
Between Arab and White
يطرح كتاب "Between Arab and White" لسارة م. غوالتيري إشكالاً محورياً حول كيفية تصنيف المهاجرين السوريين عرقياً في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وكيف أسهموا هم أنفسهم في تشكيل هذا التصنيف. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن السوريين لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين للتصنيفات العرقية الأمريكية، بل لعبوا دوراً فاعلاً في المطالبة بالبياض القانوني والاجتماعي، وذلك في سياق أوسع من الهجرة والشتات والقومية الناشئة. تبدأ القصة بحالة قضائية محددة في ديسمبر 1909، حين رفع المهاجر السوري كوستا جورج نجور البالغ من العمر 23 عاماً دعوى في محكمة أتلانتا circuit court للمطالبة بالجنسية الأمريكية، والتي كانت محصورة على "الأشخاص البيض" أو "ذوي الأصول الأفريقية". دفع محامو الحكومة بأن نجور ليس أبيض بل "آسيوي"، إلا أن القاضي حكم بأن السوريين من العرق القوقازي، مما جعل نجور أول سوري يثبت بياضه قانونياً في محكمة فيدرالية. لكن الجدل حول التصنيف العرقي استمر، فبين عامي 1878 و1952، تقدم مهاجرون من أصول متنوعة بطلبات جنسية، لكن قضايا السوريين مثلت ما يقرب من ثلث قضايا "الشرط المسبق للعرق" التي نُظرت في المحاكم الفيدرالية بين 1909 و1923، وهو حضور غير متناسب مع حجم مجتمعهم الصغير.
تعزو المؤلفة هذا الإفراط في التمثيل إلى قدرة السوريين على استخدام مزيج من "المعرفة العلمية" و"المعرفة العامة" لتحديد الفروق العرقية، وهو توتر حاولت المحاكم حله غالباً لصالح "الرجل العادي". يوضح الكتاب أن نجاح السوريين في إثبات بياضهم جاء من قدرتهم على تشكيل أنفسهم كـ "آخرين" بالمقارنة مع الجماعات غير البيضاء، مستخدمين دينهم المسيحي وحضارتهم كدليل على صلاحيتهم، متفادين المصير الكارثي الذي حلّ بآخرين كسحب الجنسية منهم كما حدث في قضيتي أوزاوا (1922) وتاكاو سينغ ثيند (1923). قام السوريون بجهود جماعية منظمة، فجمعوا المال واستأجروا محامين وشكلوا جمعيات للضغط من أجل بياضهم، حيث كانت قضايا العرق أول حافز للتنظيم على مستوى وطني يتجاوز الانقسامات الدينية. يستشهد الكاتب بـ سلوم مكرزل، محرر صحيفة سورية أمريكية، الذي قال إن السوريين في 1928 "شعروا بالإهانة من هذا الازدراء لعرقهم وتوحدوا". في المقابل، استخدم المشككون في بياضهم، مثل السيناتور ف. م. سيمونز من كارولينا الشمالية، وصفات مثل "الحثالة الآسيوية"، كما استخدمت جماعة كو كلوكس كلان العنف والترهيب ضدهم، كمهاجمة منزل عائلة سورية في ليك سيتي، فلوريدا عام 1929.
تنتقد المؤلفة النهج "الاحتفالي" التقليدي في دراسات الهجرة الذي ركز على الاندماج الناجح متجنباً مناقشة العرق، وتشير إلى تطور في التسعينات حيث بدأ علماء مثل نادين نابر وثيلما سيلز في تحدي القبول غير النقدي للبياض، وطرحوا مصطلحات مثل "البيض الفخريون" و"ليسوا بيضاً تماماً" لوصف تجربة العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. يؤرخ الكتاب لاستخدام مصطلح "سوريا"، موضحاً أنها كانت منطقة جغرافية تاريخية تحت الحكم العثماني، حيث يُقدر أن ما يصل إلى ثلثمائة ألف شخص غادروا جبل لبنان وحده (حوالي ثلث سكانه) إلى الأمريكتين بحلول 1914. تتناول المؤلفة الأسطورة الفينيقية التي تقدم الهجرة كصفة متأصلة في الشخصية السورية، ناقضة إياها بحجج تاريخية واقتصادية، فالهجرة لم تكن نتيجة "روح فينيقية" بل نتاج تحولات بنيوية عميقة شملت الحرب الأهلية في جبل لبنان عام 1860، والنمو السكاني، والتغيرات في قطاع الحرير الذي كان موجهاً للتصدير إلى فرنسا، ثم انهيار هذه الصناعة مما دفع الفلاحين والتجار المثقلين بالديون للبحث عن فرص في الخارج.
ينتقل الكتاب لتحليل قوانين التجنيس، موضحاً كيف استخدم المهاجرون السوريون قانون 1790 الذي قصر الجنسية على "الأشخاص البيض الأحرار" للمطالبة بالبياض. كانت المخاوف الصحية، وخصوصاً مرض التراخوما، تشكل كابوساً للمهاجرين السوريين، حيث يكشف الكتاب عن عمليات ابتزاز منظمة على الحدود مع المكسيك، إذ كان مسؤولون أميركيون كـ إدوارد د. سينكس يتقاضون أموالاً من السوريين "لعلاجهم". وسط هذا المناخ، تروي المؤلفة قصة أول قضية قانونية منظمة، وهي قضية جورج شيشيم في لوس أنجلوس عام 1909، حيث حكم القاضي لصالحه مستنداً لتعريف "الرجل العادي". ثم تأتي قضية كوستا نَجور في أتلانتا التي شكلت نقطة تحول، حيث طلب المحامي من نجور خلع قميصه لإظهار لون بشرته، لكن القاضي نيومان رفض هذا واستند لتصنيفات "علمية". على النقيض، في قضية جورج داو في ساوث كارولينا عام 1913-1914، رفض القاضي سميث منحه الجنسية معتبراً السوريين "آسيويين" وليسوا من أصول أوروبية، مستخدماً منطق "القصد التشريعي" و"المعرفة العامة".
تحولت الصحافة العربية إلى ساحة جدل حول العرق، حيث بدأ زعماء الجالية مثل نجيب السرغاني بالتمييز ضد السود والآسيويين، مصرّين على أن السوريين "قوقازيون خالصون". انتهى النزاع القانوني لصالح السوريين بعد قرارات المحكمة العليا في قضيتي أوزاوا وثيند، وقانون 1917 الذي استبعد آسيا من الهجرة لكنه لم يشمل سوريا ضمن "المنطقة المحظورة الآسيوية"، مما عزز وضعهم مؤقتاً. يخصص الكتاب فصلاً لإعدام نولا رومي في ليك سيتي بولاية فلوريدا في 17 مايو 1929، محاولاً فهم كيف أقدم حشد من البيض على إعدام رجل وصفته الصحف المحلية بأنه "أبيض". كانت ولاية فلوريدا لديها أعلى نسبة إعدامات للفرد في البلاد بين عامي 1921 و1946، وشهدت 61 حالة إعدام. تروي القصة مشادة بين فاني رومي ورئيس الشرطة جون إف. بيكر، تطورت إلى إطلاق نار قتلت فيه فاني بيكر وقتلت الشرطة نولا، ثم استُخرج جثمان نولا من سجن المقاطعة وأُعدم رمياً بالرصاص من قبل حشد من المواطنين. يجادل الفصل بأن إعدام نولا كشف عن هويته "الوسطية" غير المستقرة، فهو "غريب" ببشرته الداكنة ولغته العربية مما جعله عرضة للعنف مثل السود، لكنه يمتلك بياضاً قانونياً يجعله مؤهلاً للجنسية، مما جعل إعدامه استثنائياً.
يطرح الكتاب سؤالاً مهماً: "هل أصبح السوري زنجياً؟"، ويحلل كيف أن رد فعل النخبة السورية كان التأكيد على بياضهم وتمييز أنفسهم عن الأمريكيين من أصل أفريقي، مما ساهم في إعادة إنتاج النظام العنصري نفسه بدلاً من تحديه. يتناول الكتاب أيضاً تحول مؤسسة الزواج، حيث أصبح الزواج ساحة مركزية للنقاش حول الهوية والاندماج والعرق. تعاملت النخب السورية مع أزمة السلطة الأبوية من خلال الدعوة إلى الزواج داخل المجموعة كأساس للحفاظ على الشرف، بينما كان الزواج من غير السوريين يُعتبر تهديداً. يذكر الكتاب مسرحية وفيلم "آنا تصعد" عام 1921 و1924، الذي يروي قصة فتاة سورية تهرب من حيها السوري وتصبح أمريكية من خلال الزواج من رجل أبيض ثري، محاولاً المؤلف أن نجاح الفيلم لم يأتِ من كسر الصورة النمطية للعرب، بل من تعزيز نموذج الاندماج القائم على المحو الثقافي.
في خاتمة الكتاب، تتتبع المؤلفة تطور هوية "العربي الأمريكي" من هوية "سوري" ضيقة إلى هوية أوسع، مؤكدة أن هذه الهوية لم تكن حتمية بل نتاج نضالات سياسية وتحولات ديموغرافية. يبدأ الظهور الأول لمصطلح "عربي أمريكي" في عام 1944 عندما اجتمع 150 مندوباً في نيويورك لتشكيل "معهد الشؤون العربية الأمريكية" كرد فعل على المؤتمر الصهيوني في بالتيمور 1942. تدفقت هجرات جديدة بعد 1945 مدفوعة بحروب المنطقة، فحرب 1948 شردت 800,000 فلسطيني، والحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) أدت لهجرة 990,000 شخص. كانت حرب الأيام الستة عام 1967 الأكثر تأثيراً، حيث حفزت شريحة واسعة للعمل السياسي، وفي آب 1967 تأسست رابطة خريجي الجامعات العرب (AAUG). تشير المؤلفة إلى أن النشطاء العرب الأمريكيين تعرضوا للمراقبة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ضمن عملية سُميت "عملية بوليفاردا"، وبلغت موجة العنف ذروتها باغتيال أليكس عودة، مدير اللجنة الأمريكية العربية لمناهضة التمييز (ADC)، بقنبلة في مكتبه في 11 تشرين الأول/أكتوبر 1985.
