
الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهلية، والحرب العامة في سورية
الثورة السورية، كما يرويها ياسين الحاج صالح في كتابه «الثورة المستحيلة»، ليست مجرد حدث سياسي بل هي تراجيديا وجودية ألغت المسافة بين الخاص والعام، وجعلت من كل سوري شخصاً عاماً تقريباً. الكتاب ليس تاريخاً تقليدياً للثورة، بل شهادة حية من كاتب متورط مباشرة في الصراع، تنقل مسار الثورة وتحولاتها من خلال تجربة شخصية عاشها المؤلف متنقلاً بين دمشق ودوما والرقة وإسطنبول، من آذار 2011 حتى أكتوبر 2013 وخروجه من سورية. الإجابة التي يدافع عنها المؤلف هي أن الثورة السورية كانت مشروعاً تحررياً فريداً، لكنها تحطمت تحت وطأة عنف النظام الوحشي، وتدخلات إقليمية ودولية معقدة، وظهور جماعات جهادية، لتتحول من انتفاضة شعبية سلمية إلى حرب أهلية طائفية ثم صراع دولي تسيطر عليه قوى إمبريالية.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني وتحليلي، يبدأ من الجذور الأخلاقية والثقافية والسياسية للانتفاضة. يرى المؤلف أنها كانت «ثورة العامة» بمعنيين: شمولها لقطاعات واسعة من المجتمع، ووضعها قيمة العمل في مواجهة قيمتي السلطة والامتياز اللتين يقوم عليهما النظام. يصف كيف أن النظام طوال أربعين عاماً فرض «حياة صغيرة ضيقة» خالية من المعنى، وجعل الدين «الفاكهة الروحية الوحيدة» في صحراء الحياة المادية. الانتفاضة كانت تجربة وجودية جماعية، أعاد فيها السوريون اكتشاف ذواتهم وتحرروا من الخوف عبر المجازفة والتضامن، وخلقوا فضاء عاماً افتراضياً غير قابل للاحتلال باستخدام الهاتف النقال وفيسبوك ويوتيوب، مما بنى «ذاكرة موضوعية» للانتفاضة منحت تفوقاً أخلاقياً حاسماً.
لكن مع اشتداد القمع، ينتقل التحليل إلى خطر ما يسميه «الوضع الطبيعي»، وهو حالة يتحكم فيها رد الفعل الغريزي والدفاع عن النفس على حساب التفكير الاستراتيجي. يعدد أربعة مظاهر لهذا الانزلاق في مطلع الشهر السابع للثورة: ميل نحو الدفاع المسلح، تدين الاحتجاجات بشكل أكبر مع دخول التكبير وهتاف «الجنة بسن الشهداء»، ارتفاع أصوات تطالب بالحماية الدولية، وميل إلى الإعلاء من شأن النشاط الميداني على السياسي والثقافي. يضع كل الثقل في أسباب هذا التحول على إرهاب النظام، ويصف تفاصيل القمع الجسدي والنفسي: قلع الأظافر، سلخ الخلد، كهربة الأعضاء التناسلية وقطعها، فقء العيون، قطع الحناجر، فضلاً عن قصف المساجد وتحويل القمع إلى تجارة عبر افتداء المعتقلين بمئات آلاف الليرات.
يكشف الفصل المخصص لـ«الشبيحة» أنهم ليسوا مجرد مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، بل الوجه الآخر المظلم للنظام وجوهره الحقيقي. هم شبان ذكور من منطقة الساحل السوري، علويو المولد، رؤساؤهم من آل الأسد وآل ديب وآل مخلوف، يعملون في التهريب وفرض الخوات، واتصفوا بالخشونة والتبعية العمياء. يضرب أمثلة من ثمانينات القرن العشرين مثل اختطاف الشابة هالة عاقل واغتصابها وقتلها، وقتل الأستاذ الجامعي سمير غفر لرفضه إنباح طالبة. ويكشف سيولة الحدود بينهم وبين أجهزة النظام، مستشهداً بـ سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد الذي وصفه بـ«البطل المباشر لمذبحة حمة عام 1982 ومذبحة سجن تدمر صيف 1980». مع الثورة، تعممت الظاهرة لتشمل كل مناطق البلاد، وصار الشبيحة «جيشاً احتياطياً للنظام» يبيعون قوة قمعهم مقابل أجور وغنائم.
في تحليل الجذور الاجتماعية والثقافية للفاشية السورية، يحدد ثلاث تكوينات مسؤولة عن تغذية العنف: العروبة المطلقة (الصيغة البعثية للقومية)، والطائفية، والبرجوازية الجديدة التي تشكلت في كنف النظام. يوضح أن العروبة المطلقة، المستندة لدستور حزب البعث في نيسان 1947 الذي ينص على أن «الوطن العربي وحدة سياسية اقتصادية لا تتجزأ» وأن «جميع الفوارق القائمة بين أبنائها عرضية زائفة»، قد آل أمرها إلى التمركز حول شخص الحاكم. أما الطائفية فقد جعلت الأسرة الأسدية أول أهل الثقة، فأنشأ حافظ الأسد وحدات عسكرية مستقلة رأس على أكثرها أقاربه وأهل ثقته الأهليين، مما خلق أزمة ثقة وطنية. والبرجوازية الجديدة، التي يمثلها رامي مخلوف رمزاً، تكونت ثرواتها في كنف النظام، وأطلقت «اقتصاد السوق الاجتماعي» صيف 2005 لتحرير اقتصادي لمصلحتها دون إصلاحات سياسية.
الثورة والسلاح هو موضوع فصل حاسم في الكتاب. يرفض المؤلف المقولة التي تخلط بين «ثورة سلمية لها مكون مسلح» وبين «تمرد مسلح»، مؤكداً أن الثورة لم تختر السلاح كخيار إيديولوجي بل فُرض عليها اضطراراً نتيجة تحول النظام من المعالجة الأمنية إلى العسكرية. يقسم الثورة إلى ثلاث مراحل: الأولى من 18 آذار 2011 إلى مطلع آب 2011 وهي مرحلة الاحتجاجات الشعبية، والثانية من مطلع آب 2011 إلى مطلع شباط 2012 حيث تحول النظام إلى المعالجة العسكرية وظهر انشقاق المقدم حسين الهرموش وتشكيل «الجيش السوري الحر» بقيادة رياض الأسد، والثالثة من 7 شباط 2012 وتتميز بـ«الإرهاب وسياسة الأرض المحروقة» وسقوط حي بابا عمرو في حمص ومجزرة حي كرم الزيتون في 11 آذار 2012 التي ذهب ضحيتها 70 امرأة وطفلاً.
يبني الفصل تحليلاً متقناً لكيف تحولت الأعلام والصور في الثورة إلى ساحات معركة رمزية. يحدد أربع «سوريات» متصارعة على الرموز: «سورية الأسد» ورمزها صورة بشار الأسد، «الجمهورية العربية السورية» ورمزها العلم الأحمر، سورية الثائرة ورمزها العلم الأخضر (علم الاستقلال)، و«سورية السلفية» ورمزها الراية السوداء. يكشف عن بنية استبعادية مشتركة بين «سورية الأسد» و«سورية السلفية»، إذ تسعى كل منهما لفرض «سورية خاصة» على «سورية العامة»، ويظهر هذا في تحوير الشعارات الأسدية إلى إسلامية مثل «الإسلام أو لا أحد». لكنه لا يقيم مساواة أخلاقية بين الطرفين، بل يرى أن هناك «معتد ومعتدى عليه»، وأن «مزيداً من الأسد يعني مزيداً من الإسلاموية».
يدقق الكتاب في الجذور الاجتماعية للحرب عبر تحليل ثلاث جماعات: العلويون، سنيو الأرياف العرب، والأكراد. يقدم أطروحة مفادها أن الحرب نفسها أنتجت هذه الجماعات وأعادت تشكيلها، مطبقة مبدأ «الاصطفاء الطبيعي» حيث تقدمت داخـل كل جماعة العناصر الأقل اختلاطاً والأكثر استعداداً للقتال: الشبيحة في الوسط العلوي، السلفيون والجهاديون في الوسط السني، والأوجلانيون في الوسط الكردي. يوضح كيف أن استمرار الحرب يعيق ظهور حلول سياسية تقوم على التفاوض، ويعطي أفضلية للعناصر الأشد تطرفاً، مؤكداً أن الحل الوحيد هو إنهاء الحرب لبناء مجتمع قائم على الاحترام والمساواة.
وصلت الثورة بعد خمس سنوات إلى ثلاثة أطوار محددة بوضوح: الطور الأول هو طور الثورة الوطنية الشعبية من آذار 2011 إلى مطلع 2013، حيث كانت سورية-سورية بامتياز. الطور الثاني هو طور الصراع السني-الشيعي الذي بدأ في 2013 مع دخول حزب الله إلى سورية في نيسان 2013 وصعود جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام من جهة، والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية بإشراف إيراني من جهة أخرى. بلغ هذا الطور ذروته بإعلان داعش خلافتها في حزيران 2014. الطور الثالث هو الطور الإمبريالي الذي بدأ في أيلول 2014 مع تشكيل التحالف الدولي بقيادة أميركية ضد داعش، حيث تحولت الحرب الأهلية إلى صراع دولي، وأصبحت الولايات المتحدة وروسيا طرفين مسيطرين يشتركان في عداء للثورة والسلفية الجهادية.
أما تصور الحل العادل الذي يقدمه المؤلف فيقوم على بناء أكثرية سياسية جديدة تتجاوز الانقسامات الأهلية والطائفية، وتقطع مع حكم السلالة الأسدية وتنظيم داعش، وتؤسس لسورية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية. يرفض فكرة «حماية الأقليات» بوصفها استعمارية، ويرفض فكرة «التوافق الطائفي» غير الدستوري، ويقترح ميثاقاً وطنياً ينص على أن «سورية للسوريين المتساوين، لا أحد ضيف عند أحد ولا أحد في ذمة أحد». لكنه يقر بعدم قدرة السوريين وحدهم على تحقيق هذا الحل في ظل تحكم القوى الدولية في مصيرهم.
في الفصل المخصص لحق تقرير المصير للكرد السوريين، يعترف المؤلف بهذا الحق كمبدأ أساسي غير مشروط، لكنه ينتقد تطبيقه على أرض الواقع من خلال مشروع روجافا الذي يتبناه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. يرى أن هذا المشروع يستند إلى تصور قومي متخيل لا يتطابق مع الوقائع الجغرافية والديموغرافية، ويسعى لتوحيد مناطق غير متصلة تحت اسم واحد، مما يعتبره استمراراً للمنطق القومي العربي التمييزي بثوب كردي. يقدم شهادات من أوساط كردية تصف المشروع بأنه مشروع سلطة حزبية ضيقة لصالح حزب العمال الكردستاني التركي، ويتهمه بالتعامل الاستعلائي مع العرب.
الحجج القابلة للنقاش في هذا الكتاب كثيرة ومهمة. أبرزها رؤية المؤلف للبيئات التقليدية كحاضنة طبيعية للديمقراطية، ودفاعه عن إدماج الإسلاميين السياسيين كحل وحيد لتجنب التطرف، ورفضه لمخاوف «طغيان الأكثرية» بوصفها إلهاءً عن طغيان قائم. كما أن تحليله للصفقة الكيماوية في أواخر أيلول 2013 بين إدارة أوباما وروسيا ووصفها بـ«الخسيسة والمشينة» ودليلاً على «المدى الإجرامي لتكوين النظام الدولي ذاته»، يظل موقفاً سياسياً حاداً يستدعي نقاشاً. نظريته عن «المسألة السورية» بتشابكها المعقد بين الصراع المحلي والتدخلات الدولية، تقدم إطاراً تحليلياً شاملاً لكنه مثير للجدل. في نهاية المطاف، يظل هذا الكتاب شهادة مأساوية على ثورة تحولت إلى حرب، ليس فقط بسبب عنف النظام، بل أيضاً بسبب فشل المعارضة في بناء بديل سياسي منظم، ولامبالاة العالم الذي ترك «المسألة السورية» تتعفن تحت رعاية مصالح القوى الكبرى.
