المورد
معجم الجرائد السورية

معجم الجرائد السورية

مهيار عدنان الملوحيar

هذا المعجم للمؤرخ السوري مهيار عدنان الملوحي ليس مجرد سرد لأسماء صحف، بل هو تأريخ وثائقي لميلاد الكلمة المطبوعة في سوريا وانعكاسها لتقلبات أكثر من نصف قرن من التاريخ السياسي. الموضوع المحوري للكتاب هو محاولة الإمساك بالخيط الرفيع الذي يربط بين الصحافة السورية كظاهرة ثقافية والسلطة بكل وجوهها: العثمانية، الفيصلية، الانتداب الفرنسي، ثم حكومات الاستقلال. الجواب الذي يدافع عنه المؤلف ضمنياً هو أن الصحافة السورية كانت في جوهرها مرآة للصراع على السلطة والهوية، وأن تاريخها هو تاريخ المقاومة والرقابة والإغلاق، لا تاريخ حرية وتعبير مستقل. الكتاب يقدم نفسه كمحاولة توثيقية صارمة تعتمد على "الوثيقة الأصلية" (ترويسات الجرائد وإشهاراتها) لتصحيح ذاكرة مشوشة تعتمد على الروايات الشفهية، وهذا هو المنهج الذي يمنح الكتاب قوته وحدوده في آن.

يسير الكتاب وفق ثلاثة أقسام مترابطة تشكل بنية متكاملة: أولها سجل وثائقي لـ 51 جريدة دمشقية صدرت بين منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وثانيها ينتقل من الجرائد إلى صناعها عبر تراجم موسعة لأعلام الصحافة، وثالثها يؤطر كل ذلك في سجل زمني للأحداث السياسية والإعلامية. المنطق الذي يربط الأجزاء هو أن فهم الصحافة لا يكتمل بمعرفة أسمائها فقط، بل يحتاج إلى معرفة أشخاصها الذين كانوا غالباً سياسيين ووزراء وأعضاء أحزاب، ثم معرفة الظروف السياسية التي ولدت وأغلقت هذه الصحف. هذا الانتقال من النص (الجريدة) إلى المؤلف (الشخصية) إلى السياق (السياسة) يعطي الكتاب عمقاً سردياً، حيث تصبح كل جريدة شخصية وكل شخصية جريدة، وكلاهما نتاج لحظة تاريخية محددة.

من بين الوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها تلك المتعلقة بالانفجار الصحفي الذي أعقب إعلان الدستور العثماني عام 1908، حيث ظهرت جرائد مثل "العصر الجديد" و"المقتبس" و"روضة الشام" معبرة عن آمال إصلاحية سرعان ما اصطدمت بالواقع. ثم هناك الصحف الهزلية مثل "الحمارة" و"الطبل" التي استخدمت الفكاهة كغطاء لانتقاد السلطة، وهو تقليد خطير دفع البعض إلى الاختباء خلف أسماء مستعارة أو أحرف أولى كالصحفي الذي اختبأ خلف "ا.م.ك" في جريدة "الطبل". الأرقام هنا ليست مجرد أرقام: جريدة "الاشتراكية" التي كانت سابقة لعصرها بأفكارها أغلقت بعد أقل من شهر، بينما استمرت الجريدة الرسمية "سوريا" التي أصدرتها الدولة العثمانية عام 1865/11/19 لمدة 53 عاماً باللغتين العربية والتركية. المشهد يصبح أكثر دراماتيكية في مرحلة الانتداب الفرنسي، حيث يتحول الكتاب إلى قائمة طويلة من جرائم المطبوعات: جريدة "الكنانة" تعطلت 3 أيام في 16 آب 1920 لمخالفتها قانون الرقابة، وجريدة "لسان العرب" علقت لأجل غير مسمى في 30 تشرين الأول 1920 "لإثارتها الرأي العام"، وهكذا دواليك مع "النضال" و"القبس" و"الأيام" و"الإنشاء".

