المورد
Destroying A Nation: The Civil War in Syria

Destroying A Nation: The Civil War in Syria

Nikolaos van Dam١ كانون الثاني ٢٠١٧enI.B. Tauris

يقدم كتاب «Destroying A Nation: The Civil War in Syria» للمؤلف نيكولاوس فان دام تحليلاً عميقاً لجذور الحرب السورية، مركزاً على البنية الطائفية للنظام السوري ودورها المحوري في اندلاع الصراع واستمراره. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك العلاقة بين الهيمنة العلوية على أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، وفشل النظام في التحول إلى دولة ديمقراطية شاملة، مما جعل الحرب الأهلية شبه حتمية. يدافع المؤلف عن موقف واضح: أن الحرب لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت صراع وجود بين نظام يهيمن عليه علويون لا يقبلون بالتنحي، ومعارضة سنية ترى أن أي إصلاح حقيقي يعني تفكيك النظام نفسه.

يسير الكتاب في حجته من خلال تسلسل منطقي يمتد عبر ستة فصول. يبدأ بتحليل المفاهيم التاريخية والطائفية التي شكلت الهوية السورية، مثل «سوريا الكبرى» و«خط سايكس-بيكو»، ويرفض التفسيرات المبسطة التي تختزل الصراع في الاستعمار أو الطائفية وحدها. يوضح أن الهوية الوطنية السورية ترسخت تدريجياً، لكن التوتر بين الولاء للدولة والولاء للطائفة ظل قائماً تحت السطح. في الفصل الثاني، يتتبع المؤلف تاريخ حزب البعث منذ انقلابه الأول في عام 1963، ويصف كيف تحول الحزب العلماني القومي إلى أداة لهيمنة الأقلية العلوية. يقدم تفاصيل دقيقة عن اللحظات الحاسمة مثل انقلاب 16 نوفمبر 1970 الذي أوصل حافظ الأسد إلى السلطة، ومجزرة كلية المدفعية في حلب عام 1979 التي راح ضحيتها 35 طالباً علوياً، ومجزرة حماة عام 1982 التي قتل فيها ما بين 5,000 و25,000 شخص. يخلص هذا الفصل إلى أن النظام حاصر نفسه في «حلقة مفرغة» حيث كان خائفاً من الإصلاح الحقيقي لأنه كان سيكشف هشاشة بنيته الطائفية.

ينتقل الكتاب إلى فحص إمكانية تجنب الحرب، ويجيب بحسم أن الحرب كانت شبه حتمية. يشرح أن أي تحول ديمقراطي كان سيعني بالضرورة تفكيك مؤسسات النظام القمعية، وهو ما لم يكن النظام ليقبل به. يستشهد باستطلاع أجرته منظمة اليوم التالي عام 2016 يظهر أن السنة دعموا احتجاجات 2011 بشكل شبه إجماعي، بينما عارضها العلويون والشيعة بشكل كبير. يصف المؤلف فشل محاولات الحوار الوطني في دمشق في يونيو 2011، وتحول الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية بعد أن تدخلت قوى خارجية مثل تركيا والسعودية وقطر لدعم المعارضة، وروسيا وإيران وحزب الله لدعم النظام. ينتقد انسحاب السفراء الغربيين من دمشق عام 2012 باعتباره خطوة قطعت قنوات الاتصال وجعلت تقييم الموقف أكثر صعوبة.

في الفصل الرابع، يحلل المؤلف التوازن العسكري بين النظام والمعارضة، ويصف حالة التفتت في صفوف المعارضة التي تشمل فصائل مثل الجيش السوري الحر، وأحرار الشام، وجيش الإسلام، وجبهة النصرة، وتنظيم الدولة الإسلامية الذي ظهر في أبريل 2013. يقدم رقماً لافتاً: بحلول 2015، كان هناك حوالي 150,000 مقاتل معارض موزعين على 1,500 مجموعة مسلحة. في المقابل، يصف ضعف الجيش السوري الذي كان يعتمد على 65,000 جندي فقط من أصل 220,000، وهيمنة الضباط العلويين على الوحدات القتالية الأكثر ولاءً. ينتقل بعد ذلك إلى النهج الغربي المتذبذب، وينتقد سياسات الدول الغربية التي وصفتها بـ«الأخلاقية الزائفة» و«سياسة الغضب والسخط». يصف كيف أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا رفضت توفير الدعم العسكري الكافي للمعارضة خوفاً من وصول الأسلحة إلى المتطرفين، وفي الوقت نفسه رفضت التفاوض مع النظام. يخلص إلى أن هذا الموقف أدى إلى إطالة أمد الحرب وجعل الحل السياسي مستحيلاً، ويستشهد بقصف الرئيس ترامب لقاعدة الشعيرات في أبريل 2017 كاستثناء لم يغير شيئاً في الميزان العام.

يتناول الفصل الأخير من الكتاب تحليلاً مفصلاً لـمحادثات السلام السورية التي وصفها بـ«محادثات سورية داخلية بلا مفاوضات». يركز على مؤتمر جنيف 1 في يونيو 2012 الذي أنتج «البيان الختامي لجنيف» الداعي لتشكيل هيئة حكم انتقالية، لكنه يوضح أن شرط «التراضي المتبادل» أعطى النظام حق النقض الفعلي. يتابع مسار المفاوضات حتى جنيف 2 في يناير 2014 وجنيف 3 في فبراير 2016، ويصف حالة الجمود التام: النظام يرفض التنحي، والمعارضة تطلب رحيل بشار الأسد كشرط مسبق. يشير إلى أن المعارضة شعرت بالخيانة من الغرب الذي لم يقدم سوى دعم سياسي، بينما النظام مصمم على البقاء بأي ثمن.

من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، تلك التي تخص التكوين الطائفي للجيش السوري. يذكر الكاتب أن كاتباً سورياً قدر أن نسبة العلويين بين الضباط المعينين حديثاً بعد انقلاب 1963 وصلت إلى 90%. كما يورد دراسة هشام بوعنصف التي تظهر أن جميع مديري أجهزة المخابرات وقادة الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة مدرعة والقوات الخاصة كانوا من العلويين، وأن 86% من الضباط المعنيين كانوا علويين مقابل 14% سنة. حادثة أخرى لا تنسى هي تفجير مبنى الأمن القومي في يوليو 2012 الذي قتل فيه هشام اختيار، آصف شوكت، داود راجحة، وحسن توركماني، وهي حادثة يرجح المؤلف أنها كانت عملية من الداخل. كما يشير إلى أن حركة الضباط الأحرار تشكلت في يوليو 2011 كأول نواة للمعارضة العسكرية، لكن الجيش السوري الحر ضعف بسبب عدم تنسيق الدول الداعمة له، مما جعل قادة المعارضة يشكون من نقص الذخيرة الذي وصفوه بـ«التغذية بالقطارة».

يقر المؤلف بحدود تحليله في عدة نقاط. يعترف بأن التركيز على العامل الطائفي قد يبدو مبالغاً فيه، لكنه يؤكد أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية تزامنت وتداخلت مع الانقسامات الطائفية. كما يشير إلى أن دور التدخل الخارجي جعل مصطلح «الحرب الأهلية» غير دقيق بعد مراحلها الأولى، وأن الصراع تحول إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية. يترك سؤالاً مفتوحاً كبيراً: من سيسيطر على أراضي تنظيم الدولة الإسلامية بعد هزيمته؟ الإجابة تعتمد على ميزان القوى على الأرض، وتداعياتها السياسية ستكون بعيدة المدى. كما يعترف بأن شخصية بشار الأسد كانت موضع جدل، فهو ليس إصلاحياً معتدلاً رغم إقامته القصيرة في بريطانيا، بل «ابن أصيل لسوريا» تشكل في بيئة والده القمعية.

