
من الاتجاهات الفكرية في سورية ولبنان، النصف الأول من القرن العشرين
يُشكّل كتاب عبد الله حنا "من الاتجاهات الفكرية في سورية ولبنان، النصف الأول من القرن العشرين" دراسةً تحليليةً عميقةً للتيارات الفكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة في مرحلةٍ مفصليّةٍ من تاريخها الحديث. الموضوع المحوري للكتاب هو تتبّع تشكّل وتطوّر الحركة الوطنية العربية من منظور طبقي، حيث يرى المؤلّف أن الأفكار والمواقف السياسية لم تكن مجرّد تعبيراتٍ وطنيةٍ خالصة، بل كانت انعكاساً لصراعٍ طبقيّ داخليّ بين البرجوازية والإقطاع، وتفاعلاً مع الاستعمار الخارجي. يدافع عبد الله حنا عن أطروحةٍ ماركسيةٍ في جوهرها، مفادها أن فهم التاريخ السياسي والفكري للمنطقة لا يكتمل دون تحليل البنية الاقتصادية والاجتماعية للقوى الفاعلة. يُركّز الكتاب، عبر فصوله المتتابعة، على كشف التناقضات الداخلية لهذه التيارات، محدّداً مواقفها من قضايا الاستقلال، الإصلاح الاجتماعي، والاشتراكية، ومبيّناً كيف عكست، بدرجات متفاوتة، مصالحَ فئاتٍ اجتماعيةٍ معيّنة.
يسير الكتاب في حجّته وفق تسلسلٍ زمني ومنطقي واضح. يبدأ بالمرحلة التأسيسية للحركة الوطنية العربية بين عامي 1908 و1914، بعد ثورة الاتحاديين وفرض الدستور العثماني. هنا يُحلّل حنا برامج الجمعيات والأحزاب السياسية الأولى، موضحاً كيف بقيت محصورةً في طبقة النخبة من التجار والملاّك والموظفين. يرى المؤلّف في تنظيمات مثل جمعية الإخاء العربي العثماني والمنتدى الأدبي والجمعية القحطانية وجمعية العربية الفتاة وحزب اللامركزية الإدارية، تجلّياتٍ لصراعٍ بين تيّارين رئيسيين: التيار البرجوازي التجاري الذي سعى إلى تطوير اقتصادي ولامركزية في الحكم، والتيار الإقطاعي الذي مال إلى المساومة مع السلطة العثمانية طمعاً في مناصب رفيعة. يُبرز الكاتب أن هذه الحركات، رغم محدوديتها، أرست الأفكار التي قادت لاحقاً إلى الثورة العربية الكبرى، لكنه يوجّه نقداً طبقاتياً حاداً لبرامجها، مشيراً إلى تغييبها التام لقضايا الفلاحين والعمال، واستخدامها لمفاهيم مطاطة مثل "الزراع" التي تشمل الملاّك والإقطاعيين على حدّ سواء، مما يدل على غياب أي رؤية لتوزيع الأراضي أو معالجة اللامساواة الاجتماعية. يُعدّ إضراب تجار بيروت الشامل لثلاثة أيام في نيسان 1913 نقطة تحوّل في هذه المرحلة، إذ يُظهر انتقال الحركة من النخبة الضيقة إلى قدرتها على تحريك جماهير شعبية واسعة.
بعد تأسيس الدولة السورية الحديثة ومرحلة الانتداب، ينتقل الكتاب إلى تحليل التيارات الفكرية للبرجوازية الصغيرة، وهي الفئة التي يراها المؤلّف الأكثر تعبيراً عن التناقضات والهشاشة السياسية. يُجمل حنا سمات هذا التيار في ثلاث: العداء للفكر السلفي الخانع مع التردد في تبني الليبرالية الغربية، والعداء للأفكار الاشتراكية التي اعتُبرت سابقة لأوانها في البلاد العربية. يدرس الكتاب نماذج لشخصيات وحركات تعبّر عن هذه التناقضات، مثل عبد الرحمن الشهبندر الذي تطوّر من مواقف راديكالية في 1919 (دعوته إلى "الاشتراكية المعقولة") إلى مواقف وسطية في 1935 متخلياً عن تحليل الصراع الطبقي، وهو تحوّل يفسّره الكاتب بخوف البرجوازية من تصلّب الحركة العمالية والاشتراكية. ثمّ يعرض تيارات عصبة العمل القومي، وفكر قسطنطين زريق القومي الغامض الذي تعرّض لنقد رئيف خوري، وتحليل تكوين ميشيل عفلق وصلاح البيطار الفكري المتأثر بفلسفة نيتشه وفيخته وهيجل، والذي صاغ مفهوم "الاشتراكية العربية" بطابع روحاني قبل أن يصبح أكثر وضوحاً في المؤتمر القومي السادس عام 1963. يُخصّص الكتاب مساحة مهمة لـ مجموعة عثمان حوراني وأكرم الحوراني في حماه، التي مثّلت تحالفاً كلاسيكياً بين البرجوازية الصغيرة الثورية والريف الفلاحي المضطهد ضد العائلات الإقطاعية، وهو نموذج يبيّن كيف سارت الحركة الفلاحية خلف قيادة برجوازية صغيرة وليست ماركسية. يُكمل حنا استعراضه بتيارات أخرى مثل القومية السورية لـ أنطون سعادة المتأثرة بالأفكار الفاشية، و"الفينيقية" اللبنانية المدعومة من الانتداب، وحركة الجامعة الإسلامية ممثلةً بـ الإخوان المسلمين، وفكر عبد الله العلايلي في "القومية الخالصة"، والاشتراكية الديمقراطية لـ إبراهيم حداد. في كل هذه النماذج، يُظهر حنا كيف عبّرت البرجوازية الصغيرة عن "موقعها بين نارين": مقاومة الإقطاع ورأس المال الكبير، والخوف من الحركات الشعبية الثورية.
