
السلطة والمجتمع والعمل السياسي من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام
الكتاب هو رحلة في تشابك السلطة والمجتمع والعمل السياسي في بلاد الشام خلال القرن الطويل الذي سبق الحرب العالمية الأولى، حيث يحاول وجيه كوثراني فهم الطريقة التي تحول بها العمل السياسي من إطار "الولاية" العثمانية التقليدية، القائم على علاقات اجتماعية وعصبيات ومؤسسات أهلية، نحو فكرة "الدولة القومية" الحديثة. يرفض الكاتب النظر إلى هذه المرحلة كمجرد تمهيد بسيط للقومية العربية، ويصر على أن العمل السياسي آنذاك كان فضاءً معقداً تتداخل فيه أشكال متعددة من السلطة الموزعة بين المركز العثماني والنخب المحلية والمؤسسات الدينية والتنظيمات الحرفية والطرق الصوفية، مع ضغوط دولية متصاعدة. يدافع كوثراني عن فكرة أن الدولة في التاريخ الإسلامي لم تكن دولة حديثة مندمجة بالمجتمع، بل "دولة سلطانية" قائمة على التغلب والعصبية، مما خلق انفصالاً بنيوياً بينها وبين "الأمة"، وهو ما ترك هامشاً واسعاً للمجتمع ليدير شؤونه عبر مؤسساته الأهلية. هذا الانفصال هو المفتاح لفهم كيف أن محاولات الإصلاح العثمانية، بدءاً من التنظيمات وصولاً إلى دستور 1908، لم تستطع خلق دولة مركزية حديثة، بل أنتجت أنماطاً هجينة من السلطة اندمجت فيها الإدارة الجديدة مع النفوذ القديم للأعيان والوجهاء.
يسير الكتاب في مسار منهجي صارم، يبدأ بوضع الإطار المفاهيمي والإشكاليات، ثم يغوص في جذور الدولة الإسلامية والعثمانية عبر فصولها المترابطة. المدخل التمهيدي هو بمثابة خريطة طريق، يحدد فيها المؤلف ستة سياقات متداخلة لا يمكن فهم الموضوع دونها: سياق تطور الدولة التقليدية، والسياق الفكري الإسلامي من الماوردي إلى رشيد رضا، والسياق الاجتماعي للعلاقات الهرمية، والسياق الديني لاستخدام الإسلام كسلاح سياسي، والسياق الثقافي للتعددية المذهبية، وأخيراً السياق الدولي للقناصل واللجان الأوروبية. هذا التعدد في السياقات هو اعتراف من البداية بصعوبة الفصل بينها، ويؤسس لمنهج تحليلي لا يختزل التاريخ في عامل واحد. الفصل الأول ينتقل بنا إلى التأصيل النظري، معتمداً على الماوردي وابن خلدون ليشرح أن الدولة العثمانية كانت امتداداً طبيعياً للدولة الإسلامية، حيث قامت على العصبية وبررت وجودها بالإسلام، لكنها تركت للمجتمع مساحة من الاستقلال عبر مؤسسات مثل القضاء والطوائف الحرفية والطرق الصوفية، والتي كانت جميعها تشكل سلطات وسيطة تحمي الفرد من التدخل المباشر للحكام. يصل الفصل هنا إلى فكرة جوهرية: أن المجتمع لم يكن خاضعاً للدولة خضوعاً كلياً، بل كانت هناك "سلطة موزعة" وعلاقة تراتبية وليست اندماجية.
الفصل الثاني هو دراسة عميقة للتنظيمات العثمانية، ليس من منظورها القانوني فقط، بل من آثارها الاجتماعية. هنا يوضح كوثراني أن "دولة التنظيمات" حاولت كسر هذه السلطات الوسيطة ونقلها إلى بيروقراطية مركزية، لكن القوى المحلية تمكنت من "التفاف" على الإصلاحات، فاستفادت من المجالس الإدارية الجديدة ونظام الأراضي (الطابو) لتعزيز ثروتها العقارية ونفوذها السياسي. الرقم الذي يستحق التوقف عنده هنا هو أن 71% من الأراضي في سوريا قبل الحرب العالمية الأولى كانت بيد كبار الملاك، في حين أن الملكية الصغيرة كانت 20% فقط، وهذا يوضح أن الإصلاحات لم تخلق مجتمعاً من الملاك الصغار كما كان مفترضاً، بل ركزت الثروة والنفوذ في يد نخبة الوجهاء. الفصل الثالث ينتقل من الإصلاحات إلى بدايات العمل السياسي الحديث في ظل حكم السلطان عبد الحميد، حيث يبرز تياران رئيسيان: الأول تمثله "جمعية بيروت السرية" التي ضمت نخبة مسيحية من خريجي الكلية السورية الإنجيلية، ودعت إلى "الوطن السوري" والثورة ضد الأتراك، لكنها فشلت في جذب المسلمين. الثاني تمثله حركة "الاستقلال السوري" التي قادها أعيان مسلمون، ورشحت الأمير عبد القادر الجزائري للزعامة، وهدفت إلى إمارة عربية داخل الخلافة العثمانية، لا إلى انفصال. هذا الفصل يظهر الانقسام المبكر بين رؤيتين: إحداهما قومية علمانية ترتبط بالغرب، والأخرى إصلاحية إسلامية تبحث عن الخلاص داخل الدولة العثمانية. الفصل الرابع يكمل هذه الصورة في العهد الدستوري، حيث ازدادت حدة الصراع مع سياسة التتريك لحزب الاتحاد والترقي، مما دفع إلى تبلور جمعيات إصلاحية مثل "اللامركزية الإدارية العثماني" في القاهرة، ومؤتمر باريس العربي في حزيران/يونيو 1913، الذي كشف عن التنوع والانقسام داخل الصف العربي نفسه، فبينما دعا رئيسه عبد الحميد الزهراوي للإصلاح داخل العثمانية، قدمت شخصيات أخرى مذكرات منفصلة إلى فرنسا تطلب الحماية. هنا يتجلى بوضوح التشابك القاتل بين النزعة الإصلاحية المحلية والأطماع الاستعمارية.
