
Domicide
يُشكّل كتاب "Domicide" للمعماري والباحث عمار عزّوز تحقيقاً موسعاً في ظاهرة تدمير المنازل في زمن الحرب، والتي يسمّيها المؤلف "الدّوميسايد"، وهو مصطلح يستحدثه لوصف "التدمير المخطط والمتعمد للمنزل، مسبباً معاناة لساكنيه". لا يرى عزّوز في هذا التدمير مجرد نتيجة جانبية للحروب أو فوضى عسكرية، بل يفكّكه كفعل استراتيجي متعمّد يهدف إلى إلحاق المعاناة بالناس، ومحو هويتهم، وطمس ذاكرتهم الجماعية. يدافع الكتاب عن فكرة أن تدمير المنازل لا يقتصر على القصف العسكري المباشر، بل يمتد ليشمل وسائل بيروقراطية منهجية، وقوانين ظالمة، ومشاريع إعمار انتقائية، وكلها أدوات تعمل معاً لـ"محو الناس من على وجه الأرض". يطرح المؤلف سؤالاً وجودياً محورياً: ماذا يعني أن يفقد المرء وطنه ومنزله ومدينته في زمن الحرب؟ والإجابة التي يبني عليها عمله هي أن تدمير البيئة المبنية لا يقتصر على الحجر والطوب، بل يتعداه إلى تدمير شعور الإنسان بهويته وانتمائه، وتفكيك نسيج علاقاته الاجتماعية، وسلب قدرته على الحلم بالمستقبل.
يسير الكتاب وفق حجة مترابطة تبدأ من الخاص إلى العام، ومن الذاتي إلى السياسي. يفتتح المؤلف برسالة بريد إلكتروني شخصية أرسلها في 20 فبراير 2022 إلى زميل له، قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، ويُظهر الرد الذي تلقاه في 3 مارس من نفس العام كيف أن صور الدمار في أوكرانيا أعادت له ذاكرة سوريا، ليثبت أن نمط تدمير المنازل والمدن متكرر وعابر للجغرافيا. ثم ينتقد ما يراه تحيزاً جغرافياً في الدراسات الأكاديمية التي تركز على مدن "الشمال العالمي" بينما تهمل المدن المدمرة في "الجنوب"، مثل مدينة الرقة السورية التي تحولت إلى أنقاض بعد قصف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بين يونيو وأكتوبر 2017، حيث قُتل ما لا يقل عن 1,600 مدني وأصبحت 80% من المدينة غير صالحة للسكن. ينتقل بعدها لنقد التركيز المفرط في دراسات التراث الثقافي على المواقع الأثرية الضخمة مثل تدمر وجسر موستار، على حساب التدمير الهائل للمباني اليومية العادية: المنازل، المدارس، المحلات، الجسور. ويستشهد باقتباس قوي من الباحثة لين ميسكل عن منظمة يونسكو، محذراً من تدخل لإنقاذ "تراث مادي بحت" لصالح "كلاسيكيات غربية" بينما يُتجاهل أولئك الذين يعيشون ويموتون في الصراع.
يواصل الكتاب تفكيك ظاهرة "الدوميسايد" من خلال التمييز بين نوعين أساسيين وفقاً لتصنيف بورتيوس وسميث (2001): "الإبادة المنزلية القصوى" وهي الضخمة والنادرة والتي تحدث عادة في الحروب، و"الإبادة المنزلية اليومية" وهي المتكررة ومحدودة النطاق والتي تحدث في أوقات "السلام". يرى المؤلف أن التدمير في سوريا يمثل تداخلاً معقداً بين هذين النوعين، حيث استمر التدمير اليومي قبل عام 2011، ثم تحول إلى تدمير مكثف أثناء الحرب، وقد يعود ليظهر مجدداً تحت غطاء "إعادة الإعمار". وفي هذا السياق، يستعرض مثالاً صارخاً من حُمص في يوليو 2013، حيث احترق مبنى مجلس المدينة بطريقة غير اعتيادية دمرت سجلات الأراضي والممتلكات، مما سمح للحكومة بمصادرة المنازل بشكل منهجي دون استخدام القنابل. هذا هو ما يسميه الكاتب تدميراً "بيروقراطياً" أو "يومياً" للمنزل، يربطه بمفهوم "العنف البطيء" الذي يسبب دماراً وفقداناً مستمرين عبر الزمن.
