرصة لقاء مراد يوسف ومحاورته حول بعض القضايا، وأنه إجمالاً يقدّم ما ورد في النص فقط.
يُظهر الفصل حججاً قابلة للنقاش، أبرزها إرجاع ضعف الحزب الشيوعي وقوى اليسار إلى عوامل عدة منها: "المفاعيل التراثية"، و"التأثيرات الخارجية" وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي، وبروز الدولة الريعية النفطية التي عززت الدولة الشمولية وأضعفت مؤسسات المجتمع المدني. يُحمل المؤلف "القطاع العام" (قطاع الدولة) مسؤولية ترسيخ الدولة الأمنية، ويرى أن البرجوازيات البيروقراطية الطفيلية حلت محل الفئات الوسطى المنتجة التي كانت الحامل الاجتماعي للدولة الليبرالية. يخلص الفصل إلى أن هذه العوامل أدت إلى "طوائففة الدولة وعشائرتها"، وسيطرة الدولة الأمنية على مؤسسات المجتمع المدني، مما ساهم في هبوط الوعي الوطني وصعود التيارات الدينية المتطرفة المدعومة بالبترودولار على حساب التيارات المستنيرة. ترسم هذه التحليلات صورة قاتمة لمستقبل العمل الوطني في ظل هيمنة الدولة الأمنية والريعية.
4.فلسطين في القلب دوماً160–167▼ ملخص
يبحث هذا الفصل في الجذور التاريخية والسياسية للقضية الفلسطينية، ويقدم رؤية المؤلف لها من منظور ماركسي-شيوعي. المحور الأساسي هو أن المشروع الصهيوني لم ينشأ كحركة تحرر قومي لليهود، بل كـ"مشروع استعماري مصطنع" وُلد من رحم الأطماع الإمبريالية، وتحديداً البريطانية والأمريكية، بهدف السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وتفتيت وحدة العرب. الإجابة التي يطرحها الفصل هي أن الصراع ليس ببساطة صراعاً عربياً إسرائيلياً، بل هو صراع بين مصالح الإمبريالية من جهة، والحركة التحررية العربية الطامحة للوحدة والاستقلال من جهة أخرى.
يبدأ الفصل بوضع إطار تاريخي، من خلال الإشارة إلى تقرير كامبل بنرمان الصادر عام 1907. يصف المؤلف هذا التقرير بأنه كان مخططاً استراتيجياً بريطانياً، وقد أوصى بأربع نقاط رئيسية: الأولى أن منطقة شرق المتوسط هي أهم منطقة استراتيجية في العالم، والثانية أن فيها شعباً واحداً له لغة وتاريخ وثروات مشتركة، والثالثة أن بريطانيا يجب أن تعمل على تفتيت هذا الشعب وتجزئته، والرابعة أن الحل هو إقامة "حاجز بشري غريب وحليف للاستعمار" يفصل بين الجزء الآسيوي والأفريقي من العالم العربي. ويرى المؤلف أن كل الأحداث اللاحقة، مثل اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 ووعد بلفور عام 1917، كانت مجرد إفرازات لهذا التقرير الاستعماري. ويستشهد بقول القائد الصهيوني ماكس نورداو الذي خاطب السياسيين البريطانيين قائلاً إنهم يريدون من الصهاينة "أن نحمي مواصلاتكم الإمبراطورية"، مبرزاً بذلك وظيفة الصهيونية كأداة استعمارية.
ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل ماهية الصهيونية وأيديولوجيتها، معتبراً إياها مفهوماً "زائفاً" و"غريباً عن الحياة". يوضح أن الصهيونية حوّلت اليهودية من دين إلى قومية، وجمعت شعوباً مختلفة ذات تناقضات طبقية في إطار واحد مصطنع. ويفرق هذا المفهوم عن وجهة النظر الماركسية التي ترى أن حل "المسألة اليهودية" هو بالاندماج الكامل في الأوطان التي يعيشون فيها. أما جوهر الصهيونية، بحسب الفصل، فهو يقوم على ضرورة طرد الفلسطينيين من أرضهم، والتعامل مع مقاومتهم على أنها "إرهاب". ويحلل أن الفرق بين الأحزاب الصهيونية اليمينية واليسارية هو فرق شكلي فقط، فكلها تتفق على مبدأ القوة الذي صاغه بن غوريون وجابوتنسكي (نظرية "الجدار الحديدي")، ويستثني التيارات الصغيرة مثل حركة السلام الآن وحداش وميريتس، معتبراً إياها "تيارات عديمة التأثير في مجتمع مهووس عنصري فاشي".