الأشخاص
الفصول(12)
1.مقدمة13–38▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب «الثورة المستحيلة» لياسين الحاج صالح سيرة ذاتية فكرية وسياسية لمسار الثورة السورية، كما عاشها المؤلف خلال نحو خمس سنوات من التنقل بين أربع مدن هي دمشق ودوما والرقة وإسطنبول. الموضوع المحوري هو محاولة ربط الخبرة الشخصية بالمأساة العامة، حيث يوضح المؤلف أن التراجيديا السورية ألغت المسافة بين الخاص والعام، فصار كل سوري شخصاً عاماً تقريباً. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هذا الكتاب ليس تاريخاً للثورة، بل محاولة لرواية جانب من مسارها وسيرتها في العالم، أنتجها شخص متورط في الصراع مباشرةً، وهو ما يمنح النصوص طابع الشهادة المباشرة والتحليل المتأثر بالخبرة الحية.
يسير الفصل بخطى زمنية-مكانية، متتبعاً مراحل كتابة النصوص التي يتألف منها الكتاب، والظروف التي أحاطت بكل منها. يبدأ المؤلف بإيضاح أن معظم النصوص كتبها في دمشق حيث عاش متوارياً لمدة عامين بعد بداية الثورة في آذار 2011، ثم انتقل لكتابة النصوص الأربعة الأخيرة في إسطنبول بعد خروجه من سورية في أكتوبر 2013. يحاول الربط المستمر بين التطورات الميدانية للصراع وتحولات في تفكيره وكتابته، مستخدماً أمثلة ملموسة كتحوله من تسمية الانتفاضة «انتفاضة» إلى «ثورة»، وهو ما يعكس تزايد وتيرة التغيير وعمقه.
يستعرض الفصل خطوة بخطوة الأحداث الكبرى التي صاحبت الكتابة: القمع المبكر للثورة واستخدام الشبيحة، وتوسع الحرب وتسليح الثوار، وظهور التنظيمات الجهادية مثل جبهة النصرة وداعش، والتدخلات الإقليمية والدولية. يتوقف المؤلف عند لحظات مفصلية ويعطيها وزناً خاصاً في تحليله. على سبيل المثال، يرى أن الحادث الغامض في 18 تموز 2012 والذي اغتيل فيه بعض أركان النظام الأمنيين، كان نقطة تحول جذرية، حيث يرجح أن بشار الأسد والإيرانيين تخلصوا من أمنيين مخضرمين ليتحولوا إلى الحسم العسكري بأي ثمن. كما يعتبر أن الصفقة الكيماوية التي عقدتها إدارة أوباما مع روسيا في أواخر أيلول 2013 كانت «لطمة مهولة» للسوريين، وخادمة مباشرة لداعش والنصرة، لأنها كرست الإفلات من العقاب وشرعت القتل بوسائل أخرى غير كيماوية.
يخصص المؤلف حيزاً كبيراً من المقدمة للخبرة الشخصية الأكثر تأثيراً في مساره، وهي اختطاف زوجته سميرة الخليل في ديسمبر 2013 مع ثلاثة من أصدقائهم (رزان زيتونة، وائل حمادة، ناظم حمادي) على يد تنظيم «جيش الإسلام» في دوما. يصف ذلك بأنه أكبر ضربة وجهت إليه شخصياً وإلى الثورة، ويكشف عن تأثيره العميق في نفسه، حيث يقول إن «رواية القصة وبناء معناها وبناء سياستها هو الالتزام الذي قطعته على نفسي ما داموا مغيبين». يعترف بخطأين مصيريين: التقليل من خطر التهديد الذي تعرضت له رزان من قبل جيش الإسلام، وعدم الالتفات الجدي للتحريض الطائفي ضد سميرة قبل أسابيع من اختطافها. هذا الموقف الشخصي المأساوي لا يقدم مجرد انفعال، بل يُستخدم كدليل على تحول الصراع من مواجهة مع النظام إلى حرب معقدة تتعدد أطرافها، وتشمل قوى كانت في الأصل محسوبة على الثورة.
يعترف المؤلف في الفصل بحدود معرفته واعترافاته المتكررة بعدم اليقين بشأن تفاصيل كثيرة، مثل طبيعة الحادث الغامض في تموز 2012، وأسباب إغلاق الطريق على الثوار في الغوطة أمام دمشق، وهذا يضفي مصداقية على الرواية ويجعلها شهادة من الداخل وليست حكماً مطلقاً. يطرح أسئلة مفتوحة ويقر بصعوبة الإجابة عنها، مثل وجاهة قراره بالامتناع عن العمل السياسي المباشر خلال فترة التواري في دمشق، مكتفياً بدور الكاتب.
أخيراً، تحتوي المقدمة على حجج قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها توصيفه للصفقة الكيماوية بين أميركا وروسيا كـ«خسيسة ومشينة» وكونها دليلاً على «المدى الإجرامي لتكوين النظام الدولي ذاته». كما يقدم نظرية متكاملة عما يسميه «المسألة السورية»، وهي تشابك معقد بين الصراع المحلي ضد الطغيان مع صراعات دينية وطائفية وإثنية وتدخلات دولية، مشبهاً إياها بمسائل تاريخية كبرى كالمسألة اليهودية والشرقية. هذا التحليل، الذي يضع الثورة السورية في إطار رد فعل الأقوياء (محلياً وإقليمياً ودولياً) على تمرد الضعفاء، يظل مثيراً للجدل ويتطلب نقاشاً عميقاً حول دور القوى الدولية، وعلى رأسها أدوار روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.
1.ثورة العامة: قضايا أخلاقيّة وثقافيّة وسياسيّة في شأن الانتفاضة السورية39–52▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: ما هي الأخلاقيةُ والثقافية والسياسية الكامنة وراء الانتفاضة السورية، وكيف يمكن فهمها كتجربةٍ استثنائية تعيد تعريف الإنسان والمجتمع في وجه نظامٍ استبدادي حداثوي؟ يرى المؤلف أن الانتفاضة لي مجرد حركة سياسية تطالب بتغيير النظام، بل هي قبل كل شيء تجربة وجودية وأخلاقية جماعية، يعيد فيها السوريون اكتشاف ذواتهم ويتحررون من الخوف والأنانية من خلال المجازفة والتضامن. الإجابة التي يقدمها هي أن هذه الثورة هي ثورة «عامة» بمعنيين: أولاً، لأنها تشمل قطاعات واسعة من المجتمع السوري، وثانياً، لأنها تضع قيمة العمل في مواجهة قيمتي السلطة والامتياز اللتين يقوم عليهما النظام.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مستويات تحليلية. يبدأ بتوصيف التجربة الذاتية للمشاركين في الانتفاضة، فهي تجربة «خارقة» تغيّر النفس قبل الواقع، وتزرع روحاً من الغيرية والتضامن النادرين في ذاكرة جيلين. يصف كيف أن النظام طوال أربعين عاماً فرض «حياة صغيرة ضيقة» خالية من المعنى، وجعل الدين «الفاكهة الروحية الوحيدة» في صحراء الحياة المادية. ثم ينتقل إلى الدور الحاسم لوسائل الاتصال الحديثة، مثل الهاتف النقال وفيسبوك ويوتيوب، في خلق فضاء عام افتراضي لا يمكن احتلاله، وبناء «ذاكرة موضوعية» للانتفاضة عبر أرشفة هائلة من التسجيلات المصورة. هذا التوثيق هو الذي منح الانتفاضة تفوقاً أخلاقياً وإعلامياً حاسماً، لأن من يضحون بحياتهم لا يقارنون بـ«حزب الكنبة» ولا بأدوات النظام القمعية.
يوضح المؤلف الفرق الجوهري بين قوتين في سورية: الانتفاضة التي تملك «تحدي الخوف وروح الحرية» والنظام الذي يملك «السلاح والمال والخوف» لكنه مفتقر تماماً إلى المعنى. ويكشف أن الانتفاضة تقوم على فعل التسمية، حيث تحيي أسماء المدن والقرى والأحياء (درعا، حمص، حلب، دوما، الرستن، بانياس...) وأسماء الجمع (الجمعة العظيمة، جمعة الغضب...) في مقابل النظام الذي يفرض اسماً واحداً هو «الأسد» على كل شيء. هذا التسمية هو فعل تحرر واستعادة للسيطرة على الحياة واللغة.
في القسم الأعمق من الفصل، يقدم المؤلف نقداً لاذعاً لسياسة «التحديث والتطوير» المنسوبة للرئيس بشار الأسد. يرى أن هذه السياسة قامت على تجديدات مادية شكلية (سيارات حديثة، مولات، فنادق، جامعات خاصة) لكن دون أي مضمون إنساني أو أخلاقي أو سياسي؛ بل رافقتها تدهور في التضامن الاجتماعي وانتشار إيديولوجيات عصبوية. ويرى أن هذا الجمع بين «نظام سياسي متقادم ولا إنساني» و«واجهة مادية براقة» هو «الفصل النوعي للحكم الأسدي»، وهو الذي يفسر انطلاق الاحتجاجات من المناطق الطرفية والمهمشة. ويستخدم حادثة عاطف نجيب (ابن خالة الرئيس) الذي عذب أطفال درعا ثم اقترح على آبائهم «استيلاد نسائهم» كدليل صارخ على درجة الانفصال النفسي والاحتقار العنصري الذي بلغته نخبة السلطة.
يتناول الفصل أيضاً العلاقة بين البيئات التقليدية والديمقراطية، ناقضاً الفكرة الحداثوية التي تخلط بين التهميش الاقتصادي والسياسي وبين «التقليدية» الجوهرية. يرى أنه كلما كانت البيئات المحلية أقوى كانت أكثر ممانعة للطغيان، وأن «التقليدية المزعومة هي شهادة زور تطلقها الإيديولوجية الحداثية». ثم يحلل تحالف الانتفاضة الذي يجمع بين بيئات محلية وأهلية وبين متعلمين ومثقفين جدد، ويجد أن ما يوحدهم هو ارتباطهم بالعمل، مما يجعل الحرية (لا العدل وحدها) هي المطلب المركزي، لأن الحرية شرط لإعادة بناء قيمة العمل التي دمرها نظام الامتياز.
في مواجهة المخاوف من «طغيان الأكثرية» أو طغيان إسلامي محتمل، يرفض المؤلف هذه السردية جذرياً. يرى أن ليس لها سند في تاريخ سورية الحديث الذي كان يتجه لتقليص الفوارق الطائفية قبل العهد البعثي. ويحاجج بأن التخوف من طغيان مستقبلي محتمل هو إلهاء عن طغيان قائم محقق. وينتقد بعنف خطاباً «حداثوياً» يخلط بين الإسلام والاستبداد، مؤكداً أن سحق الإسلاميين تاريخياً (في مصر، تونس، سورية، الجزائر) لم ينتج إلا دكتاتوريات وإسلاميين غلاة. ويخلص إلى أن الحل ليس استبعاد الإسلاميين بل إعادة إدماجهم في المشهد السياسي، مما سيفرض على المعارضة الجمع بين الديمقراطية والعلمانية معاً.
أخيراً، يوجه الفصل نظرة واقعية نحو المستقبل، محذراً من التوقعات المبالغ فيها والتي تورث الخيبة. يؤكد أن المطلوب في السنوات الأولى هو نقل سورية إلى أوضاع «تقبل الإصلاح» وتستجيب بمرونة أكبر لتطلعات السوريين. ويعدد التحديات المهولة: إعادة بناء الدولة والمجتمع، إصلاح التعليم والقضاء والإدارة، إعادة بناء الجهاز الأمني والإعلام والجيش على أسس جديدة بالكامل، بعد أن كانت هذه المؤسسات مبنية على العداء للشعب. ويختتم الفصل بملاحظة أن الانتفاضة تطرح تحدياً كونياً، فهو يرى أن أزمة سورية لم تعد أزمة سورية وحدها بل «أزمة العالم»، مما يستدعي مبدأ «المسؤولية العالمية» ومؤسسات دولية جديدة غير الأمم المتحدة ومجلس الأمن الحاليين.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، يمكن الإشارة إلى رؤية المؤلف للبيئات التقليدية كحاضنة طبيعية للديمقراطية، وهي رؤية تخالف خطاباً حداثوياً واسع الانتشار. أيضاً، دفاعه عن إدماج الإسلاميين السياسيين كحل وحيد لتجنب التطرف، ورفضه لمخاوف «طغيان الأكثرية» بوصفها إلهاءً عن طغيان الحكم العائلي، هي مواقف تستدعي جدلاً عميقاً في سياقات سياسية وثقافية مختلفة.