من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، حجة المؤلف حول حتمية الحرب. يرى أن الحرب كانت شبه محتومة بسبب البنية الطائفية للنظام، لكن هذا الاستنتاج قد يقلل من تأثير القرارات الفردية والخيارات السياسية التي كانت ممكنة في لحظات محددة، خاصة في بداية الانتفاضة عام 2011. كما أن انتقاده للغرب قد يبدو قاسياً؛ فهو يرى أن النهج الغربي المتذبذب بين المبادئ والمصالح أدى إلى إطالة أمد الحرب، لكنه لا يعطي وزناً كافياً للصعوبات العملية التي واجهتها الدول الغربية في التعامل مع معارضة منقسمة ومتطرفة. أخيراً، حجة المؤلف حول ضرورة إعطاء الأولوية للحل السياسي قبل العدالة هي حجة قابلة للنقاش، فالبعض قد يرى أن محاكمة أركان النظام ضرورية لتحقيق أي سلام دائم، بينما يرى المؤلف أنها تعيق أي تقدم تفاوضي.

الفصول(7)

1.مقدمة14–31▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي من كتاب "تدمير أمة: الحرب الأهلية في سوريا" للكاتب نيكولاوس فان دام مدخلاً أساسياً لفهم السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي أدت إلى الحرب السورية. لا يقدّم الفصل سرداً للحرب ذاتها، بل يفحص المفاهيم والهويات التي كانت محل نزاع وأثرت في مسار الأحداث.

يبدأ الفصل بمناقشة مفهوم "سوريا الكبرى" أو "بلاد الشام"، ويطرح سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت هذه المنطقة قد شكّلت بالفعل كياناً موحداً تاريخياً قبل أن تقسّمه القوى الاستعمارية. يرى الكاتب أن اعتبار سوريا الكبرى "كياناً متحداً تاريخياً" هو نظرة مثالية لا تتطابق مع الواقع التاريخي. فحدود المنطقة كانت متغيرة باستمرار عبر العصور، من الأمويين والعباسيين إلى الرومان والمماليك. ويستشهد بأمثلة تاريخية على أن طرق التجارة في الماضي كانت تربط حلب بـ الموصل (في العراق حالياً) بشكل أكثر كثافة من ارتباطها بدمشق، وأن مدناً مثل ماردين وعنتاب كانت جزءاً من الشبكة الطبيعية لحلب.

يستخدم الكاتب مثالاً تاريخياً مهماً هو خط سايكس-بيكو، معترفاً بأن الحدود التي رسمها الاستعمار في منطقة الهلال الخصيب (التي تضم سوريا الكبرى وبلاد الرافدين) هي حدود مصطنعة ومفروضة. لكنه يضيف أن الحدود السابقة في المنطقة كانت هي الأخرى مصطنعة بقدر ما لم تتبع خطوطاً جغرافية أو إثنية واضحة. ويشير إلى أن فشل خطط الوحدة العربية بعد الاستقلال لا يمكن إلقاء اللوم فيه كله على الاستعمار، بل يعود بشكل كبير إلى رغبة معظم الحكام العرب في احتكار السلطة لأنفسهم. ويخلص إلى أن الهوية الوطنية السورية قد ترسخت مع الوقت، وأن جميع الأطراف في الحرب السورية تقريباً متحدة على مبدأ الحفاظ على وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية، باستثناء بعض الأكراد.

ينتقل الفصل بعدها لتحليل تطور الهوية الوطنية السورية والولاء للدولة السورية. يشير الكاتب إلى أنه بنهاية الانتداب الفرنسي في عام 1946، لم تكن الهوية السورية المرتبطة بالدولة الجديدة قد تطورت بشكل كامل بعد؛ كانت سوريا دولة دون أن تكون دولة-أمة. كان القوميون العرب، مثل حزب البعث، يدعون إلى الولاء للأمة العربية الكبرى وليس للدولة السورية التي اعتبروها كياناً مصطنعاً ومبتوراً من سوريا الكبرى. ومع فشل مشاريع الوحدة العربية، أصبح من المقبول تدريجياً التباهي بالهوية السورية، ويستشهد بأغنية شعبية من عام 1996 بعنوان "أنا سوري" للفنان عبد الرحمن آل راشي كدليل على هذا التحول.

يتناول الكاتب قضية حساسة هي كيفية تعريف "السوري"، ويشرح الجدل حول التسميات الجغرافية. فالقوميون العرب فضّلوا استخدام أسماء محايدة مثل "جبل العرب" بدلاً من "جبل الدروز" و**"الجبال الساحلية"** بدلاً من "جبال العلويين"، بهدف طمس الهويات الطائفية. لكن الكاتب يتساءل عما إذا كان هذا الإلغاء للهوية الأصلية قد جاء بنتائج عكسية، مقتبساً من ليلى الشامي وروبن ياسين كساب قولهما إن "إسكات القضية جعلها أكثر بروزاً".

يحلل الفصل بعمق فترة الاتحاد السوري-المصري (1958-1961)، ويعتبرها مرحلة حاسمة في تشكيل النظام السوري الحالي. يوضح كيف أن الاتحاد، الذي قادته مصر بزعامة جمال عبد الناصر، تحول إلى هيمنة مصرية مطلقة، مما أدى إلى تهميش السياسيين والجيش السوريين. كان حل قيادة حزب البعث المدنية لحزبهم في سوريا كشرط للاتحاد خطوة أثارت غضب الضباط البعثيين، الذين تم "نفيهم" إلى القاهرة حيث بدأوا في عام 1959 اجتماعات سرية لتشكيل "اللجنة العسكرية البعثية السرية"، التي ستقود انقلاب 8 مارس 1963 وتستولي على السلطة.

يركز الكاتب على الخلفيات الاجتماعية والطائفية لأعضاء اللجنة العسكرية، معتبراً أن ذلك كان له أهمية حاسمة. كانت القيادة العليا للجنة تتألف من خمسة ضباط: ثلاثة علويين هم محمد عمران، صلاح جديد، وحافظ الأسد، وإثنان من الإسماعيليين. أما اللجنة الموسعة فضمت خمسة علويين، وإثنين اسماعيليين، وإثنين درزيين، وستة سنة. يلاحظ الكاتب أن الغالبية العظمى من الأعضاء الأساسيين كانوا من أقليات طائفية ومن أصول ريفية فقيرة. يفسر ذلك بأن حزب البعث، بأيديولوجيته القومية العربية العلمانية، كان جذاباً بشكل خاص للأقليات الدينية، وبأن الخدمة العسكرية كانت فرصة للترقي الاجتماعي للفقراء في الريف.

يستخدم الفصل نموذج "القلعة الجبلية" (Mountain Refuge) الذي صاغه اليسوعي البلجيكي هنري لامنس في عام 1921، والذي يزعم أن الأقليات هربت إلى الجبال الوعرة هرباً من الاضطهاد. يرفض الكاتب هذه الفكرة باعتبارها "خرافة" و"كليشيه"، مستشهداً بالمؤرخ اللبناني كمال الصليبي الذي أثبت عدم وجود أي دليل يدعمها. ويستشهد أيضاً بالمؤرخ ستيفن وينتر الذي يرى أن العلويين لم يهربوا إلى الجبال، بل انتشروا من العراق إلى شمال سوريا نتيجة لجهد تبشيري منظم، وأن تركّزهم في الجبال الساحلية كان نتاج الحروب الصليبية التي أجبرتهم على التنظيم قبلياً.

يختتم الفصل بمناقشة تداخل الهويات (الطائفية، الإقليمية، القبلية، والاقتصادية الاجتماعية)، خاصة بين الأقليات المتماسكة. يحذر الكاتب من التفسير الخاطئ للولاءات، فقد يُنظر إلى المحسوبية تجاه الأقارب والمعارف من نفس المنطقة على أنها طائفية، بينما قد يكون الدافع مختلفاً. ويشدد على أن عوامل أخرى مثل الأيديولوجية، الطبقة الاجتماعية، والطموحات الشخصية يمكن أن تلعب دوراً مساوياً أو أهم. ويؤكد أنه رغم محاولات إخفاء الطائفية تحت ستار القومية العربية، إلا أنها بقيت عاملاً خفياً وقوياً، عاد للظهور بعنف خلال الحرب.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن الفصل التمهيدي يقدّم إطاراً تحليلياً نقدياً لفهم جذور الصراع في سوريا. حجته المركزية هي أن التفسيرات المبسطة (مثل الاستعمار، أو الطائفية وحدها، أو القومية العربية المثالية) غير كافية. الكاتب يدعو إلى رؤية أكثر تركيبية تأخذ في الاعتبار تداخل العوامل التاريخية، الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية، وكيف أن الهويات المتعددة (الوطنية، القومية، الطائفية، القبلية) ظلت متوترة ومتنافسة، مما خلق أرضية خصبة للصراع عندما انهارت هياكل الدولة.