يناقش الكتاب الجدل حول التصنيف العرقي في التعداد السكاني، ففي عام 1993 أدلت هيلين سامحان بشهادتها أمام الكونغرس حول عدم كفاية التصنيفات التي تضع العرب مع البيض. كشف تقرير صدر في 2003 عن تعداد السكان العرب بـ 1.2 مليون نسمة، وهو رقم أقل من التقديرات البالغة 3.5 ملايين، وأظهر أن 1 من كل 5 عرب لا يعتبر نفسه أبيضاً، مما يشير لتحول نحو هوية "ملونة". يقرّ المؤلف في النهاية بحدود الدراسة، مشيراً إلى أن التركيز على قضايا المحاكم لا يكفي وحده لشرح إنتاج الفئات العرقية، وأن فصل قصة الهجرة عن قضايا العرق في بلدان أخرى يجعل الفهم ناقصاً. يمكن القول إن الكتاب يقدم نقداً قوياً لفكرة "بوتقة الانصهار" الأمريكية، موضحاً أن الاندماج كان مشروطاً بتقبل التسلسل الهرمي العرقي، وأن البياض ليس فئة بيولوجية بل بناء تاريخي يتم التفاوض عليه، تاركاً أسئلة مفتوحة حول عواقب هذه الخيارات على الهويات العربية الأمريكية وعلاقاتها مع المجموعات العرقية الأخرى.
الأشخاص
الفصول(9)
1.مقدمة18–37▼ ملخص
يقدّم هذا الفصل، وهو مقدمة كتاب "Between Arab and White" لسارة م. غوالتيري، إشكالاً مركزياً حول كيفية تصنيف المهاجرين السوريين عرقياً في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وكيف أسهموا هم أنفسهم في تشكيل هذا التصنيف. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن السوريين لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين للتصنيفات العرقية الأمريكية، بل لعبوا دوراً فاعلاً في المطالبة بالبياض القانوني والاجتماعي، وذلك في سياق أوسع من الهجرة والشتات والقومية الناشئة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة محاور رئيسية. يبدأ بحالة قضائية محددة: في ديسمبر 1909، رفع المهاجر السوري كوستا جورج نجور (23 عاماً) دعوى في محكمة أتلانتا circuit court للمطالبة بالجنسية الأمريكية، والتي كانت آنذاك محصورة على "الأشخاص البيض" أو "الأشخاص ذوي الأصول الأفريقية". دفع محامو الحكومة بأن نجور ليس أبيض بل "آسيوي"، إلا أن القاضي حكم بأن السوريين من العرق القوقازي، وبالتالي هم بيض، مما جعل نجور أول سوري يثبت بياضه قانونياً في محكمة فيدرالية أمريكية. يعلق الفصل على أن الجدل حول التصنيف العرقي للسوريين لم ينتهِ بهذه القضية، بل استمر.
يوضح الفصل أن قضايا السوريين لم تكن فريدة؛ فبين عامي 1878 و1952، تقدم مهاجرون من أصول صينية ويابانية وهندية وأرمينية وهاوايية وفلبينية بطلبات جنسية مماثلة. لكن قضايا السوريين مثلت ما يقرب من ثلث قضايا "الشرط المسبق للعرق" التي نُظرت في المحاكم الفيدرالية بين 1909 و1923، وهو حضور غير متناسب مع حجم مجتمعهم الصغير نسبياً كان له عواقب بعيدة المدى. يطرح المؤلف سؤالاً حول سبب هذا الإفراط في التمثيل، ويجد الإجابة في كيفية تجسيد السوريين للعرق ودفاعهم عنه باستخدام مزيج من "المعرفة العلمية" و"المعرفة العامة" لتحديد الفروق العرقية، وهو توتر حاولت المحاكم حله غالباً لصالح "الرجل العادي".
يتناول الفصل بالتحليل حجج الطرفين: الاعتماد على التصنيفات العلمية (مثل تقسيم لينيوس للجنس البشري إلى أربعة أقسام) مقابل المعرفة العامة، وصولاً إلى قرارات المحكمة العليا في قضيتي أوزاوا (1922) وتاكاو سينغ ثيند (1923)، حيث رفعتا شرط البياض عن اليابانيين والهنود. يوضح أن نجاح السوريين في إثبات بياضهم جاء من قدرتهم على تشكيل أنفسهم كـ "آخرين" بالمقارنة مع الجماعات غير البيضاء، مستخدمين دينهم (المسيحية) وحضارتهم كدليل على صلاحيتهم، متفادين المصير الكارثي الذي حلّ بالآخرين كسحب الجنسية منهم.
يتوسع الفصل ليشمل جهوداً جماعية منظمة؛ فالسوريون جمعوا المال واستأجروا محامين وشكلوا جمعيات للضغط من أجل بياضهم. كانت قضايا "الشرط المسبق للعرق" أول حافز للتنظيم على مستوى وطني يتجاوز الانقسامات الدينية. يستشهد الكاتب بـ سلوم مكـارزل، محرر صحيفة سورية أمريكية، الذي قال إن السوريين في 1928 "شعروا بالإهانة من هذا الازدراء لعرقهم وتوحدوا". كان دليلهم يشمل النجاح الاقتصادي وامتلاك الممتلكات كدليل على القدرة على الاندماج. في المقابل، استخدم المشككون في بياضهم، مثل السيناتور ف. م. سيمونز من كارولينا الشمالية، وصفات مثل "الحثالة الآسيوية". كما استخدمت جماعة كو كلوكس كلان العنف والترهيب ضد السوريين، كمهاجمة منزل عائلة سورية في ليك سيتي، فلوريدا، عام 1929. يؤكد الكاتب أن البياض لم يكن مضموناً بمجرد انتصارات المحاكم، بل ظل غير مستقر أو "تحت المراقبة".
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى أطر نظرية أوسع. يناقش مفهوم "التعرق" بوصفه عملية تاريخية، مستشهداً بتجربة الأفارقة في أمريكا وكيف تم تحويلهم إلى عرق من خلال العبودية، وكيف أصبح البياض علامة على "الحرية". يشير إلى دراسات البياض النقدية التي تبحث في كيفية بناء البياض كملكية ومنفعة مادية. ويرى أن السوريين مجموعة مثالية للدراسة من خلال عدسة البياض لأنهم لم تكن لديهم هويات عرقية راسخة قبل الهجرة، لكنهم بدأوا في تقدير البياض بمجرد وصولهم للولايات المتحدة، حيث كانت هوياتهم الأولية دينية وعائلية وليست عرقية.
يخصص الفصل قسماً للدراسات العربية الأمريكية الناشئة، مشيراً إلى أنها نادرة نسبياً، وتأثرت بالمناخ السياسي بعد حرب 1967 والصور النمطية السلبية في هوليوود والكتب المدرسية. ينتقد الكاتب النهج "الاحتفالي" التقليدي في دراسات الهجرة الذي ركز على الاندماج الناجح (إتقان الإنجليزية، امتلاك المنازل، النجاح المالي)، متجنباً مناقشة البياض وداخل الجماعة. يذكر أن علماء مثل أليكسا نافع نظروا لقضايا العرق على أنها مجرد عائق تم التغلب عليه. لكنه يشير إلى تطور جديد في التسعينات حيث بدأ علماء مثل نادين نابر وثيلما سيلز في تحدي القبول غير النقدي للبياض، وطرحوا مصطلحات مثل "البيض الفخريون" و"ليسوا بيضاً تماماً" لوصف تجربة العرب والمسلمين، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
يعيد الفصل تعريف مفهوم "الوطن" ليس كمكان مغادرة فحسب، بل كواقع حي في خيال المهاجرين وحياتهم اليومية. يقدم مثالاً شخصياً من عمله الميداني مع مهاجر سوري في الأرجنتين يدعى أحمد، الذي حافظ على هويته السورية وعلاقاته عبر الرسائل والزيارات، موضحاً كيف أن الشتات ليس مجرد مكان منفصل بل مساحة من التبادل المستمر. يصف الكتاب عملية "التعرق العرقي" كبناء للهوية الجماعية ليس كاستيعاب أو مجرد نقل للعادات، بل كعملية تفاعل واختيار وتكيف لتصبح "سورياً أمريكياً".
أخيراً، يؤرخ الفصل لاستخدام مصطلح "سوريا"، موضحاً أنها لم تكن دولة موحدة بل منطقة جغرافية تاريخية (سوريا الكبرى) تحت الحكم العثماني، تمتد من جبال طوروس إلى سيناء. انقسمت إدارياً إلى ولايات (حلب، دمشق، بيروت) ومتصرفيات (القدس، جبل لبنان). في 1914، يُقدر أن ما يصل إلى ثلثمائة ألف شخص غادروا جبل لبنان (حوالي ثلث سكانه) للأمريكيتين. يستخدم الكتاب مصطلح "سوري" ليشمل القادمين من هذه المنطقة الجغرافية الواسعة، مع تركيز خاص على المهاجرين إلى الولايات المتحدة.
