
الرهبان العموديون السوريون
الرهبان العموديون السوريون هم ظاهرة دينية فريدة نشأت في سورية خلال العصر البيزنطي، ويبحث الكتاب في جذورها وانتشارها وأسباب نجاحها. يدافع المؤلفان عن فكرة أن هذه الظاهرة ليست مجرد غرابة أو بدعة، بل هي إبداع سوري خالص نابع من ظروف بيئية ودينية واجتماعية خاصة. فقد جاءت الرهبنة العمودية كحل وسط بين الرغبة في الانعزال التام عن العالم وواجب التبشير المسيحي، وخاصة في منطقة كانت تعاني من كثافة سكانية عالية جعلت الانعزال في البراري مستحيلاً كما كان الحال في مصر. هكذا، ابتكرت الروح السورية المبدعة نمطاً يسمح بالهرب من المجتمع والبقاء فيه في آن واحد، فكان الراهب العمودي يجلس على عموده في منتصف الطريق بين السماء والأرض، ليكون شمعدان إيمان يضيء للمارة على طرق التجارة الحيوية.
يسير الكتاب عبر فصول متصلة تبدأ بوصف السياق التاريخي والجغرافي الذي ولدت فيه هذه الحركة، ثم تنتقل إلى الوصف المادي للعمود نفسه بكل تفاصيله المعمارية، ثم تتوغل في الحياة اليومية القاسية على العمود، وتنتهي بدراسة انتشار هذه الحركة وعلاقتها بالكنيسة والمجتمع. المنطق الذي يربط الأجزاء هو الانتقال من العام إلى الخاص، ومن المادي إلى الروحي، ومن الفرد إلى الجماعة. يبدأ الفصل الأول برسم صورة واسعة لسورية الرومانية البيزنطية التي شهدت ازدهاراً اقتصادياً هائلاً بفضل ثلاثة محاصيل رئيسية: النبيذ والزيتون والحبوب. اشتهرت خمور سورية عالمياً حتى أن القديس غريغوار التوراني من القرن السادس الميلادي ذكر أنها كانت تُستورد بكثرة في بلاد الغال. أما زيت الزيتون فلم يكن مجرد غذاء بل كان يُستخدم للإنارة والتشحيم، مما جعله سلعة مطلوبة في روما وأنطاكية، وكانت سورية المنتج الأول له. ويُلاحظ أنه مع منتصف القرن السابع، حين أصبحت الملاحة في البحر المتوسط شبه مستحيلة بسبب المعارك البحرية بين البيزنطيين والأمويين، تم التعويض عن زيت الزيتون بالشمع لإنارة الكنائس في بلاد الغال.
إلى جانب هذه المواد، أنشأ المنتجون السوريون صناعات مساعدة، وساعدتهم شبكة الطرق الرومانية المتطورة على التبادل التجاري. وكان للسوريين فضل كبير في تصدير التوابل والمنتجات الشرقية إلى الغرب، حيث انتشروا في كل موانئ البحر المتوسط وأنشأوا مؤسسات تجارية في روما والإسكندرية ومرسيليا وإسبانيا وبريطانيا، وحتى في بلاد الدانوب. يصف القديس جيروم هذا الميل الفطري للتجارة لدى السوريين بقوله إن حبهم للربح يدفعهم لدوران العالم. وكانت النتيجة الأولى لهذا الازدهار زيادة كبيرة في عدد السكان، حيث لم تشهد سورية قط هذه الكثافة في شبكة الطرق بين المدن والقرى التي امتدت حتى أطراف البادية الشرقية، فازدهرت مدن مهمة مثل الرصافة وخناصر والأندرين وزبدا وإسريا وتدمر، التي هي اليوم مجرد أطلال لماض مجيد.
في خضم هذا الازدهار الاقتصادي، حدث تحول ديني جذري مع بداية القرن الرابع الميلادي، وهو الاعتراف الرسمي من الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية. لم يعد مطلوباً من المؤمنين شهادة الدم (الاستشهاد)، بل شهادة الجهاد ضد الذات والهرب من مجتمع بدأ يخضع لتأثير العالم اليوناني-الروماني. وهكذا، حل النساك محل الشهداء، فواجهوا المجتمع اليوناني-المسيحي الجديد في البراري. هنا يكمن جوهر الظاهرة: الرهبانية العمودية، وهي إبداع سوري خالص. تقول الفرضية إن الرهبان في مصر وفلسطين كان بإمكانهم الانعزال في البراري الواسعة، أما في سورية فكانت الكثافة السكانية كبيرة جداً، مما جعل الانعزال المطلق صعباً. فابتكرت الروح السورية المبدعة نمط حياة مسيحية خاص يسمح بالهرب من العالم والبقاء فيه في آن واحد. ويؤكد المؤلف أن الحياة الرهبانية لم تكن متجانسة في كل مكان، بل كانت تظهر بأشكال خاصة تتكيف مع بيئة وعقلية كل شعب. وفي سورية، تميزت الرهبنة بالميل إلى الشكل النسكي المتطرف، والخيال الجامح، وابتكار أنواع جديدة من التقشف، مما دفع تيودوريطس القورشي للقول إنه بقدر ما أوجد الشيطان طرقاً للوقوع في الرذيلة، ابتكر رضيعو التقوى سلماً متنوعة للصعود إلى السماء.
لقيت الرهبنة العمودية نجاحاً باهراً لكنها أثارت أيضاً اعتراضات وتحفظات. يؤكد المؤلف أنها كانت جديدة تماماً في نظر المعاصرين، فأساقفة بلاد ما بين النهرين الذين حضروا إلى عند سمعان العمودي أكدوا أنهم لم يروا قط من قبل شخصاً يصعد على عمود. صحيح أن هناك محاولات فردية سابقة، مثل الروماني مينيوس الذي صعد على عمود في روما لمشاهدة المصارعين، وهناك من بحث عن جذور للظاهرة في طقس وثني في مدينة هيرابوليس (منبج)، لكن الباحث ديلهاي برهن على هشاشة هذا التشابه. ومع ذلك، قوبلت الحركة الجديدة بالتحفظ من القطاعات الكنسية والطبقات اليونانية الكبرى. الأرشمندريتات الذين أتوا من أنطاكية لم يأتوا لطلب بركة سمعان، بل لمراقبته والتحقق من صحة طريقته، ورفضوا صعوده إلى عموده بحجج واهية كالعمر والمرض. حتى رهبان مصر أرسلوا إلى سمعان رسالة حرمان، لكنهم لاحقاً دخلوا في اتحاد معه. ويكشف هذا عن الفرق الجوهري بين الرهبنة المصرية والرهبنة السورية: فالأولى كانت تميل نحو الحياة التوحدية الديرية، مع تنظيم تراتبي وإماتات معتدلة، وهي تنبذ التظاهرات المسرحية للسوريين التي ترى فيها تباهياً، أما الثانية فكانت فردية وإبداعية ومتطرفة في تقشفها.
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها ما ورد في وصف العمود نفسه. فعمود القديس سمعان الكبير بلغ ارتفاعه بين 15 و18 متراً (ما يعادل 36 ذراعاً)، بينما يبلغ ارتفاع بقايا عمود كفر دريان حوالي 1.78 متراً. ولتثبيت الجذع في القاعدة كان يُستخدم قضيب حديدي لضمان الثبات ضد الأعاصير والزلازل، وقد هزت الرياح عمود القديس دانيال العمودي مما أثار غضب الإمبراطور ليون على المهندس. أما حياة الصلاة فكانت قاسية، حيث كان القديس سمعان الكبير يأكل مرة واحدة في الأسبوع، نهار الأحد، وقد عد له أحد مرافقي أسقف قورش ألفاً ومئتين وأربعاً وأربعين سجدة قبل أن يتعب من العد. وعاش بعض العموديين طويلاً بشكل مذهل: سمعان الكبير عاش 54 سنة (قضى منها 37 على العمود)، دانيال عاش 84 سنة (قضى منها 33 على العمود)، أليبيوس عاش 144 سنة، لوقا عاش 100 سنة، والقديس ميخائيل قرب نينوى عاش 510 سنة، وهي أرقام تثير التساؤل حول مصداقية المصادر.
لم تقتصر حياة العمودي على العبادة والتقشف فقط، بل امتدت إلى التبشير والوعظ وحتى العمل الفكري. فالعمودي يوحنان الأتاربي ألف كتاباً في حساب أعياد السنوات، وتراسل مع شخصيات دينية مثل يعقوب الرهاوي وجورج أسقف العرب (عام 714م) حول قضايا التاريخ وعلم الفلك. كما كان هناك عموديون نساخ مثل صموئيل بن سرياكوس، وعمودي رسام هو ثيودول السيونيطي الذي رسم صوراً لملائكة على الصلبان. وكان للعمودي أيضاً "حارس" هو راهب مبتدئ يخدمه بتوفير حاجياته وتهدئة الجماهير، ويحفظ التاريخ اسم حارس سمعان الكبير، أنطوان، الذي كتب سيرة معلمه. وكان الحبل والسلة وسيلة لرفع الحاجيات، كما استخدم السلم لصعود الزوار المهمين، مثل الإمبراطور ليون الأول الذي صعد به إلى القديس دانيال.
ينتقل الكتاب في أقسامه اللاحقة إلى دراسة انتشار هذه الحركة وأهميتها، مؤكداً كثرة العموديين في سورية حتى أنهم شكلوا طبقة مستقلة بذاتها. يستشهد المؤلف بمصادر تاريخية متعددة، منها رواية المؤرخ يوحنا الأسيوي (القرن السادس) عن اضطهاد أتباع الطبيعة الواحدة بين عامي 551-601 م، والتي يذكر فيها أن "العموديين أُنزلوا من على أعمدةهم". ويضيف بطريرك أنطاكية اليعقوبي ميخائيل السوري (1126-1199 م) رواية مشابهة عن اضطهاد بولس بطريرك أنطاكية الخلقيدوني لهم. وفي القرن السابع الميلادي، يشير مار دنحا، متروبوليت تكريت، إلى وجود رهبان في بلاد ما بين النهرين "اختاروا المكوث على الأعمدة ولا يستريحون على الأرض". كما نجد في نهاية القرن السادس قانوناً في المتحف البريطاني ينظم علاقات الراهبات، ويمنع زيارة "الرهبان النساك والعموديين" إلا لراهبة طاعنة في السن.