2.1 ملخص لتاريخ البعث قبل الثورة السورية (2011)32–62▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل محاولاً الإجابة عن سؤال جوهري: كيف أمكن لسوريا أن تصل إلى حرب أهلية طائفية دموية بدأت في 2011 بعد ما يقرب من نصف قرن من الحكم البعثي؟ يقدم المؤلف نيكولاس فان دام إجابته عبر تفكيك بنية النظام البعثي وتكوينه الطائفي، معتبراً أن جذور الحرب تعود إلى الطريقة التي تأسس بها حكم حزب البعث منذ انقلابه الأول.

يؤكد المؤلف أن هناك تشابهاً كبيراً بين قمع النظام للمعارضات السابقة، وخاصة الإخوان المسلمين السوريين، وما حدث بعد 2011، لكن مع اختلاف جوهري في الحجم والنطاق. قبل الثورة، كان القمع مركزاً في مدن مثل حماة وحمص وحلب ودمشق، بينما بعد مارس 2011، تحول الصراع ليشمل معظم البلاد واكتسب بعداً إقليمياً بتدخل دول خارجية قدمت دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً للمعارضة، مما جعل الحرب الأهلية أيضاً حرباً بالوكالة.

يسير الفصل زمنياً، فيبدأ بانقلاب 8 مارس 1963 حيث استولى العسكريون البعثيون بقيادة اللجنة العسكرية السرية على السلطة. كانت هذه اللحظة حاسمة، إذ قام القادة الجدد، ومعظمهم من الأقليات (وخاصة العلويين محمد عمران، صلاح جديد، وحافظ الأسد)، بتجنيد أعداد كبيرة من الضباط وضباط الصف من أقاربهم وأبناء عشائرهم ومناطقهم لملء الفراغ الذي خلفته عمليات التطهير. يذكر المؤلف أن كاتباً سورياً قدّر أن نسبة العلويين بين الضباط المعينين حديثاً وصلت إلى 90%، مشيراً إلى أن أصول عدد كبير من كبار الضباط في التسعينيات تعود إلى هذه الدفعة الأولى.

يصف الفصل هذه الممارسة بأنها كانت ضرورة لتثبيت السلطة، لكنها أدخلت عناصر "غريبة عن منطق الحزب" كما ورد في وثيقة حزبية داخلية. هذا التكوين الطائفي للجيش أصبح وقوداً للصراع، حيث استغله الخصوم السنة لإضعاف النظام، متهمين إياه بالتطهير على أساس طائفي، وهو ما لم يكن صحيحاً في البداية وفقاً للمؤلف، لكنه أصبح تصوراً شائعاً وصار جزءاً لا يتجزأ من الديناميكية السياسية.

بعد تطهير الخصوم، تحول الصراع داخل الحزب نفسه، فيما يشبه حكم "ملوك الطوائف" الأندلسية، حيث أصبح لكل قائد مجموعته المخلصة التي تنتمي لطائفته. يُظهر الفصل كيف أن صلاح جديد وحافظ الأسد، وكلاهما علوي، استفادا من هذه الولاءات الطائفية، لكنهما كانا حريصين على عدم التصريح بها علناً، على عكس محمد عمران الذي أعلن صراحةً أن "الفاطميين" (العلويين والدروز والإسماعيليين) يجب أن يلعبوا دوراً، مما أدى إلى عزله.

كان الصراع على القمة بين صلاح جديد وحافظ الأسد حاسماً. تخلى جديد عن منصبه العسكري لصالح منصب حزبي مدني، وهو ما اعتبره المؤلف خطأً قاتلاً، بينما أمسك الأسد بالجيش بقوة. انتهى الصراع بانقلاب 16 نوفمبر 1970، أو الحركة التصحيحية، ليصبح حافظ الأسد الرجل الأوحد، منهياً بذلك عصر "تعدد مراكز القوى". كان هذا بمثابة تحول جذري: فمنذ ذلك التاريخ، احتكر الأسد السلطة ولم يعد للجناح المدني من الحزب أي وزن حقيقي، وأصبح الحزب نفسه أداة في يده.

يركز الفصل على أن النظام أصبح نقيضاً لمثله التي نادى بها. فالبعث الذي أراد القضاء على العصبيات الطائفية والإقليمية، عززها عملياً ليبقى في السلطة. كما أن أيديولوجيته الاشتراكية فشلت بفعل الفساد والمحسوبية. يضرب المؤلف مثالاً بلجنة تحقيق في الأرباح غير المشروعة تشكلت عام 1977، لكنها فشلت لأن كبار الضباط المقربين من الأسد كانوا متورطين، وتطهيرهم كان سيهدد استقرار النظام ذاته. هذه كانت "الحلقة المفرغة" التي لم يستطع النظام الهروب منها أبداً.

يخصص الفصل قسماً مهماً للاستياء السني من النظام. لم يكن الاستياء موجهاً ضد الدكتاتورية فحسب، بل ضد كون الدكتاتوريين من العلويين، الذين يعتبرهم كثير من السنة "زنادقة" أو "كفاراً". أدت العلمانية البعثية التي يفترض أنها محايدة إلى ردود فعل عنيفة. يصف الفصل تطور حركة "المجاهدين" أو "الطلائع المقاتلة" المنشقة عن الإخوان المسلمين، والتي بدأت في فبراير 1976 اغتيالات ضد العلويين بهدف إشعال فتنة طائفية.

كانت مجزرة كلية المدفعية في حلب في 16 يونيو 1979 نقطة تحول كبرى. قام ضابط سني يدعى النقيب إبراهيم اليوسف بفصل الطلاب العلويين عن السنة في صالة الطعام وأعدم 35 منهم، تاركاً أثراً لا يمحى في العلاقات بين الطائفتين. رد النظام بقمع وحشي، وازدادت حدة العنف عندما نجا الرئيس حافظ الأسد من محاولة اغتيال في دمشق في 26 يونيو 1980، مما دفع شقيقه رفعت الأسد إلى عملية انتقامية بقتل سجناء الإخوان في سجن تدمر.

كانت ذروة المواجهة في فبراير 1982 في مدينة حماة، حيث دارت معركة دامت قرابة شهر كامل (من 2 إلى 28 فبراير). بعد أن حاصرت قوات النخبة العلوية المدينة، أعلن مسلحو الإخوان انتفاضة إسلامية واسعة. استخدم النظام ضدهم الدبابات والمدفعية الثقيلة وحتى المروحيات، مما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من المدينة. تتراوح تقديرات القتلى بين 5,000 و25,000 شخص، معظمهم من المدنيين. يخلص الفصل إلى أن القمع الوحشي في حماة زرع بذور الصراع والانتقام التي ظهرت للعلن مرة أخرى في 2011.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى عهد حافظ الأسد، حيث لم تتغير بنية السلطة كثيراً خلال ثلاثة عقود. تبرز هنا حادثة مهمة وهي "أزمة رفعت الأسد" في 1983-1984 عندما حاول شقيق الرئيس الاستيلاء على السلطة أثناء مرض الأخير، لكنه فشل بعد أن سحب الرئيس ولاء قواته التي كانت تعتمد بشكل كبير على طائفة المرشدية المنشقة عن العلويين. تعلم النظام من هذه الأزمة ألا يضع "كل البيض في سلة واحدة"، أي ألا يعتمد على فصيل علوي واحد.