يقرّ المؤلف بحدود وتحفظات. فهو يشير إلى أن التركيز على قضايا المحاكم لا يكفي وحده لشرح إنتاج الفئات العرقية، وأن هذه القضايا كانت جزءاً من تفاعلات أوسع في المتاجر وورش العمل. كما يعترف بأن فصل قصة الهجرة عن قضايا العرق والمواطنة في بلدان أخرى (مثل البرازيل وأستراليا ونيوزيلندا) يجعل من المستحيل فهم المشاركات السورية في العرق في الولايات المتحدة بشكل كامل، مشيراً إلى أن السوريين في أمريكا وعدوا بمساعدة نظرائهم في نيوزيلندا في معركتهم من أجل الجنسية. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تصنيف فئة "أمريكي من أصول عربية" في التعداد السكاني، وكيف ستتشكل التحالفات المستقبلية مع جماعات ملونة أخرى.
1.من الهجرة الداخلية إلى الهجرة الدولية38–68▼ ملخص
يطرح هذا الفصل موضوع التحول في أنماط الهجرة السورية من الهجرة الداخلية داخل الإمبراطورية العثمانية إلى الهجرة العابرة للمحيط الأطلسي باتجاه الأمريكتين، ويعالج المؤلفة الأسطورة الفينيقية التي تقدم الهجرة كصفة متأصلة في الشخصية السورية، ناقضةً إياها بحجج تاريخية واقتصادية واجتماعية. تقدم المؤلفة إجابة واضحة مفادها أن هجرة السوريين إلى الخارج لم تكن نتيجة "روح فينيقية" مفترضة، بل نتاج تحولات بنيوية عميقة شملت الحرب الأهلية في جبل لبنان عام 1860، والنمو السكاني السريع، والتغيرات في العلاقات الاقتصادية وخصوصاً في قطاع الحرير، والتي أعادت توجيه الاقتصاد السوري نحو السوق العالمية.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تفكيك الرواية الفينيقية التي روجتها نخب لبنانية مسيحية في فترة ما بين الحربين العالميتين بهدف بناء هوية لبنانية متميزة عن العربية والإسلامية. ينتقل بعد ذلك إلى استعراض أنماط الهجرة الداخلية في سورية العثمانية قبل الهجرة الدولية، مثل الترحيل القسري وتشجيع الدولة على الاستيطان في المناطق الحدودية، وهجرة العمال الموسميين والتجار والحجاج. ثم يركز الفصل على حرب 1860 كحدث مفصلي، ليس لأنه دفع مسيحيين للهجرة خوفاً، بل لأنه خلق موجة لجوء هائلة إلى بيروت وغيرها من المناطق، مما أدى إلى إعادة تشكيل ديموغرافية المدينة وتحويلها إلى مركز تجاري ومالي مزدهر، وجذب إليها أعداداً كبيرة من العمال من الجبال. يشرح الكاتب أيضاً الهجرات القسرية الكبرى من القوقاز (الشركس) والبلقان إلى سورية بعد الحروب العثمانية الروسية، والتي أسهمت في تغيير الخريطة السكانية.
يخصص الفصل قسماً هاماً لتحليل تأثير صناعة الحرير، التي كانت موجهة بالكامل لتصدير الحرير الخام إلى فرنسا (خاصة ليون). يوضح كيف أن الطفرة في صناعة الحرير خلقت شبكة مالية وتجارية معقدة ربطت مزارعي التوت والتوت في الجبال بالبنوك والتجار في بيروت وبالأسواق الأوروبية. لكن انهيار هذه الصناعة بسبب الأمراض التي أصابت ديدان القز والمنافسة من الحرير الآسيوي بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، ترك الفلاحين وأصحاب المصانع والتجار مثقلين بالديون، مما دفعهم للبحث عن فرص جديدة في الخارج، وهكذا أصبحت الهجرة حلاً للديون وليس مجرد مغامرة.
ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن بدايات الشتات السوري، مشيراً إلى دور ميناء بيروت المُعاد بناؤه في 1894 كبوابة للهجرة، وخدمات البواخر ووكلاء السفر التي سهلت التنقل. يناقش الفصل أيضاً دور المعارض العالمية (فيلادلفيا 1876، شيكاغو 1893، سانت لويس 1904) في جذب المهاجرين الأوائل، لكنه يحذر من المبالغة في تأثيرها كعامل جذب رئيسي، مؤكداً أن المهاجرين كانوا يذهبون أيضاً إلى وجهات أخرى مثل الأرجنتين والبرازيل التي قدمت حوافز أفضل. في الأرجنتين، تضاعفت أعداد الوافدين السوريين أحياناً مقارنة بالولايات المتحدة، مستفيدين من سياسات الهجرة الميسرة. بينما في البرازيل، لعب حج مسيحي إلى الأراضي المقدسة وحماس الإمبراطور دوم بيدرو دوراً في تحفيز الهجرة المبكرة.
يتناول الفصل محاولات الدولة العثمانية للسيطرة على الهجرة أو منعها، خوفاً من فقدان الرعايا ومن تمويل حركات المعارضة في الخارج. لكن هذه الجهود كانت غير فعالة، واستمرت الهجرة عبر المهربين، إلى أن قامت الحكومة بتخفيف القيود في 1898 مقابل دفع رسوم للإعفاء من الخدمة العسكرية. يؤكد الفصل أن الهجرة لم تكن دائماً دائمة، بل كان العديد من المهاجرين يعتزمون العودة بعد جمع المال، وكانت التحويلات المالية التي يرسلونها تساهم في بناء المستشفيات والمدارس وشراء الأراضي في قراهم الأصلية.
أما في القسم الأخير، فيركز الفصل على تركيبة الموجة الأولى من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن حوالي 32% منهم كانوا من النساء بين عامي 1899 و1914، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بجماعات مهاجرة أخرى. تعرض المؤلفة قصصاً لنساء مثل سلطانة الكازين التي تزوجت في أمريكا رغم أنها كانت مخطوبة لرجل في قريتها، وآنّا ميدليج الأرملة التي أدارت أعمالاً تجارية في كندا وتنافست مع شركة خليج هادسون. كما تناقش المؤلفة صعوبة تقدير أعداد المهاجرين بدقة بسبب اختلاف الإحصاءات، ففيما سجلت دائرة الهجرة الأمريكية دخول 56,909 سورياً بين 1899 و1910، قدرهم إحصاء 1910 بـ 46,727، بينما قدرهم المؤرخ فيليب حتي بـ 200,000 بحلول 1924. يختتم الفصل بوصف حياة الجالية السورية الأولى في نيويورك، حيث تركزوا في شارع واشنطن في الجانب الغربي السفلي، واشتغلوا بالبيع المتجول والحرف الصغيرة قبل أن ينتقلوا إلى بروكلين لشراء المنازل وتأسيس المؤسسات الدينية. يقر الفصل بأن المجتمعات السورية الأولى كانت مسيحية في الغالب (موارنة، أرثوذكس، بروتستانت) مع وجود أعداد قليلة جداً من المسلمين واليهود.
يمكن القول إن قوة الفصل تكمن في نقضه للأسطورة الفينيقية وتقديمه بديلاً مادياً وتاريخياً متيناً يفسر الهجرة كنتاج لتفاعل معقد بين العوامل الاقتصادية والسياسية والديموغرافية. إلا أن بعض الحجج المتعلقة بالدور الحاسم للهجرة الداخلية إلى بيروت في تمهيد الطريق للهجرة الخارجية قد تظل مفتوحة للنقاش، فهل كان هذا التحول حتمياً؟ كما أن الاعتماد على "القصص الشفوية" كمصدر رئيسي، رغم ثرائها، قد يثير تساؤلات حول مدى تمثيليتها للجميع، خاصة لمن لم يتركوا أثراً في السجلات أو الروايات الأسرية.
2.المطالبة بالبياض: السوريون وقانون التجنيس69–97▼ ملخص
يسعى هذا الفصل إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف استخدم المهاجرون السوريون إلى الولايات المتحدة الأميركية في مطلع القرن العشرين قوانين التجنيس للمطالبة بالبياض (whiteness) كشرط أساسي لنيل الجنسية الأميركية، وكيف تشكلت هويتهم العرقية في سياق قانوني واجتماعي عنصري. يوضح الكتاب أن النقاش لم يكن مجرد مسألة قانونية جافة، بل كان صراعاً حول تعريف "البياض" نفسه، وهو مفهوم ثبت أنه مرن ومتناقض ومشروط بالظروف السياسية والاجتماعية.
يبدأ الفصل بتقديم السياق العام للأميركية في أوائل القرن العشرين، وهي فترة اتسمت بتصاعد النزعة النفعية (Nativism) والمخاوف من "الخطر الأجنبي". يشرح الكاتب أن قانون التجنيس لعام 1790، الذي قصره على "الأشخاص البيض الأحرار"، أصبح الساحة الرئيسية لتحديد من يمكنه الانتماء إلى الأمة. كان السوريون، وهم مهاجرون من إمبراطورية عثمانية غير أوروبية، يواجهون تحدياً كبيراً لإثبات أنهم يندرجون تحت هذا التعريف.
يتناول الفصل العوامل التي جعلت قضية السوريين محط جدل متزايد، وعلى رأسها المخاوف الصحية. كان مرض التراخوما (الرمد الحبيبي)، وهو مرض معدٍ يسبب العمى، يشكل كابوساً للمهاجرين السوريين. يستشهد الكاتب بحالة إيلي أ. ب الذي فصل عن والده لمدة عشرة أشهر بسبب إصابته بالمرض، ويكشف عن عمليات ابتزاز منظمة على الحدود مع المكسيك، حيث كان مسؤولون أميركيون كـ إدوارد د. سينكس يتقاضون أموالاً من السوريين "لعلاجهم" ومنحهم تصاريح الدخول. هذه التجربة جعلت السوريين يدركون أن "المرض" أصبح مبرراً لتصنيفهم كمجموعة غير مرغوب فيها.