تتضمن صفحات الكتاب أرقاماً وشهادات ووقائع يصعب نسيانها، وتُدمج ببراعة في النسيج السردي لتعزيز الحجة المركزية. يذكر المؤلف تقريراً لـ هيومن رايتس ووتش عن حي وادي الجوز في حماه عام 2014، حيث استخدم الجيش السوري مكبرات الصوت لإبلاغ السكان أن لديهم ساعة واحدة فقط ليجمعوا أمتعتهم، ودمر 1,250 محلاً و 650 منزلاً، وأعطيت 1,800 عائلة ثلاث ساعات فقط لحزم أمتعتها ومغادرتها. وتظهر شهادة إحدى النازحات، تدعى نادية، التي فرت من حمص عام 2012 وانتقلت إلى ألمانيا عام 2018، كيف أنها رغم محاولتها بناء حياة جديدة، ما زالت تتجنب تذكر سوريا بالكامل وترفض زيارة منزلها المدمر خوفاً من استرجاع الصدمة، وتقول إنها "تحاول دفن الماضي ونسيان سوريا". أما الشهادة الأكثر تأثيراً فربما تكون لـ أمامة زانكوان (لندن، 2019)، التي تصف زيارتها الأولى للحي القديم في حمص بعد فك الحصار عام 2014، وكيف كانت آلاف العائلات تسير بصمت لرؤية منازلها، فلم تستطع الوصول إلى منزلها لأن والدتها رفضت تسلق جبل من التراب والحطام. تقول زانكوان إن الذكرى الوحيدة المتبقية عن منزلها هي في رؤوسهم، لأنهم لم يملكوا أي صورة له قبل الدمار.
يعترف المؤلف بصرامة بحدود وتحفظات مهمة في عمله. فهو يقر بأن بعض الأجساد والتجارب البشرية تصبح غير ذات أهمية أو حتى أكثر قيمة من غيرها في نظر الأنظمة الحاكمة، مما يبني حالة من "اللامساءلة". كما يعترف بصعوبة التغلب على الخلافات والانقسامات بين السوريين أنفسهم، بين مؤيدي النظام ومعارضيه، وبين من بقي في الداخل ومن هاجر. ويطرح أسئلة مفتوحة حول كيفية إعادة بناء مدن مثل حمص بمشاركة المجتمعات المختلفة، وكيف يمكن للمعماريين أن يلعبوا دوراً نقدياً من خلال التواصل مع الناس بدلاً من فرض تصاميم منفصلة عن واقعهم. ويقر بأن عدم قدرته على زيارة سوريا هو أحد القيود الأساسية، ويسأل نفسه: "من أنا لأتحدث عن بلد من منفاي؟" لكنه يبرر ذلك بكونه عاش في المدينة لمدة ثلاث وعشرين سنة، وأنه جلب بعض أصوات الناس من المدينة إلى قلب هذا العمل.
يتضمن الكتاب حججاً قابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة. من أبرزها فكرة أن إعادة الإعمار في سوريا قد لا تكون مجرد عملية بناء، بل قد تمثل موجة جديدة من الإبادة المنزلية. يشير المؤلف إلى أن مشاريع إعادة الإعمار يمكن أن تصبح أداة دعائية للسلطة السياسية والاقتصادية، وأنها تهدد بمحو ما تبقى من سوريا وتهميش اللاجئين والفقراء والسكان الأصليين لصالح النخب. ويضرب مثالاً بمشروع "بارك ريزيدنس يعفور"، وهو مشروع سكني راقٍ مسوّر على بعد 26 كيلومتراً من وسط دمشق، طوّرته شركة كويتية سورية، يصور حياة مثالية للرفاهية في فيديو ترويجي صدر في ديسمبر 2018، يعيشها رجال ونساء أثرياء في عالم منفصل تماماً عن واقع الحرب والنزوح. يصف الفصل هذا الفيديو بأنه "يوتوبيا منسية" و"منظر طبيعي من النسيان"، ويرى أن مثل هذه المشاريع ليست مجرد مساكن بل أدوات للفصل والتمييز، تخلق مجتمعات مسوّرة معزولة عن الفقراء والمهمشين. كما أن تركيز الفصل الحصري تقريباً على معاناة النازحين تحت حكم النظام والميليشيات الموالية له، دون تناوله بشكل متوازٍ التهجير الذي تسبب به فصائل المعارضة المسلحة أو القصف من أطراف أخرى، يظل نقطة قابلة للنقاش. ورغم ذلك، يظل الكتاب وثيقة إنسانية قوية تبرز أن المنزل في الحرب ليس مجرد بناء يُقصف، بل هو نسيج من العلاقات والذكريات التي يصعب استعادتها حتى بعد انتهاء القصف.