لا يخفي الفصل تحفظاً نقدياً حاداً تجاه الأداء العربي على مدى نصف قرن. يعترف المؤلف بأن التآمر والقوة الإمبريالية وراء نشوء إسرائيل، لكنه يحمّل "ضعف وهشاشة الجسم العربي وهزال الأنظمة وخيانة بعض الحكام" المسؤولية الكاملة عما حدث. يشير إلى سلسلة من الآمال التي خابت: عام 1918 بعد زوال الاستعمار العثماني ثم حل محله الاستعمار البريطاني والفرنسي، وعام 1948 حين دخلت الجيوش العربية لتحطيم العصابات الصهيونية ولكن انتهى الأمر بقيام إسرائيل على 78% من أرض فلسطين، ثم صدمة 1967 واغتصاب القدس والضفة وغزة والجولان وسيناء. يرى الفصل أن العرب عجزوا عن تحويل قضيتهم العادلة إلى انتصار، بينما نجحت إسرائيل بقضية ظالمة بفضل الإرادة والتصميم. ورغم هذا النقد القاسي، يحدد الفصل مصادر القوة العربية الوحيدة في سجل الشهداء والمقاومة، مستشهداً بحرب تشرين الأولى (أكتوبر 1973) (يحتاج تحققاً: يشير النص إلى "حرب تشرين الأولى" مما قد يعني حرب 1973، لكن الصياغة فضفاضة)، وصمود سورية، والنضال في جنوب لبنان، والانتفاضة الشعبية الفلسطينية.
في ختام الفصل، يناقش المؤلف مستقبل الصراع. يرى أن أي معاهدات سلام عربية مع إسرائيل هي مجرد "سلام أنظمة" وليست سلاماً حقيقياً مع الشعوب، وأن الشعوب العربية لا تزال ترفض التطبيع. يصف إسرائيل بأنها "دولة ومشروع توسعي" لا ينفك عن بناء المستوطنات وتهجير الفلسطينيين (الترانسفير)، مستشهداً بأرقام توضح أنه بين عامي 1993 و1998 صادرت إسرائيل أكثر من 60 ألف هكتار من أراضي الضفة الغربية لصالح المستوطنات. ويستنتج أن المواجهة يجب أن تكون مع إسرائيل و"الصهيونية العالمية" والولايات المتحدة الأمريكية معاً، خاصة في ظل وجود شخصيات متطرفة كـنتنياهو. ويختتم الفصل بدعوة لبلورة "مشروع قومي عربي نهضوي تحرري" وحركة شعبية عربية واسعة لمقاومة المشروع الصهيوني بكل الوسائل (سياسياً، اقتصادياً، ثقافياً وعسكرياً)، محذراً من أن الاستسلام للقوى الغاشمة سيعرض المنطقة لمزيد من النكبات.
هناك حجة واضحة في النص نفسه قابلة للنقاش، وهي المنظور الماركسي الحتمي الذي يختزل الصراع برمته في صراع طبقي وإمبريالي، متجاهلاً إلى حد كبير البعد الديني والقومي الجوهري في الصهيونية بالنسبة لمؤيديها. كما أن تعميم وصف المجتمع الإسرائيلي بأكمله بأنه "عنصري فاشي" يتجاهل التنوع السياسي والمدني الداخلي فيه، وهو حكم يصعب إثباته بناءً على التحليل الماركسي المجرد الذي يقدمه الفصل.
6.المؤتمر الثامن... تعزيز للوحدة عبر الحوار والعمل المشترك129–137▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي السوري الذي عُقد في الفترة بين 20 و23 تشرين الثاني 1996، ويقدّم قراءة تحليلية لأهميته ونتائجه السياسية والتنظيمية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا المؤتمر لم يكن مجرد حدث عادي في حياة الحزب، بل مثّل إنجازاً نوعياً عزز الوحدة الداخلية للشيوعيين، وأسهم في ترسيخ وجودهم كقوة سياسية فاعلة ومحترمة على الساحتين الوطنية والعربية والدولية، من خلال اعتماد نهج ديمقراطي في الحوار واتخاذ القرار.