وسط هذا المناخ، ينتقل الفصل إلى قلب الموضوع: التقاضي أمام المحاكم لإثبات البياض. يروي قصة أول قضية قانونية منظمة، وهي قضية جورج شيشيم في لوس أنجلوس عام 1909. شيشيم، وهو شرطي سوري، رفع دعوى بعد أن اعترض محامٍ بارز على توقيفه لابنه بدعوى أن شيشيم ليس أبيض. اعتمد القاضي هيوتن في حكمه لصالح شيشيم على أن السوريين هم "أعضاء في العرق القوقازي"، لكنه استند في ذلك إلى تعريف "الرجل العادي" أكثر منه إلى العلم. ثم تأتي قضية كوستا نَجور في أتلانتا في نفس العام، والتي شكلت نقطة تحول. المحامي طلب من نجور خلع قميصه لإظهار لون بشرته للمحكمة، لكن القاضي نيومان رفض هذا الأسلوب واستند إلى تصنيفات عرقية "علمية" من كتاب كاين، مقرراً أن السوريين، كونهم من سامي غرب آسيا، هم جزء من العرق القوقازي وبالتالي بيض. أظهرت هذه القضية كيف أن الخبرة العلمية يمكن استخدامها لصالح المهاجرين.
على النقيض، يعرض الفصل قضية جورج داو (أو دو) في ساوث كارولينا عام 1913-1914. هنا، رفض القاضي سميث منح داو الجنسية، ليس بسبب لون بشرته بل لأن السوريين، في رأيه، "آسيويون" وليسوا من أصول أوروبية. استخدم القاضي منطقين أساسيين هما "القصد التشريعي" (ما قصده الكونغرس عام 1790) و**"المعرفة العامة"** (ما يفهمه الرجل العادي). بالنسبة له، كان البياض مرتبطاً بشكل لا يقبل الجدل بالهوية الأوروبية. هذا التناقض بين أحكام القضاة (البعض يعتبر السوريين بيضاً، والبعض الآخر لا) يسلط الضوء على الطبيعة المتقلبة للتصنيف العرقي في القانون.
يمتد النقاش إلى ما وراء المحاكم، حيث يظهر الفصل كيف أن الصحافة العربية الناطقة بالإنكليزية والأميركية، مثل جريدة الهلال، أصبحت ساحة لجدل حول العرق. يطرح المهاجرون والقراء أسئلة حول ما إذا كان السوريون فينيقيين، ساميين، أم حاميين، محاولين فهم موقعهم في التصنيفات العرقية الغربية. في هذه الفترة، تحولت استراتيجية السوريين من التركيز على الهوية الدينية المسيحية والربط بالحضارة الغربية إلى تبنٍّ أكثر وضوحاً للتسلسل الهرمي العرقي. بدأ زعماء الجالية، مثل نجيب السرغاني، في رسائلهم، بالتمييز ضد السود والآسيويين، مصرّين على أن السوريين هم "قوقازيون خالصون" لا يمكن مقارنتهم بالـ"زنوج" أو "المنغوليين". كان الهدف هو إبعاد أنفسهم عن المجموعات الأخرى غير البيضاء لتأمين مكانتهم. يذكر الفصل حادثة عنصرية من تينيسي حيث نعت سوري بـ"زنجي" مما أدى إلى شجار، مما يظهر أن هذه المطالبة بالبياض كانت مسألة هوية يومية ومؤلمة.
أخيراً، يختتم الفصل بتتبع هذه القضايا حتى المحكمة العليا. في قضية تاكاو أوزاوا (1922) وقضية بهغات سينغ ثيند (1923)، حسمت المحكمة العليا أمرها: "البياض" بحسب "فهم الرجل العادي" هو من أصل أوروبي. هذا القرار ألغى جنسية عشرات الهنود ودفع أحدهم للانتحار. ولكن، وكمفارقة حاسمة للسوريين، يشير الفصل إلى أن قانون 1917 الذي استبعد آسيا من الهجرة، لم يشمل سوريا ضمن "المنطقة المحظورة الآسيوية". هذا الاستبعاد، الذي فسره القضاة لاحقاً، عزز وضع السوريين كأشخاص مؤهلين للهجرة وبالتالي للتجنيس، مما وضع حداً للنزاعات القانونية لصالحهم، رغم أن منطق القرارات كان يعتمد على فكرة "القرابة" العرقية الغامضة مع أوروبا بدلاً من أي دليل علمي ثابت.
في النهاية، يكشف الفصل عن تناقضات عميقة في مفهوم العرق في القانون الأميركي. كان "البياض" مفهوماً قانونياً مرناً، يُستخدم كأداة للشمول والاستبعاد بناءً على السياق السياسي والاجتماعي. السوريون، رغم نجاحهم في نيل الجنسية، دفعوا ثمناً لذلك بتبنّي خطاب عنصري واضح ضد السود والآسيويين. يمكن القول إن هذا الفصل يقدم نقداً قوياً لفكرة "انسجام" المهاجرين في "بوتقة الانصهار" الأميركية، موضحاً أن الاندماج كان مشروطاً بتقبل وتسليع التسلسل الهرمي العرقي الأميركي.
3.الأمة والهجرة: العروبة الناشئة والقومية الشتاتية98–129▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على العلاقة المتشابكة بين نشوء القومية العربية المبكرة (ما يُسمّيه المؤلف مرحلة "ما قبل القومية" أو "البروتو-قومية") والجالية السورية المهاجرة في الولايات المتحدة في العقود الأولى من القرن العشرين. الحجة المحورية للمؤلف هي أن المهاجرين السوريين لم يكونوا متفرجين سلبيين أو منفصلين عن الحركة القومية الناشئة في وطنهم الأم، بل كانوا جزءًا لا يتجزأ من تشكيل هذه القومية. يوضح الفصل أن هذه المشاركة جرت في إطار ولاء مزدوج ومتناقض أحيانًا: فبينما كانوا يسعون للحصول على الجنسية الأمريكية والاندماج فيها، كانوا في الوقت نفسه يعملون بنشاط من أجل إصلاح أو استقلال أوطانهم في إطار الدولة العثمانية أولًا، ثم ضدها لاحقًا.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل تبدأ بمناقشة عقبة الانقسامات الطائفية في طريق الوحدة الوطنية، حيث يبدأ بآراء فيليب حتي الذي رأى أن الانتماء الديني كان المصدر الرئيسي للهوية السورية، ولكنه كان أيضًا مصدرًا للانقسام والصراع الذي أعاق تشكيل أمة متماسكة. يناقش الفصل كيف كانت الصحافة والمثقفون مثل أمين الريحاني وجبران خليل جبران ينددون بالطائفية العمياء التي كانت تصل أحيانًا إلى حد المواجهات الجسدية داخل المجتمع السوري في أمريكا. ومع ذلك، يرى المؤلف أن دراسة أدق تكشف أن هذه الانقسامات لم تكن مجرد انعكاس للسياسة العثمانية، بل كانت الهوية القومية الناشئة تتشكل أيضًا تحت تأثير قضايا مثل التجنيس والولاء.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى قضية التجنيس في الولايات المتحدة كأداة لفهم التحولات في الانتماء السياسي. فبعد قرار قضية داو (عام 1915)، ومع دخول الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول المركز، أصبح التخلي عن الجنسية العثمانية خيارًا جذابًا للكثيرين. لكن الفصل يوضح أن هذا القرار كان مثار جدل حاد داخل الجالية، حيث اشتبكت الصحف السورية في نيويورك حول الموضوع. فبينما شجّعت صحيفة الآثار على التجنيس باعتباره الطريق إلى الحرية والازدهار، دعت صحيفتا المهاجر والمناظر إلى البقاء مواليين للدولة العثمانية، معتبرين ذلك فعلًا من أفعال الوطنية السورية الحقة. يكشف هذا الجدل عن تعقيد الولاءات حيث كان رفض سياسات الحكومة العثمانية التركية (خاصة التتريك) لا يعني بالضرورة رفض الانتماء إلى الإمبراطورية نفسها.
يخصص الفصل جزءًا كبيرًا لمناقشة المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913، والذي يعتبره المؤلف نقطة محورية لتوضيح مشاركة الشتات. انعقد المؤتمر بمشاركة عدد من الشخصيات من الشتات مثل نعوم مكرزل ونجيب دياب، إضافة إلى شخصيات أخرى مثل عفيفة كرم. يوضح الفصل أن الهدف الأساسي للمؤتمر لم يكن الاستقلال التام، بل المطالبة بالإصلاحات وإدارة لامركزية في إطار الدولة العثمانية. كان من بين مطالبهم الرئيسية وقف سياسة التتريك في المدارس والإدارة. ويظهر الفصل كيف أن خطابات المؤتمرين، مثل الشيخ أحمد حسن الطباع ونجيب دياب، استخدمت الجالية المهاجرة كدليل على قدرة السوريين على التطور والحداثة، متجاوزين بذلك صورة الوطن المتخلف. لقد صوّر المهاجر كعنصر وسيط ينقل العلم والخبرة إلى الوطن ليساهم في نهضته.
يتناول الفصل أيضًا النماذج الفكرية المختلفة التي تنافست على تعريف الأمة السورية. فقد برزت تيارات متعددة، من المؤمنين بالوحدة العربية ضمن إطار عثماني، كما هو حال عبد الحميد الزهراوي، إلى المؤيدين للاستقلال الإداري أو الكامل ضمن فيدرالية عثمانية. تميز نعوم مكرزل بموقف أكثر حماسًا للثورة والانفصال المحتمل، بينما ركز تيار آخر، ممثلًا في جمعية النهضة اللبنانية، على لبنان كيان منفصل وطالب بدعم فرنسي لتحقيق استقلاله. يظهر الفصل أن هذه الرؤى كانت تتشكل وتتبلور من خلال النقاشات داخل الجالية وفي مؤتمر باريس، مما يعكس أن بناء القومية لم يكن مشروعًا داخليًا فقط.
