
مسألة أكراد سورية: الواقع - التاريخ - الأسطرة
الموضوع المحوري لكتاب "مسألة أكراد سورية: الواقع - التاريخ - الأسطرة" هو تفكيك الصورة النمطية التي تقدم الأكراد في سورية ككتلة واحدة متجانسة ذات مطالب ومسار تاريخي موحد. يدافع فريق الباحثين عن أطروحة أساسية مفادها أن الوجود الكردي في سورية هو نتاج مسارين تاريخيين واجتماعيين مختلفين تماماً، أنتجا فئتين متميزتين: "أكراد الدواخل" الذين اندمجوا في المجتمع السوري منذ قرون، و"أكراد الأطراف" الذين تشكلوا بفعل موجات هجرة حديثة نسبياً من تركيا. يهدف الكتاب إلى كشف الأساطير والسياسات التي أحاطت بهذه المسألة، وتقديم قراءة تاريخية وسياسية تتجاوز الخطابين القومي العربي والقومي الكردي على حد سواء.
يبني الكتاب حجته بمنطق متدرج يربط بين الظروف التاريخية، التحولات السياسية، والحراك الثوري. يبدأ بإرساء إطار تاريخي شامل يشرح كيف تشكل الوجود الكردي في سورية الحديثة. يكشف هذا الإطار أن منطقة الجزيرة السورية (محافظة الحسكة حالياً) تحولت جذرياً من البداوة إلى العمران الحضري بفعل موجات هجرة كردية كبرى، بدأت بعد ترسيم الحدود بموجب معاهدة لوزان عام 1923، والتي قطعت روابط اقتصادية وبشرية وثيقة كانت تربط شمال وجنوب خط سكة حديد برلين-بغداد. بقيت محطات القامشلي وعامودا والدرباسية داخل الأراضي السورية بينما أصبحت منابع الهجرة في ديار بكر وماردين وأورفة ضمن السيادة التركية. شجعت سلطات الانتداب الفرنسي على هذه الهجرات، متبعة سياسة تقسيم مذهبي وإثني أسست لأقضية مستقلة إدارياً مثل قضاء جرابلس، وأدت إلى تغيير ديمغرافي هائل حيث ارتفع عدد سكان الجزيرة الحضر من بضعة آلاف في عشرينيات القرن العشرين إلى نحو 155,221 نسمة في عام 1954، بمعدل نمو سنوي فاق ثلاثة أمثال المعدل العام في سورية. جاءت الموجة الأكبر بين عامي 1953 و1957 بالتزامن مع الثورة الزراعية في سورية وارتفاع الطلب على القطن بعد الحرب الكورية، مما جذب أعداداً ضخمة من الأكراد الفارين من سياسات القمع والبطالة في جنوب شرق الأناضول.
بعد هذه الخلفية، ينتقل الكتاب إلى شرح التحول في السياسة السورية من "التوسعية" إلى "التقييدية" تجاه هذه الهجرات. ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر 1955، أجرت حكومة خالد العظم "الإحصاء الاستثنائي" في محافظة الحسكة الذي ألغى سجلات الأحوال المدنية السابقة وحدد عام 1952 كسنة أساس لمنح الجنسية، مما ولد مشكلة "أجانب تركيا" الذين أصبحوا دون جنسية. هذا الإحصاء وضع أسساً لسياسات تعريبية بلغت ذروتها مع إنشاء "الحزام العربي" بعد بناء سد الفرات في ستينيات القرن الماضي، حيث تم تهجير عشرات الآلاف من الفلاحين الأكراد من أراضيهم المغمورة وترحيلهم إلى قرى جديدة في منطقة البليخ والفرات. يطرح الكتاب هنا تمييزاً تاريخياً حاسماً بين "أكراد الدواخل" الذين استقروا منذ العصر الأيوبي في مدن مثل دمشق (حي الأكراد) وحلب (جبل الأكراد/كرداغ) وشاركوا فاعلياً في الثورة السورية الكبرى 1925-1927 بقيادة شخصيات مثل يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش، وبين "أكراد الأطراف" القادمين حديثاً إلى الجزيرة الذين حافظوا على علاقات وثيقة مع كردستان تركيا والعراق. يعرض الكتاب أيضاً تفصيلاً لظاهرة استخدام فرنسا لقادة الأكراد في "حركة الجزيرة الانفصالية" بين 1936 و1939 بقيادة حاجو أغا وآل بدرخان، والتي عارضها زعماء آخرون مثل قدري جميل باشا، وانتهت بالفشل لكنها خلفت استقطاباً عميقاً في المجتمع الكردي.