يسير الفصل خطوة بخطوة، معتمداً على تقرير اللجنة المركزية وتقويم المكتب السياسي الذي نوقش في اجتماع 23 و24 كانون الثاني 1997. يبدأ بعرض الأجواء الإيجابية التي سبقت المؤتمر، مشيراً إلى أن التحضير الواسع والنقاشات الديمقراطية بين الأعضاء هي ما صنع نجاحه. ثم ينتقل لشرح النتائج المهمة، مستشهداً أكدّد على الحضور الواسع في حفل الافتتاح الذي وصفه بأنه "تظاهرة سياسية كبيرة"، ضمت وفداً من قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ووفوداً من أحزاب أخرى وفعاليات وطنية ونقابية وثقافية، مما دلّ على رسوخ وجود الحزب في الحياة السياسية السورية. كما تم تسليط الضوء على المشاركة العربية والأجنبية المتقدمة، والتي اعتُبرت دليلاً على استعادة الحركة التضامنية الأممية لعافيتها ضد الإمبريالية والصهيونية.
أما المحور الأبرز فهو الحديث عن الوثائق السياسية التي أقرها المؤتمر، وعلى رأسها الوثيقة البرنامجية التي اعتُمدت كبرنامج للحزب في المرحلة الحالية، مما عالج نقصاً كان يعاني منه المؤتمر السابق. يصف الفصل هذه الوثيقة بأنها تعالج كافة القضايا الداخلية والعربية والعالمية، من الوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية والديمقراطية، إلى النزاع العربي الإسرائيلي وشروط التسوية العادلة، وصولاً إلى الهيمنة الأمريكية. ويميز الوثيقة بأنها استرشدت بشكل خلاق بـ "الماركسية اللينينية ومنهجها المادي الجدلي التاريخي"، وبمنجزات الفكر التقدمي، مما جعلها تشكل "قاسماً مشتركاً" مع العديد من القوى الوطنية الأخرى، مما عزز دور الحزب في توطيد الوحدة الوطنية.
يتناول الفصل أيضاً النظام الداخلي الذي أقره المؤتمر، والذي شهد نقاشات ساخنة حول مبدأ المركزية الديمقراطية، حيث انقسمت الآراء بين متمسك به ورافض له. وقد خرج المؤتمر بصيغة توازن بين توسيع الممارسة الديمقراطية وضمان وحدة الإرادة والعمل. يذكر النظام الداخلي الجديد تفاصيل تنظيمية هامة، منها انتخاب الأمين العام والمكتب السياسي كل سنتين (بدلاً من كل مؤتمر)، وحق اللجنة المركزية بحجب الثقة عنهم، وانتخاب خمسة أعضاء للمكتب السياسي من بين تسعة عشر مرشحاً، وتقوية دور لجنة الرقابة المركزية والتفتيش المالي. كما أقرّ المؤتمر مفاهيم جديدة مثل "الشيوعي المؤازر" الذي يشارك في النشاطات دون الالتزام التنظيمي الكامل، وأكد على نظام البطاقة الحزبية كشرط أساسي للترشيح والانتخاب.
في الجزء الأخير، يخلص الفصل إلى أن نجاح المؤتمر في اتخاذ القرارات بالحوار والتصويت، رغم المناقشات الساخنة، هو "سمة إيجابية وجديدة مميزة". لقد أثبت المؤتمر أن "السلبيات التي يمكن أن تظهر أثناء مسيرة الديمقراطية لا يجوز حلها بالعودة إلى أساليب العمل السلبية السابقة، ولا بالنكوص عن مسيرة الديمقراطية". ويختتم بتحديد المهام المستقبلية للحزب، والتي تتركز في: تحسين العمل التنظيمي، واستمرار الحوار الرفاقي، ووضع خطط عمل سنوية، ونشر وتعميم وثائق المؤتمر، وتطوير لقاءات الحزب مع القوى الوطنية وأوساط المجتمع المختلفة، والتركيز على خدمة القضايا المطلبية للعمال والفلاحين والمثقفين.