الكتاب لا يخلو من حجج قابلة للنقاش، أولها التركيز الشديد على "انفصال الدولة عن الأمة" كنتاج بنيوي لطبيعة السلطة الإسلامية القائمة على التغلب، وهو تفسير قد يرى فيه البعض تبسيطاً لتنوع التجارب التاريخية. ثانيها، النظرة إلى التنظيمات العثمانية على أنها فشلت تماماً أو أنها كانت أداة في أيدي النخب فقط، وهذا قد يغفل بعض جوانب الإصلاح الحقيقية التي حدثت في مجالات كالتعليم والبنية التحتية. ثالثها، التأكيد على أن القرار الفرنسي بتقسيم سوريا إلى دويلات كان تطبيقاً لرؤية استشراقية تريد "تأبيد الحالة المأزقية العثمانية"، وهي حجة سياسية قوية قد تختزل دوافع الاستعمار في أيديولوجيا دون اعتبار للبراغماتية العسكرية. أخيراً، يمكن القول إن الكتاب، على عمقه، يظل محكوماً بإطار ما قبل الانتداب، ويترك القارئ متعطشاً لتحليل مماثل لكيفية تطور هذه السلطات الوسيطة بعد 1920 في ظل الدولة الانتدابية.
الأشخاص
الفصول(6)
1.مدخل: المسألة والمصادر والمصطلح والمنهج9–30▼ ملخص
يُشكّل هذا الفصل التمهيدي مدخلاً منهجياً ومعرفياً لدراسة وجيه كوثراني حول تحوّل العمل السياسي في بلاد الشام خلال الفترة الانتقالية من الحكم العثماني إلى الانتداب الأوروبي. يتمحور السؤال المركزي للدراسة حول كيفية الانتقال من طبيعة العمل السياسي في إطار "الولاية" العثمانية ومفاهيمها التقليدية، إلى الفعل السياسي الذي يتجه نحو بناء الدولة الحديثة "القومية"، وذلك قبل تثبيت هذا المفهوم دولياً في معاهدة لوزان عام 1923.
يبدأ المؤلف بتحديد المسألة، مشيراً إلى تعقّد العمل السياسي العربي في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث كان يحمل في طياته أشكال العلاقات الاجتماعية وقيمها الموروثة، ويتعايش في الوقت نفسه مع مفاهيم غربية جديدة عن الدولة والانتماء. كان محور هذا العمل السياسي يتركز على البحث عن "دولة بديل" أو "إنقاذ الدولة القديمة" (الدولة العثمانية)، مما جعله نقطة استقطاب ليس فقط للقوى المحلية من نخب وتجار وأعيان، بل أيضاً للدول الكبرى في سياساتها.
يسير الفصل عبر ستة سياقات متداخلة يراها المؤلف ضرورية لفهم الموضوع، معترفاً بصعوبة فصلها عن بعضها لأنها تتداخل عضوياً في كل مرحلة. السياق الأول هو سياق تطور الدولة التقليدية في التاريخ العربي الإسلامي، والتي يصفها المؤلف بـ"دولة سلطانية" أو دولة ملك قائم على "العصبية" (مستشهداً بـابن خلدون). ويركز هنا على واقع السلطة المحلية في "الولاية في بلاد الشام" بالمعنى السياسي-الاجتماعي لتوزّع السلطات، لا بالمعنى الجغرافي-الإداري أو الأيديولوجي القومي الذي أُعطي للمصطلح لاحقاً (دولة سوريا أو سورية). السياق الثاني هو السياق الفكري، المتمثل في الأفكار السياسية الإسلامية في تعبيراتها الفقهية، من أبي الحسن الماوردي (توفي 450 هـ/1058 م) إلى رشيد رضا (توفي 1935 م)؛ حيث تتركز هذه الأفكار على مشروعية الدولة أو من يحل محلها، وكيفية تعامل الفقيه مع السلطة. السياق الثالث هو السياق الاجتماعي، ممثلاً في الواقع السياسي المعاش للجماعات في إطار علاقات سلطة هرمية تبدأ من سلطة العشيرة إلى الطائفة إلى السلطان. السياق الرابع هو السياق الديني، حيث يُستخدم الإسلام كسلاح سياسي لاستنهاض الشعوب، كما في حركات جمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وشكيب أرسلان. السياق الخامس هو السياق الثقافي-الاجتماعي لتركيبة ديمغرافية متعددة دينياً ومذهبياً، والتي أدت إلى نشوء "النخب" المثقفة (الانتليجنسيا) التي أدخلت العمل السياسي في أطر التنظيمات والأحزاب والبرامج، خاصة في المدن. السياق السادس والأخير هو السياق الدولي، المتمثل بالسياسات الدولية وتوجّهها للتعامل مع العمل السياسي المحلي عبر القناصل والخبراء واللجان.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة المصادر التي يعتمد عليها البحث، فيشير إلى ثلاثة أنواع رئيسية. المصدر الأول هو محفوظات وزارة الخارجية الفرنسية في باريس (Quai d'Orsay)، التي تقدّم معطيات مهمة للكشف عن هذه السياقات، وتتميز بأهمية مزدوجة: فهي مصدر معرفة بالواقعة، ولكنها أيضاً مصدر كشف لطريقة النظر الدبلوماسي والاستراتيجي الفرنسي إليها. ويتطلب الرجوع إليها موقفاً نقدياً للتمييز بين الواقعة وصورة نقلها. المصدر الثاني هو الصحف والدوريات العربية التي تعكس وجهات نظر مختلفة في التعامل مع السياسات الغربية، ويشير المؤلف بوجه خاص إلى مجلتي "المنار" (لصاحبها محمد رشيد رضا) التي تمثل الاتجاه الإسلامي، و"المقتطف" (لصاحبيه فارس نمر ويعقوب صروف) التي تمثل النزعة الليبرالية العلمانية، حيث حملت نصوصهما التعبيرات الفكرية-السياسية لتلك المرحلة. المصدر الثالث هو الكتب والمذكرات التي كتبها معاصرون مثل الملك عبد الله، وساتع الحصري، ويوسف الحكيم، وشكيب أرسلان، وغيرهم، والتي تقدم صورة ذاتية محلية لأشكال العمل السياسي، وتكشف عن الانتماء الاجتماعي والثقافي والديني لصانعي الموقف السياسي.
