
Assad or we burn the country
يمثل كتاب "الأسد أو نحرق البلد" للصحافي سام داغر تحقيقاً معمقاً في آليات بقاء نظام الأسد في سوريا على مدى خمسة عقود، منذ تأسيسه على يد حافظ الأسد وحتى لحظة كتابة التقرير. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك السردية التي بناها النظام عن نفسه كحامٍ وحيد للوطن وممثل للإصلاح والتحديث، ليكشف عن وجهه الحقيقي: ديكتاتورية عائلية-طائفية قائمة على القمع المطلق، والفساد المنظم، والاستعداد لاستخدام أي وسيلة، بما فيها إشعال الحروب الطائفية، من أجل البقاء في السلطة. يدافع المؤلف عن موقف واضح بأنه لم يكن هناك أبداً خيار حقيقي بين بشار الأسد وداعش، بل أن النظام نفسه هو من خلق الظروف التي أنتجت التطرف ليجعل من نفسه "الحل الوحيد".
يسير الكتاب عبر فصوله التسلسل التاريخي لصعود عائلة الأسد وتثبيت حكمها، ليكشف عن السلسلة المتصلة من القمع التي وصلت ذروتها في الحرب بعد عام 2011. يبدأ الفصل الأول ("وأنت التالي يا دكتور") من لحظة توتر رمزية في فبراير 2011، حيث يلعب بشار الأسد التنس مع صديقه مناف طلاس قبل أسابيع من اندلاع الثورة السورية. يوضح المؤلف هنا كيف راهن النظام على "سردية" بشار وأسماء الأسد كزوجين عصريين ومصلحين، وعلى قدرة أجهزة المخابرات المطلقة على قمع أي احتجاج. لكن هذا الوهم يتبدد مع أولى الانتفاضات في درعا في مارس 2011، حيث تصر الشابة سالي مسالمة على النزول إلى الشارع رغم تحذير والدها الذي يتذكر مجزرة حماة عام 1982 قائلاً: "سيقتلكم جميعاً ولن يغادر". يقر المؤلف هنا بأن سردية الأسد الإصلاحية كانت مقنعة للكثيرين، مما جعل مسألة كيفية بدء ثورة في دولة الخوف إحدى الأسئلة المفتوحة التي يطرحها الكتاب.
ينتقل الفصل الثاني ("احتضان الغيوم") إلى جذور الحكم، متتبعاً الصداقة التي نشأت في الكلية الحربية بحمص عام 1952 بين حافظ الأسد (العلوي الفقير) ومصطفى طلاس (السني الطموح). يحكي هذا الفصل قصة الانقلابات المتتالية التي قادها البعثيون، بدءاً من انقلاب 8 مارس 1963، مروراً بحرب الخلافة الدامية داخل الحزب التي أوصلت صلاح جديد إلى السلطة عام 1966، وانتهاءً بانقلاب حافظ الأسد في نوفمبر 1970 ("الحركة التصحيحية"). يقدم الفصل أرقاماً صادمة عن حالة الاقتصاد عند وصول الأسد: احتياطي البنك المركزي كان 50 مليون ليرة فقط (14 مليون دولار) بينما هربت رؤوس أموال بقيمة مليار دولار. ويختتم الفصل بمشهد رمزي يلخص طبيعة الحكم: اجتماع الأطفال باسل الأسد ومناف طلاس بأمر من والديهما لتكوين تحالف عائلي للحكم.
يكثف الفصل الثالث ("الخلق والعقاب") تفاصيل السنوات التأسيسية لحكم حافظ الأسد، ويكشف كيف حوّل انسحاباً إسرائيلياً محدوداً من القنيطرة عام 1974 إلى "عيد تحرير" أسطوري. يصف المؤلف بناء آلة دعائية وأمنية شاملة، حيث تم تحويل حزب البعث إلى واجهة، وغرس الخوف في قلوب السوريين عبر شبكة مخابرات على طراز الستازي. لكن الذروة المروعة للفصل هي وصف القمع الوحشي لانتفاضة الإخوان المسلمين بين عامي 1979 و1982. يورد الفصل أرقاماً تقريبية: مقتل ما يصل إلى 2000 شخص في حلب وحدها حتى نهاية 1980، وإعدام حوالي 1000 سجين في سجن تدمر في ليلة واحدة بعد محاولة اغتيال الأسد، ثم المذبحة النهائية في حماة في فبراير 1982 التي قُتل فيها ما بين 7000 و10000 شخص وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان، بينما يرى معارضون أن العدد يصل إلى 40,000. يقر المؤلف بحدود المعلومات حول العدد الدقيق للضحايا، ويطرح سؤالاً حول مدى تواطؤ الغرب في تمكين هذه الديكتاتورية عبر صفقات "الاستقرار" الضمنية.
يكشف الفصل الرابع ("الفارس الذهبي") عن آليات توريث الحكم داخل النظام. يبدأ من محاولة انقلاب رفعت الأسد (شقيق حافظ) في فبراير 1984، والتي حسمها حافظ بأمره الصارم: "اقتل كل من يعصيك، حتى لو كان أخي"، لينتهي الأمر بدفع 200 مليون دولار من صديقه معمر القذافي لإقناع رفعت بالمغادرة. ينتقل الفصل بعدها إلى الإعداد لوراثة باسل الأسد كـ"الفارس الذهبي"، حيث تنفق الدولة مبالغ طائلة لشراء الخيول والأندية له. لكن الموت المفاجئ لباسل في حادث سيارة في 21 يناير 1994 يغير كل شيء. يصف المؤلف مشهد انهيار حافظ الأسد، وكيف حوّل النظام باسل إلى أسطورة وأجبر بشار الأسد على التخلي عن حلمه في دراسة طب العيون في لندن ليعود كالوريث الجديد. يقر المؤلف ضمنياً بأن أهلية بشار كانت موضع شك داخلي كبير، وأن النظام بدأ حملة إعلامية ضخمة "لنحت زعيم جديد" من مادة مختلفة عن أخيه.