ختاماً، من الممكن القول إن الفصل يقدم رؤية متفائلة للغاية، ويركز بشكل شبه حصري على إنجازات المؤتمر دون التعمق في حجم أو طبيعة الانتقادات والاعتراضات التي أشار إليها النص بشكل عابر، مما يجعله أقرب إلى الوثيقة التقريرية الرسمية منه إلى التحليل الموضوعي المتوازن.
7.أشخاص مؤثرون في تكويني الشيوعي43–50▼ ملخص
يسرد هذا الفصل قصة التكوين السياسي والفكري لمراد يوسف، مركزاً على الأشخاص الذين لعبوا دوراً محورياً في تحوله إلى الشيوعية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا التحول لم يحدث عبر قفزة واحدة، بل كان نتاج تراكم تدريجي من التأثيرات الشخصية والقراءات والظروف الاجتماعية، بدءاً من طفولته في القنيطرة.
يبدأ الفصل بوصف اللحظة الأولى التي غادر فيها مراد إلى مصر للدراسة في كلية اللغة، مشيراً إلى ضيق الحالة المادية التي دفعته إلى هذه الكلية المجانية. ثم يعود بالزمن ليتحدث عن الشخصية الأولى والأكثر تأثيراً في حياته، وهو صلاح جلاحج. يصفه مراد بأنه جاره في حارة القنيطرة، وأكبر منه بنحو خمس سنوات. كان صلاح عضواً في الحزب الشيوعي، انتمى إليه بين عامي 1944 و1945، وكان يزود مراد بالكتب الأدبية لمكسيم غوركي وأنطون تشيخوف. يروي مراد كيف كان صلاح يعطيه كتاباً بدلاً من كل كتاب يسترجعه، بالإضافة إلى النشرات وجريدة "في سبيل السلم، في سبيل ديمقراطية شعبية". ويحكي عن لوحة رسمها صلاح مستلهماً قول ماركس "الإمبريالية تحفر قبرها بيدها"، حيث رسم شخصاً يرتدي البرنيطة الأمريكية العالية ويحمل رفشاً.
يتعمق الفصل في شرح حالة مراد الذهنية قبل هذه اللقاءات، حيث كان يبحث منذ دراسته الإعدادية عن طريق للمعرفة لتمييز الخير من الشر ومحاربة الظلم. يصف وصوله إلى مصر كحلم انقطع بسبب نقص المال، وأن الكلية المجانية مثلت له منفذاً. يذكر مراد صديق طفولته من القنيطرة الذي سافر معه إلى مصر ودرس في الكلية نفسها، والذي تخرج وعمل في العراق وناضل في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وحضر مؤتمر الشباب الديمقراطي العالمي في بوخارست ضمن الوفد العراقي، ثم طرد من العراق بعد انقلاب 1963، وتوفي في دمشق. يؤكد مراد أن صلاح جلاحج هو الشخص الذي لعب الدور الأهم في تحوله إلى الشيوعية، معتبراً إياه من أوائل الشيوعيين في الجولان ومن الذين حافظوا على شيوعيتهم حين تخلى عنها آخرون.
ينتقل الفصل إلى سياق أوسع، فيشرح كيف كانت دمشق في بداية القرن العشرين ملتقى للشراكس المقربين من الحزب الشيوعي. كانت هناك مجموعة شركسية قريبة من الحزب الشيوعي السوري القديم ولها مشاركة فعالة في نشاطاته. ينقل مراد عن الماركسي المعروف نجم الدين كغدو قوله إنه في أربعينيات القرن العشرين، كان يأتي من دمشق إلى القنيطرة رفاق منهم الدكتور هوزي ورشاد ونجاة قصاب حسن، وكانت الاجتماعات تعقد في بيته. يسرد الفصل أسماء نشطاء محليين مثل فكرت رجب وبخ وزكي أباظة وعبد المديد طش الذي استشهد في فلسطين عام 1948. يذكر أنه بفضل هذا النشاط، صار كثيرون في القنيطرة شيوعيين، وافتتح مقر للحزب هناك، ووزعت هويات حزبية، مؤكداً مرة أخرى أن صلاح كان الوحيد من بينهم الذي حافظ على انتسابه حتى النهاية، على الرغم من عدم تنظيمه في فرقة، لكنه ظل يدفع الاشتراكات ويأخذ الجريدة ويحضر النشاطات بهدوء.
