
مفاوضات الحل السياسي في سوريا اليوم التالي
كتاب "مفاوضات الحل السياسي في سوريا اليوم التالي" هو دراسة ميدانية معمقة تقدمها منظمة اليوم التالي، وهي منظمة سورية تعمل على دعم الانتقال الديمقراطي في سوريا في مجالات سيادة القانون والعدالة الانتقالية والإصلاح الأمني وتصميم الدستور. لا يقدم الكتاب موقفاً أيديولوجياً واضحاً أو يدافع عن رأي سياسي محدد، بل يسعى لتفكيك تصورات السوريين أنفسهم حول جدوى المفاوضات كآلية لحل النزاع المستمر منذ آذار 2011. الموضوع المحوري هو استقصاء مواقف عينة من السوريين من عملية التفاوض السياسي عبر استطلاع رأي كمي ونوعي، وفحص العوامل الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية والأيديولوجية التي تشكل هذه المواقف. الإجابة التي يقدمها الكتاب ليست إجابة جاهزة، بل هي تعقيد للصورة النمطية التي تختزل الرأي العام السوري في مؤيد أو رافض للحل السياسي.
تسير حجة الكتاب وفق بنية منطقية واضحة ومتسلسلة، مقسمة إلى أربعة أقسام رئيسية، وكلها تتدفق من العام إلى الخاص. يبدأ الكتاب بالتساؤل الأولي والأساسي: هل يؤيد السوريون الذهاب إلى طريق المفاوضات أصلاً؟ هنا يظهر الانقسام الحاد، حيث أفاد حوالي نصف المستجيبين تأييدهم للذهاب إلى طاولة المفاوضات، فيما رفض النصف الآخر ذلك. هذا الانقسام ليس عشوائياً، بل يتشكل وفق متغيرات محددة. ثم ينتقل الكتاب لتحليل "ما قبل المفاوضات"، أي الشروط المسبقة والضمانات والتمثيل السياسي، وهي القضايا التي شكلت عقبات جوهرية في مفاوضات جنيف السابقة التي انتهت بالفشل. بعد ذلك، يدخل الكتاب في صلب العملية التفاوضية نفسها: ترتيب الأولويات والمدة الزمنية المتوقعة للوصول إلى حل، وقضية التنفيذ على الأرض ومدى قدرة المعارضة السياسية على إلزام الفصائل المسلحة بأي اتفاق. وأخيراً، يستعرض الكتاب موقف المستجيبين من خطة ستيفان دي ميستورا (المبعوث الأممي الأخير قبل تعيينه)، المبادرة التي ركزت على مدينة حلب كنقطة بداية لوقف القتال.
هذا التسلسل المنطقي يربط بين فشل الماضي (استعراض أسباب فشل المفاوضات السابقة) وتحليل الحاضر (مواقف السوريين من إمكانية النجاح الآن) دون أن يقطع وعداً بالحل. المنطق الذي يجمع الأجزاء هو أن الحل السياسي ليس مجرد عملية دبلوماسية بين أطراف دولية ومحلية، بل هو أيضاً مسألة تتعلق بالثقة، والتمثيل، والتجربة اليومية للمواطن السوري تحت وطأة الحرب، وهو ما تحاول الدراسة قياسه.
أما الوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها، فتأتي من تحليل الخلفيات السكانية المعقدة للمستجيبين. أربعون شخصاً أجروا المقابلات في عدة مناطق داخل سوريا وفي مخيمات اللجوء في تركيا والأردن. من أبرز النتائج أن "الإيديولوجيا" (مدى قرب المستجيب من العلمانية أو الإسلام السياسي) هي المتغير الأقوى في تحديد الموقف. انخفضت نسبة المؤيدين للمفاوضات بشكل حاد من 81.8% في ذروة العلمانية إلى 18.2% فقط في ذروة الإسلام السياسي. هذه الفجوة تعكس انقساماً عميقاً يتجاوز حدود الجغرافيا والطائفة. وبخصوص الطائفة، أظهرت النتائج أن الشيعة يؤيدون المفاوضات بنسبة 57%، والعلويون بنسبة 62.7%، بينما ترتفع النسبة بشكل ملحوظ عند السنة والدروز (الثلثين يؤيدون) والمسيحيين واليزيديين (إجماع شبه تام على التأييد). ولكن هذا لا يعني أن الطائفة وحدها هي المحدد، فالمنطقة الجغرافية الحالية للمستجيب كان لها دور مهم؛ ففي درعا وإدلب، كانت الغلبة لرافضي المفاوضات، بينما في حلب ودير الزور انقلبت النسبة لصالح المؤيدين، وهو ما يرتبط بطبيعة سيطرة القوى المسلحة على تلك المناطق وإعادة توزيع السكان.
فيما يخص أسباب فشل المفاوضات السابقة، فإن قرابة نصف المستجيبين (نسبة واضحة) يرون أن السبب الرئيسي هو غياب الرغبة الدولية الجادة في إنجاحها، تلاها إلقاء اللوم على الحكومة السورية كمسؤولة عن الفشل بنسبة 21.8%، ثم على المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية بنسب أقل. هذا يشير إلى أن المواطن السوري يدرك تعقيد اللعبة الدولية ويدرك أن إرادة الحل ليست سورية فقط. وعن الشروط المسبقة، أيد 35.9% من المستجيبين فكرة أن تفرض المعارضة شروطاً، بينما رأى 15.6% أن الأمم المتحدة هي من يجب أن تضعها، بينما أيد 27.3% الذهاب بدون شروط مسبقة. وعند سؤالهم عن ضرورة بدء تنفيذ شروط معينة قبل أي مفاوضات، تصدرت ثلاثة شروط القائمة بنسب ساحقة: فك الحصار عن المناطق المدنية، إطلاق سراح المعتقلين، ووقف القصف على المناطق المدنية. في المقابل، كان هناك اعتماد واضح على رفض إلغاء العقوبات على النظام كشرط مسبق، حيث عارض ذلك 85.6% بشدة أو إلى حد ما.