الأشخاص
الفصول(11)
1.التدمير المنزلي: تدمير الوطن/المنزل14–17▼ ملخص
يُشكّل تدمير المنزل، أو ما يُسمّيه الكاتب "الدّوميسايد"، الموضوع المحوري لهذا الفصل التمهيدي من كتاب "Domicide" للمعماري والباحث عمّار عزّوز. يطرح الكاتب فكرة أن هذا التدمير ليس مجرد نتيجة جانبية للحروب، بل هو فعل مُتعمّد يهدف إلى إلحاق المعاناة بالناس ومحو هويتهم وذاكرتهم. يرى عزّوز أن تدمير المنازل لا يقتصر على القصف العسكري المباشر، بل يمتد ليشمل وسائل بيروقراطية منهجية تهدف إلى "محو الناس من على وجه الأرض".
يسير الفصل عبر سلسلة من الأمثلة المترابطة التي تبدأ بتجربة شخصية وتتوسع لتشمل صراعات عالمية. يفتتح الكاتب برسالة بريد إلكتروني أرسلها في 20 فبراير 2022 إلى أحد زملائه، قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، ويُظهر الرد الذي جاء في 3 مارس بعد بدء القصف كيف أن صور الدمار في أوكرانيا أعادت له ذاكرة سوريا. يستخدم الكاتب هذه المقارنة ليثبت أن نمط تدمير المنازل والمدن متكرر وليس حكراً على حرب دون أخرى، مشيراً إلى تصريح نائب عمدة ماريوبول الذي قال: "انظروا إلى صور حلب، هذا هو ماريوبول اليوم".
يستعرض الفصل أشكالاً مختلفة من "الدّوميسايد". يبدأ بمثال صارخ من حُمص في يوليو 2013، حيث احترقت مبنى مجلس المدينة، لكن الحريق لم يكن عادياً؛ بل دمر سجلات الأراضي والممتلكات، مما سمح للحكومة بمصادرة المنازل بشكل منهجي دون استخدام القنابل. هذا هو ما يسميه الكاتب تدميراً "بيروقراطياً" أو "يومياً" للمنزل. يربط الفصل بين هذا التدمير الهادئ والدمار الوحشي الذي لحق بمدينة حلب خلال سنوات الحرب، والتي وصفها سفير أمريكي سابق بأنها "أقدم مدينة مأهولة بشكل متواصل في العالم"، وبعد حصار استمر سنوات، سقطت بيد قوات الحكومة السورية وحلفائها في ديسمبر 2016، في لحظة اعتُبرت نقطة تحول في الصراع.
يُحاجج الكاتب بقوة ضد اللغة التي تُستخدم لوصف هذه الأفعال، مثل "الضرر الجانبي" أو "المدنيين العالقين في تبادل إطلاق النار"، فهي لغة تُطهّر الجرائم وتُبررها. ويشير إلى أن الحروب الحديثة لا تُخاض في الخنادق بل "شارعاً شارعاً، بيتاً بيتاً، منزلاً بعد منزل"، حيث أصبح المدنيون أنفسهم هم خط الجبهة الأمامي. يقدم الفصل أمثلة من أوكرانيا حيث أشارت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى نمط "هائل وممنهج" من تدمير الأعيان المدنية، مما يُشير إلى عدم الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب في القانون الدولي. لا يستثني الفصل القوى الغربية من هذا النقد، مستشهداً بتحقيق لصحيفة نيويورك تايمز كشف عن "سنوات من القتلى المدنيين وغياب المساءلة" في غارات أمريكية بأفغانستان، وبمثال مدينة الرقة السورية التي دمرها قصف التحالف الدولي بقيادة أمريكا مع أنها كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.
يعترف الكاتب بحدود التغطية الإعلامية، مشيراً إلى أن التركيز على المعالم الأثرية مثل سوق حلب أو آثار تدمر يطغى على تدمير آلاف المنازل وحياة سكانها العاديين. يصف تجربة شخصية عندما زار تدمر عام 2017 بعد طرد تنظيم الدولة، ووجد بلدة مجاورة تحمل الاسم نفسه عانت بشدة من القمع والتدمير دون أن تحظى بأي اهتمام إعلامي يُذكر. يُقرّ الفصل بأن آثار الحروب تمتد لأجيال وتتطلب جهود إعادة إعمار حساسة وبرامج لجوء متعاطفة، ويؤكد أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق دون عدالة ومحاسبة، ودون إثبات أن جرائم الحرب لن تمر دون عقاب.