يختتم الفصل بالإشارة إلى توريث الحكم لـ بشار الأسد بعد وفاة والده في 10 يونيو 2000. يصف المؤلف كيف أن الدائرة الضيقة من كبار الضباط العلويين قبلت ببشار، الذي كان يبلغ من العمر 34 عاماً فقط (تم تخفيض سن الرئاسة من 40 لتناسبه)، كشخصية موحدة رمزت لرغبتهم في استمرار إرث والده وتجنب الانشقاقات المبكرة بين العلويين. يشير الفصل أيضاً إلى أن الفساد ازداد في عهد بشار، وأن دائرة المستفيدين منه أصبحت أضيق، مما صعّب من إمكانية الإصلاح وزاد من تركيز السلطة في أيدي عدد أقل من الأشخاص.

في النهاية، يعترف المؤلف بأن التركيز على العامل الطائفي لا يعني تجاهل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية، لكنه يوضح أن هذه العوامل غالباً ما تزامنت وتداخلت مع الانقسامات الطائفية، مما عزز بعضها البعض وجعل الصراع أكثر حدة. يخلص الفصل إلى أن النظام البعثي لم يتمكن أبداً من كسر هذه الحلقة المفرغة خوفاً من تقويض سلطته، مما جعل سوريا برميل بارود ينتظر شرارة التفجير.

3.2 هل كان بالإمكان تجنب الحرب في سوريا؟63–87▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً جوهرياً: هل كان بالإمكان تجنب الحرب في سوريا؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف واضحة وحاسمة: الحرب كانت شبه حتمية، ولا يمكن تجنبها بالنظر إلى تاريخ النظام السوري وتكوينه الطائفي. يرى المؤلف أن النظام، الذي يهيمن عليه علويون، لم يكن ليقبل بإصلاحات جوهرية لأنها كانت ستعني تفكيك مؤسساته القمعية والتخلي عن امتيازاته، مما يؤدي حتماً إلى سقوطه. لذلك، كان من المستحيل تصور تحول سلمي لهذا النظام الديكتاتوري إلى ديمقراطية تشمل الأغلبية السنية، وأي محاولة للإطاحة به كانت ستكون عنيفة للغاية.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مستعرضاً عدة عوامل رئيسية. أولاً، تاريخ النظام القمعي الذي استمر لنصف قرن، ورفضه القاطع للإصلاحات الحقيقية، مكتفياً بتغييرات تجميلية غير كافية. ثانياً، العامل الطائفي الخطير. يوضح المؤلف أن الهيمنة العلوية على أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية جعلت أي مواجهة داخلية تأخذ طابعاً طائفياً، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً من البداية. هذا التكوين جعل من المستحيل على السنة المضطهدين رؤية مضطهديهم إلا كعلويين، مما أجج الصراع. يستشهد الكاتب باستطلاع أجرته "منظمة اليوم التالي" عام 2016 يُظهر أن السنة دعموا الإجماع تقريباً احتجاجات 2011، بينما عارضها العلويون والشيعة بشكل كبير.

يستخدم المؤلف أدلة تاريخية وأحداثاً محددة لدعم حجته. يشير إلى مجزرة حماة عام 1982 كنموذج لطريقة تعامل النظام مع أي معارضة بالقوة المفرطة. ويؤكد أن النظام في 2011 تخيل أن بإمكانه حل الأزمة بنفس الطريقة، لكنه أخطأ التقدير لأن الوضع اختلف بفعل عاملين جديدين: كسر جدار الخوف لدى جزء كبير من الشعب، والدعم الخارجي للمعارضة. يصف الكاتب التطور من احتجاجات سلمية في درعا إلى حرب أهلية شاملة، متتبعاً فشل محاولات الحوار الوطني في دمشق في يونيو 2011 بسبب انعدام الثقة المتبادل.

يتناول الفصل بعمق دور التدخل الخارجي، محوّلاً الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة. فدول مثل تركيا والسعودية وقطر، والإدارة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، دعمت المعارضة بالمال والسلاح، بينما دعمت روسيا وإيران وحزب الله النظام. يرى المؤلف أن هذا الدعم الخارجي جعل مصطلح "الحرب الأهلية" غير دقيق تماماً بعد مراحلها الأولى. كما ينتقد الكاتب انسحاب السفراء الغربيين من دمشق عام 2012، معتبراً أن ذلك قطع قنوات الاتصال وأفقد الغرب عينيه وأذنيه داخل سوريا، مما صعّب تقييم التطورات بشكل محايد.

يفرد الفصل مساحة لتحليل شخصية بشار الأسد، رادعاً فكرة أنه إصلاحي معتدل بسبب إقامته القصيرة في بريطانيا. يصفه الكاتب بأنه "ابن أصيل لسوريا"، تشكل في بيئة والده القومية العربية والقمعية، وخبرته الغربية كانت محدودة التأثير. كما يناقش مفارقة إفراج النظام عن معارضين إسلاميين من سجن صيدنايا في مارس 2011، مرجحاً أن ذلك كان محاولة يائسة لتهدئة الوضع بالجزر (إطلاق سراح)، وليس بالعصا فقط، وليس مؤامرة متعمدة لتطرف المعارضة كما يظن البعض. يعترف المؤلف بأن بشار الأسد ربما لم يكن يسيطر بشكل كامل على كل شيء في البداية، لكنه يتحمل المسؤولية الكاملة بصفته القائد الأعلى.

أخيراً، يتناول الفصل فكرة إقامة دولة علوية منفصلة، وينفي بشدة وجود رغبة جدية لدى أي من المكونات السورية (علويين، سنة، مسيحيين، دروز، إسماعيليين) في تقسيم البلاد. يستشهد باستطلاع رأي عام 2016 يُظهر أن العلويين كانوا الأكثر رفضاً لفكرة الحكم الذاتي (بنسبة 70.5% ) خوفاً من التقسيم. ويرى أن التوزع الجغرافي للسكان والاختلاط الكبير بين الطوائف يجعل أي فكرة انفصال غير واقعية وتزيد الأمور تعقيداً.

يمكن القول إن الفصل يقدم حجة متكاملة ومترابطة، لكنها قابلة للنقاش في نقطتين رئيسيتين. أولاً، الاعتماد المفرط على الحتمية التاريخية ربما يقلل من تأثير القرارات الفردية والخيارات السياسية التي كانت ممكنة في لحظات محددة. ثانياً، تركيز الكاتب على العامل الطائفي كسبب جوهري للحرب، على الرغم من أهميته، قد يطغى على عوامل أخرى كالأزمة الاقتصادية والجفاف الذي أثر على ملايين السوريين قبل الثورة. ومع ذلك، فإن التحليل يظل دقيقاً في تفسير لماذا فشلت الإصلاحات السلمية وتحولت الثورة إلى حرب مدمرة.

4.3 المواجهة بين جيش النظام والمعارضة88–105▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل التوازن العسكري المتغير في الحرب السورية، مركزاً على المواجهة بين جيش النظام وفصائل المعارضة المسلحة. يقدم المؤلف إجابة واضحة: لم تكن الحرب تقليدية بين جيشين نظاميين، بل صراعاً معقداً تخللته تحالفات متغيرة وهشاشة داخلية في صفوف الطرفين، مما أدى إلى إطالة أمد الحرب وجعل الحسم العسكري الكامل مستحيلاً دون تدخل خارجي كثيف.

يبدأ الفصل بمناقشة المعارضة العسكرية، مشيراً إلى أن انشقاقات الجيش بدأت خلال شهرين من انطلاق الاحتجاجات السلمية في 2011. كان أبرز المنشقين هو اللواء مناف طلاس من الحرس الجمهوري في 2012، لكنه لم يلعب دوراً لاحقاً. ينوه المؤلف إلى ندرة انشقاق العلويين خوفاً على عائلاتهم، مع استثناء نادر مثل العقيدة زبيدة الماغوط العلوية التي انشقت في أكتوبر 2012. يشير الفصل إلى وجود تنظيم علوي معارض صغير جداً اسمه حركة أحرار العلويين، لكن نشاطه تراجع أو توقف لاحقاً. تكونت نواة المعارضة العسكرية الأولى تحت اسم حركة الضباط الأحرار، ثم أُعلن رسمياً عن تشكيل الجيش السوري الحر في يوليو 2011.

