المورد
Al Buti and the Syrian revolution

Al Buti and the Syrian revolution

Bachar Bakour١ كانون الثاني ٢٠٢٠enIslamic Book Trust

الكتاب الذي بين أيدينا، "البوطي والثورة السورية" لمؤلفه بشار بكور، هو دراسة أكاديمية معمقة تسعى إلى تفكيك موقف أحد أبرز علماء السنة في سوريا، الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (1929-2013)، من الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في منتصف مارس 2011. لا يهدف الكتاب إلى تقديم مدح أو ذم للبوطي، بل إلى تقديم تحليل شامل وموضوعي لخطابه حول الثورة، وذلك من خلال استكشاف الأبعاد الدينية والسياسية والاجتماعية التي شكلت هذا الموقف. الفرضية المركزية التي يدافع عنها المؤلف هي أن موقف البوطي لم يكن مجرد انحياز للنظام، كما يظن خصومه، بل كان نتيجة اجتهاد شرعي مستقل، مبني على مفاهيم دينية محورية كالطاعة والفتنة، ورؤية خاصة للإسلام السياسي والدعوة.

يسير الكتاب في حجته بشكل منطقي ومتسلسل، حيث يبدأ برسم الخلفية التاريخية والدينية لسوريا ما بعد الاستقلال. يشرح الفصل الأول كيف ظل الإسلام قوة دافعة في الحياة العامة السورية، رغم تبني الدولة للنموذج القومي العلماني. يقدم تفصيلاً للجماعات الدينية الكبرى، ويركز بشكل خاص على الإخوان المسلمين وعلاقتهم المتوترة والمتقلبة مع نظامي حافظ الأسد وابنه بشار. يوثق كيف حاول النظام، وخاصة في عهد بشار، أن يلبس عباءة الإسلام لتعزيز شرعيته، من خلال إلغاء منع الحجاب في المدارس (2000)، والسماح للجنود بالصلاة في الثكنات العسكرية (2003)، وإقامة علاقات وثيقة مع كبار العلماء. يقدم الكتاب إحصاءات لافتة عن عدد المساجد (أكثر من 9,000 مسجد نشط) والمؤسسات الدينية الإسلامية مقابل المراكز الثقافية العلمانية، مما يعكس الهيمنة الاجتماعية للخطاب الديني.

بعد ذلك، ينتقل الكتاب في الفصل الثاني والفصل الثالث إلى تقديم سيرة البوطي الفكرية وتصوره النقدي للإسلاميين المعاصرين. يصفه المؤلف بأنه كان صاحب منهجية صارمة، خطيباً مفوهاً وأديباً بارعاً. يحدد البوطي، بحسب الكتاب، سبع إشكاليات رئيسية يراها في الحركات الإسلامية، متهمًا إياها بتقديس الآراء البشرية كالنصوص المقدسة، وتقديم العمل السياسي على الدعوة والتعليم، وفهم النصوص الدينية فهماً حرفياً خارج سياقها، والتسبب بالفرقة بين المسلمين. هذا التصور هو المفتاح لفهم رفضه للثورة، حيث رأى فيها امتداداً لهذا النهج الإسلامي السياسي الذي يعتبره انحرافًا.

الفصل الرابع يناقش السياق المباشر للثورة السورية، ويتساءل عما إذا كانت رد فعل عفويًا أم مؤامرة خارجية، وهي الفكرة التي تبنّاها البوطي. ثم يستعرض انقسام العلماء السنة بين مؤيد للثورة، ومؤيد للنظام، ومحايد (سكوتي). أما الفصل الخامس فهو جوهر الكتاب، حيث يقدم بالتفصيل حجة البوطي الكاملة. رأى البوطي أن الثورة ستؤدي حتماً إلى فتنة وفوضى وإراقة دماء. واعتبر أن المظاهرات السلمية سيستغلها "المفسدون" لتحويلها إلى صراع دموي، وهو ما تحقق بالفعل برأيه. كما رأى أن الثورة مدعومة من أعداء سوريا وفي مقدمتهم إسرائيل، وأنها مؤامرة لتقسيم البلاد وإضعافها. كما هاجم البوطي من وصفهم بـ"المتأسلمين" الذين يسعون للوصول إلى السلطة بالقوة. بناءً على هذه الرؤية، أفتى بحرمة الخروج على الحاكم، مستنداً إلى مفهوم "الطاعة" وضرورة تجنب الفتنة. الفصل السادس والأخير هو اختبار نظري لحجة البوطي، حيث يقوم بإعادة تحليل مفهوم "طاعة ولي الأمر" و"الفتنة" في ضوء النصوص الشرعية والسياق المعاصر، مناقشاً حقوق كل من الحاكم والمحكوم.

من بين الشهادات والوقائع الأكثر لفتاً للانتباه في الكتاب، نجد الإشارة إلى أن بشار الأسد استقبل المبعوث البريطاني ديفيد ميليباند في 2008، حيث اشتكى الأخير من تطرف الشباب البريطاني المسلم، وطلب من سوريا أن تساعد في "تعليمهم الإسلام المعتدل" على يد علماء سوريين. هذه الحادثة توضح كيف كان الغرب ينظر إلى سوريا كمركز للاعتدال قبل الثورة. وأيضاً، الاعتراف بأن الرئيس بشار الأسد ألغى قرار والده الذي صدر في 1982 بمنع الحجاب في المؤسسات التعليمية، وأنه جعل شعاره في لقاءاته مع العلماء "علّموا الناس الإسلام الذي أنزله الله خالياً من إسقاطات الآخرين". هذا يظهر التغير في الخطاب الرسمي تجاه الدين.

لم يخل كتاب "البوطي والثورة السورية" من إقرار بالحدود والأسئلة المفتوحة. فقد أقر المؤلف، وهو بشار بكور نفسه وهو عالم سوري شاب تتلمذ في معهد الفتح الإسلامي، بأن خطاب البوطي قد أثار جدلاً واسعاً وصعوبة في التقييم في خضم الأحداث. كما أشار إلى أن العلاقة بين البوطي والنظام لا تخلو من غموض، حيث يرى البعض أنه كان "فقيه دولة" يخدم أجندة النظام، بينما يعتبره آخرون عالماً مستقلاً اجتهد فأخطأ. يطرح الكتاب تساؤلات حول مدى استقلالية البوطي وهل كان قراره بعدم الاعتراف بالثورة مبنياً على إيمان حقيقي بمخاطرها أم على حسابات سياسية وضغوط من النظام؟ يترك المؤلف هذه الأسئلة مفتوحة إلى حد كبير، وإن كان يميل إلى تفسير الموقف كاجتهاد شرعي، مشيراً إلى أن أحداث الثورة اللاحقة، كتحولها إلى حرب بالوكالة وظهور الجماعات المتطرفة، قد أثبتت صحة بعض مخاوف البوطي وتحذيراته.

الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب تتمحور حول التفسير المتعارض لمفهوم "الفتنة" و"الطاعة". يرى البوطي أن أي حراك احتجاجي ضد حاكم مسلم، مهما كان ظالماً، هو فتنة محرمة إذا لم تتوفر شروط صارمة، وخصوصاً شرط الكفر البواح. بينما يرى معارضوه أن هذا المفهوم قد تم توظيفه عبر التاريخ لشل حركة الإصلاح وتجميد أي مقاومة ضد الظلم. النقاش لا يتعلق فقط بالنصوص، بل بكيفية تطبيقها في سياق دولة قطرية حديثة، لم تعد الخلافة الإسلامية هي الإطار الحاكم، حيث أصبحت مفاهيم مثل السيادة الشعبية والمواطنة والديمقراطية جزءاً من الخطاب السياسي. الكتاب يعترف بهذا التعقيد، ويحاول إعادة وضع مفهوم "الطاعة" في سياقه الصحيح ضمن حقوق وواجبات متبادلة، لكنه لا يقدم حلاً جازماً لهذا الإشكال. في النهاية، هذا الكتاب هو مساهمة قيمة لفهم أحد أكثر الجدالات الدينية والسياسية إثارة للانقسام في العالم العربي المعاصر، وهو يقدم مادة دسمة للباحثين والمهتمين، مع بقاء الحكم النهائي على موقف البوطي، كما يشير الكتاب، مفتوحاً على نقاش وتأويل.

الأشخاص