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تتبع تطور الحركة السياسية الكردية المنظمة، التي بدأت بمرحلة "الجمعية" مع "جمعية خويبون" (الاستقلال) في أواسط العشرينيات، وانتهت بأواسط الأربعينيات. ثم جاءت المرحلة الثانية أو مرحلة "البارتي" مع تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي السوري في دمشق عام 1957، والذي تأثر بتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق عام 1945 وبشخصية الملا مصطفى البارزاني. يصف الكتاب كيف أن الخلافات في الحزب العراقي بين إبراهيم أحمد وجلال الطالباني من جهة والملا مصطفى البارزاني من جهة أخرى، انعكست مباشرة على الحزب السوري وأدت إلى انقسامه الأول عام 1965، والذي وصفه المؤلف بأنه "صورة طبق الأصل" عن الصراع العراقي. انقسم الحزب بين جناح "يساري" بزعامة عثمان صبري مدعوماً من البارزاني، وجناح "يميني" بزعامة عبد الحميد درويش وجمال سليمان مدعوماً من جناح الطالباني. هذا الانقسام كان نقطة تحول أدت إلى شرخ دائم، تلتها انشقاقات متسلسلة أنتجت أكثر من أحد عشر حزباً وحركة بحلول عام 2011، منها حزب يكيتي، الحزب الاشتراكي الكردي الذي أسسه صالح كدو عام 1975، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) المتأثر بحزب العمال الكردستاني التركي بزعامة عبد الله أوجلان.
تبرز من بين الوقائع اللافتة أن معظم هذه الأحزاب، رغم اختلافاتها الأيديولوجية، تجمع على نبذ فكرة الانفصال عن سورية، وتطالب بـ "حل المسألة الكردية بالطرق الديمقراطية" في إطار الدولة السورية، مع تحقيق الاعتراف الدستوري بالأكراد كقومية ثانية. يستثنى من ذلك تيار المستقبل الكردي الذي طالب بإقليم كردي فيدرالي. يكشف الكتاب عن ظاهرة "شخصنة" الأحزاب، حيث ظل بعض القادة في مناصبهم منذ تأسيس الحزب وحتى عام 2011، مع وجود ظاهرة التوريث في حالات مثل رئاسة جمال سليمان للحزب الديمقراطي الكردي السوري. يذكر الكتاب تقديراً بأن عدد المنتمين للحزب الديمقراطي الكردي التقدمي يبلغ نحو أربعة آلاف شخص، وأن حزب الاتحاد الديمقراطي هو الأكثر تنظيماً والأوسع قاعدة شعبية، لا سيما في منطقة عفرين والجزيرة السورية.
يصل الكتاب إلى مرحلة الثورة السورية التي اندلعت في 15 آذار/مارس 2011، ويحلل موقف الأكراد منها بكل تعقيداته. يصف تحفظ الأحزاب الكردية التقليدية التي خشيت من تكرار سيناريو انتفاضة الأكراد في آذار/مارس 2004، والتي نشبت بعد مباراة كرة قدم في القامشلي وتحولت إلى مصادمات دامية قمعها النظام بقوة. أصدرت الأمانة العامة للمجلس العام للتحالف الوطني الكردي بياناً في كانون الثاني/يناير 2011 حذرت فيه من التظاهر، بينما تحركت مجموعات شبابية كردية جديدة مثل حركة شباب الكرد بشكل مستقل وشاركت في الاحتجاجات الأولى رافعة شعارات مدنية. استخدم النظام أساليب الاحتواء فأطلق سراح معتقلين وتواصل مع وجهاء العشائر، وأصدر المرسوم رقم 49 في أيلول/سبتمبر 2011 الذي منح الجنسية السورية لمئات الآلاف من الأكراد المحرومين منها، مما قسم الموقف الكردي وأضعف الزخم الثوري في المناطق الكردية.