2.الثورة السورية وخطر «الوضع الطبيعي»53–62▼ ملخص
ملخص فصل «الثورة السورية وخطر "الوضع الطبيعي"» من كتاب "الثورة المستحيلة" لياسين الحاج صالح.
المحور الأساسي لهذا الفصل هو تحذير الكاتب من انزلاق الثورة السورية، في مطلع شهرها السابع، نحو ما يسميه "الوضع الطبيعي". هذا المفهوم لا يعني العادي أو المألوف، بل نقيض التخطيط الواعي والسياسة والثقافة. إنه حالة يتحكم فيها رد الفعل الغريزي المباشر، والدفاع الحيوي عن النفس، والاستماتة من أجل البقاء، على حساب التفكير الاستراتيجي المجرد الذي يراعي المصلحة الوطنية العامة والمطالب الديمقراطية في الحرية والكرامة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الثورة تقف على حافة هذا الانزلاق الخطير، مدفوعة بوحشية النظام المتنامية، مما يهدد بتحويل الصراع السياسي إلى حرب أهلية طائفية مدمرة.
يسير الكاتب في بناء حجته خطوة خطوة، بتفصيل أربعة مظاهر رئيسية لهذا التحول الطبيعي المحتمل. أولاً، يلاحظ نزوعاً متزايداً نحو الدفاع المسلح عن النفس، وإن كان لا يزال محلياً ومتقطعاً، لكنه يعبر عن ضيق متزايد من التمسك الطقسي بالسلمية، بل وترحيب أحياناً بالمواجهة المسلحة. ثانياً، يشير إلى تدين الاحتجاجات بشكل أكبر، فبعد أن بدأت الثورة دنيوية ومدنية وشعاراتها تنفي أي طابع ديني "لا سلفية ولا إخوان"، ومع اشتداد القمع وازدياد عدد الشهداء بعد شهرين تقريباً، دخل التكبير وهتاف "الجنة بسن الشهداء بالملايين" واستغاثة "يا الله/ ما إلنا غيرك يا الله". هذا التحول يعبر عن شعور محتد بالافتقار إلى الحماية والسند.
ثالثاً، يرى الكاتب أن بدء ارتفاع أصوات تطالب بـ"الحماية الدولية"، خاصة بعد موجة الاستئصال الشامل في شهر رمضان حيث لم يمر يوم دون وقوع شهداء، هو مؤشر إضافي على تفتت القرار ومنطق الكفاف. تسمية يوم جمعة باسم "جمعة الحماية الدولية" تدل على إحلال ما هو مجادل فيه سياسياً محل ما كان يفترض أن يكون شعاراً إجماعياً. رابعاً، يسجل الكاتب ميلاً متزايداً إلى الإعلاء من شأن النشاط الميداني والتشكك في النشاط السياسي والثقافي، ويتجلى ذلك في تصرف متزايد بانفعال وغضب، وصولاً إلى تحول الشعارات من "الشعب يريد إسقاط النظام" إلى "الشعب يريد إعدام الرئيس"، مما يدل على تشخصن الصراع وتوجيه الكراهية نحو أفراد وأسر معينة.
بعد سرد هذه المظاهر، ينتقل الكاتب إلى تحليل أسباب هذا التحول، واضعاً كل الثقل على إرهاب النظام. يصف الكاتب تفاصيل القمع الجسدي والنفسي باستخدام مفردات صارخة: قلع الأظافر، سلخ الخلد، كهربة الأعضاء التناسلية وقطعها، فقء العيون، قطع الحناجر، التعرية والإهانات، فضلاً عن قصف المساجد وتأليه بشار الأسد وأخيه، وتحويل القمع إلى تجارة عبر افتداء المعتقلين بمئات آلاف الليرات. هذه الممارسات، التي يمارسها القامع بكل كيانه وكراهيته لا كموظف عمومي، تجعل من المستحيل على المحكومين الذين يشعرون بأنهم بلا سند أن يحتكموا إلى ضميرهم ومبادئهم المجردة. التساؤلات التي يطرحها الكاتب هنا هي محور حجته: كيف للمرء أن يبقى مسالماً حين يُقتل أهله ويُنهب بيته؟ كيف له ألا يطلب الحماية الدولية حين يواجه طغمة لا تؤمن إلا بالقوة؟ ما المشترك بين التسلح والتديين وطلب الحماية الدولية؟ الإجابة هي نازع واحد للاحتماء؛ مرة بالذات، ومرة بالله، ومرة بقوة دولية.
يعترف الكاتب بأن بلوغ "الوضع الطبيعي" ليس محتوماً، فهو مجرد ميل عام ومؤشرات غير حاسمة وعكوسة. لكنه يحذر من أن استمرار سياسات النظام الوحشية، والتي يصفها بأنها "طبيعية إلى أقصى حد" في غرضها وشهوتها، تدفع نحو هذه الحتمية الخلدونية التي تؤول بالبلد إلى الخراب العام. ويشير إلى أن الفاعل الأساسي المسؤول هو النظام، وأنه لا يمكن لوم المحكومين المبتلين الذين يدفعون إلى التصرف بمنطق الاستماتة. إن السياسة والضمير والثقافة تصبح "كماليات" من وجهة نظر دواعي البقاء.
في ختام الفصل، يفتح الكاتب سؤالاً حول إمكانية تجنب هذا المصير. يرى أن الإطار السياسي المعارض يمكن أن يحدث فرقاً عبر تشكيل قيادة موحدة تحظى بقبول وثقة، تستطيع تقديم مبادرات سياسية، والتأثير على مسار الانتفاضة باتجاه الخير العام، وعزل النظام وتجريمه، وبلورة تصورات لمستقبل سوريا الديمقراطي. لكنه يقر بأن المشكلة الأكبر أمام هذا الجهد هي انقسامات المعارضة التي تعكس انقسامات اجتماعية طائفية وجهوية. إذا تعذر تشكل هذا البديل السياسي، واستمرت آلة القتل تحصد الأرواح، فإن الدخول إلى "الوضع الطبيعي" سيكون حتمياً، وهو ما يعرّفه الكاتب صراحة بأنه الحرب الأهلية الطائفية، حالة "حرب الجميع ضد الجميع" كما عند توماس هوبس. وفي هذه الحالة، لا مكان للسياسة والتدبر، وتتسيد الحتمية التي لا يبقى أمام الفرد العاقل إلا مراقبتها.
هذا الفصل مبني على جدلية قابلة للنقاش بين "الضمير" و"الطبيعة". فبينما يقر الكاتب بأن منطق البقاء يبرر العديد من التحولات كالتسلح وطلب الحماية، إلا أنه يحذر من مخاطرها الوجودية التي قد تحول مجرى الثورة إلى خراب شامل. الجدل يدور حول مفارقة: هل يمكن الحفاظ على المبادئ الأخلاقية والسياسية العليا (السلمية، الوطنية، الديمقراطية) في مواجهة آلة قتل لا تتقي الله ولا تراعي قانوناً، أم أن محاولة التمسك بها في ظل الإبادة هي نوع من المثالية المستحيلة التي تترك الضحية بلا حماية؟ النص يميل إلى أن المسؤولية الأخلاقية لتجنب الحرب الأهلية تقع في المقام الأول على النظام، ثم على قدرة المعارضة على بناء بديل سياسي منظم.
3.في الشبّيحة والتشبيح ودولتهما63–84▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل ظاهرة "الشبيحة" و"التشبيح" في سورية، معتبراً إياها ليست مجرد مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، بل تعبيراً عن جوهر النظام السياسي السوري و"لا شعوره السياسي المتأصل". يقدم المؤلف ياسين الحاج صالح إجابة واضحة: الشبيحة هم الوجه الآخر المظلم للنظام، وهو مزيج من العنف الخاص والمنفلت والعشوائي، القائم على القرابة والتبعية الشخصية، والذي يبرز كأداة حكم أساسية في أوقات الأزمات.
يسير الفصل خطوة خطوة لتفكيك الظاهرة. يبدأ بأصل الكلمة الغامض، الذي قد يكون مشتقاً من "أشباح" لظهورهم واختفائهم السريع، أو من سيارة "المرسيدس الشبح" التي يفضلونها. يشير المؤلف إلى أن الكلمة دخلت التداول السوري في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين، لكنها انتشرت على نطاق واسع بالتزامن مع أزمة وطنية كبرى قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ثم تفجرت مع الثورة السورية في منتصف آذار 2011. ويوضح أن الشبيحة الأصليين هم شبان ذكور من منطقة الساحل السوري، علويو المولد، ورؤساؤهم من آل الأسد وآل ديب وآل مخلوف، ويعملون في التهريب وفرض الخوات، ويتصفون بالخشونة والتبعية العمياء لرؤسائهم، مما يجعلهم أقرب إلى منظمات المافيا التي تغض أجهزة الحكم النظر عنها وتضمن لهم الحصانة.
يضرب المؤلف أمثلة من ثمانينات القرن العشرين لتوضيح سلوكهم، كإجبار زبائن مقهى في اللاذقية على الانبطاح تحت الطاولات، وقتل شاب رفض إهانة، والاستيلاء على ممتلكات الغير. ويذكر مرويات متواترة من بداية التسعينات عن اختطاف الشابة هالة عاقل واغتصابها وقتلها، وقتل الأستاذ الجامعي سمير غفر لرفضه إنباح طالبة. يكشف الفصل عن سيولة الحدود بين الشبيحة وأجهزة النظام، مستشهداً بـ سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد كأقرب مثال لميليشيا لا يضبطها قانون، حيث كان رفعت نفسه "شبيحاً بكل معنى الكلمة" ووصف بـ"البطل المباشر لمذبحة حمة عام 1982 وقبلها لمذبحة سجن تدمر صيف 1980".
يميز المؤلف بين عناصر أربعة في "مدرك الشبيحة الأصلي": قرابة الدم والمذهب مع آل الحاكم، ونزعة عداء للمجتمع، والتبعية الشخصية لقادتهم، والدافع الاقتصادي القوي من التهريب والنهب. ويشرح كيف أن الطائفية أصبحت أداة سياسية مناسبة لتعبئة هؤلاء واستتباعهم، حتى أنهم أصبحوا "قوة حكم رخيصة الثمن وفقيرة". لكنه يوضح أن النظام لم يقضِ على الظاهرة، بل كان يديرها، ففي عام 2007، كان هلال الأسد (ابن عم بشار) وأتباعه يتنقلون بين السجون ويشبحون على السجناء دون أن يجرؤ أحد على ضبطهم. هذا التقارب البنيوي يتجسد في الممارسات اليومية، مثل قصة "الشبيح" الذي صرخ في وجه سائق خالف القانون: "الطريق لك أنت؟ ألا تعرف أن البلد كله لنا؟".
مع الثورة، تعممت الظاهرة. فالشبيحة لم يعودوا حكراً على الساحل، بل ظهروا في كل مناطق البلاد، ومنهم في حلب أسر محلية ممتدة مثل آل بري، أو خليط من أصحاب السوابق ورجال الأمن. ويصف المؤلف كيف أن عناصر المخابرات في فيديوهات شهيرة (مثل فيديو البيضا) يتصرفون كالشبيحة، مجبرين رجلاً أعزل على الهتاف "لا إله إلا بشار!" أو يأمرون بدفن رجل حياً. يصبح الشبيحة "جيشاً احتياطياً للنظام يتطوع بكلفة رخيصة وبحماسة كبيرة للدفاع عنه". ويحلل المؤلف منطقهم الاقتصادي، فهم "بروليتاريا قمع" يبيعون قوة قمعهم مقابل أجور وغنائم، ويشير إلى تقرير مهم لـلجان التنسيق المحلية (المصدر الأكثر موثوقية آنذاك) يوثق قيام ميليشيات الشبيحة بأعمال التخريب وسرقة ممتلكات المواطنين كجوهرات، بل والحصول على المال مقابل إطلاق سراح المعتقلين.
