المورد
يهود دمشق

يهود دمشق

arدار طلاس

يقدم كتاب "يهود دمشق" للمؤلف يوسف تلعسية بحثاً تاريخياً وثائقياً عن أوضاع الطائفة اليهودية في مدينة دمشق خلال فترة الحكم العثماني، ويمتد ليغطي فترات الحكم المصري لبلاد الشام. الموضوع المحوري للكتاب هو دراسة واقع اليهود كطائفة من أهل الذمة في مجتمع إسلامي، مع التركيز على أدوارهم الاقتصادية والاجتماعية المتناقضة، وعلاقاتهم بالسلطات الحاكمة والقوى الأوروبية الطامعة. يدافع المؤلف بوضوح عن موقف مفاده أن يهود دمشق انقسموا إلى فئتين: أغلبية من اليهود المحليين المنحدرين من أصول عربية عاشوا في اندماج وانسجام مع جيرانهم المسلمين، وأقلية من المهاجرين السفارديم والأشكناز الذين استغلوا خبراتهم في الصيرفة والمال لتحقيق نفوذ واسع، مما جعلهم أداة في المخططات الاستعمارية الأوروبية الرامية لاختراق المنطقة العربية.

يسير الكتاب وفق حجة متسلسلة منطقياً، تبدأ بوضع اليهود في الإطار القانوني لتقاليد أهل الذمة في الإسلام، موضحاً الفرق الدقيق بين الشروط المستحقة والشروط المستحبة التي تعرض مخالفوها لعقوبات، وكيف أن الجهل والتعصب في تلك الحقبة جعلا المخالفة للشروط المستحبة كأنها مخالفة للمستحقة. ينتقل بعدها لفحص الأصول التاريخية لليهود في دمشق، مبتدئاً بمناقشة الموجات المتتالية من الهجرات، وأبرزها هجرة السفارديم من الأندلس بعد سقوطها، وهجرة الأشكناز من أوروبا الشرقية، مع الإشارة إلى أن اليهود المحليين المستعربين كانوا يشكلون الأغلبية، ويتكلمون العربية ويحملون أسماءً عربية.

ثم يفصل الكتاب البنية الداخلية للطائفة، متناولاً الفرق الدينية الثلاث التي تألفت منها: فرقة الربانيين الأكثر عدداً والأكثر تمسكاً بالتلمود، وفرقة القرائين الذين أنكروا التلمود وهجروا دمشق نهائياً في بداية القرن التاسع عشر، وفرقة السامريين الأقل عدداً الذين انعزلوا عن بقية اليهود لتمسكهم بجبل جرزيم كقبلة مقدسة. يصف الكتاب بدقة توزع اليهود في حارات خاصة داخل أسوار دمشق القديمة، مثل حارة اليهود الرئيسية في الجزء الشرقي، وحارة القرائين في محلة الزيتون التي تحولت لاحقاً لكنيستها إلى كنيسة للكاثوليك، وحارة السامرة في الناحية الشمالية، مبيناً نظام الحكم الذاتي لكل حارة بشيخها الخاص.

تنتقل الحجة بعد ذلك إلى القسم الأكثر قسوة في الكتاب، وهو تحليل الدور الاقتصادي لليهود وعلاقاته بالسلطة. يصف المؤلف كيف سيطرت أسر يهودية محدودة، خاصة أسرة فارحي ذات الأصول الإسبانية، على مصير خزينة الدولة في ولايتي دمشق وصيدا. تبرز في هذا السياق شخصية حاييم فارحي الذي وصل نفوذه إلى درجة تعيين وعزل الولاة، حتى أمر والي عكا أحمد باشا الجزار بجدع أنفه وسمل عينيه، ثم أنهى حياته عبد الله باشا شنقاً عام 1818م. لا يكتفي المؤلف بسرد نفوذ هذه الأسر، بل يكشف الآليات الاستغلالية البشعة التي استخدموها ضد فلاحي دمشق، وخلاصتها التلاعب بسعر النقد وتوقيت جباية الضرائب مما جعلهم يجنون أرباحاً طائلة ويمتلكون جزءاً كبيراً من أراضي الغوطة الخصبة.