في قسمه الثالث والأخير، يتناول الفصل إشكاليات المصطلح والمفاهيم والمنهج. يرى المؤلف أن مرحلة الانتقال من العهد العثماني إلى عهد الانتداب الأوروبي تزامنت مع ما اصطلح على تسميته "عصر النهضة العربية"، وهو مصطلح يعكس مفهوماً تاريخياً يستحضر عصرين أوروبيين (عصر النهضة وعصر الأنوار). لكنه يلفت إلى أن هذه الاستعادة هي أيضاً جزء من ذاكرة تاريخية محلية تتواصل مع "زمن محلي" عربي-إسلامي، مما يجعل النهضة شكلاً من أشكال الاستجابة للتحدي الأوروبي. وينبّه إلى إشكالية كبرى تتعلق بمصطلح "الدولة" نفسه، حيث أن الفكرة تختلف مفهومها من جماعة إلى أخرى. فالدولة بالمعنى القومي (National) تحمل تراثاً غربياً قائماً على فكرة السيادة على إقليم والولاء لهيئة سياسية، بينما يحمل المفهوم العربي-الإسلامي للدولة معنى آخر للسلطة هو مفهوم "الولاية"، وهو إطار لتعايش أشكال من السلطات المندرجة والمتراتبة، وليس دولة عرقية أو حصرية. ويوضح المؤلف أن النموذج الفكري والسياسي الذي كانت تقدّمه الدول الأوروبية للفكر السياسي المحلي يتمحور حول فكرة "الدولة-الأمة" كصيغة بديلة للسلطنة، وقد تم تقديم هذا النموذج على أنه "حقيقة كونية" وليس على أنه حدث تاريخي خاص بالحضارة الغربية. يعترض المؤلف على هذا المنهج الأحادي، ويدعو إلى ضرورة توسيع حقل النظر إلى نسبية النماذج الحضارية وثراء التاريخ وتنوع قوانينه، مستشهداً مرة أخرى بـابن خلدون الذي أشار منذ القرن الرابع عشر إلى نسبية الاختلاف في "طبائع العمران". يختتم الفصل بعرض الإشكالية الجغرافية لمصطلحي "سوريا" و"بلاد الشام"، مستعرضاً التقسيمات الإدارية العثمانية المتغيرة، فبلاد الشام لم تكن وحدة إدارية واحدة، بل تقاسمتها ولايات مثل حلب ودمشق وطرابلس وصيدا وبيروت (التي استُحدثت عام 1888). وبعد التدخلات الدولية (مثل بروتوكول 1840-1845 الذي أنشأ متصرفية جبل لبنان)، أصبح من الصعب رسم حدود ثابتة، لكن المؤلف يرى أهمية استحضار لوحة التقسيم الإداري كما استقرت بعد استحداث ولاية بيروت لفهم المرحلة التي يدرسها.
في مجمل هذا الفصل التمهيدي الكثيف، يقرّ المؤلف صراحةً بصعوبة الفصل بين السياقات المتعددة للموضوع وبالتداخل العضوي بينها. كما يعترف بإشكالية المصطلحات (كالدولة والأمة والقومية) نظراً لاختلاف مضامينها بين المفهوم الغربي الحديث والموروث العربي-الإسلامي، ويحذر من الانجراف وراء منهج أيديولوجي واحد في تفسير الأحداث. يمثل الفصل بذلك تحذيراً منهجياً من النظر إلى العمل السياسي العربي في تلك الحقبة من خلال عدسة أوروبية مركزية، ويطرح سؤالاً مفتوحاً حول كيفية قراءة هذه المرحلة الانتقالية المعقدة التي تتداخل فيها أبنية السلطة التقليدية مع تطلعات الدولة الحديثة في ظل تأثيرات دولية ضاغطة.
1.الفصل الأول: الدولة العثمانية قبل التنظيمات: مؤسسات التاريخ الإسلامي ووسائط السلطة بين المجتمع وأهل الدولة31–78▼ ملخص
يتمحور الفصل الأول من كتاب وجيه كوثراني حول طبيعة الدولة في التاريخ الإسلامي، وصولاً إلى الدولة العثمانية قبل مرحلة التنظيمات، مركزاً على العلاقة بين السلطة والمجتمع. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الدولة في التاريخ الإسلامي، والعثمانية منها، لم تكن دولة حديثة بالمعنى القومي أو الإقليمي، بل كانت "مشروع دولة" في "دار الإسلام" يقوم على أساس "العصبية" المتغلبة التي تبرر وجودها بالدعوة إلى الإسلام وتطبيق الشريعة. ولم تندمج هذه الدولة اندماجاً عضوياً مع "الأمة"، بل قامت بينهما علاقة تراتبية، حيث حافظت جماعات المجتمع على هامش واسع من الاستقلالية في حياتها الداخلية، عبر مؤسسات أهلية ودينية مثل القضاء والطوائف الحرفية والطرق الصوفية.
يسير الفصل عبر عدة مستويات تحليلية متشابكة. يبدأ بمناقشة نظرية الدولة عند كل من الماوردي وابن خلدون. يوضح كيف برر الماوردي شرعية "إمارة الاستيلاء" والسلطنة التي تنوب عن الخلافة بحكم الضرورة، وكيف قدم ابن خلدون مفهوم "العصبية" كأساس لقيام الدولة، بالإضافة إلى "الدعوة" كمبرر أيديولوجي لها. يناقش الكاتب الجدل الفكري حول علاقة العصبية بالدعوة، مشيراً إلى أن الدولة القائمة على العصبية، حتى عندما تصطبغ بالصبغة الدينية، لا تستطيع أن تفرض إيديولوجية معينة على الأمة، مما يبقي المجال مفتوحاً للمقاومة والمعارضة والاجتهاد الفقهي، وينتج عنه انفصال بنيوي بين الأمة والدولة في التاريخ الإسلامي. يورد الكاتب أمثلة من ابن خلدون عن "دول الدعاة والخوارج" التي تتجاوز الدولة القائمة.