في النهاية، يطرح الفصل حجة قابلة للنقاش وهي أن تدمير المنزل هو فعل استراتيجي وليس مجرد فوضى حرب، وأن جميع أطراف النزاع، سواء كانوا أنظمة استبدادية أو تحالفات دولية، يتورطون في هذا "القتل المنهجي للمنازل وطرق الحياة". يختتم الفصل بالإشارة إلى أن عمل عزّوز الأكاديمي، الذي يجمع بين الخرائط والصور والوثائق والسرديات الشخصية، يُحاول تقديم دليل منهجي على هذه الجرائم، ليس فقط لفضحها ولكن للحفاظ على ذاكرة الأماكن والأشخاص الذين مُحوا من الوجود.
2.فضاء الهوية30–35▼ ملخص
هذا الفصل، بعنوان "فضاء الهوية"، هو المقدمة الفعلية لكتاب "Domicide" للمؤلف عمار عزوز، وهو يطرح السؤال المحوري: ماذا يعني فقدان المرء لوطنه ومنزله ومدينته في زمن الحرب؟ الإجابة التي يبني عليها الكتاب هي أن تدمير البيئة المبنية لا يقتصر على الحجر والطوب، بل يتعداه إلى تدمير شعور الإنسان بهويته وانتمائه، وهي ظاهرة يسميها المؤلف "دوميسايد" (تدمير المنزل).
يمضي الفصل خطوة بخطوة ليكشف عن ثلاث مشاكل رئيسية يراها في الدراسات الأكاديمية الحالية حول الحروب والمدن. أولاً، ينتقد التحيز الجغرافي في هذه الدراسات، حيث تركز بشكل كبير على مدن "الشمال العالمي" (مثل بروكسل وباريس ولندن بعد هجمات 11 سبتمبر 2001) بينما تهمل المدن المدمرة في "الجنوب"، خاصة بعد الربيع العربي. يستشهد بمدينة الرقة السورية كمثال صارخ، المدينة التي تحولت إلى أنقاض بسبب قصف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بين يونيو وأكتوبر 2017، حيث قُتل ما لا يقل عن 1,600 مدني وأصبحت 80% من المدينة غير صالحة للسكن، ومع ذلك لا يوجد أي بحث أكاديمي كافٍ عنها. يطرح السؤال: هل هذا نابع من تحيز يجعل بعض الأرواح والمدن أقل قيمة من غيرها؟
ثانياً، ينتقد الفصل التركيز المفرط في دراسات التراث الثقافي على المواقع الأثرية الضخمة و"المشهورة" مثل جسر موستار (1993)، وتماثيل بوذا في باميان (2001)، وتمبكتو (2012)، وتدمر (2015). يرى المؤلف أن هذا الاهتمام يخلق "صناعة" كاملة من المشاريع والندوات والمعارض، مثل برنامج "الآثار المهددة بالانقراض" في جامعات أكسفورد وليستر ودورهام (2015)، وقاعدة بيانات لمتحف فيكتوريا وألبرت. هذا التوجه، حسب المؤلف، يهمش التدمير الهائل للمباني اليومية والعادية: المنازل، المدارس، المحلات، الجسور. يستشهد باقتباس قوي من لين ميسكل عن منظمة يونسكو، تحذر فيه من تدخل لإنقاذ "تراث مادي بحت" لصالح "كلاسيكيات غربية" بينما يتم تجاهل أولئك الذين يعيشون ويموتون في الصراع، ويضيف باقتباس من روزي بشير منتقداً التغطية الإعلامية التي تندب تدمير "التاريخ المادي" أكثر مما تندب فقدان الأرواح (خاصة أرواح المسلمين).
ثالثاً، يوجه الفصل نقداً لاذعاً لـ طريقة عمل الباحثين الأكاديميين، الذين يكتبون عن معاناة السوريين من بعيد، من مكاتبهم المريحة في لندن ونيويورك وبرلين، دون أي تواصل حقيقي مع المجتمعات المتضررة. يصفهم بالمستغلين الذين ينظرون إلى الأزمة السورية كفرصة للحصول على تمويلات ضخمة للأبحاث، مستشهداً بمقال لـ ميسون سكرية وستيوارت تانوك عن "صناعة بحوث اللاجئين السوريين في المملكة المتحدة"، والتي تُدار غالباً بمعزل عن احتياجات السوريين الفعلية. ينتقد هؤلاء الباحثين الذين يستأجرون "مساعدين بحثيين" محليين لجمع البيانات دون فهم حقيقي للغة والثقافة، ويقول إنهم "يسرقون قصص الألم والمعاناة" دون إعطاء مساحة للسوريين لرواية حكايتهم بأنفسهم، مستثنياً القلة القليلة من المعماريين والناشطين السوريين مثل مروة الصابوني وهودا جودي وعصام آلاسي الذين نشروا أعمالهم رغم الصعوبات.