يتناول الفصل التالي التيار الديمقراطي الثوري الذي يرى المؤلّف أنه كان في جوهره تياراً برجوازياً صغيراً تقدمياً، ينتقل تدريجياً نحو تبني الفلسفة الماركسية. يبدأ الكتاب باستعراض روّاده، مثل يوسف إبراهيم يزبك الذي أسس مجلة "الإنسانية" (عام 1926) وكشف حقائق ثورات فلاحية، ثم يُحلّل بالتفصيل مجلة "الطليعة" الدمشقية (العدد الأول في 5 آذار 1934) التي ضمّت هيئة تحريرها شخصيات مثل ميشيل عفلق وفؤاد الشايب. يُظهر الكتاب كيف طرح هذا التيار برنامجاً اقتصادياً واضحاً، كما في مقال جورج حكيم الذي دعا لتجاوز الرأسمالية وإقامة "اقتصاد منظم" عبر التأميم والتخطيط، وهو طرح وصفه الكاتب بـ "الطليعي" رغم ضعف القوى القادرة على تطبيقه. يُقرّ حنا بحدود هذا التيار، مشيراً إلى أن خطوطه الفاصلة عن التيارات البرجوازية الصغيرة الأخرى لم تكن واضحة قبل الأربعينات، وأنه افتقر إلى معالجة مسألة السلطة وغياب حزب قوي لقيادة التحول. كما يثير إشكالية قابلة للنقاش حول موقف التيار من الرأسمالية الوطنية، حيث يبدو التناقض بين الموقف المبدئي المعادي للرأسمالية والدعوة إلى دعم الرأسمالية الوطنية "المستغلة الضعيفة" كضرورة مرحلية لمقاومة الاستعمار.
أما الفصل الأخير فيتتبّع التيار الماركسي كما تجلّى في مجلّتي "الطليعة" و**"الطريق"** (التي صدرت في بيروت في كانون الأول 1941). يُظهر الكتاب أن هذا التيار لم يكن تقليداً أعمى للنظريات الغربية، بل سعى لخلق تفاعل معقد بين الفكر الثوري العربي والإسلامي القديم والماركسية. يضرب حنا أمثلة على ذلك: استخدام آيات قرآنية في مسرحية "ثورة بيدبا" لرئيف خوري، ومقالاتٍ في "الطليعة" ربطت بين ابن خلدون وهيغل وماركس، واهتماماً بإحياء التاريخ العربي بروح جديدة مثل كتاب يوسف إبراهيم يزبك عن طانيوس شاهين قائد ثورة كسروان عام 1858. في الموقف من القضايا العالمية، يوثق الكتاب نقد التيار الشديد للفاشية والنازية، وتحفظه التكتيكي في مهاجمة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني للحفاظ على "الجبهة المعادية للفاشستية"، كما يوثق موقفه الواضح في معاداة الصهيونية. يُنهي الفصل بتقديم نبذة عن ثلاثة أعلام حملوا هذا الفكر: كامل عياد، ورئيف خوري الذي وصفه بـ "المفكر الموسوعي"، وعمر فاخوري الذي تطوّر من برجه العاجي إلى النضال السياسي. يعترف حنا بحدود هذا التيار أيضاً، كمخافته من مهاجمة الإقطاع المحلي مباشرة وتهربه من تبني الماركسية بشكل صريح، ويترك تساؤلاً حول مدى نجاح محاولاته لربط التراث العربي القديم بالماركسية دون وقوع في التكلف.
يُعد كتاب عبد الله حنا دراسةً مرجعيةً غنيةً بالمادة الوثائقية والتحليل الطبقي، ولكنها تبقى قابلة للنقاش في جوانبها. فالنظرة الماركسية الحادة، التي تتّهم البرجوازية الوطنية والإقطاع الليبرالي بالانتهازية والسعي للمنافع الشخصية، قد تغفل عن تعقيد الدوافع الوطنية الخالصة لدى شخصيات كثيرة، أو عن أهمية السياق التاريخي الصعب الذي تحرّكت فيه. كما أن الإصرار على تفسير كل موقف سياسي انطلاقاً من المصلحة الطبقية المباشرة قد يُبسّط قراءة لتاريخٍ شهد تداخلات كثيرة بين الوطنية والدين والتحرر الاجتماعي. رغم ذلك، يظل الكتاب عملاً أساسياً لأي باحث يريد فهم جذور الأفكار السياسية في سورية ولبنان الحديثين، بقوّته التحليلية وبالأسئلة المفتوحة التي يتركها حول جدلية العلاقة بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، وبين الفكر القومي والصراع الطبقي.
الأشخاص
الفصول(4)
3.التيارات الفكرية للبرجوازية الصغيرة80–107▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل التيارات الفكرية للبرجوازية الصغيرة في سورية ولبنان خلال النصف الأول من القرن العشرين، ويقدّم إجابة واضحة مفادها أن هذه الفئة الاجتماعية، رغم تعدد اتجاهاتها، اتّسمت بموقفٍ وسطيٍّ متذبذب بين مقاومة الإقطاع ورأس المال الكبير من جهة، والخوف من الحركات الشعبية والاشتراكية الثورية من جهة أخرى. يُظهر المؤلف كيف عبّرت هذه التيارات عن تناقضات البرجوازية الصغيرة، وطموحها للصعود الاجتماعي، وهشاشة موقفها السياسي.
يبدأ الفصل بتحديد الملامح العامة لفكر البرجوازية الصغيرة، ويُجملها في ثلاث سمات رئيسية: أولاً، العداء للفكر السلفي الخانع والدعوة إلى التطور والتمرد على الأوضاع الراكعة. ثانياً، رفضُ الفكر الليبرالي الغربي المُبشّر بالسيطرة الاستعمارية، مع الحنين إلى مبادئ الثورة الفرنسية. ثالثاً، العداء للأفكار الاشتراكية، والتكرار الدائم لمقولة إن البلاد العربية لم تصل بعد إلى مرحلة من التطور تستلزم العمل من أجل الاشتراكية. ويشير المؤلف إلى أن موقف البرجوازية من الاشتراكية كان عدائياً صارخاً قبل الحرب العالمية الثانية، لكنه بدأ يتغير بعدها، حين صارت الأفكار الاشتراكية تهدد أسس النظام الرأسمالي.