يمتد التحليل ليشمل كيفية تقديم الهجرة نفسها كقوة حداثية. يعرض الفصول كيف كتب مثقفون مثل يوسف زخم والقس إبراهيم رحبانى عن الهجرة كتجربة تحويلية، حيث تحول الفلاح السوري إلى رجل عصري متعلم وذو وعي سياسي واقتصادي. هذا الخطاب القومي الذكوري جسّد المهاجر كعنصر فاعل ومتطور على النقيض من صورة البلدة القديمة. في مقابل هذه الرؤية، يقدم الفصل موقف محمد كرد علي من دمشق الذي رأى في الهجرة استنزافًا خطيرًا للموارد البشرية والاقتصادية والأخلاقية في سوريا، معتبرًا أنها تمزق الأسر وتقوض السلطة الأبوية. هذا الجدل حول قيمة الهجرة يظهر تنوع الرؤى داخل الفكر القومي العربي نفسه.
أخيرًا، يغطي الفصل مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية، والتي غيرت طبيعة النقاش جذريًا نحو الحديث عن الاستقلال التام. يتناول انعقاد مؤتمر السلام في باريس عام 1919، وظهور نظام الانتداب الفرنسي على سوريا. يُظهر الفصل انقسامًا حادًا في الجالية تجاه هذه التطورات. فمن جهة، دعمت شخصيات مثل جوزيف الخوري ومحرر مرآة الغرب الانتداب الفرنسي كضرورة عملية لتدريب السوريين على الحكم، بينما عارضه آخرون بشدة مثل عبد المسيح حداد وأيوب ثابت، مدافعين عن استقلال سوريا الموحدة. يُبرز الفصل كيف أن قضايا مثل فصل لبنان الكبير عن سوريا تحت الحماية الفرنسية والقلق من الحركة الصهيونية في فلسطين أصبحت أولويات في عمل المنظمات السورية في أمريكا، مثل جمعية فلسطين الأولى التي نظمت أول مظاهرة كبرى مناهضة للصهيونية عام 1917. يُختتم الفصل بتأكيد أن الشتات السوري ظل في حالة "وجه مزدوج"، ينظر إلى الوراء نحو وطنه وإلى الأمام نحو أمريكا، محاولًا التوفيق بين هويته كأمريكي وبين واجبه القومي، مما جعله جزءًا لا يتجزأ من النزاعات والتعريفات المتغيرة للأمة العربية.
4.إعدام نولا رومي: عرقية السوريين بين البينين في جنوب جيم كرو130–151▼ ملخص
هذا الفصل من كتاب "Between Arab and White" للمؤلفة سارة م. جولتييري يبحث في حادثة إعدام نولا رومي، وهو مهاجر سوري، في مدينة ليك سيتي بولاية فلوريدا في 17 مايو 1929، ويحلل دلالاتها على المكانة العرقية للسوريين في أمريكا في فترة قوانين جيم كرو. السؤال المحوري الذي يطرحه الفصل هو: كيف نفسر إقدام حشد من البيض على إعدام رجل وصفته الصحف المحلية بأنه "أبيض"، وما الذي تكشفه هذه الحادثة عن موقع السوريين المتأرجح بين البياض والسواد في التراتبية العرقية الجنوبية؟
يسير الفصل بدايةً عبر عرض السياق العام للإعدامات الجماعية في جنوب أمريكا بعد الحرب الأهلية، حيث كانت هذه الممارسات أداةً للإرهاب والعنف الموجهة بشكل رئيسي ضد الأمريكيين من أصل أفريقي لفرض نظام التفوق الأبيض. يذكر الفصل أن ولاية فلوريدا كانت لديها أعلى نسبة إعدامات للفرد في البلاد، بين عامي 1921 و1946، وشهدت 61 حالة إعدام مسجلة. وبينما كانت الغالبية العظمى من الضحايا من السود، فإن حادثة رومي كانت حالة استثنائية لرجل يُنظر إليه على أنه "أبيض". بعد هذا التمهيد، ينتقل الفصل إلى تفاصيل الحادثة.
بدأت القصة بمشادة بين فاني رومي، زوجة نولا، وجون إف. بيكر، رئيس شرطة ليك سيتي، بسبب عرضها الخضار على رصيف متجرها. تطورت المشادة بعد أن طالبت فاني بتعويض من بيكر بعد حادث سيارة تعرض له ابنها إيسر، حيث شعرت أن الشرطة تعاملت معها بظلم. عند عودة بيكر لاحقاً مع رجاله، نشبت مشاجرة عنيفة أطلقت خلالها فاني النار على بيكر فأردته قتيلاً، بينما قتلت الشرطة نولا. استُخرج جثمان نولا لاحقاً من سجن المقاطعة على يد حشد من المواطنين، وأُعدم رمياً بالرصاص وأُضيفت جروح ما بعد الوفاة إلى جسده الذي وُجد في حفرة خارج البلدة. يشير الفصل إلى تقارير متضاربة حول من أطلق الرصاصة الأولى، لكنه يؤكد أن الشرطة كانت متورطة في البداية، وأن الحشد الذي أعدم نولا تصرف تحت غطاء تطبيق القانون غير الرسمي.
يقدم الفصل أدلة على أن عائلة رومي كانت قد عانت من العنف العنصري الممنهج من قبل. فقبل انتقالها إلى ليك سيتي، كانت العائلة تعيش في فالدوستا، جورجيا، وهي المنطقة التي شهدت واحدة من أبشع حوادث الإعدام الجماعي في عام 1918، حيث تم إعدام ماري تيرنر وهي حامل بثمانية أشهر. هذه الخلفية تشرح خوفهم المبرر وقرارهم بالانتقال، لكن الفصل يبرهن أنهم لم يستطيعوا الهروب من ثقافة العنف التي كانت سائدة، حيث كانت مقاطعة كولومبيا التي تقع فيها ليك سيتي ساحة لعدة حوادث إعدام مروعة للسود منذ عام 1893.
في تحليله لدلالات الحادثة، يجادل الفصل بأن إعدام نولا رومي لم يكن مجرد خطأ في التعرف على هويته العرقية، بل كشف عن طبيعة هويته "الوسطية" غير المستقرة. ففي الوقت الذي وصفته الصحف المحلية بأنه "أبيض" (للتمييز بينه وبين السود)، فإن الصحف الأخرى وصفت مهاجميه بأنهم "مواطنون" ورجال أعمال، مما يجعل الحادثة توتراً حول من ينتمي حقاً إلى المجتمع الأبيض المحمي. يشير الفصل إلى أن رومي كسوري كان "غريباً" في نظر المجتمع المحلي، ببشرته الداكنة، وزوجته ذات الشعر الأسود، ولغته العربية، مما جعله عرضةً للعنف مثل السود، لكنه في نفس الوقت كان يمتلك بياضاً قانونياً يجعله مؤهلاً للجنسية، وهذا ما جعل إعدامه استثنائياً.
يستعرض الفصل ردود فعل متعددة على الحادثة. من جهة، نددت أندية محلية في ليك سيتي مثل نادي المرأة ونادي الروتاري بالإعدام ووصفته بأنه انتهاك للقانون، لكنها لم تتخذ إجراءات عملية لحماية الأطفال أو محاكمة الجناة. من جهة أخرى، كان رد فعل الجالية السورية على المستوى الوطني حذراً ومنقسماً. فبينما طالب بعض القادة مثل جورج لحود بحماية الطفل إيسر، وأرسلت منظمات مثل جمعية التقدم الأخلاقي في مينيابوليس رسائل احتجاج، كان هناك تردد واضح من شخصيات مثل نعوم مكرزل الذي دعا إلى عدم التسرع في الحكم خوفاً من تأجيج المشاعر المعادية للسوريين. هذا التردد يظهر خوف الجالية من أن يؤدي أي تحرك جريء إلى جعلهم هدفاً للعنف مثلما كانوا يرون يحدث للسود.
في الختام، يطرح الفصل سؤالاً مهماً طرحه آنذاك محرر صحيفة "الشعب": "هل أصبح السوري زنجياً؟" ويحلل الإجابة التي قدمتها النخبة السورية آنذاك، وهي التأكيد على بياضهم وتمييز أنفسهم عن الأمريكيين من أصل أفريقي. يجادل الفصل بأن رد الفعل هذا، رغم كونه مفهوماً في سياق الخوف والرغبة في البقاء، إلا أنه يعكس مأساة أكبر: فبدلاً من تحدي المنطق العنصري الذي سمح بإعدام رومي، فضل القادة السوريون تعزيز بياضهم على حساب الآخرين، مما ساهم في إعادة إنتاج النظام العنصري نفسه. يخلص الفصل إلى أن البياض ليس فئة بيولوجية، بل هو بناء تاريخي واجتماعي يتم التفاوض عليه، وأن قصة رومي تظهر كيف أن الأمريكيين من أصل عربي استخدموا استراتيجيات مختلفة لتأكيد بياضهم، مما يترك أسئلة مفتوحة حول عواقب هذه الخيارات على هوياتهم وعلاقاتهم مع المجموعات العرقية الأخرى.
