المورد
Voyage_en_Syrie_et_en_[...]Volney_Constantin-François_bpt6k1041132

Voyage_en_Syrie_et_en_[...]Volney_Constantin-François_bpt6k1041132

Volney Constantin-François١ كانون الثاني ١٧٨٧frVolland, Libraire, Quai des Augustins; Dessenne, Libraire, au Palais Royal

يقدّم كتاب «رحلة في سوريا ومصر» لمؤلفه فولني كونستانتين فرانسوا دراسةً شاملةً وعلميةً لطبيعة هذين البلدين وسكانهما وأنظمتهما السياسية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. لا يكتفي الكتاب بوصف المشاهدات كرحلة سياحية، بل يتعمق في تحليل الظواهر الطبيعية والاجتماعية والتاريخية محاولاً فهم الأسباب الكامنة وراء ما يراه. الموقف المحوري الذي يدافع عنه المؤلف هو أن التخلف والانحطاط اللذين يلاحظهما في مصر وسوريا ليسا قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسوء الإدارة السياسية، وتحديداً النظام العثماني الذي يتّسم بالإهمال والاستبداد، والذي أفسد حتى أفضل الموارد الطبيعية والبشرية.

ينطلق الكتاب من الانطباع الحسي المباشر للمسافر الأوروبي لدى وصوله إلى الإسكندرية، حيث يصف الفجوة الصادمة بين الصورة المثالية في الكتب والواقع القاسي. تتحول هذه الصدمة الحسية إلى تأمل نقدي في حالة المدينة، حيث الأطلال الشاسعة تحيط بها، وميناؤها الجديد أصبح ضحلاً وخطراً لدرجة أنه قبل ستة عشر أو ثمانية عشر عاماً تحطمت فيه اثنتان وأربعون سفينة، بينما الميناء الأكثر أماناً محظور على السفن غير المسلمة. يعزو المؤلف هذا الإهمال إلى «الروح التركية» التي تدمّر ولا تصلح، ويصف الحصن العسكري الضعيف بحاميته من خمسمائة إنكشاري غير مدربين ومدافعه القليلة. هذا النقد السياسي المبكر يمهّد لتحليل أعمق للحالة المصرية.

ينتقل الكتاب من وصف المدينة إلى وصف الطبيعة، فيحلّل ظاهرة فيضان النيل وتأثيرها على تكوين دلتا مصر. هنا يظهر الأسلوب العلمي النقدي للمؤلف، حيث يناقش نظريتي هيرودوت وم. سافاري حول توسع الدلتا وارتفاعها. يرفض فولني الأدلة التي تقدّمها نظريات معاصره، متمسكاً بنصوص المؤرخين القدماء كما فسّرها الجغرافي دانفيل، ويجادل بأن التغيّرات في منسوب الفيضان هي نتيجة للتلاعب البشري بمقاييس النيل، مثل التغيير الذي أمر به الخليفة عمر لخداع الناس. يستشهد بملاحظات الرحالة كارستن نيبور التي تدعم استقرار منسوب النيل على مدى ثمانية عشر قرناً، لكنه يقرّ بصعوبة إجراء قياسات دقيقة في مصر بسبب شكوك الأتراك الذين يعتبرون الأوروبيين جواسيس. هذه المقاطع تُظهر أن الكتاب ليس مجرد وصف، بل هو بحث جدلي يحاول تفكيك المعرفة السائدة.

بعد الطبيعة، يغوص الكتاب في تحليل التركيبة السكانية لمصر، وهي من أقوى أقسامه وأكثرها إثارةً للجدل. يرى فولني أن مصر، بعد أن فقدت سكانها الأصليين منذ 23 قرناً، أصبحت فسيفساء من أربع سلالات رئيسية. يصف السلالة العربية التي تضم الفلاحين والبدو، ويقدّر عدد فرسان البدو بـ 30,000، وهم في حالة حرب دائمة. أما السلالة القبطية، فيعتبرهم أحفاد خليط من المصريين القدماء والفرس واليونانيين، وقد أصبحوا بفضل معرفتهم الإدارية كتبة وموظفين، مما جعلهم مكروهين من الجميع. يطرح هنا نظرية مثيرة للجدل مفادها أن كلمة «قبط» هي تحريف لكلمة «إيجيبتوس» اليونانية، ويدعم نظريته بملاحظة شخصية عن ملامح الأقباط التي وجدها شبيهة بتمثال أبي الهول، مستشهداً بمقطع من هيرودوت يقول إن المصريين القدماء كانوا زنجاً ذوي بشرة سوداء وشعر مجعد. هذه الفكرة التي كانت سائدة في عصرها لا تزال قابلة للنقاش العلمي والتاريخي حتى اليوم.

يكمل فولني تصنيفه للسلالات المصرية بوصف السلالة التركية كطبقة حكام، ويتتبّع تاريخ الدولة العثمانية منذ تأسيسها على يد عثمان بن أرطغرل وحتى فتح القسطنطينية على يد محمد الثاني عام 1453م، ثم زحفهم جنوباً لهزيمة المماليك في معركة ألب عام 1517 بقيادة السلطان سليم. لكن الملاحظة الأهم هي أن الوجود التركي لم ينتشر في الريف، بل تركز في القاهرة. أما السلالة المملوكية الرابعة والأخيرة، فيصفها فولني بأنها «ظاهرة سياسية غريبة»، فهم طبقة حاكمة من أصول قوقازية تجدد نفسها باستمرار باستيراد عبيد جدد بدلاً من التزاوج محلياً، مما جعلهم كياناً منفصلاً عن المجتمع. في تفصيل تاريخي، يصف فولني انقلاب علي بك الكبير على الدولة العثمانية بدعم من تاجر بندقي وتآمره مع الشيخ ظاهر العمر في عكا، ثم الحملة ضد دمشق عام 1771 التي قادها قائده محمد بك أبو الذهب، والذي انسحب فجأة بعد وعود من العثمانيين، مما أنهى أحلام علي بك وأدى إلى وفاته. هذه القصة تُظهر الصراعات المعقدة داخل النظام الحاكم.

