المورد
Communist Movement in Syria and Lebanon

Communist Movement in Syria and Lebanon

Tareq Y. Ismael١ كانون الثاني ١٩٩٨enUniversity Press of Florida

الموضوع المحوري لكتاب "الحركة الشيوعية في سوريا ولبنان" للمؤلف طارق ي. إسماعيل هو تتبع المسار التاريخي المتعرج لهذه الحركة منذ نشأتها في العشرينيات من القرن العشرين وحتى أفول نجمها في نهايته. يدافع المؤلف بوضوح عن أطروحة رئيسية مفادها أن الحركة لم تكن كياناً سياسياً متجانساً، بل شهدت تحولات جذرية عبر أربع مراحل متمايزة، حيث انتقلت من دورها الطليعي في تأسيس أول حزب شيوعي منظم في الوطن العربي إلى حالة من التشرذم وفقدان التأثير. يرى إسماعيل أن العامل الحاسم في هذا المسار لم يكن الصراع الأيديولوجي بقدر ما كان أسلوب القيادة الشخصية الاستبدادية لـخالد بكداش، الذي هيمن على الحزب لأكثر من أربعة عقود، والذي جعل الحركة تتبع الأجندة السوفيتية بخنوع، وخاضعة للنظام البعثي في سوريا، مما أفقدها استقلالها وقاعدتها الجماهيرية، بينما سلك الحزب الشيوعي اللبناني مساراً مغايراً نحو الاستقلال والتجديد.

يسير الكتاب وفق تسلسل زمني محكم، حيث يبدأ بتأريخ النشأة الأولى للحركة في سوريا ولبنان، التي كانتا كياناً جغرافياً واحداً تحت الانتداب الفرنسي. يصف المؤلف كيف تشكلت النواة الأولى على يد مثقفين شباب متأثرين بالفكر الإنساني والثورة البلشفية، ثم تجسدت في تأسيس "الحزب الشعبي اللبناني" في أكتوبر 1924، والذي يعتبره أول حزب شيوعي منظم في الوطن العربي. يبرز دور شخصيات محورية مثل يوسف إبراهيم يزبك وفؤاد الشمالي، الذي يعود له الفضل في بناء الجانب العملي والنقابي للحزب. يوضح الفصل كيف ركز الحزب في مراحله التكوينية على العمل العمالي والقضايا المحلية، قبل أن يطغى عليها الصراع على القيادة مع وصول جيل جديد من المثقفين الذين تلقوا تدريباً أيديولوجياً في موسكو. هذا المنطق يقود القارئ مباشرة إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة ما يسميه المؤلف "ستالينية الحزب" بقيادة خالد بكداش، الذي أطاح بـ فؤاد الشمالي في خريف 1932 ونقل مركز ثقل الحزب من النشاط النقابي إلى التثقيف الأيديولوجي والتكيف مع السياسة السوفيتية. يشرح الكتاب كيف أن بكداش، الذي أصبح أشهر زعيم شيوعي في المشرق العربي لأربعة عقود، بنى موقعاً شبه ديكتاتوري داخل الحزب، تجلى في تغيير سياساته فجأة لدعم قرار التقسيم في فلسطين عام 1947 تماشياً مع الموقف السوفيتي، مما كلف الحزب شعبيته وأدى إلى حظره في لبنان وسوريا. يخلص هذا القسم إلى أن فترة حكم بكداش تميزت بالخضوع المطلق لموسكو وفقدان الحزب لدوره الطليعي.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى معالجة الأزمة الأيديولوجية العميقة التي هزت أركان الحركة في ستينيات القرن العشرين، والتي تمثلت في تحدٍّ مباشر لقيادة خالد بكداش الاستبدادية. كان الدافع لهذه الأزمة هو صعود حزب البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963، وتحول السياسة السوفيتية نحو التقارب مع الأنظمة القومية في العالم الثالث. يوضح المؤلف كيف أن الحزب الشيوعي السوري اختار مسار المسايرة والتكيف مع النظام البعثي الجديد، بينما كان رد الفعل عنيفاً داخل الحزب الشيوعي اللبناني، حيث ثار جيل جديد من الإصلاحيين، بقيادة مجموعة مجلة "الطريق الجديد"، مطالبين بالتخلص من التبعية لموسكو والاستبداد الداخلي، ورفضوا الاعتراف بقرار 242 بعد حرب 1967، ودعوا إلى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. يقدم الكتاب نقداًياً لهذه الحركة الإصلاحية معترفاً بأنها كانت "قصيرة العمر" وضعيفة سياسياً، لكنها أجبرت التيار الرئيسي للحزب الشيوعي اللبناني على التغيير. ينتقل التحليل بعدها إلى مرحلة الصحوة داخل الحزب الشيوعي اللبناني، والتي تجلت في مؤتمريه الثاني عام 1968 والثالث عام 1972. يصف الكتاب كيف نجح الحزب اللبناني في بناء خطاب سياسي مستقل وجماهيري، متخلياً عن التبعية الأيديولوجية والتنظيمية الصارمة، من خلال مراجعة نقدية لأخطائه التاريخية، خاصة دعمه لقرار التقسيم عام 1947 وموقفه السلبي من الوحدة العربية، ليتحول إلى قوة سياسية فاعلة في لبنان والعالم العربي.

يصل الكتاب إلى ذروته الدرامية مع معالجة الحرب الأهلية اللبنانية التي انطلقت في أبريل 1975. هنا، يقدم المؤلف تحليلاً للحزب الشيوعي اللبناني، الذي رأى أن الحرب كانت نتيجة حتمية للصراعات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وليس مجرد تناقضات داخلية. يشير الكتاب إلى تشكيل الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، ودور الحزب الشيوعي فيها. ويقدم تفاصيل لافتة، مثل تعليق المبعوث الأمريكي الخاص دين براون على برنامج الإصلاح الذي دعت إليه الحركة الوطنية، واصفاً إياه بأنه "عتيق" مقارنة ببرامج القرن التاسع عشر في أوروبا، قائلاً لمضيفيه اللبنانيين إنهم "لم يكونوا بحاجة لبدء حرب أهلية من أجل هذا النوع من البرامج". بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في يونيو 1982، يقدم الكتاب نقداً ذاتياً لافتاً للحزب على لسان أمينه العام جورج حاوي، الذي اعترف بإخفاق الحزب في التواصل مع الجماهير اللبنانية وفي استغلال "الجانب اللبناني من نضالنا"، معترفاً بإدانته "لتجاوزات الفلسطينيين وغيرهم من الجماعات المسلحة أو تلك التي ترتكبها القوات السورية". هذا الاعتراف يعكس حدود التحليل النظري الذي كان يميل إلى تغليب العامل الخارجي على التناقضات الداخلية. ينتهي هذا القسم بمناقشة مؤتمري الحزب الرابع والخامس، حيث استمر الحزب في محاولة إعادة تعريف دوره، وطرح مبادئ للإصلاح الديمقراطي شملت إلغاء الطائفية السياسية، لكنه اعترف بالفشل في تحقيق هذا الحل.

يخصص القسم الأخير من الكتاب لتحليل تفكك الحزب الشيوعي السوري، وهو مسار مختلف تماماً عن نظيره اللبناني. يصف الكتاب كيف تحول الحزب السوري من كيان واحد إلى فصائل متعددة متناحرة بعد عام 1973، كان السبب الجذري لها أسلوب القيادة الشخصية لـخالد بكداش. يقدم المؤلف تفصيلاً للانشقاقات المتتالية، بدءاً من انشقاق مجموعة رياض الترك في يناير 1974 التي اتهمت بكداش بـ"عبادة الشخصية"، وصولاً إلى الانقسام الكبير بين فصيلي بكداش ونائبه يوسف فيصل في منتصف الثمانينات، مما أدى إلى عقد مؤتمرين سادسين متوازيين ومنفصلين في 1986 و1987. يظهر الكتاب هنا كيف استغل بكداش علاقاته داخل الحركة الشيوعية الدولية، وخاصة مع الاتحاد السوفيتي، ليعترفوا بفصيله فقط كالحزب الشرعي، مقابل دعمه غير المشروط لنظام حافظ الأسد. يصل السرد إلى ذروته في وصف الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي أصبح مجرد أداة في يد النظام، منقسماً إلى فصائل متناحرة، كل منها يطالب بالشرعية الحصرية. يختتم الفصل بوفاة بكداش عام 1995، لكنه يترك انطباعاً بأن الحزب قد فقد كل وزنه السياسي.

يقر المؤلف في الفصل الختامي بحدود واضحة للتحليل، معترفاً بأن الحركة لم تكن كياناً ثابتاً، وأن التغيير كان موجهاً في المقام الأول بعوامل خارجية (الإمبريالية، السياسة السوفيتية) وعوامل داخلية (الاستبداد، الخضوع للأنظمة القومية). يترك الكتاب عدة أسئلة مفتوحة، منها مدى نجاح التحول من حزب نقابي قاعدي إلى حزب نخبوي مثقف تحت قيادة بكداش، وهو تحول يبدو أنه أضعف ارتباط الحزب بالحركة العمالية. كما أن التفسير الذي يقدمه الحزب الشيوعي اللبناني للحرب الأهلية كنتاج حتمي للمؤامرات الخارجية يقلل بشكل كبير من وزن العوامل الداخلية والطائفية، مما يجعل هذا التفسير قابلاً للنقاش على ضوء التعقيدات الداخلية للحرب. في النهاية، يقدم الكتاب سرداً تاريخياً شاملاً، لكنه يبرز بوضوح التناقض بين مسارين: مسار الحزب الشيوعي السوري الذي انتهى به المطاف كحزب تابع للنظام، ومسار الحزب الشيوعي اللبناني الذي ناضل من أجل الاستقلال والتجديد، لكنه بقي عاجزاً عن ترجمة أفكاره إلى قوة سياسية فاعلة قادرة على إحداث التغيير الجذري المنشود.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن حجج الكتاب قابلة للنقاش من عدة زوايا. فالتركيز المفرط على دور خالد بكداش كسبب رئيسي لأزمات الحركة قد يحجب عوامل أخرى كالضغوط الإقليمية والدولية الهائلة التي واجهتها الأحزاب الشيوعية. كما أن تحليل الحزب الشيوعي اللبناني للحرب الأهلية كمؤامرة خارجية بحتة يبدو تبسيطياً، إذ يتجاهل الوزن الكبير للصراعات الطائفية والاجتماعية الداخلية في لبنان. وأخيراً، يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً حول جدوى المشروع الشيوعي برمته في مواجهة صعود القومية والدين كقوى سياسية مهيمنة في المنطقة، وهو سؤال يعترف الكتاب بصعوبة الإجابة عنه بشكل قاطع.

الأشخاص

الفصول(9)

1.Establishment of the Communist Movement in Syria and Lebanon10–31▼ ملخص

يؤرخ هذا الفصل النشأة الأولى للحركة الشيوعية في سوريا ولبنان، ويوضح كيف تطورت الحركة علناً على عكس نظيراتها في الوطن العربي، مما يسمح بتتبعها من خلال المطبوعات والتنظيمات. يقدم المؤلف إجابة واضحة عن كيفية تشكل أول حزب شيوعي عربي في المنطقة، مسلطاً الضوء على العوامل المحلية والأفكار المستوردة التي تفاعلت لإنتاج هذه الحركة السياسية.

يبدأ الفصل بوضع السياق التاريخي والإقليمي، فيذكر أن سوريا الجغرافية (التي ضمت سوريا ولبنان وفلسطين) كانت جزءاً من الدولة العثمانية من عام 1516 حتى 1918. بعد الحرب العالمية الأولى، نشأت حكومة عربية وطنية بقيادة الشريف فيصل من الحجاز في نوفمبر 1918، واستمرت حتى يوليو 1920. في مارس 1920، عُقد مؤتمر سوري عام في دمشق ضم 85 مندوباً وأعلن فيصل ملكاً على سوريا. لكن قوى الانتداب فرضت سيطرتها، وفي معركة ميسلون في 24 يوليو 1920، هزم الفرنسيون قوات فيصل. تبع ذلك فصل لبنان عن سوريا وتأسيس دولة لبنان الكبير في 30 أغسطس 1920، بضم مناطق مسلمة إلى المتصرفية المارونية دون مراعاة لرغبات السكان.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى المرحلة التأسيسية الأيديولوجية. يوضح أن دوائر ماركسية بدأت بالظهور في المدن الكبرى في سوريا ولبنان في أوائل العشرينيات، بقيادة مفكرين من البرجوازية المثقفة تأثروا بالفكر الإنساني الغربي وبالمبادئ الاشتراكية من الثورة الفرنسية والثورة البلشفية 1917. ويبرز الفصل دور صحيفة "الصحافي التائه" (التي صدرت في 28 سبتمبر 1922 على يد إسكندر الرياشي) كمنصة رئيسية لتبادل الأفكار اليسارية، حيث تعتبر "المرحلة الأولى للفكر الشيوعي". ويُذكر أن يوسف إبراهيم يزبك (الذي عاش بين 1901 و1982) كان شخصية محورية؛ فقد انضم للصحيفة ككاتب رئيسي ويعتبرها "مدرسته الأولى". ويستشهد الفصل بتصريح ليزبك يوضح أن دافعه كان تأثره بالمجاعة في لبنان خلال الحرب العالمية الأولى ورغبته في مكافحة الظلم، دون أن يكون على دراية بالنظريات الماركسية.