بعد هذه المقدمة النظرية، ينتقل الفصل إلى دراسة نماذج محددة عبر شخصيات وحركات سياسية. يُحلل الفصل أولاً خط عبد الرحمن الشهبندر، القائد الوطني وخريج الجامعة الأميركية (1908). يستعرض الفصل تطوراً حاسماً في فكر الشهبندر: ففي خطابه الشهير في هيئة الأوبرا العباسية بدمشق في 6 حزيران 1919، كان الشهبندر ذا نزعة راديكالية، حيث أولى أهمية للعامل الاقتصادي في التاريخ، وأشار إلى صراع الطبقات في أوروبا، واصفاً الحرب العالمية الأولى بأنها حرب إمبريالية لا مصلحة للشعوب فيها، وداعياً إلى "الاشتراكية المعقولة". لكن بحلول عام 1935، تراجع الشهبندر عن هذه الدعوة وصمت عن تحليل صراع الطبقات، ليتحول من مواقف يسارية نسبية إلى مواقف وسطية. يفسّر المؤلف هذا التحول بنزوح البرجوازية الوطنية من اليسار إلى اليمين بعد ازدياد حدة الصراع الطبقي وبروز الحركة العمالية والاشتراكية، مما جعل البرجوازية تخشى تصلب هذه الحركة. ويوضح موقف الشهبندر السياسي في نيسان 1935، حيث رفض "الجامعة الشرقية" لخلوّها من المضمون الاجتماعي والاقتصادي، واعتبر "الجامعة الإسلامية" رابطة روحية يجب إبعادها عن السياسة. أما "الوحدة السورية" فشملت عنده بلاد العلويين وجبل الدروز والقدس، وفضّل ترك لبنان على حاله حتى يدرك الموارنة فائدة الوحدة، معتبراً فلسطين "سورية الجنوبية" جزءاً لا يتجزأ من البلاد. أخيراً، رأى أن "الجامعة العربية" هي الهدف الأسمى، محذراً من أن التقسيم سيُضعف الكلمة العربية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى عصبة العمل القومي، واصفاً إياها بأنها أحد اتجاهات البرجوازية الصغيرة التي دعت للوحدة العربية الشاملة والسيادة المطلقة. وعلى الرغم من إعلانها عدم التقيد بمذهب اقتصادي معيّن، فقد دعت عملياً لضم رؤوس الأموال للمشاريع الكبيرة وحاربت نظرياً الإقطاع الكبير. تفرّعت عن العصبة تيارات ثلاثة: تيار انضم للبرجوازية الكبيرة، وآخر مال نحو الفكر الاشتراكي بسبب الخراب الاقتصادي، وثالث غلب عليه التعصب القومي الشوفيني.
ثم يخصّص الفصل حيزاً لـ قسطنطين زريق (القوميون العرب) وكتابه "الوعي القومي" الصادر قبل الحرب العالمية الثانية. يُقرّ المؤلف بفضل زريق في إثارة الشعور القومي لدى أمة خاضعة للاحتلال، وهو شعور تحرري لا شوفيني. لكنه يُشير إلى تناقضات فكره وغموضه، مستشهداً بنقد رئيف خوري له في كتابه "معالم الوعي القومي" (1941) الذي هدف لتوضيح الغامض. فقد أنكر خوري على زريق مفهومه غير المفسَّر عن "الفلسفة القومية"، وانتقده لرده الأصل القومي إلى الجنس، متسائلاً بسخرية: "هل وجد الدكتور جدنا آدم مثلًا سامياً؟" مؤكداً أن قضية الأمة هي قضية سير وظروف تاريخية. ويُشير الفصل إلى أن أفكار زريق، عبر نشاطه في الجامعة الأميركية في بيروت، أسهمت في قيام "حركة القوميين العرب" في الخمسينات، والتي كانت تعتبر القومية مفهوماً مجرداً عن الظواهر الاجتماعية والطبقية، قبل أن تتحول أقسام منها نحو اليسار في الستينات، محققة نصرها في اليمن الديمقراطية.
يُخصّص الفصل قسماً مطوّلاً لـ زكي الأرسوزي، الذي تأثر بالفيلسوف برغسون أثناء دراسته الفلسفة في جامعة السوربون، ويُعبّر أنطون المقدسي عن أن الأرسوزي نقطة تقاطع للمدرسة الأفلاطونية والصوفية الفلسفية والمثالية الألمانية الرومانتيكية. يُظهر الفصل قومية الأرسوزي الصارمة بقوله أمام لجنة الاستفتاء التابعة لعصبة الأمم: "نحن عرب قبل أن نكن مسلمين أو مسيحيين"، ومناداته من أنطاكية بأن العرب أمة واحدة. يروي أنصاره أنه أول من أعطى لمصطلح "البعث" معناه في دمشق عام 1940 وأسس حزب "البعث العربي" في شتاء 1940. يُشير الفصل إلى مأساة الأرسوزي وخسارة لواء الإسكندرون التي جعلته يتهم كل الحكام العرب بالخيانة ويقول: "لابد أن يتغير كل شيء... ونحن البداية".
يُحلل الفصل ابن التيار الأهم، ميشيل عفلق، وتكوينه الفكري مع زميله صلاح البيطار خلال دراستهما في فرنسا (1928-1939). هناك، لاحظا أن التعاطف مع قضيتهمما لا يأتي إلا من الشيوعيين والاشتراكيين، فتتبعا أفكارهم وتأثرا بكل من أندريه جيد ورومان رولان. يُشير المؤلف إلى أن فلسفة نيتشه وفيخته وهيجل أثّرت فيهما تأثيراً عميقاً، موجّهة تفكيرهما بعيداً عن المادية والعلاقات الاقتصادية. وبعد عودته، رفض عفلق موقف الحذر من العالم الخارجي. في مقالته الأولى "البطولة" (1938)، شدد على أن الوطنية يجب أن تكون إنسانية. وبعد انقطاعه عن مجلة "الطليعة" التقدمية، كتب عن الاشتراكية تعريفاً روحانياً: "دين حب وظهر الحياة على الموت". ومنذ 1941، بدأ تردد تعبير "الرسالة العربية" واسم "البعث" في كتاباته. يُحلل الفصل خطاب عفلق في نيسان 1943 على مدرج الجامعة السورية بعنوان "ذكرى الرسول العربي"، والذي سعى فيه للقاء بين القومية والدين، معتبراً أن الإسلام يحدّد العروبة ويكملها. يُعتبرالبيان الانتخابي رقم 27 (تموز 1943) لعفلق وهو مرشح دمشق، محاولة لبلورة أيديولوجيته التي تمثل "الروح العربية ضد الشيوعية المادية" و"التاريخ العربي الحي ضد الرجعية الميتة والتقدم المصطنع". كان صراعه مع الشيوعيين حاداً في الأربعينات، لكنه اعترف لاحقاً بضرورة تعديل موقفه منهم، مما أدى إلى دخول الحزب الشيوعي السوري وحزب البعث في جبهة غير مكتوبة بين 1955 و1960. ويؤكد الفصل أن مفهوم "الاشتراكية العربية" ظل غامضاً حتى المؤتمر القومي السادس (تشرين الأول 1963)، حيث رفضت الأغلبية الشعارات العاطفية واعتبرتها بلا مضمون علمي، وتبنّت بدلاً منها "الطريق العربي إلى الاشتراكية".