الشهادات الشخصية التي تقدمها التراجم تكشف عن نسيج معقد من العلاقات بين الصحافة والسياسة. محمد توفيق جانا، المولود في عكا، انتقل بين القاهرة وبيروت ودمشق مصدراً جرائد فكاهية وسياسية بأسماء متعددة مثل "الحمارة" و"الشعب"، ليؤسس لاحقاً جريدة "الاستقلال العربي"، مما يظهر كيف كان الصحفي الواحد ينتقل بين مدن وبلدان ويغير أسماء جرائده وفقاً للظروف السياسية. فيضي الأتاسي لم يكتف بالصحافة بل شغل مناصب وزارية متعددة (المعارف، العدل، الاقتصاد، الدفاع، الخارجية) في حكومات مختلفة، مما يظهر التداخل الوثيق بين الصحافة والسلطة. وهناك شخصيات مثل عمر أبوريشة (المولود عام 1910 والمتوفي عام 1990) وخالد بكداش في الحزب الشيوعي وصلاح الدين البيطار في حزب البعث، وجميعهم يجمعون بين العمل الصحفي والنشاط الحزبي، مما يضع التساؤل حول مدى استقلالية الصحافة السورية في مراحل تاريخها المختلفة.

المؤلف واضح وصريح في حدود عمله وتحفظاته. هو يقر منذ البداية أن اعتماده على "الوثيقة" أدى إلى "إغفال بعض الجرائد ليصار إلى إدراجها لاحقاً عند الحصول على وثيقتها"، وهذا إقرار بأن المعجم ليس نهائياً بل هو عمل مفتوح. كما يترك أسئلة مفتوحة حول هوية بعض الأشخاص، كالصحفي الذي اختبأ خلف الأحرف الأولى "ا.م.ك" في جريدة "الطبل"، أو حول أسباب توقف جريدة "بردى" بعد أقل من سنة "بسبب مخالفتها للنشر ولوحق صاحبها قانونياً". في ترجمة سعيد الجزائري، يخصص حاشية مطولة لتصحيح خطأ في موسوعة صحفية عربية أخرى خلطت بين ثلاثة أشخاص مختلفين يحملون الاسم نفسه، مما يكشف عن تحفظ المؤلف على دقة المصادر السابقة. هذا الإقرار بالثغرات والتحفظات يمنح الكتاب مصداقية عالية، لكنه يضع القارئ أيضاً أمام مسؤولية ربط وتركيب المعلومات بنفسه.

هناك حجتان رئيسيتان في الكتاب قابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة. الأولى تتعلق بالعلاقة بين الصحافة والسياسة: الكتاب يظهر بوضوح أن تاريخ الصحافة السورية كان تاريخ تبعية للسلطة، فمنذ نشأتها كأداة حكومية في العهد العثماني (جريدة "سوريا" الرسمية)، وحتى تحولها إلى ساحة معركة تحت الانتداب الفرنسي الذي عطل العشرات منها لأسباب غامضة غالباً، ثم خضوعها للرقابة بعد الاستقلال عبر مراسيم مثل المرسوم رقم 2 لعام 1949 الصادر عن حسني الزعيم والذي أعطى السلطة المطلقة للجيش بإغلاق أي مطبوعة. هذه الحجة قابلة للنقاش لأن هناك جرائد أهلية مستقلة ظهرت في فترات معينة، مثل "دمشق" التي أسسها أحمد عزت باشا العابد عام 1878، والتي حظيت برعاية متقلبة من الولاة، مما يشير إلى وجود مساحة للتحرك رغم القيود. الحجة الثانية تتعلق بالمنهج نفسه: القوة الكبيرة للكتاب في اعتماده على الوثائق كمنهج صارم تجعله مرجعاً لا غنى عنه للباحثين، لكن هذه القوة نفسها تمثل نقطة ضعف محتملة لقارئ غير متخصص، إذ أن الصيغة المتكررة للمداخل تجعل القراءة رتيبة، والتركيز الحصري على "ما تقوله الوثيقة" دون تحليل أوسع للسياق الاجتماعي أو الثقافي يترك القارئ مع كم هائل من المعلومات المجردة التي يحتاج هو شخصياً لربطها وتركيبها.