يتناول الكتاب أيضاً فئة "العموديين الهراطقة"، أي أولئك الذين كانوا في نزاع مع العقيدة الرسمية. يروي جان موسكس قصة راهبين عموديين في كيليكيا في القرن السابع، أحدهما كاثوليكي والآخر هرطوقي، يتنافسان. ويصف الفصل حالة راهب عمودي مونوفيزي (يعتنق الطبيعة الواحدة للمسيح) قرب هيرابوليس (منبج) تم اهتداؤه على يد بطريرك خلقيدوني. ويوضح الكتاب أن الانقسام بين المونوفيزية والخلقيدونية كان حاداً في سورية، حيث اتبعت الطبقات الهلينية العقيدة الخلقيدونية، بينما اتبع الشعب والرهبان الريفيون العقيدة المونوفيزية الوطنية. ويظهر هذا الانقسام جغرافياً: فسورية الأولى (عاصمتها أنطاكية) كانت في الأغلب مونوفيزية، بينما كانت سورية الثانية (عاصمتها أفاميا) خلقيدونية، مما أدى إلى وجود بطريركين في أنطاكية، ويخلص الكتاب إلى أن هذا الانقسام العنيف أطفأ المحبة التي تقوم عليها الرهبنة.
من أبرز التحفظات التي يقرها المؤلف وجود حالات فشل في هذه الحركة، مثل جبرائيل في القرن الثاني عشر، ويشوعا بن أشعيا السابريني في القرن الخامس عشر، الذين تركوا العمودية بسبب الهلوسة أو عدم القدرة على الاستمرار. كما يعترف الكتاب بوجود عموديين مجهولي الاسم لا نعرف عنهم سوى بقايا أعمدة عثروا عليها في الحفريات الأثرية في شمال شرق صافيتا وكفر مارس وحاط. ويذكر حالات مثيرة للجدل مثل القديس نيكيتاس الباريسلافي في روسيا الذي اغتاله لصوص في عام 1187م ظناً منهم أن مسلحته المصنوعة من حديد هي من الذهب. كما يروي قصة عمودي هرطوقي مونوفيزي في بيت كارداغ مات قتيل البَرَد.
في الأقسام الأخيرة، يدرس الكتاب التكريم الذي حظي به العموديون خلال حياتهم، والرسوم التي صورتهم، ورمزية هذه الرسوم. كان العمودي يُعتبر شهيداً بسبب إماتاته الرهيبة، حتى أن ثيودوسيوس الثاني طلب من سمعان الصلاة لأجله. وتحول العمودي إلى موضوع لتقديس يشبه تقديس الشهداء، بما في ذلك تقديس الذخائر وحمل البركات والدهن بالزيت المبارك والحج إلى قبره. أما في الفن، فتطورت رسوم العموديين من تصوير شبه واقعي إلى رموز تجريدية تدمج شخصيته بخصائص المسيح وصليبه. ويرفض المؤلف التفسير الذي يرى في هذه الرسوم آثاراً وثنية، مؤكداً أن أصولها يجب البحث عنها في تأثير الجماعات اليهودية المسيحية المنتشرة في سورية.
من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، يمكن الإشارة إلى تفسير المؤلف لاختفاء زيت الزيتون من التجارة في القرن السابع بسبب المعارك البحرية فقط، فقد تكون هناك أسباب اقتصادية أو سياسية أخرى لم يذكرها. كما أن وصف روح السوريين بالميل الفطري للتجارة والخيال الجامح قد يُنظر إليه كتعميم ثقافي لا يستند إلى أدلة قاطعة. أما فرضية تأثير الحركة العمودية في نشأة المئذنة الإسلامية، فيعترف المؤلف نفسه أنها تحتاج إلى أبحاث معمقة. كذلك، فإن تفسير التقشف الشديد بالخلفية الاجتماعية للرهبان، رغم منطقيته، قد لا يفسر بشكل كامل حالات الإماتة المفرطة. وأخيراً، تبقى القصص الواردة مثل عمر الراهب ميخائيل (510 سنوات) غير قابلة للتصديق علمياً، وتطرح تساؤلاً حول مدى دقة ومصداقية مصادر تلك السير الذاتية، وهو ما أشار إليه المؤلف نفسه بتساؤله حول إمكانية جرح شهادة تيودوريطس.
الفصول(9)
1.الفصل الأول : سوريا الرومانية- البيزنطية33–46▼ ملخص
شهدت سورية في العصر الروماني-البيزنطي ازدهاراً اقتصادياً كبيراً، كان أساسه ثلاث مواد رئيسية: النبيذ والزيتون والحبوب. اشتهرت خمور سورية بجودتها العالمية، حتى أن القديس غريغوار التوراني من القرن السادس الميلادي أشار إلى أنها كانت تُستورد بكثرة في بلاد الغال. أما زيت الزيتون، فلم يكن مجرد مادة غذائية أساسية فحسب، بل كان يُستخدم أيضاً للإنارة والتشحيم ودهن الجسم، مما جعله سلعة مطلوبة بشدة في روما وأنطاكية وكبرى مدن البحر المتوسط، وكانت سورية المنتج الأول له. ويُلاحظ أنه مع منتصف القرن السابع، حين أصبحت الملاحة في البحر المتوسط شبه مستحيلة بسبب المعارك البحرية بين البيزنطيين والأمويين، تم التعويض عن زيت الزيتون بالشمع لإنارة الكنائس في بلاد الغال.
إلى جانب هذه المواد الأساسية، أنشأ المنتجون السوريون صناعات مساعدة أخرى، وساعدتهم شبكة الطرق الرومانية المتطورة على التبادل التجاري بين الريف والمدن والعالم الخارجي. وكان للسوريين فضل كبير في تصدير التوابل والمنتجات الشرقية المصنعة إلى الغرب، حيث انتشروا في كل موانئ البحر المتوسط وأنشأوا مؤسسات تجارية في روما والإسكندرية ومرسيليا وإسبانيا وبريطانيا، وحتى في بلاد الدانوب. ويصف القديس جيروم هذا الميل الفطري للتجارة لدى السوريين، فيقول إن حبهم للربح يدفعهم لدوران العالم، وشغفهم بالتجارة يحملهم على البحث عن الثروة حتى في أثناء الغزوات والخراب. وكانت النتيجة الأولى لهذا الازدهار زيادة كبيرة في عدد السكان، حي لم تشهد سورية قط هذه الكثافة في شبكة الطرق بين المدن والقرى، والتي امتدت حتى أطراف البادية الشرقية. وازدهرت في قلب السهول الشرقية التي أصبحت اليوم شبه مقفرة مدن مهمة مثل الرصافة وخناصر والأندرين وزبدا وإسريا وتدمر، والتي هي اليوم مجرد أطلال لماض مجيد.
في خضم هذا الازدهار الاقتصادي، حدث تحول ديني جذري مع بداية القرن الرابع الميلادي، وهو الاعتراف الرسمي من الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية. بعد قرون من الاضطهاد، أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية، مما غير طبيعة التحدي الذي يواجهه المؤمنون. لم يعد مطلوباً منهم شهادة الدم (الاستشهاد)، بل شهادة الجهاد ضد الذات والهرب من مجتمع بدأ يخضع لتأثير العالم اليوناني-الروماني. وهكذا، حلَّ النساك محل الشهداء، فواجهوا المجتمع اليوناني-المسيحي الجديد في البراري، رافضين قوانين "الدنيا" ومبادئ الفلسفة اليونانية التي تشرب بها هذا المجتمع.
هنا يكمن جوهر الظاهرة التي يدرسها هذا الفصل: الرهبانية العمودية، وهي إبداع سوري خالص. تقول الفرضية إن الرهبان في مصر وفلسطين كان بإمكانهم الانعزال في البراري الواسعة، أما في سورية فكانت الكثافة السكانية كبيرة جداً، مما جعل الانعزال المطلق صعباً. فابتكرت الروح السورية المبدعة نمط حياة مسيحية خاص يسمح بالهرب من العالم والبقاء فيه في آن واحد، وهو الرهبنة العمودية. ويؤكد المؤلف أن الحياة الرهبانية لم تكن متجانسة في كل مكان، بل كانت تظهر بأشكال خاصة تتكيف مع بيئة وعقلية كل شعب. وفي سورية، تميزت الرهبنة بالميل إلى الشكل النسكي المتطرف، والخيال الجامح، وابتكار أنواع جديدة من التقشف، مما دفع تيودوريطس القورشي للقول إنه بقدر ما أوجد الشيطان طرقاً للوقوع في الرذيلة، ابتكر رضيعو التقوى سلماً متنوعة للصعود إلى السماء. وُلدت الظاهرة العمودية في هذا الوسط الجغرافي الخصب، وفي فترة تاريخية كانت المسيحية تحتاج فيها للظهور علانية بأسلوب لافت يظهرها كالنور والطريق والحياة أمام الوثنيين، بحيث كان الرهبان العموديون بحسب تيودوريطس "شمعدانات الإيمان".
لقيت الرهبنة العمودية نجاحاً باهراً لأن كل جديد يجذب الناس، لكنها أثارت أيضاً اعتراضات وتحفظات. يؤكد المؤلف أن الرهبنة العمودية كانت جديدة تماماً في نظر المعاصرين، فأساقفة بلاد ما بين النهرين الذين حضروا إلى عند سمعان العمودي أكدوا أنهم لم يروا قط من قبل شخصاً يصعد على عمود. صحيح أن هناك محاولات فردية سابقة، مثل الروماني مينيوس الذي صعد على عمود في روما لمشاهدة المصارعين، وهناك من بحث عن جذور للظاهرة في طقس وثني في مدينة هيرابوليس (منبج)، حيث كان كاهن يصعد كل عام على عمود قضيبي الشكل ويجلس عليه سبعة أيام، لكن الباحث ديلهاي برهن على هشاشة هذا التشابه، فلا يستند إلى رابط ديني مباشر.