يصل الكتاب إلى ذروته المنطقية في الفصل الخامس ("داعش أم بشار؟")، الذي يتناول الفترة 2015-2016 حيث نجح النظام وحلفاؤه، خاصة روسيا، في ترويج معادلة زائفة: إما بشار الأسد أو تنظيم داعش الإرهابي. يوثق المؤلف كيف استغل النظام صعود التطرف والخوف الذي زرعه لدى الأقليات، خاصة المسيحيين، لإعادة تأهيل نفسه دولياً. يورد شهادات لشخصيات مسيحية مثل البطريرك إغناطيوس يوسف الثالث يونان الذي قال إنه لم يسمع مسيحياً واحداً يؤيد الأسد، لكنهم يخافون من البديل. في المقابل، يوثق جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات النظام وروسيا: استخدام القنابل العنقودية، حصار مضايا وداريا حتى المجاعة، وقصف مستشفى للأطفال في حلب. تظهر هنا قصة المنشق مناف طلاس كحالة تكشف فشل محاولات إيجاد بديل بسبب انقسامات المعارضة وارتياب الغرب. يختتم الفصل بسقوط شرق حلب في ديسمبر 2016 وصورة الطفل عمران دقنيش كرمز للمعاناة.
تشكل علاقة مناف طلاس مع بشار الأسد خيطاً ناظماً مهماً في الكتاب، من المصافحة الأولى بينهما في طفولتهما، مروراً بصداقتهما المزيفة التي أمر بها حافظ، وصولاً إلى انشقاق مناف وصيرورته رمزاً لمحاولة إيجاد بديل فاشل. كما يقدم الكتاب مادة مهمة عن دور مصطفى طلاس كوزير دفاع ظل نائماً في قلب النظام، وشخصيته المثيرة للجدل (هوسه بالنساء، كتاباته المعادية للسامية)، لكنه ظل الرجل الأكثر ولاءً لحافظ.
يقر المؤلف عبر الفصول بحدود واضحة في المعلومات: عدم وجود إحصاء دقيق لضحايا مجزرة حماة، التناقض في التقديرات حول عدد القتلى في قمع الثمانينيات، والشكوك حول أهلية بشار للقيادة في البداية. من الأسئلة المفتوحة التي يتركها: كيف يمكن توحيد السوريين المنقسمين طائفياً حول قضية مشتركة؟ وكيف يمكن لثورة أن تبدأ في دولة يسيطر عليها الخوف والمراقبة؟ وإلى أي مدى كان الغرب متواطئاً في تمكين النظام عبر صفقات "الاستقرار" الضمنية؟
الحجة الأكثر إثارة للنقاش التي يقدمها الكتاب هي فكرة أن حافظ الأسد ثم بشار الأسد لم يكونا مجرد ديكتاتوريين تقليديين، بل مهندسي استراتيجية "الضحية والجلاد"، حيث يخلق النظام التهديدات (طائفية، دينية، إرهابية) ثم يقدم نفسه كحامٍ وحيد منها. هذه الاستراتيجية، التي تظهر في التدخل في لبنان عام 1976 (أشعل الفتنة ثم قدم نفسه كحيد)، وتتكرر في الحرب بعد 2011 بخلق التطرف ثم محاربته، تطرح تساؤلاً صعباً حول مسؤولية النظام عن إفراز التطرف الذي يدّعي محاربته. الكتاب يقدم حجة قوية بأن بشار الأسد لم يكن يوماً "حلاً" لأي شيء، بل كان جزءاً من المشكلة منذ البداية.
الأشخاص
الفصول(5)
1.أنت التالي يا دكتور27–42▼ ملخص
يستكشف هذا الفصل كيف بدأ الربيع العربي يهدد نظام الأسد في سوريا خلال أوائل عام 2011، ويجيب عن سؤال كيف واجه النظام هذا التهديد. يوضح المؤلف أن النظام راهن على سردية精心构建 عن بشار الأسد كإصلاحي حديث، وعلى قدرة أجهزة المخابرات على قمع أي احتجاج، بينما كان الواقع على الأرض يشير إلى أن السوريين بدأوا يتجرؤون على التحدي.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تقديم مشهد افتتاحي رمزي: مباراة تنس في فبراير 2011 بين الرئيس بشار الأسد وصديقه اللواء مناف طلاس. يلاحظ طلاس أن الأسد مشتت وغير مرتكز، وعندما يصدر علم ضخم يرفرف فوق الملعب صوتاً مفاجئاً، يسقط الأسد مضربه. يربط الكاتب هذا التوتر ببداية الانتفاضات العربية: سقوط نظام تونس في يناير، والاحتجاجات في مصر وليبيا واليمن والبحرين. يصف المؤلف التفاؤل السائد بأن الأنظمة العربية ستسقط كأحجار الدومينو، وأن سوريا ستكون التالية.