الكتاب بهذا المعنى هو عمل تأسيسي أكثر منه تحليلي. هو يضع اللبنات الأولى لفهم تاريخ الصحافة السورية دون أن يبني البناء كاملاً. يقدم السيرة الذاتية لكل صحفي دون أن يحلل خطابه التحريري، ويسجل كل جريدة دون أن يدرس تأثيرها الاجتماعي، ويرصد كل تعطيل دون أن يناقش أيديولوجية الصحيفة أو التهم الموجهة إليها. هذا يجعل الكتاب كنزاً للمعلومات التي تنتج من يقرؤها ويحللها ويركبها في سردية متكاملة. بالنسبة للباحث، هذا عمل لا غنى عنه؛ بالنسبة للقارئ العادي، هو تحدٍ يتطلب صبراً وقدرة على التركيب، لكن المكافأة هي فهم عميق لكيفية ولادة الكلمة المطبوعة في سوريا وكيف واجهت السلطة بكل أشكالها، من السلطان العثماني إلى المفوض السامي الفرنسي إلى ضابط الانقلاب العسكري.

الفصول(3)

1.القسم الأول: سيَر الجرائد السورية بالوثائق9–332▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل، وهو القسم الأول من كتاب "معجم الجرائد السورية" للمؤلف مهيار عدنان الملوحي، نواة المعجم وأساسه، حيث يقدّم سجلاً وثائقياً لسير الجـرائد السورية التي صدرت في مدينة دمشق منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين. الإجابة التي يقدمها المؤلف واضحة ومباشرة: هي عرض موسوعي وصفي لـ 51 جريدة دمشقية، يعتمد كلياً على الوثائق الأصلية (ترويسات الجرائد وإشهاراتها) وليس على الروايات الشفهية أو الذاكرة، بهدف توثيق تاريخ الصحافة السورية بدقة وأمانة.

يسير الفصل وفق بنية ثابتة ومنهجية صارمة، حيث يُخصص لكل جريدة مدخلاً مستقلاً يبدأ بمعلوماتها الأساسية المستخلصة من وثيقتها الرسمية: الاسم، مكان الصدور، تاريخ العدد الأول، صاحب الامتياز، نوع الجريدة وتصنيفها (سياسية، أدبية، هزلية، رسمية...)، ثم يتبع ذلك بفقرة نثرية تصف ظروف إصدارها وفريق عملها وميولها التحريرية ومصيرها. هذه البنية تتكرر 51 مرة لتشكل المتن الرئيسي للفصل. يظهر المؤلف حرصاً شديداً على توثيق الأسماء والتواريخ بدقة، مستشهداً بالوثيقة في كل مرة، ومشيراً إلى أي نقص في المعلومات، كحالة الجريدة الهزلية "اسمع وسطح" التي لم يُعثر في أي مصدر على اسم صاحبها أو محرريها، أو جريدة "العفريت" التي يُرجّح أن يكون اسمها المستعار وصاحبها الوهمي جزءاً من روح الدعابة التي اتسمت بها.

الأمثلة المهمة في هذا الفصل تؤدي وظيفة حاسمة في إظهار تنوع المشهد الصحفي الدمشقي تحت الحكم العثماني، وكيف كانت الجرائد انعكاساً للتحولات السياسية والاجتماعية. فإلى جانب الجريدة الرسمية "سوريا" التي أصدرتها الدولة العثمانية عام 1865/11/19 واستمرت 53 عاماً باللغتين العربية والتركية، نجد جرائد أهلية مثل "دمشق" التي أسسها أحمد عزت باشا العابد عام 1878، والتي حظيت برعاية متقلبة من الولاة. ثم مع إعلان الدستور العثماني عام 1908، حدث انفجار صحفي واضح، تجسد في جرائد مثل "العصر الجديد" و "المقتبس" و "روضة الشام"، والتي عبرت عن آمال الإصلاح. كما برز نوع آخر من الصحف الهزلية والناقدة مثل "الحمارة" و "الطبل"، التي استخدمت الفكاهة كغطاء لانتقاد السلطة، أو مثل جريدة "الاشتراكية" التي كانت سابقة لعصرها بأفكارها، مما أدى إلى إغلاقها بعد أقل من شهر.