ينتقل الفصل ليجادل بأن الدولة العثمانية هي امتداد طبيعي لهذه التجربة التاريخية، فهي ورثت مؤسسة السلطنة عن السلاجقة بفعل تبرير فقهي سُنّي قائم على مفهوم "الضرورة". ويركز على أن هذه الدولة كانت تُنسب إلى الإسلام لا إلى قومية أو إقليم معين، مستشهداً بملاحظة برنارد لويس أن حكام الشرق الأوسط في القرن السادس عشر كانوا يلقبون أنفسهم بأسياد المسلمين رافضين الألقاب المحددة بإقليم أو شعب. ثم يتناول الموقف الفقهي الذي رأى في الدولة العثمانية قوة توحيدية للعالم الإسلامي، خاصة بعد سقوط الخلافة العباسية في 656 هـ، وكيف أن علماء الدولة العثمانية مثل صاحب "الشقائق النعمانية" (طاشكبري زادة) أضفوا عليها الشرعية والهيبة، حتى أن السلطان في أواخر القرن التاسع عشر قدم نفسه "خليفة" لجميع المسلمين، وانطلق من هذا الموقف جمال الدين الأفغاني الذي رأى في السلطنة إطاراً لحماية الإسلام والمسلمين.
في قسم ثانٍ، يحلل الفصل المؤسسة الدينية ودورها كوسيط بين الدولة والمجتمع. يوضح أن العلماء شكلوا جزءاً من جهاز السلطنة عبر تنظيمهم في سلسلة مراتب وظيفية (شيخ الإسلام، القضاة، المفتون). كانت هذه المؤسسة بمثابة "نافذة" تطل بها السلطة الحاكمة على المجتمع، خاصة عبر القضاء الذي كان حلقة وصل بين الوالي والسكان المحليين. ومع ذلك، يشير الكاتب إلى استقلالية نسبية لحركة التعليم الديني، خاصة عند المسلمين الشيعة حيث استقل مرجعهم المجتهد عن المؤسسة العثمانية. ويبين أن القاضي (الحاكم الشرعي) في الولايات العربية كان غالباً من السكان المحليين، وقام بمهام واسعة لم تقتصر على القضاء بل شملت الإشراف على الأوقاف وتثبيت مشايخ الحرف، مما جعله نقطة توازن بين المؤسسة العسكرية (الوالي) والتنظيم الديني والأهلي للمدينة.
ينتقل الفصل إلى تحليل التنظيم الحرفي والطرق الصوفية كركائز للسلطة الأهلية. يصف التنظيم الحرفي وتراتبيته من مبتدئ إلى صانع إلى معلم، وحفلة "الشد" التي ترمز للبيعة والعهد على الاستقامة وعدم الغش والتضامن. يربط الكاتب بين هذا التنظيم وطرق الصوفية، مشيراً إلى تقاطعهما في الرموز والأخلاقيات والأخوية. تؤدي هذه المؤسسات دوراً سياسياً-اجتماعياً مهماً، فهي توفر للفرد الحرفي (الصانع) شعوراً بالمواطنة والانتماء إلى جماعته، وتحميه من التدخل المباشر للحكام. ويوضح أن هذه الانتماءات الوسيطة (الحرفة، الطريقة، المحلة) هي التي تربط الفرد بالجماعة الأوسع (الأمة ودار الإسلام). أما علاقتها بالدولة، فكانت علاقة أداء وظيفي (جباية ضرائب وضبط أمن) دون تدخل في شؤونها الداخلية.
أخيراً، يتناول الفصل نظام الاقطاع العسكري ودوره كسلطة وسيطة. يبدأ بوصف نظام "التيمار"، حيث تُقطع الأراضي للسباهية مقابل الخدمة العسكرية، مع بقاء ملكية الرقبة للدولة، وهذا يختلف عن الاقطاع الأوروبي. يوضح تدهور هذا النظام مع بداية الفتح العثماني لبلاد الشام، واستعاضة الدولة عنه بنظام "الالتزام" الضريبي، مما أدى إلى بروز طبقة من الأعيان المحليين كملتزمين ووسطاء بين الفلاحين والدولة. يصف الجهاز الحكومي في الولاية بأنه صغير الحجم (الوالي وقائد الحامية وموظف مالي)، بينما القضاء كان منفصلاً عنه. ويخلص إلى أن القاضي كان حلقة الوصل الحقيقية بين المجتمع بسلطاته المتعددة (علماء، مشايخ حرف، زعماء عائلات) وبين ممثلي الدولة الوافدين من المركز، وأن الانكشارية نفسها تحولت من فرقة "مغلقة" إلى فرق "محلة" منخرطة في المجتمع وصراعاته.
يقر الكاتب بوجود حدود وتحفظات في الفصل، أبرزها اعترافه بصعوبة تحديد المصطلحات والمفاهيم عند التعامل مع المصادر التاريخية، مثل تعدد استخدامات مصطلح "سوريا" في الوثائق. كما يترك الكاتب بعض الأسئلة مفتوحة حول الطبيعة الدقيقة للعلاقات الداخلية بين الحكومة والشعب، مشيراً إلى قلة الدراسات حول السلوك الاجتماعي والسياسي للتابعين.
الفصل يطرح حججاً قابلة للنقاش، أبرزها التركيز على أن السلطة في المجتمع العثماني كانت "موزعة" وليست استبدادية مركزية بالكامل، إذ كانت المؤسسات الأهلية والدينية تشكل حواجز ومجالاً للاستقلال. كما أن تفسير انفصال الدولة عن الأمة كنتاج لطبيعة السلطة القائمة على التغلب، بدلاً من أن يكون مجرد ضعف إداري، هو فكرة جدلية تبرزها مقدمات الفصل.