لكن أجهزة المخابرات السورية، المعروفة بـ "المخابرات"، تؤكد للأسد أن سوريا محصنة، وأن كل شيء تحت السيطرة. يشرح الفصل قوة هذه الأجهزة التي تعمل فوق القانون وتراقب كل شيء، وتزرع الرعب في قلوب السوريين. يوضح الكاتب أن النظام راهن على "السردية" التي بناها عن الأسد وزوجته أسماء، كزوجين عصريين ومصلحين، يتجاوزان الانقسامات الطائفية. كان مناف طلاس وزوجته ثلا خير جزءاً من هذه السردية، حيث جسدا صورة النخبة المنفتحة والشابة المقربة من الرئيس.
ثم ينتقل الفصل إلى الأحداث الأولى التي كشفت أن التقييمات الأمنية خاطئة. يذكر الكاتب حوادث صغيرة في دمشق في يناير وفبراير: تجمعات تضامنية مع مصر وتونس قمعت بسرعة، ودعوة فاشلة ليوم غضب في 5 فبراير، واحتجاج تجار في سوق الحريقة في 17 فبراير. بعدها، يصف بدقة محاولة فنان اسمه خالد الخاني وأصدقاؤه الاحتجاج أمام السفارة الليبية في 23 فبراير. يتعرضون للضرب من قبل قوات الأمن. يشرح الفصل دوافع خالد: والده طبيب عيون عُذب حتى الموت على يد قوات حافظ الأسد في مجزرة حماة عام 1982، التي دُمر فيها حيه بالكامل. يوضح الكاتب أن ذكرى حماة زرعت رعباً عميقاً، وجعلت الجيل الأكبر سناً أكثر خوفاً، بينما انقسمت الأقليات الدينية (علويون، مسيحيون، دروز) بين مؤيد للنظام كحامٍ لها وخائفة من رد فعل الأغلبية السنية.
يتناول الفصل بعد ذلك التحدي الفكري الذي واجهه النشطاء: كيف تبدأ ثورة في نظام عرّف الهوية الوطنية وفرضها بالقوة لعقود؟ محامي حقوق الإنسان مازن درويش وزميلته رزان زيتونة يمثلان نموذجاً لهذا التفكير. يروي الفصل محاولتهما إقناع زعيم كردي بالانضمام إلى احتجاجات مشتركة في عيد النوروز (21 مارس)، لكنه يرفض، متذكراً قمع احتجاجات الأكراد الدامي في 2004. يوضح الكاتب أن النشطاء كانوا يبحثون عن أي ذريعة للنزول إلى الشارع.
يصل الفصل إلى ذروته مع حدثين متوازيين في 15 و18 مارس. أولاً، في 15 مارس، نظم مازن درويش وناشطون احتجاجاً سلمياً في ساحة المرجة بدمشق للمطالبة بإطلاق سراح سجناء رأي، لكن قوات الأمن تهاجمهم بعنف وتعتقل العشرات، بينهم فيلسوف مسن. ثانياً، في 18 مارس، يصف الفصل حفل غداء في منزل مناف طلاس الجبلي غرب دمشق، حيث يبدو مناف واثقاً من أن سوريا لن تتأثر بالربيع العربي. في نفس الوقت، في مدينة درعا جنوب البلاد، تسمع الشابة سالي مسالمة (18 عاماً) باحتجاج مخطط له بعد صلاة الجمعة. يعترض والدها خوفاً من تكرار حماة، لكنها تصرّ على أن الأسد سيرحل مثل مبارك وبن علي. يرد والدها: "سيقتلكم جميعاً ولن يغادر". وفجأة، يملأ إطلاق نار كثيف المدينة. في تلك الليلة، يتلقى مناف طلاس اتصالاً عاجلاً: اندلعت احتجاجات في درعا وتحولت إلى عنف وسقط قتلى.
يتضمن الفصل تحفظاً مهماً: يقرّ المؤلف بأن السردية التي بناها النظام عن الأسد كإصلاحي، رغم كونها ترويجاً ذاتياً، كانت مقنعة للكثيرين داخل سوريا وخارجها. كما يترك أسئلة مفتوحة، مثل: كيف يمكن لثورة أن تبدأ في دولة يسيطر عليها الخوف والمراقبة؟ وكيف يمكن توحيد السوريين المنقسمين طائفياً واجتماعياً حول قضية مشتركة؟
من النقاشات القابلة للنقاش في النص، تبرز فكرة أن النظام راهن بشكل كبير على "السردية" الشخصية للأسد كدرع واقٍ، بينما يظهر الفصل أن هذه السردية كانت هشة أمام أول احتكاك حقيقي مع الشارع. كما يظهر التناقض بين تأكيدات أجهزة المخابرات بأن كل شيء تحت السيطرة وبين اندلاع الاحتجاجات الفعلية، مما يشير إلى قصور هذه الأجهزة عن فهم المشاعر الحقيقية للسوريين.
2.احتضان الغيوم43–56▼ ملخص
بدأ الفصل بلمحة عن لقاء حافظ الأسد ومصطفى طلاس في خريف 1952 في الكلية الحربية في حمص، حيث كانا شابين طموحين من خلفيات متواضعة. حافظ، وهو علوي من منطقة جبلية ساحلية، كان طالباً متفوقاً لكنه فضل الكلية العسكرية ليريح أسرته الكبيرة. مصطفى، وهو سني من ريف حمص، فشل في البكالوريا وعمل مدرساً قبل أن يرى في الجيش طريقاً للارتقاء الاجتماعي. جمعتهما ظروفهما المتشابهة وحماسهما السياسي المبكر.