يتخلل الفصل اعترافات صريحة من المؤلف بحدود عمله وتحفظاته، مما يعزز مصداقيته. فهو يقر منذ البداية أن المعجم اعتمد على "الوثيقة"، مما أدى إلى "إغفال بعض الجرائد ليصار إلى إدراجها لاحقاً عند الحصول على وثيقتها"، وكذلك الحال مع تراجم بعض الأعلام. هذه الشفافية منهجية تظهر القيود الموضوعية التي واجهها المؤلف. كما يترك أسئلة مفتوحة حول هوية بعض الأشخاص، مثل الصحفي الذي اختبأ خلف الأحرف الأولى "ا.م.ك" في جريدة "الطبل"، أو عن أسباب توقف جريدة "بردى" بعد أقل من سنة "بسبب مخالفتها للنشر ولوحق صاحبها قانونياً".

في ختام الملخص، يمكن الإشارة إلى أن قوة الفصل تكمن في اعتماده على الوثائق كمنهج صارم، وهو ما يجعله مرجعاً موثوقاً لا غنى عنه للباحثين، ولكن هذه القوة نفسها قد تمثل نقطة ضعف محتملة لقارئ غير متخصص، إذ أن الصيغة المتكررة للمداخل قد تجعل القراءة رتيبة بعض الشيء، كما أن التركيز الحصري على "ما تقوله الوثيقة" دون تحليل أوسع للسياق التاريخي أو الاجتماعي يترك القارئ مع كم هائل من المعلومات المجردة التي يحتاج هو شخصياً لربطها وتركيبها.

2.القسم الثاني: تراجم أعلام أصحابها ومحرريها333–512▼ ملخص

هذا الفصل من "معجم الجرائد السورية" هو بمثابة سجل تراجعي لأعلام الصحافة السورية، حيث يقدم نبذات شخصية موسعة لمن كانوا وراء تأسيس وتحرير الصحف التي وردت في أجزاء سابقة من المعجم. الموضوع المحوري للفصل هو توثيق السير الذاتية والمهنية لهؤلاء الصحفيين والمحررين والناشرين، مقدماً إياهم ليس فقط كأسماء في هوامش الصحف، بل كأشخاص لهم مسارات حياتية معقدة، تجمع بين العمل الصحفي والنشاط السياسي والثقافي، وغالباً ما تكون امتداداً لتاريخ عائلي طويل في هذا المجال. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن خريطة الصحافة السورية لم تكن مجرد جرائد، بل كانت نتاج جهود أفراد، كل منهم قصة تستحق التوثيق.

يسير الفصل على نمط ثابت: لكل علم ترجمة منفصلة تبدأ بسنوات ميلاده ووفاته، تليها نشأته وتعليمه، ثم تفصيل لمسيرته الصحفية. يتم الربط باستمرار بين كل صحفي والجرائد التي عمل بها، مع الإشارة الدقيقة إلى تواريخ إصدارها وأسماء مالكيها السابقين أو المشاركين فيها. الحجج والأمثلة التي يستخدمها المؤلف هي السير الذاتية نفسها، والتي تُظهر نسيجاً معقداً من العلاقات. على سبيل المثال، يظهر كيف أن محمد توفيق جانا، المولود في عكا، انتقل بين القاهرة وبيروت ودمشق، مصدراً جرائد فكاهية وسياسية بأسماء متعددة مثل "الحمارة" و"الشعب"، ليؤسس لاحقاً جريدة "الاستقلال العربي". هذا المثال يوضح كيف كان الصحفي الواحد ينتقل بين مدن وبلدان، ويغير أسماء جرائده وفقاً للظروف السياسية، مما يجعل تتبع تاريخ الصحافة السورية أمراً شاقاً. مثال آخر هو فيضي الأتاسي، الذي لم يكتف بالصحافة بل شغل مناصب وزارية متعددة (المعارف، العدل، الاقتصاد، الدفاع، الخارجية) في حكومات مختلفة، مما يظهر التداخل الوثيق بين الصحافة والسلطة السياسية. وظيفة هذه الأمثلة هي تأكيد أن الصحافة السورية كانت مسرحاً للنخب المثقفة والسياسية، وليست مهنة منعزلة. الأرقام والتواريخ الواردة في النص هي جوهر الفصل، فهي تُستخدم لتأريخ مسيرة كل صحفي، مثل تاريخ ميلاد عمر أبوريشة عام 1910 ووفاته عام 1990، أو تاريخ إصدار العدد الأول من جريدة "التقدم" في 1919/1/6، أو تاريخ إعدام علي الأرمنازي في بيروت عام 1915 على يد أحمد جمال باشا. هذه التواريخ ليست مجرد معلومات هامشية، بل هي بمثابة نقاط إسناد زمنية تساعد في بناء سردية تاريخية للصحافة السورية.