يواصل الفصل تتبع التطور التنظيمي بوصول فؤاد الشمالي (1894-1939) إلى بيروت في يونيو 1923، بعد طرده من مصر لنشاطه الشيوعي. يُعتبر الشمالي حافزاً رئيسياً لتشكيل الحزب الشيوعي اللبناني. انتقل إلى بكفيا وعمل في مصانع التبغ، وشكل في أغسطس 1924 نقابة عمال التبغ العامة. في نوفمبر 1925، أسست النقابة "اللجنة النقابية العليا" التي ضمت عمالاً من مهن مختلفة. في سبتمبر 1924، حاول الشمالي وعشرة من رفاقه الاتصال بالأممية الشيوعية.

يتناول الفصل بالتفصيل تشكيل "الحزب الشعبي اللبناني" في 24 أكتوبر 1924، والذي كان واجهة علنية للحزب الشيوعي. تأسس الحزب على يد خمسة أشخاص هم: يوسف إبراهيم يزبك (أمين عام)، فؤاد الشمالي، فريد طعمة، إلياس قشعمي، وبطرس حشيمة. ويؤكد الفصل أن هذا كان أول حزب شيوعي منظم في الوطن العربي. نشأ خلاف مبكر مع ممثل الحزب الشيوعي الفلسطيني، جوزيف بيرغر، حيث رفض المؤسسون اللبنانيون الوصاية الفلسطينية وأصروا على استقلالهم. في ديسمبر 1926، وبّخت سكرتارية الشؤون الشرقية للحزب الشيوعي الدولي الحزب الشيوعي الفلسطيني لطموحاته بالهيمنة على الحركة في البلدان المجاورة.

ينتقل الفصل إلى مرحلة الاندماج والتوسع، حيث يذكر أنه في عيد العمال عام 1925، تواصل الحزب الشعبي اللبناني مع "عصبة سبارتاكوس" الأرمنية بقيادة أرتين مادويان وهايكازون بوياجيان، وتوحدا لتشكيل "الحزب الشيوعي السوري اللبناني" (al-Hizb al-Shiou'ie al-Suri al-Lubnani). عُقد المؤتمر الأول للحزب الجديد سراً في 9 ديسمبر 1925 بحضور 15 مندوباً من بيروت، بكفيا، زحلة، وحلب. قرر المؤتمر دعم الثورة السورية التي بدأت في يوليو 1925 بقيادة الدروز وانتشرت في سوريا وجنوب لبنان، والنضال ضد الإمبريالية ومن أجل الاستقلال الوطني. تعرض الحزب للقمع؛ ففي 20 يوليو 1925، أطلقت الشرطة النار على متظاهرين أمام السراي الحكومي، مما أسفر عن مقتل 10 أشخاص وجرح 40 واعتقال 60. تم اعتقال قادة الحزب في 26 يناير 1926، ولم يُطلق سراحهم إلا بعفو عام في 15 يناير 1928. خلال فترة الاعتقال، توقف نشاط الحزب، وناقشت الأممية الشيوعية إحياءه.

بعد الإفراج عنهم، يتابع الفصل كيف أعيد تشكيل اللجنة المركزية في فبراير 1928 بقيادة فؤاد الشمالي كأمين عام. تغيرت استراتيجية الحزب إلى العمل السري و"خداع السلطات". شارك الحزب في المؤتمر السادس للأممية الشيوعية (من 17 يوليو إلى 1 سبتمبر 1928) وقُبل عضوياً فيها، مما أكسبه استقلالاً عن الحزب الشيوعي الفلسطيني. غيّر الحزب اسمه إلى الحزب الشيوعي السوري ليعكس رفضه التقسيم الفرنسي. في عام 1929، شن الحزب حملة ضد الدستور الذي فرضه المندوب السامي، معتبراً إياه أداة لتفتيت البلاد، وطالب بعقد مؤتمر شعبي سوري.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن النشاط العمالي، حيث عُقد المؤتمر الوطني الثاني في أبريل 1930 بحضور 36 مندوباً. قاد الحزب حملات ناجحة، منها مقاطعة شركات الكهرباء والترامواي في مارس 1931، مما أدى إلى تخفيض أسعار الكهرباء بنسبة 40% والترامواي بنسبة 20%. كما أصدر الحزب برنامجاً مفصلاً في 7 يوليو 1931 بعنوان "لماذا يناضل الحزب الشيوعي السوري"، حدد فيه أهدافه مثل تحرير سوريا، تحسين ظروف العمال والفلاحين، تحرير المرأة، ومنع تشغيل الأطفال تحت 15 عاماً.

يختم الفصل بوصف المرحلة التكوينية ونهايتها، مسلطاً الضوء على صراع الأجيال والأيديولوجيات. في خريف 1932، قاد خالد بكداش انقلاباً داخل الحزب أدى إلى طرد فؤاد الشمالي بتهم غير مثبتة. يعتبر الفصل أن هذا الانقلاب كان نقطة تحول، فقد أشار إلى نهاية المرحلة التكوينية وبداية مرحلة جديدة قادها جيل من الشباب تلقوا تدريباً أيديولوجياً في معهد الماركسية-اللينينية في موسكو، مما نقل مركز ثقل الحزب من النشاط العمالي إلى التثقيف السياسي للمثقفين ومكافحة الفاشية. يشيد المؤلف على لسان يوسف يزبك بفضل فؤاد الشمالي في بناء الحزب تنظيمياً، ويخلص إلى أن الأساس المعرفي للحركة نشأ من تأملات مثقفين شباب مهمشين، بينما أسس الشمالي جانبها العملي النقابي.

يقر الفصل بعدة حدود وتحفظات، منها اعتراف يوسف يزبك بأن مؤسسي الحزب لم يكونوا على دراية عميقة بالنظرية الماركسية أو اللينينية، وأنهم كانوا يسيرون "على غير هدى" في البداية. كما يشير الفصل إلى الصعوبات التي واجهها الحزب في علاقته مع الأممية الشيوعية، خاصة فيما يتعلق بالوصاية الفلسطينية وقضية "تعريب" القيادة وهيمنة الأقليات (الأرمن بشكل خاص) فيها. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول مدى نجاح التحول من حزب نقابي قاعدي إلى حزب نخبوي مثقف تحت قيادة بكداش، وهو تحول يبدو أنه أضعف ارتباط الحزب بالحركة العمالية المباشرة.

2.The Bakdash Regime: Stalinization of the Party32–66▼ ملخص

يبدأ الفصل بتقديم شخصية خالد بكداش، الذي يُعتبر أشهر زعيم شيوعي في المشرق العربي لأربعة عقود، من بداية الثلاثينيات حتى وفاته عام 1998. يشير المؤلف إلى أن بكداش تمكن من بناء موقع شبه ديكتاتوري داخل الحركة الشيوعية في سوريا ولبنان، مما جعل إسهاماته السياسية والفكرية تؤثر بعمق على أصدقائه وأعدائه على حد سواء.

يتناول الفصل المسيرة المبكرة لبكداش: انضم إلى الحزب الشيوعي السوري اللبناني الناشئ عام 1930 في دمشق، وهو طالب قانون يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً. تتضارب المصادر حول مهنة والده، الذي كان إما ضابط مدفعية سابقاً أو حارساً لأشجار الزيتون، لكنهم يتفقون على قسوته وعدائه للانتداب الفرنسي، وهي صفات ورثها ابنه. سرعان ما تسلق بكداش السلم الحزبي: أضحى سكرتيراً لفرع دمشق في أوائل 1931، ثم عُيّن في اللجنة المركزية في منتصف العام نفسه بترشيح من أرتين مدويان، وبعد ستة أشهر فقط (في أوائل 1932) أصبح الأمين العام للحزب بعد إطاحة الشمالي.

توقف مسار بكداش المهني ليتوجه في 23 ديسمبر 1933 إلى موسكو ليلتحق بمعهد الماركسية-اللينينية، وبقي هناك حتى 1937. خلال هذه الفترة، وتحت رعاية مدويان، عُيّن في 1934 ممثلاً دائماً للأحزاب الشيوعية العربية في الكومنترن. يوضح الفصل أن غياب بكداش لم يترك فراغاً، بل أدار أرتين مدويان الحزب بالنيابة عنه بمساعدة أعضاء جدد هم فرج الله الحلو ونقولا شاوي، دون وجود هيكل حزبي رسمي آنذاك. في مارس 1936، أصبح فرج الله الحلو سكرتيراً عاماً للحزب.

يسجل الفصل تطور النشاط الحزبي: خاض مدويان وسعد الدين المونة الانتخابات اللبنانية في يناير 1934 تحت شعار تحالف العمال والفلاحين، مطالبين بالاستقلال والحريات الديمقراطية. وفي مايو 1934، أطلق الحزب جريدته السرية "نضال الشعب"، ثم اشترى مطبعة لها عام 1935. ونتيجة لمؤتمر الكومنترن 1934 وصعود الجبهة الشعبية في فرنسا 1936، التي جعلت نشاط الحزب شبه قانوني، سعى الشيوعيون السوريون للتعاون مع التيار الوطني. ومع ذلك، يلاحظ الفصل أن بكداش أيد المعاهدات الفرنسية-السورية التي لم ترقَ إلى مستوى المطالب الوطنية الكاملة.

يبرز الدور الإقليمي للحزب الشيوعي السوري اللبناني، حيث أصبح الوصي الفعلي على الشيوعية في العالم العربي. فقد فوض له الكومنترن اختيار ممثلي الأحزاب الشيوعية العراقية والفلسطينية والمصرية لحضور مؤتمر الكومنترن السابع عام 1935. يرسم الفصل خلفية هذه الفترة الحافلة بالتوتر: تأزم اقتصادي بسبب ربط الليرة السورية بالفرنك، هبوط المستوى المعيشي، احتجاجات عمالية في دمشق وحلب نظمها الحزب الشيوعي في أواخر 1934، واضطرابات طلابية في فبراير-مارس 1935، تفاقمت بوفاة الزعيم الوطني إبراهيم هنانو في نوفمبر 1935.

بلغت الاحتجاجات ذروتها بإضراب عام شل البلاد في يناير 1936، وبرزت الكتلة الوطنية كمحرك للانتفاضة. توقف الفصل عند مفاوضات المعاهدة السورية-الفرنسية: بعد وصول حكومة ليون بلوم في فرنسا إلى السلطة، ترك بكداش موسكو وانضم إلى الوفد السوري في باريس، وتم الاتفاق المبدئي في 9 سبتمبر 1936. توجب على المعاهدة إنهاء الانتداب مع احتفاظ فرنسا بنفوذ عسكري وثقافي ومالي، ووعدت بوحدة الأراضي السورية وعودة النظام البرلماني. ومع ذلك، أثارت المعاهدة معارضة من القوميين العرب الذين رفضوا الإبقاء على النفوذ الفرنسي، ومن اللبنانيين المسلمين في طرابلس الراغبين بالعودة إلى سوريا.

بعد فوز الجبهة الشعبية، هدأت الإجراءات القمعية قليلاً، وزاد التنسيق بين الحزب الشيوعي السوري اللبناني والحزب الشيوعي الفرنسي. أُرسل رفيق رضا وفؤاد قزان كموجِهين للارتباط في باريس. ومع تحرير الصحافة في بيروت، أصدر الحزب "صوت الشعب" في 15 مايو 1937 داعماً للحكومة الفرنسية الجديدة. عقد الحزب مؤتمراً للقيادة في فبراير 1937 شكّل فيه بكداش لجنة مركزية رسمية وأمانة سر تحت سيطرته. ترشح الحزب للانتخابات اللبنانية في نوفمبر 1937 بثلاثة مرشحين لم يفز أي منهم. في فبراير 1938، صدرت أول صحيفة شيوعية أرمينية. يذكر الفصل اعتراف مدويان متأخراً بأن بكداش لم يحترم مبدأ القيادة الديمقراطية اللينينية، مما خلق "عبادة شخصية".

رغم الدعم الشعبي، أُحبطت معاهدة 1936: اعترضت الأقليات الدينية على حكم الأغلبية السنية، وانهارت حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا في يونيو 1937، لتحل محلها حكومة أكثر محافظة. حاول رئيس الوزراء السوري جميل مردم بك إنقاذ المعاهدة بتقديم تنازلات، مما أثار احتجاجات بقيادة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر. انحاز الحزب الشيوعي بشدة إلى جانب المعاهدة. بحلول 10 يوليو 1939، علّق المندوب السامي الفرنسي الدستور وحل البرلمان السوري. مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، أغلقت سلطات الانتداب صحيفة "صوت الشعب" واعتقلت العديد من القادة، لكن بكداش نجا من الاعتقال.

عند دخول الاتحاد السوفييتي الحرب في يونيو 1941، دعمت الأحزاب الشيوعية العربية مجهود الحلفاء. عادت "صوت الشعب" للصدور في يناير 1942 مؤكدة هذا الدعم. ثم أعلن الجنرال كاترو في 8 يونيو 1941 أن فرنسا الحرة تعتزم إنهاء الانتداب وإعلان استقلال سوريا ولبنان. لكن السلطات الفرنسية ماطلت في نقل السلطة، مما زاد السخط وخلق مناخاً لتجديد النفوذ الشيوعي، على الرغم من أن المؤرخ ألبرت حوراني يعزو ذلك لليأس من الوضع القائم وليس لانتشار الماركسية.

عند إجراء الانتخابات البرلمانية في أغسطس 1943، تبنى الحزب الشيوعي منهجاً معتدلاً، متجنباً المواجهة ومنكراً السعي لتطبيق الاشتراكية في سوريا ولبنان. في خطاب له، طمأن بكداش الرأسماليين الوطنيين بعدم وجود نية لمصادرة ممتلكاتهم، طالباً فقط تحسين أوضاع العمال. كما أكد أن قضية البلاد ليست الاشتراكية بل إصلاحات ديمقراطية. رفع الحزب شعار "التحرر الوطني، الوحدة الوطنية، النظام الديمقراطي"، واصفاً نفسه بأنه حزب تحرر وطني قبل كل شيء، ومبرراً تحالفه مع الاتحاد السوفييتي بدافع وطني لا أيديولوجي.