في النهاية، يعرّف الفصل مفهوم "الدوميسايد" (Domicide) الذي استحدثه الباحث ج. دوغلاس بورتيوس أول مرة عام 1988، ويعني "التدمير المخطط والمتعمد للمنزل، مسبباً معاناة لساكنيه". ويوضح أن هذا التدمير لا يشمل فقط فقدان المأوى، بل يؤدي إلى فقدان الأمان والهوية، وتقييد الحرية، وإضعاف الجذور التاريخية، ومحو الذكريات والأحلام. يطرح المؤلف الأسئلة الوجودية التي سيبحث عنها في الكتاب: ماذا يعني أن تخسر منزلك؟ ماذا يعني أن تفقد مدينتك وشوارعها وميادينها؟ ماذا يعني أن تعيش مع الألم اليومي لفقدان مكان لا يمكنك العودة إليه حتى لتوديعه؟ يوضح المؤلف أن تركيزه، مثل فينا داس، ليس على وصف لحظات الرعب بل على فهم ما يحدث للفرد والعالم عندما تنطوي ذكرى هذه الأحداث في نسيج حياته اليومية.
باختصار، يبني هذا الفصل أطروحة الكتاب بإعلان الحرب على نوعين من الإهمال الأكاديمي: الإهمال الجغرافي للمدن العربية المدمرة، والإهمال الإنساني لمعاناة البشر العاديين لصالح الاهتمام بالحجر الأثري. الفصل بأكمله هو نقد ذاتي من داخل الأكاديميا، ويترك الباب مفتوحاً لتساؤل حول كيف يمكن للبحث أن يكون أكثر إنصافاً وإنسانية.
3.فضاء اللامساواة36–40▼ ملخص
يطرح هذا الفصل مفهوم "الإبادة المنزلية" (Domicide) كموضوع محوري، حيث يعرّفها المؤلف بأنها القتل المتعمد للمنازل وسبل الحياة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هذه الإبادة لا تقتصر على تدمير المباني المادية فحسب، بل تستهدف النسيج الاجتماعي والذاكرة والهوية، وأنها تحدث في أوقات الحرب والصراع وفي أوقات "السلام" على حد سواء. يرى المؤلف أن التدمير المتعمد للمنزل، الذي يعتبره "أكثر الأماكن معنى" للإنسان، هو شكل من أشكال العنف الذي يسبب معاناة عميقة للأفراد والمجتمعات.
يسير الفصل عبر عدة خطوات لبناء حجته. يبدأ بتفكيك مصطلح Domicide، مشيراً إلى أن مقطعه "cide" يدل على القتل المتعمد وليس مجرد الانهيار أو الموت. ينتقل بعدها إلى استعراض مفهوم "المنزل" كفضاء جغرافي واجتماعي حاسم، بالاعتماد على أعمال باحثين مثل أليسون بلنت وروبين دولينغ اللذين يعرفان المنزل بأنه في الوقت نفسه مادي وخيالي، ومحور للسلطة والهوية، ومتعدد النطاقات (من الجسد إلى الأمة). يؤكد المؤلف أن تجربة المنزل ليست دائماً إيجابية، إذ يمكن أن تكون موقعاً للعنف الأُسري والقمع، لكنها مع ذلك تظل أساسية لتكوين الهوية.
بعد ذلك، يربط المؤلف مفهوم الإبادة المنزلية بدراسات النزوح القسري والعنف، مستشهداً بأعمال ستيفان يانسن وستافان لوففينغ اللذين يدرسان صراعات الناس من أجل إعادة بناء المنزل بعد النزوح. يطبق المؤلف هذا الإطار على حالات محددة، مشيراً إلى أن دراسته تتبع الإبادة المنزلية عبر مقاييس وأزمنة وجغرافيات مختلفة، وليس فقط من خلال عدسة فقدان منزل فردي، بل أيضاً فقدان أسلوب حياة بأكمله عندما ينهار نسيج مكان بأكمله.
يستخدم الفصل أمثلة حية لتقريب المعاناة. يذكر يونبينغ تشانغ وأبحاثه حول نزع الملكية في الصين بمناسبة إكسبو العالمي 2010 في شنغهاي، حيث تم تدمير منازل الفئات المهمشة لبناء مشاريع حصرية تخدم النخب. يقدم تشانغ منهجاً يعطي الأولوية لقصص المتضررين وأجسادهم وتجاربهم، والتي غالباً ما تُهمل. ينقل الفصل بكاء أحد المقابلات الذي قال: "كان قلبي فارغاً... كل شيء فارغ. لا عودة، لا عودة. كان يجب أن ألتقط بعض الصور. لم أدرك أنني بحاجة لصور". ثم يقارن المؤلف هذه الحالة بقصة أمامة زنكوان، السورية من حمص المقيمة في لندن عام 2019، والتي قالت: "ليس لدينا أي صورة لمنزلنا قبل أن يحترق ويدمر. كانت أمي تحاول العثور على قطعة صغيرة من منزلنا. لكنها لم تستطع. الذكرى الوحيدة التي لدي من منزلي هي في ذهني". هذا التشابه بين حالتين مختلفتين تماماً (الصين وسوريا) يوضح عمق وجع فقدان المنزل وصعوبة استعادته حتى في الصور الذهنية.
