
أبناء العشائر في دير الزور من الإستقرار إلى الثورة
ملخص كتاب "أبناء العشائر في دير الزور من الاستقرار إلى الثورة"
يدور الكتاب حول العلاقة المعقدة بين البنية العشائرية في محافظة دير الزور وسياسات الدولة السورية المتعاقبة، وصولاً إلى اندلاع الثورة السورية. يقدم المؤلف رؤية مفادها أن الهويات العشائرية لم تكن غائبة في المجتمع السوري، بل كانت موجودة بدرجات متفاوتة، لكنها توارت عن الظهور الإعلامي. مع ضعف سلطة الدولة وانحسارها خلال الثورة، برزت هذه الهويات كمعطى اجتماعي وسياسي-عسكري بشكل نافر. يرى الكتاب أن هذا البروز هو نتيجة لسياسات الأنظمة المتعاقبة التي تلاعبت بالبنى العشائرية، بالإضافة إلى غياب المساواة في الحقوق واستبعاد مناطق العشائر من مشاريع التنمية.
ينتقل الكتاب في سرد حجته من خلال قسمين رئيسيين. القسم الأول يركز على التحولات التاريخية التي طرأت على البنية العشائرية منذ العهد العثماني. يصف كيف ساهمت سياسات التوطين وتوزيع الأراضي في تحويل العشائر من كيانات متنقلة إلى مجتمعات زراعية مستقرة، مما أدى إلى نشوء طبقة إقطاعية من شيوخ العشائر. ثم يتابع كيف استمرت السياسات الفرنسية في تعزيز هذه التصدعات، قبل أن يصل إلى تحول جذري مع وصول حزب البعث إلى السلطة، حيث أدى قانون الإصلاح الزراعي إلى تقويض سلطة شيوخ العشائر الاقتصادية والسياسية بشكل كبير، ونقلها إلى الدولة. أما القسم الثاني فيتناول ديناميكيات الصراع خلال الثورة السورية، ويبحث في أسباب الاقتتال العشائري الناجم عنها، ويحاول تحديد عوامل السلم الأهلي في المحافظة من خلال استبيان موسع ومقابلات مع أبناء العشائر.
يتضمن الكتاب وقائع وأرقاماً لافتة. يبدأ بتحديد التركيبة السكانية، حيث يبلغ عدد سكان المحافظة 1,692,000 نسمة وفق إحصاءات 2011، ويعمل 43% منهم في قطاع الزراعة. يذكر الكتاب أن محافظة دير الزور هي ثاني أكبر محافظة سورية بمساحة 33 ألف كم². من الوقائع المهمة، التفصيل الدقيق لسياسات نظام الأسد تجاه العشائر، والتي تمثلت في ثلاثة مستويات: توزيع الأدوار واستيعاب رموز المشيخات في مجلس الشعب (مثل منح خليل عبود الهفل مقعداً دائماً)، وسياسة التمييز الاجتماعي ضد عشائر كانت لها مواقف سياسية سابقة (مثل الشعيطات والبوليل بسبب ارتباطها بحركة الإخوان المسلمين)، وأخيراً تعزيز نفوذ أجهزة الدولة عبر استيعاب أبناء العشائر في حزب البعث والنقابات لتشكيل طبقة من الفاعلين الاجتماعيين الجدد لمنافسة المشيخة التقليدية. يشير الكتاب إلى أنه على الرغم من أن هذه السياسات أضعفت سلطة الشيوخ، إلا أنها لم تلغ رمزيتهم الاجتماعية، واستمروا في لعب دور في المصالحات وحل المشكلات.
يصف الكتاب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية لأبناء العشائر، والتي شكلت أرضية خصبة للثورة. فقد أدى رفع الدعم الحكومي عن الزراعة، ومواسم الجفاف بين عامي 2007 و2010، وارتفاع البطالة إلى 34%، إلى تدهور حاد في المستوى المعيشي. ويشير التقرير إلى أن مناطق شمال شرق سوريا تضم أعلى معدلات الفقر، حيث تبلغ نسبة الفقراء هناك 35.8% من عموم السكان. كما أن محافظة دير الزور كانت من المحافظات الطاردة للسكان، حيث بلغ معدل المغادرة منها 3.9% و9.3% خلال تعدادي 1994 و2004. كل هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى الحساسية السياسية لدى أبناء العشائر المتعلمين، دفعتهم إلى الانخراط في الثورة.
لم يخلُ الكتاب من تحفظات وأسئلة مفتوحة. يقر المؤلف بأنه لا يمكن التعاطي مع العشيرة على أنها بنية متجانسة، مشيراً إلى التحولات العميقة التي طالت بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر الزمن. كما يقر بصعوبة الجزم بأن تفكيك البنى العشائرية من قبل نظام الأسد كان بناءً على قرار سياسي مدروس، لكنه يستنتج من السياسات المتبعة أن النظام كان متوجساً من تهديد العشائر، وأن طبيعة الخلافات العشائرية المستمرة ساعدته في السيطرة عليها. ترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول ديناميكيات الصراع المستقبلية، ومدى نجاح عوامل السلم الأهلي التي يحاول استجلاءها، مشيراً إلى أن البحث في هذا القسم يعتمد على استبيان ومقابلات يجري تحليلها.
يقدم الكتاب حججاً قابلة للنقاش، أبرزها التفسير المزدوج لبروز الهويات العشائرية: هل هو نتيجة حتمية لسياسات الدولة الاستبدادية، أم هو ناتج عن تواجد التيارات الإسلامية الجهادية في المنطقة؟ الكتاب يتبنى موقفاً وسطاً، معتبراً أن العاملين لعبا دوراً، لكنه يركز بشكل أساسي على دور سياسات النظام القمعية والإقصائية في إعادة إنتاج هذه الهويات كرد فعل. هذه النقطة بالتحديد، أي التركيز على دور السلطة في تشكيل الهويات الاجتماعية، هي التي تثير نقاشاً حول مدى فعالية ووعي الفاعلين الاجتماعيين من أبناء العشائر في تشكيل مصيرهم بعيداً عن تأثير الدولة.