ثم يتناول الفصل بالتفصيل مجموعة عثمان حوراني وأكرم الحوراني، والتي نشأت في حماه كتعبير عن صراع البرجوازية الصغيرة والجماهير الكادحة ضد العائلات الإقطاعية الحاكمة (آل العظم، البرازي، الكيلاني). يعرض الفصل نموذجاً كلاسيكياً للتحالف بين البرجوازية المدينة الثورية والريف الفلاحي المضطهد. يُسلط الضوء على دور مثقفين مثل الدكتور صالح قنباز الذي استشهد برصاص الاستعمار في الثورة السورية (1925) لمعالجته الجرحى، والدكتور توفيق الشيشكلي الذي لم ينسجم مع الإقطاعيين داخل الكتلة الوطنية. ثم عثمان حوراني الذي أسس "الشباب الوطني" في شباط 1939، والذي تطور الصراع بينه وبين الكتلة الوطنية المحافظة إلى مشادات عنيفة في الشارع. في عام 1942، عقد "الشباب الوطني" مؤتمراً في حماه ضم 80 عضواً، وأسس "حزب الشباب" الذي برز منه أكرم الحوراني كمرشح في انتخابات 1947، معتمداً على دعم الفلاحين. ويشير الفصل إلى أن الحوراني وقف في المجلس النيابي في أيار 1945 للدفاع عن الفلاحين الزراعيين ضد قانون العمل، ويؤكد أن الحركة الفلاحية سارت خلف قيادة البرجوازية الصغيرة الثورية، وليس خلف قيادة ماركسية، مما كان له آثار واضحة على تطور سورية بعد الاستقلال.
يتفرّع الفصل بعدها إلى تيارات أخرى. يُناقش التيارين القوميين المحليين الذين ناهضا العروبة: القومية السورية بزعامة أنطون سعادة، والذي تأثر بالأفكار الفاشية وراجت أفكاره معها، لكنه لم ينجح بسبب عروبة الشعب المتأصلة ودور القوى الديمقراطية في فضحه. ثم "الفينيقية" التي اعتبرت اللبنانيين فينيقيين لا عرب، وهي نظرية دعمها الانتداب الفرنسي، وازدهرت بشكل محدود في الثلاثينات والأربعينات. كما يشير الفصل لظهور منظمة الكتائب اللبنانية في منتصف الثلاثينات والتي أكدت على خصوصية لبنان.
يُخصص الفصل قسماً لحركة الجامعة الإسلامية. يُشير إلى أنها تلقت ضربة بعد انهيار الدولة العثمانية، وركز نشاطها في مصر بعد الحرب العالمية الثانية على يد حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين (تأسست رسمياً في نيسان 1928). أما في سورية، فقد انتقلت الدعوة عن طريق طلاب الأزهر وأسست مراكز مثل "دار الأرقم" في حلب (1946). وعُقد مؤتمرها الثالث في دمشق (1948). يُحلل الفصل محاضرة مصطفى السباعي (المراقب العام للإخوان لاحقاً) في صيف 1935 تحت عنوان "أثر الشباب في نهضة الأمم"، حيث طالب الشباب بالتدين، معتبراً إلحاد أوروبا خطأً، ومستشهداً بأمثلة غير دقيقة حول إغلاق معرض شيوعي في برلين. يُفند المؤلف هذا الاستشهاد موضحاً أن إغلاق المعرض كان بقرار نازي لأسباب طبقية، لا دينية. رغم إسهام الشعور الديني في النضال ضد المستعمر، يرى الفصل أن حركة الجامعة الإسلامية ضعفت بسبب شعاراتها الصوفية الغامضة، وتأرجحها بين دعم الإقطاع ثم دعم البرجوازية الصغيرة. لم تحقق نجاحاً حقيقياً إلا بعد الحرب العالمية الثانية، حين حاولت "الاشتراكية الإسلامية" التلاؤم مع التيار القومي لتجنب الاصطدام به.
يُخصّص الفصل مساحة مهمة لـ عبد الله العلايلي وكتابه "دستور العرب القومي" الصادر في بيروت عام 1950 بفكرة "القومية الخالصة". يُظهر العلايلي تأثّراً واضحاً بالتيارات القومية الأوروبية، داعياً إلى التعاون الطبقي بدلاً من الصراع، ومادحاً الطبقة المتوسطة باعتبارها "الضمير الخصب" للأمّة. يفضّل "الملكية الجمهورية" على الديمقراطية البرلمانية التي يراها "استبداداً طبقيّاً". ويُحذر من الأفكار الهدامة (الاشتراكية) ويقترح إصلاحات مثل تحريم تملك الأجانب للأرض وتمليك كل عربي عقاراً لتجنب الثورة. يُحلل الفصل تناقضات العلايلي الواضحة، فهو من جهة يندد بالأرستقراطية المالية والرق الاقتصادي، ومن جهة أخرى يخشى الحركة الشعبية التي تطالب بإزالة الاستغيار. وبذلك عكس، بحسب المؤلف، التناقض الأساسي للبرجوازية الصغيرة "الواقعة بين نارين". ورغم ذلك، يُنوّه الفصل إلى أن فكر العلايلي اللاحق تجاوز هذه المرحلة الأولى للربط بين التحرر القومي والاجتماعي نحو الاشتراكية الديمقراطية.