كانا قبل الكلية ناشطين في حزب البعث، الذي تأسس بعد استقلال سوريا مباشرة. الحزب الذي مزج القومية العربية بالأفكار الاشتراكية كان يجذب المهمشين اقتصادياً أو الطائفيين. في يناير 1953، نُقلا إلى حلب ضمن أول دفعة لكلية طيران جديدة، حيث تعمقت صداقتهما رغم شخصيتيهما المتكاملتين: حافظ الجاد والطموح، ومصطفى الاجتماعي والمرح. تدربا على مهاجمة زملائهما في المهجع كرياضة، حيث يمسك مصطفى بالضابط الطالب من الخلف ليضربه حافظ بجبهته الكبيرة.
تخرج حافظ ضابط طيار، بينما فشل مصطفى في الطيران لنزقه وتحول إلى الدروع. وجدا سوريا غارقة في الانقلابات والصراعات الأيديولوجية بين أنصار الوحدة مع عبد الناصر والقريبين من الغرب أو السوفييت. كضباط بعثيين، آمنوا أن البقاء يقتضي التحالف مع الناصريين. في منعطف مهم، تعرف مصطفى في حلب على القنصل الأميركي روي أثرتون عبر عائلة زوجته الثرية، مما فتح قنوات سرية مع واشنطن استخدمها لاحقاً عندما صعد هو وحافظ إلى القمة، رغم أن البعث كان يصور الأميركيين أعداء.
تزوج حافظ من أنيسة مخلوف، عائلته العلوية الثرية، ومصطفى من لميا جابري السنية من عائلة ملاك أراضٍ في حلب، وكان زواجهما صعوداً اجتماعياً لهما. في 1958، توحدت سوريا مع مصر تحت الجمهورية العربية المتحدة بقيادة عبد الناصر، الذي فرض حل الأحزاب وعزل الضباط عن السياسة. أصيب البعثيون بخيبة أمل، ونُقل حافظ ومصطفى إلى مصر حيث أنجب كل منهما أطفالهما. نسج حافظ هناك لجنة سرية من ضباط بعثيين، معظمهم من الأقليات، خططوا للاستيلاء على السلطة.
انهارت الوحدة بانقلاب ضباط دمشقيين في سبتمبر 1961. اعتقل المصريون حافظ، لكن مصطفى رتب لإعادة عائلتيهما إلى سوريا. أُفرج عن حافظ لاحقاً وبقي مديناً لمصطفى. في 8 مارس 1963، نفذ حافظ ولجنته السرية انقلابهم بانضمام ضباط كبار. قاد حافظ بنفسه الاستيلاء على قاعدة جوية قرب دمشق، بينما سيطر مصطفى على مدينة حمص. أعلن البعثيون "ثورة" وفرضوا الأحكام العرفية، وبدأوا تطهيراً واسعاً للجيش والحياة العامة.
قمعوا احتجاجات شعبية في أبريل ومايو 1963، وأُعدِم خمسون متظاهراً. ثم تصدوا لمحاولة انقلاب ناصرية فاشلة في نفس السنة، أعدموا من خلالها المئات بمحاكم ميدانية. يقول مصطفى: "كان علينا أن نرهب أعداء الثورة". في فبراير 1964، قاد مصطفى دباباته في حمص لفض احتجاجات طلابية، وأصدر أحكاماً بالإعدام. بعد شهرين، قصفوا مسجداً في حماة لاقتحامه بعد أن تحصّن فيه خطيب إسلامي يدعى مروان حديد، مما أثار تمرداً شعبياً أوسع قمعوه بالقوة.
كشفت أحداث 1964 عن الصدعين الطائفي والطبقي اللذين سيؤطران الصراعات المستقبلية: الأغلبية السنية المحافظة ضد نظام الأقلية العلماني، والنخب الحضرية الثرية ضد القادمين من الريف. بدأت في المجلس العسكري الحاكم حرب خلافة وحشية. تحالف حافظ ومصطفى مع صلاح جديد، الأيديولوجي المتشدد، للانقلاب على الرئيس الشكلي أمين الحافظ في فبراير 1966، مما أسفر عن مقتل خمسين شخصاً. أصبح جديد الحاكم الفعلي وعيّن حافظ وزيراً للدفاع.
في حرب 1967، خسرت سوريا الجولان. شعر حافظ بالخطر على سلطته المتزعزعة بسبب الهزيمة. اتهم ضابطين سابقين بالخيانة، وأمر مصطفى بمحاكمتهما فوراً في منتصف الليل. حكم عليهما مصطفى رمياً بالرصاص في الثالثة صباحاً بتهمة الخيانة العظمى، وتواترت تقارير أن أحدهما كان ميتاً بالفعل من التعذيب. رقّى حافظ مصطفى من مقدم إلى لواء ورئيساً للأركان في ثمانية أشهر، مكافأة على ولائه المطلق.
عملا معاً لإضعاف صلاح جديد. قاما بتطهير الجيش من مواليه، وحصل حافظ على دعم سوفييتي بتأكيده أنه الحصان الرابح. تضاعفت المساعدات السوفييتية بين 1968 و1970. في مؤتمر طارئ للحزب في نهاية أكتوبر 1970، هاجم جديد حافظ بشدة، واتهمه بالخيانة لرفضه إرسال سلاح الجو لمساعدة الفلسطينيين في أيلول الأسود ضد الأردن. جرّد جديد حافظ ومصطفى من رتبهم، لكن حافظ كان قد أعد خطته.