يخلص الفصل إلى أن التشبيح هو "نزوع متأصل في بنية النظام السوري"، وهناك تناسب طردي بين أسلوب الحكم الشبيحي وانتشار الشبيحة. ينذر بأنه إذا دانت الكلمة العليا للنظام، فسيسود الطابع الشبيحي للحكم بأساليب أفظع مما عرفته البلاد. التأكيد القاطع هو أن "الانتهاء من الشبيحة والأساليب الشبيحية يقتضي الانتهاء من نظام الحكم الشبيحي"، وهو ما يكثفه شعار المتظاهرين في تلبيسة الحمصية عام 2011: "نريد دولة مدنية تحكمنا، لا دولة شبيحة تقتلنا". أخيراً، يوسع المؤلف المفهوم ليشمل "التشبيح الإيديولوجي" كنظام للمزايدة والتخوين وخلق البارانويا، و"التشبيح الاقتصادي" حيث جُنت الثروات بالقوة، و"التشبيح الإقليمي" حيث عمل النظام كبلطجي في محيطه، لا سيما في لبنان على يد شخصيات مثل رستم غزالة. الجامع بين هذه الأشكال كلها هو "الانفصال": فصل العمل عن الثمرة، والكلمات عن المعاني، والسلطة عن التمثيل.
يمكن القول إن تحليل المؤلف يقدم رؤية متكاملة وشاملة لظاهرة معقدة، ربطاً بجذور النظام وبنيته. الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي نفي أي إمكانية لإصلاح النظام من الداخل، وتأكيد أن طبيعته الشبيحية تجعل أي إصلاح مستحيلاً، وهذا حكم حاسم يبني عليه منظوراً سياسياً واضحاً. كما أن تسليط الضوء على البعد الاقتصادي للظاهرة (النهب المنظم) يضيف بعداً جوهرياً لفهم آليات استمرار النظام.
5.الثورة والسلاح: خطوط عريضة من القصة91–102▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول طبيعة الثورة السورية، وتحديداً العلاقة بين مسارها السلمي وظهور المكون العسكري فيها. يقدّم المؤلّف إجابة واضحة ومباشرة: الثورة لم تختر حمل السلاح كخيار إيديولوجي أو استراتيجي مسبق، بل فُرِضَ عليها اضطراراً كنتاج جانبي ومباشر لتحوّل النظام من المعالجة الأمنية إلى المعالجة العسكرية والحربية الشاملة. يرى الكاتب أن الثورة تظل في جوهرها ثورة شعبية سلمية، لكنها طوّرت مكوناً مسلحاً للدفاع عن النفس في وجه عنف الدولة الممنهج، ويرفض المقولة التي تخلط بين "ثورة سلمية لها مكون مسلح" وبين "تمرد مسلح".
يسير الفصل خطوة خطوة مع التطور الزمني للثورة، مقسماً إياها إلى ثلاث مراحل. الأولى، من 18 آذار 2011 إلى مطلع آب 2011، وهي مرحلة الاحتجاجات الشعبية المتسعة التي بلغت ذروتها في مظاهرات ضخمة في مدينتي حماه ودير الزور. يذكر المؤلّف أن النظام تردد في مواجهة مظاهرات حماه تحديداً نظراً لمكانتها الرمزية بعد مذبحة شباط 1982 التي يُحتمل أن 70 ألفاً سقطوا ضحيتها، وأيضاً بسبب زيارة السفيرين الأميركي والفرنسي للمدينة في تموز. لكن مع مطلع شهر رمضان (مطلع آب)، احتل النظام هذه المدن بالدبابات وشرع في سياسة القتل والتعذيب الوحشي.
المرحلة الثانية تمتد من مطلع آب 2011 إلى مطلع شباط 2012، وتتميز بتحول النظام إلى المعالجة العسكرية والحربية. يوضح الكاتب أن انشقاقات الجيش بدأت منذ الأسابيع الأولى للثورة بدوافع احتجاجية وضميرية، لكن المقاومة المسلحة المنظمة ظهرت بشكل أساسي في هذه المرحلة. يشير إلى انشقاق المقدم حسين الهرموش في أواخر حزيران 2011 وتشكيله "تجمع الضباط الأحرار". وفي أواخر الشهر السابع، تشكل "الجيش السوري الحر" بقيادة العقيد المنشق رياض الأسعد كإطار عام. يؤكد الكاتب أن هذا الظهور لم يكن خياراً لأحد، بل نتاجاً جانبياً متسعاً لعسكرة النظام.
المرحلة الثالثة تبدأ في 7 شباط 2012 وتتميز بـ"الإرهاب وسياسة الأرض المحروقة"، وخصوصاً في حمص، إدلب، حماه، ومناطق دمشق. يصف المؤلّف سقوط حي بابا عمرو في حمص بعد حصار دام شهراً، وارتكاب مجازر طائفية كمجزرة حي كرم الزيتون في 11 آذار 2012 التي ذهب ضحيتها 70 امرأة وطفلاً. يربط الكاتب هذا التصعيد العسكري ارتباطاً وثيقاً بالغطاء السياسي الدولي، مشيراً إلى أن الهجوم الكبير جاء بعد يوم واحد من نقض روسيا والصين، للمرة الثانية، لقرار في مجلس الأمن، وتزامناً مع زيارة وزير الخارجية ومدير المخابرات الروسيين لسورية.
يطوّر المؤلّف حجته الأساسية بدقة، فيناقش بالتفصيل تنوع مكونات المسلحين في منطقة مثل جبل الزاوية في إدلب. يصنفهم إلى أربعة أصناف: أولاً، "الجيش الحر" المؤلف من منشقين عن الجيش والشرطة. ثانياً، مجموعات مسلحة من شباب الثورة مهمتها حماية المداخل والمظاهرات. ثالثاً، مجموعات من النصابين والمحتالين ومهربي الآثار الذين يستغلون اسم الثورة. ورابعاً، لصوص مسلحون كانوا موجودين قبل الثورة. بهذا التفصيل، يرفض الكاتب النظرة الأحادية إلى المكون العسكري، معترفاً بوجوده كحقيقة ميدانية معقدة، بعضها مقبول وضروري وبعضها الآخر فوضوي ومُجرَّم، بل ويحتمل أن أجهزة النظام الأمنية قد تغذي بعض هذه المجموعات الإجرامية لتشويه صورة الثورة.
في القسم الأهم من الفصل، ينتقد المؤلّف "التحفظ على المكون العسكري" المنتشر في أوساط المعارضة، ويشرح لماذا يعتبر هذا الطرح خاطئاً من ثلاث زوايا. أولاً، يخطئ في اعتبار ظهور السلاح اختياراً سياسياً، بينما هو ضرورة فرضها عنف النظام. ثانياً، هذا الموقف الانسحابي يحرم أصحابه من أي فرصة للتأثير على الواقع أو تنظيم عمل الجيش الحر وضبطه. ثالثاً، لا يقدم هذا الطرح بديلاً عملياً للمقاتلين الذين يوجدون على الأرض، والمطلوب هو مساعدتهم على التنظيم وليس التخلي عنهم.
يقرّ الكاتب بتحفظات وحدود واضحة، فيعترف بـ"مضاعفات حقيقية لعسكرة الثورة" يتعين التنبه لها. أولها الخسائر البشرية والمادية المرتفعة. ثانيها تضييق قاعدة التماهي بالثورة، حيث أن بعض الجمهور المتردد قد يجد في ظهور السلاح سبباً للتحول إلى السلبية أو العداء. ثالثها أن سقوط النظام بالسلاح سيخلق مشكلات ما بعد الثورة أصعب بكثير مما لو كان السقوط سلمياً، مستشهداً بتجارب تاريخية من فرنسا وروسيا والصين والجزائر.
يختتم الفصل بنقطة جدلية قابلة للنقاش، حيث يحذر من تطور محتمل: إذا استمر النظام في سياسة الإرهاب، فإن الظروف ستهيئ أكثر من أي وقت مضى للتحول من "المقاومة المسلحة المنظمة" إلى "العنف الجهادي العدمي"، حيث تكون قضية هذه المجموعات الجهادية "دينية وليست وطنية" وأداتها هي "العنف العدمي". الخيارات المتاحة، برأيه، ليست بين وجود مكون عسكري وعدمه، بل بين وجوده بصورة منظمة أو غير منظمة، وهو خيار يقرّ بصعوبته البالغة ولكن لا مفرّ منه.
6.في الجذور الاجتماعية والثقافية للفاشيّة السورية103–152▼ ملخص
ملخص فصل "في الجذور الاجتماعية والثقافية للفاشية السورية"
يتناول هذا الفصل الجذور الاجتماعية والثقافية التي غذت العنف الفاشي الذي يمارسه نظام بشار الأسد منذ اندلاع الثورة السورية، والذي أوقع حتى الآن نحو 11 ألف قتيل من عامة السوريين وفقرائهم، وألحق دماراً واسعاً بعشرات المدن والبلدات، وتسبب بنزوح داخلي لأكثر من مليون شخص ولجوء ما يزيد على مئة ألف لاجئ إلى البلدان المجاورة. يقترح المؤلف ثلاث تكوينات اجتماعية وثقافية هي المسؤولة عن تغذية هذا العنف وتسويغه: العروبة المطلقة (الصيغة البعثية للقومية العربية)، والطائفية وما يتصل بها من تشكيلات اجتماعية وسياسية، والبرجوازية الجديدة التي تشكلت في كنف النظام الأسدي.
يعرف المؤلف الفاشية في سياق هذا الفصل بأنها العدوان العنيف على العامة واسترخاص حياتهم وكرامتهم، واستخدام منهج الحملات التأديبية في التعامل مع الاحتجاجات، بما في ذلك قصف البلدات والأحياء، وذلك على يد طغمة حكم ثرية ومتمتعة بالحصانة، وبذرائع تحيل إلى "الوطن" و"أمن الوطن". ويؤكد أننا لن نجد هنا فكراً فاشياً نسقياً، بل مزيجاً من عنف منفلت لا ضوابط له و"فكر" يسكت على العنف أو يسوغه ويدعو إليه.
يمثل الجذر الأول، العروبة المطلقة، في عقيدة تقضي بأن سورية "قطر عربي" وأن عروبتها ماهوية وثابتة ومستغرقة كلياً لجميع عناصرها. يستشهد المؤلف بديباجة دستور حزب البعث الصادر في نيسان 1947 التي تنص على أن "الوطن العربي وحدة سياسية اقتصادية لا تتجزأ" وأن "الأمة العربية وحدة ثقافية وجميع الفوارق القائمة بين أبنائها عرضية زائفة". هذه العروبة ليست تاريخية أو تعاقدية، بل ماهوية، وهي تؤسس لسياسة تذويب قومي، حيث جرى حرمان نحو ربع مليون كردي من حقوقهم منذ نصف قرن. الوظيفة الأبرز لهذه العقيدة هي التطابق بين السوريين وحزب البعث، وتؤسس لنظرة مرتابة تجاه "الخارج" الدولي، وتجعل نقد الجيش خيانة غير متصورة، وتخلق مناخاً من الحرب والاستنفار النفسي والفكري. وقد آل الأمر بالعقيدة البعثية إلى التمركز حول شخص الحاكم، حيث تجسدت العروبة المطلقة في شخص حافظ الأسد، وتحولت الثورية البعثية إلى حكم سلطاني سلالي.