يختتم الفصل بتيار "الاشتراكية الديمقراطية"، مُشيراً إلى أنها لم تلقَ قبولاً واسعاً في المشرق العربي قبل الحرب العالمية الثانية لارتباطها بالاستعمار الأوروبي، ولأن الصراع الطبقي لم يكن قد بلغ مداه. ثم يُحلل كتاب "الاشتراكية العملية" لـ إبراهيم حداد (بيروت، 1938) والذي يُظهر كيفية ترويج أفكار قريبة من "الاشتراكية الإصلاحية" والأممية الثانية، مع تحريف للماركسية وتقليل من أهميتها، بالاعتماد على مؤرخين برجوازيين. كما يتناول الفصل مجلة "الدهور" (تشرين الأول 1929) التي أصدرها حداد، والتي دعت لنشر الثقافة الحديثة على النمط الغربي. مع أن خط المجلة لم يكن واضحاً تماماً في تحليله للطبقات، إلا أنه انتقد النظام الإقطاعي ورأى أن القوي يمتلك الأرض والمتاجر، دون أن يقدم تحليلاً دقيقاً لهذه التشكيلات الاجتماعية.
4.التيار الديمقراطي الثوري108–119▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول نشأة وتطور التيار الديمقراطي الثوري في سوريا ولبنان خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتحديداً في فترة ما بين الحربين العالميتين. يقدم المؤلف تعريفاً لهذا التيار ويؤكد أن مفهومه يختلف عن المفهوم المعاصر بسبب اختلاف الظروف التاريخية والاجتماعية. ففي تلك الفترة المبكرة، كانت القاعدة الاجتماعية للتيار ضيقة، واقتصرت على العناصر الثورية من البورجوازية الصغيرة المتأثرة بالماركسية. أما في المراحل اللاحقة فقد توسعت لتشمل ممثلي الفلاحين وفئات أخرى. ويخلص الفصل إلى أن هذا التيار كان عبارة عن تيار فكري وسياسي بورجوازي صغير تقدمي، كان ينتقل تدريجياً نحو تبني الفلسفة الماركسية والوقوف إلى جانب الطبقات الكادحة.
يسير الفصل عبر عدة خطوات متسلسلة. يبدأ بتقديم لمحة عن رواد هذا التيار وأبرز منشوراته. فيتحدث عن يوسف إبراهيم يزبك من لبنان، الذي ينحدر من طبقة وسطى موسرة، واطلع على الأفكار الاشتراكية عبر معرفته بالفرنسية. أسس يزبك مجلة "الإنسانية" في عام 1926، كما أسس مع نقابي "حزب الشعب اللبناني". ويشير المؤلف إلى أن يزبك كان رائداً في طرح قضايا مثل دور النفط في السياسة الدولية وكشف حقيقة ثورة طانيوس شاهين. ثم ينتقل الفصل بالتفصيل إلى مناقشة مجلة "الطليعة - رسالة التحرر الفكري" التي صدر عددها الأول في دمشق بتاريخ 5 آذار 1934. كانت هيئة تحريرها تضم أسماءً بارزة مثل فؤاد الشايب وميشيل عفلق وكامل عياد وسليم خياطة. أعلنت المجلة في افتتاحيتها تبرؤها من أي انتماء طائفي، وجعلت هدفها نشر المعرفة وتمثيل النزعة الاجتماعية التي تسيطر على الأدب العالمي. ويوضح الفصل كيف أن المجلة، التي كانت تباع في عدة أقطار عربية، تعرضت لخلافات بين مؤسسيها أدت إلى انفصال عفلق والشايب عن كامل عياد وسليم خياطة، حيث أراد البعض أن تكون صوتاً للشيوعيين.
لتوضيح مواقف التيار، يقدم الفصل أمثلة ملموسة من مقالات "الطليعة". منها مقال لـجورج حكيم بعنوان "التنظيم الاقتصادي لسوريا" (آذار 1935) والذي دعا صراحة إلى تجاوز النظام الرأسمالي وإقامة نظام اشتراكي قائم على "الاقتصاد المنظم" والتخطيط، عبر تأميم المنافع العامة وإقامة صناعة حديثة. يعتبر المؤلف هذا الطرح طليعياً رغم ضعف القوى القادرة على تطبيقه آنذاك. كما يعرض الفصل مقالاً لـشاكر العاص بعنوان "نحن والثورة الصناعية" (أيار 1935) والذي أكد أن الثورة الصناعية يمكن أن تتم في ظل الاشتراكية، ودعا إلى إنشاء دولة حديثة تقوم بها فئة لا تعمل بدافع الأثرة. ويستخدم المؤلف مثالاً آخر لتوضيح الموقف العملي للتيار من الرأسمالية الوطنية، وهو حاشية كتبها رئيف الخوري في كتابه "حقوق الإنسان" (عام 1937) شرح فيها أن معارضة التيار كانت موجّهة ضد الرأسمالية الأجنبية الاستعمارية، بينما كان يدعم الرأسمالية الوطنية الضعيفة في تلك المرحلة كوسيلة لتعزيز الاقتصاد ومقاومة الاستعمار، وهو موقف تبناه الحزب الشيوعي أيضاً قبل الحرب العالمية الثانية.
يقر الفصل ضمنياً بحدود هذا التيار. فقد كانت الخطوط الفاصلة بينه وبين تيارات البورجوازية الصغيرة الأخرى غير واضحة في فترة الثلاثينات، ولم تبرز معالمها بشكل جلي إلا في أواسط الأربعينات بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز الاتحاد السوفييتي. كما يشير المؤلف إلى أن الأفكار الاشتراكية التي طرحتها "الطليعة" كانت، بالرغم من وضوح برنامجها الاقتصادي، تفتقر إلى معالجة مسألة السلطة وقيادة الدولة، كما أن غياب حزب قوي قادر على قيادة هذه العملية المعقدة جعل تطبيقها صعباً أو شبه مستحيل في ذلك الوقت. ويعترف الكاتب بأن الكثير من القراء اعتبروا هذه الدعوات "مشروعاً خيالياً".