5.الزواج والاحترام في عصر قيود الهجرة152–171▼ ملخص
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحول مؤسسة الزواج وعلاقات النوع الاجتماعي بين المهاجرين السوريين في الولايات المتحدة خلال فترة فرض قيود الهجرة في أوائل القرن العشرين. يقدم الفصل إجابة رئيسية مفادها أن الزواج لم يكن مجرد مسألة شخصية، بل أصبح ساحة مركزية للنقاش حول الهوية والاندماج والعرق والاحترام. تعاملت النخب السورية مع أزمة السلطة الأبوية الناجمة عن الهجرة من خلال الدعوة إلى الزواج داخل المجموعة (الإندوجامي) كأساس للحفاظ على الشرف والتماسك المجتمعي، بينما كان الزواج من غير السوريين، وخاصة عبر الحدود الدينية، يُعتبر تهديداً لهذه الأسس. بالتزامن مع ذلك، شهدت العقود الأولى من القرن العشرين تحولاً تدريجياً في توقعات الزواج، حيث بدأ التركيز ينتقل من المنفعة الاقتصادية والأسرية إلى مفاهيم التوافق والرفقة، متأثراً بعمليات التحديث والأمركة.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. يبدأ بتصوير المخاوف الأولى لدى رجال الدين والسلطات الدينية في سوريا من هجرة الرجال وتركهم لواجباتهم الأسرية والدينية، وانخراطهم في علاقات غير شرعية في الشتات. يقدم الفصل مثالاً مفصلاً من مجلة "المشرق" اليسوعية عام 1902 عن قصة "عبد الله قزينة"، وهي حكاية أخلاقية تحذر من أن أحلام الثروة في أمريكا يمكن أن تؤدي إلى الانحطاط الأخلاقي والفقر والموت. هذه القصة، التي تبدأ في 1884، تروي سقوط رجل يترك زوجته وأطفاله في لبنان، مما يؤدي إلى سلسلة من المآسي تنتهي بإعدام ابنه وسجن ابنته. يوضح الفصل أن هذه التحذيرات كانت رد فعل على تغيرات اقتصادية عميقة في جبل لبنان في أواخر القرن التاسع عشر، مثل دخول المنطقة في الاقتصاد الرأسمالي وتحول الفلاحين إلى عمال بأجر في مصانع الحرير، مما أدى إلى تقويض دور الرجل كمُعيل وحيد وأعاد تشكيل قوانين الشرف.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة الزواج بين الأعراق والاندماج. يذكر أن التعداد السكاني الأمريكي لعام 1920 أظهر أن عدد الأطفال السوريين من أصول مختلطة (من أبوين مهاجرين وأمريكيين) قد ازداد بشكل ملحوظ، مما أثار قلق النخب. يناقش الفصل مسرحية وفيلم "آنا تصعد" ( Anita Ascends ) الذي كُتب عام 1921 وصدر كفيلم صامت في 1924، والذي يروي قصة فتاة سورية (آنا أيوب) تهرب من حيها السوري وتصبح أمريكية من خلال الزواج من رجل أبيض ثري. على الرغم من أن الفيلم يصور بطلة عربية قوية، يحلل المؤلف أن رسالته كانت مناهضة للتعددية؛ إذ أن الصعود إلى البياض والأمركة يتطلب محو الهوية السورية، وليس الاحتفاظ بها. يوضح الفصل أن النخب السورية دعمت هذه الرسالة لأنها كانت قلقلة على وضعهم العرقي بعد سلسلة قضايا التجنس التي شككت في بياضهم، وكانوا بحاجة إلى تأكيد قدرتهم على أن يصبحوا أمريكيين بيض مخلصين.
يتناول الفصل بعد ذلك بالتفصيل الجدل الدائر في مجلة "العالم السوري" ( The Syria World ) حول "زواج الأعراق"، والذي كان يُقصد به غالباً الزواج بين المسيحيين والمسلمين. كمثال صارخ، يسرد الفصل حادثة من أبريل 1928 حول تقرير لطبيب برازيلي زعم أن سبع نساء برازيليات محتجزات في "حريم" أزواجهن السوريين المسملين في بعلبك. يصف الفصل كيف هبت النخب السورية في البرازيل (بما في ذلك المليونير باسيل جعيط) لإنقاذ النساء واستعادة صورة المجتمع "كراس محترم"، مما يبرز كيف تم تحويل قضية إساءة معاملة النساء إلى "مشكلة مسلمة" تميز بها المجتمع المهاجر دفاعاً عن شرفه. يُظهر هذا الجدل كيف تداخلت أفكار العرق والدين، حيث استخدمت النخب لغة عرقية لوصف الزواج المسيحي-الإسلامي، معتبرة إياه زواجاً "بين أعراق".
في الجزء الأخير، يناقش الفصل تطور الأفكار حول الزواج بين الجيلين الأول والثاني. تظهر أصوات نسائية مثل عفيفة كرم التي انتقدت قبل الحرب العالمية الأولى ممارسات الزواج التقليدية التي تشبه "بيع قطعة قماش" ودعت إلى الإصلاح. وبعد الحرب، في عشرينيات القرن العشرين، ناقشت كاتبات مثل ماري سليمان في رسالة إلى "العالم السوري" فكرة "الحرية" للفتيات السوريات، بما في ذلك حرية الزواج من خارج المجتمع. يوضح الفصل أن النقاش لم يكن ببساطة بين "القديم" و"الجديد"، بل بين تصورين للمعاصرة: واحد يعتمد على الإطار السوري (كما عند عفيفة كرم)، وآخر يعتمد على الإطار الأمريكي الذي يتطلب التخلي عن الممارسات السورية باعتبارها "حماقة الماضي" (كما عند ماري سليمان). هذا الجدل يفضي إلى نتيجة مهمة: أنه في فترة ما بين الحربين، بينما تخلّى الجيل الأول عن فكرة العودة إلى سوريا، أعادوا تعريف ارتباطهم بالوطن عبر الحوالات المالية والدعم للحركة القومية من بعيد. في المقابل، أصبحت الثقافة التي أعاد الجيل الثاني تعريفها على أنها "سورية أصيلة" (كالمأكولات والموسيقى) أكثر تقليدية مما كانت عليه في الواقع، مما خلق انقساماً بين مجال خاص (عرقي) ومجال عام (أمريكي متحول). يختم الفصل بأن تدفقاً جديداً للمهاجرين وتطرف السياسات في ستينيات القرن العشرين كان ضرورياً لظهور مفهوم جديد للهوية هو الهوية العربية الأمريكية.
من حيث الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص، يقدم المؤلف تحليلاً نقدياً لفيلم "آنا تصعد"، معتبراً أن نجاحه لم يأتِ من كسر الصورة النمطية للعرب، بل من تعزيز نموذج الاندماج القائم على المحو الثقافي، وهو ما يجعل الاحتفاء به كعمل تقدمي موضع تساؤل. كما أن الفصل يوضح تناقضاً داخلياً لدى النخب السورية: فبينما كانت تدعو إلى الإصلاح وتحديث "المرأة" في الخطب العامة، كانت تسعى في نفس الوقت إلى فرض القيود عليها للحفاظ على السيطرة، كما يظهر في نقد سامي أبو العلا لمن يدّعون إصلاح المرأة بينما يسعون لتقييدها.
7.خاتمة172–181▼ ملخص
تبحث خاتمة كتاب " Between Arab and White" لسارة م. غوالتيري في الموضوع المحوري الذي يربط فصول الكتاب معاً: كيف تشكلت الهوية العرقية والإثنية للسوريين في الولايات المتحدة، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الهوية لم تكن مجرد عملية استيعاب (assimilation) بسيطة أو نجاحاً في التحول إلى "البياض"، بل كانت عملية معقدة ومتطورة تشكلت عبر تفاعلات جدلية بين المهاجرين والمجتمع الأمريكي، وبينهم وبين أوطانهم الأصلية.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال إعادة صياغة الحجج الرئيسية للكتاب، بدءاً من التشديد على أن المهاجرين السوريين الأوائل لم يكونوا مجموعة متجانسة، بل كانوا يمثلون تنوعاً طائفياً ولغوياً وإقليمياً. يوضح الكاتب أنهم وجدوا في الولايات المتحدة أرضية مشتركة، مثل اللغة العربية، التي ساعدتهم على التماسك في مواجهة الاختلافات، لكن هذه الوحدة الأولية سرعان ما أعيد تشكيلها وتضخيمها في السياق الجديد. ينتقل الفصل بعدها إلى التحليل الأساسي للكتاب: أن العرقية (ethnicity) السورية في أمريكا لم تكن مجرد نتيجة للاستيعاب، بل كانت بناءً نشطاً و"أداة مفيدة" لفهم التكيف، وأن طريقة اندماج السوريين كانت من خلال استخدام مفاهيم مسبقة عن العرق في أمريكا. يذكر المؤلف بوضوح أن تاريخ الهوية السورية في الولايات المتحدة حتى الحرب العالمية الثانية يمكن تفسيره بشكل أفضل على أنه "ظهور العرقية" وليس "انتصار الاستيعاب"، مستشهداً بأدلة من الفصل الخامس حول إنشاء المؤسسات والصحف والمقاهي التي شكلت مجتمعاً عرقياً.
يتناول الفصل بعد ذلك قضية العرق بشكل أعمق، مناقشاً فكرة "البياض" (whiteness) كادعاء قانوني ونضال سياسي. يعترف المؤلف بأن السوريين، مثل الأيرلنديين والإيطاليين، استفادوا من نظام التصنيف العرقي في أمريكا، ويقدم أدلة على ذلك مثل قضية كوستا نجور في عام 1909 وفوزهم في قضايا التمييز العنصري مثل مسابقة ملكة جمال الجاليات. لكنه يؤكد أن قصتهم لا تنتهي عند هذا الحد، مشيراً إلى أن وضعهم ظل "غير أبيض تماماً" (not-quite-white). ولتوضيح هذه النقطة، يستخدم الفصل حالة أحمد حسن، المهاجر اليمني المسلم في ديترويت عام 1942، حيث رفض القاضي تاتل منحه الجنسية استناداً إلى لون بشرته "البني الداكن" وبُعد اليمن الثقافي والجغرافي عن أوروبا، مما يظهر أن العرقية واللون لعبا دوراً حاسماً، خاصة مع المسلمين والعرب ذوي البشرة الداكنة.