يوضح المؤلف أن الجيش السوري الحر لم يصبح الأقوى أو الأكثر فعالية. كان ضعفه التنظيمي نابعاً جزئياً من عدم تنسيق الدول الداعمة له (مثل الولايات المتحدة، السعودية، قطر، الإمارات، بريطانيا، فرنسا) لمساعداتها العسكرية. أنشئت غرفتا عمليات: MOM في تركيا و MOC في الأردن لتوجيه الدعم، لكن كل دولة تصرفت وفق أولوياتها الإقليمية، مما أدى إلى تفتيت الفصائل. يذكر الفصل انتقادات غربية للمعارضة لعدم تنسيقها، لكنه يرى أن هذا النقد غير عادل لأنه نتاج لعدم التنسيق الغربي نفسه. يورد الكاتب ملاحظة باتريك كوكبورن بأن اجتماعات المجلس العسكري للجيش السوري الحر كانت يحضرها ممثلو أجهزة استخبارات عربية وغربية، مما يعطي انطباعاً بحركة تسيطر عليها أجهزة استخبارات أجنبية بالكامل. كما يشير إلى شكوى قادة المعارضة من نقص الذخيرة (الذي وصفوه بـ"التغذية بالقطارة")، ومن تدخل الدول المانحة بتعليمات متناقضة. هرب بعض جنود الجيش السوري الحر إلى جبهة النصرة أو الدولة الإسلامية بسبب الرواتب الأعلى.

يتوسع الفصل في ذكر التنظيمات العسكرية الأخرى الأكثر فعالية، وهي: أحرار الشام و جيش الإسلام (إسلاميان)، و جبهة النصرة (الجهادية المرتبطة بالقاعدة)، و الوحدات الكردية لحماية الشعب. في أبريل 2013، ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وهو امتداد لـ الدولة الإسلامية في العراق (التي نشأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003). في يوليو 2014، اختصر اسمه إلى الدولة الإسلامية وأعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة، واتخذ من الرقّة عاصمة له. يصف الفصل وحشية داعش، مستشهداً باستخدامهم فتوى ابن تيمية لتبرير قتل العلويين، رغم أن ابن تيمية كان يخلط بين العلويين والإسماعيليين. أصبح داعش تهديداً للغرب، مما حول أولوياته من محاربة نظام الأسد إلى محاربة داعش. يورد الفصل رأياً مفاده أن النظام مسؤول عن ظهور داعش في سوريا، لكنه يضيف أن لداعش "آباءً كثيرين"، منهم الغرب الذي أطاح بصدام حسين، وتركيا التي فتحت حدودها، والسعودية بمذهبها الوهابي. ينتقد المؤلف فشل برنامج التدريب والتجهيز الأمريكي الذي اشترط على المعارضة قتال داعش فقط، مؤكداً أن المعارضة أرادت تحديد أولوياتها بنفسها. بحلول 2015، كان هناك حوالي 150,000 مقاتل معارض موزعين على 1,500 مجموعة مسلحة.

يقدم الفصل تصنيفاً لفصائل المعارضة من خلال رسم تخطيطي لـ توماس فان لينغ (2016) يقسمها إلى: "متمردين" (يشملون الجيش السوري الحر)، و"متمردين إسلاميين" (أحرار الشام وجيش الإسلام)، و"جهاديين" (جبهة النصرة)، و"روجآفا" (المنطقة الكردية). تعاونت بعض هذه الفصائل تحت مظلتي جيش الفتح و فتح حلب. في يوليو 2016، أعلن زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني قطع علاقته بالقاعدة وغير اسمه إلى جبهة فتح الشام، لكن الغرب ظل يعتبره تنظيماً إرهابياً. يبرر الفصل تعاون الفصائل المعتدلة مع الجهاديين لأسباب عملية، مقتبساً قول أحد المعارضين: "أنت تُترك لتموت وحيداً، ثم يمد لك أحدهم يداً، هل سترفضها لإرضاء من تركوك؟". يخلص المؤلف إلى أن نقص الدعم الغربي للمعتدلين أعطى الجهاديين مساحة للهيمنة، مكرراً تحذير تشارلز ليستر (2015) من أن سوريا ستبقى مركزاً للجهاد العالمي لسنوات.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل القوات العسكرية للنظام. يستبعد المؤلف سيناريو الانقلاب العسكري الداخلي لخطورته الشديدة. يعتمد على دراسة هشام بوعنصف التي توثق تذمر الضباط السنة المنشقين من التمييز الطائفي لصالح العلويين، الذي ازداد في عهد بشار الأسد مقارنة بوالده. يقدم بوعنصف جداول تفصيلية تظهر أن جميع مديري أجهزة المخابرات وقادة الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة مدرعة والقوات الخاصة كانوا من العلويين، وأن 86% من الضباط المعنيين كانوا علويين مقابل 14% سنة. يؤكد المؤلف على أن هيمنة العلويين ستكون مشكلة في أي حل سياسي مستقبلي. يذكر أن القتال كان يُترك للوحدات الأكثر ولاءً (ذات الغالبية العلوية) مما أدى إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوفهم، وهي قضية حساسة للنظام لكثرة الجنازات في القرى العلوية.

يصف الفصل محاولات النظام لمنع الانشقاق بعقوبات شديدة تطال المقاتل وعائلته، مشيراً إلى أن الانشقاق بقي ظاهرة سنية بشكل أساسي. يورد المؤلف أسماء كبار المسؤولين الذين ماتوا في ظروف مريبة: اللواء غازي كنعان (انتحار في أكتوبر 2005)، و اللواء مصطفى غزالة (مات في أبريل 2015 متأثراً بجراحه)، والذين قتلوا في تفجير مبنى الأمن القومي في يوليو 2012 وهم هشام اختيار و آصف شوكت و داود راجحة و حسن توركماني (يُرجح أنه كان عملية من الداخل). يعترف الكاتب بأن قلب النظام لم يهتز رغم هذه الضربات، بل أعاد ترتيب صفوفه. يقدر حجم الجيش السوري بـ 220,000 جندي في 2011، لكن كان بالإمكان الاعتماد على 65,000 فقط.

يتناول الفصل التدخلات الخارجية الداعمة للنظام، وبدايتها بوجود عسكري إيراني وحزب الله، ثم التدخل الروسي واسع النطاق في سبتمبر 2015 الذي غيّر ميزان القوى. يذكر اعتراف الأسد الأول بنقص الجنود والانتكاسات العسكرية في خطاب يوليو 2015. يتحدث عن وحدات النخبة مثل قوات النمر بقيادة اللواء سهيل الحسن و صقور الصحراء بقيادة اللواء محمد جابر، اللتين كانتا متنافستين وفاسدتين. ينتقل بعدها إلى ظاهرة "مليشياوية" قوات النظام، حيث تم إنشاء قوات الدفاع الوطني (قدرت قوتها بـ 50,000-60,000 مقاتل في 2013) و الشبيحة. يشير المؤلف إلى أن هذه الميليشيات المحلية ساعدت النظام في البداية، لكنها قوضته لاحقاً بسبب سلوكها المستقل كأمراء حرب، وجمعها للأموال عبر الابتزاز والتهريب. يقتبس الفصل وصفاً قاتماً من المحلل توبياس شنايدر (أغسطس 2016) بأن النظام يعاني من "اضمحلال" وأن بشار الأسد أصبح مجرد "أول بين متساوين" في ائتلاف من اللصوص والإقطاعيات. يختتم هذا القسم بأن "مليشياوية" القوات الموالية زادت من 2015 إلى 2016 بسبب إرهاق الجيش والأزمة الاقتصادية. ورغم هذا الضعف، استطاع النظام بمساعدة حلفائه استعادة حلب في ديسمبر 2016، وهي نقطة تحول.