أما الجذر الثاني فهو الطائفية. يوضح المؤلف أن ما هو مهم في شأن الطائفية ليس تعدد الأطر الاجتماعية الموروثة، بل نوعية التنظيمات السياسية والقانونية التي تتيح تحييد هذه التمايزات أو تغذيتها. اعتمد العهد الأسدي منذ بواكيره على موثوقيه الأهليين في أمن نظامه، حيث أنشأ حافظ الأسد وحدات عسكرية مستقلة رأس على أكثرها أقاربه وأهل ثقته الأهليين، وتم تفخيخ الجيش أمنياً وطائفياً بحيث يتعذر على أي وحدة عسكرية أن تتصرف بصورة موحدة. أصبحت الأسرة الأسدية أول أهل الثقة، وكان رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع المكونة أساساً من علويي المولد، وكان عدنان مخلوف ابن عم زوجة الأسد قائد الحرس الجمهوري. هذا التكوين هو المنبع الأول للتوترات الطائفية في مجتمع كان يسير قبل الأسد نحو تقلص الفوارق الاجتماعية. أدى ذلك إلى أزمة ثقة وطنية متعددة المستويات، حيث يتبادل السوريون مشاعر الارتياب ولا يثقون إلا بمجموعاتهم الأهلية، وتطورت سرديات تفوق ومظلومية لدى كل جماعة. ويشير المؤلف إلى أن سجن تدمر هو ما كان يجسد التقاء الطائفية بالعنف الفاشي المنظم، حيث حرص النظام على أن يكون معظم السجانين علويي المنبت ورئيس السجن علوياً، ومعظم السجناء إسلاميين. كما يرتبط بالطائفية ظاهرة "الشبيحة" المسؤولين عن الجرائم الأشد بشاعة مثل مجزرة كرم الزيتون في حمص في 11 آذار 2012 ومذبحة الحولة في 25 أيار 2012.
يمثل الجذر الثالث البرجوازية الجديدة المتكونة في نواتها الصلبة من "أبناء المسؤولين" وأتباعهم، الذين تكونت ثرواتهم في كنف النظام بالاستفادة الامتيازية من عقوده وصفقاته. رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد وصاحب شركة سيرياتل، هو رمز هذه الطبقة الذي قال بعد شهرين من الثورة إنهم قرروا القتال حتى النهاية. إيديولوجية هذه الطبقة تسمى "التطوير والتحديث"، وهي تضع قيمة عليا للاستقرار المتجسد في شخص بشار الأسد كوريث لأبيه. وقد أطلقت هذه الطبقة التحول نحو "اقتصاد السوق الاجتماعي" في صيف 2005، وهو عنوان لسياسة تحرير اقتصادي لمصلحة هذه الطبقة الجشعة دون إصلاحات سياسية وقانونية. ويحلل المؤلف ظهور "الإيديولوجية الحداثية" المرتبطة بهذه الطبقة، وهي ترد مشكلات المجتمع إلى "تخلف" الناس وعقولهم المعطوبة، وتتجاهل القضايا الاجتماعية كالفقر والبطالة، وتصف الثائرين بأنهم "متخلفون" و"سلفيون". يلتقي في هذه العقيدة عنصر طبقي مع عنصر طائفي، حيث أن "المتخلفين" هم فقراء السنة غالباً.
يخلص المؤلف إلى أن القومية العربية المطلقة هي القالب الذهني الأساسي والطبقة الأعمق من تسويغات الفاشية السورية، والطائفية هي مصدر التغذية الانفعالي الذي يشحن الفاشية بالهوى والعاطفة، أما الامتيازات الطبقية للبرجوازية الجديدة فهي المصلحة التي يجري الدفاع عنها. ويقترح أن ضرب ركائز الفاشية يقتضي التحول نحو مفهوم دستوري للوطنية يقر بالتعدد الداخلي، وتفكيك اللغم الطائفي عبر وضعه موضع نقاش عام، وبناء حواجز مؤسسية وقانونية وفكرية تمنع تسرب الطائفية إلى الدولة، وضرب الترابط بين السلطة والثروة. ويؤكد أن النظام لا يحكم سورية بالقوة وحدها، بل أيضاً بالهيمنة الإيديولوجية التي تحظر تناول المشكلات الطائفية بينما يمارسها طوال الوقت.
في القسم الأخير من الفصل، يتناول المؤلف صعود "العدمية المقاتلة"، محدداً ثلاث عمليات تسهم في ظهور استعدادات عدمية: العنف العدواني المستمر من النظام المتمثل بالقتل والتعذيب والقصف والمذابح، والأداء الركيك للمعارضة السياسية وتنازعها المستمر، وحالة الشلل الإقليمي والدولي حيال الأزمة طوال أكثر من عام. يفضي تلاقي هذه العوامل إلى شعور منتشر بأن السوريين متروكون لمصيرهم، مما يؤدي إلى سحب الثقة من الجميع ونزوع نحو العنف. يرى المؤلف أن "الإسلام" في صيغه الأكثر تشدداً يسبغ صفة مطلقة على الصراع، وأن السلفية الجهادية توفر إسلاماً يكفر النظام ويشرع العنف. ومع ذلك، يؤكد أن الشكل الغالب من المقاومة العنيفة للنظام ليس عدمياً، بل هو عنف دفاعي منظم، وأن "الجيش السوري الحر" هو الإطار الفضفاض لهذه المقاومات، وليس منظمة عدمية. كما يشير إلى وجود مقاومات اجتماعية للعدمية تتمثل في تقاليد المجتمعات المحلية والإسلام الشعبي، والروح العامة للثورة السورية المنفتحة على العالم والنازعة نحو التحرر. يختم المؤلف بأن العدمية السورية ما زالت ضحلة وقابلة للانعكاس، لكن استمرار العنف المجنون والأداء الركيك للمعارضة واللامبالاة العالمية يضعف أي مقاومات لتناميها.
8.صورة عُلّمان159–174▼ ملخص
يقدم هذا الفصل من كتاب "الثورة المستحيلة" تحليلاً سوسيولوجياً وسياسياً للصراع الرمزي الذي تجسّده الأعلام والصور في الثورة السورية. الموضوع المحوري هو أن كل رمز من هذه الرموز لا يمثل مجرد شعار، بل يجسّد "سورية خاصة" مختلفة، لها هويتها الاجتماعية وتركيبتها الطبقية ومرجعيتها السياسية، وهذه السوريات الأربع تتصارع فيما بينها على امتلاك الحقيقة والشرعية. يرى المؤلف أن الصراع على الأرض يقابله صراع على الرموز، وأن فهم هذه الرموز هو مفتاح لفهم ديناميكيات الثورة وتعقيداتها.
يبدأ الفصل بتتبع تحولات العلم الذي رفعه الثوار. في بداية الثورة وحتى نهاية عام 2011 تقريباً، كان الثوار يرفعون العلم السوري الرسمي نفسه (أحمر، أبيض بنجمتين خضراوين، أسود). هذا التطابق بين علم الدولة وعلم الثوار كان يعبّر عن تطابق مرغوب بين "الشعب" و"سورية العامة" المنتفضة، وتطابقاً مرفوضاً بين صورة النظام و"سورية الأسد". لكن مع تعمّق الصراع وطوله قياساً إلى الثورتين التونسية والمصرية، بدأ بالظهور "علم الاستقلال" (أخضر، أبيض بثلاث نجوم حمر، أسود) ليصبح علم الثورة بحلول عام 2012، وهو علم سورية ما قبل حكم البعث. يشير المؤلف إلى أن هذا التحول من علم أحمر إلى علم أخضر هو "مؤشر على تجذر وتصلب في أوساط الثورة"، مرتبط بظواهر مهمة منها: خروج أوساط "التيار المدني" من المشاركة المباشرة في الثورة، وصعود المقاومة المسلحة الحاد بدءاً من خريف 2011، ودخول جهات داعمة خليجية.
إلى جانب العلمين، يبرز رمز ثالث هو الراية السوداء التي تحمل "الشهادة" (لا إله إلا الله محمد رسول الله). هذه الراية، التي ظهرت مع "جبهة النصرة" في مطلع 2012 والتي أعلنت في نيسان 2013 ارتباطها بـ"القاعدة"، ترمز إلى "سورية الثالثة": سورية الإسلامية السنية السلفية. يشير المؤلف إلى أن الراية ليست مجرد علم حزبي للتيار السلفي فحسب، بل هي أيضاً تعبير عن حرية دينية مستعادة في مواجهة نظام أسدي قمع التعبير عن التدين. وتنتشر هذه الراية بكثرة في المناطق المحررة التي زارها، مما يخلق توتراً مع العلم الأخضر. فالعلم يرمز للثورة ومكونها المدني و"الجيش الحر"، فيما الراية ترمز للتيارات السلفية المسلحة وتديّن عام مستعاد. وأخيراً، هناك "سورية الرابعة" التي تمثلها صورة بشار الأسد وقبله والده حافظ الأسد، والتي تحولت إلى الرمز الفعلي والعلم الفعلي للدولة، منتشرة في كل مكان، وتواجهت بأشد غضب السوريين فحطموها وداسوا عليها كمجاهرة بالقطيعة مع "سورية الأسد".
يبني المؤلف على هذا التصنيف الرمزي تحليلاً اجتماعياً للفئات التي تتماهى مع كل علم.
- "سورية الأسد" ورمزها الصورة: تتماهى بها النواة العائلية الطائفية للنظام وطيف من المنتفعين.
- "الجمهورية العربية السورية" ورمزها العلم الأحمر: تتماهى بها طبقة وسطى مدينية ومتعلمة، منهم معارضون للنظام، لكنهم فاقدو الإرادة السياسية المستقلة.
- سورية الثائرة ورمزها العلم الأخضر: تتماهى بها تفاضلياً جمهور عريض من مدن وبلدات متدهورة اجتماعياً واقتصادياً، إلى جانب قطاع متعلم ومستقل من الطبقة الوسطى. هذا الطيف هو الأكثر تنوعاً، ويشمل مكوناً علمانياً وآخر إسلامياً، وهو ما يسميه المؤلف "أرخبيل سوري لا مركز ثقل محدد".
- سورية السلفية ورمزها الراية السوداء: يتماهى بها جمهور ريفي عامة، يتكون من شريحتين: مشايخ في شبكات دينية عابرة للحدود، وجمهور مفقر ينجذب إلى بساطة العقيدة السلفية.
يكشف الفصل عن بنية استبعادية وتسلطية مشتركة بين "سورية الأسد" و"سورية السلفية"، حيث تسعى كل منهما إلى فرض "سورية خاصة" على "سورية العامة". هذا واضح في ظاهرة تحوير الشعارات الأسدية إلى شعارات إسلامية، مثل تحويل "الأسد أو لا أحد" إلى "الإسلام أو لا أحد"، أو "قائدنا للأبد/ الأمين حافظ الأسد" إلى "قائدنا للأبد/ سيدنا محمد". يرى المؤلف أن هذا التطرف لا ينبع من فراغ، بل من تطلع طرف اجتماعي واحد (قلة) إلى احتلال موقع الكل، وهذه هي البنية نفسها التي يقوم عليها النظام الأسدي. ويشبه الفصل بين بنيتي التطرّف، في إشارة إلى أن قيادات الجهتين مرتبطة بجهات أجنبية؛ الأسديون بـ"المحور الإقليمي الطائفي" بقيادة إيران، و"الأسلاميون" (وهو المصطلح الذي يستخدمه المؤلف لتمييزهم) بـ"محور سعودي خليجي" أو "حركة الجهاد العالمية".
لكن المؤلف لا يقيم مساواة أخلاقية بين الطرفين، بل يؤكد أن هناك "معتد ومعتدى عليه، طرف فاعل وطرف في موقع رد الفعل"، وأن إقامة مساواة بينهما هو "مساندة للقوي المبادر بالعدوان"، أي النظام السوري. في الوقت نفسه، يحمل الطرف السلفي مسؤولية سياسية وأخلاقية عن إضعاف الطيف الثائر الذي انبثق منه. ومع ذلك، يشير الفصل إلى درجة سيولة عالية في أوساط "الأسلاميين" أنفسهم، ويستشهد بكثير من الناس في الغوطة الشرقية الذين يعتقدون أنه من المحتمل أن يبرح كثير منهم موقعهم الراهن نحو مواقع أكثر وسطية إذا سقط النظام في وقت قريب.