قاد حافظ "الحركة التصحيحية"، معتقلاً جديداً والرئيس الشكلي. إذاع مصطفى بيان الانقلاب، وأعلن أن الحزب "حزب الفقراء والمعدمين"، ووصف الوضع بأنه كان كارثة اقتصادية: احتياطي البنك المركزي 50 مليون ليرة (14 مليون دولار)، وهرب رؤوس أموال قيمتها مليار دولار بعد مصادرة 1963. وعد حافظ بكسر العزلة وإصلاح الاقتصاد.
اختُتم الفصل بمشهد رمزي في نوفمبر 1970، حيث أحضر الابن الأصغر لمصطفى، مناف طلاس ذو الثماني سنوات، إلى مكتب حافظ. قابله حافظ وصافحه قائلاً: "هذا باسل، هو في عمرك ونفس مدرستك. أنا ووالدكما أصدقاء، ويجب أن تصبحا أنتما أيضاً صديقين". انتهى الفصل بهذه المصافحة التي أرست تحالفاً عائلياً للحكم.
3.الخلق والعقاب57–77▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على السنوات التأسيسية لحكم حافظ الأسد في سوريا، منذ وصوله إلى السلطة في نوفمبر 1970 وحتى قمعه الوحشي لانتفاضة الإخوان المسلمين في مدينة حماة عام 1982. يقدّم المؤلّف السردية الرسمية التي بنتها الدولة لقائد "منتصر" و"مُحرّر"، ليكشف من خلالها عن الطبيعة الحقيقية لنظامه: ديكتاتورية عسكرية وأمنية تقوم على عبادة شخصية مطلقة، وقمع وحشي لأي معارضة، وتحالفات مرنة مع قوى خارجية لا تخدم إلا بقاءه في السلطة. الإجابة المحورية للفصل هي أن حكم الأسد لم يكن نتاج انتصارات حقيقية، بل هو بناء متقن من الأكاذيب والخوف والمحسوبية الطائفية، والذي استُخدم فيه الصراع العربي الإسرائيلي كغطاء لتبرير القمع الداخلي.
يسير الفصل خطوة بخطوة سارداً كيف حوّل حافظ الأسد انسحاباً إسرائيلياً محدوداً من بلدة القنيطرة في يونيو 1974 بعد حرب أكتوبر 1973 إلى "عيد تحرير" أسطوري، حيث رفع العلم بنفسه واستقبلته الجماهير المنساقة بهتافات "حافظ.. حافظ". يوضح الكاتب أن هذه الحرب كانت ضرورية لحافظ الأسد سياسياً: فبالنسبة له، كانت وسيلة للحصول على السلاح السوفييتي والمال العربي لتعزيز اقتصاده، ولإسكات من اتهموه بخسارة الجولان عام 1967، ولصنع صورة بطولية على غرار جمال عبد الناصر. ومع ذلك، يشير الفصل إلى أن المفاوضات السرية مع الأمريكيين، ممثلة بـ هنري كيسنجر، كشفت صفقة ضمنية: هدوء على الجبهة الإسرائيلية مقابل حرية مطلقة في القمع الداخلي. لم يستعد الأسد شبراً من الجولان سوى بلدة مدمرة، لكنه أعلن النصر.
لتثبيت حكمه، يصف المؤلف بناء آلة دعائية وأمنية هائلة. تم تحويل حزب البعث إلى واجهة، وأنشئت منظمات شبابية وطليعية لتلقين الأطفال منذ الصف الأول الابتدائي الولاء للقائد، بما في ذلك زيّ عسكري وتدريبات شبه عسكرية. صيغت عبادة شخصية طاغية حول حافظ الأسد، أقيمت له التماثيل والمتاحف، وأصبح أي تشكيك في سلطته خيانة. يصف الفصل شبكة المخابرات الواسعة التي طُورت على طراز الـ ستازي في ألمانيا الشرقية، والتي جعلت كل سوري مراقباً من جيرانه. كل ذلك، بحسب الكاتب، غرس في نفوس السوريين خوفاً هائلاً جعلهم يعبدون من يخافونه، وصدّقوا أكاذيب النظام عن الجولان والعدو الإسرائيلي.
ينتقل الفصل ليروي تفاصيل الحياة الشخصية لعائلة الأسد خلال هذه الفترة، مقارناً بين شخصية الابن الأكبر باسل الجريء والقائد الطبيعي، وشخصية الابن الأصغر بشار الخجول والمنطوي. يصف الكاتب البيت المتواضع نسبياً في حي المالكي الدمشقي الراقي، وعلاقة الصداقة المصطنعة بين مناف طلاس وباسل الأسد كما أمر حافظ. يبرز دور أنيسة زوجة حافظ ولمياء زوجة مصطفى طلاس في إدارة شؤون العائلتين، ويشير إلى علاقة القربى التي جمعت حافظ بـ مصطفى طلاس الذي ظل نائماً في ظل النظام. تُستخدم هذه التفاصيل لتوضيح ازدواجية النظام: حياة أسرية تبدو بسيطة ومتواضعة تخفي وراءها وحشية سياسية هائلة.
يتناول الفصل المنعطفات الخطيرة التي هددت حكم الأسد بين عامي 1976 و1982. أولها كان التدخل العسكري في لبنان في صيف 1976، والذي يصفه المؤلف كاستراتيجية نموذجية: "أشعل الفتنة، ثم قدم نفسك كالحيد الوحيد لإخمادها". ثانيها وأكثرها خطورة كان التصاعد الخطير لحركة الإخوان المسلمين المسلحة منذ 1976. يصف الفصل تفاصيل مذبحة كلية المدفعية في حلب عام 1979 التي راح ضحيتها 83 طالباً علوياً، مما أشعل حرباً طائفية دموية. هنا يظهر بوضوح دور رفعت الأسد شقيق حافظ وقائد سرايا الدفاع، الذي كان الأداة العنيفة لقمع الانتفاضات في حلب وحماة. كل هذه الأحداث بررت، بحسب الكاتب، التوسع الهائل في القمع.