من بين الحجج القابلة للنقاش في الفصل، النظرة إلى موقف "التيار الديمقراطي الثوري" من الرأسمالية الوطنية. يظهر الفصل تناقضاً ظاهرياً بين الموقف المبدئي المعادي للرأسمالية (كما ظهر في دعوات تجاوزها وإقامة الاشتراكية) وبين الموقف العملي الذي يدعم الرأسمالية الوطنية "المستغلة الناشئة الضعيفة" لمقاومة الاستعمار. يبرر المؤلف هذا الموقف كضرورة مرحلية تتطلبها ظروف النضال الوطني، مما يطرح إشكالية حول حدود التوفيق بين الأهداف الاشتراكية البعيدة المدى والمتطلبات الوطنية الآنية، وحول كيف يمكن لدعم رأسمالية أن يكون تمهيداً لتحرر تام في المستقبل.
5.برامج الجمعيات والأحزاب السياسية (1908-1914)36–52▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل المرحلة التأسيسية للحركة الوطنية العربية في سورية ولبنان بين عامي 1908 و1914، أي بعد ثورة الاتحاديين وفرض الدستور العثماني. يُركّز عبد الله حنا على أن هذه الفترة شهدت تحوّلاً من المطالب الإصلاحية الفردية إلى تأسيس جمعيات وأحزاب سياسية، لكنها بقيت محصورة في طبقة النخبة. يُظهر الكاتب كيف تباينت برامج هذه التنظيمات، من الاعتدال إلى المطالبة بالاستقلال، وكيف عكست صراعاً بين تيارين: التيار البرجوازي (التجاري) الذي سعى إلى تطوير اقتصادي ولامركزية في الحكم، والتيار الإقطاعي الذي مال إلى المساومة مع السلطة العثمانية. ويرى أن هذه الحركات، رغم محدوديتها، أرست الأفكار التي ستنضج لاحقاً وتقود إلى الثورة العربية الكبرى.
يسير الفصل زمنياً ومنطقياً، مبتدئاً بـجمعية الإخاء العربي العثماني التي تأسست في إسطنبول عام 1908. يصفها الكاتب بأنها كانت منظمة النخبة من كبار الموظفين والملاّك، وركزت على التنمية الاقتصادية عبر تأسيس الشركات، مما عكس تطلعاتها الرأسمالية. لكنها، بحسب الكاتب، أهملت الطلاب الراديكاليين وسعت لتحقيق مكاسب شخصية، مما جعل الاتحاديين يحلّونها عام 1909، مدركين أنهم لا يريدون أي نشاط سياسي غير تركي.
ينتقل الفصل إلى "المنتدى الأدبي" (تأسس في إسطنبول حوالي 1909)، وهي منظمة استخدمت القناع الأدبي للنشاط السياسي. يوضح حنا أن قوتها الأساسية كانت من الطلاب العرب المتأثرين بالأفكار القومية الأوروبية والنماذج الوحدوية كالنموذج الإيطالي والألماني. يعرض ملخصاً لبرنامجها، الذي دعا إلى "إحياء الجامعة العربية"، وتطوير الزراعة والصناعة عبر النقابات، وتحسين التعليم. لكن الكاتب يوجّه انتقاداً حاداً، فيشير إلى تجنّب البرنامج كلمة "فلاحين" واستخدام كلمة "زراع" المطاطة التي تشمل الملاّك، مما يدل على عدم التفكير بتوزيع الأراضي. ويضيف أن البرنامج يعكس رؤية رأسمالية للزراعة، وهي رؤية ستستمر بين وطنيين عرب بعد الحرب. لاحقاً، يعرض الفصل انقسام "المنتدى" بين الأعضاء من أصل برجوازي، الذين مالوا إلى معارضة المساومة مع الأتراك، والأعضاء من أصل إقطاعي الذين فضّلوا التفاهم طمعاً في مناصب رفيعة.
المحطة التالية هي "الجمعية القحطانية" التي تأسست سراً بين الضباط العرب والعائلات الإقطاعية حوالي 1909، وأعادت تسمية نفسها لاحقاً بـ**"جمعية العهد"** (عام 1913). يلخص حنا برنامجها الذي طالب بتحويل الدولة العثمانية إلى مملكة ذات تاجين على غرار النمسا-المجر، مبقيةً الخلافة في آل عثمان، مع استقلال داخلي للولايات العربية. ويشير الكاتب إلى أن مطالب الجمعية كانت معادلة للاستعمار الغربي، مقرّةً للدور التركي في الدفاع عن الشرق.
ثم يصل الفصل إلى "جمعية العربية الفتاة" التي يصفها بأنها الأكثر وضوحاً في توجّهها القومي. أسسها طلاب سوريون في باريس عام 1911 من عائلات مرموقة، ونقلت مركزها إلى بيروت عام 1913 ثم إلى دمشق. يوضح حنا أنها تميزت بسرية صارمة وطقوس اختبار طويلة للأعضاء. يعرّف هدفها الجوهري من نص القسم: "بذل الجهد لترقية الأمة العربية إلى مصاف الأمم الراقية الحرة والمستقلة". يركز الكاتب على دور الصحفي عبد الغني العريسي كصوت للفتاة، الذي رفع شعاراً مزدوجاً "نحن عرب عثمانيون". يحلل حنا هذا الشعار: "عرب" هو الهدف الاستراتيجي (الاستقلال)، و"عثمانيون" هو التكتيكي لتجنّب بطش السلطة. يعتبر الكاتب أن الجمعية مثّلت الجناح الديناميكي والثوري للبرجوازية الوطنية في تلك الفترة، المندفعة نحو بناء دولة مستقلة وسوق عربية موحدة. لكنه يلفت الانتباه إلى تغيير جزئي في تركيبها عندما انضم إليها لاحقاً الأمير فيصل بن الحسين وعناصر إقطاعية ليبرالية من آل البكري الدمشقية. يعتبر حنا هذا التطور نقطة تحول مزدوجة: فقد أكسبها منعة ومهّد للثورة العربية عام 1916، لكنه أدخل عنصر الضعف والمقاومة، وأضعف تأثير التيار البرجوازي الأكثر تقدماً.