يتناول الفصل أيضاً شخصية أكرم شركس، وهو شركسي من مرج السلطان كان قد أرسله الحزب عام 1934 إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة الماركسية، مثلما فعل مع خالد بكداش. يصف مراد زياراته مع صلاح إلى بيت أكرم، وكيف كان يتحدث بحماسة عن الاتحاد السوفييتي، مما زاد من إعجاب مراد به وتأثره. يذكر أن صلاح سجن في سجن المزة وتعرض للتعذيب وأجبر على ترك الحزب، لكنه ظل مخلصاً فكرياً له حتى مماته قبل نحو سنتين عن عمر يناهز الثمانين. يقر مراد بأن صلاح لم يكن شيوعياً مقاتلاً، لكنه كان ملتزماً وصبوراً.
الشخصية الثانية المؤثرة التي يتناولها الفصل هي قحطان بدر الدين، وهو صديق طفولة مراد من أسرة مسيسة. والده كان شخصية سياسية في القنيطرة وعضواً في الكتلة الوطنية، ونفي إلى قونية في تركيا زمن العثمانيين بسبب نشاطه ضدهم، ثم حارب الاحتلال الفرنسي. كان قحطان متعاطفاً مع الشيوعية، وله علاقات مع طلاب شيوعيين وأساتذة تقدميين في الجامعة مثل فاخر العاقل وعبد الكريم اليافي، وقد لعب دوراً في خلق محبة لهؤلاء لدى مراد.
يختتم الفصل بوصف اللحظة الحاسمة في وعي مراد. بعد عودته من مصر في حزيران 1952، وجد نفسه في حالة من العوز المالي جعلت العودة إلى مصر مستحيلة. في شتاء عام 1952، بدأ بقراءة رواية "الأم" لمكسيم غوركي، والتي حسمت قراءتها موضوع شيوعيته بينه وبين نفسه. يذكر أنه كتب رسالة صغيرة لمن أعاره الكتاب يقول فيها: "يا صديقي العزيز! إذا بحثت عني يوماً فلن تجدني إلا مع الشيوعيين".
يتجنب الفصل تقديم حجج نظرية مجردة، ويركز بدلاً من ذلك على السرد الشخصي والتجارب الحياتية. القارئ قد يلاحظ أن الفصل يقر ضمنياً بأن التأثير الحاسم لم يأت من الأيديولوجية المجردة، بل من المثال الشخصي لأفراد مثل صلاح جلاحج، الذي كان خلوقاً ويحب المصداقية ويكره النفاق. الحجة القابلة للنقاش التي يبرزها النص هي أن الالتزام الصبور والمثابرة الفردية، حتى دون العمل التنظيمي النشط، يمكن أن يكون أكثر تأثيراً في نشر الفكر من العمل الحزبي الظاهر.
11.تجربة الحزب الشيوعي السوري - منظمات القاعدة218–226▼ ملخص
تجربة الحزب الشيوعي السوري - منظمات القاعدة
يُخصص هذا الفصل لسرد وتحليل تجربة "الحزب الشيوعي السوري - منظمات القاعدة"، وهو تيار انشق عن الحزب الشيوعي السوري الأم في مطلع الثمانينيات. يُجيب المؤلف على سؤال محوري: كيف نشأ هذا التنظيم، وما هي الظروف التي أدت إلى انفصاله، وما هي الأفكار والمبادئ التي قام عليها، وكيف انتهت تجربته بالعودة إلى الوحدة الحزبية. يقدم الفصل هذه التجربة كجزء لا يتجزأ من تاريخ الحركة الشيوعية في سوريا، ويؤكد على ضرورة دراستها وتقييمها بشكل موضوعي.