ينتقل الكتاب في جزئه الثالث إلى وصف دقيق للحالة الفيزيائية لسوريا، وهي دراسة جغرافيا طبيعية شاملة تبدأ من تحديد حدود البلاد ووصف مظهرها العام كسلسلة جبال رئيسية تمتد من الإسكندرونة شمالاً حتى منابع نهر الأردن جنوباً. يصف فولني تنوع الجبال والغابات، مشيراً إلى أن أشجار الأرز الشهيرة في لبنان لم يبق منها إلا أربع أو خمس لها مظهر ما، وأن أعلى نقطة في سوريا كلها هي لبنان، والتي يمكن رؤية قمته الضبابية من لارنكا في قبرص على بعد 30 فرسخاً. يستنتج المؤلف ارتفاع الجبال من وجود الثلوج التي تبقى في أعالي لبنان طوال العام، وهو ما شاهده بنفسه في نهاية آب 1784، مما يعني أن ارتفاع لبنان يتراوح بين 1500 و1600 قامة، أي أقل شأناً من جبال الألب والبرانس.

في تحليله للظواهر الطبيعية، لا يغفل فولني عن الكوارث والآفات. يصف أسراب الجراد التي تغطي الأرض لفراسخ عدة وتدمر كل الأخضر، قادمة من صحراء العراق بعد شتاء دافئ جداً، ويذكر أن طائر السمارمر هو الذي يتعقبها في أسراب. كما يصف الزلازل التي غيرت وجه مدن مثل أنطاكية واللاذقية وطرابلس وبيروت وصيدا، ويذكر أن زلزالاً في 1759 أودى بحياة أكثر من عشرين ألف شخص في وادي بعلبك، وأنه هو نفسه شعر بهزة قوية في حلب في 14 كانون الأول 1783 جعلت جرس القنصل الفرنسي يرن. هذه التفاصيل الدقيقة تمنح القارئ إحساساً واقعياً بالمخاطر التي واجهها السكان.

في تحليله للمناخ، يرفض فولني الفكرة العامة بأن سوريا بلد حار جداً، ويميّز بين المناطق الساحلية المنخفضة حيث يصل مقياس حرارة ريومور في الصيف إلى 25 و 26 درجة، والمناطق الجبلية حيث لا يتجاوز 20 و 21 درجة. يقترح تقسيم سوريا إلى مناخين عامين: حار جداً للساحل والسهول الداخلية، ومعتدل للجبال. هذا التنوع يسمح لسوريا بجمع ثمار مواسم مختلفة في وقت واحد، حيث ينتقل المرء من حر تموز على الساحل إلى درجة حرارة آذار في الجبال بست ساعات فقط. يختم هذا القسم بتحليل فيزيائي للرياح والدورة الجوية، مقترحاً إنشاء أربع محطات رصد على قمم جبال الأقرع ولبنان وتابور لرصد حركة الغيوم والرياح، مؤكداً على أن سوريا هي مختبر طبيعي مثالي لدراسة الأرصاد الجوية.

الجزء السياسي من الكتاب عن سوريا يركّز على البدو الرحّل، مقدّماً إياهم كقبائل مستقلة تعيش في الصحراء. يرى المؤلف أن نمط حياتهم ليس مجرد خيار ثقافي، بل هو نتيجة حتمية لعوامل طبيعية (طبيعة الصحراء القاسية) وسياسية (ضعف الحكم العثماني واضطهاده). يصف الصحراء الممتدة من حلب إلى البحر العربي ومن مصر إلى الخليج الفارسي، بطول 600 فرسخ وعرض 300 فرسخ، ويشرح كيف أن الجمل هو العنصر الأساسي للحياة فيها، لولا الجمل لكانت الصحراء غير قابلة للسكنى. في تحليله للحياة الاجتماعية، يصف فولني القبائل كدول مصغّرة يسودها نظام «ثار» يؤدي إلى حروب وعداوات طويلة الأمد، ويصف حكومتهم بأنها «جمهورية، وأرستقراطية، واستبدادية في آن واحد».

يقدّم الكتاب صورة مركّبة عن أخلاق البدو، فهم فقراء جداً يعيشون على التمر والحليب، لكنهم يتميزون بالكرم والشجاعة وحسن الضيافة. يقول المؤلف عنهم إنهم «شعب لصّ مقابل الغريب، وأمين شهم في داخل مجتمعه»، ويصف تسامحهم الديني النادر حيث يتبعون الإسلام شكلياً أمام الأتراك لكنهم لا يلتزمون بالصلاة أو الصوم. أحد الشيوخ يقول للمؤلف: «كل منا يتبع طريق ضميره. الأفعال أمام الناس، والدين أمام الله». يحاول فولني في النهاية تفسير الفرق بين البدوي والهمجي، معتبراً أن حياة الرعي في الصحراء المفتوحة أنتجت بدوياً مقتصداً ومسالماً، بينما حياة الصيد والغابات جعلت هنود أمريكا وحوشيين.