يحلل الكتاب سببين رئيسيين لتردد الأحزاب الكردية: الخوف من بطش النظام بعد تجربة 2004، وحسابات سياسية رأت في الثورة فرصة لانتزاع تنازلات من النظام في لحظة ضعفه. ينتقد الكاتب هذا التوجه معتبراً أنه جعل الأحزاب الكردية تبدو وكأنها تفضل النظام على المعارضة العربية. ويشير إلى أن محدودية المشاركة الشعبية في التظاهرات الكردية (التي لم تتجاوز بضعة آلاف في أحسن الأحوال، باستثناء تشييع القيادي مشعل التمو الذي شارك فيه نحو مئة ألف شخص) كانت دليلاً على هذا التحفظ الحزبي. بلغ الافتراق ذروته في تشرين الأول/أكتوبر 2011 بتأسيس المؤتمر الوطني الكردي في القامشلي، وهو كيان سياسي منافس للمعارضة السورية رفع شعارات قومية كردية صريحة عن حق تقرير المصير، مما أثار مخاوف عربية من نزعة انفصالية. يصف الفصل كيف أن هذا المؤتمر أصبح "الممثل الرئيسي" للشارع الكردي متفوقاً على حزب الاتحاد الديمقراطي في الجانب السياسي التنظيمي.
يقدم الكتاب تحفظات واضحة حول حدود تحليله، مؤكداً أن التركيز ينصب على المرحلة الأولى للثورة (2011-2012) ولا يتناول التطورات اللاحقة مثل إعلان الحكم الذاتي وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المنطقة. كما يعترف بتعقيد تشكل الهوية الكردية وتباين المجتمع الكردي داخلياً، ويقر بأن تأثير المؤثرين الكردستانيين الخارجيين على مجتمعات الأطراف يبقى قضية معقدة لم تُحسم بالكامل. يشير أيضاً إلى غياب أي دور للبعد الديني في المشهد السياسي الكردي المنظم رغم تدين المجتمع الكردي القوي، باستثناء محاولات محدودة لابن الشيخ محمد معصوق الخزنوي.
من بين الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، يبرز التركيز على فكرة "الازدواجية" في الموقف الكردي بين الانتماء للثورة الوطنية والتمسك بالخصوصية القومية. يرى الفريق البحثي أن هذا الموقف خلق ريبة متبادلة بين العرب والأكراد، لكن يمكن القول إن هذه الازدواجية لم تكن نتيجة خيار إيديولوجي بقدر ما كانت انعكاساً لسياسات التهميش الطويلة التي جعلت الأكراد يرون في الثورة فرصة لانتزاع حقوقهم بقدر ما هي فرصة لإسقاط النظام. كما أن انتقاد الكتاب للأحزاب الكردية لاختيارها مساراً مستقلاً عن المعارضة العربية، يتجاهل إلى حد ما المسؤولية المتبادلة لهذه المعارضة التي فشلت أيضاً في استيعاب المطالب الكردية بشكل جدي في مراحلها الأولى، مما دفع الأكراد إلى البحث عن ضمانات مستقلة لحمايتهم من بطش النظام ومن أي تسوية سياسية مستقبلية قد تتجاهل حقوقهم.
الأشخاص
الفصول(3)
1.الأكراد في سورية: إطار تاريخي عام14–72▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل من كتاب "مسألة أكراد سورية: الواقع - التاريخ - الأسطرة" إطاراً تاريخياً عاماً لوجود الأكراد في سورية، محاولاً الإجابة عن سؤال محوري: كيف تشكل الوجود الكردي في سورية الحديثة، وما هي العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية التي أنتجت التمايز بين مجموعتين كرديتين رئيسيتين داخل البلاد؟ يخلُص الفصل إلى أن هذا الوجود ليس كتلة واحدة، بل هو نتاج مسارين تاريخيين مختلفين أديا إلى نشوء "أكراد الدواخل" و"أكراد الأطراف".
يسير الفصل خطوة خطوة عبر مراحل تاريخية مترابطة. يبدأ بطرح إشكالية التكوين التاريخي الحديث لمنطقة الجزيرة السورية (محافظة الحسكة حالياً)، موضحاً التحول الكبير الذي شهدته من البداوة والرعي إلى العمران الحضري والزراعة المستقرة. يركز على أن هذه المنطقة تحولت جذرياً بفعل موجات هجرة كبيرة، أبرزها الهجرة الكردية الأولى التي بدأت بعد ترسيم الحدود بين سورية وتركيا بموجب معاهدة لوزان عام 1923، والتي قطعت روابط اقتصادية وبشرية وثيقة كانت قائمة بين شمال وجنوب خط سكة حديد برلين-بغداد، حيث بقيت محطة القامشلي وعامودا والدرباسية داخل الأراضي السورية بينما أصبحت منابع الهجرة في ديار بكر وماردين وأورفة ضمن السيادة التركية.