يشكّل المؤتمر الوطني لعام 1943 محطة مفصلية في الفصل، عُقد في مناخ متقلب إقليمياً ودولياً. في 15 مايو 1943، تم حل الكومنترن. رحب بكداش بهذا القرار معتبراً أنه سيحرر حزبه من أي ارتباط بمركز دولي ويعزز وحدته الوطنية. دعت اللجنة المركزية لعقد مؤتمر وطني، انعقد في بيروت من 31 ديسمبر 1943 إلى 2 يناير 1944 بحضور 200 مندوب. كان هذا المؤتمر مهيأً من قبل بكداش لتقطيع الحزب الشيوعي السوري اللبناني إلى حزبين منفصلين: حزب شيوعي سوري (برئاسة بكداش) وحزب شيوعي لبناني (برئاسة فرج الله الحلو)، مع بقاء لجنة مركزية مشتركة. برر بكداش التقسيم باختلاف طبيعة الحركة الوطنية بين البلدين، وضرورة الوصول إلى الدوائر اللبنانية التي تخشى "التبعية" لسوريا، مع الإبقاء على تعاون وثيق.

أقر المؤتمر برنامجاً وطنياً لكل حزب، تضمن الاستقلال الكامل، النظام الجمهوري الديمقراطي، تعزيز التضامن العربي، حقوق المواطنة المتساوية، الحريات الديمقراطية، التعليم المجاني والإلزامي، وتحسين مستوى المعيشة. يصف المؤلف هذا البرنامج بأنه "برنامج برجوازي" لا يتضمن مبادئ اشتراكية، بل يخلو حتى من مفاهيم أساسية كالإصلاح الزراعي. وقد صرح بكداش صراحة أن الحديث عن الاشتراكية في هذه المرحلة هو "انتهازية طائفية"، وأن سوريا ولبنان بحاجة أولاً لتحقيق الاستقلال ومستوى معقول من التطور الحديث قبل الانتقال للمرحلة التالية.

في يوليو 1944، أعلنت اللجنة المركزية الموحدة وجود حزبين مستقلين. لكن يوضح الفصل بكآبة أن بكداش حافظ على سيطرته المطلقة على كلا الحزبين، وهيكل الحزب كان مجرد وهم. في أواخر 1946، دعا بكدash لعقد اجتماع طارئ وأصر على إقالة فرج الله الحلو من رئاسة الحزب اللبناني وتعيين نقولا شاوي مكانه في أقل من 15 دقيقة، مما دفع مدويان لاحقاً للتعليق بأن هذه كانت تكتيكاً لتدمير أي رفيق بارز وفرض "عبادة الشخصية". مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وانسحاب القوات الفرنسية في أبريل 1946، أيد بكداش الأهداف الوطنية للرئيس شكري القوتلي، مؤكداً أن السياسة السورية يجب أن تكون سورية وعربية، وليست تابعة لواشنطن أو لندن أو موسكو.

بلغ الحزب ذروة نفوذه في لبنان عام 1948، وكان يضم نحو 18,000 عضو وحوالي سبعين نقابة عمالية. لكن هذا النفوذ تبدد بسرعة بسبب تحول السياسة تجاه فلسطين. يشرح الفصل بالتفصيل كيف أن الحزب الشيوعي السوري اللبناني كان دائماً داعماً للفلسطينيين ضد الصهيونية ورافضاً للتقسيم. لكن عندما صوت الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة لصالح التقسيم، قام بكداش بتغيير سياسة الحزب فوراً لتتماشى مع الموقف السوفييتي، رغم تحفظات قيادات بارزة كفرج الله الحلو. هذا التحول الدراماتيكي، الذي يصفه المؤلف بأنه بُعد آخر لسيطرة بكداش وخضوعه للسياسة السوفييتية، كلف الحزب شعبيته. في 29 نوفمبر 1947، أُحرق مقر الحزب في دمشق، وحُظرت صحيفة "صوت الشعب" التي كانت توزع 18 ألف نسخة في عطل نهاية الأسبوع. في 8 يونيو 1948، حظرت الحكومة اللبنانية الحزب الشيوعي.

نتيجة لهذه الأزمة، انعقد اجتماع موسع للجنة المركزية في سبتمبر 1948، حيث واجه بكداش انتقادات حادة من عدد من القادة. لجأ بكداش إلى الانتقام، وشن حملة ضد فرج الله الحلو متهمًا إياه بمواقف معادية للسوفييت، وأجبره على توقيع نقد ذاتي مهين عام 1952. تقلصت عضوية الحزب بشكل كارثي إلى بضع مئات فقط. يعترف الفصل بأن المؤتمر الوطني الثاني للحزب عام 1968 أقر بأن الحزب نظر لقضية فلسطين من منظور ضيق، وأهمل تأثيرها الوطني، مما كان نتيجة لنظرته الخاطئة للقضايا الوطنية باعتبارها قضايا برجوازية فقط.

أدت الهزيمة في حرب 1948 إلى صدمة، تبعتها موجات من الإضرابات، ثم أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط بقيادة حسني الزعيم في 30 مارس 1949. بدأ الزعيم اضطهاد الشيوعيين، فانتقل مركز الحزب إلى بيروت. بعد سقوط الزعيم في أغسطس 1949، استمر القمع تحت حكم أديب الشيشكلي، مما دفع الحزب للانكفاء نحو موقف طائفي وعقائدي صارم، وهو ما تجسد في تقرير بكداش أمام القيادة المركزية في يناير 1951.

يمثل هذا التقرير، الذي يصفه الفصل بكل وضوح، ذروة "الستالينية" في الحزب. يحتوي التقرير على نقد لاذع لضعف الحزب السابق، الذي اعتبر أن نشاطه تركز على الطلاب والمثقفين والبرجوازية الصغيرة، وأهمل الجماهير العريضة من العمال والفلاحين. الحل، حسب بكداش، هو التبني الصارم للقواعد الستالينية. يعلن التقرير أن "البرجوازية الوطنية برمتها" ليست ثورية ولا يمكنها لعب دور أساسي في النضال، بل يجب عزلها. يرفض التقرير أي تحالف انتخابي مؤقت مع المعارضة البرجوازية. ويؤكد أن الحزب هو "القائد السياسي للشعب" ويمثل "مصلحة طبقية أعلى" للطبقة العاملة. هو "الشكل الأعلى" للتنظيم، ويجب أن يتحكم في كل المنظمات الاجتماعية الأخرى (النقابات، الفلاحين، النساء...) باعتبارها "أحزمة نقل". وفيما يتعلق بالجبهة المتحدة، يستشهد بكداش بستالين أن لها معنى ثورياً فقط إذا تمتع الحزب بالحرية الكاملة لتنظيم البروليتاريا كقوة سياسية مستقلة. يهمل التقرير قضية فلسطين تماماً ويركز فقط على الصراع الطبقي والولاء المطلق للاتحاد السوفييتي و"الرفيق العظيم ستالين". يؤكد المؤلف الأهمية التاريخية لهذا التقرير رغم قصر عمره القانوني، فهو يُظهر جوهر النظرة العالمية وأساليب العمل التي ثبت صعوبة تغييرها.

بعد سقوط الشيشكلي في فبراير 1954 وعودة الحياة الديمقراطية، رجع بكداش إلى دمشق. في سبتمبر 1954، أُجريت انتخابات تشريعية، وفاز فيها بكداش كمستقل بمقعد في دمشق، ليصبح بذلك أول شيوعي يُنتخب في الشرق العربي. في هذه الفترة، تخلى بكداش مؤقتاً عن لغته العقائدية السابقة. في مقال عام 1955، دعا كل "أعداء الإمبريالية" إلى توحيد القوى، والبحث عن نقاط الاتفاق لا الاختلاف مع جميع الوطنيين، لبناء جبهة وطنية عريضة. لعبت السياسة السوفييتية الجديدة بعد مؤتمر الحزب الشيوعي السوفييتي العشرين في يناير 1956 دوراً في هذا التحول، حيث تخلى السوفييت عن عقيدة دكتاتورية البروليتاريا لصالح التعاون مع النخب التقدمية بغض النظر عن أيديولوجيتها.

كانت الفترة من 1954 إلى 1958 حافلة بالصراع. انقسمت النخبة الحاكمة بين مؤيد للمعاهدات الغربية ومعارض لها. شكل بكداش وحلفاؤه (خاصة خالد العظم) جبهة تقدمية وطنية واجهت حزب البعث. في منتصف 1957، بدا أن هذه الجبهة تمثل تيار المستقبل، وازداد النفوذ الشيوعي. لكن هذا النمو أثار قلق حلفائهم في البعث. أمام تهديد شيوعي متزايد قرأه البعثيون، ولم يجدوا حلفاء في اليمين، لجأوا إلى حل سريع: الاندماج الكامل مع مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر. يذكر الفصل أن فارس الخوري، رئيس الوزراء السابق المحترم، شارك هذا الرأي، معتبراً أن الاتحاد هو "الطريقة الوحيدة لوقف تقدم الشيوعية في البلاد". انتهى الفصل باندماج سوريا مع مصر في 1 فبراير 1958، وهو الحدث الذي يعتبره المؤلف نتيجة مباشرة للصراع الحاد بين الشيوعيين وحزب البعث.

3.The Ideological Crisis and the Challenge to the Leadership of Khalid Bakdash67–85▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الأزمة الأيديولوجية العميقة التي عصفت بالحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني، والتحدي المباشر لقيادة خالد بكداش الذي هيمن على الحزبين لعقود. يقدّم المؤلّف إجابة واضحة مفادها أن التحولات الإقليمية الكبرى، وتحديداً صعود حزب البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963، وتوجّه السياسة السوفييتية الجديد نحو التقارب مع الحركات الوطنية في العالم الثالث، خلقت ضغوطاً هائلة على الحزبين الشيوعيين. ففي الوقت الذي اختار فيه بكداش وحزبه السوري طريق المسايرة والتكيف مع النظام البعثي الجديد، انفجرت الأزمة داخل الحزب اللبناني حيث ثار جيل جديد من الإصلاحيين ضد أسلوب القيادة الاستبدادي وضد التبعية الأيديولوجية العميقة لموسكو.

يسير الفصل خطوة بخطوة لشرح هذا الانقسام. يبدأ بوصف المشهد السياسي في سوريا بعد انهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، حيث يتناول صراع الأجنحة داخل حزب البعث بين القيادة التقليدية المحافظة والجناح العسكري الشاب بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد. يوضح الفصل أن السوفييت أنفسهم بدأوا في تمييز "القوى الصحية" داخل البعث عن جناحه اليميني المتطرف، بينما كان بكداش أكثر حذراً في نقده. ولكن بعد زيارة خروتشوف لمصر في مايو 1964 وما تلاها من تحول في السياسة السوفييتية، عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري جلسة في يونيو 1964 أصدرت وثيقة تمثل تحولاً جذرياً، اعترفت فيها بأن الشيوعيين لم يعودوا القوة الوحيدة التي تناضل من أجل الاشتراكية، ومدّت "يداً أخوية" لكل القوى المخلصة. يبرز الفصل هنا موقف بكداش الجديد الذي تبناه في مقابلاته وخطبه خلال 1965، حيث دعم مراسيم التأميم الصادرة عن الحكومة السورية في يناير 1965، ودعا إلى وحدة القوى التقدمية، وأكد على إمكانية سير سوريا في "الطريق غير الرأسمالي"، لكنه حذّر في الوقت نفسه من خطر "البرجوازية البيروقراطية" التي قد تنشأ عن رأسمالية الدولة.

ثم ينتقل الفصل بشكل حاد إلى معالجة التمرد داخل الحزب الشيوعي اللبناني، والذي كان المحرك الرئيسي لأحداث الفصل. يصف الفصل كيف عاد بكداش إلى دمشق بعد عام 1966 أكثر استبداداً، فمنع الاجتماعات والخطابات، وحاول فرض سيطرته المطلقة على الحزبين من منزله. هذا الوضع أدى إلى احتقان داخل الحزب اللبناني، الذي كان يتمتع بجو سياسي أكثر ليبرالية نسبياً. يورد الفصل أسباب التمرد الأساسية، وتشمل: العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، العلاقة بين حركة التحرر القومي العربي والحركة الشيوعية، دور البرجوازية الصغيرة، والممارسة الاستبدادية مقابل الديمقراطية داخل الحزب. يصف الكاتب أنواع المعارضة التي ظهرت: بدءاً من مجموعة ادمون عون ونخلة متري وغيرهما التي طالبت بعقد مؤتمر للحزب عام 1964 فطردت بتهمة "الانحراف الماوي"، مروراً بحزب "الثورة الاشتراكية" الموالي للصين، وصولاً إلى المجموعة الأكثر نفوذاً والأكثر تفصيلاً فكرياً، وهي مجموعة كيسر حايك، ميشال العازار، أوهانس أغباشيان، والأخوين نصيب وحسيب نمر. يصف الفصل كيف أسست هذه المجموعة مجلة "الطريق الجديد" واتخذت اسم "اتحاد الشيوعيين اللبنانيين"، وركزت هجومها على خمس قضايا أسّسية: التفسير العقائدي الجامد، العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، العلاقة مع القومية العربية (خاصة القضية الفلسطينية)، التحالف مع الأنظمة العربية القائمة، والتنظيم الحزبي الستاليني.