يميز الفصل بين نوعين من الإبادة المنزلية وفقاً لـبورتيوس وسميث (2001): "الإبادة المنزلية القصوى" (الضخمة والنادرة والتي تحدث عادة في الحروب) و"الإبادة المنزلية اليومية" (المتكررة ومحدودة النطاق والتي تحدث في أوقات السلام). يرى المؤلف أن التدمير في سوريا يمثل تداخلاً بين هذين النوعين، حيث استمر التدمير اليومي قبل عام 2011 ثم تحول إلى تدمير مكثف أثناء الحرب، وقد يعود ليظهر مجدداً تحت غطاء "إعادة الإعمار". يربط ذلك بمفهوم "العنف البطيء" الذي يسبب دماراً وفقداناً مستمرين.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات، أبرزها أن بعض الأجساد والتجارب البشرية تصبح غير ذات أهمية أو حتى أكثر قيمة من غيرها في نظر الأنظمة الحاكمة، مما يبني حالة من "اللا مساءلة". يوضح أن هذه العملية تتخذ أشكالاً متعددة، من النظرة الأبوية التي تصوّر الضحايا كأدنى مرتبة وتبرر تضحياتهم من أجل "الصالح العام"، إلى عمليات "التغريب" التي تجرّد الضحايا من إنسانيتهم وتصورهم كأعداء يستحقون العقاب أو القتل، كما حدث في سوريا تحت ذرائع "الحرب على الإرهاب"، "التحديث"، أو "التنمية".
من الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص، فكرة أن إعادة الإعمار في سوريا قد لا تكون مجرد عملية بناء، بل قد تمثل موجة جديدة من الإبادة المنزلية. يشير المؤلف إلى أن مشاريع إعادة الإعمار يمكن أن تصبح أداة دعائية للسلطة السياسية والاقتصادية، وأنها تهدد بمحو ما تبقى من سوريا وتهميش اللاجئين والفقراء والسكان الأصليين لصالح النخب، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول من تُبنى المدن فعلاً ولمصلحة من.
4.فضاء الاحتجاجات44–48▼ ملخص
يسعى هذا الفصل إلى تقديم الإطار المنهجي والأخلاقي للكتاب، مع التركيز على أهمية إعطاء الأولوية لأصوات الناس العاديين المتضررين من التدمير، بدلاً من الاعتماد فقط على الخبراء أو الخطط الرسمية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن فهم "الإبادة المنزلية" يتطلب نهجاً تصاعدياً وإنسانياً، ينطلق من الحكايات الفردية والتجارب اليومية لأولئك الذين يعيشون الصراع، سواء داخل سوريا أو في الشتات.
يبدأ الفصل بشرح منهجية البحث التي اعتمد عليها المؤلف، والتي تقوم على مقابلات مع السوريين في الشتات، ومع أشخاص داخل سوريا عبر الإنترنت. يوضح أنه اختار ألا يتحدث فقط مع المهندسين المعماريين والمخططين، على أمل سد الفجوة التي اتسعت بين المختصين والمجتمعات المحلية، وهي فجوة لم تظهر فقط خلال العقد الماضي بل كانت موجودة قبل عام 2011 أيضاً. يؤكد المؤلف أنه قبل الحرب، لم تكن هناك برامج هادفة لمشاركة المجتمع في التخطيط الحضري أو العمارة التشاركية، مما جعل المجتمعات المحلية تشعر بأنها غير مسموعة ومهملة في تحديد مصير بيئتها المبنية.