ومع ذلك، قوبلت الحركة الجديدة بالتحفظ وحتى العداء من القطاعات الكنسية والطبقات اليونانية الكبرى. الأرشمندريتات الذين أتوا من أنطاكية لم يأتوا لطلب بركة سمعان، بل لمراقبته والتحقق من صحة طريقته، ورفضوا صعوده إلى عموده بحجج واهية كالعمر والمرض. حتى رهبان مصر أرسلوا إلى سمعان رسالة حرمان، لكنهم لاحقاً، وبعد الاطلاع على فضائله، دخلوا في اتحاد معه. ويكشف هذا الحدث عن الفرق الجوهري بين الرهبنة المصرية والرهبنة السورية: فالأولى كانت تميل نحو الحياة التوحدية الديرية، مع تنظيم تراتبي، وإماتات معتدلة، وتركز على الصلاة والعمل اليدوي، وهي تنبذ التظاهرات المسرحية للسوريين التي ترى فيها تباهياً. أما الثانية فكانت فردية، إبداعية، ومتطرفة في تقشفها.
يخلص الفصل إلى أن العمودية شكلت خطوة نحو الأمام في تاريخ الرهبنة، لأنها جمعت بين مبدأين متناقضين ظاهرياً: الانعزال وواجب التبشير. ففي "منتصف الطريق بين السماء والأرض"، كما يقول إيفاغر، كان الرهبان العموديون على احتكاك مباشر مع مجريات الحياة اليومية، فكانوا رسلاً حقيقيين في عالمهم الريفي. أثارت مغامرتهم الروحية سحراً حقيقياً عند سكان الريف، الذين تسارعوا إلى أقدام الأعمدة متأثرين بهذا النمط من الحياة الذي يجمع بين القسوة والطرافة. بدوا كشهداء جدد، وقدموا لهم ألقوس التكريم والتعبد. ويبدو أن داعي التبشير والانفتاح هو الذي يفسر اختيار الرهبان العموديين لمواقع استراتيجية، فعلى سبيل المثال، كان عمود سمعان الكبير في جبل قلعة سمعان يطل على طريق تجاري حيوي يصل بين أفاميا وقورش، مما يضمن رؤيته من قبل المسافرين. ويسمى هذا الطريق بـ"طريق الرهبان العموديين"، حيث توجد مواقع أخرى مثل تل عاده وقورزاحل (التي عاش فيها راهبان عموديان في فترتين مختلفتين) وقيمار وباقرحا ويحمول. كل هذه المواقع كانت على طرق تجارية رئيسية أو ثانوية، مما يضمن للراهب العمودي رؤية الناس له ولممارساته التقشفية، فيجذبهم إلى الدين.
يبقى في الفصل جزء وصفي عن شكل العمود نفسه. في العصر الكلاسيكي الإغريقي-الروماني، لم تكن الأعمدة نادرة، فقد كانت موجودة في القصور والمعابد والأنصاب التذكارية. ومع تحول المسيحية إلى دين الدولة، دمرت المعابد الوثنية أو تحولت إلى كنائس. فقبل صعود سمعان ببضع سنوات، حوَّل ناسك آخر هو القديس مارون معبداً وثنياً كان "مسكناً للأبالسة" إلى كنيسة. ويشير المؤلف إلى أن الإمبراطور تيودوسيوس، الذي منع الوثنية، اعتُبر مؤمناً غيوراً استأصل العبادة الوثنية.
ملاحظة نقدية: يمكن مناقشة تفسير المؤلف لاختفاء زيت الزيتون من التجارة في القرن السابع بسبب المعارك البحرية فقط، فقد تكون هناك أسباب اقتصادية أو سياسية أخرى لم يذكرها. كما أن وصف روح السوريين بالميل الفطري للتجارة والخيال الجامح قد يُنظر إليه باعتباره تعميماً ثقافياً لا يستند إلى أدلة قاطعة.
1.الفصل الأول : تكريم العموديين خلال حياتهم223–230▼ ملخص
هذا الفصل يتناول بالتحليل أوجه التكريم التي حظي بها الرهبان العموديون في سورية خلال حياتهم، ويقدم الإجابة على سؤال محوري: كيف تحول هؤلاء النساك، من خلال حياتهم القاسية على أعمدة، إلى موضوعات للتبجيل والقداسة في نظر المجتمع المسيحي في ذلك الزمان. يبدأ الفصل بمشهد تأسيسي مع القديس سمعان الكبير، حيث يوضح أنه كان ناسكاً ذا شعبية كبيرة حتى قبل أن يعتلي العمود، وأن قراره بالارتقاء إليه كان مدفوعاً بكثرة الزوار الذين كانوا يتزاحمون لمس معطفه الجلدي طلباً للبركة. هذا النوع الجديد من الإماتة، بحسب المؤلفين، زاد من إعجاب الشعب به وحول عموده إلى مركز جذب عالمي تلتقي عنده جميع أنواع الأمراض والحاجات الإنسانية، على الرغم من العداء الذي أبداه قسم من الإكليروس المحافظين في البداية.
يتوسع الفصل في وصف الظاهرة، مستشهداً بمجموعات البدو من البادية السورية الذين كانوا يأتون بالألوف إلى أسفل العمود، لينظروا بإعجاب إلى "صفي الله" ويحلوا نزاعاتهم حول المراعي، معتبرين العمودي بمثابة "المصباح الذي يضيء على منارة". وتبين أن شهرة عجائب سمعان وصلت إلى ملك الفرس، حيث رغبت زوجته في الحصول على الزيت المبارك، كما كان الأتقياء في البلدان البعيدة يطلبون هذا الزيت مقابل دفع النقود. ويؤكد النص أن هذه الشعائر التي بدأت مع سمعان الكبير اتسعت لتشمل مئات النساك الذين قلدوه، لأن الدعوة العمودية اعتبرت علامة قداسة، وأن الأدلة الأثرية في سورية تظهر دلائل الإجلال الشعبي والتكريم الذي كان يقدم لهؤلاء النساك خلال حياتهم، حيث مارسوا تأثيراً كبيراً ليس فقط في الشؤون العامة والمراسلات مع الأساقفة والأباطرة، بل في ألف قضية من قضايا الحياة العامة، مثل رفع تواقيعهم في اجتماعات باتبو التي شجبت مذهب التثليث الإلهي.
يغوص الفصل في صورة العمودي كما تشكلت في المخيال الشعبي، موضحاً كيف أن نمط حياته المتعارض مع الطبيعة البشرية جعله يبدو كمخلوق فائق التكوين، أو ملاك في جسد ميت، مقتبساً قول إيفاغر في سمعان الكبير الذي وصفه بأنه "عاش مثل ملاك في جسم ميت". ويرى المؤلفون أن العمودي يمثل خلاصة المفاهيم المختلفة للحياة الرهبانية: فهو مستقر على عموده، وحبيس بسبب عزلة سنواته الطويلة، وهو في الوقت نفسه بعيد عن الناس ووسطهم، مما جعله موضوعاً لتكريم فيه الكثير من الإفراط والتعصب. وبشكل خاص، تم اعتبار العمودي شهيداً، ليس فقط بسبب الإماتات الرهيبة التي يقوم بها والتي جعلت ثيودوسيوس الثاني يطلب من سمعان الصلاة لأجله، بل لأن معلم سمعان الصغير قال له عندما رأى إماتاته: "لم يبق لك إلا أن تأخذ سيفاً وتقتل نفسك". هذا التكريم الخاص جعل سمعان الكبير أول ناسك يصبح موضوعاً لتقديس يشبه تقديس الشهداء، بما في ذلك تقديس الذخائر وحمل البركات والدهن بالزيت المبارك والحج إلى قبره.
يتناول الفصل موضوع العجائب التي قام بها العموديون، معتبراً أنها سبب رئيسي في جذب الجموع نحو الأعمدة. يورد الفصل أمثلة من كتاب سير العموديين، ففي أسفل عمود القديس دانيال شفيت ابنة الإمبراطور وأنقذ شخص من المس بالشياطين، ونالت الإمبراطورة نعمة الأمومة. وبلغت قدرة دانيال العجائبية درجة أن شخصاً اسمه هيباسيوس كان يشفي في بيته كل مريض يلمس كتابات وزيتاً مباركاً حصل عليها من العمودي. ويذكر الفصل أن حكايات الشفاءات على يد القديس سمعان الصغير تكاد تلامس الأسطورة، حيث ازدادت جموع المرضى والممسوسين حتى اضطر إلى إعطاء تلاميذه قضباناً مباركة ليصنعوا بها الشفاءات، ويصف حالة كاهن جورجي ذاع صيته بسبب قداسته بواسطة ذخر يحتوي على شعرات من القديس. ويخلص الفصل إلى أن الشعب المسيحي كان يؤدي شعائر التكريم للعموديين وهم على قيد الحياة مباشرة، وفي منازلهم، من خلال الأيقونات والشموع، مقتدياً بعامل من أنطاكية شفي بشفاعة سمعان الصغير فرسم على باب بيته أيقونة للقديس وزينها بالشمعدانات والثريات.
2.القسم الثاني: الرهبان العموديون حول قلعة سمعان139–211▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على دراسة الرهبان العموديين الذين عاشوا حول قلعة سمعان في سوريا خلال الفترة البيزنطية، وذلك من خلال تتبع آثارهم وأسمائهم الواردة في الوثائق التاريخية والبقايا الأثرية. يقدم المؤلف إجابات عن هوية هؤلاء الرهبان، وأماكن تواجدهم، وأدوارهم في الحياة الكنسية والرهبانية، خاصةً في سياق الصراع المونوفيزي الذي هزّ الكنيسة في القرنين السادس والسابع الميلاديين.
يسير الفصل عبر دراسة سبع حالات لرهبان عموديين، مستخدماً مخطوطات قديمة (كمخطوط المتحف البريطاني الذي نشره ف. رايت عام 1871م) وزيارات ميدانية أثرية (كزيارات الأب ماتيرن عام 1968م) والأعمال الأثرية اللاحقة (مثل دراسات تشالينكو وبوتلر). كل حالة تبدأ بتحديد الموقع الجغرافي، ثم الكشف عن اسم الراهب وأي معلومات متاحة عن حياته، وأخيراً وصف المعالم الأثرية الباقية مثل الأعمدة، القبور، الكنائس، والأسوار.