يواصل الفصل تتبع التطورات القانونية في قضايا العرق، منتقلاً من قرار القاضي تاتل ضد حسن إلى موقف دائرة الهجرة والتجنس (INS). يشرح كيف أن الـ INS أصدرت بياناً في 1943 يتعارض مع حكم تاتل، وأعلنت أن "العربي" مؤهل للتجنس، معتمدة على حجج جديدة. استخدمت الدائرة حججاً ثقافية وتاريخية، مستشهدة بقضايا سابقة مثل قضية تاتوس أو. كارطوزيان التي اعتمدت على شهادة عالم الأنثروبولوجيا فرانز بواس، والتي أثبتت أن الأرمن "بيض" بسبب "أصلهم الأوروبي". كما استخدمت الدائرة حجة أن "الأجناس السامية" كانت أساس الحضارة الغربية، وأدرجت المسلمين العرب في مفهوم "البياض" من خلال "محو" هويتهم الإسلامية وتقديمهم كأعضاء "فخريين" في الحضارة الغربية، مع بقاء الشك حول استحقاقهم الكامل لهذا التصنيف. يخلص الفصل إلى أن قضية محسن محرز في ماساتشوستس عام 1944 كانت تتويجاً لهذا التحول، حيث اعتبر القاضي ويزانسكي أن منح الجنسية للمسلمين العرب كان ضرورياً لمواجهة العنصرية النازية وتحقيق الوعود الأمريكية.
يبحث الفصل أيضاً في البعد العابر للقوميات، موضحاً كيف أن الحسابات السياسية في كل من سوريا ولبنان لعبت دوراً في تشكيل الهوية العرقية. يشير إلى محاولات الحكومات في سوريا ولبنان، خاصة بعد فترة الانتداب، للحفاظ على روابطها مع المغتربين. ففي أغسطس 1926، أصدرت وزارة الخارجية السورية برنامجاً لتشجيع السوريين في الخارج على استعادة جنسيتهم والحفاظ على ولائهم، مما يعكس اعتبار المهاجرين جزءاً من "الوطن السوري". يتطرق الفصل أيضاً إلى تطور القومية العربية بعد 1945، مثل القومية العربية أو "التيار الثالث" بقيادة مصر، وكيف أثرت هذه الأفكار على المهاجرين الجدد، الذين أصبحوا عماداً لوعي "عربي أمريكي" أكثر نضالية. وفي العقود الأخيرة، يذكر الفصل اهتمام كل من سوريا (تحت حكم بشار الأسد مع وزارة المغتربين) ولبنان بإعادة ربط جالياتها بهويتها الوطنية، مستخدمةً مصطلح "المغتربين" بدلاً من "المهاجرين".
يعترف المؤلف في ختام الخاتمة بحدود الدراسة وترك أسئلة مفتوحة، مشيراً إلى أن بعض الحجج المقدمة قابلة للنقاش. يقر بأن هناك قيوداً في تحليل ما يعنيه أن تكون "عربياً بالكامل" و"أمريكياً بالكامل" في آن واحد، خاصة مع تزايد تعقيد مفاهيم العرق والدين. يطرح تساؤلات مفتوحة حول كيفية استمرار تطور الهوية السورية في مواجهة التحولات السياسية والأجيال الجديدة. كما يشير إلى أن فكرة أن التمثيلات التي تركز على "الوطن القديم" و"المهاجر" لا تؤثر فقط على الوعي العرقي في أمريكا، بل أيضاً على بناء الوعي القومي الحديث في الشرق الأوسط نفسه، مما يعيد تشكيل فهمنا لحدود هذه المنطقة وأبعادها المتعددة.
8.خاتمة: أن تصبح عربيًا أمريكيًا182–207▼ ملخص
في فصل الخاتمة من كتابها "Between Arab and White"، تقدم سارة م. جوالتييري تحليلاً لكيفية تطور هوية "العربي الأمريكي" كفئة سياسية واجتماعية وعرقية في الولايات المتحدة. الموضوع المحوري للفصل هو تتبع التحول من هوية "سوري" أو "لبناني" ضيقة إلى هوية "عربي أمريكي" أوسع، والإجابة التي تقدمها المؤلفة هي أن هذه الهوية لم تكن حتمية أو طبيعية، بل نتاج نضالات سياسية وتحولات ديموغرافية وإعادة تشكيل للوعي الذاتي في مواجهة العنصرية والتضامن مع قضايا العالم العربي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل حاسمة. يبدأ بعرض الإرهاصات الأولى لظهور مصطلح "عربي أمريكي" في عام 1944، عندما اجتمع 150 مندوباً من جمعيات ناطقة بالعربية في نيويورك لتشكيل "معهد الشؤون العربية الأمريكية" (Institute of Arab American Affairs، IAA). كان هذا المعهد رد فعل مباشراً على مؤتمر "بالتيمور" الصهيوني عام 1942 الذي دعا إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. ضم المعهد شخصيات بارزة مثل إسماعيل خالدي وفريد زيادة وحبيب كاتبة وفيليب حتي، الذين أعادوا صياغة الهوية "السورية" في الولايات المتحدة بمصطلحات عابرة للقوميات. مع ذلك، لم يكن المصطلح مقبولاً على نطاق واسع، خاصة من السوريين ذوي الميول اللبنانية/الفينيقية، ولجأ المعهد إلى تسمية منشوراته "الأمريكيون الناطقون بالعربية" (Arabic-Speaking Americans) كحل وسط.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تدفق الهجرة العربية الجديدة بعد عام 1945، والتي اختلفت بشكل كبير عن الموجة الأولى التي كانت أغلبية مسيحية من سوريا الكبرى. تميزت الموجة الجديدة بتنوعها الديني والقومي، مدفوعة بحروب المنطقة: حرب 1948 التي شردت ما يقرب من 800,000 فلسطيني، الحرب الأهلية اليمنية (1962-1970)، والحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) التي أدت إلى هجرة نحو 990,000 شخص (أو 40% من السكان) خلال 15 عاماً. يشرح الفصل كيف أن تغيير قوانين الهجرة الأمريكية، ولا سيما قانون 1952 الذي أنهى استبعاد الآسيويين ومنح الجنسية على أساس عرقي، وقانون 1965 الذي ألغى نظام الحصص على أساس الأصل القومي وأعطى الأولوية للم شمل الأسرة والمهنيين، ساهم في زيادة أعداد المهاجرين العرب المتعلمين والمحترفين.
الحرب الأكثر تأثيراً في تشكيل الهوية العربية الأمريكية كانت حرب الأيام الستة عام 1967. يوضح الفصل أن الهزيمة العربية المذلة حفزت شريحة واسعة من العرب والأمريكيين العرب، مثل جورج خوري الذي ألقى بدفتر عناوينه الاجتماعي جانباً بعد الحرب ليتفرغ للنشاط السياسي. هذا السياق أنتج الموجة الأولى من المنظمات العربية الأمريكية الحديثة. في آب/أغسطس 1967، وبعد لقاء على هامش مؤتمر المستشرقين في آن أربور، ميشيغان، تأسست رابطة خريجي الجامعات العرب (AAUG). كانت الرابطة منظمة تعليمية وثقافية تهدف إلى نشر "وجهة النظر العربية"، وظهرت كقوة رائدة في النشاط العربي الأمريكي. قامت بحملة إعلانية كاملة في صحيفة نيويورك تايمز في تشرين الثاني/نوفمبر 1969، تحت عنوان مطلوب "إعلان نيكسون"، دعت فيه إلى إعادة بناء المجتمع الفلسطيني في وطنه كدولة ديمقراطية حرة. هذا الإعلان أثار ردود فعل متباينة؛ رسائل دعم من عرب وغير عرب، ورسائل هجومية اتهمت الرابطة بمعاداة السامية وبأنها أداة سوفيتية، مما يعكس التصورات السائدة عن العرب كـ "غير مواطنين" بالكامل.
لم تقتصر جهود التنظيم على العمل الأحادي، بل توسعت إلى بناء تحالفات، أهمها مع حركة الحقوق المدنية الأمريكية وروادها السود. يشير الفصل إلى أن قادة مثل مارتن لوثر كنج ومالكولم إكس كان لهم مواقف متباينة من الصراع العربي الإسرائيلي، لكن جيلاً جديداً من الناشطين السود بدأ يتعاطف مع القضية الفلسطينية كجزء من نضاله ضد الإمبريالية والعنصرية. وصل هذا التحالف إلى ذروته في ما عُرف بـ "فضيحة أندرو يونغ" عام 1979، عندما أُجبر السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة على الاستقالة بعد لقائه بممثل منظمة التحرير الفلسطينية. اعتبرت المنظمات العربية الأمريكية هذه الحادثة دليلاً على رفض الإدارة الأمريكية لإفساح مجال للقيادة السوداء في السياسة الخارجية، وأطلقت مشروع "أمريكا السوداء" لتعزيز التنسيق.