يضيف المؤلف أنه أجرى مقابلات أيضاً مع أكاديميين وفنانين وباحثين غير سوريين يعملون على دراسات عن سوريا أو غيرها من المناطق الجغرافية المتنازع عليها عبر فترات تاريخية مختلفة، مثل وارسو وكوفنتري بعد الحرب العالمية الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، وبرلين بعد سقوط جدار برلين. سلطت هذه المقابلات الضوء على أسئلة قديمة أصبحت ذات صلة اليوم، مثل: كيف نبني المدن المدمرة؟ ما القوى التي تشكل إعادة الإعمار؟ كيف نتذكر زمن الحرب من خلال الحفاظ على الآثار؟ وما عواقب عقود من إعادة الإعمار على المجتمعات؟
يوضح المؤلف كيف قادته المقابلات، التي أجراها على مدى سنوات، إلى فهم عميق للصراع من خلال سرد كيفية تحول الحياة اليومية للناس بسبب الحرب. لقد وجد في هذا النهج الأنثروبولوجي طريقة لدراسة الصراعات والمدن من الأسفل إلى الأعلى، من الأشخاص الموجودين على الأرض والذين يعيشون الصراع بشكل مباشر. ويشير إلى أن التحدث مع الناس من طوائف وأحياء مختلفة في حمص سمح له بالتقاط وجهات نظر متعددة من الداخل، خاصة وأن حمص لا تزال منقسمة على مستويات عديدة وكثير من الناس لا يتحدثون مع بعضهم البعض. يذكر أن الخوف وانعدام الثقة لا يزالان يفرقان الناس، وأن مناقشاتهم كانت محدودة بسبب الخوف من التحدث عن الوضع من حولهم.
يؤكد المؤلف أن وضعه كشخص من حمص نشأ ودرس فيها مكنه من التواصل مع أشخاص يعرفونه أو يعرفون شخصاً يعرفه، وهو أمر حاسم للوصول إلى الناس. وبدون هذه الروابط، كما يقول، سيكون منفصلاً عن البلاد التي هُجّر منها منذ أكثر من عقد. إلى جانب المقابلات الرسمية وشبه الرسمية، يوضح أنه انخرط باستمرار بشكل غير رسمي مع السوريين المقيمين في سوريا ومع الشتات السوري للحصول على فهم عميق لتأثير الحرب على حياتهم اليومية وذاكرتهم قبل الحرب وخلال سنواتها. يعترف المؤلف بأن عدم قدرته على زيارة سوريا هو أحد القيود، ويسأل نفسه: "من أنا لأتحدث عن بلد من منفاي؟" لكنه يبرر ذلك بكونه عاش في المدينة لمدة ثلاث وعشرين سنة وأنه جلب بعض أصوات الناس من المدينة إلى قلب هذا العمل.
ينتقل الفصل إلى وصف معاناة من تحدث معهم، والذين فقدوا منازلهم وأفراد أسرهم، والذين تحولت حياتهم إلى ممارسة انتظار. يصف الألم الذي شعر به عند رؤية الناس وهم يكافحون على الإنترنت للحصول على احتياجاتهم الأساسية، الخبز الأسبوعي، والكهرباء، والماء الساخن، أو التدفئة في أبرد الأيام. يشعر المؤلف بعدم كفاية اللغة لالتقاط هائلة التجارب الإنسانية. ويؤكد أنه يقدم هذه المعاناة في صميم الكتاب حتى لا تُنسى. ويشير إلى أنه كلما اقتبس نصاً من مقابلاته، يحرص على تجنب تجسيد الأصوات أو جعلها تبدو وكأنها في وضعية ضعف، وتجنب جعل المعاناة جمالية أو رومانسية، بل يعكسها بطريقة حساسة ومحترمة.
بعد ذلك، يستعرض المؤلف الأدبيات الناشئة حول البيئة المبنية في سوريا، والتي راجعها وشملت كتابات أكاديمية، ومقالات صحفية، وتقارير نشرتها منظمات دولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي، بالإضافة إلى أعمال منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. كما تضمنت الموارد الأخرى مواد بصرية ورسومات وخرائط وخطط إعادة إعمار. يوضح أن البحث أجري باللغتين العربية والإنجليزية، وأن المواد البصرية شملت فيديوهات إخبارية وخططاً معمارية. ويشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت الوسيلة الوحيدة للحصول على أحدث التحديثات من الجمعيات الخيرية المحلية في سوريا، حيث أن العديد منها لا يستخدم مواقع الويب ويعتمد فقط على وسائل التواصل الاجتماعي.
يتناول الفصل أيضاً الحساسية في استخدام الصور، مؤكداً على أهمية استخدامها بطريقة مدروسة وحساسة دون تجميل العنف والدمار. ويختتم القسم الأول من الفصل بالحديث عن مشاركته المستمرة مع الزملاء والأصدقاء العاملين على مواضيع ذات صلة بالإبادة المنزلية، من خلال حضور الندوات وورش العمل والمؤتمرات والمهرجانات، مما ساعده على تطوير اتصالات جديدة وفهم المنظورات المختلفة تجاه الدمار وإعادة الإعمار من قبل سوريين وغير سوريين.