في تفصيله لأحداث ربيع 1980 وما بعده، يبلغ الفصل ذروته في الوصف المروع للقمع. اندلعت إضرابات ومظاهرات عارمة في معظم المدن السورية، وطالبت بإسقاط حكم الأسد. يصف المؤلف رد فعل حافظ الأسد بأنه "هستيري"، معتبراً الانتفاضة إهانة شخصية. كانت التعليمات واضحة: "اضربهم بلا رحمة". تم حشد آلاف الجنود، وأُرسل رفعت الأسد بقواته، وقُصفت أحياء كاملة في حلب بالمدفعية والصواريخ، واعتقل الآلاف، ونُفذت إعدامات ميدانية. يذكر الفصل أرقاماً تقريبية عن مقتل ما يصل إلى 2000 شخص في حلب وحدها حتى نهاية 1980. في فصل صادم، يصف الكاتب "تطهيراً" في أحد سجون تدمر بعد محاولة اغتيال حافظ الأسد، حيث أُعدم حوالي 1000 سجين من المشتبه بانتمائهم للإخوان في ليلة واحدة.
يختتم الفصل بوصف المذبحة النهائية في مدينة حماة في فبراير 1982، والتي قُتل فيها ما بين 7000 و 10000 شخص وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان، بينما يرى معارضون أن العدد يصل إلى 40,000. يصف الكاتب عمليات التطهير التي شملت قتل رجال ونساء وأطفال، وهدم أحياء كاملة بالجرافات، وتوقيع وزير الدفاع على أحكام إعدام جماعية بعد تنفيذها فعلياً لتوفير غطاء قانوني. ويختم الفصل بملاحظة قاسية: لم يحرك المجتمع الدولي ساكناً، حيث كانت واشنطن تعتبر الأسد ركيزة استقرار في المنطقة. بعد هذه المجزرة، يؤكد المؤلف أن عائلة الأسد حكمت سوريا دون منازع طوال العقود الثلاثة التالية، مستخلصةً دروساً قاسية من هذه الفترة الدموية.
يقرّ الفصل بحدود واضحة في المعلومات، أبرزها عدم وجود إحصاء دقيق لعدد ضحايا مجزرة حماة، أو العدد الإجمالي لمن أعدموا خلال فترة القمع بين نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، ويشير إلى أن التقديرات تختلف اختلافاً كبيراً. من الأسئلة المفتوحة التي يطرحها النص ضمنياً: إلى أي مدى كان الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، على علم بفظائع النظام وشارك فيها ضمناً؟ وكيف أدى الاعتماد على الحلفاء الغربيين في "الاستقرار" إلى تمكين ديكتاتورية من القتل الجماعي دون عقاب؟
من أبرز الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، فكرة أن حافظ الأسد لم يكن مجرد ديكتاتور تقليدي، بل كان مهندساً دقيقاً لاستراتيجية "الضحية والجلاد"، حيث كان هو من يخلق التهديدات (سواء كانت دينية أو علمانية أو طائفية) ثم يقدم نفسه كحامٍ وحيد منها. هذه الاستراتيجية، التي تتجلى في التدخل في لبنان وتحريض الفصائل ضد بعضها ثم قمعها كلها، تطرح تساؤلاً صعباً حول مسؤولية النظام عن إفراز التطرف الذي يدّعي محاربته.
4.الفارس الذهبي78–492▼ ملخص
ملخص فصل «الفارس الذهبي» من كتاب «الأسد أو نحرق البلد» لسام داغر
يدور هذا الفصل حول انتقال السلطة في سوريا من حافظ الأسد إلى ابنه باسل، ثم إلى الابن الثاني بشار بعد موت باسل المفاجئ، ويكشف عن الآليات التي حافظ بها النظام على تماسكه عبر مزيج من القوة العسكرية، المحاصصة الطائفية، الفساد المالي، والتحالفات الإقليمية والدولية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن النظام الأسدي تحول إلى دكتاتورية وراثية، وأن بقاءه اعتمد على ولاء مطلق من دائرة ضيقة من المقربين، وعلى استعداده لاستخدام أي وسيلة للبقاء في السلطة.
يبدأ الفصل بمشهد ليلي حاسم في شباط 1984، حين يتصل الرئيس حافظ الأسد بصديقه ووزير دفاعه مصطفى طلاس ليخبره أن شقيقه رفعت الأسد يحاول الانقلاب عليه. يوجه حافظ الأمر لطلاس بتعبئة الجيش ومواجهة أي مقاومة دون تردد، ويقول له عبارته الشهيرة: «اقتل كل من يعصيك، حتى لو كان أخي». يروي الفصل تفاصيل المواجهة الدرامية، حيث يتستر عناصر القوات الخاصة بزي نسائي ويخفون أسلحتهم في حافلات متنكرة لتجنب نقاط تفتيش رفعت. في النهاية، يثبت حافظ أن الجيش معه، ويرضخ رفعت، ويغادر سوريا مقابل 200 مليون دولار منحها إياه حافظ من صديقه معمر القذافي. يشرح المؤلف أن حافظ فضل دفع المال بدلاً من قتل أخيه تجنباً لردود فعل كارثية داخل عائلته الممتدة والطائفة العلوية.