أما عن التمثيل السياسي، فالمفاجأة أن نسبة كبيرة من المستجيبين ممن لا يرفضون المفاوضات لم يستطيعوا تحديد من يمثلهم، حيث اختار 24% خيار "لا أعرف". ويأتي "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" في المرتبة الأولى بنسبة 16.8%، تليه الفصائل المسلحة بنسبة 14.5%، ثم "هيئة التنسيق الوطنية" بنسبة 10.3%. هذه الأرقام تعكس أزمة تمثيل حقيقية في المعارضة السورية، حيث لا يوجد مرجعية واحدة تحظى بثقة الأغلبية. وقد تم إعادة فرز الإجابات لاستخراج موقف المستجيبين من دول الرعاية، فوجد أن 92.5% من مؤيدي النظام يؤيدون مشاركة إيران، بينما يعارض 72.7% من معارضي النظام ذلك. وبخصوص روسيا، يؤيد 96.2% من مؤيدي النظام مشاركتها، بينما ينقسم معارضو النظام بين معارض (55.4%) ومؤيد (39%)، مما يشير إلى أن روسيا تحظى بقبول أوسع من إيران حتى بين معارضي النظام.
عند الانتقال إلى صلب المفاوضات، طُرح سؤال حول الأولوية الأولى للنقاش. تبنى المستجيبون اقتراح الأخضر الإبراهيمي (المبعوث الأممي السابق) بمناقشة المسألتين معاً: "هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة" (مطلب المعارضة) و "محاربة الإرهاب" (مطلب النظام)، فحظي هذا الخيار بأعلى نسبة تأييد بلغت 39.8%، يليه مناقشة الهيئة الانتقالية أولاً بنسبة 28.8%، ثم محاربة الإرهاب أولاً بنسبة 17.5%. يظهر ذلك أن السوريين عمليون ويرفضون الإصرار على أولوية أحد الطرفين. أما عن المدة الزمنية، فقد كان التشاؤم واضحاً، حيث رأى 38.6% أن الحل ممكن ولكن سيحتاج لأكثر من خمس سنوات، بينما رأى 28.3% أنه ممكن في أقل من عام، و 23.1% في أقل من خمس سنوات. هذا التوزيع يشير إلى أن الغالبية ترى أن حل النزاع هو مشروع طويل الأمد.
في الجزء المخصص لتنفيذ الاتفاقات، تبرز معضلة الثقة بين المعارضة السياسية والمسلحة. رأى 35% من المستجيبين أن المعارضة السياسية غير قادرة على إلزام الكتائب المسلحة بأي اتفاق، بينما رأى 51.8% أنها قادرة على ذلك. هذا الانقسام يعكس حالة الشكوك المستمرة حول الطبيعة غير المتجانسة للمعارضة السورية. وفي التحليل الأخير، تقييم خطة دي ميستورا، التي بدأت بفكرة تجميد القتال في حلب، كشف عن قطيعة شبه كاملة بين مؤيدي النظام ومعارضيه. 75.3% من مؤيدي النظام رأوا أن الخطة ستكون في صالح حكومتهم، بينما أكثر من 43.7% من معارضي النظام رأوا أنها إما في صالح النظام أو لا تقدم أي حل. نسبة التأييد للخطة كانت ضئيلة جداً (1.3%) كحل حقيقي.
يقر الكتاب بحدوده بوضوح؛ فهو لا يعمم نتائجه على كل السوريين، خاصة وأن العينة تم جمعها في ظروف حرب معقدة داخل مناطق محددة (تحت سيطرة النظام أو خارجة عنها) شملت حوالي مئتين وخمسة وأربعين مستجيباً، وتم إجراء مقابلات مع أربعين شخصاً بعد السؤال العريض الأول فقط، أي أن التحليل التفصيلي يخص فقط من لم يعارضوا الذهاب إلى المفاوضات أصلاً (حوالى 115 مستجيباً). لم يتناول الكتاب بالتفصيل استراتيجيات الدول الإقليمية والدولية بقدر ما وثق ردود فعل السوريين تجاهها. كما ترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مصير المفقودين والمعتقلين كشرط مسبق، دون تعمق في سبل تحقيق ذلك. التحفظات التي أوردها الكتاب، كصغر عينة بعض المناطق مثل القنيطرة (حيث تم استبعادها من الجداول لصغر الحجم)، تظهر أميناً في عرض البيانات.
خلاصة الكتاب هي أن الواقع السوري معقد، وأن أي عملية سياسية ستواجه ليس فقط عراقيل الأطراف الدولية والمحلية، بل وأيضاً انقسامات عميقة في النسيج الاجتماعي السوري نفسه، حيث تتحكم الإيديولوجيا والطائفة والمنطقة في الموقف من المفاوضات. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب، بناءً على المادة المقدمة، هي أن الإيديولوجيا (العلمانية مقابل الإسلام السياسي) تظهر كأقوى محدد للموقف، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت نتائج الكتاب ستبقى كما هي إذا تم إجراء الاستطلاع بعد سنوات، مع تغيرات السيطرة الجغرافية والتحالفات الدولية. هل الإيديولوجيا ثابتة أم أنها تتغير بتغير الظروف المعيشية والأمنية؟ هذا سؤال مفتوح، لكن الكتاب يقدم أداة قياس مهمة لفهم لحظة تاريخية معينة من الحرب السورية.