هذا الكتاب، رغم قيمته العلمية والتاريخية الكبيرة، يحمل حججاً قابلة للنقاش بوضوح. أبرزها نظرية المؤلف حول الأصل الزنجي للمصريين القدماء بناءً على تفسير حرفي لنص هيرودوت، وهي نظرية محل جدل كبير اليوم. كما أن رؤيته للعرب كأمة «لا تعرف علم الحكم» هي رؤية استشراقية تعميمية، وتصوره للمماليك والأتراك كطبقات منفصلة تماماً عن السكان الأصليين يبسط صورة معقدة من التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت عبر القرون. على الرغم من هذه التحفظات، يظل الكتاب وثيقة فريدة تلتقط لحظة تاريخية حاسمة في الشرق الأوسط قبل التحولات الكبرى التي ستطرأ على المنطقة، ويقدّمها بأسلوب علمي رصين يجمع بين المشاهدة المباشرة والتحليل النقدي.

الفصول(4)

1.الجزء الأول. الحالة الفيزيائية لمصر.21–86▼ ملخص

يصف هذا الفصل من كتاب فولني "رحلة في سوريا و[...]" الحالة الفيزيائية لمصر، مبتدئاً بانطباعات المسافر الأوروبي عند وصوله إلى الإسكندرية. يوضح المؤلف الفجوة الكبيرة بين ما يقرؤه المرء عن الشرق في الكتب وبين ما يراه ويشعر به فعلياً على أرض الواقع. فالمشاهد الحقيقية، مثل أشجار النخيل، والمنازل ذات الأسطح المسطحة، والمآذن النحيلة، والبشر بملابسهم الغريبة ولغتهم الحادة، تخلق صدمة حسية وذهنية للمسافر الجديد.

ينتقل الوصف من الانطباع الحسي الأولي إلى تأمل أكثر تفصيلاً للمدينة. يصف المؤلف الأطلال الواسعة التي تحيط بالمدينة الجديدة، والتي تمتد لمسافة ساعتين، وتشمل أسواراً وأبراجاً قديمة متهالكة. هذا المشهد يثير في الزائر الأوروبي مشاعر متضاربة من الإعجاب والحزن، على عكس السكان المحليين الذين اعتادوا على هذا المنظر. بعد هذه النظرة العامة، يتجه الملخص إلى وصف الإسكندرية الحديثة كمركز تجاري هام، حيث تلتقي البضائع الأوروبية بالمنتجات المصرية، وذلك من خلال وجود وكلاء تجاريين من مرسيليا، ليفورنو، البندقية، ودوبروفنيك.

يُسلط النص الضوء على مشكلة رئيسية تواجه المدينة: حالة مينائها. فالميناء الجديد، الوحيد الذي تستقبل فيه السفن الأوروبية، أصبح ضحلاً ومليئاً بالصخور، مما يجعله خطيراً جداً خاصة في العواصف. يذكر المؤلف حادثة مأساوية قبل ستة عشر أو ثمانية عشر عاماً تحطمت فيها اثنتان وأربعون سفينة، ويشير إلى خسائر أخرى متكررة. وبالمقابل، الميناء القديم أكثر أماناً لكنه محظور على السفن غير المسلمة. ويعزو المؤلف هذا الإهمال إلى "الروح التركية" التي تدمّر ولا تصلح، في إشارة ناقدة للنظام السياسي القائم. كما يصف ضعف المدينة كحصن عسكري، حيث لا تحصينات تذكر والمدافع قليلة، والحامية المكونة من خمسمائة إنكشاري غير مدربة.

يُبحر الملخص بعد ذلك خارج الإسكندرية نحو الدلتا، واصفاً الانتقال من الصحراء الرملية إلى التربة السوداء الخصبة التي تميز مصر. يصف منظر نهر النيل عند رشيد، وقنواته، وأشجار النخيل والبساتين التي تزين ضفافه. يستمر الوصف في رحلة الصعود إلى القاهرة، مروراً بسهل دجلة الذي يشبه سهول فلاندر أو المستنقعات في لوار السفلى. يصف المنظر بأنه رتيب: قرى طينية، نخل متفرق، وأفق بعيد ضبابي، قبل أن تظهر في الأفق جبال المقطم وأهرامات الجيزة الثلاثة، حيث يبدأ الوادي الضيق الذي يمتد جنوباً.

ينتقل الملخص إلى موضوع جيولوجي، مفسراً تركيب الأرض في مصر. يذكر أن الأساس في مصر، من أسوان إلى البحر المتوسط، هو حجر كلسي أبيض يحتوي على أصداف بحرية، وهو نفس الحجر الذي بنيت منه الأهرامات وأحجار القاهرة. ويشير إلى وجود محاجر للرخام والجرانيت الأحمر بالقرب من أسوان، ومحجر لحجر السربنتين، ومناجم زمرد قديمة فقد أثرها، والنحاس هو المعدن الوحيد المذكور من قبل القدماء. ثم يصف بحيرتي النطرون غرب الدلتا، اللتين تجفان في الشتاء مخلفتين طبقة من الملح تصل إلى 36,000 قنطار سنوياً. ويختتم هذا الجزء بوصف تربة وادي النيل الطينية السوداء التي يجلبها النهر من الحبشة، والتي يعتبرها أساس خصوبة مصر.