يغوص الفصل عميقاً في التحليل الفكري لهذه المجموعة الإصلاحية، مستشهداً بأفكار نـصيب نمر ومقالات عاطف البزري. لقد رفضوا الخضوع لـ "الهيمنة الأيديولوجية السوفييتية أو الصينية"، ودعوا إلى تطبيق الماركسية بشكل خلاق يتلاءم مع الظروف العربية، وهاجموا قيادة بكداش لتصويرها دول الاشتراكية على أنها "يوتوبيا"، ولتخليها عن استقلالها السياسي والفكري. كان الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي أحد أهم نقاط الخلاف، حيث رفضت مجموعة "الطريق الجديد" الاعتراف بإسرائيل ودعت إلى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، معارضةً بذلك قبول القيادة الرسمية لقرار مجلس الأمن رقم 242 بعد حرب 1967. كما هاجموا بشدة نزعة بكداش للتحالف مع "الحكام العرب بغض النظر عن شكل حكومتهم"، مفرقين بين العمل المشترك للشعوب والعمل المشترك للحكومات، ورأوا أن الحكام الرجعيين سيعملون دائماً على تخريب أي جهد تحرري.

يُخصص الفصل قسماً كبيراً لعرض أفكار نصيب نمر من كتابه "فلسفة الحركة الوطنية التحررية"، والذي يعتبره المؤلّف التعبير الأكثر اكتمالاً لموقف المجموعة المنشقة. يطرح نمر أطروحة نقدية عميقة: فهو يرفض مفهوم "الاشتراكية العربية" الحصرية ويعتبرها انحرافاً خطيراً، كما يرفض الجمود الأيديولوجي الذي يكتفي بإعادة إنتاج تجارب الآخرين. دعا نمر إلى صياغة "فلسفة للحركة الوطنية التحررية" ترتكز على الواقع المادي العربي، وتستفيد في الوقت نفسه من المادية الجدلية والتاريخية وتراث المفكرين الماديين العرب مثل ابن رشد وابن خلدون. كان نمر صارماً في رفضه لأي تحالف مع البرجوازية، ورأى أن دورها التحرري مؤقت ومصالحها مرتبطة بالرأسمالية العالمية. وهو بذلك وضع أسساً لنقد جذري لكل من الماركسية الجامدة والقومية البرجوازية، معتبراً أن الخلط بينهما هو سبب ضعف اليسار العربي.

يُقر الفصل في ختامه بوجود حدود واضحة لهذه الحركة الإصلاحية، فيصفها بأنها كانت "قصيرة العمر" و"ضعيفة سياسياً نسبياً". ومع ذلك، يرى المؤلّف أن تأثيرها لم يمر دون أثر، إذ أجبرت التيار الرئيسي للحزب الشيوعي اللبناني على إجراء تغييرات، منها توسيع اللجنة المركزية في ديسمبر 1965 بضم أعضاء إصلاحيين مثل كريم مروة، وطرد اثنين من كبار أنصار بكداش في 1967، مما مهد الطريق لتغيير جوهري في الحزب لاحقاً.

يخلُص المؤلّف إلى أن هذه المرحلة الثالثة (من 1961 إلى 1967) تميزت بمسارين متباينين: مسايرة الحزب الشيوعي السوري لحكم البعث وخضوعه لقيادة بكداش المتكيفة، ونضال الحزب الشيوعي اللبناني لتجاوز الجمود الفكري الذي فرضته تلك القيادة. ويشير ترك الفصل لبعض الأسئلة حول التطبيق العملي لهذه الأفكار الثورية في سياق عربي معقد، مما يجعل التحليل النظري يبدو أحياناً أكثر إثارة من فعاليته السياسية المباشرة.

باختصار، هذا الفصل هو دراسة حالة لأزمة هوية داخل حركة شيوعية إقليمية، حيث يجيب عن سؤال كيف تتصدى الأحزاب لضغوط التكيف مع الأنظمة القومية من جهة، وللتمرد الداخلي الذي يطالب بالعودة إلى المبادئ التأسيسية للحركة وتحريرها من التبعية الخارجية والاستبداد الداخلي من جهة أخرى. تبدو حجج الإصلاحيين قوية وقابلة للنقاش، إذ يتهمون القيادة الرسمية بخيانة الماركسية بينما تتهمهم القيادة بالانحراف والماوية، وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحاً حول أي مسار كان سيخدم القضايا التحررية بشكل أفضل.

4.The Lebanese Communist Party87–106▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الحزب الشيوعي اللبناني وفترة تحوّله الجذري خلال النصف الثاني من الستينيات وأوائل السبعينيات. يقدّم المؤلف الحزب كحالة فريدة بين الأحزاب الشيوعية العربية، إذ تمكّن من استعادة حيويته من خلال عملية ديمقراطية داخلية غير مسبوقة، مخرجاً نفسه من "العزلة التقليدية" ليكون قوة سياسية فاعلة في لبنان والعالم العربي. الإجابة المحورية التي يطرحها النص هي أن الحزب الشيوعي اللبناني استطاع، عبر مؤتمرين حاسمين، أن يبني خطاباً سياسياً مستقلاً وجماهيرياً، متخلصاً من التبعية الأيديولوجية والتنظيمية الصارمة التي كبّلته سابقاً.

يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، فيبدأ بأزمة الحزب العميقة بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967. يصف المؤلف كيف أدّت الهزيمة إلى تفاقم الصراع الداخلي داخل الحزب، وبلغت ذروتها بانعقاد اجتماع موسّع للجنة المركزية في أيلول/سبتمبر 1967، والذي طرد شخصيات من قيادة الحزب القديمة واعتُبر نقطة تحوّل تاريخية نحو الاستقلال والديمقراطية الداخلية. هذا التمهيد يقود مباشرة إلى الحدث الأهم: انعقاد المؤتمر الثاني للحزب في بيروت عام 1968 بعد فراغ دام 24 عاماً منذ أول مؤتمر في 1943-1944. كان هذا المؤتمر مفصلياً؛ إذ أقرّ برنامجاً جديداً وهيكلاً تنظيمياً جديداً، وأظهر الحزب حيوية كبيرة في استقطاب الأعضاء، وخاصة الشباب.

يتناول الفصل بعد ذلك بالتفصيل المؤتمر الثالث للحزب الذي انعقد في كانون الثاني/يناير 1972، معتبراً إياه ذروة هذه الصحوة. يُسلّط الضوء على أربع سمات غير عادية لهذا المؤتمر: أولاً، قصر الفترة الزمنية بين المؤتمرين (4 سنوات فقط) مقارنة بالـ24 سنة التي سبقت المؤتمر الثاني، مما دلّ على انتظام الحياة الديمقراطية. ثانياً، مشاركة القواعد الحزبية بشكل غير مسبوق في صياغة السياسات وانتخاب القيادة. ثالثاً، انعقاده بعد أن استعاد الحزب وضعه القانوني في عام 1971 بموافقة وزير الداخلية آنذاك كمال جنبلاط، مما سمح بانفتاحه على وسائل الإعلام. رابعاً، طموح المؤتمر ليكون قمة للأحزاب الشيوعية العربية كلها، بل ودعوة أحزاب وقوى تقدمية غير شيوعية مثل حزب البعث السوري والعراقي ومنظمة التحرير الفلسطينية.

يشرح النص بعد ذلك مضمون القرار السياسي للمؤتمر الثالث، والذي قام على فرضيتين رئيسيتين. الأولى، أن التناقض الأساسي في المنطقة هو بين "حركة التحرر الوطني العربي" و"الثالوث المعادي" المتمثل في الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية بقيادة السعودية، مما يستوجب وحدة كل القوى الوطنية والتقدمية رغم خلافاتها. الثانية، تحليل اجتماعي-اقتصادي للبنان بصفته دولة رأسمالية تابعة، يهيمن عليها "الأوليغارشية المالية"، مما يستوجب إقامة "سلطة ديمقراطية وطنية" كمرحلة انتقالية نحو الاشتراكية. يُظهر الفصل كيف تبنّى الحزب برنامجاً اقتصادياً تفصيلياً لتأميم رؤوس الأموال الاحتكارية الأجنبية والمحلية وإصلاح زراعي جذري.

يتوسع الفصل في موقف الحزب من ثلاث قضايا مصيرية، وهي جوهر تحوله الأيديولوجي. أما القضية الأولى فهي الوحدة العربية، حيث يقدّم الفصل نقداً ذاتياً لاذعاً للحزب لمواقفه السابقة التي قلّل من شأن الوحدة. يشرح كيف راجعت قيادة الحزب أخطاءها التاريخية، لا سيما دعمها لانفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، واعترفت أن هذه السياسات "العقائدية" عزلتها عن الجماهير. تحت تأثير أفكار الأمين العام نقولا شاوي، خاصة في مقالته عام 1967، تبنّى الحزب موقفاً داعماً للوحدة العربية كضرورة للتقدم الاجتماعي والسياسي.

القضية الثانية هي فلسطين، ويقدم الفصل هنا تحولاً جذرياً آخر. يعترف الحزب صراحة في تقرير لجنته المركزية لعام 1968 بخطئه الكارثي بدعمه لقرار التقسيم عام 1947، ويقرّ بأن تبعيته للاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت كانت خطأً لأن لبنان كان "أرضاً مغتصبة". يتبنى الحزب بذلك موقفاً داعماً لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في العودة وتقرير المصير، ويدعم حركة المقاومة الفلسطينية، مع محاولة الحفاظ على نقد بنّاء لبعض ممارساتها. يؤكد الفصل أن الحزب رفض فكرة أن تكون المقاومة "طليعة" القوى التقدمية وحدها، وأصرّ على أنها جزء من حركة التحرر الأوسع. كما مارس الحزب العمل العسكري دعماً للقضية من خلال دعمه لتنظيم "قوات الأنصار" بين 1970-1972.

القضية الثالثة هي الاشتراكية في العالم العربي، ويناقش الفصل كيف طوّر الحزب رؤيته الخاصة. اعتبر الحزب أن وصول البرجوازية الصغيرة الراديكالية إلى السلطة في بعض الدول العربية (كما في مصر وسوريا) هو مرحلة تحضيرية وليس اشتراكية. وشدد على مبدأين أساسيين: ضرورة "ديكتاتورية البروليتاريا" بقيادة الحزب الشيوعي كشرط للانتقال الحقيقي للاشتراكية، ورفضه القاطع للانقلابات العسكرية كأسلوب للتغيير، مفضلاً النضال الجماهيري التحتي. وأعلن الحزب استعداده للتعاون مع كل القوى في إطار جبهة وطنية، لكنه أصرّ على الحفاظ على هويته المستقلة.

في ختام الفصل، يقرّ المؤلف بوجود وجهات نظر نقدية موجهة للحزب. أشار إلى أن المؤتمر الثالث تعرّض لهجوم شديد من المصادر الليبية خاصة، التي اتهمته بأنه يعترف ضمنياً بحق إسرائيل في الوجود، وأنه يخدم الإمبريالية بالهجوم على الصين ومدح الاتحاد السوفييتي. كما ينقل الفصل انتقادات من عضو المكتب السياسي كريم مروة، الذي أعرب عن تشاؤمه بعد عام من المؤتمر إزاء "تقوية وجهات النظر اليمينية"، واعترافه بصعوبة تحقيق الوحدة العربية والتقدم الاجتماعي في ظل هيمنة التيارات الرجعية. هذه الاعترافات والانتقادات المتبادلة تُظهر أن الفصل لا يقدم الحزب بشكل مثالي، بل يعترف بحدوده ومعارضيه، ويبرز الطبيعة الجدلية والعاصفة للمرحلة التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.

5.The Lebanese Civil War107–137▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بتحليل الحزب الشيوعي اللبناني للحرب الأهلية اللبنانية، التي انطلقت في أبريل 1975، ويخلص إلى أن اندلاعها كان نتيجة حتمية ليس للتناقضات الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل للصراعات الإقليمية والدولية الأوسع، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. يرى الحزب أن لبنان تحول إلى ساحة معركة بين القوى التقدمية والرجعية في العالم العربي، حيث تداخلت القوى المحلية والإقليمية والدولية بشكل لا ينفصم. وقد صرح جورج حاوي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني، بأن الهدف من التغيير يجب أن يكون تحويل لبنان من "أضعف حلقات النظام الرأسمالي العالمي" تحت حكم نظام سياسي طائفي شبه إقطاعي، إلى دولة عصرية وديمقراطية وعلمانية قادرة على حل مشاكلها التنموية والاجتماعية.

يركز الفصل على تشكيل الحركة الوطنية اللبنانية في أغسطس 1975 كمنظمة جامعة لقوى تقدمية وشخصيات سياسية بقيادة كمال جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي. ضمت الحركة أحزاباً مثل حزب البعث، والحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وغيرها. دعت الحركة إلى إصلاح ديمقراطي في كل مناحي الحياة اللبنانية ورفض السياسة الطائفية. يذكر الفصل أن برنامج الحركة وُصف من قبل البعض بأنه "عتيق" مقارنة ببرامج القرن التاسع عشر في أوروبا، حتى أن المبعوث الأمريكي الخاص دين براون علق قائلاً لمضيفيه اللبنانيين إنهم "لم يكونوا بحاجة لبدء حرب أهلية من أجل هذا النوع من البرامج".

يحلل الفصل تقييم الحزب الشيوعي اللبناني للحرب، حيث رأى أن الأزمة اللبنانية نتجت عن الضغوط المتزايدة لفرض تسويات في المنطقة لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيراً إلى أن النظام الإقليمي بقيادة مصر بعد اتفاقية فك الاشتباك المصرية الإسرائيلية عام 1975 ساهم في خلق مناخ ملائم لهذه المؤامرة. اعتقد الحزب أن القوى الرجعية العربية والإسرائيلية أرادت إضعاف حركة المقاومة الفلسطينية كتمهيد لتصفيتها الكاملة، وأن "البرجوازية الطفيلية" في لبنان لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات. ويصف الحزب حزب الكتائب اللبنانية (حزب الفالانج) بأنه جماعة فاشية.