لكن الكتاب يحرص على توازن الرؤية، فلا يعمم هذه الصورة على كل يهود دمشق. يؤكد المؤلف بصراحة أن أغلبية اليهود اشتغلوا بحرف متواضعة ومحتقرَة في بعض الأحيان، كجمع الخرق البالية من المزابل، أو صناعة السمكرة، أو الغناء في المقاهي، أو صباغة الأقمشة. يورد المؤلف إحصاءات سكانية لافتة، تذكر أن عدد يهود دمشق تراوح بين خمسة عشر ألف نسمة عام 1812م وأربعة آلاف نسمة عام 1868م، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تحتاج للتحقق لعدم وجود إحصاءات دقيقة. يصل مجموع الأسر اليهودية التي رصدها الكتاب إلى أكثر من ثمانين أسرة، معظمها من أصول عربية، بينما القليل منها سفاردي أو أشكنازي.

يمتد التحليل ليطال الجوانب الاجتماعية والدينية والثقافية بتفصيل دقيق. يقدم الكتاب وصفاً شاملاً لأزياء اليهود المميزة، من القبعات الزرقاء والطربوش الصغير مقارنة بالمسلمين، إلى حجاب النساء اليهوديات بإزار أبيض أو مخطط. يتناول عادات الزواج الممتدة لسبعة أيام كاملة، وطقوس الختان، والختان، والأعياد الدينية مثل عيد الفصح وعيد المظلة، وطقوس دفن الموتى التي تشمل الغسل والتكفين والصلاة بالعبرية. يبرز في ذلك الوصف التفصيلي لقبور اليهود، حيث نقشت على الأحجار أسماء المتوفين بالعبرية وأدوات حرفهم، ونجمة داوود السداسية.

يختم الكتاب بتسليط الضوء على علاقة يهود دمشق بالقوى الاستعمارية الأوروبية، وهي النقطة التي يجيب فيها المؤلف عن السؤال المركزي الذي يطرحه. يشير الكتاب إلى أن بروز الأسر اليهودية الإشكنازية والسفاردية في دمشق تزامن مع الثورة الصناعية الأوروبية وطموح الدول الأوروبية التوسعي. يقدم المؤلف شهادة لافتة للدكتور ميخائيل مشاقة، وهو معاصر لتلك الحقبة، يذكر فيها أن الطائفة اليهودية في بلاد الشام كانت تزداد يوماً بعد يوم بقصد الاستيطان، وأن القدس ونواحي جبل الكرمل والناصرة صارت جلها أملاكاً لهم. ويربط الكتاب بين هذه الشهادات التاريخية وبين النشاط العلني للحركة الصهيونية الدولية قبل عقود من مؤتمر بازل، حيث تشير الوثائق إلى اجتماعات زعماء اليهود في دمشق مع موسى مونتفيوري، وتورطهم في زعزعة الأمن عام 1860م، واعتمادهم على حماية القناصل الأجانب.

يعترف المؤلف في أكثر من موضع بحدود بحثه. فهو يقر بندرة الإحصاءات السكانية الدقيقة «لعدم وجود إحصاءات دقيقة للسكان»، ويرجع ذلك أيضاً إلى تقاليد الدمشقيين التي حالت دون إحصاء النساء. يذكر أيضاً أن مصادر معلوماته الأساسية استمدت من سجلات محاكم دمشق المختلفة، مما يعطي للكتاب صفة التوثيق القضائي، لكنه في نفس الوقت يترك بعض الأسئلة مفتوحة، كأسباب هجرة طائفة القرائين من دمشق نهائياً، أو مصير أطباء اليهود الذين لا يعرف إذا تلقوا تعليمهم التقليدي أم عبر المعاهد العثمانية أم الأوروبية.

يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح، خاصة في ربطه المباشر بين النشاط الاقتصادي لبعض الأسر اليهودية وبين المخططات الاستعمارية الغربية، ونظرته إلى الصهيونية كاستمرارية لتلك المخططات. كذلك، فإن التقسيم الحاد بين اليهود ذوي الأصول العربية المنصهرين في المجتمع واليهود المهاجرين «المستغلين» قد يبدو لبعض القراء تبسيطاً لعلاقات طائفية واجتماعية معقدة جداً. لكن في مجمله، يقدم الكتاب مرجعاً ثرياً يعتمد على وثائق تاريخية نادرة، ويظل صادقاً مع مادته الوثائقية التي اعتمدها بالكامل، مما يجعله مساهمة مهمة لتاريخ الأقليات في المدن العربية العثمانية.