يصف الفصل كيف شجعت سلطات الانتداب الفرنسي في سورية على هذه الهجرات، متبعة سياسة تقسيم مذهبي وإثني أسست لأقضية مستقلة إدارياً مثل قضاء جرابلس، ودمجت مناطق الحسكة ودير الزور والجزيرة لتشكيل كيانات كلدو-أشورية وكردية. أدت هذه السياسات إلى تغيير ديمغرافي هائل؛ فعدد سكان الجزيرة الحضر ارتفع من بضعة آلاف في عشرينيات القرن العشرين إلى نحو 155,221 نسمة في عام 1954، بمعدل نمو سنوي فاق ثلاثة أمثال المعدل العام في سورية. لكن الموجة الأكبر كانت الهجرة الكبرى الثانية (منذ 1953 وحتى 1957) والتي تزامنت مع الثورة الزراعية في سورية وارتفاع الطلب العالمي على القطن بعد الحرب الكورية. هذه الموجة جذبت أعداداً ضخمة من الأكراد الفارين من سياسات القمع والبطالة في جنوب شرق الأناضول، ليعملوا في زراعة القطن بنظام "البستنة" ولاحقاً في الصناعات التحويلية الناشئة.
يتناول الفصل بالتفصيل التحول في السياسة السورية من "التوسعية" إلى "التقييدية" تجاه هذه الهجرات، خاصة بعد الاستقلال. ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر 1955، أجرت حكومة خالد العظم ما عُرف بـ"الإحصاء الاستثنائي" في محافظة الحسكة، الذي ألغى كل سجلات الأحوال المدنية السابقة وحدد عام 1952 كسنة أساس لمنح الجنسية السورية، مما ولّد مشكلة "أجانب تركيا" وترك آلاف المهاجرين المتأخرين دون جنسية. هذا الإحصاء وضع أسساً لسياسات تعريبية لاحقة في الجزيرة، والتي بلغت ذروتها مع إنشاء "الحزام العربي" إثر بناء سد الفرات في ستينيات القرن الماضي، حيث تم تهجير عشرات الآلاف من الفلاحين الأكراد من أراضيهم المغمورة وترحيلهم إلى قرى جديدة في منطقة البليخ والفرات، كجزء من خطة لتفكيك الكثافة السكانية الكردية وتعويضها بعناصر عربية. يشير الفصل إلى أن هذا المشروع بقي محدوداً على الصعيد الديمغرافي، لكنه عمّق مشاعر القهر والحرمان لدى المجتمع الكردي.
يطرح الفصل بعد ذلك تمييزاً تاريخياً واجتماعياً أساسياً بين فئتين من الأكراد في سورية. الأولى هي "أكراد الدواخل" أو أكراد الشام التاريخيين، الذين استقروا منذ العصر الأيوبي في المدن الداخلية كـدمشق (حي الأكراد) وحلب (جبل الأكراد/كرداغ) والمناطق الساحلية. هؤلاء اندمجوا اندماجاً عضوياً في المجتمع السوري، وشاركوا فاعلياً في الحياة الاقتصادية والوظائف العامة والعسكرية، وفي الحركات الوطنية الكبرى مثل الثورة السورية الكبرى (1925-1927) بقيادة شخصيات كردية مثل يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش. الثانية هي "أكراد الأطراف"، وهم القادمون حديثاً نسبياً في سياق الهجرات الجماعية إلى الجزيرة السورية خلال القرن العشرين. حافظ هؤلاء، بفعل النشأة العشائرية والظروف الحدودية، على علاقات وثيقة مع كردستان تركيا والعراق، مما جعلهم أكثر تأثراً بالحركات القومية الكردية المجاورة وأسهل استخداماً من قبل سلطات الانتداب الفرنسي في سياستها الإثنية.
يعرض الفصل تفصيلاً لظاهرة استخدام فرنسا لقادة الأكراد في "حركة الجزيرة الانفصالية" بين 1936 و1939، التي حاولت إنشاء كيان كردي-كلدو-أشوري مستقل تحت الحماية الفرنسية. قاد هذه الحركة حاجو أغا وآل بدرخان، بينما عارضها زعماء آخرون مثل قدري جميل باشا وتحالفوا مع الكتلة الوطنية السورية. هذا الانقسام بين القادة الأكراد أنفسهم أضعف الحركة، وانتهت بمفاوضات ومشاورات مع سلطات الانتداب التي أجهضتها. ورغم فشل المشروع الانفصالي، فإنه خلف جروحاً واستقطاباً عميقاً في المجتمع الكردي واستُخدم لاحقاً في سياسات التهميش والوصم.