إلى جانب بناء التحالفات، ركز الفصل على جانب الدفاع عن الحقوق المدنية. يتعرض النشطاء العرب الأمريكيون، مثل عبدين جبارة، للمراقبة والتنصت من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ضمن عملية سُميت "عملية بوليفاردا"، والتي وصفتها دائرة العدل بأنها برنامج "لمكافحة الإرهاب" لكنها كانت تهدف في الواقع إلى ترهيب المنتقدين لسياسات أمريكا وإسرائيل. في عام 1980، تشكلت اللجنة الأمريكية العربية لمناهضة التمييز (ADC) للدفاع عن الحقوق المدنية، وفي عام 1985 تأسس المعهد العربي الأمريكي (AAI). وصلت موجة العنف ضد العرب الأمريكيين ذروتها باغتيال أليكس عودة، مدير المكتب الإقليمي الغربي لـ ADC، بقنبلة في مكتبه في سانتا آنا في 11 تشرين الأول/أكتوبر 1985، وهي جريمة لم تُحل. استمعت لجنة في الكونغرس إلى شهادات حول ما وصفته بـ "المنطقة الخطرة" التي يعيش فيها العرب الأمريكيون.
يتناول الفصل أيضاً بعداً محورياً في تشكيل الهوية، وهو الجدل حول التصنيف العرقي في تعداد الولايات المتحدة. في البداية، سعى المهاجرون العرب الأوائل إلى تصنيفهم كـ "بيض" لضمان حقهم في الجنسية، لكن الأجيال اللاحقة بدأت ترفض هذا التصنيف. في عام 1993، أدلت هيلين سامحان، المديرة المساعدة لـ AAI، بشهادتها أمام الكونغرس حول عدم كفاية التصنيفات العرقية التي تضع العرب مع البيض. جادلت بأن هذا التصنيف لا يعكس واقع المهاجرين من الشرق الأوسط الذين غالباً ما لا يُعترف بهم كأقلية، مما يخفي احتياجاتهم ويمحو تراثهم. بالمقابل، رفع مصطفى حفني، مواطن أمريكي من أصل مصري، دعوى قضائية ضد الحكومة لتصنيفه كـ "أبيض"، معتبراً أن ذلك يسرق هويته الأفريقية، قائلاً: "إننا حمقى إذا سمحنا لهم بأخذ هذا الإرث منا". أدى هذا الضغط إلى مراجعة مكتب الإدارة والميزانية (OMB) لتوجيهاته عام 1997، لكنه مع ذلك استمر في تعريف "الأبيض" على أنه الشخص المنحدر من أصول أوروبية أو شرق أوسطية أو شمال أفريقية. استمر الجدل حول تعداد عام 2000، حيث حصلت المنظمات العربية على وضع "مركز معلومات التعداد"، ونجحت في الإبقاء على سؤال "الأصل" (ancestry) الذي ساعد في إظهار حجم المجتمع. كشف تقرير صدر في 2003 عن تعداد السكان العرب بـ 1.2 مليون نسمة، وهو رقم أقل من تقديرات المجتمع البالغة 3.5 ملايين. والأهم من ذلك، أن التقرير أظهر أن 1 من كل 5 عرب لا يعتبر نفسه أبيضاً، ونسبة أعلى بين المسلمين، مما يشير إلى تحول نحو هوية "ملونة" أو "غير بيضاء".
أخيراً، ناقش الفصل تياراً مهماً داخل المجتمع، وهو النسوية العربية الأمريكية. شخصيات مثل ليلى أحمد وناديا عيليا تتحدث عن تجربة التهميش المزدوج؛ كنساء وعربيات داخل الحركة النسوية البيضاء، وكأقليات داخل المجتمع العربي. يرفض هؤلاء التصنيف كـ "بيض" ويختارون الهوية كملونات (women of color)، متضامنات مع الأقليات الأخرى في الكفاح ضد العنصرية والإمبريالية. في الختام، يشير الفصل إلى أن الصراع حول التصنيف العرقي على التعداد لم يكن مجرد مسألة إحصائية، بل هو إعادة تعريف للذات الجماعية العربية الأمريكية من هوية "بيضاء" ممركزة في القطاع الخاص إلى هوية أقلية ذات وعي سياسي وثقافي. هذا الانتقال من "سوري" إلى "عربي أمريكي"، الذي بدأ بمبادرة سياسية في أربعينيات القرن الماضي، اكتمل كعملية معقدة ومتعددة الأوجه من الكفاح من أجل التحرر من العنصرية، وبناء التحالفات، والدفاع عن الحقوق المدنية.
9.ملاحظات208–290▼ ملخص
يُشكّل فصل «ملاحظات» وثبةً منهجيةً حاسمةً في كتاب سارة م. أ. غوالتيري "Between Arab and White"، إذ يُعرّف القارئ على المراجع والمصادر الأرشيفية التي استندت إليها المؤلفة، ويفتح نافذةً على الإشكاليات الفكرية والمفاهيمية التي تحكم قراءتها للتاريخ. الموضوع المحوري للفصل هو تقديم خريطة الطريق التي سلكتها الباحثة في تتبّع مسار المهاجرين السوريين واللبنانيين إلى الأمريكتين، والكيفية التي تشكّلت بها هويّاتهم العرقية تحت وطأة القانون والسياسة والتصورات المجتمعية في الولايات المتحدة.
يسير الفصل في خطين متوازيين: الأول توثيقي، يُدرج اختصارات المصادر الأرشيفية الأساسية مثل سجلات جمعية خريجي الجامعات العربية الأمريكية (AAUG Records) في جامعة ميشيغان الشرقية، ومركز تاريخ الهجرة (HIRC) في جامعة مينيسوتا، والمجموعة العربية الأمريكية (NAAC) في متحف التاريخ الأمريكي بمؤسسة سميثسونيان. أما الخط الثاني فهو تحليليّ، يشرح المفاهيم النظرية الرئيسية التي تستند إليها حجّة الكتاب. تبدأ المؤلفة من لحظة تأسيسية في قانون التجنّس الأمريكي، حين كان القانون ينص على أن يكون طالب التجنّس "شخصاً أبيض حراً"، وهو ما أدى إلى نشوء سلسلة من القضايا القضائية الشهيرة بين عامي 1909 و1923، مثل قضية نجور وقضية دو وقضية شهيد، حيث جادل المهاجرون السوريون في محاولة لإثبات بياضهم القانوني. وقد اعتُبرت هذه القضايا مفصلية في تحديد وضعهم العرقي داخل الإطار القانوني الأمريكي.
تركز المؤلفة على مفهوم "البياض" ليس كحقيقة بيولوجية ثابتة، بل كأداء اجتماعي وقانوني، مستعينةً بأعمال باحثين مثل هاني لوبيز (White by Law) وديفيد رويديجر (The Wages of Whiteness). وتُظهِر كيف ناضل المهاجرون السوريون من خلال خطابهم العام في الصحف العربية مثل جريدة "الهدة"، ومن خلال تشكيل نوادٍ ثقافية مثل نادي الأرز، لإثبات انتمائهم إلى الحضارة الغربية. وكانوا يستخدمون حججاً تاريخية، كادعاء أنهم من نسل الفينيقيين الذين حضنوا الحضارة الغربية في مهدها، أو حججاً دينية تؤكد أنهم مسيحيون وليسوا مسلمين، وذلك في محاولة لتفادي التصنيف كـ "آسيويين" أو "ملونين" الذي كان سيمنعهم من الحقوق المدنية والسياسية.
يُقرّ الفصل بحدود هذه المقاربة، ويترك أسئلةً مفتوحة حول ما إذا كان هذا السعي نحو "البياض" القانوني قد نجح فعلاً في دمج السوريين بشكل كامل في المجتمع الأمريكي. تشير المؤلفة إلى أن هذه الهوية القانونية لم تمنع استمرار التمييز ضدهم، خاصة في فترات التوتر السياسي اللاحقة، مثل الحملات ضد العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر التي يناقشها الكتاب خارج هذا الفصل التمهيدي. كما تلفت الانتباه إلى أن التركيز على قضايا التجنّس قد يخفي تجارب الآخرين من نفس المجموعة الذين لم يخوضوا هذه المعارك القانونية، أو الذين عانوا من التمييز الطبقي والجندري داخل مجتمعاتهم.
يُعدّ هذا الفصل أيضاً مرجعاً حاسماً لفهم شبكة العلاقات العابرة للحدود الوطنية (transnationalism) التي شكلت حياة المهاجرين، حيث لم يقطعوا علاقاتهم مع بلدانهم الأصلية. تُظهر المراجع التي استخدمتها المؤلفة كيف أن المهاجرين السوريين ظلوا على تواصل مع الأحداث في سوريا ولبنان، وكيف ساهمت الصحف الصادرة في المهجر، مثل مجلة "المقتطف" و**"الهلال"** القاهرية، في تشكيل آرائهم السياسية. وتدرس المؤلفة أيضاً النقاشات المبكرة حول القومية العربية واللبنانية التي انعكست في كتابات مثقفين مثل جورجي زيدان وفيليب حتّي، مما يشير إلى أن الهوية العرقية لم تكن مجرد لقب يمنحه القانون، بل كانت مجالاً للصراع والتفاوض بين ولاءات متعددة: العثمانية، والقومية السورية، واللبنانية، والأمريكية.
من الحجج القابلة للنقاش في هذا الفصل، والتي ستعود المؤلفة إليها لاحقاً، هي مسألة مدى قبول أو رفض المهاجرين السوريين أنفسهم لمشروع "البياض". فبينما سعى بعضهم بجهد كبير للاندماج في الفئة البيضاء، كما هو واضح في التماس القنصل الفرنسي في شيكاغو عام 1924 والذي أشار إلى أن السوريين لم يعودوا "آسيويين"، يبدو أن مثقفين آخرين رأوا في هذه الاستراتيجية خيانةً لهويتهم الشرقية، أو على الأقل تنازلاً ثقافياً كبيراً. ومع ذلك، فإن غوالتيري تلتزم هنا بتقديم هذه الإشكاليات كجزء من النقاش الأكاديمي القائم، دون إصدار حكم قاطع عليها في هذا التمهيد النظري والتوثيقي.