ينتقل الفصل إلى مناقشة المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي اللبناني في يوليو 1979، والذي عُقد على خلفية أزمة عميقة. يركز تقرير اللجنة المركزية المقدم للمؤتمر على وضع الحرب الأهلية ضمن سياق أزمة الشرق الأوسط، ويعتبرها مؤامرة إمبريالية صهيونية انعزالية. ينتقد التقرير "وجهي الانهزامية": الأول الذي يقلل من شأن الهجوم الإمبريالي، والثاني الذي يقلل من قدرة المقاومة. يثير التقرير مسألة الحل السياسي للمشكلة الفلسطينية، متجاوزاً الجدل الدائر حول القرار 242، ويقدم ثلاث وجهات نظر: أن أي حل مفروض سيفشل في تحقيق سلام عادل، وأن الحل العادل يتطلب تغييراً في ميزان القوى لصالح العرب، وأن جوهر المشكلة هو القضية الفلسطينية.

يصف الفصل كيف رأى الحزب أن الحرب الأهلية هي نتاج مؤامرة خارجية تهدف إلى إخراج لبنان من ساحة الصراع الإقليمي بعد مصر، وأن قضية انتماء لبنان القومي للعروبة هي محور الصراع. يعدد الفصل عوامل هذا البعد من الصراع، مثل الجذور التاريخية للطائفية، ودور الانتداب الفرنسي في تعزيز الامتيازات الطائفية، وتأثير قيام دولة إسرائيل، وهزيمة 1967 التي أعطت دفعة للانعزالية. لمواجهة المشروع الإمبريالي لعزل لبنان، دعا الحزب إلى إنشاء تحالف وطني عريض، وتطوير تيار وطني ديمقراطي مسيحي، وتعزيز وحدة الحركة الوطنية اللبنانية.

يناقش الفصل تقييم الحزب لواقع الحركة القومية العربية، والتي اعتبرها تعاني من "أزمة قيادة طبقية" للبرجوازية. ينتقد التقرير دور البرجوازية الصغيرة الثورية، التي أظهرت تردداً وفشلت في تحقيق التحولات الرئيسية. يقر الفصل بأن الحزب الشيوعي اللبناني، كحزب للطبقة العاملة، فشل في أداء دوره في صياغة برنامج قادر على انتشال حركة التحرر من أزمتها. يعد فشل الحزب في هذا الجانب بمثابة اعتراف بالحدود النظرية والتطبيقية التي واجهها. ويطرح المؤتمر الرابع شروطاً لبناء حزب شيوعي جماهيري ومقاتل، منها تعزيز الصلات بالجماهير، وتدريب الكوادر، وتحويل اللجان المحلية إلى لجان قيادية، وتوسيع علاقات الحزب مع الأحزاب الشيوعية العربية وحركات التحرر.

يتناول الفصل غزو إسرائيل للبنان في يونيو 1982 ورد فعل الحزب الشيوعي اللبناني. أصدرت اللجنة المركزية في أغسطس 1982 نداءً عاجلاً، أدانت فيه الدعم العسكري والسياسي الأمريكي للعمليات الإسرائيلية. رأى الحزب أن الغزو يهدف إلى التصفية السياسية والجسدية للمقاومة الفلسطينية وفرض سلام أمريكي إسرائيلي على الدول العربية. انتقد الحزب "التناقض الصارخ في الموقف العربي الرسمي" وتواطؤ الأنظمة العربية الرجعية، وانتقد بشكل خاص موقف الرئيس اللبناني إلياس سركيس وبعض المسؤولين اللبنانيين. حذر التقرير من prospect سيطرة بشير الجميل على الرئاسة وفرض هيمنة فاشية على البلاد.

بعد الغزو، يعترف جورج حاوي في مقابلة بأن "حركة التحرر القومي العربي قد انغمست في أزمة، وفي حالتها الحالية لا تستطيع هزيمة الإمبريالية والصهيونية والرجعية". يقدم حاوي نقداً ذاتياً للحزب، معترفاً بإخفاقه في إقامة اتصالات أوثق مع الجماهير اللبنانية وإدانته "لتجاوزات الفلسطينيين وغيرهم من الجماعات المسلحة أو تلك التي ترتكبها القوات السورية في قوة الردع العربية". يقر الحزب بأنه فشل في استغلال "الجانب اللبناني من نضالنا"، ولم يكن منفتحاً ومرناً بما يكفي في علاقاته مع حركة أمل والتجمعات الإسلامية والقوى الديمقراطية المسيحية.

يركز الفصل على جهود الحزب الشيوعي اللبناني لإعادة تعريف دوره بعد الغزو، مؤكداً على أن المقاومة في لبنان يخوضها "الوطنيون اللبنانيون" في المقام الأول. أراد الحزب الابتعاد عن الارتباط المفرط بالمقاومة الفلسطينية والتركيز على "المشكلة اللبنانية". في سبتمبر 1982، شكل الحزب مع منظمة العمل الشيوعي وحزب العمل الاشتراكي العربي جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، والتي انضمت لاحقاً إلى جبهة الخلاص الوطني بقيادة وليد جنبلاط وحركة أمل. حافظ الحزب على استقلاليته كطليعة للطبقة العاملة، لكنه سعى إلى توجيه تحالفه ضد العدو الرئيسي دون إقامة علاقات تبعية مع حلفائه.

يقدم الفصل المبادئ الستة التي طرحها الحزب في فبراير 1984 كأساس للإصلاح الديمقراطي، والتي تضمنت: التأكيد على الهوية العربية للبنان، والإلغاء الكامل للطائفية السياسية، وإصلاح النظام البرلماني على أساس التمثيل النسبي، وإعادة توزيع السلطات، وجعل مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية وليست طائفية، وتنفيذ تحول اجتماعي اقتصادي جذري. يعترف الحزب بأن هذه المبادئ لا تعني أي طموحات لبدء تحول اشتراكي، بل هي اختبار لإرادة تنفيذ الإصلاح الديمقراطي الأساسي. بحلول 1985، يعترف جورج حاوي بالفشل في تحقيق هذا الحل الديمقراطي، مشيراً إلى سببين رئيسيين: الأول هو تباين الآراء حول إصلاح المجتمع اللبناني بين الوطنيين، حيث نمت "النزعات الدينية والطائفية" التي أصبحت تشكل مقاومة متزايدة للإصلاحات، والثاني هو السياق الدولي الذي يهيمن عليه الضغط الأمريكي لفرض تسوية على غرار كامب ديفيد، والذي قبله جزء من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.

يختتم الفصل بمناقشة المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي اللبناني في فبراير 1987 في بلدة باقلين في جبل الشوف. أعاد المؤتمر انتخاب جورج حاوي أميناً عاماً، وتبنى قراراً يطالب بوقف فوري للحرب ضد المخيمات الفلسطينية. تناول المؤتمر الانهيار الشامل في مختلف مجالات الحياة في لبنان، وتعمق أزمة حركة التحرر القومي العربي، معتبراً إياها "أزمة قيادة طبقية برجوازية". ناقش المؤتمر العلاقة بين القوى الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية، مؤكداً على حق الفلسطينيين في استخدام الأراضي اللبنانية لنضالهم، لكن بشرط أن يرتبط ذلك بمهام التحول الديمقراطي الوطني اللبناني وألا يتعارض معها. أصدر المؤتمر قراراً يتحدى المؤسسة الطائفية ويدعو إلى حل داخلي للأزمة، معترفاً بأن النزعات الدينية والطائفية المتزايدة داخل المعارضة الوطنية كانت أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الصراع المسلح.

في تحليل نقدي، يمكن القول إن الفصل يقدم رؤية الحزب الشيوعي اللبناني للحرب الأهلية كنتاج حتمي للمؤامرات الخارجية والإقليمية، مما يقلل بشكل كبير من وزن العوامل الداخلية والتناقضات الطائفية والاجتماعية الاقتصادية الذاتية في لبنان. هذا التفسير، الذي يركز بشكل شبه حصري على البعد الإمبريالي والصهيوني، يمكن مناقشته على ضوء التعقيدات الداخلية للحرب، حيث كانت الصراعات بين الميليشيات اللبنانية المختلفة على السلطة والنفوذ والموارد، والانقسامات الطائفية العميقة، عوامل لا يمكن اختزالها في مجرد "أدوات" لمؤامرة خارجية. كما أن إقرار الحزب المتأخر بفشله في التواصل مع الجماهير اللبنانية وفي استغلال "الجانب اللبناني من النضال" يعكس تناقضاً مع تحليله النظري الذي كان يميل إلى تغليب العامل الخارجي.

6.Postwar Reconstruction138–158▼ ملخص

بدأت هذه المرحلة بموجة نقاش فكري واسعة أثارتها سلسلة مقالات كتبها كريم مروة، نائب الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ونشرت في حزيران/يونيو 1986 في مجلتي "الطريق" (القاهرة) و"السفير" (بيروت). أعيد نشر هذه المقالات لاحقاً في كتاب عام 1990، وأثارت جدلاً حاداً في لبنان والعالم العربي. جادل مروة بأن عملية التجديد لا يمكن أن يقوم بها حزب واحد أو مجموعة محددة، بل يجب أن تشمل قوى متعددة: الماركسيين، الاشتراكيين، القوميين، والأحزاب الدينية الثورية. أثارت دعوته الموسعة هذه أسئلة جوهرية حول مدى إمكانية نجاح هذا الحوار، وتأثير التاريخ المتوتر والدموي أحياناً بين هذه القوى، وتباين وجهات نظرها تجاه الأزمة الاشتراكية. ففي حين اعترف الشيوعيون بوجود أزمة في التجربة الاشتراكية والنظام العربي، كان القوميون منقسمين بين العجز والقمع، بينما شعر الإسلاميون بثقة بسبب صعودهم في عدة مناطق. شكلت أجندة النقاش، التي ركزت على قضايا الثورة والديمقراطية ومهام التحرر الاجتماعي والوطني، حجر الزاوية في الصراع بين هذه القوى السياسية.

استهل مروة نقاشه بدراسة مفهوم القومية، ذاكراً أن الانتماء شكل طبيعياً قديماً للبشر، لكنه لم يأخذ بُعْداً طبقيّاً إلا مع ظهور الرأسمالية. رأى أن المسألة القومية في عصرنا، وخاصة في بلداننا، لن تجد حلاً إلا إذا توحدت الفئات والطبقات الاجتماعية التي لها مصالح في الازدهار الوطني لتحقيق برنامج يمثل مصالح الأمة في التحرر والتقدم. وأكد أن خصوصية المسألة القومية في العالم العربي تكمن في كونها تشمل مجموعة من الأمم تطورت بشكل مستقل ومتفاوت لكنها تشترك في رابطة عميقة. وأشار إلى أن الحركة القومية العربية الحديثة التي تبلورت في مطلع القرن العشرين أعاقها التدخل الاستعماري، ثم أضفت عليها أحداث داخلية وخارجية، خاصة ثورة أكتوبر 1917، مضامين جديدة مثل تقرير المصير كتعبير عن التحرر من الإمبريالية. ودعا مروة إلى علاقة جديدة يربط فيها نضال كل بلد عربي من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية عضوياً بحركة التحرر القومي العربي.

تناول مروة أيضاً موقف الحزب من الدين والتراث والثورة، مركزاً على أن الموقف من الدين يجب أن يبنى على أساس اعتبار التراث ظاهرة تاريخية وواقعاً اجتماعياً مؤثراً في الوعي السائد. وشدد على أن فهم الدين يجب أن ينطلق من السياق العام للتراث العربي الإسلامي، وعند دراسة الأحزاب الدينية، يجب التركيز على علاقتها بالظروف الاجتماعية الموضوعية وليس بالدين فقط. اعترف مروة بدور محدود للدين في تشكيل الوعي العام، لكنه دعا من هذا الموقف إلى إعادة النظر في الدين وتقييمه، معتبراً أن فهماً خاطئاً للدين، يُعزى إلى الماركسية، أثر على العلاقة بين الشيوعيين والجماهير المؤمنة. وأوضح أن الأحزاب الدينية هي بالأساس حركات سياسية تطمح إلى السلطة وتختلف في مواقفها السياسية والطبقية رغم اعتمادها المشترك على الدين كأيديولوجيا، لكنه رأى إمكانية للتقارب بين "الحركة الثورية" (الماركسية بشكل أساسي) والتنظيمات الدينية المناهضة للإمبريالية والصهيونية.

دعا مروة إلى حركة ثورية ونظرية جديدة، معتبراً أن "الأزمة هي أبرز سمات الحياة العربية في جميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية". واقترح شعار "تنشيط الحركة الثورية العربية وتجديد فكرها السياسي" كإطار للبحث عن اختراق ثوري للواقع. ودعا إلى أن تكون النظرية السياسية الجديدة مبتكرة ومعتمدة في تكوينها على جميع النظريات الأخرى دون استثناء، وأن تقوم الديمقراطية كقناعة أساسية لضمان المنافسة السلمية. توسع النقاش ليشمل قضايا أخرى مثل مأزق الماركسية فيما يتعلق بالديمقراطية والاشتراكية. قدم حسن الرفاعي، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني، تحليلاً اعتبر فيه أن هناك قاسماً مشتركاً يربط معظم المساهمات في أفكار مروة، وهو الربط بين تجربة الدول الاشتراكية والنظرية الماركسية. ورأى أن الخلل يكمن في فهم الماركسيين للماركسية، حيث احتكر المنظرون السوفييت "إنتاج النظرية"، مما أعاق وسائل التحقق من صحة الاستنتاجات النظرية على محك الممارسة. لذلك، رأى الرفاعي أن تجديد الماركسية يجب أن يقوم على التوفيق الجدلي بين النظرية والتطبيق، معرباً عن قلقه من أن يُساء فهم دعوات التجديد على أنها تشكك في صحة المبادئ الماركسية.