في النصف الثاني من الفصل، ينتقل التركيز إلى مسار أكراد الدواخل بعد الاستقلال. يؤكد الفصل أنهم اندمجوا وساهموا بقوة في بناء الدولة السورية الحديثة، خدمة في الجيش والإدارة، وبرز منهم قادة عسكريون كبار مثل رئيس الجمهورية الأسبق حسني الزعيم (ذي الأصول الكردية) واللواء توفيق نظام الدين الذي ترأس هيئة الأركان. كما نص دستور عام 1949 الذي صدر في عهد حسني الزعيم على أن "سورية جمهورية عربية"، وهو تعريف تكرس في الدساتير السورية اللاحقة. يخلص الفصل إلى أنه في فترة الاستقلال، كانت الخلافات حول هوية الدولة أكثر ارتباطاً بالقضايا الوطنية الكبرى (مثل الوحدة، والأحلاف الغربية، وحرية الحريات) منها بمعارضة قومية كردية متماسكة.
يعترف الفصل بوجود تحفظات وأسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بتعقيد تشكل الهوية الكردية في سورية. فهو لا يقدم الأكراد ككتلة واحدة، بل يبين التباين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بين مجتمعاتهم المختلفة، ويشير إلى أن سياسات التهميش والعزل لم تنل من التمايز الداخلي بل رسّخته. يواجه الفصل أيضاً مسألة أن بعض الروايات التاريخية العربية السورية قد أغفلت أو قلّلت من دور الشخصيات الكردية المحوري في الحراك الوطني، مثلما تعاملت المصادر الكردية مع هذه الشخصيات كممثلين حصريين للأكراد. وأخيراً، يقر الفصل بأن تأثير المؤثرين الكردستانيين الخارجيين (الأكراد في العراق وتركيا) على مجتمعات الأطراف يبقى قضية معقدة لم تُحسم بالكامل.
2.الحركة السياسية الكردية في سورية73–90▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل تحقيقاً موسعاً في نشأة وتطور الأحزاب والحركات السياسية الكردية في سوريا، منذ بداياتها المبكرة وحتى ما قبل اندلاع الثورة السورية في عام 2011. يهدف الفصل إلى تقديم خريطة واضحة لهذا المشهد السياسي المعقّد والمتشرذم، مفسراً أصوله التاريخية، وانقساماته الداخلية، وبرامجه وعلاقاته المتوترة مع الدولة السورية والمعارضة الوطنية.
يسير الفصل وفق تسلسل زمني تاريخي، مقسماً تطور الحركة الكردية الحديثة في سوريا إلى مرحلتين رئيسيتين. المرحلة الأولى، التي يسميها مرحلة "الجمعية"، بدأت في أواسط العشرينيات من القرن العشرين وانتهت في النصف الأول من الأربعينيات، وتركز جهدها في كردستان تركيا. كانت أبرز ملامحها "جمعية خويبون" (الاستقلال) التي اتخذت من الجزيرة السورية قاعدة لها. يُشير المؤلف إلى أن مؤسسي الجمعية انشقوا عن الزعيم الكردي إسماعيل باشا الذي تورط في مخططات فرنسية لتأليف كيان أثري في الجزيرة في الثلاثينيات، وهو ما قوبل بحزم من القوميين السوريين. توقفت الجمعية عن العمل في النصف الأول من الأربعينيات منتهيةً بذلك تاريخ الحركة الكردية الحديثة في مرحلتها الأولى.
أما المرحلة الثانية، أو مرحلة "البارتي"، فترتبط بنشوء الحزب الديمقراطي الكردي السوري (البارتي) في دمشق عام 1957. يوضح الفصل أن هذه المرحلة شهدت تفاعلاً مع تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق عام 1945 وتأثير الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني، الذي مثل مصدر إلهام ودعم رئيسي. تفصّل الدراسة كيف أن الخلافات في الحزب العراقي بين إبراهيم أحمد وجلال الطالباني من جهة، والملا مصطفى البارزاني من جهة أخرى، انعكست مباشرةً على الحزب السوري، ما أدى إلى انقسامه الأول عام 1965. يصف هذا الانقسام بأنه "صورة طبق الأصل" عن الصراع العراقي، حيث انقسم الحزب بين جناح "يساري" بزعامة عثمان صبري (الذي نزح من تركيا في عشرينيات القرن العشرين) مدعوماً من قيادة البارزاني في العراق، وجناح "يميني" عُقد مؤتمره الأول في حلب عام 1963 بدعم من جناح جلال الطالباني. هذا الانقسام كان نقطة تحول أدت إلى شرخ دائم في الجسم السياسي الكردي السوري، ليتبعها انشقاقات متتالية أنتجت أكثر من أحد عشر حزباً وحركة بحلول عام 2011.