يختتم الفصل برؤية سياسية عامة للخروج من المأزق. يرى المؤلف أن "التخلص من النظام الأسدي هو مضخة التطرف العام"، وأن "مزيداً من الأسد يعني مزيداً من الإسلاموية". فالوطنيّة الثابتة للنظام الأسدي قد خانت سورية لإيران، ومزّقت السوريين طائفياً، وقتلت نحو 100 ألف منهم (حتى وقت كتابة الفصل في تموز 2013). لذا، فإن إزالة النظام ستحرر تفاعلات معتدلة داخل المجتمع، وتضع القوى المتماهية بالعلم الأخضر في موقف أفضل لمواجهة متطرفي الراية السوداء. ويدعو المؤلف إلى "تسوية تاريخية بين العلمين الأخضر والأحمر" تقوم على أربعة مستويات: إدخال المهمشين في الحياة العامة، إعادة إدماج الأرياف، توسيع وظائف الدولة الاجتماعية، والدفاع بلا غمغمة عن "الحريات الاجتماعية" (كحرية الزي والأكل والاختلاط) باعتبارها حجر الزاوية للحرية في سورية. هذه "التسوية" تهدف إلى استبعاد "الصورة" (الأسدية) وتفكيك استقطاب الراية السوداء، وصولاً إلى سورية جديدة أكثر شمولاً واعتدالاً.
10.في مسارات الثورة السورية ومصائرها على أعتاب عامين ونصف من انطلاقها175–210▼ ملخص
في هذا الفصل، يطرح ياسين الحاج صالح تشخيصاً قاتماً لواقع سورية بعد عامين ونصف من الثورة. المحور الأساسي الذي يدور حوله الفصل هو تفكك الدولة الوطنية السورية وتحولها إلى كيان هجين، مجزأ إلى عدة "سوريات" متصارعة، تحت وطأة حكم سلالي وطائفي وعنف ممنهج. يرى المؤلف أن "سورية الأسد" لم تعد تمثل البلد بأكمله، بل تحولت إلى "مملكة أسدية" عدوانية تشبه في موقعها "إسرائيل" إزاء باقي الأراضي السورية.
يحدد المؤلف أربع "سوريات" رئيسية تتنازع تمثيل البلاد: "سورية الأسد" (النظام الحاكم)، "سورية الثائرة" (المشتتة والضعيفة)، "سورية السلفية" (التي تضم جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام أو داعش)، و**"سورية الكردية"** أو "كردستان الغربية". ويصف هذه الكيانات بأنها جميعاً "مقطعة الأوصال" ويحكمها "أمراء حرب" أو "سادة إقطاعيون مسلحون"، دون أي استشارة للسكان.
يسير الفصل عبر عدة طبقات تحليلية لشرح كيف وصلت سورية إلى هذا الحال. أولاً، يحلل طبيعة النظام الأسدي نفسه، واصفاً إياه بنجاحه في "النكوص نحو حكم سلالي" داخل أسرة الأسد، حيث أصبح التوريث "القانون الباطن" للدولة، مما جعله "ملكية عائلية في الباطن" تحت غطاء جمهوري. ثانياً، يدقق في دور "الطائفية كأداة أساسية في الحكم"، والتي أفسدت السياسة وجعلت النقاش العام مستحيلاً. ثالثاً، يناقش "رأسمالية المحاسيب" التي شهدتها سنوات بشار الأسد، والتي كوّنت طبقة من "الجيل البعثي الثالث" (أبناء المسؤولين) التي لا يمكنها الاستقلال عن الدولة.
ثم ينتقل المؤلف إلى تفصيل أربعة "تحولات مهمة" حدثت منذ صيف 2012، والتي يعتبرها مسؤولة عن انهيار الإطار الوطني. أول هذه التحولات هو "المفعول التراكمي للعنف المهول": القصف بالطيران والصواريخ، استخدام الغازات السامة (مشيراً إلى حادثة الغوطة الشرقية في 21 آب 2013 التي أوقعت أكثر من 1350 ضحية)، الاعتقال والتعذيب (مقدراً عدد الموقوفين بـ 200 ألف في مراكز اعتقال مثل مطار المزة وسجن الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد)، والتهجير (مقدراً عدد المهجرين بـ 6 ملايين داخل البلاد وأكثر من مليونين خارجها). يشرح المؤلف كيف أن هذا العنف الشامل حطم الرابطة الوطنية وأطلق نوازع انتقامية عمياء، وأدى إلى تجاوزات من قبل قوى مناهضة للنظام أيضاً.
التحول الثاني هو دخول "مجموعات جهادية وجهاديين من أصول متنوعة"، وهي ظاهرة يسميها "سياسة الأعماق" أو "سياسة اللاوعي"، حيث يصبح الدين سياسة مباشرة. يرى المؤلف أن الإفراج عن سجناء إسلاميين من قبل النظام في حزيران 2011 كان خطوة ماكرة لتحويل الصراع إلى "جهاد" يمكنه بيعه كحرب على الإرهاب. يصف الفصل التوتر بين جبهة النصرة (الأكثر ارتباطاً بالبيئة السورية) وداعش (الأكثر "أجنبية" واستقطاباً للهامشيين)، ويرجح أن ديناميكية "الإقطاع العسكري الديني" الذي تمثله هذه الجماعات، وخاصة استيلاء حركة أحرار الشام الإسلامية على 70 مليار ليرة سورية من المصرف المركزي في الرقة، تظهر انعدام البعد الأخلاقي والوطني فيها.
التحول الثالث هو "العامل غير المرئي" المتمثل في تدخل الأجهزة السرية لأطراف محلية وإقليمية ودولية متعددة (إيران، حزب الله، تركيا، السعودية، قطر، وغيرها). يرى المؤلف أن هذه الأجهزة، ومنها مخابرات النظام الأسدي، تساهم في "صناعة الجهاد" وخلط الأوراق، مشيراً إلى قصة ميشال سماحة كمثال على ذلك، وإلى تساؤلات حول عدم قصف طيران النظام لمقر داعش في الرقة، مما يثير شبهة وجود ارتباط ما بينهما. التحول الرابع والأخير هو "المفعول الريعي المفسد للمال السياسي" من جهات خارجية، والذي أدى إلى شراء الولاءات وإفساد روح المبادرة والتطوع التي ميزت بداية الثورة، وتحويل الناشطين إلى تابعين لأجندات مموليهم.
يخلص المؤلف إلى أن هذه التحولات الأربعة، مضروبة في عامل الوقت، قد أدت إلى "تحطم العقل"، أي تحطم الطبقة الحديثة من المدركات الوطنية والقانونية والسياسية التي تشكلت مع الدولة الوطنية. يرى أن السوريين يعودون الآن إلى طبقات أقدم وأكثر بدائية من الوعي (دينية، مذهبية، قبلية)، في عملية هي بمثابة "انبعاث حديث لمبدأ سياسي قديم". يصف الوضع الحالي بأنه "إقطاع عسكري ديني" أو "إمارات إقطاعية عسكرية دينية"، حيث يسود طغاة صغار، ويصبح البلد "مسرحاً لعملية إعادة تشكل عنيفة وواسعة" لا شكل لها.
يناقش الفصل خمسة احتمالات لمستقبل سورية: 1) انتصار النظام واستعادة السيطرة، 2) انتصار الثورة وإسقاط النظام بالقوة (مؤدياً إلى "ثورة مطلقة" قد تنتج نظاماً إسلامياً بديلاً)، 3) تسوية سياسية (مستبعدة في رأيه)، 4) تمادي الحرب الحالية (الاحتمال الأرجح في نظره، مما يؤدي إلى تعايش إقطاعيات)، و5) تدخل عسكري دولي محدود (غير حاسم). في النهاية، يعبر المؤلف عن حالة من الإحباط وعدم اليقين، لكنه لا يقدم حلاً واضحاً، ويرى أن الثورة قد انتهت إلى "تمزق البلد وانهيار الدولة" بعد أن انفصل هدفها السلبي (إسقاط النظام) عن هدفها الإيجابي (بناء سورية جديدة). يختتم الفصل بعبارة "الفرق بين الثورة واللّا ثورة هو التضحية من أجل التغيير"، مما يشير إلى أن السقوط الأخلاقي والمعنوي للثورة هو أحد أكبر خسائرها.
11.من الثورة إلى الحرب: الأرياف السورية تحمل السلاح211–230▼ ملخص
ملخص الفصل: «من الثورة إلى الحرب: الأرياف السورية تحمل السلاح»
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تفسير كيف تحولت الثورة السورية السلمية إلى حرب أهلية طائفية، وذلك من خلال التركيز على التحولات العميقة التي طرأت على ثلاث جماعات اجتماعية رئيسية: العلويون، سنيو الأرياف العرب، والأكراد. يقدم المؤلف أطروحة مركزية مفادها أن هذه الجماعات لم تكن كيانات متجانسة أو ناضجة قبل الصراع، بل إن الحرب نفسها هي التي أنتجتها وأعادت تشكيلها وبلورتها بهويات أكثر صفاءً وتطرفاً. الإجابة التي يقدمها هي أن الحرب فرضت ديناميكية انتقاء طبيعي، فضّلت داخـل كل جماعة العناصر الأقل اختلاطاً بالآخرين والأكثر استعداداً للقتال، على حساب العناصر الأكثر مدنية وتعددية.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تحليل كل جماعة على حدة، موضحاً أصولها الريفية وشروط تشكلها قبل الثورة ثم دور الحرب في إعادة هيكلتها. يبدأ بالجماعة العلوية، ويصفها بأنها كانت سكان جبال فقراء ومهمشين. بالرغم من تمدن جزء منهم في المدن الساحلية كـاللاذقية وطرطوس، إلا أنهم ظلوا مشدودين بقوة إلى قراهم بسبب ضعف الاقتصاد الحضري، والقيود البيروقراطية التي تثبتهم بمواطنهم الأصلية (قوانين الأحوال الشخصية والتجنيد)، وشعور بالقلق السياسي في بيئات ذات أغلبية سنية. يرى المؤلف أن السلطة، متمثلة بأجهزتها الأمنية والعسكرية، كانت عامل الجذب الأساسي لهذا التمدن العلوي، مما خلق طبقة حاكمة ذات ارتباط وثيق بالريف. في مرحلة الثورة، أدى انهيار الإطار الوطني للصراع في النصف الثاني من عام 2012 إلى تعزيز الطابع الطائفي لقوات النظام عبر عمليات إعادة هيكلة، برز فيها بوضوح ما يعرف بـالشبيحةمنذ بداية 2012. يصف المؤلف هذه الظاهرة بأنها صعود لـ«النفس الغضبية» والمنبت الأهلي الأقوى على حساب «النفس العاقلة» المتواصلة مع غيرها، مؤكداً أن النواة الحربية للنظام هي أصيلة وأهلية وريفية بامتياز.
ينتقل الفصل بعدها للحديث عن سنيي الأرياف، ويبدأ بتفكيك فكرة أنهم «طائفة» واحدة، مشيراً إلى التباعد الكبير بين سنيي المدن والريفيين، البدون والفلاحين. يجادل بأن صعود تعريف الذات كسنيين هو نتاج التطييف الذي مارسه النظام البعثي والأسدي. ويوضح أن هذه الجماعات الريفية السنية كانت الأكثر تدهوراً، حيث عانت من رقابة سياسية شديدة (بسبب الشك بإسلامها أو ولائها للبعث العراقي)، وافتقرت لشبكات محسوبية فعالة، وتضررت من السياسات النيوليبرالية التي حابت المدن. بعد الثورة، وما تعرضت له هذه التجمعات من قمع، يرى المؤلف أن الإسلام السلفي صعد كقوة طليعية فيها، وأصبح «علم» هذه البيئة الحديدة مع «الجهاد» كـ«عمل» تطبيقي، ونموذجاً من القاعدةوحركاتها العالمية. يشير إلى أن معظم مقاتلي المعارضة ينحدرون من قرى وبلدات صغيرة، وأن أفقهم التشكيلي سلفي جهادي في الغالب.