أخيراً، يتناول الملخص بالتفصيل حجج المؤلف حول ظاهرة فيضان النيل وتأثيرها على تكوين دلتا النيل وارتفاع مستواها. يعرض الفصل نظريتين أساسيتين: نظرية هيرودوت التي تقول إن الدلتا هي "هدية النهر" التي تراكمت على مدى قرون، ونظريات الكاتب المعاصر م. سافاري الذي حاول حساب معدل هذا التوسع والارتفاع. يستخدم المؤلف تحليلاً نقدياً لحجج سافاري، متمسكاً بنصوص هيرودوت وسترابون كما فسرها الجغرافي دانفيل، لإظهار أن الأدلة على التوسع السريع للدلتا غير حاسمة. يجادل بأن التغيرات في منسوب الفيضان ليست دليلاً على ارتفاع الأرض بقدر ما هي نتيجة للتلاعب البشري بمقاييس النيل (المقاييس)، مثل التغيير الذي أمر به الخليفة عمر لخداع الناس بشأن مستوى الفيضان الحقيقي. ويستشهد بملاحظات الرحالة كارستن نيبور التي تدعم استقرار منسوب النيل الأساسي على مدى ثمانية عشر قرناً. في النهاية، يقر المؤلف بصعوبة إجراء قياسات دقيقة في مصر بسبب العوائق السياسية والدينية، مثل شكوك الأتراك الذين يعتبرون الأوروبيين جواسيس، تزامناً مع فترة من التوتر والتنبؤات بانهيار الإمبراطورية العثمانية.

2.الجزء الثاني. الحالة السياسية لمصر.87–281▼ ملخص

بناءً على النص المقدم، إليك ملخص أمين وموجز للفصل المخصص لـ«الحالة السياسية لمصر» من كتاب فولني.

الموضوع المحوري لهذا القسم هو تحليل التركيبة السكانية لمصر من منظور تاريخي وسياسي. يطرح المؤلف فكرة أن مصر، بعد أن فقدت سكانها الأصليين منذ 23 قرناً، أصبحت فسيفساء من الأجناس والأعراق التي تعاقبت عليها عبر الغزوات والهجرات المتتالية. الإجابة التي يقدمها هي أنه يمكن تمييز أربع سلالات رئيسية من السكان، لكل منها خصائصها وأصولها ودورها في المجتمع المصري.

يسير الفصل بمنهجية تصنيفية واضحة، حيث يبدأ بوصف كل سلالة على حدة. يبدأ بـالسلالة العربية التي يقسمها إلى ثلاث طبقات. الأولى هم أحفاد الفاتحين الذين قدموا مع عمرو بن العاص عام 640م، والذين يشكلون الآن أساس طبقة الفلاحين والحرفيين، وقد احتفظوا بملامحهم العربية الأصلية لكنهم اكتسبوا قامة أطول بفضل الحياة في بلد أكثر خصباً. الثانية هم الأفارقة أو "المغاربة" الذين قدموا من شمال أفريقيا ويتمركزون في الصعيد. أما الثالثة فهم البدو أو "سكان الخيام"، الذين يعيشون حياة الترحال والرعي، ويقدر عدد فرسانهم بـ 30,000، وهم في حالة حرب دائمة مع الجميع.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى السلالة القبطية، واصفاً إياهم بأنهم أحفاد خليط من المصريين، والفرس، واليونانيين الذين كانوا يقطنون البلاد قبل الفتح العربي. يميزهم عن العرب انتماؤهم للمسيحية، وتحديداً المذهب الأوطاخي، مما جعلهم عرضة للاضطهاد من قبل اليونانيين الآخرين. يوضح الكاتب كيف استغل العرب هذا الخلاف، وأصبح الأقباط، بفضل معرفتهم القديمة بإدارة البلاد، كتبة وموظفين في دواوين الحكومة، مما جعلهم مكروهين من الفلاحين ومحتقرين من الأتراك. في ملاحظة مثيرة للجدل، يطرح المؤلف نظرية لغوية وتاريخية مفادها أن كلمة "قبط" هي تحريف لكلمة "إيجيبتوس" اليونانية، ويدعم ذلك بملاحظة شخصية عن ملامح الأقباط التي وجدها شبيهة بملامح تمثال أبي الهول، مستشهداً بمقطع من هيرودوت يقول فيه إن المصريين القدماء كانوا زنجاً ذوي بشرة سوداء وشعر مجعد.

بعد مناقشة السلالات، ينحرف الفصل مؤقتاً إلى موضوع اللغة العربية وأهميتها الجغرافية والتاريخية. يشرح الكاتب كيف أصبحت العربية هي اللغة السائدة بعد أن حظر الخليفة الوليد بن عبد الملك اللغة اليونانية، مما أدى إلى اضمحلال اللغة القبطية. ثم ينتقد بشدة تشويه أسماء الأماكن العربية في كتابات الرحالة الأوروبيين، ويعزو ذلك إلى ثلاثة أسباب: جهل الرحالة باللغة العربية، وصعوبة نطق بعض الحروف العربية التي لا مقابل لها في اللغات الأوروبية، وعدم تناسق طرق الكتابة بين الإيطاليين والألمان والإنجليز. ويقدم أمثلة عديدة على هذا الخلط.

أما السلالة الثالثة فهي السلالة التركية، التي يصفها المؤلف بأنها سلالة الحكام. يبدأ بتعريف أصل الأتراك كقبائل بدوية من منطقة التركستان، ويؤرخ لظهورهم وانتشارهم في الدولة العباسية، وصولاً إلى حكم السلاجقة. ثم يركز على تأسيس الدولة العثمانية على يد عثمان بن أرطغرل، ويتتبع انتصاراتهم حتى فتح القسطنطينية على يد محمد الثاني عام 1453م، ثم زحفهم southward نحو مصر. يوضح أن السلطان سليم هزم المماليك في معركة ألب عام 1517 وضم مصر، لكنه يلاحظ أن الوجود التركي لم ينتشر في الريف، بل تركز في القاهرة في المناصب العسكرية والدينية.