الحالة الأولى هي لـمار يونان من قرية كفر دريان. المصدر الوحيد عنه هو توقيعه كأرشمندريت "قائم على عموده" في أعمال مجمع باتبو المنعقد في 17 أيار 517م، والذي ضم 54 أرشمندريتاً. يوضح الفصل أن هذا المجمع كان محاولة من رهبان المنطقة لتوحيد صفوف المونوفيزيين وتأكيد ولائهم للبطريرك بولس في وجه انشقاق "أصحاب مذهب التثليث الإلهي". يصف الفصل بدقة الآثار المادية في كفر دريان: أجزاء عمود يبلغ ارتفاعه التقريبي 9.70م، وقبر محفور في الصخر، وكنيسة صغيرة (تعتبر أصغر دير معروف في سورية). يُظهر التحليل المعماري (مثل النوافذ الثلاث التي ترمز للثالوث) ارتباط بناء الدير بفترة الصراع العقائدي.
الحالة الثانية هي لـبولس من يحـمول (حاميلا)، والذي عُرف من توقيعه في مجمع باتبو الثاني بتاريخ 3 كانون الثاني 558م. يروي الفصل كيف قادت الإشارات الميدانية (اسم بئر "جب أبي العمود") إلى اكتشاف موقع محتمل لديره ومزرعته. يُظهر هذا المثال كيف يمكن للتقاليد الشفهية والمسميات المحلية أن تحفظ ذكرى الرهبان حتى بعد اندثار كل أثر معماري واضح.
الحالة الثالثة هي لـأوسطاطيوس من تقاد. يصف الفصل اكتشاف "سياج (مندرا)" في أرض تُدعى "الصومعة" (أرض العمود) شرق القرية، وهو حاجز مربع كان يحمي العمودي من الحشود. وجود حصى فسيفساء ملونة يدل على استمرار تبجيل المكان بعد وفاته. يُبرز الفصل أهمية موقع تقاد على طريق القوافل القديم بين أنطاكية وبيريه (حلب)، مما جعل العمودي في موقع مثالي للوعظ والتأثير في المسافرين. يقرّ المؤلف بوجود الكثير من التفاصيل التي ستبقى في عالم الاحتمالات بسبب نقص الأدلة.
الحالة الرابعة لـسمعان من إرحاب. اعتمد الكشف على رواية شفهية من زعيم القرية عن وجود عمود قديم جنوب غربي الدير. أثبتت الزيارات الميدانية وجود قاعدة عمود وقطعتين منه، مما يسمح بافتراض أن العمودي كان يعيش على ارتفاع 5 أمتار. يصف الفصل دير إرحاب بشكل شبه كامل، بما في ذلك الكنيسة ونافذة صدرها التي تشبه نافذة في برج حيدر، ومذخر لحفظ الزيت المقدس.
الحالة الخامسة هي لـأبراهام من تيليدا (تلعاده). يقدم الفصل لمحة عن أهمية تيليدا كـ"مهد الرهبنة السورية"، حيث بدأ سمعان العمودي "الكبير" حياته النسكية. يصف الاكتشاف الأثري للعمود الذي يحمل الكلمة اليونانية "PROSFORA" (بمعنى هبة أو تقدمة)، مما يؤكد قدسيته. يُبرز الجدل العلمي حول هوية العمود، إذ يشير إليه أحد الباحثين (تشالينكو) كعمود جنائزي، لكن المؤلف يرجح كونه عمود أبراهام الذي رُقي لاحقاً إلى كرسي الرها الأسقفي.
الحالة السادسة لـيوحنا من أتارب، وهو راهب مثقف مارس نشاطاً أدبياً ولاهوتياً مكثفاً من على عموده. يُظهر الفصل مراسلاته مع يعقوب الرهاوي، والتي تتناول قضايا كتابية وعقائدية، مما يدل على كون العمودي عالماً ومدافعاً عن الإيمان. يعتمد الاكتشاف مرة أخرى على اسم بئر ("جب العمود")، ويصف مصير العمود الذي كُسر واستُخدم كرمل للبناء، تاركاً فقط الأساس والحفرة التي كانت تغذي القاعدة. يُلقي الفصل الضوء على تاريخ أتارب المضطرب في العصر الصليبي كسبب لاندثار آثاره.
الحالة السابعة تتعلق بـالبطريركين يوحنا الرابع ويوحنا السادس من قورزاحل. هذه حالة فريدة حيث ترقى راهبان عموديان من هذا الدير إلى كرسي بطريركية أنطاكية المونوفيزية في القرن العاشر الميلادي. يوثّق الفصل اكتشاف قاعدة عمود ضخمة وسياج (مندرا) قرب طريق رومانية قديمة، مما يرجح وجود دير مهم فيها. يُظهر هذا المثال أقصى درجات التكريم الذي يمكن أن يصل إليه العمودي، حيث يصبح قائداً للكنيسة بأكملها.
أخيراً، يختتم الفصل باكتشاف عمودي مجهول في تل نيشين (تيلانيسوس). يقر المؤلف بأن هذا الاكتشاف يضيف اسماً جديداً إلى لائحة غير مكتملة من العموديين، مستشهداً بمصادر تاريخية (مثل ميخائيل السوري وإيفاغر) تؤكد انتشار الظاهرة ووجود أسماء غير معروفة لنا. يطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان هذا العمودي المجهول أحد ضحايا حملة البطريرك بولس الخلقيدوني ضد العموديين المونوفيزيين في النصف الأول من القرن السادس.
في النهاية، يوضح الفصل أن المعرفة بهؤلاء الرهبان محدودة وغالباً ما تعتمد على توقيعاتهم في مجامع كنسية أو على شذرات أثرية وتقاليد شفهية. يظل جزء كبير من حياتهم وتفاصيلها الشخصية مجهولاً، مما يجعل دراستهم تتطلب جهداً استقصائياً دقيقاً يجمع بين النصوص التاريخية والاكتشافات الميدانية، مع الاعتراف بحدود ما يمكن معرفته بيقين.
2.الفصل الثاني : وصف العمود47–58▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على الجانب المادي والملموس من ظاهرة الرهبنة العمودية في سورية، وذلك من خلال وصف تفصيلي لـ “العمود” نفسه بوصفه العنصر الأساسي في حياة هؤلاء النساك. الموضوع المحوري هو تقديم وصف تقريبي للعمود الذي كان يستخدمه الراهب العمودي، وذلك بالاستناد إلى مصادر متفرقة مثل سير القديسين، وبقايا الأعمدة الأثرية، وفن الأيقونات. يهدف المؤلف إلى ملء فراغ كبير في المراجع، والتي يصفها بأنها “فقيرة ولا تخلو من ثغرات”، وذلك من خلال تجميع أجزاء الصورة المبعثرة لتكوين فهم مادي لكيفية عيش هؤلاء النساك.
يسير الفصل بطريقة منهجية، حيث يبدأ بتقسيم العمود إلى ثلاثة أجزاء رئيسية: القاعدة، والجذع، والسطح (أو التاج). يخصص لكل جزء فقرة مطولة يستعرض فيها الأدلة المادية المستقاة من المواقع الأثرية والنصوص التاريخية. بالنسبة للقاعدة، يقدم الفصل أمثلة متنوعة من مواقع مختلفة مثل كفر دريان، وإرحاب، وقورزاحل، وأتارب، وتل نيشين، وقيمار، موضحاً تفاوت أشكالها وأحجامها. فبعض القواعد كانت منحوتة في الصخر مباشرةً كقاعدة القديس سمعان الكبير، وأخرى كانت قطعاً حجرية ضخمة ذات حواف لتثبيت العمود. كما يصف “المندرا”، وهي ساحة أو سياج حجري حول العمود كان يهدف إلى عزل الراهب عن المبالغة في تكريم المؤمنين، ويقدم أمثلة على بقايا هذه المندرات في مواقع مثل تقاد وتل عدا.
في جزئه المخصص للجذع، يناقش الفصل كيفية تثبيته بالقاعدة غالباً بواسطة قضيب حديدي لضمان الثبات ضد الأعاصير والزلازل، مستشهداً بحادثة هزت عمود القديس دانيال العمودي بفعل الرياح، مما أثار غضب الإمبراطور ليون على المهندس. كما يشير إلى أن الجذع كان يتألف من قطعة أو عدة قطع أسطوانية مرتبطة بحلقات حديدية. ويستعرض الفصل أبعاداً مختلفة للأعمدة لتوضيح تنوعها، فعمود القديس سمعان الكبير بلغ ارتفاعه بين 15 و18 متراً (ما يعادل 36 ذراعاً)، بينما يبلغ ارتفاع بقايا عمود كفر دريان حوالي 1.78 متراً. ولم تقتصر الأعمدة على كونها هياكل حجرية فحسب، بل كانت تُزين أحياناً برسوم مسيحية كالصلبان، أو بنقوش تذكارية مثل العبارة التي خلّدت اسم القديس دانيال على عموده.
أما الجزء الأهم والأكثر تحدياً في الوصف فهو سطح العمود أو “تاجه”، حيث كان الراهب يمضي حياته. يعترف المؤلف بصعوبة العثور على بقايا مادية لهذه التيجان، مما دفع بعض الباحثين مثل لاسوس إلى إنكار وجودها أصلاً. لكن الفصل يقدم أدلة غير مباشرة على وجودها من خلال السير الذاتية والاكتشافات الأثرية. يصف الفصل نموذجاً فريداً تم اكتشافه مؤخراً وهو سطح عمود العمودي المجهول الاسم في تل نيشين، وهو قطعة حجرية بها حزوز وثقوب صغيرة يُعتقد أنها كانت تستقبل ركائز خشبية أو حديدية لتدعيم سطح ناتئ يتسع للراهب. ويطرح المؤلف فرضية أن المهندسين كانوا يخفون هذه الدعامات بألواح خشبية مائلة لإيهام الناظر من الأسفل بوجود تاج جميل للعمود. ويختتم الفصل بالحديث عن مساحة السطح، مستعرضاً جدلاً بين باحثين مثل فوغيه الذي قدر مساحة تاج عمود سمعان الكبير بأربعة أمتار مربعة، وإفاغر الذي ذكر أنها لم تكن تتجاوز الذراعين، مؤكداً على غياب نموذج موحد.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن الحياة على العمود، معترفاً بعدم وجود نمط حياة موحد ومؤكداً على الطابع الفردي لهذه الممارسة النسكية. كانت قسوة الطقس العامل الأبرز في تشكيل هذه الحياة، من شتاء قارس إلى صيف حارق، وقد كان القديس سمعان الكبير مثلاً يعيش مكشوفاً للسماء دون غطاء إلا قلنسوة. ويقارن الفصل بين هؤلاء وبين “الطوريين” الذين كانوا يعيشون في الهواء الطلق كنساك، مثل القديس مارون. ومع انتشار الحركة، أدخل العموديون تعديلات على مساكنهم. فبعضهم أقام خياماً جلدية أو أكواخاً خشبية على سطح العمود (مثل القديس سمعان الصغير)، بينما اضطر آخرون مثل القديس دانيال إلى قبول مأوى حديدي على شكل قبة بعد أن كاد أن يتجمد بسبب عاصفة ثلجية، وذلك بناءً على إلحاح الإمبراطور ليون الأول الذي كان من مريديه.