يخصص الفصل قسماً لـ التحالفات العسكرية المتغيرة، واصفاً إياها بـ "زواج المصالح". يتهم النظام بالتعاون مع داعش أحياناً، كتسهيل سقوط تدمر في مايو 2015 (ملاحظاً أن الغرب تجاهل قصف أرتال داعش الواضحة). أو تهديده بعدم الدفاع عن سلمية ذات الغالبية الإسماعيلية إن لم تقدم مجندين جدد. يرى المؤلف أن هذه اتهامات معقدة؛ فالنظام كان يستفيد من احتراب داعش مع خصومه الآخرين ليحفظ قواته، لكنه كان سيقاتل داعش بمجرد القضاء على التهديدات الأخرى. كما يصف علاقة معقدة مع الوحدات الكردية (التابعة لـ PYD) التي كانت عدوة للنظام لسعيها للحكم الذاتي، لكن النظام استخدمها كثقل موازن ضد المعارضة وداعش. هذا دفع تركيا للتحول في سياساتها نهاية 2016، وبدء تعاون سياسي مع روسيا وإيران في محادثات أستانا (يناير 2017). يصف الفصل شبكة تحالفات متناقضة: أمريكا تدعم الأكراد (عدو تركيا) ضد داعش، بينما تركيا تدعم المعارضة، وإيران تدعم النظام، والعراق (الشيعي) يسمح لميليشياته بالقتال مع النظام الذي تعارضه أمريكا. يختتم الكاتب بطرح سؤال مفتوح كبير: من سيسيطر على أراضي داعش بعد هزيمتها؟ النظام أم المعارضة أم الأكراد أم الجهاديون؟ الإجابة تعتمد على ميزان القوى على الأرض، وتداعياتها السياسية ستكون بعيدة المدى.

حجج قابلة للنقاش: يطرح الفصل حجة قوية مفادها أن ضعف الجيش السوري الحر لم يكن نتيجة عيوب داخلية فقط، بل نتج بشكل كبير عن عدم تنسيق الدول الداعمة له. هذه الحجة تنتقد النقد الغربي للمعارضة وتحمّل الغرب جزءاً من المسؤولية. كما يقدم رؤية معقدة لـ"مليشياوية" النظام، موضحاً أنها كانت سلاحاً ذا حدين: أنقذت النظام في البداية لكنها قوضت سلطته المركزية وشرعيته لاحقاً، مما يثير السؤال حول مدى سيطرة الأسد الفعلية على "دولته" بعد سنوات الحرب.

5.4 النهج الغربي المتذبذب تجاه الصراع السوري106–120▼ ملخص

يطرح هذا الفصل سؤالاً جوهرياً: لماذا فشلت المقاربة الغربية تجاه النزاع السوري، رغم النوايا المعلنة؟ ويخلص المؤلف إلى أن الجواب يكمن في مزيج من التفكير بالتمني، والافتقار إلى الواقعية السياسية، والتذبذب بين المبادئ المجردة والمصالح العملية، مما أدى إلى خلق توقعات كاذبة لدى المعارضة وإطالة أمد الحرب بدلاً من حلها.

يسير الفصل بتتبع خطي لصنع القرار الغربي منذ بداية الانتفاضة السورية في 2011. يرى المؤلف أن غالبية السياسيين الغربيين أسلموا أنفسهم لفكرة أن الصراع لن يُحلّ إلا برحيل بشار الأسد، متوقعين سقوطه بحلول صيف 2012، وهو استخفاف كامل بقوة النظام نابع من الجهل به. هذه النظرة الأيديولوجية جعلت من يتنبأ ببقاء النظام لفترة أطول يتهم بالانحياز له أو بمعارضة الديمقراطية. حتى الأكاديميون والصحفيون الذين لاحظوا أن المعارضة لم تكن سلمية بالكامل واستخدمت العنف أحياناً، تعرضوا لانتقادات حادة لأن ذلك كان يمنح النظام شرعية روايته عن "الإرهابيين المسلحين".

يتناول الفصل انسحاب معظم السفارات الغربية من دمشق في 2012، معتبراً أنها خطوة رمزية لم تؤثر على النظام الذي كان همه الوحيد البقاء، بل أغلقت قنوات الحوار وجعلت إيجاد حل أكثر صعوبة. يقر المؤلف بأنه حتى لو جرت محاولات حوار جادة في 2011، عندما كانت أعداد القتلى بالمئات لا بمئات الآلاف، لم يكن هناك ضمان للنجاح، لكن المحاولة كانت "فرصة ضائعة" كانت ستريح الضمير الغربي. ويشير إلى أن الإصرار على محاكمة أركان النظام قبل أي حل سياسي لم يزدهم إلا إصراراً على البقاء، وزاد من خطر حرب طائفية مدمرة.

يشرح الفصل تناقضاً مركزياً: انتهاج "أخلاقية زائفة" ذات بُعد غير أخلاقي. فبينما رفع الغرب شعار "المبادئ"، رفض توفير الدعم العسكري الكافي للإطاحة بالنظام أو تدخل عسكري مباشر، مما أدى إلى استمرار الحرب والدمار، بينما كان النظام يتلقى دعماً حاسماً من روسيا وإيران وحزب الله. ويخلص إلى أنه مع إرادة محدودة ووسائل محدودة، كان على الغرب وضع أهداف محدودة، لكنه رفض ذلك متمسكاً بأرضية أخلاقية عالية مع تجاهل أن جزءاً من الشعب السوري (ربما 30% ) كان يدعم النظام خوفاً مما هو أسوأ.

يستعرض الفصل سلسلة من الإجراءات التي بقيت حبراً على ورق، مثل فرض مناطق حظر جوي، إنشاء ممرات إنسانية، أو ملاذات آمنة، لأنها كانت تتطلب مواجهة عسكرية مع النظام أو مع روسيا لاحقاً، وهو ما لم تكن أي دولة غربية مستعدة له. ويضرب المثل باستخدام الأسلحة الكيميائية في صيف 2013 متجاوزاً "الخطوط الحمراء" التي وضعها الرئيس أوباما، حيث لم يحدث رد فعل عسكري مما قوض المصداقية الغربية. أما الضربة الصاروخية المحدودة التي شنها الرئيس ترامب في إبريل 2017 فكانت استثناءً. كما أن رفع حظر الأسلحة عن المعارضة في 2013 لم يغير شيئاً لعدم وجود إرادة سياسية حقيقية لتسليحها بشكل كافٍ، خوفاً من وصول الأسلحة إلى أيدي الإسلاميين المتطرفين مثل جبهة النصرة وداعش.

يتناول الفصل مأزق العدالة. الدعوة لمحاكمة الأسد أمام المحكمة الجنائية الدولية أمر صحيح أخلاقياً، لكنه غير واقعي ولن يساعد في حل النزاع. ويؤكد المؤلف أنه يجب إيجاد حل سياسي قبل تحقيق العدالة، وليس العكس. يصف الفصل السياسة الغربية بأنها "سياسة الغضب والسخط" التي لا تغير شيئاً على الأرض، ويذكر زيارة السفيرين الأمريكي روبرت فورد والفرنسي إريك شوفالييه إلى حماه في يوليو 2011، والتي بدت متضامنة لكنها عملياً أنهت أي دور وساطة محتمل وخلقت آمالاً كاذبة لم تتحقق، مشبهاً الوضع بما حدث في جنوب العراق عام 1991.

في نهايته، يشير الفصل إلى أن الغرب ظل يتحرك بشكل ردود فعل (مكافحة داعش، التعامل مع تدفق اللاجئين إلى أوروبا) دون خطة واضحة لما يريده بعد الأسد. ويسجل أن استعادة النظام لشرق حلب في ديسمبر 2016 كشفت عجز المجتمع الدولي، رغم التحذيرات من "رواندا أو سربرنيتسا جديدة". ويختتم باقتباس عن المرشح الرئاسي الفرنسي فرانسوا فيون الذي دعا في ذلك الوقت للحوار مع الجميع دون استثناء، مما أظهر انقساماً نادراً في المقاربة الغربية التقليدية الرافضة للتعامل مع النظام.