السلالة الرابعة والأخيرة هي السلالة المملوكية التي وصفها بأنهم "ظاهرة سياسية غريبة". يشرح أصلهم كجنود من أصول قوقازية (شركس، أباظة، منغريليين) تم استيرادهم كعبيد في القرن الثالث عشر. يبدي الكاتب اندهاشه من كيفية تجدد هذه الطبقة الحاكمة، موضحاً أنها لم تنتج أجيالاً محلية بسبب رفضهم الزواج من النساء المصريات، مما جعلهم يعتمدون على استيراد عبيد جدد من وطنهم الأصلي للحفاظ على كيانهم. يقدم فصلاً موجزاً عن تاريخهم السياسي، حيث يحكمون مصر كسلاطين لأكثر من قرنين ونصف (حتى 1517) وسط حروب وصراعات داخلية، وأبرزهم علي بك الكبير الذي تمرد على الدولة العثمانية.

في الجزء الأخير من الفصل، يتم تفصيل انقلاب علي بك الكبير على السلطة العثمانية بدعم من تاجر بندقي وتآمره مع الشيخ ظاهر العمر في عكا. يصف الحملة العسكرية ضد دمشق عام 1771، والتي قادها قائده محمد بك أبو الذهب. لكن المفاجأة كانت عندما قرر محمد بك الانسحاب فجأة بعد أن كاد يدخل دمشق، وذلك بسبب وعود ورتب حصل عليها من العثمانيين. هذا الانسحاب أنهى أحلام علي بك، وأدى إلى القبض عليه ووفاته.

في سرد الأحداث، لا يخلو التحليل من نقاط قابلة للنقاش، أبرزها نظرية المؤلف حول الأصل الزنجي للمصريين القدماء بناءً على تفسير حرفي لنص هيرودوت وملاحظة شكل الأقباط، وهي نظرية كانت سائدة في ذلك الوقت لكنها محل جدل كبير اليوم. كما أن رؤيته للعرب كأمة "لا تعرف علم الحكم" هي رؤية استشراقية تعميمية، وتصوره للمماليك والأتراك كطبقات منفصلة تماماً عن السكان الأصليين يبسط صورة معقدة من التفاعلات الاجتماعية والزواجية والاقتصادية التي حدثت عبر القرون.

3.الجزء الثالث. الحالة الفيزيائية لسوريا.282–366▼ ملخص

الجزء الثالث من كتاب فولني، "الحالة الفيزيائية لسوريا"، هو دراسة جغرافية وطبيعية شاملة للبلاد. المحور الرئيسي للفصل هو وصف السمات الطبيعية لسوريا، بدءاً من جغرافيتها وتضاريسها، مروراً بمناخها ونباتها وحيواناتها، وصولاً إلى تحليل الظواهر الجوية. يقدم المؤلف إجابة واضحة ومفصلة عن طبيعة الأرض السورية، مؤكداً على تنوعها الجغرافي والمناخي الاستثنائي، وكيف أن هذا التنوع هو نتيجة مباشرة لتركيبتها الجيولوجية.

يسير الفصل وفق بنية منهجية، حيث ينتقل من الموضوعات الأكثر عمومية إلى الأكثر تحديداً. يبدأ المؤلف بتحديد حدود سوريا الجغرافية، موضحاً أن الاسم الحالي هو تحريف للاسم اليوناني "آشوريا"، بينما يطلق عليها العرب اسم "بلاد الشام". ثم يصف المظهر العام لسوريا، مشبهاً إياها بسلسلة جبال تتفرع منها فروع في كل اتجاه. يشرح بأن المسافر، سواء أتى من البحر أم من الصحراء، يرى أولاً أفقاً مسوراً بجدار ضبابي يمتد من الشمال إلى الجنوب، وعند الاقتراب، تظهر قمم الجبال المتدرجة التي تنتهي بخط رئيسي مهيمن. هذا الخط يبدأ من الشمال قرب الإسكندرونة، ويبتعد عن الساحل بعد نهر العاصي، ثم يمتد جنوباً حتى منابع نهر الأردن، حيث ينقسم إلى فرعين ليحتضن النهر وبحيراته الثلاث.

في القسم المخصص للجبال يناقش الفصل تنوع أشكالها ومظاهرها. شمال الإسكندرونة ونهر العاصي، تغطي الغابات (الصنوبر، السرو، البلوط، الآس) الجبال، مما يمنحها مظهراً حيوياً. أما الفروع الشمالية نحو حلب فهي صخرية جرداء. جنوب أنطاكية وعلى الساحل، تزرع التلال بأشجار الزيتون والتبغ والكرمة. في لبنان، تعلو الجبال وتصبح قابلة للزراعة بفضل الجهد البشري، حيث توجد أشجار الأرز الشهيرة (التي لم يبق منها إلا أربع أو خمس لها مظهر ما)، والتنوب والبلوط والتوت والكرمة. بعد أرض الدروز، تخف الجبال وتصبح أكثر ملاءمة للزراعة، لكنها تتجرد وتصبح وعرة كلما اتجهنا نحو القدس، وتنتهي بالقرب من البحر الميت بتراكم من الصخور الوعرة المليئة بالكهوف.