يحمل الفصل في طياته بعض الحجج القابلة للنقاش، في المقام الأول حول عدم وجود نموذج موحد للأعمدة. فالتفاوت الكبير في الأبعاد والأشكال بين المواقع المختلفة (من عمود القديس سمعان الكبير الشاهق إلى عمود كفر دريان القصير) يدعم هذه الفرضية بقوة، ويجعل أي محاولة للتعميم في وصف العمود العمودي مهمة شاقة. كما أن الجدل حول وجود التيجان وأشكالها، وغياب الأدلة المادية القاطعة، يترك باب الاجتهاد مفتوحاً، مما يؤكد أن فهم هذه الظاهرة لا يزال يعتمد على التفسير والتجميع من مصادر متفرقة. الفصل لا يقدم إجابات قاطعة بقدر ما يبني صورة مركبة من شظايا الأدلة متسقاً مع منهج بحثي دقيق، معترفاً صراحة بحدود المعلومات المتاحة.
3.دور الرهبان العموديين105–138▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تقديم قائمة شاملة بأسماء الرهبان العموديين عبر التاريخ المسيحي الشرقي، مع توثيق أماكن وجودهم وأدوارهم المختلفة، بهدف إثبات أن هذه الظاهرة الروحية لم تكن مجرد استعراض أو هامش في حياة الكنيسة، بل كانت أداة فعالة في التبشير المسيحي وشهادة حية للإيمان في مجتمعاتها. يقدم الفصل إجابة واضحة مفادها أن الرهبان العموديين كانوا "رسل الجماعات الريفية" التي اعتنقت المسيحية حديثاً في الشرق، وأن مساهمتهم، مثلما فعل القديس سمعان الكبير في تبشير القبائل العربية في البادية السورية، تبرر وجود هذه الحركة الروحية برمتها.
يسير الفصل خطوة بخطوة على شكل سجل تاريخي زمني، يبدأ من القرن الخامس الميلادي ويمتد حتى القرن التاسع عشر، مع ذكر أسماء الرهبان وأحياناً تفاصيل عن حياتهم وأعمالهم. يفتتح الفصل بمقدمة نظرية تؤكد أن فوائد هذه الحركة لا تقاس بمقاييس الإنتاج المعاصرة، بل هي ثمار روحية غير مرئية للغرباء، مستشهداً بآية من إنجيل متى ( ٥: ١٤-١٦ ) عن كون المؤمنين نور العالم. ثم ينتقل مباشرة إلى القائمة الطويلة، مصنفة حسب القرون.
يستخدم المؤلف الأدلة التاريخية والأثرية لدعم حجته. فالأدلة تشمل أسماء شخصيات معروفة من كتابات معاصرة، مثل تيودوريطس القورشي الذي كتب سيرة القديس سمعان الكبير، ويوحنا موسخس في كتابه "المرج الروحي". كما يعتمد على الاكتشافات الأثرية لبقايا الأعمدة التي عثر عليها في مواقع مثل صافيتا وتل نيشين وقيمار ورضوة وغيرها، والتي تثبت وجود عموديين مجهولي الاسم عاشوا حوالي القرن السادس الميلادي. يدمج الفصل أيضاً شهادات من الحجاج مثل الحاج فيليبالدوس في القرن الثامن والحاج الروسي دانيال في القرن الثاني عشر.
من بين الأمثلة المهمة التي يطورها الفصل، ذكر القديس دانيال تلميذ سمعان الكبير على الضفة الأوروبية للبوسفور، وتيودولس حاكم القسطنطينية الذي تخلى عن منصبه وأمضى ٣٥ سنة على عمود في نواحي الرها. كما يسلط الضوء على شخصيات ذات تأثير ثقافي أو اجتماعي، مثل زعورا الصغير من منطقة آمد الذي اشتهر بشفائه للأمراض، واضطر المطران الخلقيدوني لإرغامه على النزول من عموده بسبب شعبيته، ثم نجح في تأسيس جماعة مونوفيزية في القسطنطينية بفضل حماية الإمبراطورة تيودوره. أما أنطوان السوري فأدخل الحركة العمودية إلى بلاد جورجيا حيث بنى عموداً طوله ١٢ متراً. ويذكر الفصل أيضاً حالات نادرة مثل راهبة عمودية اسمها مايا من القرن الحادي عشر، عثر على شاهد قبرها في أمازيا الجسر.
يعترف الفصل ببعض الحدود والتحفظات. فهو يقر بوجود عموديين مجهولي الاسم لا نعرف عنهم سوى بقايا أعمدة عثروا عليها في الحفريات الأثرية في شمال شرق صافيتا وكفر مارس وحاط وغيرها. كما يذكر حالات مثيرة للجدل مثل القديس نيكيتاس الباريسلافي في روسيا الذي اغتاله لصوص في عام ١١٨٧م ظناً منهم أن مسلحة المصنوع من حديد هو من الذهب، مما يظهر الجانب الخطير في هذه الحياة. ويروي قصة عمودي هرطوقي مونوفيزي في بيت كارداغ مات قتيل البَرَد، دون أن يقدم تفصيلاً عن هرطقته.
الحجة الأكثر قابلية للنقاش بناءً على النص نفسه تكمن في تنوع الأدوار التي قام بها العموديون. فبينما كان بعضهم مثل القديس سمعان الكبير مبشراً فعالاً بين القبائل العربية، نجد آخرين مثل توما الداري ورفيقه سمعان الذين استشهدا في عهد يوستين (٥١٤-٥٢٧م) خلال الردة الخلقيدونية ضد المونوفيزيين، مما يجعلهم شخصيات متورطة في صراعات لاهوتية وسياسية عميقة. وفي الطرف المقابل، نجد عمودياً مجهول الاسم في القرن السابع الميلادي كان لسان حال مسيحيي دمشق في نقاش لاهوتي مع اليهود. هذا التنوع يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت العمودية تعبيراً روحياً موحداً أم أنها استُخدمت كمنصة لخدمات متنوعة جداً، بعضها روحاني وبعضها طائفي أو حتى اجتماعي، مما يجعل تقييمها كظاهرة واحدة أمراً صعباً.
3.الفصل الثالث : الحياة على العمود59–80▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول الحياة اليومية للرهبان العموديين في سورية، مُفصّلاً جوانبها المختلفة من العبادة والتبشير إلى التقشف والمرض، ومُحاولاً تقديم إجابة عن كيفية تمكن هؤلاء الناسك من تحمل تلك الحياة القاسية. يُظهر المؤلف أن حياة العمودي لم تكن مجرد عزلة تامة، بل كانت مزيجاً من الصلاة المستمرة، والوعظ، وخدمة الزوار، بالإضافة إلى ممارسة أنواع قاسية من التقشف الجسدي.
يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بطرح فكرة تأثر المئذنة الإسلامية بعمود الرهبان، مستشهداً بتشابه معماري في قرية أتارب حيث توجد مئذنة مستديرة تشبه العمود. ويذكر أن صورة المؤذن وهو يدعو للصلاة لا تختلف عن صورة العمودي يوحنان وهو يدعو الناس للتوبة، مما يوحي بأن المئذنة قد تكون مستوحاة من الحركة العمودية. يستند المؤلف في هذه الفرضية إلى سيرة القديس سمعان الكبير التي تتحدث عن توافد العرب والإسماعيليين بأعداد كبيرة (مئتين أو ثلاثمائة، وأحياناً بالآلاف) إلى عموده، حيث كانوا يحطمون الأوثان. ويقر المؤلف بأن التأثير الدقيق للرهبنة على الإسلام الأولي يحتاج إلى أبحاث معمقة تتجاوز إطار دراسته، لكنه يرى أن هناك أمراً أكيداً وهو الود الذي يكنه النبي محمد للمسيحية بسبب الحياة القاسية للرهبان، مستشهداً بقصة الراهب بحيرا والعديد من الإشارات القرآنية للحياة الرهبانية. كما يروي قصة الأمير العربي نعمان (المنذر بن النعمان على الأرجح) الذي منع رجاله من زيارة سمعان خوفاً من تحولهم للمسيحية، لكنه تراجع بعد رؤيا مخيفة رأى فيها نفسه يُجلد ويُهدد بالسيف. ويختتم هذا القسم بالإشارة إلى تجربة الإمام الغزالي الذي اعتكف في منارة مسجد دمشق، واصفاً إياه بأنه "عمودي مسلم لا ينقصه إلا العمود"، ثم يذكر حادثة راهب كان يعيش في مئذنة الجامع الأموي وأمر الخليفة الوليد بن عبد الملك بإخراجه، مع أن المؤلف يشكك في صحة هذه الرواية لأنها وردت في مصدر متأخر وتحتوي على اضطرابات في الأسماء.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف حياة الصلاة على العمود، موضحاً أنها كانت سلسلة من الأعمال المتشابهة. يقسم الرهبان نهارهم إلى أربعة أجزاء تنتهي بصلوات الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة والغروب، ويصلون أيضاً في منتصف الليل وقبل شروق الشمس. كانت تلاوة المزامير ممارسة ثابتة، حيث كان القديس سمعان الصغير يمضي الليالي يتلوها (أحياناً خمسين مزموراً وأحياناً كل الكتاب). ويصف الفصل برنامج القديس سمعان الصغير اليومي: صلاة طوال النهار حتى الساعة التاسعة، ثم صلاة فرض البخور، ثم صلاة ليلية حتى الفجر، يتبعها نوم قصير جداً. كما يذكر أن السجود والركوع كانا من أهم شروط الصلاة، ويضرب مثلاً براهب ترك أثراً عمقه أربع أصابع على لوح خشبي من كثرة سجوده، وبأن أحد مرافقي أسقف قورش عد للقديس سمعان الكبير ألفاً ومئتين وأربعاً وأربعين سجدة قبل أن يتعب من العد.