رغم وضوح نقد المؤلف للغرب، إلا أن الفصل يثير سؤالاً قابلاً للنقاش: هل كان الحوار المبكر مع النظام مجرد "أمنية ساذجة" أم فرصة ضائعة فعلاً، خاصة في ضوء عدم استعداد الغرب لاستخدام القوة اللازمة لدعم موقفه التفاوضي؟

6.5 محادثات سورية داخلية بلا مفاوضات121–143▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو المساعي الدولية والمحلية لإنهاء الحرب في سوريا عبر الحوار، وكيف تحولت هذه المساعي إلى "محادثات سورية داخلية بلا مفاوضات" حقيقية. يقدم المؤلف إجابة واضحة: رغم عشرات المؤتمرات واللقاءات واللجان، لم يحدث أي تفاوض جوهري بين النظام والمعارضة بسبب تشبث كل طرف بمواقفه القصوى، خاصة حول مصير بشار الأسد، وغياب أي رغبة حقيقية في تقاسم السلطة.

يبدأ الفصل بفيتو روسيا والصين في مجلس الأمن فبراير 2012 ضد خطة الجامعة العربية، ويرى المؤلف أن الوهم أن سوريا كانت ستتغير جذرياً بدونهما، فالدماء كانت ستستمر. لكن روسيا بقيت القناة الوحيدة المتاحة للغرب للتأثير على النظام، بينما استُبعدت إيران بسبب خلافاتها النووية مع الغرب.

ثم ينتقل إلى مؤتمر جنيف 1 (يونيو 2012) الذي أنتج "البيان الختامي لجنيف"، حجر الزاوية لأي مفاوضات لاحقة. النقطة الجوهرية كانت تشكيل "هيئة حكم انتقالية" تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة وتُشكل بالتراضي. انقسم الموقف على الفور حول مشاركة الأسد فيها؛ أمريكا رفضتها وروسيا نفت ذلك، بينما رفضتها المعارضة جملة وتفصيلاً، واعتبر النظام أن الأسد وحده من يقرر.

يتناول الفصل بعد ذلك مؤتمر جنيف 2 (يناير 2014) في مونترو، حيث تكررت المواقف نفسها: أحمد الجربا يطالب بنقل السلطة، ووليد المعلم يعلن أن موقف الأسد غير قابل للتفاوض. بعد جولتين بلا نتائج ملموسة، استقال الأخضر الإبراهيمي في مايو 2014 واصفاً مهمته بالمستحيلة، وخلفه ستيفان دي ميستورا في يوليو 2014.

يشير الفصل إلى تأسيس مجموعة أصدقاء سوريا (2012) التي ضمت 70-114 دولة ثم تقلصت إلى "لندن 11" التي ساعدت المعارضة. ثم مجموعة الدعم الدولية لسوريا (فيينا 2015) التي جمعت لأول مرة داعمي النظام ومعارضيه، وشاركت فيها إيران أيضاً، لكن بدون أي تمثيل سوري. أعلنت المجموعة مبادئ عن وحدة سوريا وعلمانيتها، لكن المعارضة التي لا تريد العلمانية رفضتها.

ثم يركز الفصل على مشكلة تمثيل المعارضة، فيتناول هيئة التنسيق الوطنية وبناء الدولة السورية اللتين تتخذان من دمشق مقراً، واتهامات المعارضة الخارجية لهما بالارتباط بالنظام، بينما ترد هذه الأخيرة بأن من ينتقدها من الخارج يعيش في راحة ولا يعرف عناء العمل تحت سيطرة النظام. يورد رواية أحمد العسروي بأن 64 من أعضاء الهيئة قضوا أكثر من 500 عام في سجون النظام، وأن لؤي حسين (قائد بناء الدولة) سُجن مراراً.

يخصص الفصلاً لـالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ومقره إسطنبول، الذي اعترفت به أكثر من مئة دولة، لكن فاعليته الداخلية كانت محل شك. ويذكر "نداء من أجل سوريا" (نوفمبر 2016) الذي وقعه 170 مثقفاً بينهم ميشيل كيلو، انتقدوا فيه افتقار الائتلاف للتمثيل الحقيقي واتهموه بالتقسيم المصطنع بين "ثوار" و"معارضة"، وبأن توزيع المقاعد يتم على أساس طائفي وعشائري لا على أساس الخدمة للشعب.

مع ذلك، يصف مؤتمر الرياض للمعارضة (ديسمبر 2015) بأنه إنجاز كبير بتوحيد 116 شخصية من مختلف الفصائل العسكرية والمدنية، وانتخاب رياض حجاب (رئيس وزراء أسبق انشق عن النظام) رئيساً لـالهيئة العليا للمفاوضات. ضمت الهيئة فصائل مثل جيش الإسلام وأحرار الشام والجيش الحر، لكن غاب عنها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بقيادة صالح مسلم الذي اعتبرته الهيئة حليفاً للنظام.

يتناول الفصل مفاوضات جنيف 3 التي بدأت في فبراير 2016، حيث دعا دي ميستورا وفدي النظام والهيئة، واستشار أيضاً "مجموعة موسكو" و"مجموعة القاهرة" واتحاد المغتربين الكردي، مما أثار غضب الهيئة التي أرادت احتكار التمثيل. يصف الفصل حالة الجمود التام: وفد النظام بقيادة بشار الجعفري رفض لقب "معارضة"، ووفد الهيئة رفض لقب "إرهابيين"، وطالب الجعفري باستبعاد محمد علوش (جيش الإسلام) لأنه قال إن الحل يبدأ برحيل الأسد. لم تكن هناك مفاوضات مباشرة، فقط محادثات منفصلة عبر الوسيط.

يكشف الفصل عن مرارة المعارضة التي شعرت بالخيانة بعد أن اكتشفت أن الدعم الغربي (خاصة أمريكا وبريطانيا وفرنسا) كان سياسياً ومعنوياً فقط، وغير كافٍ لإجبار النظام على التنحي. قدم النظام وثيقة "أسس الحل السياسي" التي تتحدث عن علمانية وسيادة، لكنها تجاهلت النقل السياسي الذي تطالب به المعارضة.

في تحليل عميق، يوضح الفصل الاختلافات حول هوية سوريا المستقبلية: بعض المعارضة تريد سورياً عربياً إسلامياً، بينما يريد الأكراد الهوية السورية أولاً ويرفضون الامتياز لأي جماعة. يقترحون تغيير الاسم من "الجمهورية العربية السورية" إلى "الجمهورية السورية". يوضح المؤلف أن قوات سورية الديمقراطية تطالب بحكم ذاتي إقليمي يرفضه الجميع (النظام والمعارضة والأكراد الآخرون) خوفاً من الانفصال، ويعقد ذلك وجود أقليات متعددة (علويين، دروز، إسماعيليين) موزعة جغرافياً عبر سوريا.

يتناول الفصل مفهوم الأغلبية والأقلية، ويحذر من الخلط بين الأغلبية العددية والأغلبية السياسية. يضرب مثال صدام حسين كحكم أقلية سنية، بينما تنظيم الدولة الإسلامية يهيمن عليه السنة لكنه لا يمثلهم. وينقل عن ياسين الحاج صالح دعوته لأغلبية سياسية جديدة تتجاوز الطوائف وتقوم على المواطنة.

يختتم الفصل بعرض العقبات أمام أي حل وسط: عدم استجابة النظام لأي مطالب إنسانية (فك حصار، إطلاق سراح معتقلين، وقف قصف المدنيين)، وموقف "الفائز يأخذ كل شيء" لكلا الطرفين، وغياب خطة واضحة للتنفيذ السلمي رغم عشرات المبادرات (مشروع "اليوم التالي"، مبادرة "وطني سوريا"، وغيرهما). يصف بيتر هارلينغ الوضع بأن السوريين "مدمرون بأوهامهم"، وأن النظام مصمم على الفوز بأي ثمن، حيث أصبحت الحرب معركة حياة أو موت بلا مجال للمساومة.


باختصار، الفصل يوضح أن "الحوار" السوري تحول إلى مسرح لمشاهدة الفرقاء يرددون شعارات لا تلاقي: معارضة تريد رحيل الأسد أولاً، ونظام لا يقبل التفاوض على بقائه، ومجتمع دولي لم يمتلك إرادة حقيقية لفرض حل. النتيجة كانت محادثات تهدف إلى تسجيل المواقف لا تقاسم السلطة.