أعلى نقطة في سوريا كلها هي لبنان، جنوب شرق طرابلس، ويمكن رؤية قمته الضبابية من لارنكا في قبرص على بعد 30 فرسخاً. يتجلى ذلك أيضاً في مجاري الأنهار؛ فنهر العاصي المتجه من جبال دمشق إلى أنطاكية، ونهر الليطاني من شمال بعلبك نحو صور، ونهر الأردن المتجه جنوباً، كلها تثبت أن أعلى نقطة هي في لبنان. بعد لبنان، يأتي جبل الأقرع، وهو مخروط هائل يمكن رؤيته من معرة النعمان في الصحراء. لم يتم قياس ارتفاع الجبال بالبارومتر، ولكن يمكن استنتاجه من وجود الثلوج: في الشتاء، تغطي الثلوج جميع القمم من الإسكندرونة إلى القدس، لكنها تذوب بحلول شهر آذار في كل مكان باستثناء لبنان، حيث تبقى الثلوج في أعاليه وأجزائه الشمالية الشرقية طوال العام. يذكر المؤلف أنه شاهد ذلك بنفسه في نهاية آب 1784. بمعرفة أن الثلج على خط العرض هذا يتطلب ارتفاعاً يتراوح بين 1500 و1600 قامة، فإن لبنان يصل إلى هذا الارتفاع، مما يجعله أقل شأناً من جبال الألب والبرانس.

عند الحديث عن بنية الجبال، يجد المؤلف أنها مكونة من طبقة من الحجر الكلسي الصلب المائل إلى البياض، منتشرة في جميع أنحاء سوريا. هذا الحجر يظهر عارياً أحياناً، كما في سلسلة الجبال التي تحد الطريق من أنطاكية إلى حلب، أو على شكل تراكمات تشبه أطلال المدن القديمة بين حلب وحماة. هذا الحجر نفسه يشكل كتلة لبنان وسلسلة جبال لبنان الشرقية وجبال الدروز والجليل والكرميل، ويمتد إلى جنوب البحيرة الأسفلتية. لم يعثر المؤلف على أصداف متحجرة في أعالي لبنان، لكنه وجد في كسروان، بين بيروت وجبيل، محجراً من الصخر الطفلي يحمل نقوشاً لنباتات وأسماك وأصداف. كما أن وادي عسلان في فلسطين مرصوف بحجر مسامي مالح يحتوي على أصداف بحرية، وقد وجد بوكوك كمية منها في صخور البحر الميت.

فيما يتعلق بالمعادن، الحديد وحده هو الوفير في جبال كسروان وجبال الدروز، حيث يستخرجه السكان سنوياً من مناجم بسيطة غنية بأكسيد الحديد. يذكر المؤلف وجود حديث غامض عن منجم نحاس قديم قرب حلب لكنه مهجور، وعن معدن رصاص وفضة عثر عليه في انهيار أحد الجبال، لكن تم إخفاؤه خوفاً من جذب انتباه الأتراك. الجزء الجنوبي من سوريا، أي حوض الأردن، هو أرض براكين، حيث تثبت الينابيع الكبريتية والقار والخفاف والحمام الحار لطبريا أن هذه المنطقة كانت مسرحاً لنار لم تنطفئ بعد. يلاحظ المؤلف أن انبعاثات الدخان والتصدعات الجديدة لا تزال تظهر على شواطئ البحر الميت. كما أن الزلازل تحدث أحياناً في هذه المنطقة، وتاريخياً غيرت وجه مدن مثل أنطاكية واللاذقية وطرابلس وبيروت وصيدا. يذكر المؤلف أن زلزالاً في 1759 أودى بحياة أكثر من عشرين ألف شخص في وادي بعلبك، وأنه في 14 كانون الأول 1783، بينما كان في حلب، شعر بهزة قوية جعلت جرس القنصل الفرنسي يرن. يلاحظ المؤلف أن الزلازل في سوريا لا تحدث إلا في الشتاء بعد أمطار الخريف، وأن آسيا الصغرى عرضة لها أيضاً.

من الآفات الطبيعية التي تشاركها سوريا مع مصر وفارس معظم جنوب آسيا، هي أسراب الجراد التي تغطي الأرض لفراسخ عدة. يصف المؤلف صوته كجيش ينهب المحاصيل، ويقول إنه يدمر كل الأخضر في لحظة، ويحول المشهد الربيعي إلى مشهد شتوي قاتم. لحسن الحظ، هذه الآفة ليست متكررة، لكنها تؤدي إلى المجاعة والأمراض. لاحظ السكان أن الجراد لا يأتي إلا بعد شتاء دافئ جداً، وأنه يأتي دائماً من صحراء العراق. عندما تظهر على الحدود، يحاول السكان تحويل مسارها بالدخان وحفر الخنادق، لكن أكثر العوامل فعالية هي رياح الجنوب والجنوب الشرقي التي تدفعها نحو البحر المتوسط حيث تغرق، وطائر السمارمر الذي يشبه الصفارية ويتعقبها في أسراب. يصف الفصل جودة التربة في سوريا بأنها غير متجانسة: تربة الجبال خشنة، بينما تربة السهول دهنية وخصبة. في منطقة حلب حتى أنطاكية، التربة حمراء تشبه الطوب المطحون ناعماً، بينما مياه العاصي بيضاء بسبب الطين الأبيض في منابعه. في سهول حوران وغزة وبعلبك، تكاد لا تجد حصاة، وتتشقق الأرض في الصيف بسبب الحرارة، كما في مصر.