يتناول الفصل أيضاً حياة التبشير والرسالة، منبهاً إلى أن العمودي لم يكن منعزلاً تماماً. فالقديس سمعان الكبير كان يعظ مرتين في اليوم، ويقاوم هرطقة الوثنيين واليهود، وينصح الأساقفة. وكان عموده محاطاً بجموع من الأتقياء والمرضى والفضوليين تشبه "نهراً بشرياً". وفي بيروت، كان طلاب الحقوق يقومون برحلات إلى عمود راهب في القرن السادس الميلادي لنصحهم. كما يذكر الفصل أن العمودي كان يمارس أعمال الإحسان، مثل القديس أليبيوس الذي أعطى قميصه لفقير في الشتاء.
يخصص الفصل قسماً لأوقات الفراغ لدى الرهبان العموديين، موضحاً أن بعضهم انصرفوا إلى أنشطة فكرية. فالعَمودي يوحنان الأتاربي ألف كتاباً في حساب أعياد السنوات وتراسل مع شخصيات دينية. ويذكر أيضاً مراسلات أخرى، منها رسائل من يعقوب الرهاوي ومن جورج أسقف العرب (عام 714م) تجيب على أسئلة حول التاريخ وعلم الفلك. ويشير إلى وجود عموديين نساخ مثل صموئيل بن سرياكوس في القرن التالي، وعمودي رسام هو ثيودول السيونيطي الذي رسم صوراً لملائكة على الصلبان، واستنكر أسقف هذه الصور لخروجها عن التقاليد الكنسية. كما أن ثلاثة عموديين تُوفوا في القرنين التاسع والثالث عشر ألفوا صلوات استغفارية (حوسويو).
يُعرّج الفصل على شخصية مهملة وهي "حارس العمود"، وهو راهب مبتدئ يخدم الناسك بتوفير حاجياته وتهدئة الجماهير ومنعهم من أخذ قطع من العمود كذخائر. يصف الفصل كيف أن الحارس كان يبني له كوخاً في أسفل العمود، مثل حارس القديس دانيال الذي بنى كوخاً من الخيزران. ويحفظ التاريخ اسم حارس سمعان الكبير، أنطوان، الذي كتب سيرة معلمه. كانت وظيفة الحارس تشمل أيضاً العناية بالسلم الذي يُستخدم لصعود الزوار المهمين، مثل الإمبراطور ليون الأول الذي صعد به إلى القديس دانيال. كما كان الحبل والسلة وسيلة أخرى لرفع الحاجيات.
يتعمق الفصل في الحياة التقشفية القاسية، معترفاً بأنها تبدو استعراضية وأن الهدف كان زيادة المعاناة للوصول إلى ملكوت السماء. يجمع المؤلف أن كتاب سير القديسين ومنهم تيودوريطس (شاهد عيان) يتفقون على هذا التقشف الشديد. ويذكر أن القاعدة كانت تناول الطعام مرة واحدة يومياً بعد صلاة الغروب، وأن بعض النساك كانوا "عشابين" يقتاتون على الأعشاب. القديس سمعان الكبير كان يأكل مرة واحدة في الأسبوع، نهار الأحد. ويحاول المؤلف تقديم تفسير لهذا التقشف بالوسط الاجتماعي، إذ كان أغلب الرهبان من الريفيين والفقراء الذين اعتادوا العيش بأقل القليل، فلا حديث عن الفيتامينات، والحياة الساكنة على العمود كانت تقلل الحاجة للسعرات الحرارية.
ينتقل الفصل إلى موضوع المرض، معتبراً إياه "نعمة من الله". يشير إلى أن نمط الحياة هذا كان يسبب أمراضاً وموتاً مبكراً، فقدم القديس سمعان الصغير شلت وأصابته رائحة نتنة، بينما القديس سمعان الكبير أصيب بتقرحات في فخذه تتساقط منها الديدان. ورغم ذلك، عاش بعضهم طويلاً: سمعان الكبير عاش 54 سنة (قضى منها 37 على العمود)، دانيال عاش 84 سنة (قضى منها 33 على العمود)، أليبيوس عاش 144 سنة، لوقا عاش 100 سنة، والقديس ميخائيل قرب نينوى عاش 510 سنة.
أخيراً، يناقش الفصل قضايا مادية مثل "مصرف النفايات" الذي يمتد على طول العمود للتخلص من الفضلات، واصفاً قناة وفتحات عُثر عليها في بعض الأعمدة، ومذكّراً بسيرة القديس لعازر التي تتحدث عن نمل كان يصعد عبر هذا المصرف ليُلهي العمودي عن صلاته. ويختتم الفصل بالتأكيد على أن العمودية كانت نمط حياة ثابت، إذ لم يكن العمودي يغادر عموده إلا في حالات استثنائية كالنفع العام أو هجمات البرابرة، وكان الانتقال إلى عمود جديد يتم أحياناً بحفاوة كبيرة بحضور أساقفة وحشود، كما في حالة القديسين دانيال وسمعان الصغير، وأحياناً أخرى في سرية تامة كما فعل القديس لعازر.
من حيث الحجج القابلة للنقاش، يمكن الإشارة إلى قوة الفرضية التي يطرحها الفصل حول تأثير الحركة العمودية في نشأة المئذنة الإسلامية، والتي يعترف المؤلف نفسه أنها تحتاج إلى أبحاث معمقة. كما أن تفسير التقشف الشديد بالخلفية الاجتماعية للرهبان، رغم منطقيته، قد لا يفسر بشكل كامل حالات الإماتة المفرطة التي تتجاوز حدود المتطلبات الجسدية الأساسية. كذلك، فإن القصص الواردة مثل عمر الراهب ميخائيل (510 سنوات) هي قصص غير قابلة للتصديق علمياً، وتطرح تساؤلاً حول مدى دقة ومصداقية مصادر تلك السير الذاتية، وهو ما أشار إليه المؤلف نفسه بتساؤله حول إمكانية جرح شهادة تيودوريطس.
4.الفصل الرابع : انتشار حركة الرهبنة العمودية وأهميتها81–104▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على انتشار حركة الرهبنة العمودية وأهميتها في سورية، وذلك ضمن كتاب "الرهبان العموديون السوريون". يقدم الفصل إجابة شاملة عن ماهية هذه الحركة، مدى انتشارها، علاقتها بالكنيسة والمجتمع، وأسباب اضمحلالها في النهاية. يسير الفصل عبر عدة محاور رئيسية: أولاً، يوثق انتشار العموديين في سورية عبر الأدلة التاريخية والنصوص القديمة، ثم يتناول الانقسامات العقائدية التي أثرت فيهم، ويقدم قائمة بأسماء العموديين المعروفين ومواقعهم، ويختتم بتحليل العلاقة بين العمودية والرهبنة المنظمة، وينتهي بخاتمة تقيم دورهم.
يبدأ الفصل بتأكيد كثرة العموديين في سورية، مما جعلهم يشكلون طبقة مستقلة بذاتها. ويستشهد المؤلف بمصادر تاريخية متعددة لإثبات وجودهم وانتشارهم. فمن ذلك، رواية المؤرخ يوحنا الأسيوي (القرن السادس) عن اضطهاد أتباع الطبيعة الواحدة بين عامي ٥٥١-٦٠١ م، والتي يذكر فيها أن "العموديين أُنزلوا من على أعمدةهم". ويضيف بطريرك أنطاكية اليعقوبي ميخائيل السوري (١١٢٦-١١٩٩ م) رواية مشابهة عن اضطهاد بولس بطريرك أنطاكية الخلقيدوني لهم. كما يذكر الفصل حادثة طبيعية من تاريخ تيوفان (٧٦٠-٨١٧ م) عام ٥٧٩ م، حيث هبت عاصفة قوية "فأسقطت أعمدة الطوباويين". وفي القرن السابع الميلادي، يشير مار دنحا، متروبوليت تكريت، إلى وجود رهبان في بلاد ما بين النهرين "اختاروا المكوث على الأعمدة ولا يستريحون على الأرض".
يستمر الفصل في سرد الأدلة على انتشار العمودية من خلال القوانين والنصوص. ففي نهاية القرن السادس، نجد قانوناً في المتحف البريطاني ينظم علاقات الراهبات، ويمنع زيارة "الرهبان النساك والعموديين" إلا لراهبة طاعنة في السن. ويذكر تيوفان أنه في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور (٧٥٤-٧٧٥ م)، أُرغم الرهبان والعموديون على دفع الجزية. وفي منطقة القسطنطينية، نجد قوانين خاصة بالعموديين، منها قانون يمنع صعود النساء إلى العمود تحت طائلة عقوبة مدتها خمس سنوات، وقانون آخر يأمر العمودي بالنزول عند تعرض المنطقة لغزو الأعداء. كما يُشار إلى تظاهرة في القرن التاسع الميلادي في بيزنطة، شارك فيها العموديون إلى جانب رجال الدين، مطالبين بإعادة صور القديسين.
يتناول الفصل بعد ذلك فئة "العموديين الهراطقة"، أي أولئك الذين كانوا في نزاع مع العقيدة الرسمية. يروي جان موسكس قصة راهبين عموديين في كيليكيا في القرن السابع، أحدهما كاثوليكي والآخر هرطوقي، يتنافسان. ويصف الفصل حالة راهب عمودي مونوفيزي (يعتنق الطبيعة الواحدة للمسيح) قرب هيرابوليس (منبج) تم اهتداؤه على يد بطريرك خلقيدوني. ويذكر راهباً آخر هو مار زعورا، الذي اشتهر بأعاجيبه رغم كونه مونوفيزياً، مما دفع خصومه لإنزاله عن عموده بالقوة. ويوضح الفصل أن الانقسام بين المونوفيزية والخلقيدونية كان حاداً في سورية، حيث اتبعت الطبقات الهلينية العقيدة الخلقيدونية، بينما اتبع الشعب والرهبان الريفيون العقيدة المونوفيزية الوطنية. ويظهر هذا الانقسام جغرافياً: فسورية الأولى (عاصمتها أنطاكية) كانت في الأغلب مونوفيزية، بينما كانت سورية الثانية (عاصمتها أفاميا) خلقيدونية، مما أدى إلى وجود بطريركين في أنطاكية. ويخلص الفصل إلى أن هذا الانقسام العنيف أطفأ المحبة التي تقوم عليها الرهبنة.