انتقد سمير سعد، شيوعي لبناني معروف، دعوة التجديد من زاوية مشابهة، معتبراً أن إصرار مروة على تجديد الماركسية فقد انسجامه بمجرد تناولها كنظرية بين نظريات أخرى أو تيار بين تيارات، مما يشير إلى تخلي متعمد عن الطابع العلمي للماركسية قد يؤدي إلى مساومة تخفف من أساسها العلمي الصارم. رد مروة مؤكداً أن دعوته لحركة ثورية جديدة تعامل جميع التجارب والتيارات الفكرية كشركاء متساوين، مجدداً أن الاشتراكية يجب أن تتجدد على أساس خصوصيات تجارب بلدنا، وأن النسخة الجديدة من الماركسية يمكن أن تكون النظرية الثورية المقترحة، لكن يجب أن تأخذ في الاعتبار مساهمات التيارات الفكرية المختلفة في حل المشكلات السائدة.

شكلت "المسألة القومية" نقطة محورية في النقاش. رأى الرفاعي أن مروة يناقض نفسه، فمن ناحية يتبنى التحديدات الطبقية للمسألة القومية كما صاغها ماركس وإنجلز، ومن ناحية أخرى يرى أن حلها ممكن فقط عندما تتبناها الطبقات والمجموعات المهتمة بالتغيير. ركز مروة على الطبيعة الخاصة للمسألة القومية في العالم العربي، وحدد ثلاثة عناصر رئيسية: العلاقات والروابط المتعددة الأوجه بين هذه البلدان، والحاجة الموضوعية لتطوير هذه العلاقات، وضرورة أن يسعى كل بلد عربي بشكل فردي وجماعي إلى برنامج جذري وشامل لتحقيق أهداف التحرر الوطني والتقدم. أثارت المسألة القومية قضية التغيير والثورة والقوى القادرة على ذلك. انتقد الرفاعي التحالفات القائمة باعتبارها غير كافية وتهمل دور الجماهير، مقترحاً إعادة النظر فيها نظراً لطبيعة الحدود الطبقية غير الواضحة في العالم العربي. ومن المثير للاهتمام أن هذه الفكرة تجسدت لاحقاً في برنامج المؤتمر السادس للحزب، الذي اقترح أن الماركسية لم تعد حكراً على الطبقة العاملة. توسع مروة في مفهوم "تحالف الطبقات الثورية"، معتبراً أن مهام البلدان العربية هي مهام الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والمجموعات المثقفة، بل وحتى قطاعات كبيرة من البرجوازية، خاصة الوسطى والدنيا. قدم سمير سعد اقتراحاً مختلفاً، ناقداً رؤية مروة للتحالف الثوري بأنها مقاربة مثالية لا توفر تجاوزاً فعلياً للعقبات، مما يجعل تحريك العمل الشعبي الواعي أمراً صعباً، معتبراً إياها تكتلاً لمجموعات مختلفة جمعت على قدم المساواة مع القوى الماركسية.

ركزت مناقشات المسألة القومية على الأطروحة الماركسية "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"، وكان هناك إجماع شبه تام على ضرورة التجديد النظري. افترض مروة أن التيارات المختلفة يمكن أن تساهم بالتساوي في عملية التجديد، بينما تساءل آخرون عما إذا كان ذلك سيؤدي إلى حل وسط بين وجهات نظر متضاربة بدلاً من تجديد حقيقي. تطرق النقاش أيضاً إلى إمكانية التعاون مع القوى الدينية، وخاصة الإسلاميين. كان هناك إجماع عام على ضرورة إعادة النظر في موقف الحزب من الدين، لكن اقتراح التحالف مع التيارات الدينية أثار جدلاً. رأى مروة أن الحوار مع الجماعات الدينية قد يدفعها نحو مواقف أكثر تقدمية، مستشهداً بتأثير حركة "لاهوت التحرير" في أمريكا اللاتينية. بقي الرفاعي حذراً، معتبراً أن التحالف ممكن لكنه ليس في السياق الحالي لتنظيماتهم وتنافس تياراتهم وتعدد فصائلهم، داعياً إلى عملية تقييم قبل انضمام أي تيار ديني للتحالف.

على الرغم من أن النقاش لم يكن جديداً على الحزب الشيوعي اللبناني، إلا أنه ساعده في التغلب على أزمته الفكرية المزمنة. عقد الحزب مؤتمرين خلال التسعينيات (السادس والسابع) مثلتا بلورة لهذه النقاشات. شهدت التسعينيات تطور موقف منفتح تجاه المثقفين العرب، وترجمة أدبيات ماركسية جديدة، ونشر وثائق أحزاب شيوعية غير عربية، وأعمال رواد الفكر الاشتراكي العربي. اهتمت مجلة "الطريق" بما سمي "الماركسيين المستقلين". كما نوقشت قضايا القومية وتجديد الحركة الثورية العربية ضمن الجبهة التقدمية اللبنانية، حيث قدم سمير أمين مشروعاً لـ"تحالف وطني شعبي" كبديل لجبهات التحرير. ساهم التيار التروتسكي في النقاش، حيث دعا نزيه شعبان إلى حركة ثورية جديدة تتجاوز الحدود الوطنية المحدودة. على الرغم من التزام الشيوعيين اللبنانيين بحزبهم، استمر النقاش حول مستقبله، حيث دعا جورج البطل في نهاية عام 1994 إلى إنشاء حزب شعبي راديكالي يساري، وتكررت الدعوات لتغيير اسم الحزب، مردداً الخطر الذي اعتبره البعض تمهيداً للتخلي النهائي عن الماركسية اللينينية.

كان موقف الشيوعيين اللبنانيين من البيريسترويكا السوفييتية مماثلاً لموقف نظرائهم العرب، حيث أشادوا بها كعملية ضرورية وطفرة فكرية جديدة لإنقاذ الاشتراكية من أزمتها. في 1989، رأى المؤرخ الشيوعي مسعود ضاهر أن البيريسترويكا ضرورة عربية أيضاً. اعتُبرت البيريسترويكا حافزاً مهماً للتجديد الداخلي للماركسية اللينينية، لكن النقاشات وردود الفعل عليها أظهرت تكرار النمط القديم من التبعية للاتحاد السوفييتي. في مؤتمر عُقد في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 1988، لاحظ محمد دكروب، رئيس تحرير "الطريق"، أن ورقة العمل الأولى تركزت على أبعاد البيريسترويكا في الاتحاد السوفييتي، مخفية بعدها العربي في زاوية صغيرة، مما اضطر المؤتمر إلى إرفاق ورقة ثانية ركزت على مشاكل حركة التحرر العربي. أدى تسارع التغيير في الاتحاد السوفييتي إلى زيادة الشكوك بين الشيوعيين اللبنانيين، حيث رأى أديب نعيمة أنها استجابة للمشاكل المتراكمة، لكنه انتقد وصف المنظرين السوفييت لمشاكل الشرق الأوسط بأنها "إقليمية" تتجاهل المحتوى السياسي والطبقي للصراع. انتقد أحمد البعلبكي تلك الأحزاب الشيوعية العربية التي وافقت فوراً على البيريسترويكا، معتبراً أن ذلك يعكس نمط علاقة تبعية للاتحاد السوفييتي، ودعا إلى "العودة إلى اللينينية". لم يتبلور موقف نقدي جذري تجاه البيريسترويكا إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. جادل جورج البطل بأن الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى لم تكن أنظمة اشتراكية حقيقية أو ماركسية في المقام الأول، مفرقاً بين الماركسية والأنظمة المنهارة. كشفت شهادة محمد دكروب عن مدى ضرر التبعية الكاملة للأحزاب الشيوعية العربية للمركز السوفييتي، حيث أعاقت المشاركة الحرة في النقاش وجهود التجديد الحزبي.

في الختام، تم تحديد ثلاث مدارس فكرية في النقاشات: الأولى رأت أن الأزمة ناجمة عن شخصية الماركسيين وليس نظرياتهم؛ والثانية رأت أن النظرية الماركسية تحجرت في ظل الاتحاد السوفييتي وتحتاج إلى تجديد جدلي؛ والثالثة دعت إلى تجديد بدرجة تقترب من الانفصال عن النظرية الماركسية الكلاسيكية. كان هناك اتفاق حول أسباب الانحراف عن التجربة الاشتراكية، حيث أرجعها معظمهم إلى الستالينية. انتقد جاد الكريم الجبعاتي ظاهرة "تقديس النص" لدى الشيوعيين العرب، حيث يؤمنون بأن الأفكار تخلق الواقع وليس العكس. وأعرب محمد دكروب عن نفاد صبره من هذه المداولات المتكررة، مؤكداً أن الماركسية نظرية تاريخية نسبية تتقادم أجزاء منها وتتغير أخرى، وأنها ليست أيديولوجيا جامدة بل دليل للعمل.

نادى مروة وأنصاره بالحوار مع الإسلاميين، لكن النقاش بقي محاولة من جانب واحد حتى ظهرت بعض الردود من الجانب الإسلامي. اعترف أحد القادة الشيعة اللبنانيين بعدم وجود "موقف إسلامي موحد" تجاه الحوار، ولم يستبعد مشاركة بعض التيارات الإسلامية ذات الوعي السياسي المرتفع. رأى المفكر الإسلامي رضوان السيد، رغم إيمانه بضرورة الحوار، أن رفض الماركسية مبدئياً من قبل المسلمين الملتزمين يجعل رفض أي دعوة للحوار مع الشيوعيين أمراً محتملاً. أما الشيخ محمد حسن الأمين، المعارض القوي للحوار، فوصف دعوة مروة بأنها مجرد دعاية وليست حواراً جاداً، متسائلاً عما إذا كان من الممكن للإسلامي والماركسي أن يخضع أحدهما للآخر بمجرد قوة الدليل والحجة. واشترط شرطين مسبقين للحوار: تخلي الماركسيين عن موقفهم من الإسلام، وإعادة تقييمهم للماركسية لإقامة علاقة مباشرة مع الفكر الإسلامي دون وساطة التحليل الماركسي، داعياً إياهم للتخلي عن منهجهم الماركسي قبل الدخول في الحوار.

عُقد المؤتمر السادس للحزب الشيوعي اللبناني في 9-12 كانون الثاني/يناير 1992 وسط بيئة سياسية مضطربة على المستوى الدولي (بسبب انهيار الدول الاشتراكية)، والإقليمي (بسبب حرب الخليج وتفكك النظام العربي)، والمحلي (بسبب هشاشة السلم الأهلي على أساس اتفاق الطائف 1989 وصعود الإسلاميين). حضر المؤتمر 329 مندوباً من أصل 397، واعتُبر أهم مؤتمر منذ المؤتمر الثاني 1968، ووصف بأنه دورة استثنائية بسبب طبيعة القضايا التي تناولها، والتي لم تكن مجرد تقييم عادي بل إعادة بناء للأسس النظرية والفكرية للحزب. صرّح جورج حاوي، الأمين العام، قبل المؤتمر بأن النقاش استمر لمدة عام كامل وأدى إلى آراء متضاربة، وأن مهمتهم هي تحديد موقفهم من نموذج الاشتراكية الذي فشل في الاتحاد السوفييتي، وإعادة بناء الحزب وهويته، مع التمسك بالماركسية كعلم ومنهج، ورفض الرأسمالية، والإيمان بالاشتراكية مع التأكيد على تميزهم عن التجربة الفاشلة.

نجح المؤتمر السادس في تمهيد الطريق لعصر جديد وإنقاذ الحزب من الانهيار، حيث زادت عضوية الحزب المتعثرة بعد المؤتمر. لكنه لم يكن نموذجاً للتوافق، إذ انقسم حول قضايا مثل اسم الحزب وهيكله التنظيمي، والتي أُجلت. أكد برنامج المؤتمر على أهمية البناء على الواقع الذاتي، والاعتراف بالنسبية والتاريخية للماركسية كمذهب للتغيير الاجتماعي وليس كنص مقدس. ونص البرنامج النهائي على أن إعادة تصور الماركسية يجب أن تتم على أساس الالتزام بالتحليل العلمي للمجتمع اللبناني، والاستلهام من التقاليد التقدمية للإنسانية بما في ذلك تقاليد الحركات الثورية العظيمة والدين، مما يعني أن الماركسية ليست المصدر النظري الوحيد. كما نص على أن "الماركسية لم تعد أيديولوجيا الطبقة العاملة حصراً"، وألغى الدور الحصري للحزب الشيوعي كمركز العملية الثورية. انتقد البرنامج الفهم المشوه للعلاقة بين المادية والوعي، واختزال التحليل الاقتصادي للتحول الاشتراكي في إجراءات اقتصادية تتجاهل دور الوعي والبعد الإنساني، والأشكال السائدة للوعي بما فيها الشكل الديني.