يتناول الفصل بالتفصيل مسارات هذه الانقسامات المتسلسلة، ويذكر أسماء القادة والأحزاب الناتجة عنها. فعلى سبيل المثال، انشق عن الحزب اليميني (البارتي) كل من عبد الحميد درويش (البارتي اليميني) وجمال سليمان (حزب يكيتي)، بينما انشق عن الحزب اليساري (عثمان صبري) كل من يوستب يوسف وإسماعيل عمر، وأسس صالح كدو "الحزب الاشتراكي الكردي" في 1975. كما يبرز دور الـبي كا كا (حزب العمال الكردستاني التركي) بزعامة عبد الله أوجلان، والذي امتد تأثيره من خلال حليفه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، بالإضافة إلى حزب الوحدة الديمقراطي الكردي بزعامة إسماعيل عمر الذي توفي في 2001. يقدم الفصل جداول توضيحية لأبرز هذه الأحزاب الكردية السورية، التي يتراوح عددها بين عشرة واثني عشر حزباً، موضحاً أسماءها وقادتها وتواريخ تأسيسها وانشقاقاتها. ويلاحظ أن ظاهرة "شخصنة" الأحزاب واضحة، حيث ظل بعض القادة في مناصبهم منذ تأسيس الحزب وحتى 2011 باستثناء حزب يكيتي الذي ينتخب رئيسه دورياً، فضلاً عن وجود ظاهرة التوريث في حالات مثل رئاسة جمال سليمان للحزب الديمقراطي الكردي السوري.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل الهيكل التنظيمي لهذه الأحزاب، مشيراً إلى صعوبة الحصول على إحصائيات دقيقة لأعضائها بسبب المبالغة وعدم وضوح البيانات. يوضح أن عدد الأعضاء المنتسبين يتراوح بين بضع مئات وبضعة آلاف، ويذكر تقديراً للباحثين بأن عدد المنتمين للحزب الديمقراطي الكردي التقدمي (بزعامة صالح كدو) يبلغ نحو أربعة آلاف شخص. ويؤكد الفصل على أن حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) هو الأكثر تنظيماً والأوسع قاعدة شعبية، لا سيما في منطقة عفرين وفي الجزيرة السورية (محافظة الحسكة)، في حين ينقسم نشاط الأحزاب الأخرى بين الفاعلة وشبه الفاعلة والخاملة. يشير الفصل إلى أنه بعد تشكيل "المجلس الوطني الكردي"، ككتلة سياسية منظمة، تساوى تقريباً التأثير الجماهيري والتنظيمي بينه وبين حزب الاتحاد الديمقراطي في مناطق متعددة، مع بقاء تفوق نسبي لكل منهما في مناطق نفوذه التقليدية.
يُحلل الفصل البرامج السياسية لهذه الأحزاب وعلاقتها بالحركة الوطنية السورية. على الرغم من اختلافاتها الأيديولوجية وتحالفاتها، إلا أنها تشترك في نقاط بارزة، من أبرزها نبذ فكرة الانفصال أو إقامة دولة كردية مستقلة، مع استثناء تيار المستقبل الكردي الذي يطالب بإقليم كردي فيدرالي. جميع الأحزاب تجمع على المطالبة بـ "حل المسألة الكردية بالطرق الديمقراطية" في إطار سيادة الدولة السورية، وتحقيق الاعتراف الدستوري بالأكراد كقومية ثانية، مع المطالب التقليدية بإلغاء سياسة "الحزام العربي"، ومنح الجنسية لمن سُحب منهم (في إشارة إلى قانون 1962 والمرسوم 49 لعام 2015، والتي تم إلغاؤها لاحقاً في محاولة لاحتواء الأكراد). يكشف الفصل عن جدلية حادة في الخطاب السياسي بين مفهوم "الوطني السوري الكردي" و"القومي الكردي الكردستاني"، موضحاً أن مصطلح "الحقوق السياسية" للأكراد يُفهم بشكل مختلف بين الأحزاب، فبعضها يراه كحقوق فردية ضمن المواطنة، بينما تراه الأغلبية كحقوق جماعية. ويخلص إلى أن معظم الأحزاب الكردية لم تحدد بدقة مفهوم "الحكم الذاتي" الذي تطالب به، باستثناء حزب يكيتي (الذي يطالب بحكم ذاتي إقليمي) وحزب الاتحاد الديمقراطي (الذي يتبنى مفهوماً لاسلطوياً ومضاداً للدولة القومية التقليدية، مستلهماً من أيديولوجية "الأمة الديمقراطية" للزعيم عبد الله أوجلان).