يقر المؤلف ضمنياً بحدود التوثيق. ففي ترجمة سعيد الجزائري، يخصص حاشية مطولة لتصحيح خطأ وقع في موسوعة صحفية عربية أخرى، يخلط بين ثلاثة أشخاص مختلفين يحملون الاسم نفسه. هذا التصحيح يكشف عن تحفظ المؤلف على دقة المصادر السابقة، ويظهر حرصه على الأمانة العلمية. كما أن هذا الفصل، بتركيبته التراجعية، يطرح أسئلة مفتوحة حول المعايير التي تم على أساسها اختيار هذه الأعلام دون غيرها، وكيف تم تحديد بداية ونهاية كل ترجمة. هناك تركيز واضح على الصحف والجرائد، بينما تغيب بعض التفاصيل عن طبيعة المحتوى التحريري أو الميول الفكرية لكل صحفي بشكل مباشر. من النقاش الذي يثيره النص بوضوح هو صعوبة الفصل بين العمل الصحفي والنشاط السياسي الحزبي. فكل شخصية تقريباً كانت منخرطة في العمل السياسي، سواء كعضو في حزب (مثل خالد بكداش في الحزب الشيوعي، أو فيضي الأتاسي في حزب الشعب، أو صلاح الدين البيطار في حزب البعث) أو كوزير أو نائب. هذا يضع التساؤل حول مدى استقلالية الصحافة السورية في مراحل تاريخها المختلفة، وهل كانت الجريدة أداة سياسية بامتياز أم منبراً للرأي المستقل. خلاصة القول، هذا الفصل هو كتاب في علم التراجم أكثر منه تحليلاً للصحافة، يقدم للقارئ أساساً متيناً من المعلومات الشخصية والتاريخية لفهم الطبقة التي صنعت المشهد الصحفي السوري، مع الإقرار بوجود ثغرات وتداخلات معقدة في هذا المشهد.

3.القسم الثالث: تواريخ إعلامية وسياسية513–616▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من كتاب "معجم الجرائد السورية" لـمهيار عدنان الملوحي سجلاً زمنياً مفصلاً للأحداث السياسية والإعلامية في سوريا، ممتداً من أواخر العهد العثماني وصولاً إلى مرحلة ما بعد الاستقلال والانقلابات العسكرية المبكرة. المحور الأساسي للفصل هو الربط بين نشأة وتطور الصحافة السورية والتغيرات السياسية الكبرى، حيث يرى المؤلف أن مسار الجريدة السورية كان مرآة لتاريخ البلاد المضطرب. يقدّم الفصل إجابة ضمنية مفادها أن الصحافة في سوريا لم تكن مجرد ناقل للأخبار، بل كانت أداة سياسية فاعلة، وخاضعة لرقابة مشددة، وميداناً للنضال والصراع على السلطة والهوية.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني صارم، مقسّماً إلى مراحل تاريخية كبرى. يبدأ بسرد تواريخ وأسماء الجرائد التي صدرت في العهد العثماني، مثل جريدة "سوريا" في دمشق عام 1866، وجريدة "الفرات" في حلب عام 1867، والتي كانت جرائد رسمية. ثم ينتقل إلى تسجيل تأسيس الجمعيات السياسية السرية، مثل "جمعية بيروت السرية" عام 1875، و"جمعية النهضة العربية" عام 1906، و"جمعية العربية الفتاة" عام 1909، معتبراً إياها البذور الأولى للحركة القومية العربية. يورد الفصل أسماء شخصيات سياسية بارزة مثل عبد الرحمن الكواكبي الذي أصدر جريدة "الشهباء" في حلب عام 1879، ومحمد كرد علي الذي أصدر "المقتبس" في دمشق عام 1906. يتابع السرد الأحداث الكبرى مثل الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني عام 1908 وتولي الاتحاديين زمام الأمور، مروراً بإعدامات أحمد جمال باشا للأحرار العرب في بيروت ودمشق عامي 1915-1916.