حدد البرنامج الفرق بين الفهم التقليدي للاشتراكية والفهم الجديد في خمسة محاور: العلاقات الاجتماعية الاقتصادية، ونقص الصياغة النظرية، وإنكار دور العوامل الروحية، وعدم التوازن في الاهتمام بالعوامل الوطنية والدولية، والطبيعة الجامدة والمركزية للهيكل الحزبي. ركز البرنامج على الديمقراطية كمسألة مركزية في التغييرات الكبرى في العالم، وأكد التزام الحزب بها، رافضاً النموذج الليبرالي البرجوازي كرد فعل على الممارسات غير الديمقراطية، داعياً إلى البحث عن شكل ديمقراطي يسمح بمشاركة شعبية عالية. على مستوى الديمقراطية الداخلية، اعترف البرنامج بحق الأعضاء في المشاركة الكاملة والاعتراض ونشر وجهات النظر المخالفة، وأدان الستالينية، داعياً إلى إعادة النظر في العلاقة بين التنظيمات الحزبية وهيئات صنع القرار، لتتحول من هرمية إلى دائرية. اقترح البرنامج عقد مؤتمر الحزب سنوياً، وانتخاب أمانة عامة من 3-4 أعضاء، واستبدال اللجنة المركزية بمجلس يؤدي مهام التمثيل والإشراف. فيما يتعلق بالمجتمع المدني، أثار البرنامج قضايا استقلالية المنظمات الشعبية، وحق الحزب في توجيه أعضائه من خلال الإقناع، والدعوة إلى إصلاح شامل في النقابات والاتحادات، وإعادة النظر في مشاركة الحزب في المنظمات الدولية لصالح الانضمام للمنظمات العربية والإقليمية.

استعرض المؤتمر مفهوم الأممية، معتبراً أن وجود مركز سياسي للأممية في الاتحاد السوفييتي أدى إلى تشويه معنى وعلاقات التضامن الدولي. دعا البرنامج إلى تحالف دولي جديد يتمحور حول السلم العالمي والمشاكل البيئية، والمساواة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والمساواة في توزيع الموارد المادية، على أن يتخذ أشكالاً مختلفة. حث دول العالم الثالث على السعي للتحالف مع الدول الاشتراكية وحركات التحرر. أكد البرنامج أن الأممية الجديدة تتسم بتقليد إنساني، مع إلغاء التأكيد على الطبقة كعامل محدد، وأن المواجهة مع الإمبريالية تراجعت من جدول الأعمال. فيما يتعلق بالمسألة القومية، أكد البرنامج المواقف السابقة، معلناً أن القضية الوطنية هي الساحة الرئيسية للصراع الطبقي، ومرتبطاً بالنضال من أجل الوحدة العربية في سياق تقدمي، مع بقاء التحدي الأكبر هو الإمبريالية والاحتلال الصهيوني. حدد البرنامج أهدافاً منها مواجهة الوجود الأمريكي، وتضامن الفصائل الفلسطينية، والنضال لتحرير الأراضي المحتلة (جنوب لبنان والجولان والضفة وغزة)، والنضال من أجل التغيير الديمقراطي في العالم العربي، والحوار مع الحركات الدينية، والدعوة إلى تحالف عربي موسع. اعتُبرت القضية الفلسطينية وقضية الوحدة الوطنية المشكلتين الرئيسيتين، وأكد الحزب ضرورة السعي لحل القضية الفلسطينية بمراحل، تبدأ بإقامة دولة فلسطينية في أراضي 1967 المحتلة دون التخلي عن الحقوق التاريخية.

على المستوى المحلي اللبناني، أكد البرنامج الالتزام بالديمقراطية، ورفض "طريق التنمية غير الرأسمالية"، داعياً بدلاً من ذلك إلى تحالف واسع مع الفئات المحرومة في اقتصاد "دعه يعمل، دعه يمر" الذي يسبق "المرحلة الديمقراطية الوطنية". حدد الحزب شكلاً من الاشتراكية قريباً من التأميم، لكن القطاع العام سيقتصر على القطاعات الأساسية التي يفشل القطاع الخاص في إدارتها. اعترف الحزب بأهمية تحرير الاقتصاد وتشجيع المبادرة الفردية ومراعاة آليات السوق الحرة. تم تقليص دور الدولة إلى الإشراف والتنسيق وتشجيع الخدمات العامة وإنفاذ القوانين الاجتماعية وإدارة القطاع العام وحماية الاقتصاد الوطني. تم التأكيد على النزعة التحررية الواسعة من خلال ركائز الاشتراكية الخمس: الزيادة النوعية والكمية في الإنتاج والدخل القومي، والزيادة غير المتناظرة في الطابع الاجتماعي للملكية، وتطبيق نظام ضريبي تصاعدي، وسياسة أجور عادلة مرتبطة بالضمان الاجتماعي، ونظام خدمات اجتماعية حديث. حدد البرنامج النضال الوطني للحزب من خلال النضال من أجل الهوية الوطنية والاستقلال وعروبة لبنان، والنضال من أجل الديمقراطية، والنضال من أجل المساواة الاجتماعية. تم الربط بين الهوية الوطنية والإصلاح الديمقراطي، مع التركيز على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومواجهة الطائفية.

على الرغم من دعم الحزب لاتفاق الطائف، أشار البرنامج إلى أنه يلبي الحد الأدنى من المطالب الوطنية والديمقراطية. حدد استراتيجية بناء التحالفات على أساس مهمة محددة، أو التنسيق في المهام طويلة المدى، أو التحالف الاستراتيجي الذي قد يتطور إلى اندماج تنظيمي، مما يترك إمكانية حل الحزب أو اندماجه مع قوى أخرى مفتوحة. خلص برنامج الحزب إلى نموذج قائم على التوجه الإصلاحي الليبرالي، مما يتناقض مع ادعاء الحزب بتمثيل الطبقة العاملة لكنه يوفر له جاذبية نظرية لاستقطاب قطاع واسع من المجتمع اللبناني، ليجعله أقرب إلى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية. عُقد المؤتمر السابع في حزيران/يونيو 1993، واستبدل اللجنة المركزية بمجلس وطني ينتخب رئيساً وأميناً عاماً ومكتباً سياسياً. في كانون الثاني/يناير 1995، حلل كريم مروة الأزمة في المجتمع والفكر العربي باعتبارها أزمة وعي، وعزا صعود الأصولية الدينية إلى أعراضها، مثل تجاهل الانقسامات العرقية والدينية في بناء الدولة، وإهمال قضايا هذه الانقسامات بعد الاستقلال، وعدم كفاية التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، ومنع نمو المجتمع المدني، وفشل سياسات التنمية، وفشل الأحزاب السياسية العربية. دعا مروة جميع القوى السياسية، خاصة الماركسية والشيوعية

7.The Syrian Communist Party in Crisis160–195▼ ملخص

بدأت الحزب الشيوعي السوري مسيرته كحزب مستقل بعد انقسام الحزب الشيوعي السوري اللبناني عام 1958. مع هذا الانفصال، أصبح الحزب السوري أكثر ارتباطاً بالديناميكيات السياسية السورية الداخلية وأكثر تأثراً بها، وأقل تنوعاً في التأثيرات الخارجية. تفاقمت هذه الهشاشة مع تصاعد التوترات الإقليمية بعد حرب 1967 العربية الإسرائيلية، مما أدى إلى عزل الحزب تدريجياً وابتلاعه داخل أجهزة الدولة السورية التي كانت تتجه نحو الشمولية.

يمثل الانقلاب الذي وقع في 23 فبراير 1966، والذي أطاح بحكومة البعث بقيادة أمين الحافظ والمنظرين ميشيل عفلق وصلاح البيطار، نقطة تحول جوهرية. هذا الانقلاب، الذي كان تعبيراً عن صراع داخلي بين الجناحين العسكري والمدني في حزب البعث، فتح مرحلة جديدة للحزب الشيوعي السوري تميزت بعودة خالد بكداش إلى دمشق بعد ثماني سنوات من المنفى الاختياري (وإن كان ذلك مع قيود شديدة على نشاطه السياسي)، وعقد المؤتمر الثالث للحزب في يونيو 1969. بعد الانقلاب بفترة قصيرة، تم تعيين عضو الحزب سميح عطية وزيراً، لكن حافظ الأسد، وزير الدفاع آنذاك، أصر على أن التعيين كان على أساس شخصي وليس حزبياً. على الرغم من أن الحزب كان لا يزال غير قانوني رسمياً، إلا أنه أصبح متسامحاً معه واستأنف أنشطته.

كان المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري، المنعقد في أوائل يونيو 1969 في دمشق، حدثاً مفصلياً. حضره 101 مندوباً يمثلون التنظيمات الحزبية، وكانت نسبة العمال والفلاحين بين المندوبين 25% و 13% على التوالي، رغم أنهم شكلوا 62% من عضوية الحزب. في المقابل، شكل المهنيون والمثقفون من الطبقة الوسطى 68% من المندوبين. كان هذا أول مؤتمر ينعقد منذ ربع قرن، واستغرق التحضير له سنتين. قبل انعقاد المؤتمر، كانت التوترات تتصاعد بين خالد بكداش ومكتبه السياسي حول قضايا محورية مثل القضية الفلسطينية، والعلاقة مع الاتحاد السوفيتي، وموقف الحزب من الوحدة العربية، وأسلوب القيادة.

سعى بكداش إلى تجنب النقاش حول القضايا السياسية الخلافية، فلم يقدم برنامجاً سياسياً بل برامج اقتصادية وزراعية فقط. أشاد البرنامج الاقتصادي بتحسن الظروف الاقتصادية بعد تولي البعث للحكم، وأقر بأن الاقتصاد السوري لا يزال زراعياً حيث تشكل المنتجات الزراعية ما بين 33% و 50% من الإنتاج الصناعي. وأكد البرنامج أن سوريا دخلت مرحلة بناء الاشتراكية، داعياً إلى جبهة تقدمية قومية تضم كل القوى الصديقة. ركز البرنامج الزراعي على الظروف السورية حيث كان 68.8% من السكان يعملون في الزراعة، والتي ساهمت بـ 37% من الدخل القومي. اقترح البرنامج سلسلة من الإجراءات للإصلاح الزراعي تشمل استكمال التأميم وإعادة توزيع الأراضي، ومصادرة ممتلكات كبار الإقطاعيين، وإنشاء مزارع حكومية نموذجية، وتحسين ظروف العمال والفلاحين.

أثناء المؤتمر، ظهرت انقسامات حادة بين الأمين العام، والمكتب السياسي، وعضوية الحزب، مما أدى إلى استقطاب القاعدة الحزبية إلى معسكرين. تركزت قضايا الخلاف حول ثلاثة محاور: موقف الحزب من الوحدة العربية والقضية الفلسطينية، وعلاقة الحزب بالاتحاد السوفيتي وقضية استقلالية الحزب، والقضايا التنظيمية الداخلية وتاريخ الحزب وأخطائه السابقة وغياب الممارسات الديمقراطية. حاول بكداش التخفيف من حدة الانقسام في تقرير اللجنة المركزية، حيث أقر بوجود مظالم لكنه قلل من شأنها وركز على ضرورة الوحدة، معترفاً بمسؤولية جزئية وألقى بالمسؤولية على اللجنة المركزية. أشار إلى أخطاء منها تبني مواقف نظرية وسياسية خاطئة، وعدم عقد مؤتمر لمدة 23 سنة مما أدى إلى انتهاك المركزية الديمقراطية، وعدم الاهتمام الكافي بكوادر العمال والفلاحين.

على الرغم من إعادة انتخاب خالد بكداش أميناً عاماً بعد المؤتمر مباشرة، إلا أن محاضر المكتب السياسي أظهرت أن النقاشات الأهم تركزت حول الحياة الداخلية للحزب والفشل في عقد مؤتمر لـ 26 سنة وصولاً إلى عبادة الشخصية، والأخطاء في المواقف السياسية وخاصة المبالغة في دور البرجوازية الوطنية والموقف من التأميم، وقضية الأممية والتبعية المفرطة للاتحاد السوفيتي، وعلاقة الحزب بحزب البعث والتخلي عن دوره الريادي، وانتقاد دعم القرار 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967 والدعوة للكفاح المسلح، وأخيراً غياب برنامج سياسي متماسك.

كلف المؤتمر اللجنة المركزية بصياغة برنامج سياسي. في فبراير 1970، قام فريق الصياغة المكون من خالد بكداش، ودانيال نعمة، ومراد يوسف، وبدر الطويل، وموريس صليبي بتقديم مسودة البرنامج. تميز برنامج 1970 بتركيزه الكبير على القضايا القومية. عرّف البرنامج الحزب بأنه حزب الطبقة العاملة وطليعتها، وأعطى القضايا العربية مساواة مع القضايا الدولية، ودعا إلى التعاون مع الأحزاب الشيوعية العربية الأخرى لتشكيل حزب شيوعي عربي موحد. اعتبر البرنامج أن الوحدة العربية هدف قابل للتحقيق وواجب، وربطها بشكل وثيق بالنضال الفلسطيني. بشأن القضية الفلسطينية، دعم البرنامج حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه واستخدام أي وسيلة بما فيها الكفاح المسلح، داعياً إلى إقامة دولة علمانية ديمقراطية غير صهيونية، وهو ما يمثل رفضاً واضحاً للخط السوفيتي الداعم للقرار 242. على الصعيد السوري، أشاد البرنامج بإجراءات البعث التقدمية، وحدد أهدافاً للقضاء على العدوان الإسرائيلي وتحرير الأراضي المحتلة ودعم النظام التقدمي، ودعا إلى إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة تشمل تحسين ظروف العمال والفلاحين والشباب والنساء، وإصلاح زراعي جذري، وتطوير الجيش، وتغيير أجهزة الأمن والشرطة، وحملة لمحو الأمية ونشر التعاليم الماركسية اللينينية.