2.الفصل الثاني: دولة التنظيمات وأنماط السلطة79–122▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل التحولات العميقة التي طرأت على أنماط السلطة في بلاد الشام إبان فترة التنظيمات العثمانية، ويركز على الفجوة بين المشروع الإصلاحي للمركز ونتائجه الفعلية على الأرض. الموضوع المحوري هو كيفية محاولة الدولة العثمانية، عبر التنظيمات التي بدأت بخط كلخانة عام 1839 وتوجت بقانون تنظيم الولايات عام 1864، الانتقال من نظام "الولاية" القائم على سلطات أهلية ومحلية (ملتزمون، مقاطعجيون، أعيان، علماء) إلى "دولة تنظيمات" تقوم على "الإدارة" المركزية والبيروقراطية الحديثة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه المحاولة فشلت في تحقيق أهدافها المرسومة، إذ لم تقضِ على النفوذ المحلي، بل أدت إلى نشوء نمط جديد من السلطة اندمجت فيه الإدارة الجديدة مع البنى الاجتماعية القديمة، مما أنتج "بيروقراطية وجهاء" استفادت من الوظيفة الإدارية لتثبيت نفوذها العقاري والسياسي.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. يبدأ بتأصيل أهداف التنظيمات، موضحاً أنها جاءت كرد فعل على التقهقر العسكري والمالي الذي تعاني منه السلطنة منذ القرن السابع عشر، من خلال مشكلة المؤسسة العسكرية (الإنكشارية) وعلاقتها بنظام الالتزام. ويشير إلى أن الإصلاح لم يعد عسكرياً فحسب، بل أصبح "مشروعاً لبناء دولة جديدة" طال كل قطاعات المجتمع: نظام الأرض، الإدارة، القضاء، الملل، والعلاقة مع القوى الأوروبية. ويبين أن الخط الهمايوني لعام 1856 أكد على مبدأ المساواة بين جميع الرعايا بغض النظر عن مللهم، في محاولة لتوحيدهم تحت مفهوم "الوطن" العثماني الواحد، وفي الوقت نفسه إلغاء نظام الالتزامات الذي كان مصدر خراب للخزينة والفلاحين.
بعد ذلك، يتناول الفصل الإدارة الجديدة والنظام القديم، مفصلاً نصوص قانون الولايات. ويبرز كيف أن "الهيئة الحاكمة" تحولت من مجموعة محدودة من الأشخاص (والي، قاضي، ملتزم) إلى مؤسسات وأجهزة متخصصة (مجالس إدارة، محاكم نظامية، شرعية، تجارية، دواوين تمييز، ومكاتب للزراعة والتجارة والأشغال العامة). ويشرح كيف أن هذه الهيكلية الجديدة قلصت بشكل كبير من صلاحيات القاضي والعلماء، ونقلت السلطة من الأطر الأهلية إلى موظفين مرتبطين مباشرة بالمركز في إسطنبول. ومن الأمثلة المهمة هنا، الانتقال من القضاء الشرعي الشامل إلى توزيع القضايا بين محاكم مختلفة، وأهمية المجالس الإدارية المختلطة التي ضمت ممثلين عن الأهالي من المسلمين وغير المسلمين.
يقدم الفصل بعد ذلك تحليلاً عميقاً لكيفية "التفاف" القوى المحلية على هذه التنظيمات. يستخدم أمثلة من عائلات دمشق الكبرى (مثل آل العظم، آل الجيلاني، آل الكيلاني) التي تمكنت من تحويل مواقعها في الإدارة الجديدة (عضوية مجالس الإدارة والبلديات) إلى وسائل لتعزيز ثروتها العقارية وسلطتها الاجتماعية. يبين كيف أن قانون الأراضي العثماني لعام 1858، الذي كان يهدف إلى تسجيل الأراضي بصورة فردية لزيادة الإنتاجية وتوسيع قاعدة الملاك، تم تحييده من خلال "حيل فقهية" مثل تحويل الأراضي إلى "وقف ذري" لتجنب تفتيتها. النتيجة النهائية كانت تركيزاً هائلاً للملكية، حيث يذكر الفصل تقديرات تشير إلى أن 71% من الأراضي في سوريا قبل الحرب العالمية الأولى كانت في أيدي كبار الملاك (أعيان المدن)، بينما اقتصرت الملكية الصغيرة على 20% فقط.
أخيراً، يتوسع الفصل في وصف "التعددية في السلطات"، مبيناً أن النظام الجديد لم يستطع أن يحل محل المؤسسات الأهلية القديمة، بل تعايش معها. فإلى جانب الإدارة الجديدة، استمرت سلطة "شيخ الحارة" و"القبضايات" (أو "الزكرتية") في الأحياء، الذين كانوا يمثلون سلطة شعبية ونظاماً للعدالة والأمن الخاص خارج إطار الدولة. وفي الأرياف، استمرت تبعية الفلاحين لأعيان المدن عبر علاقات الحماية والديون، فيما حافظت مناطق جبلية مثل جبل العلويين وجبل الدروز على استقلالها النسبي وممانعتها لسلطة المدينة وأعيانها. يعترف الفصل بأن هذه التعددية في السلطات بين العثمانية والمحلية، وبين المدنية والقبلية، وبين الرسمية والأهلية، شكلت أرضية خصبة لنشوء "أنماط جديدة من العمل السياسي".
في النهاية، يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش، خصوصاً في تركيزه على أن التنظيمات كانت في جوهرها محاولة "لاستباق" التدخل الأوروبي، وأنها ساهمت في تعميق التغلغل الاقتصادي الغربي بدلاً من الحد منه. كما أن تأكيده على فشل المشروع العثماني في خلق دولة حديثة حقيقية، وتحوله إلى أداة في أيدي النخب المحلية، يمكن اعتباره تفسيراً محدداً للتاريخ العثماني المتأخر في المنطقة، يركز على الجانب الاجتماعي والاقتصادي أكثر من الجانب القانوني أو السياسي المجرد.
3.الفصل الثالث: بدايات العمل السياسي «الحديث» في ظل التنظيمات والسلطان الفردي123–162▼ ملخص
الفصل الثالث يتناول مرحلة مفصلية في تاريخ ولاية سوريا العثمانية، حيث يبحث في التحول من الإصلاحات الإدارية (التنظيمات) إلى بدايات العمل السياسي الحديث، في ظل صعود السلطان عبد الحميد الثاني وحكمه الفردي. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن انهيار التجربة الدستورية الأولى (المشروطية الأولى) عام 1878، وتزامن ذلك مع التدخلات الأوروبية المتزايدة، أدى إلى ولادة أشكال جديدة من العمل السياسي. هذه الأشكال تراوحت بين العمل السري النخبوي، والحركات الإسلامية الإصلاحية، والتيارات الليبرالية المطالبة بالدستور، وكلها نشأت في سياق الصراع على مستقبل الدولة العثمانية ووحدة أراضيها.