أما عن الأكراد، فيصفهم المؤلف بأنهم أيضاً قوم ريفيون أساساً، مع ارتباط قوي بمنابتهم لنفس الأسباب المذكورة، مع إشارة خاصة إلى فئة «كرد الحسكة الأجانب» (البالغ عددهم ربع مليون) الأكثر هشاشة وحاجة لمنطقتهم. يبين تميز المنطقة الكردية (خاصة الجزيرة ومدنها القامشلي والحسكة وعفرين) كونها مركز النشاط السياسي الكردي بعيداً عن دمشق. يلاحظ مفارقة مهمة: بأن الأكراد تمتعوا بحياة سياسية أقل سوءاً من غيرهم في العقود السابقة، حيث لم يتعرضوا لحملات استئصالية ضد تنظيماتهم، مما خلق حالة من «التمدين السياسي» سمح بظهور ما يسميه «مدينة كردية متخيلة». من هذه «المدينة» خرجت الانتفاضة الكردية عام 2004ومقاتلي اليوم، الذين ينحدر معظمهم من تيار عبد الله أوجلان (الأوجلانيون). يقود هؤلاء الحركة الكردية نحو أجندة مستقلة، لا تتعاون مع النظام كما حدث أحياناً، ولا مع المعارضة التي تسعى لإسقاطه.
في جزء رئيسي مخصص لـ«ديناميات الحرب»، يجمع المؤلف التحليل ثلاثياً. يقدم فكرة أن بيئة الحرب تطبق مبدأ «الاصطفاء الطبيعي»، حيث تتقدم جماعات فرعية كانت حتى قبل الحرب أكثر صفاءً وقطيعة مع الآخرين: الشبيحة في الوسط العلوي، السلفيون والجهاديون في الوسط السني، والأوجلانيون في الوسط الكردي. هذه الجماعات، بحكم انعزالها المسبق وتجانسها الداخلي (خصائص الحياة الريفية كما يراها)، تصبح الأكثر قدرة على القتال. يوضح كيف أن الحرب تعمق هذه القطيعة عبر استقدام مقاتلين أجانب (مقاتلون شيعة من إيران والعراق ولبنان دعماً للنظام؛ ومقاتلون أكراد من تركيا والعراق وأوروبا دعماً للأوجلانيين؛ وجهاديون من عشرات الدول دعماً للسلفيين) مما يضعف الارتباط بالسوريين ويدفع نحو عنف أكثر تطرفاً. يشير أيضاً إلى ارتباط كل جماعة باستراتيجيات قوى إقليمية ودولية: روسياوإيرانللعلويين، تركياوالسعوديةوقطرللسنيين، وأميركاللأكراد.
لا يخفي المؤلف تحفظاته وحدود تحليله. فهو يقر بأن هناك مقاتلين غير سلفيين في مواجهة النظام (خاصة في حوران)، لكن الديناميكية الغالبة هي التسلف. كما يعترف بأن جميع مقاتلي النظام ليسوا علويين، لكن ديناميكية التطيف هي المهيمنة. ويؤكد أنه ليس جميع مقاتلي الأكراد أوجلانيون، لكن الحرب خدمتهم. يعترف بصعوبة معرفة تفكير عموم المقاتلين، لكن ما يتوفر من فيديوهات يعكس دوافع طائفية وغياب البعد السوري. ويستثني بشكل واضح تنظيم داعش، معتبراً أن له ديناميكية أخرى لا علاقة لها بالجذور الاجتماعية المذكورة، وأن الثورة فقط هي من وفرت له ظروف التوسع.
يقدم الفصل في خاتمته حججاً قابلة للنقاش بوضوح. فهو يطرح أن الحرب أنتجت «علويي حرب» و«سنيي جهاد» و«كرد قتال» وليس العكس، أي أنها خلقت أطرافاً متصارعة لم تكن موجودة بهذه الصورة سابقاً. ويخلص إلى أن استمرار الحرب يعيق ظهور حلول سياسية تقوم على التفاوض والتنازلات المتبادلة، والتي كانت ستعطي أفضلية للعناصر الأكثر مدنية والأقل صفاء (كالمدينة الكردية المتخيلة، والعلويين المستقلين، والإخوان المسلمين الأكثر علمانية). السياسة، برأيه، هي التي تصنع السياسيين وتنتج شروط إعادة إنتاجها، تماماً كما تصنع الحرب محاربيها وتضمن استمرارها. الحل الوحيد لطي صفحة سياسة الهوية هو إنهاء الحرب وبناء مجتمع يقوم على الاحترام والمساواة بين الاختلافات الثقافية، مع بقاء سورية كإطار للكرامة.
12.الثورة، الصراع السني الشيعي، التحكم الامبريالي: ثلاثة أطوار في خمس سنوات231–250▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: كيف تحولت الثورة السورية خلال خمس سنوات من انتفاضة شعبية سلمية إلى حرب طائفية ممزوجة بتدخل دولي شامل، ومن يتحكم الآن بمصير السوريين؟ يقدم المؤلف إجابة واضحة: الثورة تحطمت تحت وطأة ثلاثة أطوار متداخلة، كل طور يسيطر عليه فاعل مختلف، لتستقر الأمور في النهاية تحت السيطرة المباشرة للقوى الإمبريالية، وتحديداً الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تديران الصراع بما يخدم مصالحهما وليس مصالح السوريين.
يسير الفصل وفق ترتيب زمني واضح، مقسماً السنوات الخمس إلى ثلاث مراحل رئيسية. المرحلة الأولى هي مرحلة الثورة، وتمتد من آذار 2011 إلى مطلع 2013 تقريباً. يصفها المؤلف بأنها مرحلة وطنية شعبية، كان الفاعل فيها قوى شعبية متنوعة من الطبقات الدنيا والوسطى، ضعيفة التنظيم، تواجه حكم السلالة الأسدية. تميزت هذه المرحلة بمركزية مطلب الكرامة والوحدة الوطنية، وظهر فيها الجيش السوري الحر كنتيجة لانشقاقات عسكرية، كما برزت التنسيقيات المحلية التي لعبت أدواراً إعلامية وإغاثية وسياسية. في المقابل، كان النظام يعتمد على أجهزته الأمنية والعسكرية بالإضافة إلى "الشبيحة"، وهي مجموعات إجرامية غير منظمة كانت خاضعة لسلطة أفراد من البيئة العلوية، قبل أن تنتظم لاحقاً في "جيش الدفاع الوطني". يشير المؤلف إلى أن هذه المرحلة كانت "سورية-سورية" بامتياز، لكنها بدأت بالانهيار مع بدء انهيار الإطار الوطني للصراع في النصف الثاني من 2012، ويرى أن نقطة الانهيار الاصطلاحية يمكن تثبيتها عند اغتيال "خلية الأزمة" في 18 تموز 2012، كما يشير إلى أن الثورة حُرمت من نصر محتمل في دمشق بين أواخر 2012 وأوائل 2013 لأسباب لا تزال خفاياها غامضة، مرجحاً أن توقفاً أميركياً-سعودياً هو ما منع عملية التحرير وإسقاط النظام.
المرحلة الثانية هي مرحلة الصراع السني-الشيعي، والتي بدأت فعلياً مع أسلمة الصراع في 2013. يوضح المؤلف أن هذه المرحلة تتميز بدخول قوى إقليمية وطائفية. فمن جهة، دخل حزب الله إلى سورية دعماً للنظام في نيسان 2013، وتوالت الميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية بترتيب إيراني، مستفيدة من الروابط الطائفية. ومن جهة أخرى، صعدت قوى سنية سلفية منظمة مثل جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام، والتي استفادت من تمكن الثورة وانهيار الإطار الوطني للصراع ودعم إقليمي من دول مثل السعودية وقطر وتركيا. يرى المؤلف أن هذه الأسلمة كانت مدفوعة بعوامل متعددة: عنف النظام وتطرفه، إطلاق النظام لسجناء سلفيين من سجن صيدنايا في حزيران 2011، الاستفزاز الطائفي، ودخول القوى الشيعية إلى البلاد. ويؤكد أن القوى السلفية، رغم أنها حاربت النظام، إلا أنها كانت تمثل مشروعاً نخبوياً وأقلوياً يتعارض مع روح الثورة التحررية، ويعادي المجتمع السوري التعددي. بلغت هذه المرحلة ذروتها بإعلان داعش خلافتها في حزيران 2014، وهو العام الذي شهد أيضاً تدمير ما تبقى من القوى الوطنية الشعبية على يد داعش وجيش الإسلام وجبهة النصرة، بالإضافة إلى المذبحة الكيماوية والتفاهم الروسي-الأميركي الذي سمح للنظام بالبقاء.
المرحلة الثالثة والأخيرة هي المرحلة الإمبريالية، والتي بدأت في أيلول 2014 مع تشكيل التحالف الدولي ضد داعش بقيادة أميركية. يرى المؤلف أن هذه المرحلة هي الطور الحالي من الصراع، حيث تحولت الحرب الأهلية وحتى الحرب الطائفية إلى صراع دولي للسيطرة على سورية. يميز الفصل بين مرحلة أميركية (حرب محدودة ضد داعش و"حياد إيجابي" تجاه النظام) ومرحلة روسية بدأت بعدها بعام كامل (تركز على سحق كل معارضة للنظام). اللافت في تحليل المؤلف هو تأكيده أن القوتين الأميركية والروسية لا تبدوان في حالة توتر حقيقي في سورية، بل تشتركان في عداء للثورة وللسلفية الجهادية، ويقترب منهما المنسق العام الإسرائيلي. والنتيجة هي هندسة عسكرية وسياسية لأوضاع تخدم القوى المسيطرة وليس السوريين، حيث يُترك الصراع ليتعفن دون أمل في حل عادل، ويتم تحويل السوريين إلى مجرد عناصر في استراتيجيات قوى دولية يمكنها التخلي عنهم في أي لحظة.
يعترف المؤلف بحدود تحليله ويترك أسئلة مفتوحة حول خفايا منع الثورة من تحقيق نصرها في دمشق. كما يقر بأن القوى السلفية المنظمة تضم بين صفوفها جمهوراً من عموم الشعب السني، وأن استعمال لغة الجهاد لا يعني بالضرورة عقيدة سلفية جهادية، لكنه يميز بوضوح بين النزعة الإسلامية الشعبية التي كانت مكوناً أصيلاً للثورة وبين المجموعات المنظمة التي تقدم مشروعها العقائدي على القضية الوطنية.
يمكن القول إن أكثر ما يثير الجدل في هذا الفصل هو تحليله لمرحلة الصراع السني-الشيعي ووصفه للقوى السلفية. يبني المؤلف موقفه النقدي الحاد من هذه القوى على أساس أنها، رغم معاداتها للنظام، تمثل مشروعاً نخبوياً وأقلوياً معادياً للحرية والتعددية، بل و"عصبية أنانية" تمارس الإقصاء والحكم بالقوة في مناطق سيطرتها. هذا التحليل، الذي يضع القوى السلفية في مواجهة مباشرة مع "التحرر السوري"، هو موقف سياسي واضح من المؤلف، ولا يمثل وصفاً محايداً بقدر ما هو حكم قيمي مبنى على قراءة لدور هذه القوى الفعلي في الصراع. هذا لا ينتقص من دقة الكثير من ملاحظاته، لكنه يجعل من هذا الجزء من الفصل مادة للتفكير والنقاش أكثر من كونه خلاصة متفق عليها.
13.في شأن الحل العادل لصراعنا: تصور سوري251–270▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تصور شامل للحل العادل في سورية، كما يراه المؤلف. الإجابة التي يقدمها واضحة ومباشرة: الحل العادل يقوم على بناء أكثرية سياسية جديدة في البلد، تتجاوز الانقسامات الأهلية والطائفية، وتقطع نهائياً مع حكم السلالة الأسدية، وتتخلص من تنظيم داعش وأي مجموعات سلفية جهادية، وتؤسس لسورية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.