عند الانتقال إلى الأنهار والبحيرات، يناقش المؤلف المبالغة في وصف أنهار سوريا كـ الأردن والعاصي ونهر أدونيس، مشيراً إلى أنها لا تتجاوز كونها جداول. فعرض العاصي والأردن عند مصبهما لا يتجاوز 60 خطوة، والأنهار الأخرى لا تستحق الذكر. في الشتاء، تفيض الأمطار وذوبان الثلوج هذه الأنهار، لكن في بقية العام لا يبقى سوى مجاريها من الحصى والصخور. قرب الجبال من البحر يمنع المياه من التجمع في أودية طويلة لتشكل أنهاراً كبيرة. تشكلت بحيرات مثل بحيرة أنطاكية وبحيرة حلب وبحيرة دمشق وبحيرة الحولة وبحيرة طبريا بسبب العوائق الجبلية. كل هذه البحيرات عذبة، باستثناء البحر الميت أو البحيرة الأسفلتية التي لا تحتوي على أي كائن حي أو نبات، ومياهها مالحة أكثر من مياه البحر، لكن الهواء حولها ليس ساماً ولا يمنع الطيور من الطيران فوقه. ينفي المؤلف أسطورة تحول امرأة لوط إلى تمثال حجري، ويقول إنها تحولت إلى ملح، الأمر الذي لا بد أن المحيط بها قد ذابه في الشتاء التالي. يناقش أيضاً نظرية وجود اتصال سري بين الأردن والبحر المتوسط لتصريف المياه، ويؤكد أنها غير صحيحة؛ إذ أثبتت حسابات دقيقة أن التبخر وحده كافٍ لتصريف مياه النهر.

في تحليله للمناخ، يرفض المؤلف الفكرة العامة بأن سوريا بلد حار جداً، ويشترط التمييز بين خطوط العرض والتقسيم الطبيعي للأرض إلى مناطق ساحلية منخفضة ومناطق جبلية عالية. في الصيف، يصل مقياس حرارة ريومور إلى 25 و 26 درجة على السواحل، بينما لا يتجاوز 20 و 21 درجة في الجبال. في الشتاء، تغطي الثلوج الجبال بينما تخلو منها المناطق المنخفضة. لذا، يقترح المؤلف تقسيم سوريا إلى مناخين عامين: مناخ حار جداً للساحل والسهول الداخلية، ومناخ معتدل للجبال. يصف صيف 1784 عند الدروز بأنه كان من أشد الصيف حرارة في ذاكرتهم، لكنه لم يجده مقارناً بحرارة صيدا أو بيروت. في الجبال، الفصول مشابهة لفرنسا: شتاء قاسٍ من تشرين الثاني إلى آذار مع ثلوج، وخريف وربيع معتدلان، وصيف لا يطاق. في السهول، الحرارة تبدأ فجأة مع عودة الشمس إلى خط الاستواء وتستمر حتى عيد القديسين (أواخر تشرين الأول)، لكن الشتاء معتدل بحيث تزرع أشجار البرتقال والموز في الهواء الطلق. في أنطاكية وحلب ودمشق، الشتاء أقسى من الشمال والشرق الجبليين. هذا التنوع في المناخ يتيح لسوريا جمع ثمار مواسم مختلفة في وقت واحد؛ فبينما يعاني المرء من حر تموز على الساحل، ينتقل بست ساعات إلى الجبال حيث درجة حرارة آذار.

عند الحديث عن جودة الهواء، يوضح الفصل أن المناطق الجبلية والسهول العالية الشرقية تتمتع بهواء خفيف ونقي وجاف، بينما الهواء على الساحل رطب وثقيلي. سبب هذا التقسيم هو سلسلة الجبال التي تمنع مرور الأبخرة القادمة من البحر. هواء الجبال والصحراء مفيد للصدر القوي لكنه خطر على الضعيف، بينما هواء الساحل رغم فائدته للرئة إلا أنه غير صحي بشكل عام، ويسبب الحمى المتقطعة والحمى العفنة ورمد العيون. هذا يختلف عن الجبال والمناطق النائية عن البحر.

في تحليله للرياح وظواهرها، يصف المؤلف دورة الرياح الموسمية في سوريا. في أيلول، تبدأ رياح الشمال الغربي بالهبوب، وتجعل الهواء جافاً وبارداً، وتستمر حوالي خمسين يوماً متناوبة مع الرياح الشرقية. من تشرين الثاني إلى شباط، تسود الرياح الغربية والجنوبية الغربية التي تجلب المطر. في آذار، تهب رياح الجنوب المؤذية، وتكون أكثر اعتدالاً في الجبال. من حزيران، تسود رياح الشمال التي تسمح بالإبحار على طول الساحل، وفي هذا الفصل، تدور الرياح مع الشمس من الشرق إلى الجنوب إلى الغرب، لتعود من الشمال. في الليل، تهب رياح محلية من البر إلى البحر تسمى "ريح البر"، ولا تمتد لأكثر من فرسخين أو ثلاثة في البحر.

يختم الفصل بتحليل فيزيائي للظواهر المذكورة متوسعاً في تفسير الرياح. يشرح أن حرارة الشمس هي المحرك الأساسي، حيث أن الهواء الساخن يتمدد ويصعد، مما يخلق مناطق ضغط منخفض تجذب الهواء البارد من المناطق المجاورة. يطبق هذا المبدأ لشرح الرياح القطبية، ورياح البحر والبر اليومية على السواحل، وحتى تكوين الأعاصير والسحب. يطرح المؤلف فكرة إنشاء أربع محطات رصد على قمم جبال الأقرع ولبنان وتابور، لرصد حركة الغيوم والرياح، مؤكداً على أن سوريا، بفضل موقعها بين البحر الأبيض المتوسط والصحراء، هي مختبر طبيعي مثالي لدراسة الأرصاد الجوية.