7.الاستنتاجات144–157▼ ملخص

يُشكّل فصل "الاستنتاجات" خلاصةً تحليليةً لأهمّ العناصر الأساسية التي تُميّز الصراع السوري منذ اندلاع الثورة عام 2011. يرى المؤلف أنّ الصراع هو صراع وجود بين النظام السوري وجماعات المعارضة المختلفة، حيث لا يُبدي النظام أي استعداد للتفاوض على رحيله أو سقوطه، بينما تسعى المعارضة إلى تقاسم السلطة مع النظام ضمن هيئة حكم انتقالية، وفقاً لبيان جنيف الصادر في 30 يونيو 2012، والذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالية تتمتع بسلطات تنفيذية كاملة وتضم أعضاءً من الحكومة الحالية والمعارضة، على أن يتم تشكيلها بـ"التراضي المتبادل". هذا الشرط الأخير هو جوهر المشكلة، فهو يمنح النظام حق النقض (الفيتو) على أي تغيير جوهري، بينما يرفض النظام أي تنحي أو نقل للسلطة عبر المفاوضات باعتبار ذلك بمثابة حُكم بالإعدام عليه.

يُفصّل الكاتب كيفية سير المفاوضات في حلقة مفرغة: تطلب المعارضة استبعاد بشار الأسد وكبار المسؤولين المتورطين في إراقة الدماء من أي مرحلة انتقالية، وهو ما يرفضه النظام جملةً وتفصيلاً، بينما يعرض النظام "حكومة وحدة وطنية" تمنح المعارضة مقاعدَ دون أي صلاحيات حقيقية تهدد موقعه. يخلص المؤلف إلى أن هذا التناقض الجوهري يجعل التسوية شبه مستحيلة، لأن طرفَي التفاوض يريدان الحصول على كل شيء تقريباً، تاركين للطرف الآخر لا شيء. ويؤكد أن طلب المعارضة برحيل الأسد ونظامه كشرط مسبق للمفاوضات هو طلب غير واقعي، مستشهداً بمقولة إن الأطراف المتفاوضة لا تُفاوض عادةً على إلغاء وجودها، إلا إذا كان لديها ما تربحه من ذلك، وهو ما لا ينطبق على الحالة السورية.

يتناول الفصل بالتحليل فكرة أن الضغط على النظام سيُجبره على التفاوض بجدية، ويرى أنها فكرة غير واقعية، لأن النظام يعتبر أن المساومة تعني (كل شيء أو لا شيء) ولن يقبل بأكثر من تغييرات تجميلية. والطريقة الوحيدة لكسر إرادته، بحسب المؤلف، هي من خلال هزيمة عسكرية شاملة، وعندها لن تكون هناك حاجة للمفاوضات معه. لكنه يحذر من أن إسقاط النظام عسكرياً قد يؤدي إلى فوضى يصعب السيطرة عليها، قد تصل إلى بديل إسلامي راديكالي شمولي، نظراً لهيمنة الجماعات الإسلامية والجهادية في المعارضة المسلحة وتزايد التطرف بفعل الحرب. ويخلص إلى استنتاج ساخر: لا مستقبل جيد لسوريا مع الأسد، لكن بدونه أيضاً لا تبدو الآفاق واعدة.

يستعرض المؤلف بعض الحوادث التي كشفت عن ازدواجية المعايير الغربية، مثل تهديد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بقصف النظام بعد استخدامه المزعوم للأسلحة الكيميائية في 2013، ثم تراجعه عن التنفيذ، مما قوّض مصداقية الغرب وأعطى النظام انطباعاً بأنه يمكنه الإفلات بكل شيء. على النقيض، يُشيد برد فعل الرئيس دونالد ترامب السريع في أبريل 2017 بقصف قاعدة الشعيرات الجوية رداً على هجوم كيميائي مزعوم في خان شيخون، مع الإشارة إلى أن الهدف المعلن كان منع النظام من استخدام الأسلحة الكيميائية مجدداً، رغم الإنكار الروسي والسوري للحادثة.

ينتقل الكاتب إلى تحليل العوائق البنيوية التي تحول دون حل سياسي. يُشير إلى أن إعلان الأسد "غير شرعي" من قبل الغرب، رغم ما قد يحمله من مبرر أخلاقي، كان خطأً من وجهة نظر واقعية، لأنه قوّض أي فرصة لحلٍ تفاوضي وجعل بدء المفاوضات مع "غير الشرعي" أمراً متناقضاً. كما يُحلّل فكرة أن رحيل الأسد وحده لن يحل المشكلة، فالطلب يمتد ليشمل رحيل مئات بل آلاف المسؤولين المتورطين، الذين سيدافعون عن مواقعهم بشراسة خوفاً من العقاب أو الإعدام. ويضيف أن المعارضة تطالب بإصلاح مؤسساتي جذري يشمل تقليص أجهزة الأمن الـ15 إلى الحد الأدنى وإعادة هيكلة الجيش الذي يهيمن عليه الضباط العلويون.

يُشير الفصل إلى الاستخفاف الممنهج بقوة النظام من قبل العديد من السياسيين الغربيين، الذي يعود جزئياً للأمنيات والرغبات (wishful thinking) وجزئياً للجهل بقدرة نظام حكم على مدى أكثر من نصف قرن على البقاء في السلطة بأبشع الطرق، من خلال تعيين الموالين في المواقع الحساسة وتصفية المعارضين. ويقارن النظام السوري بنظام صدام حسين في العراق، ويؤكد أنه يختلف جذرياً عن أنظمة "الربيع العربي" في مصر وليبيا وتونس، مما يجعل توقع سقوطه السريع أمراً غير واقعي. ويُحلل البعد الطائفي المدمر للصراع، حيث أدرك العلويون أن دعم النظام هو خيار البقاء خوفاً من "يوم الحساب" على أيدي الجماعات السنية المتطرفة، مما جعل الحرب تأخذ طابعاً طائفياً مستوحياً من أحداث تاريخية كمجزرة حماة عام 1982.

في القسم الأخير، يُحلل المؤلف الطابع الدولي للصراع كحرب بالوكالة، تتدخل فيها الولايات المتحدة، تركيا، السعودية، قطر، بريطانيا، وفرنسا بدعم فصائل المعارضة المختلفة، بينما تحمي روسيا وإيران النظام حفاظاً على مصالحهما الاستراتيجية. ينتقد المقاربة الغربية القائمة على "الأمنيات" التي فضّلت المبادئ المثالية والعقائدية الديمقراطية على الواقعية السياسية، مما أدى إلى خلق توقعات زائفة لدى المعارضة ودعم غير كافٍ ومتأخر ("too little, too late")، مما زاد الحرب اشتعالاً دون تمكين المعارضة من النصر، وانتهى بالشعور بالخيانة والتخلي من قبل الغرب. ويخلص إلى أن المفهوم الأهم في الصراع هو ميزان القوى العسكري، وأن أي حل سياسي يتجاهله هو محض وهم.

يختتم الفصل بطرح السيناريوهات الممكنة للمستقبل: 1) استمرار الحرب، 2) انتصار النظام واستمرار الديكتاتورية، 3) انتصار المعارضة وإمكانية قيام ديكتاتورية إسلامية، 4) تقسيم البلاد لمناطق نفوذ، و5) تسوية سياسية، وهي الخيار الأفضل. ويؤكد المؤلف أن الأولوية يجب أن تكون للحل السياسي أولاً، ثم العدالة لاحقاً، وليس العكس. وينهي بتحذير من استمرار التطرف، ويستشهد بتصريح بشار الأسد في نوفمبر 2016 بأنه يخطط للبقاء رئيساً حتى 2021، ويستنتج أنه ما لم يقتنع الأسد بتقديم تنازلات من قبل داعميه وخصومه، فإن التطورات ستتجه نحو حل عسكري، لكنه يختم بدعوة إلى الاستمرار في السعي نحو حل سياسي، فإن المعجزات لا تحدث إلا لمن يؤمن بها.