يسير الفصل خطوة بخطوة في تفكيك المكونات الأساسية لهذا الحل. يبدأ المؤلف بتشخيص جذر المشكلة، وهو الطابع الأقلي (الأوليغاركي) لحكم البلد، والذي تمأسس منذ مطلع القرن مع توريث السلطة في السلالة الأسدية وتحول الدولة إلى حكم سلطاني. يرى أن هذا الطابع الأقلي لم يقتصر على الجانب السياسي، بل تعزز بفعل الليبرالية الجديدة التي أنشأت برجوازية مركزية جديدة من المحاسيب والأقارب، وبفعل استخدام الطائفية كأداة أساسية للحكم لتفريق المحكومين وتخويفهم، وتوفير تماهٍ تفاضلي مع الدولة لقطاع من العلويين الذين شكلوا درعها الأمني. هذا المزيج من القلة الاجتماعية والأقلية الطائفية هو مصدر حرب أهلية باردة تفجرت مرتين خلال ثلاثة عقود، ولا يمكن أن تستمر هذه البنية دون مزيد من التفجرات العنيفة.
ينتقل المؤلف بعد ذلك لشرح مفهومه عن «الأكثرية السياسية الجديدة»، محذراً من سوء الفهم. هذه الأكثرية لا تعني الأكثرية العربية السنية، لأن السنيين أنفسهم منقسمون سياسياً واجتماعياً وجهوياً، ولأن توحدهم كجماعة متجانسة سيؤدي إلى حكم أقلي مضاعف: أقلي سنياً وأقلي سورياً. بدلاً من ذلك، يقترح أكثرية اجتماعية عابرة للجماعات الأهلية، لا تستبعد سوى الموالين النشطين للنظام الأسدي، وتعمل على تقريب قطاعات واسعة من جميع المكونات. ويذكر أن هذا الطرح ليس جديداً، بل هو امتداد للتطلعات الديمقراطية التي حرق التعبير عنها مراراً منذ ما قبل الموجة الأولى من احتجاجات الحكم الأسدي.
في تحليل نقدي لمفهوم «حماية الأقليات»، يكشف المؤلف عن جذوره الاستعمارية المرتبطة بـ**«المسألة الشرقية»**، حيث كانت فكرة الحماية تُستخدم لتبرير التوسع والسطو الأوروبي. يرى أن العودة إلى هذا المفهوم في سياق سوري جديد تضع العرب المسلمين السنيين كأكثرية مهددة، بينما يقدم الحماة (الغرب وروسيا) كدائعين للعدالة وحدهم. يرفض المؤلف فكرة نظام «التوافق الطائفي» أو «المناصفة» بين ربع السكان (الأقليات) وثلاثة أرباعهم (الأكثرية)، معتبراً أن أحداً من دعاة حماية الأقليات لم يجرؤ على اقتراحه لأنه سيضع السلطة في يد الأكثرية العربية السنية حتماً. بدلاً من ذلك، يرى أن تعدد الانقسامات السورية (جهوية، طبقية، إثنية) يمكن أن يكون مصدر حركية ومرونة، ويكسر ديناميكية الاستقطاب الطائفي، ويسمح بنشوء مساحات لا طائفية.
يتناول الفصل بإسهاب التهديد السلفي الجهادي، ويرى أن البلاء الأشد لهذه المجموعات وقع على سنيين، مما يخرج الموضوع من إشكالية «حماية الأقليات» إلى حماية الأمن المتساوي لكل السوريين. يقترح ميثاقاً وطنياً يكون أساساً للآمان العام، ينص على أن سورية للسوريين المتساوين، لا أحد ضيف عند أحد ولا أحد في ذمة أحد.
بالنسبة لكيفية تشكل الأكثرية الجديدة في ظل الشروط الحالية، يرى المؤلف أنه لا يمكن بناؤها ضد الدولة الأسدية وحدها بعد ظهور داعش، ولا يمكن بناؤها ضد داعش وحدها. فلا بد من تجاوز الاثنين معاً. يقدم تحليلاً دقيقاً لوظيفة المجموعات الإسلامية المقاتلة مثل «جبهة النصرة» و**«أحرار الشام»** و**«جيش الإسلام»**، فيرى أنها تعاني من تناقض أساسي بين قيامها بوظيفة مقاومة عامة ضد تحالف أسدي عدواني طائفي، وبين بنيتها الداخلية الطائفية الضيقة. هذا التناقض لا يحل إلا في إطار التخلص من النظام والدواعش، مما يكشف الطابع الأقلي لهذه المجموعات ويساعد في عزلها اجتماعياً.
يخصص المؤلف مساحة مهمة لـالقضية الكردية، مؤكداً أن لا حل عادلاً في سورية دون معالجتها. يرى أن الحل يكمن في اعتبار الكرد جزءاً من الأكثرية السياسية الجديدة مع الحقوق اللغوية والثقافية، وأوضاع خاصة في مناطق كثافتهم. لكنه يعارض بشدة الوضع الناشئ تحت سيطرة قوات بي واي دي، معتبراً أنها مجرد تنظيم قومي كردي مسيطر، له علاقات مريبة مع الدولة الأسدية وإيران وروسيا والأميركيين، ويفرض نظام حزب واحد في مناطق سيطرته، ويسعى لأجندة توسعية قومية (كردستان الغربية) تتعارض مع الجغرافيا والديموغرافيا السورية. ويرى أن هذه السردية القومية المتعجلة تفتقر إلى البعد التحرري والعمق الاجتماعي، وقد تكون نذيراً بصراعات دموية جديدة.
في اختتام الفصل، يبرر المؤلف لماذا طرحه عن الأكثرية السياسية الجديدة هو الأفضل: لأنه ديمقراطي (استمرار لكفاح سابق)، وعادل (يأخذ بعين الاعتبار كل الجماعات)، وقابل للاستدامة (لا يترك أوضاعاً متفجرة). ويقارن طرحه بثلاثة تصورات استبعادية قائمة: سورية الأسد (استمرار حكم سلالي أقلى)، والجمهورية الديمقراطية (التي تخشى من إلحاق الضيم بالعرب أو الكرد)، والدولة الإسلامية (التي يستحيل أن يوفر مجتمعها الحر والعدالة). إجرائياً، يقترح التأسيس لهذه الأكثرية عبر مؤتمر وطني سوري بدعم دولي، يطوي صفحة الدولة الأسدية وينتج مؤسسة حكم عليا تجسد المساواة التأسيسية.
يقر المؤلف بحدود تصوره، مشيراً إلى أن الحل صعب وليس مثالياً، وأنه لا نظام توافقي كامل ولا أقلية في مقام حماية، بل هو سعي لتحقيق أقصى حد من العدالة لأكبر أكثرية. يترك أسئلة مفتوحة حول دور القوى الدولية، لا سيما الأميركيين والروس، الذين يراهم طرفاً ثالثاً في المشكلة وليس مجرد طرف في الحل. يرى أن هؤلاء يتحكمون بمجلس الأمن والإعلام، ويترددون بين التسليم باستمرار الحرب أو إعادة «سورية الأسد»، دون اهتمام كبير بالعدالة أو الديمقراطية. يخلص إلى أن من لديه القوة لا تعنيه العدالة، ومن تعنيه العدالة يفتقر إلى القوة، وهو طريق مسدود لا حل فيه سوى استمرار المعاناة والتفجر.
في النهاية، يمكن القول إن الحجة الرئيسية في الفصل تضع مسؤولية كبيرة على السوريين أنفسهم في بناء تصورهم للحل، لكنها لا تخفف من مسؤولية النظام والداعش والقوى الدولية في إدامة الأزمة.
14.في شأن حق تقرير المصير للكرد السوريين271–288▼ ملخص
في هذا الفصل، يتناول ياسين الحاج صالح موضوع حق تقرير المصير للكرد السوريين، ويقدم إجابة معقدة ونقدية. فهو لا يرفض هذا الحق من حيث المبدأ، بل يعترف به كحق أساسي لأي شعب له ثقافته ولغته وتطلعاته. لكنه يحذر من أن المشكلة تكمن في التفاصيل، أي في كيفية تطبيق هذا الحق على أرض الواقع السوري، معتبراً أن التمسك بالمبدأ العام دون النظر إلى التعقيدات التاريخية والجغرافية والسياسية هو "جبن فكري وسياسي" أو "انتهازية".
يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بالإقرار بحق الكرد في تقرير المصير، بما في ذلك حق الانفصال، كحق مبدئي غير مشروط. ثم ينتقل مباشرة إلى تحليل الخصائص التاريخية والجغرافية والاجتماعية للوجود الكردي في سورية. يوضح الكاتب أن الوجود الكردي قديم في مدن مثل دمشق وحلب وحماة، حيث اندمج الكرد لغوياً واجتماعياً، بينما هناك وجود فلاحي أحدث في شمال شرق البلاد. ويشير إلى أن سورية قبل العهد الأسدي كانت تتمتع بحياة سياسية مفتوحة ومتنوعة، وأن النخب السياسية والعسكرية كانت من أصول متنوعة، لكن العروبة في تلك الفترة كانت منفتحة. أما مع وصول حزب البعث، فبدأت مرحلة "تعريب العرب" بصيغة "العروبة المطلقة"، والتي استبعدت الكرد المتمسكين بهويتهم مع أنها وفرت مساحة تلاق لسوريين من خلفيات دينية ومذهبية مختلفة.
يتناول الكاتب سياسة النظام الأسدي تجاه الكرد. يذكر أن خالد بكداش، الزعيم التاريخي للحزب الشيوعي، كان كردياً دمشقياً متعرباً، مما شجع انخراط الكرد في الحياة السياسية لفترة. لكنه يلفت إلى مفارقة مهمة: بينما كان النظام ينكر وجود الكرد القومي، إلا أنه لم يستأصل منظماتهم السياسية أو يسجن مناضليهم لمدد طويلة كما فعل مع اليساريين أو الإسلاميين. ويوضح أن هذه المعاملة الخاصة كانت مبنية على اعتبارات إقليمية، مثل العداء مع صدام حسين في العراق، واستخدام ورقة حزب العمال الكردستاني في تركيا بقيادة عبد الله أوجلان. وكدليل على أن السياسة تغلب الهوية، يذكر أن الكرد كانوا يتمتعون بحياة سياسية نسبية لم يتمتع بها غيرهم، لكنهم مع ذلك كانوا محرومين كغيرهم من المواطنة الحقيقية، حيث يقول: "صحيح أن عشرات ألوف الكرد كانوا محرومين من الجنسية... إلا أن المتمتعين بالجنسية من عموم السوريين كانوا محرومين سياسياً".
ينتقل الكاتب بعدها إلى الجغرافيا، فيحدد ثلاث مناطق كثافة كردية رئيسية: عفرين شمال غرب حلب، وعين العرب (كوباني) شرق حلب، ومناطق في محافظة الحسكة. يؤكد أن هذه المناطق ليست متصلة جغرافياً، وأن هناك مناطق ذات أغلبية عربية بينها، مثل تل أبيض ومنبج وجرابلس. ويركز النقد الأكبر في الفصل على مشروع روجافا (أو كردستان الغربية) الذي يتبناه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. يرى الكاتب أن هذا المشروع يستند إلى تصور قومي متخيل لا يتطابق مع الوقائع الجغرافية والديموغرافية الصلبة، حيث يسعى لتوحيد مناطق غير متصلة تحت اسم واحد، وهو ما يعتبره استمراراً للمنطق القومي العربي التمييزي بثوب كردي. ويقدم شهادات من أوساط كردية تشكك في كون المشروع قومياً حقيقياً، وتصفه بأنه مشروع سلطة حزبية ضيقة لصالح حزب العمال الكردستاني التركي، ويتهمه بالتعامل الاستعلائي مع العرب وغيرهم من السكان، وإطلاق أوصاف مثل "دواعش" عليهم لتجريدهم من حقوقهم، مستشهداً بتقارير منظمة العفو الدولية عن جرائم حرب محتملة في المنطقة.
كما ينتقد الكاتب تعامل واشنطن وموسكو مع هذا المشروع، إذ يركزان على محاربة داعش فقط دون بناء سورية جديدة، مما يثبّت حكم بشار الأسد. ويخلص إلى أن منطق **(1/1](https://www.google.com/maps/place/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82+%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7+%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86+%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%87%D8%A7+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%AF%D9%85+%D8%AC-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84+%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D8%B3%D9%88%D8%B1%D