في خضم هذا الوصف العلمي، يعترف المؤلف بتحفظات مهمة؛ فهو يشير إلى أن قياسات ارتفاعات الجبال لم تتم بأدوات دقيقة بل باستنتاجات من خط الثلوج، كما يعترف بأن بعض تفسيراته للظواهر، مثل دورة الرياح، تظل فرضيات تحتاج إلى مزيد من البحث. يترك أسئلة مفتوحة حول أسباب دورة الرياح الموسمية الدقيقة، مثل استمرار الرياح لمدة ثلاثة أيام، ويقر بأن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب أفقاً أوسع للمراقبة.

4.الجزء الرابع. الحالة السياسية لسوريا.367–407▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل من كتاب "رحلة في سوريا..." لمؤلفه فولني كونستانتين فرانسوا على الحالة السياسية والاجتماعية للبدو الرحّل في سوريا والمناطق المحيطة بها، مقدّماً إياهم كقبائل مستقلة تعيش في الصحراء. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن نمط حياة البدو، بمزاياه وعيوبه، ليس مجرد خيار ثقافي، بل هو نتيجة حتمية لعوامل طبيعية (طبيعة الصحراء القاسية) وسياسية (ضعف الحكم العثماني واضطهاده).

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من التمييز الأساسي بين العرب المستقرين (الفلاحين وأهل المدن) وعرب البدو (الرحّل). يشرح المؤلف أن البدو هم "العرق الأصلي" للعرب، ولم يختلطوا بفتوحات الإسلام أو غيرها، مما حافظ على نقائهم وعاداتهم القديمة. ثم ينتقل لشرح أسباب الحياة البدوية، فيقرّر أن السبب الأول هو طبيعة الأرض الجافة والقاحلة، والتي لا تصلح للزراعة وتجبر سكانها على تربية المواشي والتنقل بحثاً عن الكلأ. ويضيف سبباً ثانياً هو الحالة السياسية؛ فاضطهاد الحكام الأتراك (ولعله يقصد العثمانيين) يدفع الفلاحين إلى هجر قراهم والعيش كبدو رحّل هرباً من الظلم والضرائب.

يصف المؤلف الصحراء بتفصيل جغرافي دقيق، ممتدّة من حلب إلى البحر العربي ومن مصر إلى الخليج الفارسي، بطول 600 فرسخ وعرض 300 فرسخ. ويشرح كيف أن ندرة المياه والأمطار، باستثناء فصل الشتاء، تجعل الزراعة عملاً محفوفاً بالمخاطر. يظهر هنا دور الجمل كعنصر أساسي للحياة في الصحراء، فهو وسيلة النقل ومصدر الطعام (الحليب واللحم) والكساء (الصوف) والمأوى (الشعر للخيام). ويصف المؤلف كيف أن طبيعة الجمل الفسيولوجية جُعلت خصيصاً لتناسب هذه البيئة القاسية، ويقرّ بأنه لولا الجمل لكانت الصحراء غير قابلة للسكنى.

بعد ذلك، يصف الفصل الحياة الاجتماعية والسياسية للقبائل البدوية بالتفصيل. كل قبيلة هي دولة مصغّرة، لها إقليمها الخاص، وتدافع عنه ضد القبائل الأخرى. يسود بينها نظام "ثار" (أو القصاص) حيث يُلزَم أقرباء القتيل بالانتقام، مما يؤدي إلى حروب وعداوات طويلة الأمد. ويتطرق المؤلف إلى طبيعة الحكومة البدوية، فيصفها بأنها "جمهورية، وأرستقراطية، واستبدادية في آن واحد"، فسلطة الشيخ الكبير تكاد تكون مطلقة، لكنها محدودة بتقاليد القبيلة وإمكانية هجرة الأفراد أو ثورة العشائر ضده. ويلاحظ أن القبائل التي تعيش على تخوم المناطق العثمانية تعيش في حالة حروب وشد وجذب مع الباشوات الأتراك، الذين يرونهم رعايا متمردين فيضطهدونهم، مما يسبب دماراً للفلاحين المستقرين أكثر منه للبدو.

أخيراً، يصف الفصل أخلاق وعادات البدو، ويقدّم صورة مركّبة. فمن ناحية، هم فقراء جداً، يعيشون على التمر والحليب، وأجسامهم نحيفة وشاحبة. ومن ناحية أخرى، يمدح المؤلف كرمهم وشجاعتهم وحسن ضيافتهم، حيث يُعتبر إكرام الضيف واجباً مقدساً حتى لو كان عدواً. ويصرّح بأنهم "شعب لصّ مقابل الغريب، وأمين شهم في داخل مجتمعه". وفيما يتعلق بالدين، فهم يُظهرون تسامحاً دينياً نادراً، فهم يتبعون الإسلام شكلياً أمام الأتراك، لكنهم في حقيقة أمرهم لا يلتزمون بالصلاة أو الصوم ولا يجعلون للدين سلطة عليهم. أحد الشيوخ يقول للمؤلف: "كل منا يتبع طريق ضميره. الأفعال أمام الناس، والدين أمام الله".

في ختام هذه النظرة، يحاول المؤلف تفسير الفرق بين البدوي والهمجي (مثل هنود أمريكا). يرى أن حياة الصيد والغابات جعلت الهنود وحوشيين وآكلي لحوم، بينما حياة الرعي في الصحراء المفتوحة جعلت البدوي مقتصداً ومسالماً، رغم كونه لصاً عند الضرورة. ويعترف المؤلف في النهاية أن هذه الأخلاق تمتد أيضاً إلى القبائل الأخرى مثل التركمان والأكراد، وأن نمط الحياة الرعوي هو ما يُنتج هذه الفضائل الاجتماعية.

التحليل والكلمات المفتاحية