يتبع ذلك تحليل "حزب اللامركزية الإدارية" الذي تشكل في القاهرة عام 1912. يوضح حنا كيف لعبت مصر المحتلة بريطانياً دور مركز ثالث للحركة العربية، حيث أباحت السلطات البريطانية النشاط السياسي السوري كأداة لمواجهة الحلف التركي-الألماني. كان الحزب يتكون من تجار وملاّك إقطاعيين ليبراليين، وعكس برنامجه طموحهم إلى حكم ذاتي اقتصادي وسياسي. يلخص الكاتب مطالب الحزب بإدارة لا مركزية، ومجالس محلية منتخبة، وجعل العربية لغة رسمية، وأداء الخدمة العسكرية في الولاية. ثم يوجّه حنا نقداً طبقاتياً صريحاً: البرنامج لم يهتم بالمشاكل الاقتصادية-الاجتماعية إلا في مادة وحيدة غامضة عن "تعديل قانون الأراضي". يجادل الكاتب بأن هذا التعديل، لو تم، لكان لصالح الملاّك ("الذوات") لا الفلاحين. ويضيف أن دعوة الحزب لـ "تحضير البدو" كانت في جوهرها لتوسيع ثروة التجار والإقطاعيين، معترفاً مع ذلك بأنها خطوة تقدمية في سياقها التاريخي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى "الجمعية الإصلاحية البيروتية" و**"الجمعية الإصلاحية الدمشقية"**، اللتين تشكلتا في خريف 1913. يعتبرها الكاتب خطوة مهمة لأنها كانت حركات أكثر ارتباطاً بقاعدة تجارية شعبية في المدن السورية نفسها، وليست منظمات نخبوية مغتربة. يلخص برنامج الجمعية البيروتية الذي طالب بسلطة شبه كاملة للمجلس العمومي المنتخب في الولاية على الشؤون الداخلية والمالية والقروض، مع إبقاء الشؤون الخارجية والعسكرية للحكومة المركزية. تشير المواد بوضوح إلى طموح البرجوازية البيروتية لإدارة شؤونها الاقتصادية (تأسيس شركات) مستقلة عن إسطنبول. يروي حنا كيف حلّها الاتحاديون بعد انقلابهم في نيسان 1913، مما أشعل إضراباً شاملاً لتجار بيروت استمر ثلاثة أيام، وهو حدث يعتبره الكاتب نقطة تحول؛ إذ يرى فيه انتقال الحركة من مرحلة النخبة الضيقة إلى مرحلة جمعية قادرة على تحريك جماهير شعبية واسعة.
يختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذه الجمعيات والحركات الإصلاحية، رغم اختلافاتها، تمثلت معاً في "المؤتمر العربي الأول" في باريس (حزيران 1913). ويخلص حنا إلى أن قرارات المؤتمر كانت مطابقة لبرنامج حزب اللامركزية (الدعوة للإصلاح واللامركزية، وليس الانفصال الفوري).
طوال الفصل، يعترف حنا بحدود هذه الحركات وطابعها النخبوي؛ فهي لم تمس مشاكل الفلاحين والعمال، وبقيت أسيرة للصراع الطبقي بين البرجوازية والإقطاع داخل صفوفها. يترك الكاتب سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت المطالب الإصلاحية المعتدلة يمكن أن تنجح لولا اندلاع الحرب؛ ولكن الجو العام الذي يقدمه يشير إلى أن الاتحاديين لم يكونوا ليسمحوا بأي حكم ذاتي عربي حقيقي.
في قراءة لاحقة، يمكن القول إن هذا الفصل يضع رؤية ماركسية-طبقية واضحة للحركة القومية العربية الناشئة. فهو لا يراها مجرد حركة وطنية موحدة، بل انعكاساً لصراع طبقي داخلي وتفاعل مع الاستعمار الخارجي. حنا يبرز بشكل خاص نقداً لافتاً للبرجوازية ولنخبة الإقطاع الليبرالي، متّهماً إياهم بالانتهازية والسعي للمنافع الشخصية. هذه القراءة النقدية، رغم قوّتها، تظل إطاراً تحليلياً واحداً، وقد يختلف مؤرخون آخرون في تقييم إخلاص هذه الشخصيات ومدى مساهمتهم التحررية في سياقها التاريخي الصعب.
5.التيار الماركسي120–309▼ ملخص
الملخص
يركز هذا الفصل على تتبع ملامح التيار الماركسي والديمقراطي الثوري في سورية ولبنان خلال النصف الأول من القرن العشرين، كما تجسدت في مجلتي "الطليعة" (التي صدرت في دمشق) و "الطريق" (التي صدرت في بيروت). يسعى المؤلف، عبد الله حنا، إلى إظهار أن هذا التيار لم يكن مجرد تقليد أعمى لنظريات غربية، بل كان نتاجاً لتفاعل معقد بين الفكر الثوري العربي القديم والماركسية، وبين الحاجة إلى التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستعمار والإقطاع.
يمضي الفصل خطوة بخطوة، فيعرض أولاً الدور الإصلاحي والتوعوي الذي قامت به حركة "مشروع إنعاش القرى"، فيقر بأنها لم تمس جذور النظام الإقطاعي، لكنه يشير إلى أنها كانت حدثاً مهماً للاتصال بين الطبقة الوسطى في المدينة والفلاحين. ويستخدم مثال مسرحية "ثورة بيدبا" لـ رئيف خوري، التي علقت عليها "الطليعة" في آذار سنة 1935، لدحض فكرة أن هذا التيار كان منعزلاً عن قضايا الطبقات المضطهدة، مؤكداً أن المسرحية كانت "محاولة جريئة" تقف إلى جانب الفقراء.
ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل مقال إحسان الجابري المنشور في "الطليعة" في أواخر 1937 بعنوان "من أين يعيش الشعب السوري"، ويشيد بتصنيفه للفئات المنتجة وغير المنتجة في المجتمع ونسبة دخلها، معتبراً ذلك "عملاً فريداً من نوعه" يدل على نضج فكري وعلمي في فهم العلاقات الاجتماعية. ويبرز المؤلف كراساً للجابري صدر في دمشق سنة 1935 عن "مسألة عمال المدن في سوريا"، والذي ربط فيه بوضوح بين التحرر القومي والتحرر الاجتماعي، مقتبساً قوله إن "تحرير الطبقة العاملة هي الدعامة الرئيسية التي ترتكز عليها قضيتنا الوطنية".