أخيراً، يُقرّ الفصل بحدود وتحفظات مهمة، أبرزها غياب أي دور للبعد الديني في المشهد السياسي الكردي المنظم، رغم أن المجتمع الكردي يتمتع بتدين قوي متأثر بالتصوف والطرق مثل النقشبندية والقادرية. الاستثناء الوحيد كان من خلال محاولات محدودة لابن الشيخ محمد معصوق الخزنوي الذي درس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لكنها بقيت محصورة. يُشير الفصل أيضاً إلى أن جميع الأحزاب تدّعي التمسك بالديمقراطية في نظمها الداخلية، لكن الممارسة الحزبية تتناقض مع تلك الطروحات، وتتجلى في الانقسامات ذات الدوافع الشخصية وشبه غياب الانتخابات الديمقراطية الداخلية الدورية. في نهاية المطاف، يوضح الفصل أن هذه الأحزاب، رغم تشرذمها، بقيت نشطة في الوسط الكردي ومحدودة التأثير على الساحة السورية العامة حتى لحظة إعلان دمشق في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2005، وهو بيان وحد المعارضة السورية وانضمت إليه بعض الأحزاب الكردية، ليكون ذلك أول محطة رئيسية لخروجها من "العزلة الكردية" والمشاركة في العمل السياسي الوطني السوري.
3.الأكراد في الثورة السورية91–193▼ ملخص
بدأ الفصل بتأريخٍ موجز للوجود الكردي في سورية، مشيراً إلى أن المنطقة الكردية تمتد في الشمال الشرقي (محافظة الحسكة) وشمالاً (كوباني وعفرين)، بالإضافة إلى تجمعات في حلب ودمشق. تطرق النص إلى دور الحزب الديمقراطي الكردي في 1955 و1972، وانشقاقه إلى جناحين بسبب الصراع بين البعثين السوري والعراقي. ثم انتقل إلى مرحلة حافظ الأسد التي سمحت بحرية نسبية للنشاط الكردي لكن دون اعتراف قانوني. المحطة المفصلية كانت انتفاضة الأكراد في آذار/مارس 2004 (أحداث القامشلي) التي نشبت بعد مباراة كرة قدم بين فريقي القامشلي والجهاد، وتحولت إلى مصادمات دامية قمعها النظام بقوة. كشف الفصل كيف أن الانتفاضة وإن كانت احتجاجاً على التمييز، إلا أنها خلقت انقساماً في الشارع: رأى فيها عربٌ تمرداً طائفياً، بينما اعتبرها أكرادٌ دفاعاً عن حقوقهم. هذه الانتفاضة أرست حالة من الريبة المتبادلة.
ثم يتناول الفصل موقف الأكراد من اندلاع الثورة السورية في 15 آذار/مارس 2011. يصف تحفظ الأحزاب الكردية التقليدية، التي خشيت من سيناريو مشابه لأحداث 2004. يذكر الفصل أن الأمانة العامة للمجلس العام للتحالف الوطني الكردي أصدرت بياناً في كانون الثاني/يناير 2011 حذرت فيه الأكراد من التظاهر، داعية إلى ضبط النفس والحوار مع النظام. في المقابل، تحركت مجموعات شبابية كردية جديدة (مثل حركة شباب الكرد) بشكل مستقل، وشاركت في الاحتجاجات الأولى في القامشلي وعامودا رافعة شعارات مدنية. لكن النظام سرعان ما استخدم أساليب الاحتواء: أطلق سراح معتقلين، وتواصل مع وجهاء العشائر، وأصدر المرسوم رقم 49 في أيلول/سبتمبر 2011 الذي منح الجنسية السورية لمئات الآلاف من الأكراد المحرومين منها. هذا الإجراء قسم الموقف الكردي وأضعف الزخم الثوري في المناطق الكردية.