يسير الفصل خطوة خطوة عبر عدة مراحل ووقائع رئيسية. يبدأ بتحليل رسالة مدحت باشا، وهو شخصية إصلاحية بارزة تولى ولاية سوريا، حيث حذر من المخاطر المحدقة بالدولة بسبب التدخلات الأجنبية. كانت رسالته لعام 1880 بمثابة جرس إنذار، حيث رأى أن الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تسعى لتقسيم أملاك الدولة العثمانية. هذا التشخيص كان تمهيداً لفهم السياسة البديلة التي انتهجها السلطان عبد الحميد بعد تعليقه للدستور وحلّه لمجلس المبعوثان. سياسة عبد الحميد اعتمدت على عنصرين: أولهما، مركزية الحكم والاعتماد على جهاز استخباراتي وجاسوسي لقمع المعارضة. ثانيهما، تبني خطاب إسلامي جامع، حيث استغل منصب الخلافة لدعم شرعيته، وشجع الطرق الصوفية الشعبية لخلق تيار مضاد للأفكار الليبرالية القادمة من الغرب.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفصيل الظواهر السياسية الجديدة التي نشأت في ظل هذه البيئة القمعية. يذكر الفصل ظهور مناشير سرية في مدن مثل بيروت وصيدا ودمشق عامي 1880-1881، كانت تطالب بالثورة ضد الأتراك وتدعو إلى "الوطن السوري" وتستخدم مفردات مثل "النخوة العربية" و"الحمية السورية". يوضح المؤلف أن هذه المناشير كانت من عمل "جمعية بيروت السرية"، التي تشكلت من نخبة من المثقفين المسيحيين الذين درسوا في الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية في بيروت لاحقاً)، ومن أبرزهم فارس نمر وإبراهيم اليازجي. تهدف هذه النخبة إلى خلق كيان سياسي يستند إلى القومية العربية، لكنها فشلت في جذب المسلمين إليها، لأن هؤلاء رأوا في مطالبها انفصالاً عن الدولة العثمانية، بينما كان همّ المسلمين الأكبر هو الإصلاح من داخل الدولة.
في مقابل هذا التوجه الانفصالي، يعرض الفصل نموذجاً آخر للحراك السياسي، تمثل بـ"حركة الاستقلال السوري" التي قادها أعيان من المسلمين من بيروت وصيدا ودمشق. هذه الحركة، التي تزامنت مع الحرب الروسية-العثمانية ( 1877-1878 ) ومؤتمر برلين ( 1878 )، لم تكن تهدف إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، بل إلى إنشاء "إمارة عربية" تحت مظلة الخلافة العثمانية، وذلك بهدف حماية البلاد من الاحتلال الأجنبي. رشحت الحركة الأمير عبد القادر الجزائري ليكون زعيماً لها. لكن هذه الحركة تلاشت بعد مؤتمر برلين، الذي أسفر عن احتلالات جديدة (احتلال بريطانيا لـقبرص وفرنسا لـتونس)، مما أحبط آمال القائمين بها، وجعل السلطان عبد الحميد يشن حملة قمع على كل مظاهر المعارضة.
يتناول الفصل أيضاً دور النشاط الثقافي كغطاء للعمل السياسي. يذكر "الجمعية العلمية السورية" في بيروت التي ركزت موضوعاتها على مفاهيم التقدم والتعليم والعلوم العصرية، مما كان يمهد لعقلية الإصلاح السياسي. ثم ينتقل إلى حلقة الشيخ طاهر الجزائري في دمشق، وهي من أبرز الظواهر في هذا السياق. هذه الحلقة جمعت علماء ومفكرين مثل جمال الدين القاسمي ومحمد كرد علي، وركزت على إحياء التراث العربي الإسلامي وتعليم العلوم العصرية باللغة العربية. يوضح المؤلف أن هذا النشاط لم يكن مجرد عمل ثقافي، بل كان له بعد سياسي واضح، تمثل في تأسيس "جمعية النهضة العربية" عام 1905، التي كانت تدعو إلى نظام لا مركزي يضمن للعرب حقوقهم في الحكم ويجعل اللغة العربية رسمية. هذا التوجه يمثل تياراً إصلاحياً إسلامياً مختلفاً عن التوجه الانفصالي لجماعة بيروت المسيحية، وأكثر ارتباطاً بإطار الدولة العثمانية.
يعترف الفصل بحدود هذه المعلومات والمصادر، مشيراً إلى أن غالبية التقارير التي وصلتنا عن هذه الفترة تعود للقناصل الأجانب، والتي غالباً ما كانت تعكس توقعات ورغبات دولهم بدلاً من الواقع الدقيق. كما يشير إلى غموض يكتنف بعض الأحداث، مثل طبيعة العلاقة بين الأمير عبد القادر الجزائري ويوسف كرم، أو فيما إذا كانت حركة الأعيان المسلمين في "مؤتمر دمشق" المزعوم حقيقية أم لا. هذا الاعتراف يظهر تحفظ المؤلف على صحة بعض الروايات التقليدية، ويدعو إلى إعادة النظر في فهم هذه الحقبة.
في النهاية، يمكن القول إن حجة الفصل الأساسية هي أن العمل السياسي الحديث في بلاد الشام لم يولد من فراغ أو كنتاج لحركة واحدة، بل نشأ من تفاعل ثلاثي الأبعاد: الإصلاحات العثمانية الفاشلة، والاستبداد الحميدي، والضغوط الاستعمارية الأوروبية. كل هذه العوامل أنتجت أشكالاً مختلطة من سياسة النخبة، تراوحت بين القومية العلمانية لدى بعض المسيحيين، والإسلام الإصلاحي لدى بعض المسلمين، والولاء العثماني لدى الآخرين. الفصل يثير جدلاً تاريخياً مهماً حول طبيعة هذه الحركات الأولى، رافضاً تبسيطها إما كمقدمة مباشرة للقومية العربية أو كمجرد تمرد طائفي ضيق.