في الموقف من القضايا العالمية، يبين الفصل أن "الطليعة" رأت في النازية والفاشية العدو الأول للإنسانية والحركة الوطنية العربية، وفتحت صفحاتها لنقدها بشدة. ويورد أمثلة على ذلك من مقالات نشرتها في 1938 و 1939، مثل "وحوش النازي يغتالون خصومهم" و"العرقية الهتلرية في الميزان"، حيث ردت على نظرية هتلر العنصرية التي وضعت العرب في "الدرجة الرابعة عشرة". وفي الوقت نفسه، يلاحظ الفصل تحفظاً واضحاً في مهاجمة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، ويعزو ذلك إلى أسباب تكتيكية، هي الرغبة في عدم إفساد "الجبهة المعادية للفاشستية" التي كانت تضم هذه الدول الديمقراطية. ويوضح ذلك من خلال وثائق "مؤتمر مكافحة الفاشستية السوري اللبناني الأول" في بيروت أيار 1938، حيث تم تجاوز الحديث عن الاتحاد السوفياتي عمداً.
ثم يتناول الفصل نظرة التيار إلى التراث الثوري العربي والإسلامي، مفصلاً في ثلاثة محاور رئيسية:
- الاعتماد على الفكر الثوري الإسلامي: عبر اقتباس آيات قرآنية مثل التي وردت في مسرحية "ثورة بيدبا" والتي تمد المستضعفين بالأمل، وسيرة الرسول والخلفاء الراشدين التي "تكره الملكية الوراثية المطلقة وتستشم منها روح الملكية الجماعية".
- الأخذ من الفكر البرجوازي التقدمي: بربط الفكر الثوري العربي بالثورة الفرنسية (مثل كتاب يوسف إبراهيم يزبك "14 تموز مدرسة لكل شعب") وبشخصيات عالمية مثل مكسيم غوركي.
- الأخذ من الفكر الماركسي: مع الإقرار بأن التيار تبنى الماركسية "بشكل غير مباشر وبالتلميح" خوفاً من الاتهام بالشيوعية، مستشهداً باعتراف سلامة موسى بأنه كان يتفادى ذكر اسم ماركس "خشية الاتهام بالشيوعية". ومع ذلك، يوثق الفصل وجود مقالات صريحة في الماركسية.
يمضي الفصل في توثيق جهود التيار لربط الماركسية بالتراث العربي التقدمي، عبر نشر مقال في "الطليعة" أوائل 1943 بعنوان "عبد الرحمن بن خلدون أول فيلسوف عربي يحاول تفسير التاريخ مادياً"، والذي قارن بين ابن خلدون وهيغل وماركس. كما يبرز اهتمام التيار بإحياء التاريخ العربي وكتابته بروح جديدة، مثل كتاب يوسف إبراهيم يزبك عن طانيوس شاهين، قائد ثورة الفلاحين في كسروان سنة 1858، والتي وصفتها "الطليعة" بأنها "أول ثورة شعبية في بلاد العرب". ويشير الفصل إلى الفرق في جرأة النقد: فهجوم التيار على الإقطاعية كان أكثر وضوحاً عند الحديث عن ثورات تاريخية مثل ثورة طانيوس شاهين، مقارنة بموقفه الحذر من "مشروع إنعاش القرى".
بعد ذلك، يخصص الفصل جزءاً مهماً من تحليله لمجلة "الطريق"، التي صدرت في بيروت في كانون الأول 1941، معتبراً إياها "وريثة الطليعة الدمشقية" وخطوة متقدمة عنها في النضج الفكري والاتصال الوثيق بالماركسية. ويستعرض أهدافها من خلال "رسالة العصبة" في عددها الأول، والتي ركزت على مكافحة الفاشية والنازية والدفاع عن الحريات. ويوضح الفصل كيف حرصت "الطريق" على إظهار استمرارية الفكر الثوري، من خلال نشر صور وأسماء شخصيات من التراث مثل عمر بن الخطاب وابن المقفع وجبران خليل جبران، جنباً إلى جنب مع رموز العصر الحديث مثل ستالين وتمثال للحرية.
يتعمق الفصل في منهج "الطريق" في معالجة التراث، مستشهداً بمقال عبد المعين الملوحي في أيلول 1943 الذي يرفض القطيعة مع الماضي أو تقليده أعمى، ويدعو إلى فهم تاريخ العرب على ضوء المادية التاريخية. ويواصل الفصل عرض النشاط الفكري للمجلة: نقدها للكتّاب الرجعيين (مثل العقاد)، وفضحها للإمبريالية الأمريكية (تحت عنوان "قانون الإعارة والتأجير" في كانون الثاني 1944)، ودعوتها إلى الصداقة مع الاتحاد السوفياتي ونشرها لتقارير إيجابية عنه، ودعمها للقضايا القومية العربية (مصر، العراق، فلسطين).
في التعامل مع القضية الفلسطينية، يوثق الفصل موقف "الطريق" الذي كان واضحاً في معاداة الصهيونية وفضح دسائسها، مستشهداً بمقال لـ رئيف خوري في نيسان 1945 وآخر لـ خالد بكداش في تشرين الثاني 1946 يشرحان أخطارها ويرفضان ادعاءات القومية اليهودية.
أخيراً، يخلص الفصل إلى تقديم نبذة عن أبرز ثلاثة أعلام حملوا هذا الفكر الماركسي ونشروه عبر "الطريق": الدكتور كامل عياد، الذي كان من بين السوريين القلائل الذين حازوا شهادة في الفلسفة وعمل في النقابة؛ ورئيف خوري، الذي وصفه بـ "المفكر الموسوعي" الذي آمن بالماركسية وربطها بالتراث العربي والنضال الفلسطيني؛ وعمر فاخوري، الذي تطور من كاتب في "برجه العاجي" قبل الحرب العالمية الثانية إلى ناشط سياسي مناهض للفاشية ومدافع عن الديمقراطية والاشتراكية.
يمتاز الفصل بمنهجية وثائقية دقيقة، ويعترف بحدود التيار الديمقراطي الثوري، مثل خوفه من مهاجمة الإقطاع المحلي مباشرة، وتهربه من تبني الماركسية بشكل صريح. تبقى بعض الحجج قابلة للنقاش، مثل التفسير التكتيكي لموقف التيار من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، والتركيز على محاولات الربط بين التراث العربي القديم والماركسية، وهو ما قد يراه البعض فيه قدراً من التكلف أو الإسقاط.