يقدم الفصل لائحة بأسماء عدد من العموديين السوريين، معظمهم غير معروفين تفصيلاً. من بينهم: القديس سمعان الكبير (مؤسس الحركة في القرن الخامس)، القديس دانيال (القرن الخامس)، القديس سمعان الصغير (القرن السابع)، القديس أليبيوس (القرن السابع)، القديس لوقا (القرن العاشر)، والقديس لعازر الجاليسيوطي (القرن الحادي عشر). وإلى جانب هؤلاء، يذكر الفصل أسماء من لوائح أديرة مثل يونان، أوسطات، شمعون، وبولس. كما يذكر سرجيوس، عمودي في جوسية في القرن السادس، والذي تجادل مع يهودي حول النبوة. ويشير الفصل إلى وجود عموديين في مناطق الرقة ودمشق، ويحاول تحديد مواقعهم من خلال المخطوطات والزيارات الميدانية، مثل موقع في بيت تيمان حيث لا يزال عمود بارتفاع أربعة أمتار قائماً، وموقع في جاسم تم تدمير عموده قبل ثلاثين عاماً. ويذكر أيضاً يوحنا في أتارب (القرن الثامن)، وإسحق بن مارون قرب حران، وبطرس في هناك قرب معرة النعمان، وقوزما في سروج. ويصف الفصل أهمية "المواقعية" في تتبع آثار العموديين، حيث تحتفظ أسماء أماكن مثل "دير العمود" و"عامودي" بذكراهم.
يبحث الفصل في العلاقة الوثيقة بين العمودية والرهبنة المنظمة، ويصفها بأنها علاقة تكافلية. فسمعة العمودي كانت تجذب تلاميذ يشكلون نواة لدير يُبنى عند أسفل عموده. وفي المقابل، كانت الأديرة الكبيرة تفرز من بين رهبانها من لديه نزعة عمودية، فتقيم له عموداً قريباً وتؤمن له سبل العيش، مما يمنح الدير الشهرة والهيبة. ويؤكد الفصل أن هذه القاعدة كانت سائدة في معظم مواقع الأعمدة التي تمت دراستها، حيث وجدت بقايا أبنية ديرية أو كنائس بالقرب من الأعمدة. كما يذكر حالات لعموديين أداروا جماعات رهبانية، مثل راهب يدير مئة راهبة في فلسطين، والقديس أليبيوس الذي أدار راهبات من على عموده.
في الخاتمة، يجيب الفصل عن الأسئلة الأساسية: لماذا صعد الرهبان على الأعمدة وكيف عاشوا وكم كان عددهم. ويرى أن العمودية كانت تجسيداً متطرفاً للفلسفة المسيحية التي تدعو إلى إماتة الجسد لتحرير الروح، بهدف الوصول إلى اتحاد مع الله. ويحذر الفصل من الحكم على هذه الحركة بعقلية معاصرة، مشيراً إلى أن الإيمان العميق كان المحرك الأساسي لهم. ويعترف الفصل بوجود حالات فشل، مثل جبرائيل في القرن الثاني عشر، ويشوعا بن أشعيا السابريني في القرن الخامس عشر، الذين تركوا العمودية بسبب الهلوسة أو عدم القدرة على الاستمرار. ويختم الفصل بأن العمودية لم تكن مجرد هروب من العالم، بل كانت أداة لإعلان البشرى السارة، وأسلوب حياة "يغتصب" به المؤمنون ملكوت الله، كما قال أحد العموديين.
5.الفصل الخامس : الرسوم الممثلة للعموديين241–272▼ ملخص
يُعالج هذا الفصل دراسةً تفصيليةً لمختلف أنواع الرسوم والنقوش التي صوّرت الرهبان العموديين في سورية، جامعاً بين الوصف المادي لهذه الأعمال الفنية وقراءة الرموز التي تحملها. يهدف المؤلف إلى تصنيف هذه الرسوم وفقاً لمستوى تجريدها وطريقة تمثيلها، مبيّناً كيف تطورت من تصوير شبه واقعي للعمودي إلى رموز تجريدية تدمج شخصيته بخصائص المسيح وصليبه.
يبدأ الفصل بوصف الميدالية الزجاجية المحفوظة في متحف الفرنسيسكان بحلب (الرسم 8-30)، معتبراً إياها أغنى مصدر يقدم عناصر ملموسة عن حياة العمودي، حيث يظهر الناسك ملتحياً مرتدياً قلنسوة في وضعية تأمل وسط بركة، مع عناصر تمجيد كالملائكة التي تحمل أو تضع إكليلاً على رأسه. ويشير إلى أن هذه الميداليات كانت تُباع كتذكارات للحجاج في معبد القديس. ينتقل بعدها إلى أربع لوحات من النقوش البارزة آتية من وسط سورية، ويمثل كل منها القديس سمعان الكبير. يصف النقش الأول في قصر أبي سمرة (الرسم/31) الذي نشره لاسوس لأول مرة، ويظهر تمثالاً نصفياً للعمودي وحمامة تحمل إكليلاً ولسان نار وسلماً كبيراً وراهباً ينزل وفي يده وعاء، مع ثلاثة صلبان. أما النقش الثاني في متحف حماه (الرسم/32) فهو بلاطة بازلتية برأس عمودي مكشوف حمامة ولسان نار وسلم عريض، وعلى العمود ثلاث نوافذ ونافذة أكبر كباب على قاعدته. النقش الثالث في متحف اللوفر (الرسم/33) وهو رسم مبسط بتمثال نصفي مغطى بقلنسوة ككوخ مثلث، مع حمامة تحمل إكليلاً وسلماً وحية وشخصين غامضين. الرابع في المتحف الوطني بدمشق (الرسم/34) وهو رسم رديء ومخرب يظهر تلميذ العمودي على السلم ورسم غامض قد يكون ملاكاً أو كرمة أو حية.
ينتقل الفصل إلى الرسوم المنمنمة ذات الطابع الرمزي والمثالي. يصف مسلة من منطقة حلب (اللوحة/17) قياسها 1.12 × 0.48 متراً من البازلت، تظهر العمود وقديساً واقفاً بشكل بيضوي مع هالة. ومسلة من قلب لوزة قياسها 0.77 × 1.01 متراً، كانت جزءاً من حاجز الكنيسة، وتظهر عموداً بنافذة وجسماً مستطيلاً مزيناً بصليب ورأس العمودي مطروقاً. ثم رسماً من قنبس (الرسم/35) يظهر جسم العمودي كجزء من الصليب. ومسلة جبرين (الرسم/36) تمثل العمودي على شكل صليب مع نصف دائرة لإكليل وعمود وسلم. ومسلة الكنيسة الشرقية في بافتين (الرسم/37) قياسها 1.77 × 1.4 متراً، وتظهر العمودي متحداً مع الصليب ووردة دائرية والمربع الكوني. ونقشاً بارزاً في كنيسة داحس الشرقية (الرسم/38) بقياس 85 سم، يظهر العمودي وصليباً يكلل قلنسوته، ويشير إلى وجود نقش بارز آخر للحبيس. ومسلة رسم النفل (الرسم/39 و40) وهي الأكثر تبسيطاً، تظهر العمودي بشكل مثلث مع إهداء للقديس سمعان، وقياسها 1.56 × 1.85 متراً وعمودها الصغير بارتفاع 15 سم.
ثم يتناول الرسوم الرمزية التي تحتاج إلى تفسير، ويقدم أربعة نماذج. النقش الأثري في دير سمعان (الرسم/44) يظهر صليباً يمثل جذع العمود ومثلثاً يرمز للعمودي داخل مثلث أكبر يرمز للحجيرة. التعويذة الزجاجية في دير سمعان (الرسم/45) تحتوي دائرتين ومثلثاً وجذع عمود. النقش الأثري في رفادة يزين ركيزة باب، ويظهر صليباً ذا قرنين بارتفاع 80 سم على قاعدة مستديرة، مع نقش سرياني نصه "القديس الشهيد" (صليب ذو قرنين هو صليب سرياني ينتهي كل طرف من أطرافه بتفرع ثنائي يرمز إلى النور والظلام أو الخير والشر). والنقش في الكنيسة الشرقية في بافتين (الرسم/46) يظهر صليباً على قاعدة مربعة، ويعتقد أن تجويفاً فوقه كان يحتوي ذخيرة أو أيقونة عمودي.
يكرس الفصل قسماً لـرسوم العموديين على المذاخر (مدافن صغيرة للشهداء يصب فيها الزيت ليتبارك). يذكر مذخر الكنيسة الشرقية في بحيو (الرسم/47) الذي يظهر العمودي بشكل مثلث بيضوي وشجرتين. مذخر الكنيسة الشمالية في باشمشلي (الرسم/48) قياسه 45 × 45 سم، وفيه عمود بارز صغير بين زهرة كصليب مالطة ومربع معروف بـخاتم سليمان مع إشارات ألفية. ومذخر الكنيسة الشرقية في بافتين (الرسم/49) مزين بعمود صغير ينتهي بكأس، وإلى جانبيه صليب ذو قرنين مميز للمنطقة. يذكر أيضاً مذخرين مماثلين في الكنيسة الغربية في باقرحا (الرسم/50 و51).