يبدأ الفصل برسم السياق الاقتصادي والاجتماعي في سوريا خلال سبعينيات القرن العشرين. يشير المؤلف إلى أن بداية السبعينيات شهدت تطورات إيجابية، تمثلت في مشاريع تنموية كبرى مثل سد الفرات، ومشاريع استصلاح الأراضي وخطوط نقل الطاقة، مما أدى إلى زيادة نمو الاقتصاد الوطني بأكثر من %8 سنوياً وارتفاع أجور العاملين. لكن هذا المنحى الإيجابي تراجع منذ أواخر السبعينيات بسبب انخفاض أسعار النفط، وتراجع تحويلات السوريين في الخارج، وتراجع الأداء الاقتصادي، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، مما تسبب في ضائقة اقتصادية شديدة للجماهير. تفاقمت الأوضاع بانتشار الفساد في الدوائر الحكومية، واتساع نطاق التهريب الذي حرم خزينة الدولة من الرسوم الجمركية وكبدها أعباء إضافية لدعم المواد المهربة. في الوقت نفسه، خاضت الحكومة معركة شرسة ضد حركة الإخوان المسلمين وحلفائها، الذين ارتكبوا أعمالاً إرهابية بدعم من المخابرات المركزية الأمريكية، والسعودية، والعراق، والأردن، وتصاعدت هذه الأعمال الإرهابية بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد في أيلول 1978. أدى هذا الصراع إلى توسيع الأجهزة الأمنية وزيادة نفوذها، مما انعكس سلباً على مؤسسات الدولة والمجتمع.
في هذه الظروف الصعبة، تطور الخلاف الداخلي في الحزب الشيوعي السوري وظهر إلى العلن. وقف خالد بكداش على رأس الفريق الأول (ضم ثمانية من أعضاء المكتب السياسي وأكثرية اللجنة المركزية)، ورأى أن سياسة الحزب يجب أن تتسم بالاعتدال الشديد لتجنب تدهور الوضع المتفجر، والتركيز على الحفاظ على الوضع السياسي والاجتماعي في ظل الهجمة الإرهابية والتآمر الخارجي. في المقابل، قاد مراد يوسف الفريق الثاني (بعد فصله من المكتب السياسي)، بدعم من ثمانية أعضاء في اللجنة المركزية وأكثرية الكوادر في منظمات مثل دمشق العاصمة. أكد هذا الفريق تمسكه بالجبهة الوطنية التقدمية ولكنه رأى ضرورة الاعتماد على جميع القوى الوطنية والحركة الجماهيرية الشعبية لمواجهة الأخطار، وأكد أن هزيمة الإرهاب تتطلب صراعاً فكرياً وأخلاقياً إلى جانب الدور الحاسم للقوات المسلحة، مما يستلزم من الحكومة الاهتمام بمطالب الشعب الأساسية وتوفير الظروف لجميع القوى الوطنية للمشاركة في الدفاع عن الوطن. انتقد الفريق الثاني الفريق الأول لعدم تنفيذه السياسات الحزبية المقررة في المؤتمرات، والتي تقوم على تعزيز التعاون داخل الجبهة، والدفاع عن مصالح الجماهير، والحفاظ على استقلالية الحزب، محذراً من أن حصر العمل على مبدأ التعاون فقط سيؤدي إلى عزل الحزب عن الجماهير وتراجع دوره.
تعمق الخلاف رغم قرارات اجتماع اللجنة المركزية في كانون الأول 1978 التي دعت إلى حماية الوحدة والحوار، ورغم نصائح الرفاق السوفييت. استمر المكتب السياسي في إصدار قرارات فصل وتجميد لعمل منظمات ومناضلين، مما أدى إلى انسداد أفق الحل العقلاني ودفع نحو انقسام تنظيمي. قاد الرفاق الثمانية المنفصلون المنظمات والرفاق الذين تعرضوا لهذه الإجراءات، وعقدوا اجتماعاً في تشرين الأول 1980 انتخبت فيه قيادة مؤقتة وتقرر إصدار جريدة "صوت الشعب"، ليظهر بذلك "الحزب الشيوعي السوري - منظمات القاعدة".