أثارت مسودة البرنامج معارضة شديدة من خالد بكداش ويوسف فيصل، اللذين بدآ حملة ضدها واصفين إياها بأنها قومية ومعادية للسوفيت. تركزت معارضة بكداش على تقييم الظروف الداخلية وعلاقة الحزب بالبعث، والموقف من الوحدة العربية والقضية الفلسطينية، واستقلالية الحزب عن السيطرة السوفيتية، والديمقراطية الداخلية. في نوفمبر 1970، وصل حافظ الأسد إلى السلطة عبر انقلاب، مما بلور الصراع على السيطرة على الحزب. أيد المكتب السياسي (بأغلبية 5 مقابل 2، مع معارضة بكداش وفيصل) المظاهرات ضد انقلاب الأسد، لكن بكداش انتهج سياسة التعاون مع النظام الجديد، معتبراً مشاركة الحزب في الحكومة توسيعاً لقاعدته الشعبية. بحلول مايو 1971، وصل الصراع بين بكداش والمكتب السياسي إلى ذروته، حيث أصدر المكتب السياسي بياناً يهاجم بكداش وأسلوب قيادته.

لحل الأزمة، وافق بكداش على وساطة من الحزب الشيوعي السوفيتي. انتقد الوفد السوفيتي مسودة البرنامج بشدة، ورفض فكرة الحزب الشيوعي العربي الموحد واعتبرها غير قابلة للتطبيق ومنافسة للبعث. انتقد الوفد مفهوم الوحدة العربية ووصفه بأنه رجعي، وأصر على أن الهدف الاستراتيجي للحزب هو الاشتراكية وليس الوحدة. رفض الوفد السوفيتي فكرة إزالة إسرائيل كدولة، ودعا إلى التركيز على تغيير طبيعتها الإمبريالية. كما انتقد الوفد المبالغة في أخطاء الماضي ودعا إلى التعاون بين قيادة الحزب.

عُقد المؤتمر الوطني في أواخر نوفمبر 1971 لعرض مسودة البرنامج، حيث تم فتح جميع القضايا الخلافية. حضر المؤتمر ممثلون عن الأحزاب الشيوعية الأردنية والعراقية واللبنانية سعياً للمصالحة. تبنى المؤتمر قرارات بإحالة التوصيات إلى اللجنة المركزية لمراجعة المسودة، وإدانة الأنشطة الانقسامية. في خطابه، شدد خالد بكداش على أن القضية الأساسية هي الموقف من الاتحاد السوفيتي، داعياً إلى تنسيق استراتيجية الحزب مع الاستراتيجية العامة للحركة الثورية الدولية بقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي. رفض بكداش فكرة الاستقلال عن السوفيت، واصفاً منتقديه بأنهم قوميون ومغامرون. استمر الشلل الحزبي، فالتجأ بكداش إلى تحكيم الحزب الشيوعي السوفيتي الذي أرسل وفداً دعمه، لكن ذلك لم يحل المشكلة.

بلغت المواجهة ذروتها في 31 مارس 1972 عندما انتخب فرع دمشق ناقداً شرساً لبكداش كأمين سر للمنطقة. رد بكداش في 3 مارس 1972 ببيان شهير هاجم فيه معارضيه ووصفهم بأنهم "مجموعة منحرفة ومغامرة وانتهازية" تسعى لتدمير الحزب، واتهمهم بتبني أفكار قومية برجوازية ومعاداة للسوفيت، ومعارضة التعاون مع نظام البعث. قدم بكداش نفسه كحارس للشيوعية في سوريا، والداعم الثابت للاتحاد السوفيتي، والملتزم بالتعاون مع النظام البعثي، مما جعله حجر الزاوية بين النظامين السوفيتي والبعثي. في المقابل، أصدر المكتب السياسي (الذي ضم ذوhir عبد الصمد، ودانيال نعمة، وابراهيم بكري، ورياض الترك، وعمر قشاش) إعلانين يردان على اتهامات بكداش، متهمين إياه بانتهاك التقاليد وعبادة الشخصية، ومؤكدين أن ولاءهم للحزب الشيوعي السوفيتي هو امتداد لتاريخ الحزب بأكمله، ومتهمين بكداش بإعادة تعريف الصراع الحزبي برمته من منظور علاقته الشخصية مع السوفيت ونظام الأسد.

8.The Disintegration of the Syrian Communist Party196–234▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل تفكّك الحزب الشيوعي السوري بعد عام 1973، ويُظهر كيف تحوّل الحزب من كيان واحد إلى فصائل متعددة متناحرة، وصولاً إلى فقدانه أي دور سياسي مؤثر. يُقدّم المؤلف طارق ي. إسماعيل الإجابة عن هذا الموضوع من خلال تتبع الانقسامات الداخلية المتتالية، والتي كان السبب الجذري لها أسلوب القيادة الشخصية لـخالد بغداش الذي حكم الحزب لعقود، ممّا أدى إلى صراعات على الشرعية والسلطة.

يسير الفصل زمنياً، مبتدئاً من انشقاق مجموعة رياض الترك في يناير 1974، والتي عُرفت بـ"فصيل المكتب السياسي"، واتهمت بغداش بـ"عبادة الشخصية". يشرح النص كيف استغل بغداش علاقاته داخل الحركة الشيوعية الدولية، وخاصة مع الاتحاد السوفيتي، ليعترفوا بفصيله فقط كالحزب الشرعي، ممّا أضعف المعارضة. كما يُظهر الفصل تبعية بغداش الكاملة لنظام حافظ الأسد، حيث قدّم دعماً غير مشروط لسياسات النظام، مثل التدخل العسكري في لبنان (يونيو 1976)، مقابل بقائه في الائتلاف الحكومي عبر "الجبهة الوطنية التقدمية".

يُفصّل الكاتب الموجة الثانية من الانشقاقات داخل فصيل بغداش نفسه. في ديسمبر 1979، انشق مراد يوسف ونافع قسمية ليشكلا "منظمة القاعدة للحزب الشيوعي السوري"، وانتقدا أسلوب بغداش القيادي. يوضح الفصل أن هذه الانشقاقات لم تكن أيديولوجية بالدرجة الأولى، بل كانت احتجاجاً على الاستبداد والهيمنة الشخصية لبغداش، وهو ما سهل على النظام السوري التعامل معها وتوظيفها لإضعاف الحزب أكثر.

يصف الفصل بالتفصيل المؤتمر الخامس للحزب (مايو 1980) كذروة لهذه التبعية، حيث تبنى بغداش خطاباً متشدداً معادياً لأميركا ومؤيداً للاتحاد السوفيتي، وانتقد أي توجه يسعى لاستقلالية عن موسكو. كما يُظهر كيف أنّ سياسات المؤتمر تجاه النظام كانت خجولة، حيث لم يجرؤ على انتقاد التدخل في لبنان، واكتفى بشكاوى محدودة من تهميش الحزب.

يصل الفصل إلى ذروته بوصف الانقسام الثالث داخل الحزب، عندما انقلب يوسف فيصل، الرجل الثاني في الحزب، على بغداش في منتصف الثمانينات، مما أدى إلى عقد مؤتمرين سادسين متوازيين ومنفصلين في 1986 و1987: مؤتمر بغداش ومؤتمر فيصل. يروي الفصل جهود الوساطة السوفيتية الفاشلة لمنع الانقسام، وكيف رفض الطرفان التنازل.

ينتهي الفصل بوصف حالة الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث ترسخ فصيل بغداش في موقف أيديولوجي متحجر، رافضاً أي نقد أو مراجعة مثل البيريسترويكا، معتبراً إياها مؤامرة. ويُختتم بعقد المؤتمر السابع في مايو 1991، والذي أعاد انتخاب بغداش مرة أخرى، لكن الحزب كان قد فقد كل وزنه السياسي وأصبح مجرد أداة في يد النظام، منقسماً إلى فصائل متناحرة، كل منها يطالب بالشرعية الحصرية. يُشير الفصل إلى أن بغداش استمر في قيادة فصيله حتى وفاته، دون أن تُذكر نهاية مأساوية لرياض الترك، الذي سُجن وتعرض للتعذيب مراراً حتى عام 1998.

9.Conclusion: Continuity and Change235–285▼ ملخص

يبدأ الفصل الختامي من كتاب «الحركة الشيوعية في سوريا ولبنان» للمؤلف طارق ي. إسماعيل بطرح سؤال محوري: كيف يمكن فهم أنماط الاستمرارية والتغيير التي ميّزت تطور الحركة الشيوعية في كل من سوريا ولبنان خلال القرن العشرين؟ يقدّم المؤلف إجابته الشاملة من خلال تحليل هذه الأنماط وفق ثلاثة أبعاد رئيسية: الأنماط نفسها، ثم الديناميكيات التي شكّلتها، وأخيراً الأدوار التي لعبتها الحركة في المجتمع والسياسة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر الأبعاد الثلاثة المذكورة. في القسم الأول، «أنماط الاستمرارية والتغيير»، يعيد المؤلف سرد المراحل الأربع التي حددها سابقاً في الكتاب. يبدأ بالمرحلة الأولى (العشرينيات) التي تأسست فيها الحركة على أيدي مثقفين شباب، مثل يوسف إبراهيم يازبك، الذين ألهمتهم الفلسفات الإنسانية وأحبطهم الاستعمار، لتتشكل نواة الحزب الشيوعي السوري اللبناني عام 1925 بقيادة شخصيات مثل فؤاد الشمالي وأرتين مدويان. في هذه المرحلة، ركز الحزب على القضايا المحلية والعمل النقابي. أما المرحلة الثانية (1932-1961)، فتميزت بانقلاب خالد بكداش على قيادة الشمالي وتحوّل الحزب إلى نسخة ستالينية، حيث تم إخضاع القضايا المحلية للأجندة السوفيتية، وتجلى ذلك بدعم الحزب لتقسيم فلسطين عام 1948. قاد بكداش الحزب بأسلوب مركزي وشخصي، فانفصل عن قاعدته الشعبية وفقد دوره الطليعي لصالح القوميين.

في المرحلة الثالثة (1961-1967)، يصف الفصل تراجع الحركة في سوريا وارتباطها بنظام البعث مقابل صحوتها في لبنان من خلال تشكّل جماعات منشقة. وأخيراً، في المرحلة الرابعة (1968-1995)، يسلك الحزبان مسارين منفصلين تماماً. فالحزب الشيوعي السوري فشل في كسر قبضة بكداش (الذي توفي 1995 وخلفته زوجته وأصبح ابنه عضواً في اللجنة المركزية) وتحول إلى أداة في يد النظام البعثي، بينما ناضل الحزب الشيوعي اللبناني من أجل الاستقلال والديمقراطية الداخلية، وطوّر خطاباً ماركسياً ناضجاً استجابة للحرب الأهلية، وتمكن بلورة رؤية جريئة لبناء مجتمع ديمقراطي بحلول التسعينيات.

في القسم الثاني، «ديناميكيات الاستمرارية والتغيير»، يحلل المؤلف القوى الدولية والإقليمية والمحلية التي شكّلت هذه الأنماط. يشرح كيف أن تأسيس الحركة جاء في خضم التنافس الإمبريالي، ثم مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وجدت الحركة نفسها في موقف متناقض بدعمها لقوى الحلفاء (الاستعمارية) ضد الفاشية، مما وضعها في مسار تصادمي مع القوى القومية الصاعدة. مع نهاية الأممية الثالثة عام 1943، اختفى أي تمييز بين الأيديولوجيا الشيوعية والسياسة السوفيتية، وأصبحت قرارات الحزب مجرد انعكاس للسياسة السوفيتية. بحلول المرحلة الرابعة، أصبحت القوى المحلية هي المهيمنة؛ فعكست الحركة في لبنان ديناميكية الحرب الأهلية، بينما عكست في سوريا ديناميكية النظام الشمولي الذي أحكم قبضته وأفقدها قدرتها على التجدد.

أما القسم الثالث، «أدوار الاستمرارية والتغيير»، فيقيّم مساهمة الحركة في التطور السياسي. في مرحلتها الأولى، لعبت الحركة دوراً طليعياً في ديناميكيات التغيير من خلال تنظيم الطبقة العاملة ومواجهة الإقطاع والاستعمار والرأسمالية. لكن هذا الدور تراجع في المرحلة الثانية ليصبح تابعاً لمصالح الاتحاد السوفيتي، وتحول من العمل النقابي إلى التثقيف الأيديولوجي بين المثقفين. في المرحلة الثالثة، تحول الحزب الشيوعي السوري من عامل تغيير إلى أداة في النظام البعثي، بينما حدث الانفصال الحقيقي بين الحزبين الشيوعيين السوري واللبناني عام 1968. ونتيجة لذلك، انتهى المطاف بالحزب الشيوعي السوري في التسعينيات ليصبح مجرد حزب سياسي سوري تابع للنظام، بينما مثّله حزب صغير سري هو «حزب العمل الشيوعي». في المقابل، استطاع الحزب الشيوعي اللبناني إعادة تعريف دوره الطليعي من خلال النقد الاجتماعي المستمر خلال الحرب الأهلية وإعادة البناء، مما جعله قادراً على تجديد خطابه وتكييفه مع الواقع اللبناني الملموس.

باختصار، يخلص الفصل إلى أن الحركة الشيوعية في سوريا ولبنان لم تكن كياناً ثابتاً، بل تطورت بشكل متباين تماماً استجابة للقوى الدولية والإقليمية والمحلية. فبينما انتهت الحركة في سوريا إلى الجمود والفناء السياسي تحت سطوة النظام، تمكنت في لبنان من البقاء والتجدد من خلال الممارسة الديمقراطية والنقد الذاتي. يقرّ المؤلف بأن تحليله يطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذه الحركات في ظل انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود القوى المحلية، لكنه يبقى ضمن حدود ما يقدمه النص من أدلة، دون افتراضات مستقبلية.

التحليل والكلمات المفتاحية