بعد هذه الأزمة، يتحول التركيز إلى الجيل التالي. يقرر باسل الأسد و مناف طلاس (ابن مصطفى) الالتحاق بالأكاديمية العسكرية رغم معارضة عائلتيهما. يعرض المؤلف تفاصيل عن ثروة عائلة طلاس، من خلال شركة ماس التي يديرها الابن الأكبر فراس طلاس، وعن زواج ابنة مصطفى، ناهد طلاس، من الملياردير السوري الفرنسي أكرم عجّــة، واصفاً كيف استخدم مصطفى وحافظ هذه العلاقات لتحسين علاقات النظام مع الغرب، خصوصاً فرنسا. يصف الفصل زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران لدمشق في تشرين الثاني 1984، والتي اعتُبرت تطبيعاً مع النظام رغم اتهامات سوريا بالتورط في عمليات إرهابية، ويوضح المؤلف أن سوريا استخدمت الإرهاب كورقة مساومة سياسية.
يتناول الفصل كذلك سياسة النظام الخارجية، فيشرح كيف قاد حافظ حرباً ضد خصومه في الخارج عبر وحدة خاصة من المخابرات، فاغتال صحافيين في لبنان وشارك في تفجيرات في أوروبا عبر وكلاء. وفي لبنان، عمل مع إيران لتدريب مسلحين شيعة تحولوا لاحقاً لـ حزب الله، ونفذوا هجمات مميتة ضد القوات الأميركية عام 1983. يشير المؤلف إلى أن حافظ رأى في هذه العمليات وسيلة للضغط على الغرب، ثم عرض خدمات الاستخبارات مقابل تنازلات سياسية، وهو ما فعله مع الأميركيين والفرنسيين على حد سواء. في المقابل، يحكي الفصل عن شخصية مصطفى طلاس الغريبة، وهوسه بالنساء المشهورات، وكتاباته المعادية للسامية مثل كتاب «ماتزو صهيون»، لكنه يظل الرجل الأكثر ولاءً لحافظ.
مع تأمين النظام داخلياً وخارجياً، يبدأ الإعداد لوراثة باسل. في 1987، تستضيف سوريا دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط في اللاذقية بتكلفة ضخمة، ليصبح باسل بطلها وفارسها الذهبي بعد فوزه بميداليتين ذهبيتين في الفروسية. يصوّره الإعلام كزعيم واعد، وتنفق الدولة مبالغ طائلة لشراء الخيول والأندية الفخمة له. يصف الفصل شخصية باسل القوية والمتغطرسة، وصراعه مع شقيقته بشرى بسبب علاقتها بـ آصف شوكت، وحتى مع أخيه الأصغر بشار الأسد الذي كان خجولاً ومنطوياً. لكن على الجانب الآخر، يبني باسل إمبراطورية مالية ضخمة من التهريب والرشاوى والمخدرات وتهريب الآثار في سوريا ولبنان، ويؤمن ولاء كبار المسؤولين عبر إشراكهم في هذه الأعمال.
في خضم هذا الاستعداد، يموت باسل فجأة بحادث سيارة في 21 كانون الثاني 1994 بينما كان يقود سيارته بسرعة جنونية متجهاً إلى مطار دمشق. يصف الفصل مشهد حافظ الأسد المنهار وهو يقفل على نفسه مع جثة ابنه طوال الليل، وكيف تحولت جنازة باسل إلى حدث مهيب حضره رؤساء عرب. الأهم هو التحول الفوري نحو بشار الذي كان يدرس طب العيون في لندن. يستعرض المؤلف ردود فعل الأسرة والطائفة العلوية، وكيف تدافع أنصار رفعت الأسد وأنصار بشار في ساحة بلدة القرداحة بعد الجنازة مباشرة، وكيف استطاع حافظ حسم الموقف لصالح بشار عبر مخاطبة زعماء العشائر العلوية وتذكيرهم بأن بقاءهم على قيد الحياة مرهون بوحدة الصف. يوضح المؤلف أن حافظ لم يعط بشار خياراً، فأجبره على التخلي عن حلمه والعودة إلى سوريا ليكون الوريث.
يختتم الفصل بتفاصيل التدريب السريع لبشار في الكلية الحربية رغم عدم أهليته، ومنحه رتباً عسكرية كبيرة، وسجن أي معارض مثل قائد القوات الخاصة علي حيدر. يشرح المؤلف كيف أُحيط بشار بدائرة من المربين، أبرزهم محمد ناصيف («أبو وائل»)، ضابط المخابرات القاسي الذي شرف على تعذيب المعارضين، وكيف دعمته والدته أنيسة وأخوه الأصغر ماهر الأسد وصهره الجديد آصف شوكت. في النهاية، يُظهر الفصل كيف حوّل النظام باسل إلى أسطورة، وبدأ حملة إعلامية ضخمة لترويج بشار كرمز للإصلاح والتحديث، بينما يختتم الفصل بمشهد المصور السوري الذي طلب تصوير بشار بطريقة تظهره أكثر ثقة، وكأن النظام يحاول نحت زعيم جديد من مادة مختلفة عن أخيه الميت، لكنه مرغم على نفس القوالب. يقر المؤلف ضمنياً أن مسألة أهلية بشار للقيادة كانت موضع شك داخلي كبير في بداية الأمر.