بعد انسحاب العثمانيين، يركز الفصل على مرحلة الحكم العربي الفيصلي القصيرة (1918-1920)، موثقاً دخول الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق في 1 تشرين الأول 1918، وإعلان الحكومة العربية. ثم ينتقل إلى المحطة الأكثر دموية في تاريخ الصحافة السورية بحسب الفصل، وهي مرحلة الانتداب الفرنسي. هنا، يتحول السجل إلى قائمة طويلة من جرائم المطبوعات، حيث يتم تسجيل تعطيل عشرات الصحف لأسباب غامضة غالباً. فعلى سبيل المثال، تعطلت جريدة "الكنانة" 3 أيام في 16 آب 1920 لمخالفتها قانون الرقابة، وجريدة "لسان العرب" لأجل غير مسمى في 30 تشرين الأول 1920 "لإثارتها الرأي العام". يستمر هذا النمط بتعطيل صحف مثل "النضال" و"القبس" و"الأيام" و"الإنشاء" لأشهر عدة، مما يرسم صورة واضحة لسياسة قمعية منهجية تجاه أي صوت معارض أو ناقد.

يصل السرد إلى مرحلة الاستقلال (المرحلة الدستورية الأولى)، حيث يوثق الفصل خروج آخر جندي فرنسي عام 1946، لكنه يظهر أن القمع الصحفي لم يتوقف. فالمراسيم الرقابية تستمر، مثل المرسوم رقم 2 لعام 1949 الصادر عن حسني الزعيم والذي أعطى السلطة المطلقة للجيش بإغلاق أي مطبوعة. ثم يأتي الفصل على ذكر الانقلابات العسكرية المتتالية: انقلاب حسني الزعيم الأول في 30 آذار 1949، يليه انقلاب سامي الحناوي الثاني في 14 آب 1949، ثم انقلاب أديب الشيشكلي الثالث. يعرض الفصل قوانين المطبوعات التي صدرت في أعقاب كل انقلاب، مثل القانون الصادر في 14 آب 1949 والمكون من 4 أبواب، مؤكداً على استمرارية الخضوع العسكري للصحافة.

يقرّ الفصل ضمناً بحدوده؛ فهو في جوهره سجل زمني جاف وأرشيفي. لا يقدم تحليلاً عميقاً لمحتوى هذه الصحف أو تأثيرها الفكري أو الاجتماعي على المجتمع السوري. يكتفي بتوثيق الحدث والتاريخ والاسم، تاركاً للقارئ استنتاج الدلالات. يطرح السؤال حول دوافع تعطيل الصحف، ففي كثير من الأحيان يرد "دون ذكر السبب" أو "لمخالفتها قانون الرقابة" دون تفصيل، مما يترك فراغاً معرفياً حول خطاب هذه الصحف أو التهم الموجهة إليها. كما أن النص يخلو من أي تحليل نقدي لسياسات القوى المختلفة (عثمانية، فيصلية، فرنسية، حكومات الاستقلال) تجاه الصحافة.

يمكن القول إن الحجة القابلة للنقاش في الفصل، بناءً على ما يقدمه، هي أن تاريخ الصحافة السورية كان تاريخاً من التبعية للسلطة السياسية والعسكرية. فمنذ نشأتها كأداة حكومية في العهد العثماني، وحتى تحولها إلى ساحة معركة تحت الانتداب، ثم خضوعها للرقابة بعد الاستقلال، لم تحظَ الصحافة السورية بفترة حقيقية من الحرية والاستقلال عن الدولة. تعاقب الأنظمة جميعها على التعامل مع الصحافة كتهديد يجب ضبطه وإسكاته، مما يجعل الفصل وثيقة سياسية بقدر ما هو توثيق إعلامي، حيث تختزل أسماء الجرائد وتواريخ تعطيلها تاريخاً من الصراع بين السلطة والكلمة.

التحليل والكلمات المفتاحية