4.الفصل الرابع: نزعة الإصلاح والاستقلال في العمل السياسي في العهد الدستوري: السياق المحلي والدولي163–212▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل التحولات الجوهرية في العمل السياسي العربي في بلاد الشام خلال العهد الدستوري العثماني (ما بعد عام 1908)، مركزاً على تفاعل العوامل المحلية والدولية في تشكيل نزعات الإصلاح والاستقلال. يجادل الكاتب بأن فترة الحماس الأولى للإعلان الدستوري سرعان ما أفسحت المجال لصراعات عميقة بسبب السياسة المركزية والقومية المتطرفة لحزب الاتحاد والترقي الحاكم، مما دفع النخب العربية إلى إعادة تقييم علاقتها بالدولة العثمانية والبحث عن بدائل إصلاحية أو استقلالية، وسط تنامي الأطماع الاستعمارية الأوروبية في المنطقة.
يسير الفصل بتسلسل زمني وتحليلي، مبتدئاً بوصف ردود الفعل على إعلان الدستور في تموز/يوليو 1908، حيث قوبل بحماس وفرح عارمين في المدن السورية. لكن سرعان ما ظهرت بوادر الخلاف، وأبرزها شرط معرفة اللغة التركية للنواب في البرلمان (المادة 57 من الدستور)، مما أثار شعوراً بالمهانة لدى العرب. يوضح الكاتب أن هذا الشرط كشف عن نزعة مركزية تركية، وتزامن مع صعود جناح عسكري متشدد داخل حزب الاتحاد والترقي، بقيادة شخصيات مثل طلعت باشا وأنور وجمال. أدى هذا الصعود العسكري، خاصة بعد 1909، إلى سياسة "تتريك" واضحة وإقصاء للموظفين العرب من مناصبهم، مما أفقد الإصلاحيين المسلمين ثقتهم بالحكم الجديد وأضعف العمل المشترك مع الأتراك.
يوثق الفصل تبلور اتجاهين سياسيين رئيسيين في مواجهة هذه السياسة. الأول، تيار "إصلاحي إسلامي" بقيادة مفكرين مثل رشيد رضا، الذي راهن في البداية على الإصلاح الدستوري مع الحفاظ على الوحدة العثمانية، لكنه تحول تدريجياً نحو المطالبة باللامركزية الإدارية. وقد تجسد هذا التيار في جمعيات مثل "جمعية الشورى العثمانية" وحزب "اللامركزية الإدارية العثماني" الذي تأسس في القاهرة عام 1912. الثاني، تيار "استقلالي سوري" يغلب عليه المثقفون المسيحيون المهاجرون، مثل جورج سمنة وشكري غانم في باريس، والذين دعوا صراحة إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية وطلبوا دعم فرنسا.
يأخذنا الفصل خطوة أبعد ليصف نموذجاً عملياً للصراع بين هذه الاتجاهات من خلال تفصيل "حركة الإصلاح في ولاية بيروت" عام 1913. تشكلت لجنة إصلاحية من 90 عضواً (من مسلمين ومسيحيين) ووضعت لائحة مطالب تفصيلية، تضمنت جعل العربية لغة رسمية، وتوسيع صلاحيات المجالس المحلية، وتخفيض الخدمة العسكرية. ومع ذلك، يكشف الكاتب عن انقسام حاد داخل اللجنة؛ فبينما سعى المسلمون للإصلاح داخل الدولة العثمانية، قدم أعضاء مسيحيون عريضة منفصلة إلى القنصل الفرنسي يطلبون فيها الحماية الفرنسية على سوريا أو ضمها إلى لبنان تحت الرقابة الفرنسية. هذه الحادثة تبرز بوضوح التشابك بين النزعة الإصلاحية المحلية والمطامع الاستعمارية.
في مرحلة ثالثة، ينتقل الفصل إلى "المؤتمر العربي الأول" الذي عُقد في باريس في حزيران/يونيو 1913، والذي مثل محاولة لتوحيد أصوات المعارضة العربية. يصف الفصل تركيبة المؤتمر ومداولاته، مظهراً تنوع وجهات النظر: من خطاب عبد الحميد الزهراوي (رئيس المؤتمر) الداعي للإصلاح ضمن الإطار العثماني والاقتباس الحضاري من أوروبا، إلى خطاب عبد الغني العريسي الذي عرّف العرب كـ"أمة" لها حقوقها، وصولاً إلى خطاب ندرة مطران الذي ركز على استقلالية "سوريا" التاريخية. ورغم صدور قرارات تدعو إلى اللامركزية وحقوق العرب، يكشف الكاتب عن انقسام آخر تمثل في تقديم مذكرة منفصلة من قبل بعض المسيحيين إلى الدول الأوروبية تطالب بدعم أكثر صرامة، وتوجهها إلى فرنسا بشكل خاص. ويشير الفصل إلى معارضة شخصيات إسلامية بارزة مثل شكيب أرسلان للمؤتمر، خوفاً من أن يؤدي إلى تفكك الدولة العثمانية في وقت حربها.
في القسم الأخير، يحلل الفصل السياق الدولي الحاسم، مبرزاً كيف أن الأطماع الأوروبية المتزايدة (تقسيم ليبيا من قبل إيطاليا واحتلال فرنسا للمغرب) والمنافسة بين القوى الكبرى خاصة فرنسا وبريطانيا على النفوذ في سوريا، قد هيمنت على العمل السياسي المحلي. يوضح أن السياسيين المحليين، سواء كانوا إصلاحيين أو مستقلين، لم يكونوا فاعلين بمفردهم، بل كانوا جزءاً من لعبة إقليمية ودولية أكبر. يقر الكاتب بأن النزعة الانفصالية لم تكن صيغت بشكل علني ورسمي بعد، بسبب الظروف السياسية، وكانت الحرب العالمية الأولى هي التي ستمهد السبيل لرفع الصوت السوري عالياً.
في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً دقيقاً للواقع المركب، لكنه يظل ضمن حدود التوثيق التاريخي، دون تقديم نقد جذري للخطابات الوطنية الناشئة آنذاك. يمكن أن تشكل الروايات المختلفة للأحداث (مثل الرواية الإسلامية لرشيد رضا مقابل الرواية المسيحية لسمنة) مادة للنقاش حول أصول الهوية العربية الحديثة، دون أن يحسم الفصل أيًا منها، مكتفياً بعرض تعقيداتها وترابطها مع المصالح الدولية.