يتناول القسم الأخير من الفصل الأعمدة التعبدية الصغيرة ذات الطابع النذري التي تزين الأبواب والنوافذ والإسطبلات في شمال سورية. يسرد مواقع عديدة لهذه الأعمدة: ستة أعمدة في دير سمعان، وعمود في زرزيتا، أربع ركائز مزينة في قيمار (إحداها بشجرة يتوجها صليب وأخرى بعمودين توأمين)، أعمدة في كفر نبو، برج حيدر (مع صليب ذو قرنين تحت القاعدة)، ستة إسطبلات في خراب شمس، عمودان في داحس، عمودان بنجيمات في كوكنايا، باب في بحيو، عمود في باريشا الشمالية، ساكف باب في دير سيتال بعمودين، عمودان في كفر عروق (الرسم/52)، عمود صغير بحجيرة في كفر دريان (الرسم/53) إلى جانب خاتم سليمان، وعمود محفور على عمود رواق في جرادة يحمل كتابة يونانية "إله واحد والمسيح". يخلص المؤلف إلى أن هذه الأعمدة الصغيرة هي رمز مسيحي للحماية، وأن غرض نحتها طلب حفظ البشر والدواب من الأذى، مشيراً إلى جدل بين الباحثين حول تفسيرها، حيث يميل الأب ماتيرن وج. لاسوس وسيريغ إلى ربطها بالعموديين. أخيراً، يتناول الفصل رمزية الرسوم، مفسراً تبسيطها كتجاوب مع "لاهوت الصورة" والتقاليد المسيحية الأولى المتأثرة باليهودية في شمال سورية، والتي حرمت تصوير الوجه البشري، واستخدمت رموزاً كالصليب ذي القرنين ونجمة داود للتعبير عن المعتقدات.
يقرّ المؤلف ضمنياً بأن تصنيف هذه الرسوم يعتمد على تفسير الباحث، خاصة في الحالات الرمزية والمنمنمة التي قد تكون غامضة، معترفاً بوجود خلاف حول تفسير الأعمدة الصغيرة، مقدماً آراء باحثين آخرين دون الجزم برأي واحد. ويثير النص أسئلة مفتوحة حول طبيعة الرسوم المبهمة (كأملاك أم كرمة في الرسم/34) ودور الشخصيات غير الطبيعية في النقش البارز في اللوفر (رسم/33). يُظهر الفصل أن حجته الأساسية - وهي أن رسوم العموديين تطورت نحو التجريد لتعبر عن معانٍ لاهوتية - يمكن مناقشتها، خاصة تفسير التبسيط كخيار فني واعٍ وليس كعجز، وهو ما يناقشه المؤلف بصراحة معتمداً على رأي ج. لاسوس ليعارضه.
6.الفصل السادس : رمزية الرسوم الممثلة العموديين273–286▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل الرمزية المسيحية الكامنة وراء الرسوم والنقوش التي تصور الرهبان العموديين وأعمدتهم، محاولاً الإجابة عن السؤال الجوهري: ما المعاني اللاهوتية والروحية التي تحملها هذه العناصر البصرية؟ يقدم المؤلف إجابته من خلال تتبع دلالات رمزية متعددة للعمود نفسه وللعناصر المصاحبة له، ليخلص إلى أن هذه الرموز لا تشير إلى تركة وثنية بقدر ما تعبر عن هوية مسيحية أصيلة، مستمدة من تفسيرات يهودية مسيحية قديمة.
يسير الفصل عبر عدة محاور رئيسية. يبدأ بالرمزية الأولى والأكثر مركزية، وهي اعتبار العمود رمزاً للصليب. يستشهد المؤلف بمقولة للقديس بولان دي نولا التي تشبه صلابة العمود وانتصابه بالحرف اليوناني "يوتا"، وهو الحرف الأول من اسم يسوع. ويوضح أن هذا الحرف يُنظر إليه على أنه راسخ وثابت مثل العمود، مما يؤسس لعلاقة تماثل بينهما. يقدم الفصل أمثلة أيقونوغرافية، مثل الرسوم (55 و56) حيث يظهر العمود مع مثلثين ليشكل صورة الصليب العادي، أو عمودين مرفقين بحمامتين وغصنين كرموز مسيحية مرتبطة بصليب المسيح. تتطور هذه العلاقة إلى أن يصبح العمود والصليب متبادلين في الدلالة، فطوراً يرمز العمود إلى الصليب، وطوراً يرمز الصليب إلى العمود، خاصة في الرسوم (36 و37 و43 و46). يدعم هذا التشابه وجود أيقونوغرافيا مشتركة بين رسوم العموديين وتلك الموجودة على زجاجات مونزا وبوبيو التي يعود تاريخها إلى الحقبة نفسها (الرسم 57).
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى رمز ثانٍ، وهو العمود باعتباره "قضيباً"، متأثراً بعبادة وثنية واسعة الانتشار في الشرق، لكن المسيحيين أعطوها معان جديدة. يعتمد المؤلف في هذا على كتاب "الرمزية عند اليهود المسيحيين" للأب تيستا، الذي يؤكد أن الصليب رُمز إليه أيضاً بالقضيب، والذي يرتبط بدوره برموز أخرى مثل الماء وشجرة الحياة ونبتة النفل والعقيدة الألفية والمربع الكوني والصليب ذي القرنين. يربط الفصل بين هذه العناصر وانتشار تكريم العموديين، مشيراً إلى أن الرسوم (58 و59) تظهر تداخل هذه الرموز، مما يعني أن صورة العمود نفسها كانت تحمل هذه الدلالات القضيبية المسيحية.
يتناول الفصل بعد ذلك عنصر النافذة الصغيرة التي تظهر في جذوع الأعمدة المنقوشة. يرفض المؤلف تفسير لاسوس ورايت بأنها فتحات لتصريف المياه، مقدمًا حججًا ضد هذا الرأي: أولاً، أن الأعمدة في نقوش لاحقة صُورت كأبراج ذات درج داخلي، وهذه النوافذ كانت مناور للدرج، لكن هذا النمط متأخر زمنياً. ثانياً، أن الأعمدة التي تمت زيارتها ميدانياً (مثل أعمدة قلعة سمعان، تل نيشين، قيمار، تل عادة، كفر دريان وإرحاب) هي أعمدة من كتلة واحدة خالية من الدرج الداخلي. كما أن عمود تل عادة، الذي حُفر فيه تجويف صغير، لا يحتوي على النافذة المذكورة. لذلك، يخلص المؤلف إلى أن هذه النوافذ أو الفتحات كانت تستخدم لأغراض أخرى بحسب الظرف، مثل وضع مصباح زيتي أو ذخيرة للقديس، تذكاراً للعمودي الذي قدس العمود، خاصة وأن العمود ظل مركزاً للحج حتى بعد وفاة الناسك.
ثم ينتقل الفصل إلى رمزية السلم، وهو عنصر أساسي في كل عمود. يُحلل السلم كرمز للفداء ووسيلة الصعود إلى السماء، مستنداً إلى رمزية السلم الكوني. يربطه برؤية النبي يعقوب لسلم صاعد إلى السماء، والتي يفسرها الكاتب السوري مار أفراهاط على أنها صورة للصليب، فكما رأى يعقوب "ابن الله" صاعداً ونازلاً على سلم، فبالصليب يصعد المؤمنون إلى العلا. هكذا يصبح السلم مساوياً لصليب المسيح نفسه، الذي به يُصعد إلى المجد، وهو على صلة بشجرة الحياة، وبالحية (التي ترمز للصعوبات)، وبالملائكة. وقد تصور الناس العمودي كملاك يسكن السماء ويستخدم العمود كسلم للصعود إليها، واضعاً إياه في الطرف الأعلى من السلم في الجنة مثل المسيح.
في الجزء الأخير من الفصل، يعالج المؤلف السؤال: لماذا كانت العمودية أكثر أشكال التقشف شهرة وانتشاراً في الرهبنة السورية رغم وجود أشكال أخرى؟ يرى المؤلف أن السبب يعود إلى التأثير العجيب للعمودي الأول، القديس سمعان، حيث أن سيرته الذاتية تمتاز بجمال متناغم ونفس بريئة ونشيطة وتجرد مطلق، مما جعله موضوع إعجاب وتكريم من معاصريه والأجيال التالية. بعد هذا، يناقش الفصل وجهة نظر بعض الكتاب الذين يرون في العمودية ولادة جديدة للعبادات الوثنية، خاصة تلك التي كانت تمارس في هيرابوليس (منبج)، حيث يعتقدون أن الشعب السوري طبق على سمعان صفات الإلهة السورية (إلهة الخصب). ويستدلون على ذلك بمعجزات شفاء النساء العقيمات التي نُسبت إليه، وبكون العمود مركزاً للحج والرقصات الدينية، وبأن رمز المثلث في نقش النفل (الرسم 39) مرتبط برموز الإله مردوك في بلاد الرافدين.
يرد المؤلف على هذه الحجج بحذر، مقراً بوجود آثار وثنية في طقوس تكريم العموديين كما لا يمكن استبعاد أثر البطل اليوناني في طقوس تعظيم الشهداء، لكنه يقطع بأن التفسير الصحيح يجب البحث عنه في المسيحية نفسها. يقدم دليلاً من كتابات تيودوريطس القورشي على أن معجزات الشفاء للنساء العقيمات لم تكن حكراً على العموديين، بل كانت تحدث أيضاً عند قبور الشهداء، حيث كان المؤمنون يطلبون شفاعتهم ليس كآلهة بل كقديسين. ويشير إلى أن القديس باسيليوس يعبر عن نفس المعنى. يستنتج المؤلف إذن أنه لا يوجد اختلافات جوهرية بين طقوس تكريم الشهداء وتكريم العموديين. أما بالنسبة للرموز الأيقونوغرافية (الشجرة، الحية، المثلثات) التي نسبت للآلهة مردوك، فيؤكد أنها استخدمها اليهود المسيحيون وأعطوها معاني جديدة، متأثرين بديانات بلاد الرافدين لكن مع تحويل دلالتها. لذلك، ينبغي البحث عن أصول هذه الرمزية ليس في الوثنية الفراتية، بل في تأثير الجماعات اليهودية المسيحية العديدة المنتشرة في سورية.
في ختام الملخص، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة متينة ضد التفسير الوثني للحركة العمودية، مرتكزاً على تحليل أيقونوغرافي وتاريخي دقيق. النقطة التي قد تكون قابلة للنقاش هي مدى نجاح المؤلف في الفصل بشكل قاطع بين "التأثير" الوثني و "الاستخدام المسيحي" لنفس الرموز، إذ أن اعترافه بوجود هذا التأثير يترك مجالاً لتفسيرات ترى أن العمودية كانت حالة توفيقية بين المعتقدات أكثر مما يريد المؤلف الإقرار به. ومع ذلك، يبقى المنهج الذي اتبعه المؤلف في ربط الرموز بالنصوص الآبائية والتاريخ الكنسي منهجاً قوياً يدعم استنتاجه الأساسي.
التحليل والكلمات المفتاحية
أشخاص
أماكن