25.داعش أم بشار؟571–579▼ ملخص
يطرح هذا الفصل، المعنون «داعش أم بشار؟»، سؤالاً محورياً واجهته السياسات الغربية والعالمية خلال سنوات الحرب السورية: هل أصبح الخيار محصوراً بين تنظيم داعش الإرهابي وبين بقاء بشار الأسد في السلطة؟ يجيب المؤلف بأن النظام السوري وحلفاءه نجحوا في ترويج هذه المعادلة الزائفة كأداة دعائية لإعادة تأهيل الأسد دولياً، مستغلين صعود التنظيمات المتطرفة والخوف الذي زرعته في الغرب.
يسير الفصل عبر تتبع التحولات في الخطاب الدولي والسياسات الغربية تجاه سوريا بين عامي 2015 و2016، مستخدماً أدلة من تصريحات سياسية ولقاءات دبلوماسية. يبدأ الفصل بحادثة مهمة في مارس 2016، حيث زار وفد من السياسيين الفرنسيين دمشق والتقى بالأسد، ووصفوه بأنه أصبح «أكثر استرخاءً». يورد المؤلف حواراً أجراه الأسد مع قناة فرنسا 2 في أبريل 2015، قال فيه إن «الخيار الوحيد» هو بين «داعش وبين الدولة السورية»، رافضاً وصف المعارضة المعتدلة بأنها موجودة فعلياً على الأرض. هذه الرسالة تكررت بقوة بعد هجمات باريس في نوفمبر 2015، حيث بعث الأسد رسالة تعزية إلى الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، محذراً من أن «الإرهاب الذي ضرب باريس لا يمكن فصله عن الأحداث في سوريا».
يستعرض المؤلف كيف أن هذا الخطاب وجد صدى لدى بعض الأوساط الغربية. يذكر أن بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، كتب مقالاً في ديسمبر 2015 بعنوان «دعونا نتعامل مع الشيطان»، دعا فيه إلى العمل مع بوتين والأسد لمحاربة داعش. كما يشير إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (الصادر في ديسمبر 2015)، والذي ركز على محاربة الإرهاب ولم يشر صراحة إلى رحيل الأسد كشرط للحل السياسي. في المقابل، يوثق الفصل جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات النظام وحليفه روسيا، مستشهداً بتقارير عن استخدام القنابل العنقودية ضد المدنيين في ديسمبر 2015، وحصار مدينتي مضايا وداريا اللتين عانتا المجاعة، وقصف مستشفى للأطفال في حلب في أبريل 2016، وهو ما أثار غضب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.
يركز الفصل بشكل خاص على استغلال النظام السوري للطائفية والخوف لدى الأقليات، خاصة المسيحيين. يورد المؤلف شهادات لشخصيات مسيحية، مثل البطريرك إغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك الكنيسة السريانية الكاثوليكية الذي قال إنه لم يسمع مسيحياً واحداً يؤيد الأسد، لكنهم يخافون من البديل المتمثل بـ«الإرهابيين». وينقل عن ناشطة مسيحية هي كارولين أيوب، التي اعتقلها النظام في 2012، أن ضابط الاستخبارات جميل حسن أخبرها باستغراب أن مسيحية مثلها تقف مع «المسلمين السنة الإرهابيين»، مؤكداً أن المسيحيين والعلويين والأقليات يتشاركون مصيراً واحداً. يصف الفصل كيف استغل النظام هذه المخاوف عبر زيارات دعائية للأسد وعائلته للكنائس في أعياد الميلاد، مستهدفاً كسب تأييد شخصيات يمينية متطرفة في أوروبا، مثل منظمة «** SOS Chrétiens d'Orient**» المتهمة بأن لها صلات باليمين المتطرف.
يقدم الفصل أيضاً قصة مناف طلاس، المنشق البارز عن النظام وصديق طفولة الأسد، كحالة تكشف محاولات فاشلة لإيجاد بديل. يصف طلاس لقاءاته مع مسؤولين غربيين في 2016، حيث كان يحذر من أن الخيار بين داعش والأسد ليس حقيقياً، وأن النظام هو الذي خلق هذا التطرف ليبقى في السلطة. لكن محاولاته لتوحيد فصائل المعارضة تحت قيادة موحدة فشلت، ليس فقط بسبب تعنت النظام وروسيا، بل وأيضاً بسبب انقسامات المعارضة وارتياب الغرب. يختتم الفصل بسقوط شرق حلب في ديسمبر 2016 بعد حملة تدميرية روسية-سورية مكثفة، مع وصف صارخ لمأساة طفل اسمه أمير عُثر عليه مصاباً بالصدمة تحت الأنقاض، وصورة الطفل عمران دقنيش في أعقاب غارة جوية، والتي أصبحت رمزاً لمعاناة حلب.
في ذيل الفصل، يقر المؤلف بوجود حدود واضحة في روايته. فهو لا يقدم تحليلاً اقتصادياً عميقاً لأسباب الحرب، بل يركز على السردية السياسية والدعائية. الأسئلة التي يتركها مفتوحة تتعلق بفعالية السياسات الغربية التي تذبذبت بين التدخل والانسحاب، وبمدى نجاح محاولات فصل المعارضة المعتدلة عن المتطرفين في ظل غياب إرادة دولية حقيقية. حجة قابلة للنقاش بوضوح في النص هي الزعم بأن النظام لم يرتكب إبادة أو جرائم ضد المسيحيين بشكل ممنهج مثلما فعل تنظيم داعش، مما جعله يبدو كحامٍ لهم رغم قمعه الوحشي لجميع السوريين، وهو تبرير أخلاقي يرفضه كثيرون باعتباره تبريراً لجرائم النظام.