يحلل الفصل المنطق الكامن وراء تردد الأحزاب الكردية، ويخلص إلى سببين رئيسيين: الأول، خشية واقعية من بطش النظام وقدرته على القمع، خاصة بعد تجربة 2004؛ والثاني، حسابات سياسية ضيقة حيث رأت بعض الأحزاب أن الثورة قد تضعف موقعها التفاوضي، فاختارت مساراً مستقلاً يسعى لانتزاع تنازلات من النظام في لحظة ضعفه. ينتقد الكاتب هذا التوجه، معتبراً أنه جعل الأحزاب الكردية تبدو وكأنها تفضل النظام على المعارضة العربية، مما أثار حفيظة القوى الثورية الأخرى. ويشير إلى أن محدودية المشاركة الشعبية في التظاهرات الكردية (التي لم تتجاوز بضعة آلاف في أحسن الأحوال، باستثناء تشييع القيادي مشعل التمو الذي شارك فيه نحو مئة ألف شخص) كانت دليلاً على هذا التحفظ الحزبي.
يتعمق الفصل في تطور الموقف الكردي خلال عام 2011. فمع ازدياد عنف النظام، حاولت الأحزاب الكردية اللحاق بالحراك الثوري، فأسست الحركة الوطنية الكردية في أيار/مايو 2011، والتي أصدرت مبادرة لحل الأزمة تطالب بـ"الاعتراف بالقضية الكردية". لكن التوتر مع المعارضة العربية تصاعد، خاصة حول تسمية الجمعة الأولى من آذار/مارس 2012 التي أرادها النشطاء "جمعة الوفاء للانتفاضة الكردية"، بينما رفضها آخرون. بلغ الافتراق ذروته في تشرين الأول/أكتوبر 2011 بتأسيس المؤتمر الوطني الكردي في القامشلي، وهو كيان سياسي منافس للمعارضة السورية رفع شعارات قومية كردية صريحة، مثل الإقرار بحق تقرير المصير في سورية ديمقراطية لامركزية، مما أثار مخاوف عربية من نزعة انفصالية. يصف الفصل كيف أن هذا المؤتمر أصبح "الممثل الرئيسي" للشارع الكردي، متفوقاً على حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في الجانب السياسي التنظيمي.
يبحث الفصل أيضاً في تداعيات الاغتيالات السياسية، أبرزها اغتيال مشعل التمو (القيادي في تيار المستقبل الكردي) في تشرين الأول/أكتوبر 2011، والذي أدى إلى خروج تظاهرات حاشدة وألقى بظلال من الشكوك حول تواطؤ النظام أو قوى المعارضة. كما يناقش موقف الأحزاب الكردية من العنف المسلح، موضحاً أنها كانت حذرة من الانخراط في القتال المسلح (الجيش الحر) خوفاً من استفزاز النظام أو فقدان السيطرة، بينما كان PYD يبني مليشياته الخاصة التي فرضت سيطرتها لاحقاً على مناطق واسعة. ويختتم الفصل بتقييم التأثير التركي، حيث يظهر أن مخاوف الأكراد من التدخل التركي (على غرار جسر الشغور) دفعتهم إلى المطالبة برفض أي تدخل خارجي في بياناتهم وسعيهم لبناء تحالفات مع قوى المعارضة التي تشاركهم هذا القلق.
أخيراً، يقر المؤلف بتحفظات مهمة: فالتحليل يركز على المرحلة الأولى للثورة (2011-2012) ولا يتناول التطورات اللاحقة، خاصة إعلان PYD الحكم الذاتي وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المنطقة. كما يشير النص إلى أن تنوع الأحزاب الكردية (قومية، يسارية، إسلامية) جعل مواقفها غير متجانسة، وأن "الشارع الكردي" لم يكن دائماً منسجماً مع قياداته الحزبية، مما يترك تساؤلات مفتوحة حول جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة الشعبية الكردية. النهاية تتركز حول فكرة أن الأكراد دخلوا الثورة كقطاع مميز له حقوقه وهويته، مما خلق حالة من "الازدواجية" بين الانتماء للثورة الوطنية والتمسك بالخصوصية القومية، وهو ما فسره البعض تعطيلاً للثورة وآخرون تكتيكاً سياسياً واقعياً.