عقد الحزب الوليد في شباط 1981 مؤتمراً وطنياً لمناقشة الوثائق التحضيرية للمؤتمر القادم، ثم عقد المؤتمر الخامس في نيسان 1982، حيث انتخب مراد يوسف أميناً أول للجنة المركزية، وأقرّ وثائقه التي أعلن فيها نفسه حزباً وطنياً يناضل من أجل تطور ورفاه الشعب السوري، مؤكداً احترامه للتاريخ النضالي للحزب الأم. يصف الفصل هذه التجربة بأنها فريدة، وعبرت عن ارتفاع مستوى الوعي وروح المسؤولية لدى القواعد والكوادر في الدفاع عن قناعاتها وتطوير الحزب داخلياً. في حياته الداخلية، أقر المؤتمر نظاماً داخلياً يؤكد قبول تعدد الآراء في إطار وحدة العمل، ويجعل الحوار الرفاقي الأداة الوحيدة لاتخاذ القرارات، ويوسع الديمقراطية في انتخاب المندوبين والقيادات. أما البرنامج السياسي، فكان شاملاً ومتطوراً، تضمن تحليلاً للمرحلة واصفاً إياها بـ"مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية والتوجه نحو الاشتراكية"، مع التركيز على تحرير الجولان، وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والمساواة التامة للمرأة. أشار البرنامج إلى أن "البرجوازية البروقراطية الكبيرة هي القوى الأساسية المهيمنة"، ودعا إلى "تحقيق انعطاف ديمقراطي تقدمي" عبر تعاون العمال والفلاحين والمثقفين والجماهير الواسعة. كما دعا إلى تقوية الجبهة الداخلية ومعالجة قضايا مصيرية مثل إعادة الجنسية السورية لمن فقدوها نتيجة الإحصاء السكاني لعام 1962 في محافظة الحسكة، خصوصاً الأكراد.
أكد الحزب منذ البداية على انتمائه للحركة الشيوعية وتبنيه للماركسية-اللينينية مع الاعتراف بضرورة تطورها. واعتبر أن إعادة وحدة الحزب الشيوعي السوري هي الهاجس الأكبر، ووضع المؤتمر الخامس خطة لذلك تحت عنوان "إلى الوحدة عبر الحوار الرفاقي والأعمال المشتركة". تطورت العلاقات بين الفصائل، وبادر خالد بكداش إلى إطلاق نداء لوحدة الشيوعيين رحب به الحزب، وتشكلت لجان حوار. وفي 29 كانون الثاني 1987، حضر مراد يوسف ووفد من حزبه الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السادس للحزب الذي يقوده يوسف الفيصل. توج هذا الجهد في المؤتمر السابع في 11 تشرين الأول 1991 بإعلان الوحدة في "الحزب الشيوعي السوري الموحد"، لكن أسف الكاتب أن حزب خالد بكداش رفض المشاركة في هذا العمل الوطني.
يختتم الفصل بتأكيد أن مراد يوسف قاد الحزب من تأسيسه في 1980 حتى الوحدة في 1991 بكفاءة وسلاسة، متحملًا أعباءً كبيرة في العمل الحزبي والكتابة وإلقاء الخطب وإدارة الاجتماعات، مع إضفاء روح ديمقراطية وإنسانية على عمله. وبعد الوحدة، أعلن عشية المؤتمر العاشر للحزب الموحد أنه لن يترشح لعضوية اللجنة المركزية لإتاحة المجال لكوادر جديدة، رافضاً الضغوط للبقاء في القيادة. يعترف الفصل صراحةً بالحدود التي وضعها فايز جلاحج في تعليقه على الدراسة، معتبراً أنها "ينقصها الكثير من المعلومات" في مجالات النشاط الجماهيري والتحارب العملية، وأنها تحتاج لدراسة معمقة تستند إلى الوثائق وتشارك فيها جهات الاختصاص وشهود العيان.
باختصار، يقدم الفصل دفاعاً قوياً عن تجربة "منظمات القاعدة" ويصورها كمحاولة جادة لإصلاح الحزب من الداخل وتطوير ديمقراطيته واستقلاليته، في مواجهة ما يصفه المؤلف بتيار محافظ داخل الحزب الأم. النص مقنع في سرده للحجج والأسباب التي أدت إلى الانقسام، ويظهر بوضوح انحياز المؤلف إلى وجهة نظر مراد يوسف ورفاقه، معتبراً إياهم ضحايا إجراءات إدارية صارمة من القيادة الحزبية. مع ذلك، يمكن القول إن الفصل يفتقر إلى عرض متوازن لوجهة نظر الفريق الآخر (بقيادة خالد بكداش) بشكل أكثر تفصيلاً، مما يجعله أقرب إلى مذكرات دفاعية عن تجربة معينة منه إلى تحليل تاريخي موضوعي متكامل. يظل العمل مع ذلك وثيقة مهمة تسلط الضوء على فترة حرجة من تاريخ اليسار السوري، وتقدم سرداً داخلياً لتبرير الانشقاق ثم السعي نحو الوحدة.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص