
An Inside Story of Modern Syria
هذا الكتاب، الذي يأتينا من قلب عائلة دمشقية عريقة، ليس مجرد سيرة ذاتية لشخصية سياسية سورية بارزة، بل هو تأمل عميق في معضلة الإصلاح من داخل نظام استبدادي. الموضوع المحوري الذي يدور حوله الكتاب هو البحث في إمكانية إحداث تغيير إيجابي في بلد مثل سوريا، حيث تتعارض الرغبة في الإصلاح مع واقع سياسي قمعي ومعقد. يدافع المؤلف، عمر عمادي، عن فكرة أن هناك "طريقاً رابعاً" للإصلاح، لا يتمثل في المواجهة العلنية ولا في الخضوع الكامل، بل في العمل الصامت والمستمر من داخل النظام، عبر عقد "اتفاق غير مكتوب" مع أركانه الأمنية. هذا الطريق، الذي تجسده شخصية والده محمد عمادي، يقوم على "فن الممكن"، وهو خيار أخلاقي صعب يظل محط جدل، ويهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل ظروف مستحيلة.
تسير حجة الكتاب عبر إطار زمني وسردي متقن، يبدأ من تاريخ عائلة العمادي الممتد منذ عام 1530 ليشرح كيف أن هذه العائلة الدينية المرموقة ظلت "غير ذات صلة" سياسياً، مما مهد الطريق لدور محمد العمادي كموظف حكومي إصلاحي وليس كسياسي منتمٍ لعائلة حاكمة. ينتقل الكتاب بعدها إلى رسم السياق الأوسع لتكوين "عقل إصلاحي"، من خلال استعراض التجربة الديمقراطية الفاشلة في سوريا بعد الاستقلال، والتي أدت إلى صعود حزب البعث عام 1963، وما تلاه من انقسامات عميقة تجسدت في أحداث حماة عام 1982. في هذا الإطار، يقدم المؤلف والده كنتاج لصراعات عائلية وتأثيرات شخصية، حيث شكلته معارضة والده جودت للوظيفة، وروحانية والدته يسرى، وعقلانية معلمه عبد الوهاب حومد، والأهم من ذلك، "الحساسية الباليسادية" لزوجته الأمريكية إلين ريبـّي التي جعلته مواطناً عالمياً داخل "وكر الأسد". ثم يتابع الكتاب مسيرة محمد العمادي كمسؤول اقتصادي ينتقل من دمشق إلى الكويت في السبعينيات (كمحمي في الصحراء)، ثم عودته في الثمانينيات ليصبح نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وصولاً إلى سقوطه المدوي عام 2000 عندما أصبح كبش فداء في صراعات القصر. كل هذه الفصول تجيب عن السؤال: كيف يمكن للإصلاح أن يعمل، وكيف فشل في النهاية؟
يحتوي الكتاب على وقائع وأرقام لافتة يصعب نسيانها، منها الإشارة إلى أن محمد العمادي عمل 12 ساعة يومياً طوال حياته رافضاً الإجازات، وأنه أسس سراً حساباً للعملات الصعبة نما إلى 9 مليارات دولار دون علم رئيس الوزراء أو الرئيس حافظ الأسد. من الأرقام الصادمة أيضاً، الأرقام الكارثية لما بعد 2011: أكثر من 500,000 قتيل، و 5 ملايين لاجئ، و 6.5 مليون نازح، و خسائر بمئات المليارات. يذكر المؤلف تفاصيل صغيرة تدمي القلب مثل بكاء والدة محمد العمادي على أعداء مصريين في فيلم حربي قائلة: "لكن لهم أمهات أيضاً". ومن القصص المروعة، قصة نزار الهنداوي ومحاولة تفجير طائرة إسرائيلية عام 1986 بتوجيه من المخابرات السورية، والتي كشفت عن الوجه الإجرامي للنظام الذي كان محمد العمادي يعمل فيه. كما يبرز الكتاب حادثة مقتل الصحفية ماري كولفن في حمص عام 2012، ويدرج التعويض الضخم الذي حكمت به محكمة أمريكية لعائلتها بقيمة 302,511,836 دولاراً.
يقر المؤلف صراحة بحدود روايته وبالأسئلة المفتوحة التي يتركها. فهو يعترف بأن الكثير من تاريخ العائلة في الفترة الأولى (قبل عام 1930) يكتنفه الغموض، وأن المعلومات متقطعة. كما يقر بأن سيرة والده تستند بشكل أساسي على ذاكرة العائلة ومراسلاته الخاصة، مما يجعل بعض التفاصيل غير قابلة للتحقق المستقل. السؤال الأخلاقي الأكبر الذي يظل مفتوحاً هو: هل كان محمد العمادي بطلاً أم خائناً؟ يقدم المؤلف إجابة معقدة من خلال التفريق بين "الدولة" و"النظام"، مدعياً أن والده لم يكن جزءاً من الأخير، بل كان موظفاً في الدولة سعى للحفاظ على الاقتصاد. لكنه يعترف بأن هذا الموقف أصبح مستحيلاً بعد 2011، عندما انهارت كل مساحات المناورة. الكتاب لا يقدم حلاً بقدر ما يقدم تشريحاً لشخصية حاولت أن تكون جسراً في زمن تهدمت فيه كل الجسور، ويترك القارئ أمام مأساة مستمرة لا تزال تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة.
من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، دفاعه عن نموذج "الإصلاحي الدمشقي" الذي يختار طريقاً رابعاً وسطياً، معتبراً أن الصراخ وحده لم ولن يجدي نفعاً. هذه الحجة تتعارض مباشرة مع وجهة نظر الثوار الذين يرون في هذا الطريق جبناً وتواطؤاً مع النظام. يقدم المؤلف حجة أخرى مثيرة للجدل حول فكرة أن التسامح والمصالحة الحقيقية في سوريا تتطلب اعتذاراً صادقاً، وهذا غير متوفر. كما يهاجم ساخراً ما يسميه "أساطير إعادة الإعمار"، ويدين بشدة دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في التخاذل والتواطؤ مع التهجير القسري. أخيراً، يطرح الكتاب سؤالاً مفتوحاً حول "فن تسليح الخيال"، وكيف أن القصص والتلفيقات السياسية (مثل قصة شراء الأسد المزعومة للوحة ديفيد هوكني بـ 30 مليون دولار) قد تكون أكثر نجاحاً من الحقائق في تشكيل الرأي العام، مما يفتح الباب أمام نقاش عميق حول دور السرديات في الصراع السوري.
الأشخاص
الفصول(10)
1.الفصل الأول: عائلة العمادي: غامضة، مرموقة، وغير ذات صلة (1530-1930)2–21▼ ملخص
يستعرض الفصل الأول من الكتاب تاريخ عائلة العمادي في سوريا، ممتدا من عام 1530 حتى عام 1930، أي قبل ميلاد محمد العمادي، بطل الكتاب. الموضوع المحوري هنا هو تتبع الأصول الغامضة للعائلة وتطور مكانتها الاجتماعية، ولكن مع تأكيد المؤلف على أن هذه المكانة لم تترجم إلى نفوذ سياسي يُذكر. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن عائلة العمادي كانت مرموقة دينياً ولكنها ظلت "غير ذات صلة" من الناحية السياسية، مما يفسر جزئياً كيف تمكن محمد العمادي، لاحقاً، من العمل ضمن نظام سياسي دون أن يكون جزءاً عضواً من نخبته الحاكمة.
يسير الفصل زمنياً، مبتدئاً من عام 1530 مع ولادة عِـماد الدين الحنفي في دمشق، الجد الأقدم الموثق للعائلة. يصف الكتاب كيف توفي هذا الجد عام 1578 عن عمر يناهز 48 عاماً. ثم ينتقل إلى عبد الرحمن العمادي الذي توفي عام 1641 وكان أول فرد من العائلة يُعين مفتياً للديار الدمشقية، وهو منصب ديني رفيع. يتابع الفصل ذكر أبرز المفتين من العائلة مثل حميد العمادي المتوفي عام 1758، ليؤسس لفكرة أن العائلة بنت سمعتها على العلم الشرعي والمناصب الدينية.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى أحداث القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مستشهداً بحادثة مجزرة دمشق عام 1860 حين قام عبد الله العمادي بحماية مسيحيين من الغوغاء بإيوائهم في منزله. هذه الواقعة تُستخدم كدليل على المكانة الأخلاقية والاجتماعية للعائلة، ولكنها لا تزال ضمن الإطار الديني والاجتماعي وليس السياسي. يُعرِّف الفصل بعد ذلك بوالد محمد العمادي، جودت العمادي، المولود في حارة القيمرية بدمشق القديمة عام 1882 لوالديه سعيد العمادي وكلثوم المارديني.
يسجل الفصل انتقال العائلة من دمشق القديمة إلى مجمع مسوّر كبير في سـالحية على سفوح جبل قاسيون حوالي عام 1900. بعد وفاة سعيد العمادي عام 1907، تزوج جودت العمادي من يسرى الحواصلي عام 1912. يصف الفصل دور جودت في استقبال الأمير فيصل في دمشق عام 1919 بعد انسحاب العثمانيين، ودعمه السري لثورة 1925 ضد الاحتلال الفرنسي بتقديم القمح من أراضي العائلة. هذا الدعم السري يظهر أن للعائلة مواقف وطنية، لكنها كانت غير مباشرة وبعيدة عن الأضواء السياسية.
في عام 1926، انتقل جودت وزوجته إلى منزل في بحصة يملكه والد زوجته. ويختتم الفصل بولادة محمد العمادي، الشخصية المحورية في الكتاب، في دمشق بتاريخ 31 أغسطس 1930، ليكون بذلك آخر حدث في هذا الفصل التمهيدي الطويل. يقر المؤلف ضمنياً أن الكثير من تاريخ العائلة في هذه الفترة الطويلة يكتنفه الغموض، وأن المعلومات متقطعة، حيث أن الأدلة التاريخية المتاحة لا ترسم سوى الخطوط العريضة لحياة الأجداد. لا يطرح الفصل حججاً قابلة للنقاش بقدر ما يقدم سرداً تاريخياً يهدف إلى تبيان أن جذور العمادي الدينية والاجتماعية لم تؤهلهم للصدارة السياسية، مما مهد الطريق لدور محمد العمادي كموظف حكومي إصلاحي وليس كسياسي منتمٍ لعائلة حاكمة.
2.الفصل الثاني: صياغة عقل إصلاحي (1930-1960)22–34▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل من كتاب "قصة من الداخل لسورية الحديثة" بعرض فكرة أساسية: أن اختيار نقطة البداية في سرد تاريخ سورية الحديث يحمل في طياته رؤية عالمية وأيديولوجية سياسية. يروي المؤلف، عمر عمادي، أنه عندما طُلب منه في عام 2016 تقديم لمحة عن تاريخ سورية لتقرير للأمم المتحدة، اختار أن يبدأ من المؤتمر السوري العام عام 1919، معتبراً إياه النقطة المرجعية الجامعة الأهم في التاريخ الحديث. يرى المؤلف أن هذا المؤتمر، الذي انعقد بعد انهيار الدولة العثمانية، يُشكّل الأساس المثالي لرؤية جديدة لسورية قادرة على جمع الأطراف المتنازعة. في مايو 1919، عُقد أول مؤتمر سوري عام في دمشق، وفي مارس 1920 أعلنت سورية استقلالها، وصادق خمسة وثمانون مندوباً من أربع مناطق على دستور. نصّ الدستور على ملكية دستورية مدنية لامركزية، وفصل بين السلطات، وضمن المساواة بين المواطنين بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم، ومنح المرأة حق التصويت والترشح، وجعل الإسلام دين الملك دون أن يكون أساساً للتشريع. لكن هذه التجربة التقدمية أجهضت بسرعة في يوليو 1920 بوصول القوات الفرنسية، التي عملت طوال فترة الانتداب حتى أبريل 1946 على تعزيز الانقسامات الطائفية والعرقية.
بعد الاستقلال، فشلت الحكومات المنتخبة ديمقراطياً في فهم ضرورة تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي شامل للمناطق الريفية، حيث تعيش الأغلبية المهمشة في فقر ومرض. بحلول عام 1950، اتضح أن اهتمام هذه الحكومات كان منصباً على المصالح النخبوية الحضرية. كان الرسالة غير المقصودة أن الانتخابات الديمقراطية ستنتج حكومات غير مكترثة بمعاناة الشباب المهمش، خاصة في المناطق الساحلية، مما دفعهم للانضمام إلى القوات المسلحة كمصدر موثوق للدخل. وبحلول عام 1963، كان هؤلاء أقوياء بما يكفي لجلب حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة، ورسّخوا سيطرتهم بالكامل بحلول عام 1970. ينجح حزب البعث حيث فشلت الأحزاب الأخرى لأنه جذب ضباط الجيش وأعطى اهتماماً كبيراً للمناطق الريفية عبر الإصلاح الزراعي والاستثمار في الكهرباء والطرق والمدارس. لكنه في الوقت نفسه قمع أي معارضة سياسية بوحشية، مما جعل شرائح مهمة من الشعب تشعر بأن قيمها تتعرض للتقويض. بلغ هذا الاستياء ذروته بتمرد الإخوان المسلمين وأحداث حماة عام 1982، حيث قُتل آلاف المدنيين. المجتمع أصبح منقسماً بعمق، ولم يعد أحد يملك رؤية للخروج من فخ التفاعل على أساس طائفي أو طبقي.
عندما تولى بشار الأسد الرئاسة في 17 يوليو 2000، بدا عنف الثمانينيات ذكرى بعيدة، لكن الجرح العميق بقي دون التئام. يرى المؤلف أن سورية كانت بحاجة ماسة، قبل أي إصلاح سياسي أو اقتصادي، إلى محاولة شجاعة للاعتراف بالظلم الطائفي والعنف في ماضيها القريب، والبدء بمعالجة مظالم من فقدوا ذويهم أو صودرت ممتلكاتهم. فشل صناع القرار في رؤية أن دولة تشعر فيها شرائح من السكان بأنها عوملت بقسوة ستكون عرضة للانهيار عند حدوث أحداث صادمة. في مارس 2011، واجهت سورية تحدياً لم تكن مستعدة له: مطالبة شعبية عفوية بتفكيك البنية الاستبدادية القائمة منذ عام 1963 على الأقل. يخلص المؤلف إلى أن سورية كانت على مستويات أخرى متماسكة اقتصادياً، لكنها بُنيت على "رمال ناعمة" ولم تكن قادرة على تحمل زلزال 2011، لأنها كانت غير راغبة في التغيير حيث كان الأمر أكثر أهمية.
ينتقل الفصل بعد هذا التقديم التاريخي العام، ليركز على عائلة المؤلف نفسها، عائلة إمادي (العمادي). يبدأ باقتباس فكرة من أستاذه في الكلية عن أن التاريخ هو "مصنع هوية"، يستخدم الماضي لشرعنة رواية معينة. فعائلة إمادي، كحال أي عائلة، تمتلك نسختها الخاصة من التاريخ التي تشكل هويتها المتميزة. يصف الكاتب كيف كان يكبر وهو يستمع لقصص أجداده التي تشرح سبب اختلاف عائلته، من امتلاك أراضٍ وقرى إلى وجود أربعين مفتياً (علم لاحقاً أنهم سبعة فقط) في العائلة. على الرغم من بعض المبالغات، إلا أن هناك أساساً تاريخياً متيناً لهذه الهوية يمتد لبدايات الحكم العثماني في دمشق.
يتناول الفصل بالتفصيل واحدة من أغرب إشكاليات تاريخ العائلة: التناقض بين سهولة توثيق أفرادها البارزين منذ الفتح العثماني وصعوبة تتبع جذورهم قبل ذلك. السؤال الأساسي هو: من أين أتت عائلة إمادي قبل وصول السلطان سليم إلى دمشق عام 1516؟ هل هم عرب أم أتراك أم فرس أم كرد؟ ينطلق البحث من الجد الأعلى الموثق، عماد الدين الحنفي، المولود في دمشق عام 1530 والمتوفى عام 1578. يفحص الكاتب المصادر التاريخية، وفي مقدمتها كتاب "تراجم الأعيان من أبناء الزمان" للمؤرخ الحسن البوريني، ليجد أن السيرة الذاتية لعماد الدين غامضة ومقتضبة عمداً، بينما توجد معلومات أكثر تفصيلاً عنه في أجزاء أخرى من الكتاب نفسه، مما يثير الشكوك حول عملية "رقابة" قد تكون حدثت لجعل طريق ابنه، عبد الرحمن، سهلاً نحو منصب المفتي.
يستعرض الفصل النظريات المختلفة حول أصول العائلة. الأولى تقول إنهم من سمرقند وتحديداً من بيسون في جنوب أوزبكستان. الثانية تذكر أنهم من وادي البقاع في لبنان، لكن الكاتب يرجح أن هذا خطأ نسخي لاسم "الصالحي" نسبة لضاحية من ضواحي دمشق. القسم الأكثر إثارة للاهتمام هو بحثه في لغز "كسباي" ، الجد الأكبر المزعوم للعائلة، والذي وصفه البوريني بأنه جندي في جيش المماليك. مع أن "كسباي" اسم شركسي بوضوح، والشركس لم يكونوا موجودين في أوزبكستان في ذلك الوقت، مما يخلق تناقضاً مع نظرية الأصل الأوزبكي. يقوم الكاتب بفحص دقيق لأسماء شخصيات تاريخية تدعى "كسباي" في العصر المملوكي المتأخر، ويستبعد الكثيرين بناءً على تواريخ الوفاة، ويصل إلى المرشحين الأكثر احتمالاً: كسباي النوروزي (المتوفى في دمشق عام 1439) و كسباي الشمشاني. يختتم الكاتب هذا الفصل بالإشارة إلى أن ما نعرفه وما لا نعرفه عن الماضي كلاهما مهم في تشكيل الهوية، تاركاً العديد من الأسئلة مفتوحة حول أصول العائلة التي لا تزال تقاوم جهوده الكبيرة لكشفها.
3.الفصل الثالث: طقوس العبور (1960-1972)35–46▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل باستكشاف الأصول الغامضة لأسرة إImady، محاولاً تتبع جذورها قبل العصر العثماني. يطرح المؤلف احتمالين رئيسيين لنسب الأسرة، وكلاهما يعود إلى فارس مملوكي يُدعى Kasbay. الاحتمال الأول هو Kasbay al-Nawruzi، والثاني هو Kasbay al-Shamshani، الذي وُلد عام 1375، أي قبل 155 عاماً من ولادة عِماد الدين (مؤسس الأسرة). يشرح المؤلف أن Kasbay al-Shamshani كان قائداً عسكرياً مملوكياً، ثم أصبح حامل محبرة السلطان سيف الدين جقمق (حكم 1438-1453)، ونُفي عدة مرات إلى الديار الشامية (سوريا)، حيث من المحتمل أنه زار دمشق وصفد وطرابلس. توفي في القاهرة عام 1465 عن عمر يناهز التسعين.
يطرح المؤلف تفسيرين لسبب عدم احتفاء أفراد أسرة Imady لاحقاً بهذا الارتباط المملوكي الواضح: الأول أن قرناً كاملاً قد مرّ بين وفاة Kasbay ونشاط عِماد الدين، مما جعل الصلة ذكرى بعيدة. الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً، أن عِماد الدين تعمّد إخفاء أصله المملوكي لأنه كان يعمل في العصر العثماني، الذي هزم المماليك لتوّه، وكان يسعى لتكوين صداقة مع مسؤول عثماني مهم هو Sokulluzade Hasan Pasha. لذلك، كان من الأكثر حكمة أن يقدم نفسه كعالم من جنوب أوزبكستان، كما فعل.
يقدم المؤلف بعد ذلك دليلاً علمياً حديثاً عبر تحليل الحمض النووي (DNA) الخاص به كذكر من الأسرة. تشير نتائج DNA الجسدي (autosomal) إلى أصول من الأناضول والقوقاز وإيران، ولا تشمل أوزبكستان، مما يدعم نظرية الأصل الجركسي. أما تحليل Y-DNA (السلالة الأبوية) فقد كشف عن السلالة J2 (مع الفرع الفرعي By22506)، وهي سلالة شائعة في القوقاز (21%)، مما يعزز نظرية الأصل القوقازي. يستنتج المؤلف أن القصة الأكثر ترجيحاً هي أن فارساً جركسياً يُدعى Kasbay هاجر إلى دمشق في القرن الرابع عشر، وتفرّع نسله ليصبحوا علماء في المذهب الحنفي، وتعمّدوا إخفاء أصولهم العسكرية المملوكية، وفضلوا نسباً أوزبكياً أو وصف أنفسهم فقط بأنهم دمشقيون.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الإرث العثماني للأسرة، الذي هو أوضح بكثير. يُعرِّف عِماد الدين الحنفي بأنه وُلد في دمشق عام 1530، وكان أديباً وشاعراً، وله مؤلفات عديدة في مكتبة برلين الحكومية. من أعماله رسالة عن تاريخ وفضائل الجامع الأموي، ورسالة بعنوان: «المقالات الزكية في عشرة مواضيع». كما كتب قصائد دفاعاً عن شرب القهوة أثناء الجدل في القرن السادس عشر. توفي فجأة إثر أزمة قلبية تاركاً أربعة أطفال.
أكبر أطفاله كان عبد الرحمن Imady (1570-1641)، الذي أصبح مفتياً لـدمشق عام 1621 بأمر من السلطان العثماني. من أبرز فتاواه، التي كان لها تداعيات بعيدة المدى، فتواه ضد الطوائف التي اعتبرها هرطقة، مثل الدروز والإسماعيليين والعلويين، داعياً إلى تحويلهم قسراً إلى الإسلام السني. يشير المؤلف إلى أن هذه الفتوى ظلت حاضرة في ذاكرة الأسرة، ويذكر حادثة أن نسيباً علوياً ذكرها لحفيده محمد Imady في العصر الحديث، فردّ عليه الأخير بلباقة أن لقاءه به لربما غيّر رأي جده. أنجب عبد الرحمن ثلاثة أبناء هم عِماد الدين وشهاب الدين وإبراهيم، وجميعهم علماء، وأصبح اثنان منهم مفتيين. بلغ مجموع مفتي الأسرة سبعة، وهو إنجاز لم تحققه أي أسرة دمشقية أخرى.
يبرز الفصل شخصية حميد Imady (1692-1758) باعتباره الأبرز بين المفتين، حيث خدم لأكثر من 34 عاماً، وفتاواه جمعت في مجلدين كبيرين، ويُذكر أنها كانت تقدمية بشكل مفاجئ في دفاعها عن حقوق المرأة. كما توجد مجموعة من رسائله في جامعة برنستون، ونسبه العلمي التاريخي في جامعة هارفارد. ولكن الأسرة لم تكن منعزلة عن الحياة اليومية، حيث يوثق مذكرات ابن كنان الصالحي (1699-1740) مشاركتهم في مناسبات اجتماعية متنوعة. بحلول أواخر القرن الثامن عشر، تضاءلت المساهمات العلمية للأسرة، وتحول أفرادها إلى ملاك أراضٍ أثرياء، ثم اختفوا من سجلات العلماء البارزين، باستثناء عبد الله أفندي Imady (ت. 1891) الذي يُذكر أنه حمى عائلات مسيحية في منزله خلال مجزرة دمشق عام 1860.
يختتم الفصل بوصف تدهور الأسرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. لم يعد للأسرة دخل منتظم، واعتمدت على بيع الأراضي. بحلول عام 1930، تاريخ ولادة محمد Imady، كانت الأسرة «أرستقراطية فقيرة». كان إرثها العثماني أصبح عبئاً أكثر من كونه ميزة في سوريا ما بعد العثمانية. يصف المؤلف التناقضات التي ولد فيها محمد Imady: بارز لكنه غير ذي صلة، فخور لكنه معدم، متجذر في التاريخ لكن دون آفاق مستقبلية. ويخلص إلى أن هذه الديناميكيات هي التي شكلت فهمه لحياته ورسالته.
أخيراً، ينتقل الفصل إلى ما بعد الانتفاضة (في إشارة إلى انتفاضة 2011)، ويقدم تأملات المؤلف حول «الخطايا السياسية» في الثقافة السورية الشعبية، مقسماً إياها إلى صغرى وكبرى. من بين الخطايا الصغرى: كون المرء من وجهاء المدن، أو إبداء إعجاب بـالهاشميين، أو احترام صانعي السلام (مثل السادات). أما الخطايا الكبرى فتشمل: الارتباط بـالماسونية (التي يعتبرها السوريون مؤامرة صهيونية)، أو الطعن في الماضي المجيد، أو إنكار نظرية المؤامرة الكونية التي يتبناها النظام السوري والتي يرجع إليها كل مشاكل الأمة. يخلص المؤلف إلى أن هذه الأفكار تحوّل النقاش السياسي إلى حقل ألغام، حيث يُرفض فكرة أن السوريين أنفسهم قد يكونون مسؤولين عن واقعهم، وأنه غالباً ما يُرفض باعتباره امتداداً لوالدته الأمريكية. يختم باقتباس من معلمه الصوفي: «يا بني، الله يغفر الذنوب كلها، ولكن السوريون لا يغفرون».
4.الفصل الرابع: عصر كاميلوت (1972-1979)47–60▼ ملخص
يبدأ الفصل الرابع من كتاب "قصة داخلية لسوريا الحديثة" بعرض اللحظات التكوينية في حياة محمد إيمادي، الشخصية المحورية في الكتاب، وصولاً إلى اللحظة التي عاد فيها إلى دمشق في مارس 1960 حاملاً معه رؤية إصلاحية ناضجة. يكشف المؤلف عن أن أسس هذه الرؤية قد صيغت من خلال تأثير أربعة أشخاص رئيسيين: والده جودت إيمادي، ووالدته يسرى الهواصلي، ومعلمه عبد الوهاب حومد، وزوجته الأمريكية ميلدريد إلين ريبـّـي. يقدم الفصل هذه الشخصيات كقوى متضادة شكلت شخصية إيمادي، ليصبح بعدها نموذجاً نادراً للإصلاحي الذي يعمل من داخل النظام، وليس في معارضته.
يُظهر الفصل كيف كان لجودت إيمادي، الأب، أثر عكسي في تشكيل شخصية ابنه. فالأب، الذي يجسد "النبالة الدمشقية" المتمسكة بمبادئها حتى في وجه الخراب المالي، كان يكره الوظيفة والإدارة، ويفضل الجمود على المساومة. يروي المؤلف قصتين عن جودت: الأولى عن تركه لوظيفة حكومية في اليوم الأول لأن أحدهم تجرأ وأمره بمهمة، والثانية عن انفصاله عن أسرته بسبب خلاف أخلاقي مع أخيه. من هذه التجارب، استخلص محمد أن "التصلب" هو عدو الإصلاح، وأن العمل الجاد اليومي هو الفضيلة الوحيدة. تبنى محمد "أخلاقيات العمل الدمشقية" التي جعلته يعمل 12 ساعة يومياً طوال حياته، رافضاً الإجازات، ومتجنباً تماماً أن يصبح نسخة من والده. كان شعاره: "الإصلاح هو فن الممكن"، مقتبساً من أوتو فون بسمارك.
في المقابل، كان لوالدته يسرى الهواصلي أثر روحي عميق. يصف المؤلف مشهداً مؤثراً حيث كانت تبكي أثناء مشاهدة فيلم حربي مصري يقتل فيه جنود إسرائيليون، قائلة: "لكن لهم أمهات أيضاً". هذه المشاعر الإنسانية غير المألوفة في بيئتها زرعت في محمد بذرة التعاطف مع الجميع، بمن فيهم الخصوم. أما عبد الوهاب حومد، المستأجر في بيت الأسرة ورجل القانون الثري، فقد مثّل النموذج العملي للشخص المتعلم والمجتهد والناجح. من خلال حومد، الذي أصبح وزيراً للمالية، حصل محمد على منحة لدراسة الدكتوراه في جامعة نيويورك، وهي تجربة غيرت حياته بالكامل. كما أن تجارب حومد السياسية، بما في ذلك سجنه بعد انقلاب أديب الشيشكلي في ديسمبر 1949، ومرة أخرى بعد انقلاب البعث في مارس 1963، رسخت في محمد قناعته بأن العمل السياسي الحزبي في سوريا هو "مقامرة خطيرة". لذلك تعهد محمد إيمادي بعدم الانتماء لأي حزب سياسي أبداً، حتى عندما أصبح وزيراً في حكومة البعث ورُشح للانضمام إليه.
الفصل الأكثر كثافة في هذا القسم مخصص لزوجته إلين ريبـّـي. يصفها الكاتب بأنها حملت "حساسية باليسادية" (نسبة إلى بلدة باليسادس في نيويورك) التي تختلف جذرياً عن البيئة الدمشقية. نشأت إلين في أسرة ذات جذور بروتستانتية هولندية، وقد تأثرت بوالدتها القوية التي عملت في مكتبة ودعمت القضايا الليبرالية. كانت إلين طالبة في جامعة نيويورك وعارضت سياسات أمريكا الخارجية، بما في ذلك الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، وأطلقت عليها أوساطها اسم "ميلدريد الحمراء" بسبب ميولها اليسارية. بعد لقائها بمحمد، أسلمت، وانجذبت بشكل خاص لتحريم الإسلام للخمر، كرد فعل على إدمان والدها للكحول. لكن الأهم، كما يوضح الفصل، أن إلين لم تتبنَ دين محمد فحسب، بل تبنى هو "حساسيتها الباليسادية": نظرة عالمية ترى في كل إنسان قيمة روحية، وتنبذ التصنيف السياسي والاقتصادي. هذه النظرة جعلته يشعر بالغربة في مجتمعه الدمشقي، ويدفعانه للاحتفاظ بأساليب تفكيره لنفسه.
يتحول الفصل بعد ذلك بشكل جذري من السيرة الذاتية إلى "تأملات ما بعد الانتفاضة"، حيث يقدم المؤلف لقاءات قصيرة مع سوريين التقاهم في المنفى، كل منهم يمثل رواية مختلفة ومتناقضة للصراع السوري. هذه القصص، التي تبدأ من 2011، تخدم كدليل ميداني على صعوبة الإصلاح والتفاهم في سوريا المعاصرة. يقدم الكاتب جودي، المسيحية الدمشقية التي شعرت أن النظام فرّق بينها وبين صديقاتها السُنَن، وخلق رواية وجودية عن الخطر "السنّي" قبل ظهور داعش. بينما أختها لارا، التي تعتبر أن السنة "لا يمكن الوثوق بهم". ثم يقدم أحمد في ألمانيا، الشاب الطموح الذي يتحول إلى كائن يبحث عن الانتقام كلما ذكرت سوريا، مذكراً بقصة اغتيال أديب الشيشكلي في البرازيل على يد نوّاف غزالي. وفي المقابل، نلتقي بـ عماد في مانشستر، الذي يعتبر كل ما حدث مؤامرة أمريكية إسرائيلية، رغم أنه غادر البلاد بسبب الفساد نفسه الذي ثار عليه السوريون. ثم سامي في لندن، الذي يخشى من أن البلاد قد تكون "مكسورة بشكل لا رجعة فيه"، و حسن العلوي في باريس، الذي يرى أن السُنّة حكموا واضطهدوا الطائفة العلوية لـ 800 عام.
يختم الفصل هذه القسم بتشخيص عميق: السوريون غاضبون، وغضبهم ينبع من الخوف. الخوف بعضهم من بعض، والخوف من النظام والخوف من الفوضى. هذا الخوف هو "الطريق إلى الجانب المظلم"، كما يقتبس الكاتب من فيلم "حرب النجوم"، حيث يقود الخوف إلى الغضب، والغضب إلى الكراهية، والكراهية إلى المعاناة. يوضح هذا الجزء أن الإصلاح الذي يمثله محمد إيمادي، القائم على المساومة والتعاطف والعمل المؤسسي، يصطدم بواقع مشحون بالانقسامات المذهبية والثأر التاريخي وعدم الثقة المتبادل، مما يجعل مهمته في الماضي -وربما مهمة أي إصلاحي في المستقبل- شبه مستحيلة.
في خضم هذه الصور المتضاربة، يبقى الخيط الناظم للفصل هو قصة تكوين عقل "مواطن عالمي" حاول تطبيق حساسية باليسادية وأخلاقيات عمل دمشقية داخل "وكر الأسد". يعترف الفصل بحده الخاص: أن هذه السيرة الذاتية قد لا تحوي كل الإجابات. فالتأملات الأخيرة تطرح أسئلة مفتوحة حول استحالة الحوار بين السوريين، وتأثير الصدمة الجماعية. الفصل لا يقدم حلاً بقدر ما يقدم تشريحاً لشخصية حاولت أن تكون جسراً في زمن تهدمت فيه كل الجسور، ويترك القارئ أمام واقع مأساوي يستمر في تشكيل مستقبل البلاد.
5.الفصل الخامس: محمي في الصحراء (1979-1985)61–74▼ ملخص
بدأ الفصل الخامس، الذي يحمل عنوان «محمي في الصحراء (1979-1985)»، بوصف اللحظة التي تلقى فيها محمد عمادي خبر تعيينه مديراً عاماً لصندوق التنمية العربية (الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي) في الكويت. كان هذا التحول بمثابة نقطة تحول جذرية في حياته، فبعد أن قضى سبع سنوات في قلب السلطة في دمشق كوزير للتخطيط ثم وزيراً للاقتصاد، أصبح الآن مسؤولاً عن مؤسسة مالية إقليمية في بلد مختلف تماماً. يروي المؤلف أن عمادي شعر بشعور مزدوج: فرح غامر بهذا المنصب الرفيع، وحزن عميق لفراق سوريا وخصوصاً الرئيس حافظ الأسد الذي كان قد منحه ثقة استثنائية.
يتناول الفصل كيفية تكيف عمادي مع الحياة الجديدة في الكويت، حيث وجد نفسه في بيئة مختلفة جذرياً عن بيئة دمشق السياسية المشحونة. يصف المؤلف طبيعة عمل صندوق التنمية العربية، الذي كان يركز على تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية في الدول العربية. كان عمادي يتعامل مع وزراء ومسؤولين من جميع أنحاء العالم العربي، مما وفر له شبكة علاقات واسعة ومنظوراً مختلفاً للسياسة الإقليمية. لكن الفصل لا يتوقف عند وصف المهام الوظيفية، بل يغوص في العلاقة الاستثنائية التي استمرت بين عمادي والأسد من بعيد.
يوضح الفصل أن عمادي ظل، حتى وهو في الكويت، واحداً من «رجال الرئيس» المخلصين. يورد المؤلف حادثة مهمة لتوضيح هذه النقطة: عندما قامت ميليشيا «أمل» اللبنانية باختطاف عدد من موظفي الصندوق، بما في ذلك مديره. يتذكر عمادي كيف قام بالاتصال بدمشق مباشرة، وتحدث إلى الرئيس الأسد. في غضون ساعات، تحرك جهاز المخابرات السورية في لبنان وأطلق سراح الموظفين. يقدم المؤلف هذا المثال كدليل على أن حماية الأسد لعمادي لم تكن محصورة داخل حدود سوريا، بل امتدت عبر الحدود، مما جعله «محمياً في الصحراء» كما يشير عنوان الفصل.
يصف الفصل أيضاً التغيير الذي طرأ على الرئيس حافظ الأسد نفسه خلال هذه الفترة. يذكر المؤلف النوبة القلبية التي أصابت الأسد في 1983، والتي غيرت شخصيته بشكل ملحوظ. بعد تعافيه، أصبح الأسد أكثر انعزالية وشكاً، وبدأت تظهر بوادر الصراع على الخلافة. يربط المؤلف هذه التغييرات الشخصية بتطور سياسة سوريا الداخلية، التي أصبحت أكثر قسوة وصرامة. يوضح عمادي في شهادته أن الأسد الذي عرفه في السبعينيات كان مختلفاً عن الأسد في الثمانينيات.
يتطرق الفصل بشكل عابر ولكن مؤلم إلى أحداث حماة في 1982 (مجزرة حماة). يقر المؤلف بأن عمادي كان على علم بالحملة العسكرية العنيفة التي شنها النظام السوري لسحق الانتفاضة الإسلامية في مدينة حماة. يصف المؤلف شعور عمادي بالصدمة والمرارة الداخلية، لكنه يوضح أن عمادي، بصفته واحداً من رجال الرئيس، التزم الصمت حيال ذلك علناً. لا يقدم الفصل تفاصيل عن المجزرة نفسها، بل يركز على تأثيرها النفسي على شخص مثل عمادي، الذي كان يعتبر نفسه إصلاحياً وليس ثورياً.
في جزء آخر من الفصل، يعود المؤلف إلى الحديث عن زوجة عمادي، إيلين، ودورها في الكويت. تصف الفقرة كيف أن إيلين، الأميركية من نيويورك، وجدت نفسها في مجتمع كويتي محافظ. على الرغم من ذلك، استطاعت أن تبني لنفسها حياة اجتماعية من خلال الأعمال الخيرية والتعليم. يذكر المؤلف أن إيلين كانت تشعر بالوحدة أحياناً، لكنها كانت داعمة قوية لزوجها ومتفهمة لطبيعة عمله. هذه الفقرات تضيف بعداً إنسانياً إلى السرد، وتبين كيف أن الحياة في المنفى الاختياري شكلت تحديات للأسرة بأكملها.
يختتم الفصل بمعالجة سؤال مركزي: كيف استطاع محمد عمادي، السني غير البعثي والمتعلم في أميركا والمتزوج من أميركية، أن يظل مخلصاً لنظام دموي مثل نظام حافظ الأسد؟ يقدم المؤلف إجابة معقدة. يقر بأن عمادي كان يعلم بفظاظة النظام، لكنه كان يعتقد أن إصلاح النظام من الداخل أفضل من مواجهته أو تركه. كما أن الامتنان الشخصي العميق الذي شعر به عمادي تجاه الأسد لأنه أنقذ حياته مرات عديدة، جعله غير قادر على الخيانة. يترك المؤلف هذا السؤال مفتوحاً أمام القارئ، معترفاً بأن هذه العلاقة المتناقضة تمثل أحد أعظم ألغاز حياة عمادي.
6.الفصل السادس: أيديولوجيون وإرهابيون (1985-1991)75–90▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل الفترة من 1985 إلى 1991، مسلطاً الضوء على التحولات العميقة التي شهدتها سوريا بعد انتهاء "عصر كاميلوت" إثر حادثة مذبحة كلية المدفعية في حلب في يونيو 1979، والتي قُتل فيها 83 ضابطاً علوياً على يد فصيل من الإخوان المسلمين. يوضح المؤلف أن هذه الحادثة مثلت نقطة تحول حاسمة، إذ أنهت مرحلة التعايش النسبي وفتحت الباب أمام مواجهة دامية بين النظام والإسلاميين، مما أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ينتقل الفصل إلى تقديم نموذج "الإصلاحي الدمشقي"، وهو الشخصية المحورية التي يحاول المؤلف تحليل دورها وأخلاقياتها. يُعرّف الإصلاحي الدمشقي بأنه الشخص الذي يختار طريقاً رابعاً وسط أربعة خيارات ممكنة في سوريا تحت حكم الأسد: الأول هو الانغماس في السعي وراء السلطة والثروة بأي ثمن، والثاني هو الانضمام إلى المعارضة العلنية وما يترتب عليها من مخاطر، والثالث هو مجرد البقاء على قيد الحياة وعدم فعل أي شيء ذي معنى. أما الرابع، فهو طريق الإصلاحي الذي يبرم "اتفاقاً" ضمنياً مع أركان النظام الأمني: لن نعمل ضدكم، وسنقول ما تريدون سماعه علناً، وسنسمح للآخرين باعتبارنا داعمين لكم، ولكن في المقابل، اسمحوا لنا بالعمل الحقيقي لهذا البلد بعيداً عن مؤسساتكم المسيسة، مع قبول المضايقات المنتظمة مقابل عدم التصفية.
يطوّر المؤلف هذه الفكرة من خلال استرجاع حكايات عن احترام مبدأ الوقت، وثمن حصاد حقل غير ناضج، وخطر إطلاق وحش دون القدرة على إخضاعه. هذه المبادئ الإصلاحية، التي بدت حكيمة وبصيرة في وقتها، تواجه اليوم تحدياً وجودياً. يصف المؤلف مشاعر الإحباط والأسى التي يعيشها الإصلاحي الدمشقي اليوم، وهو يشاهد أكثر من أربعين عاماً من الزرع والتنمية والتعليم والبنية التحتية تحترق في لهيب قذائف الهاون وقنابل TNT، ويشاهد حرباً تمجدها جميع الأطراف وتقتل مئات الآلاف وتخلق جروحاً في المجتمع السوري قد تستغرق عقوداً للشفاء.
يعترف المؤلف بوجود جدل حاد بين الثوار والإصلاحيين. فمن وجهة نظر الثوار، كان طريق الإصلاحيين هو طريق الجبناء الذين شرعوا للنظام وقدموا له الغطاء وعلّموا السوريين كيفية استرضاء مضطهديهم. صرخات الثوار تتردد في ذهن المؤلف: "كيف تجرؤ على الصمت بينما يُقتل الأطفال؟". بينما يرد الإصلاحيون بأن الصراخ وحده لم ولن يجدي نفعاً، بل زاد المأساة سوءاً. يمثل الثوار رؤية ثنائية للعالم بالأبيض والأسود، بينما يعكس الإصلاحيون عدسات معقدة تراعي ليس فقط ما يجب فعله، ولكن أيضاً متى وكيف يتم ذلك.
يختتم الفصل بصورة قاتمة لمستقبل الإصلاحي الدمشقي، حيث يقف عارياً تماماً من قدرته حتى على التفكير في الإصلاح، يشاهد البلاد وهي تتمزق عند درزها، منتظراً اليوم الذي سيتم فيه القضاء على آخر الإصلاحيين لمجرد أنهم تجرأوا على الاعتقاد بأن الإصلاح كان ممكناً. يترك الفصل تساؤلاً مفتوحاً حول ما إذا كان نموذج الإصلاحي الدمشقي قد أثبت فشله الذريع في مواجهة العنف المطلق، أم أن دروسه في الصبر والتوقيت والحكمة لا تزال تحمل بذور أمل لمستقبل سوريا بعد الحرب.
7.الفصل السابع: حتى يفرقنا الموت (1991-2000)91–110▼ ملخص
بدأ المؤلف هذا الفصل بتأكيد أن فترة التسعينيات شهدت تحولاً عميقاً في حياة محمد عمادي، حيث انتقل من كونه تكنوقراطاً بعيداً عن دوائر السلطة إلى شخصية مركزية في أعلى مستويات الدولة، لكنه في الوقت نفسه دفع ثمناً باهظاً لهذا القرب. الموضوع المحوري للفصل هو سرد تفصيلي لهذه المفارقة، حيث يوضح المؤلف كيف أن النجاح الاقتصادي والولاء الشخصي لـ حافظ الأسد قادا عمادي إلى موقع نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، لكن هذا الموقع جعله شاهداً على انهيار الاقتصاد في منتصف التسعينيات، ولم يحمه في النهاية من السقوط المدوي عندما قرر الأسد التضحية به ككبش فداء.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر سلسلة من الأحداث والمحطات في مسيرة عمادي. يبدأ الفصل بوصف عودته إلى سوريا عام 1985 بدعوة مباشرة من حافظ الأسد، ليجد نفسه في حرب مفتوحة مع رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم، الذي كان يدافع عن الاقتصاد المخطط اشتراكياً. يروي المؤلف كيف أن عمادي استغل فرصة لقاء مع الأسد ليشكو من عرقلة رئيس الوزراء، مما أدى إلى استقالة الكسم في أكتوبر 1987 وتعيين محمود الزعبي مكانه. ويشير الفصل إلى أن هذه الحادثة تعكس أسلوب الأسد في إدارة الصراعات: استخدام شخصيات متعارضة لإبقاء الجميع غير مرتاحين، والتدخل شخصياً فقط لحسم الأمور في اللحظة الحاسمة.
ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن "قضية هنداوي" التي وقعت عام 1986 أثناء ولاية الكسم، والتي هزت مشاعر عمادي وأظهرت له "عنصراً إجرامياً جامحاً" في النظام الذي يعمل معه. القضية تتعلق بمحاولة تفجير طائرة إسرائيلية في مطار هيثرو بلندن، والتي كشفت التحقيقات أن العقل المدبر لها هو جهاز المخابرات السورية، وأن نزار هنداوي، وهو فلسطيني يحمل جواز سفر أردنياً، هو المنفذ. يوضح الفصل أن محاكمة هنداوي في بريطانيا وتحولها إلى فضيحة دبلوماسية ضخمة جعلت عمادي يشعر بأن النظام الذي يمثله هو نفسه "النظام الذي اختطف وقتل وسجن"، مما عزز شعوره بالاغتراب.
بعد تعيينه نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، أصبح عمادي الشخصية الأبرز في إدارة الاقتصاد السوري. يصف الفصل جهوده الحثيثة لتمرير برنامج إصلاحي تدريجي، حيث ركز على تحفيز القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمارات العربية، ورفع الدعم التدريجي عن السلع الأساسية. كمثال على ذلك، يذكر المؤلف كيف نجح عمادي في إقناع الأسد بإصدار "المرسوم التشريعي رقم 10" عام 1991، والذي فتح الباب أمام القانون الجديد للاستثمار، مما أدى إلى تدفق رؤوس الأموال السورية من الخارج ونمو اقتصادي سريع. لكن الفصل يوضح أن هذا النجاح كان هشاً، لأنه لم يصاحبه إصلاحات سياسية أو إدارية حقيقية، بل ظل النظام قائماً على منطق المحاصصة والولاء.
يخصص الفصل مساحة كبيرة لوصف العلاقة الفريدة التي جمعت بين عمادي و حافظ الأسد. فهي لم تكن مجرد علاقة بين رئيس ومرؤوس، بل كانت أقرب إلى صداقة مشوبة بالاحترام والخوف. يروي المؤلف كيف أن الأسد كان يستشير عمادي في أمور لا تتعلق بالاقتصاد، وكيف كان يثق به ثقة مطلقة في إدارة الملفات الحساسة، مثل التفاوض مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لكن هذه الثقة لم تمنع الأسد، في لحظة ضعف سياسي، من التضحية بـ عمادي. في عام 1994، بعد وفاة ابنه البكر باسل، بدأ الأسد يتجه نحو سياسات أكثر تشدداً، ووجد نفسه مضطراً للاستماع إلى منتقدي عمادي الذين اتهموه بالإسراف في الانفتاح الاقتصادي.
الذروة في الفصل تأتي مع وصف سقوط محمد عمادي. وتحديداً في عام 2000، وقبل وفاة الأسد بأشهر. يوضح المؤلف أن الخلافات بين عمادي ووزير الدفاع مصطفى طلاس حول ميزانية الجيش بلغت ذروتها، وأن طلاس اشتكى للأسد بأن عمادي يريد تقليص مخصصات المؤسسة العسكرية. في اجتماع حاسم، وقف الأسد في صف طلاس وأعلن رفضه لسياسات عمادي التقشفية. وصف المؤلف هذه اللحظة بأنها "صدمة وجودية" لـ عمادي، الذي أدرك أن "الانتماء إلى النظام هو في النهاية رهان خاسر". بعد هذا الاجتماع، تم إقالة عمادي من منصبه وأُحيل إلى التقاعد القسري. يختتم الفصل بهذا المشهد الذي يصور كيف أن النظام، رغم كل ما قدمه له عمادي، تخلى عنه بسهولة بمجرد أن أصبح عبئاً سياسياً.
يقر المؤلف بحدود هذه الرواية، مشيراً إلى أنها تستند بشكل أساسي على ذاكرة عائلة عمادي ومراسلاته الخاصة، وأن بعض التفاصيل خاصة بالعلاقة مع الأسد لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى إخلاص الأسد لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، وهل كان صادقاً في رغبته في التغيير أم كان مجرد مناورة سياسية. في النهاية، يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش: أن النظام السوري بقيادة الأسد كان قادراً على استيعاب التكنوقراط المصلحين بشرط أن يظلوا ضمن حدود خدمة مصالحه، وأن أي تجاوز لهذه الحدود، حتى لو كان بدافع إيجابي، كان يعني الخروج النهائي.
8.الفصل الثامن: الحياة بعد البلاط111–121▼ ملخص
يُركّز الفصل الثامن، "الحياة بعد البلاط"، على ثلاث قضايا رئيسية متباينة لكنها مترابطة في سياقها السوري: أولاً، قضية نزار الهنداوي ومحاولة تفجير طائرة إسرائيلية، والتي كشفت عن تورط المخابرات السورية في أعمال إرهابية دولية. ثانياً، الإصلاحات الاقتصادية المتواضعة التي قادها المؤلف عمر عمادي في منتصف الثمانينيات، والتي واجهت مقاومة أيديولوجية شديدة. وثالثاً، تأملات شخصية عميقة حول ثمن الحياة البشرية في سوريا بعد عام 2011، مستعرضاً قضية مقتل الصحفية ماري كولفن، ومحاولاً البحث عن معنى للتسامح في وجه العنف السوري ضد السوري.
يبدأ الفصل بتفصيل قصة نزار الهنداوي، وهو أردني من أصل فلسطيني (من مواليد 1954 في الباقورة)، تطرف في شبابه بسبب الحرب الأهلية الأردنية مع منظمة التحرير الفلسطينية. بعد تنقله بين العراق ولبنان ولندن، التقى بالبولندية باربرا ليتفينيتس وتزوجها، ثم تعرف على الأيرلندية آن ماري ميرفي التي حملت منه. بحثاً عن راعٍ لحركته الوهمية "الثورة الأردنية"، التقى الهنداوي في دمشق في مطلع 1986 بالعميد محمد الخولي، رئيس استخبارات القوات الجوية السورية، ونائبه المقدم هيثم سعيد. بدأ تجنيده لتنفيذ هجمات إرهابية، كان أولها تفجير جمعية الصداقة الألمانية العربية في برلين في 29 مارس 1986، والذي نفذه أخوه أحمد باستخدام اسم العائلة الأصلي "حاسي"، وأصيب فيه تسعة أشخاص وأدين أخوه لاحقاً.
تتالت الأحداث لتصل إلى ذروتها في محاولة تفجير طائرة إل عال الإسرائيلية في رحلة من لندن إلى تل أبيب. قام الهنداوي بتجنيد آن، التي كانت حاملاً في شهرها الخامس، دون علمها، محشواً حقيبتها بمادة "سيمتكس" شديدة الانفجار في قاع مزيف. في 17 أبريل 1986، أوصلها إلى المطار وادعى أنه سيسافر على رحلة أخرى. اكتشف أمن المطار الإسرائيلي العبوة بعد أن أظهرت آن ارتباكاً. كان على متن الطائرة 395 راكباً وطاقماً. تم القبض على الهنداوي لاحقاً بعد أن سلم نفسه للشرطة البريطانية خوفاً من تصفيته من قبل المخابرات السورية. حوكم وأدين في 24 أكتوبر 1986 وحكم عليه بالسجن 45 عاماً، وهو أطول حكم يصدر في تاريخ بريطانيا الجنائي حتى ذلك التاريخ. نتيجة لذلك، قطعت بريطانيا علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، وسحبت الولايات المتحدة وكندا سفيريهما.
يطرح الفصل رواية مضادة سعت إليها الحكومة السورية وحتى شخصيات مثل جاك شيراك، رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، وباتريك سيل، كاتب سيرة الرئيس حافظ الأسد، والتي رأت أن العملية كانت مؤامرة من الموساد الإسرائيلي لإحراج سوريا. استندت هذه الرواية إلى أن العملية كانت "انتحارية استراتيجياً" ولا يمكن أن يكون الأسد قد أقرها، مشيرين إلى وجود عميل مزدوج ("مفيد عقور") داخل المخابرات السورية. يلاحظ الفصل أن أحداً لم يقل إن المخابرات السورية "أخلاقية" فوق هذا الفعل، بل إن الأسد كان "ذكياً جداً" لدرجة أن يوافق عليه. لم تعود العلاقات بين بريطانيا وسوريا إلى طبيعتها إلا بعد سنوات، ويرمز إليها بدعوة عمادي لحضور مناسبة رسمية في لندن عام 1994.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التحديات الاقتصادية التي واجهها عمر عمادي بعد عودته إلى سوريا في 1985. تمحورت فترة ولايته حول صراع مع رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم، الذي اتهمه عمادي بـ"الجمود الأيديولوجي" الاشتراكي. يصف عمادي الفترة من أبريل 1985 إلى أكتوبر 1987 بأنها "ضياع لثلاث سنوات من التقدم المحتمل". كانت الأزمة الاقتصادية متفاقمة: انهيار أسعار النفط، وانخفاض تحويلات المغتربين، وجفاف استمر ثلاث سنوات. في 1986، انخفض الناتج القومي الإجمالي بنسبة 5%، وبلغ التضخم الحقيقي أكثر من 100%. ورغم ذلك، لم يتمكن عمادي من تقديم سوى إصلاحين متواضعين: قرار المجلس الأعلى للسياحة رقم 186 في يوليو 1985 الذي منح إعفاءات ضريبية للاستثمار السياحي، وقانون الزراعة رقم 10 في فبراير 1986 الذي سمح بإنشاء شركات مساهمة زراعية بمساهمة حكومية لا تقل عن 25%، مع منح هذه الشركات حريات واسعة في الإدارة والاستيراد والتصدير والإعفاء من الضرائب لمدة سبع سنوات. حققت هذه الشركات نجاحاً اقتصادياً ملحوظاً، لكن عمادي يؤكد أن هذا النجاح لم يكن ليحدث دون انتهاء الجفاف، وأن أي إصلاح أوسع كان مستحيلاً في ظل وجود الكسم.
يختتم الفصل بتأمل شخصي ومؤلم حول ثمن الحياة في سوريا بعد الانتفاضة، مع التركيز على قضية مقتل الصحفية ماري كولفن في بابا عمرو بحمص في فبراير 2012. يستعرض عمادي حكم القاضية إيمي بيرمان جاكسون في فبراير 2019 والتي قضت بأن الجمهورية العربية السورية مسؤولة عن القتل خارج نطاق القضاء، ومنحت عائلة كولفن تعويضات قدرها 302,511,836 دولاراً. يتساءل عمادي كيف يمكن حساب ثمن حياة من قُتلوا في سوريا، متسائلاً إذا كان المبلغ نفسه سيُمنح لكل من قُتل (أكثر من 500,000 شخص منذ مارس 2011)، ليصل المجموع إلى 151 تريليون دولار، أي أكثر من ثلاثمئة ضعف تكلفة إعادة الإعمار الاقتصادية. يصل إلى نتيجة محزنة: معظم من قتلوا في سوريا قتلوا على يد سوريين آخرين، سواء كانوا من القوات الموالية أو المعارضة أو الجهاديين، مشيراً إلى أن القنابل البرميلية لم تُلقَ من قبل كيانات مجردة بل من قبل سوريين.
ينهي الفصل بالحديث عن عدم جدوى المنطق الردعي في الجغرافيا السورية، وكيف أن عقوبات وصواريخ لم تغير شيئاً. يقدم حلاً بديلاً من خلال كتب مارينا كانتاكوزينو عن قوة التسامح، مستشهداً بقصة الناجي من معسكرات الموت في البوسنة كمال بيرفانيتش الذي قال: "لم أقرر ألا أكره لأنني شخص جيد. قررت ألا أكره لأن الكره كان سيكمل المهمة التي بدأها الآخرون بنجاح". لكنه يقر بأن التسامح الحقيقي يتطلب اعتذاراً صادقاً، وهذا غير متوفر في سوريا بعد أكثر من عشر سنوات من المأساة. يختتم الفصل باستعراض عجزه عن فهم "المتطوعين" الذين يقتلون في الغرب باسم سوريا، حيث لا يمكن لأي عمل إرهابي في باريس أو لندن أن يساعد السوريين الذين خرجوا يطالبون بالحرية والكرامة.
9.الفصل التاسع: الهراء والعبث122–150▼ ملخص
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً حول جوهر الإصلاح في ظل الأنظمة الاستبدادية، وتحديداً في سوريا تحت حكم حافظ الأسد وابنه بشار. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الإصلاح الحقيقي في مثل هذه البيئات لا يتم عبر المواجهة المباشرة أو التصريحات المعارضة، بل من خلال ما يسميه "الطريق الرابع": طريق العمل الصامت في الظل، والتوقيع على "اتفاق غير مكتوب" مع أركان النظام الأمنية، مقابل السماح بإحداث تغييرات ذات معنى. يجادل المؤلف بأن من يختار هذا الطريق لا يكون خائناً أو عميلاً، بل هو شخص يمارس "فن الممكن"، مدركاً أن البقاء داخل الدائرة قد يكون أكثر فائدة للوطن من الخروج الأخلاقي النظيف.
يسير الفصل خطوة بخطوة مستخدماً سيرة محمد العمادي، والد المؤلف ووزير الاقتصاد السوري الأطول خدمة، كحالة دراسية مركزية. يبدأ الفصل بعرض ذروة الإنجاز الاقتصادي، وهو قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، الذي فتح الاقتصاد السوري أمام المستثمرين. يستخدم المؤلف أمثلة ملموسة لشرح وظيفة هذا القانون: فهو لم يكن مجرد تشريع، بل كان بمثابة "منزل جديد في حي متهالك" أظهر التناقضات الصارخة في الاقتصاد، من بيروقراطية خانقة إلى فساد مستشري. يوضح المؤلف أن نجاح القانون، الذي بلغت قيمة المشاريع المعتمدة بموجبه حوالي 1,500 مشروع بقيمة 6.5 مليار دولار بحلول الألفية، كان مدعوماً بعوامل خارجية مواتية، كزيادة إنتاج النفط من 160,000 برميل يومياً في 1984 إلى 480,000 في 1991، وانهيار الاتحاد السوفيتي في 1989 الذي أضعف حجة الاشتراكيين، ومساعدات دول الخليج بعد حرب الكويت في 1991 التي قدرت بنحو مليار دولار.
ثم ينتقل الفصل إلى كشف الوجه الآخر للإصلاح عبر فضيحة كبرى هي فضيحة طائرات إيرباص في 1996، حيث أبرمت الحكومة السورية عقداً لشراء ست طائرات بقيمة 374 مليون دولار، لكنه تبين أن السعر الحقيقي كان 250 مليون دولار، وأن الفرق البالغ 124 مليون دولار تم توزيعه كرشاوى. هنا يوضح المؤلف أن هذه الفضيحة لم تكن مجرد قضية فساد، بل كانت أداة سياسية استخدمها النظام بقيادة بشار الأسد لتصفية حسابات مع رئيس الوزراء محمود الزعبي وغيره، في عملية انتقال للسلطة من الأب إلى الابن. يضرب المؤلف مثلاً مضاداً عن "النظافة" الأخلاقية في المقابل، فيروي القصة الأكثر إثارة: قصة الحساب السري للعملات الصعبة الذي أسسه العمادي سراً منذ 1985، والذي نما إلى 9 مليارات دولار دون علم رئيس الوزراء أو حتى الرئيس حافظ الأسد، ليكتشفه الأخير قبل وفاته بأشهر فقط في أواخر 1999. هذا المثال يبرهن على أن الإصلاحي الحقيقي في هذا النظام يضطر أحياناً لاستخدام أساليب غير تقليدية وخطيرة لحماية الموارد الوطنية من هدر الحاشية.
يتحول الفصل في جزئه الأخير من السيرة الذاتية للعمادي إلى تأمل فلسفي أوسع عنوانه "في حلقات الملوك"، حيث يستعرض المؤلف عبر نصوص أدبية ومواقف تاريخية تحذيرات العلماء المسلمين من الاقتراب من السلاطين، قبل أن يطبقها مباشرة على الواقع السوري المعاصر. يدرج المؤلف سلسلة من القواعد العملية المستخلصة من تجارب شخصيات مختلفة: "لا تحاول مصادقة ملك"، و"لا تتحدث في حضور ملك"، و"لا تصمت في حضوره"، وأخيراً "تذكر دائماً أن الملوك يموتون". المثال الأبرز هنا هو مصير نائب الرئيس عبد الحليم خدام الذي أمضى 36 يوماً كرئيس مؤقت بعد وفاة الأسد الأب، مهمته الوحيدة كانت ضمان انتقال السلطة لابن الرئيس، ليجد نفسه لاحقاً خارج اللعبة تماماً. يختتم المؤلف هذا القسم بقصتين شخصيتين طريفتين: الأولى عن جلوسه بطريق الخطأ إلى جانب بشار الأسد في صف أمامي خلال مؤتمر، والثانية عن لقائه بالرئيس الإيراني محمد خاتمي. القصد من هذه القصص هو توضيح كيف أن مجرد الاقتراب من السلطة، حتى عن طريق الصدفة، يغير نظرة الآخرين إليك ويخلق تصورات لا يمكنك السيطرة عليها.
يقر المؤلف صراحة بالحدود المعقدة لهذا الموقف. يطرح السؤال الأخلاقي الصعب الذي يواجهه والده بعد اندلاع الانتفاضة السورية في 2011، خاصة مع استمراره في منصبه كرئيس لهيئة الأوراق المالية حتى 2014، أي خلال سنوات القمع العنيف. يجيب المؤلف عن هذا السؤال من خلال تحليل دقيق لتفريق والده بين "الدولة" و"النظام". بالنسبة للعمادي، هو لم يكن أبداً جزءاً من النظام بل كان جزءاً من الدولة، أي جزء من الـ 2.2 مليون موظف في القطاع العام الذين يحافظون على الاقتصاد. يعترف المؤلف بأن هذا الموقف الأخلاقي يظل موضع جدل، ويستشهد بمقال من 18 أغسطس 2018 في موقع "زمان الوصل" يناقش تناقض بكاء العمادي على حافظ الأسد مقابل إنجازاته الاقتصادية. يقدم المؤلف في النهاية إطاراً نظرياً لفهم هذا السلوك، مستعيراً من الفيلسوف القانوني ديفيد لوبان مفهوم Spielraum (حيز المناورة)، الذي يزعم أن الإصلاحي الذي يبقى داخل النظام يمارس "شراً أقل" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهو خيار لا يخلو من إشكالية أخلاقية ولكنه قد يكون الواقعي الوحيد.
في جوهره، هذا الفصل هو حجة يمكن مناقشتها بوضوح: هل كان محمد العمادي بطلاً أم خائناً أم واقعياً؟ يقدم المؤلف مبررات متعددة، لكنه لا يخفي إشكالية هذا الموقف. رأيي الشخصي أن الفصل ينجح في تقديم تحليل دقيق ومؤلم لمعضلة الإصلاح في الأنظمة الاستبدادية. الصورة التي يرسمها المؤلف ليست ثنائية الأبيض والأسود، بل هي صورة رمادية معقدة، تظهر كيف أن الأشخاص المحترمين قد يضطرون لعقد صفقات مع أنظمة قمعية لتحقيق أي تقدم، مع تحملهم تبعات أخلاقية ثقيلة. النقطة الأكثر إثارة للتفكير هي أن الفصل يقلب السؤال التقليدي من "هل كان العمادي على صواب؟" إلى سؤال أكثر جوهرية: هل هناك طريق آخر حقيقي للإصلاح في مثل هذه البيئات أم أن هذا هو الطريق الوحيد الممكن، بكل نقاط قوته وضعفه وألمه؟
10.خاتمة151–203▼ ملخص
هذا الفصل الختامي من كتاب "قصة داخلية لسوريا الحديثة" لأ عمر عمادي يناقش موضوعاً محورياً هو المنطق الأخلاقي للإصلاح من داخل النظام الاستبدادي، وتطور سوريا بعد عام 2011 إلى واقع عبثي ومأساوي. يقدم المؤلف إجابة معقدة: أنه بينما يمكن تبرير عمل الإصلاحيين داخل النظام أخلاقياً بشرط وجود مساحة للمقاومة الفعلية (كما في نموذج والده ويوسف النبي)، فإن ما بعد 2011 جعل هذا الموقف مستحيلاً، وحوّل سوريا إلى "كابول" مجازية منسية، حيث حلّ العبث والخراب محل أي أمل في إصلاح ذي معنى.
يبدأ الفصل بمناقشة فلسفية حول مسؤولية الإصلاحيين العاملين داخل الأنظمة الشمولية، مستشهداً بمحاكمة شاخت النازي. يطرح روبرت جاكسون أن خبرات هؤلاء الأفراد جعلت النظام أكثر قدرة على ارتكاب الشر، وبالتالي فهم مذنبون بالتواطؤ. لكن لوبان يعارض ذلك بحجة "الأخلاقية المطلقة" لـ هانا أرندت، مؤكداً أنه عندما توجد مساحة للمناورة (Spielraum)، يجب موازنة الخير الذي يمكن فعله مقابل الشر الذي قد يُسهَّل. يستدل المؤلف بقصة يوسف النبي (القرن 19 ق.م تقريباً) الذي طلب من فرعون (المرجح أنه أمنمحات الثاني) إدارة خزائن الأرض رغم أن المملكة لم تكن موحِّدة ولا عادلة. يرى المؤلف أن والده نظر إلى نفسه بنفس الطريقة، محاولاً تخفيف الأزمة الاقتصادية في سوريا خلال الثمانينيات، دون أن يهتم بالشرعية الأخلاقية للحاكم. يقر المؤلف بصعوبة هذا الموقف اليوم قائلاً إن المُصلح الدمشقي أصبح "مجرَّداً من القدرة حتى على التفكير في الإصلاح".
ينتقل الفصل بعدها إلى أسلوب ساخر ومباشر لوصف سوريا ما بعد 2011 تحت عنوان "الهراء والعبث". يقدم النص صورة كاريكاتورية لخطاب السيادة، ساخراً من تبرير النظام للدمار الهائل بـ"السيادة والشرف". يورد المؤلف أرقاماً كارثية كتلك التي يروجها الغرب "للتضليل": أكثر من 500,000 قتيل، وملايين الجرحى، وأكثر من 5 ملايين لاجئ، و 6.5 مليون نازح، و 13.5 مليون بحاجة لمساعدات إنسانية، وخسائر بمئات المليارات. لكنه يسخر قائلاً إن هذه "تضحيات" في سبيل السيادة، وأن الجغرافيا التي لا تسيطر عليها الحكومة "مؤقتة ويجب قصفها حتى تُمحى". هذا الأسلوب يفضح عبثية الخطاب الرسمي دون تقديم حجة مضادة مباشرة.
يُخصص الفصل حيزاً كبيراً لشخصية عبد الله الدردري، المسؤول الاقتصادي السوري البارز. يصف لقاءه الأول به في 1 مارس 1994 في مبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بدمشق، وكيف جمعهما الانتماء لعائلات دمشقية عريقة والدهما عبد الرزاق الدردري (قائد شعبة العمليات في حرب 1973) ووالد المؤلف (وزير الاقتصاد). يوضح التناقض بينهما: المؤلف فقد الأمل في الإصلاح بعد مشاهدة فشل والده، بينما ظل الدردري مؤمناً بالإمكانية. يتابع الفصل مسيرة الدردري من رئاسة هيئة تخطيط الدولة (2003) إلى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية (2005)، وهو منصب كان حكراً على البعثيين. بعد مارس 2011، بدلاً من الاستقالة، أنشأ الدردري شبكة باحثين في إطار برنامج "الأجندة الوطنية لسوريا" التابع للإسكوا (ESCWA). يصف الفصل اتهام الدردري بأنه "جامع تبرعات للنظام" رغم معارضته الشديدة للعنف، ثم انتقاله إلى البنك الدولي (World Bank) لقيادة مشروع إعمار في الشرق الأوسط، وأخيراً تعيينه كممثل مقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في كابول. يرى المؤلف في هذه النقلة أن سوريا نفسها أصبحت "في كابول مجازية: خطيرة، منسية، وطبيعية في معاناتها".
بعد ذلك، يوثق الفصل الأشياء التي توقفت في سوريا بعد 2011. يصف الجامعة العربية الدولية (AIU، التي تأسست 2004) بكلفة 250 مليون دولار والتي أصبحت مهجورة، مثلها مثل جامعات يَرموك والسورية الدولية والدولية للعلوم والتكنولوجيا. كما يصف المدارس الخاصة مثل "القرية الصغيرة" في صحنايا التي تقلصت لبضع غرف في المزة. يذكر كيف توقف تدفق الطلاب الأجانب إلى مركز تعليم اللغة العربية بجامعة دمشق، وتوقفت حافلات الأسر القادمة من ريف دمشق لحضور الدروس الدينية في جامع أبي النور في ركن الدين، وتوقفت رحلاته الأسبوعية من عمان لزيارة عائلته بعد مارس 2011 بسبب الخطر ونقاط التفتيش. يختتم هذا القسم بمثل دمشقي: "ذاب الثلج وبان المَرج"، مشيراً إلى انكشاف الحقيقة بعد زوال الوهم.
ينتقل الفصل بعدها لتحليل أساطير إعادة الإعمار السورية، متبعاً منهج جوزيف كامبل الذي يرى الأساطير كمفاتيح للحقيقة. يفحص أربع أساطير رئيسية: 1) أسطورة المؤامرة الأجنبية (التي كشفت عن نية النظام القتال حتى النهاية)، 2) أسطورة الأسد (التي تختزل كل شيء بشخص واحد وتتجاهل النظام المؤسسي، ويتبناها النظام والمعارضة معاً)، 3) أسطورة النصر (التي تختزل الانتفاضة في معركة عسكرية وتخون آلاف المتظاهرين)، و 4) أسطورة إعادة الإعمار (التي تتجاهل أنها عملية إعادة تشكيل للهوية والذاكرة وقد تكون "عنفاً بالإسمنت والجرافات"، مستشهداً بتجارب لبنان و البوسنة).
يقسم الفصل جهات إعادة الإعمار إلى ثلاث فئات: القبيح (قوانين النظام كمصادرة منازل المهجرين ومشاريع الإسكان الفاخر في مواقع تهجير قسري، متعمداً إهمال مناطق معارضة مثل خالدية حمص و صلاح الدين حلب)، والسيئ (الشركات العالمية مثل KBR التي تجاهلت دراسات التربة في العراق كلفت 100 مليون دولار و 1.5 مليار دولار خسائر، ومنظمة الأمم المتحدة التي تظهر ضعفاً بمراقبة التهجير القسري في حمص و درعا و إدلب رغم تقاريرها الدقيقة عن العنف المنهجي)، والجيد (السوريون أنفسهم: أهالي البلدات المحاصرة الذين بنوا مستشفيات ومكتبات تحت الأرض، والأطفال الذين علّموا بعضهم، والنساء اللواتي أعادن بناء حياتهن).
في القسم التالي، يصف الفصل الواقع الجديد بسخرية لاذعة عبر مواقع loyalist مثل "يوميات كزفة حوض في دمشق" و"صاحبة الفلاحة". تسخر هذه المواقع من انتشار الفسق (ممارسات جنسية منحرفة في الأماكن العامة وبيوت الدعارة وزيادة بنسبة 50% في التحرش والاغتصاب منذ 2011)، والفساد (في كل القطاعات من المخابز إلى الأكاديميا)، والفقر (حيث يعيش 80% تحت خط الفقر براتب حكومي 50,000 ليرة بينما تحتاج أسرة من أربعة أفراد 325,000 ليرة شهرياً). كما يصف نقصاً حاداً في الغاز والكهرباء وطوابير الموت انتظاراً للخبز والبنزين. ويصل إلى نقطة أن الرئيس الأسد نفسه في خطابه الأخير استخدم السخرية لمهاجمة "المتملقين"، ساخراً من فكرة النصر ومعلناً حرباً على الفساد، مما جعل loyalists أنفسهم "يتوقفون عن الاستماع".
يدرس الفصل تأثير كورونا (مارس 2020) كذروة للعبث، مقتبساً من وزير الصحة نزار يازجي قوله إن "الجيش العربي السوري طهر الميكروبات من الأراضي السورية"، ومن الرئيس الأسد (2012) أن "المؤامرات مثل الجراثيم". يتخيل المؤلف ساخراً براميل متفجرة تُلقى على قرى فيها كورونا، وتعذيب مرضى ليعترفوا أنهم عملاء حرب بيولوجية. يورد أرقاماً من برنامج الأغذية العالمي (WFP): 11.1 مليون بحاجة لمساعدات، 6.1 مليون نازح داخلياً، 7.9 مليون يعانون انعدام الأمن الغذائي. ومن منظمة الصحة العالمية (WHO) في 2019: تفشي الحصبة والدوسنتاريا والحمى التيفية والليشمانيا، ووجود 10.2 مليون سوري في مناطق متأثرة بالمخاطر الانفجارية، وعدم صلاحية 46% من المستشفيات أو عملها جزئياً. يختتم بأن المأساة كانت "أكبر من أن تُهمل".
في القسم الأخير، يحلل الفصل فن تسليح الخيال عبر قصة شراء لوحة "Splash" لـ ديفيد هوكني بـ 30 مليون دولار من Sotheby's. يشرح كيف روّجت وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية (FNA) لـ يفغيني بريغوزين (طباخ بوتين) في 15 أبريل 2020 أن الأسد اشتراها لزوجته. يوضح أن اللوحة اشتراها في الواقع الملياردير ديفيد غيفن، ويعدد نظريات سبب التلفيق: صراع عائلة مخلوف مع رامي مخلوف، ونفاد صبر روسيا من عدم تقديم الأسد تنازلات للمعارضة. يصف كيف أن نجاح الخيال المسلَّح يعتمد على "شظايا حقيقية" وراعٍ قوي يتبناه، وهو ما يفسر فشل خيال المعارضة مقابل نجاح خيال النظام. يختتم المؤلف ببناء قصته الخيالية الخاصة التي تربط هوكني بالنظام عبر: شراء مجهول للوحة (11 فبراير 2020)، واهتمام زوجة الأسد بالفن (بفراشات نيك جيفري)، ووجود 11 بريداً إلكترونياً عن هوكني في ملفات ويكيليكس السورية (4 يناير 2012)، وعلاقة باتريك سيل (كاتب سيرة حافظ الأسد) بهوكني، وعلاقة هوكني بـ كلوديا رودن (حفيدة الحاخام الأكبر في حلب)، وتشبيه بروك آلن للريف السوري بلوحات هوكني. يذكر المؤلف صراحةً أن قصته خيالية، لكنها "ليست أقل خيالاً من قصص الأسلحة الكيميائية في الغوطة (أغسطس 2013) والجهاد الجنسي".
يقر الفصل بحدود واضحة: يقر بصعوبة الموقف الأخلاقي ويطرحه كسؤال مفتوح أكثر منه جواباً. يترك أسئلة دون حل حول إمكانية الإصلاح من الداخل بعد 2011، وفعالية المساعدات الدولية، وإمكانية المصالحة الحقيقية. الحجج القابلة للنقاش تتمثل في الدفاع عن نموذج "يوسف" كتبرير للعمل مع الأنظمة المستبدة (مع الإقرار بأن هذا الموقف أصبح مستحيلاً اليوم)، والهجوم الساخر على خطاب "السيادة" والنصر، والذي قد يُقرأ على أنه إنكار لشرعية النظام بالكامل وإن كان بصيغة تهكمية، وإدانة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالتواطؤ والتخاذل.