4.خاتمة213–219▼ ملخص
يتركز هذا الفصل الختامي من كتاب وجيه كوثراني على أزمة الدولة العثمانية في مرحلة انتقالها من نظام قائم على السلطات المحلية والعصبيات إلى مشروع دولة مركزية حديثة، خاصة في بلاد الشام. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن محاولات الدولة العثمانية الجديدة فرض نظام مركزي وقومي موحد على مجتمع متعدد ومتنوع قد فتحت صراعات أهلية حادة وأدت إلى انقطاع في العلاقات بين السلطات المحلية والسلطة المركزية. هذا الانقطاع يظهر جلياً في ثورات مناطق مثل دروز حوران وعلويي الجبل في سوريا والزيدية في اليمن وقبائل الحجاز، التي قاومت محاولات الدمج في دولة قومية واحدة.
يسير الفصل عبر عدة طبقات من التحليل. يبدأ بتقديم أدلة على هذا الانقطاع من خلال تعليقات صحيفة «الأهرام» في القاهرة بين عامي 1908 و1914، والتي وصفت كيف أراد الحكام العثمانيون الجدد تغيير أوضاع المناطق التي كانت تتمتع بالامتيازات فجأة، مما أثار تذمر السكان الذين لم يألفوا دفع الضرائب والخدمة العسكرية ونظام المحاكم الجديد، وعدّوا مساواتهم بالفلاحين إهانة. ثم يستشهد الفصل برسالة خطيرة من الأمير صباح الدين ابن أخ السلطان العثماني إلى السلطان نفسه، حذّر فيها من أن لا عدو للدولة إلا نفسها، وأن سياستها المركزية هي سبب خراب البلاد، واصفاً إياه بالانتحار. هذه الرسالة تؤكد أن أزمة المركزية كانت معترفاً بها حتى داخل الأسرة الحاكمة.
ينتقل الفصل لتحليل مشاريع السلطات المحلية البديلة التي ظهرت في هذه المرحلة، سواء كانت عائدة للملل أو النخب التجارية في المدن أو العصبيات المذهبية والقبلية في الأطراف. هذه القوى، التي استحالت عليها فكرة التحول إلى دولة قومية حديثة، بحثت عن بدائل تراوحت بين صيغ الإصلاح واللامركزية، وبين صيغ الاستقلال القومي ضمن حدود جغرافية محددة. ويؤكد المؤلف أن هذا البحث عن البديل لم يكن معزولاً عن الصراع الدولي المحتدم بين الدول الكبرى لتقسيم مناطق النفوذ في السلطنة، مما خلق صورة معقدة تختلط فيها المطالب المحلية بالمشاريع الغربية.
يعود الفصل إلى الهدف الأساسي للبحث، وهو متابعة تحولات السلطة في مجتمع عثماني يحمل خصائص «الملك القائم على العصبية» كما عبر ابن خلدون، وتراث ولاية الدولة السلطانية الإسلامية. يشرح المؤلف كيف درس مظاهر الاستقبال الاحتوائي للتنظيمات العثمانية الجديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأهمها التقاطع بين حكم الأعيان ونظام الالتزام القديم وبين الإدارة الجديدة ونظام الأراضي (الطابو)، والتداخل بين نظام القضاء الشرعي والمحاكم النظامية، والتشابك بين التنظيم الحرفي التقليدي وغرف التجارة والبلديات. هذا المأزق تزامن مع اشتداد الصراع الدولي وتعدد الأطروحات السياسية العربية بين العثمانية الاصلاحية والقومية الاستقلالية، مما أضاف تعددية في الولاءات السياسية.
يعترف الفصل بحدود منهجية مهمة، حيث يؤكد المؤلف أنه اكتفى بإبراز الجانب الاجتماعي للخطاب السياسي، وأن مقولات الدولة والأمة والوطن والقومية لم تكن موضوعاً لنظرية سياسية مستقلة، بل استخدمت كشواهد على خطاب أنتج في مرحلة انفكاك السلطنة. كما يشير إلى أن مرحلة الانتدابات اللاحقة لا تقل أهمية في كشف جذور الدولة الحديثة، لأنها حملت معها الكثير من توظيفات مأزق الإصلاح العثماني.
يختتم الفصل بتحليل عميق لكيفية استغلال القوى الغربية لهذا المأزق. يقول المؤلف إن الوجه البارز للتنظيمات كان المركزية الصارمة، سواء في عهد السلطان عبد الحميد أو حزب الاتحاد والترقي، بينما كانت القوى المحلية تبحث عن مرتكزات لسلطاتها. في هذا السياق، يقدم الفصل تقريراً لمستشار فرنسي من وزارة الخارجية الفرنسية في أيار/مايو 1920، يرى أن «التعارض التاريخي بين مفهومي الدولة والأمة» يؤدي إلى «عقلية فوضوية»، ويوصي بدراسة التجمعات العرقية لتشكيل استقلالات إقليمية. هذه الرؤية الغربية، التي ترى التجزئة على أساس عرقي وديني حلاً حتمياً، تطبقت عملياً على يد الجنرال غورو في عملية ميسلون في تموز/يوليو 1920.
هكذا، يرى المؤلف أن القرار الفرنسي بإنشاء دويلات سورية لم يكن سوى تطبيق عملي لنظرة استشراقية حاولت تأبيد الحالة المأزقية العثمانية في «ثوابت شرقية» غير قابلة للتغيير. مع ذلك، يوضح الفصل فارقاً جوهرياً بين السلطات الأهلية العثمانية، التي كانت تحقق توازناً تاريخياً معقداً، والسلطات المحلية الجديدة التي وظفتها السياسة الفرنسية كـ«واجهات محلية». هذه الأخيرة كانت تضم أعياناً جدداً ارتكز صعودهم على السلطة الإدارية وامتلاك الأرض والثروة، وليس على جذور تاريخية وعصبية، مما يجعل دورهم مختلفاً وأقل شرعية، ليكون هذا مجرد صفحة من تاريخ تلتها صفحات من تاريخ آخر للمقاومة.