5.التدمير المنزلي في الحرب والسلم146–158▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول كيفية مقاومة "التدمير المنزلي" في أوقات الحرب والسلم، ويؤكد أن هذه المقاومة ممكنة عبر ثلاث أدوات رئيسية: استعادة السردية، وإنشاء مساحات تضامن جماعية، وحماية الذاكرة. يقدم المؤلف الإجابة بأن تدمير المنازل لا يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد ليصمت الأصوات ويمحو الهوية، لذا فإن المقاومة الحقيقية تكمن في إعادة إنتاج الأمل وتمكين المجتمعات المتضررة من سرد قصصها بنفسها.
يبدأ الفصل بتأمل الكاتبة مونا رفيع (اسم مستعار) من داخل حمص في 15 مارس 2021، بمناسبة مرور عشر سنوات على الثورة السورية. يصف مقالها "ما زلنا هنا" حضوراً جماعياً رغم نزوح أكثر من نصف السكان، ورغم اختفاء حمص من عناوين الأخبار. ترفض رفيع السردية السائدة عن العجز، وتكتب عن التحول الديموغرافي في المدينة التي أصبحت "مدينة من النساء والأطفال والميليشيات"، وعن رغبتها في التمرد بصوت أجش لتصرخ في وجوه رجال النظام. يوضح المؤلف أن كتابتها تمثل فعلاً سياسياً يفضح العنف الخفي، ويجعل الحياة اليومية تحت القصف مرئيةً وملموسة لمن هم خارج سوريا، مسلطاً الضوء على قوة الكتابة في مواجهة الإبادة المنزلية. يربط ذلك بفكرة ريبيكا سولنت في كتابها "الأمل في الظلام" التي تعتبر الأمل أداة للمقاومة والذاكرة جذوراً لهذا الأمل، في سياق يائس تسوده الصدمة.
ينتقل الفصل بعدها إلى نقد حاد للممارسات الأكاديمية والإنسانية. يصف كيف نادراً ما تُسمع أصوات المتضررين في المؤتمرات الدولية، مستشهداً بحادثة في مؤتمر بجامعة أكسفورد عام 2017 حيث صرخ رجل غاضباً بأن المتحدث "لا يعرف شيئاً" عن معاناة اللاجئين، ومؤتمر آخر في لندن غادرته سيدة احتجاجاً على تقديم مقدم لا يفهم حلب. يرى المؤلف أن المعاناة السورية تحولت إلى "فرصة تمويلية"، حيث يستخدمها أكاديميون وباحثون في جامعات كامبردج وأكسفورد للتقدم في مسيرتهم المهنية دون معرفة حقيقية بالمجتمع، حتى أن أحدهم قال للمؤلف إنه "فرصة تمويلية عظيمة". يتحدث عن ظاهرة "سياحة الإغاثة" و"المانيل" (لجان من الرجال فقط)، حيث يُستبعد السوريون من الحديث عن شؤونهم، مما دفعه إلى نشر سلسلة تغريدات شهدت أكثر من 700,000 مشاهدة، طالب فيها بإعادة السردية إلى أهلها.
لتجاوز هذه الإشكاليات، يقدم الفصل مقترحات عملية لإنشاء مساحات تضامن للسوريين في مجال البيئة المبنية. يحلم المؤلف بـ مدرسة بولندية للعمارة مثل تلك التي أُطلقت في جامعة ليفربول عام 1942 أثناء الحرب العالمية الثانية، لتكون نموذجاً لبرامج سورية. تشمل المقترحات تنظيم ورش عمل مستدامة حول إعادة الإعمار والمشاركة الشعبية، وإنشاء برامج كتابة للمهندسين المعماريين من مدن مختلفة مثل إدلب والرقة والحسكة وليس فقط دمشق وحلب، مع الإشارة إلى مجلة "العمران العربي" كنموذج. يقترح أيضاً برامج إرشاد مهنية وبناء جسور بين المهندسين داخل سوريا وخارجها، مع الاعتراف بصعوبة التغلب على الانقسامات السياسية بين من يدعم الثورة ومن يدعم النظام، وبين من بقي في الداخل ومن هاجر، وبين من عايش الحرب ومن يمتلك تراثاً سورياً دون أن يعيش فيها.
أخيراً، يركز الفصل على حماية الذاكرة كأداة مركزية للنضال. يوضح أن تدمير الذاكرة لا يحدث فقط في الحرب، بل يستمر في زمن "السلم" باسم إعادة الإعمار والتحديث، مستشهداً بدراسة هبة بو عكر عن ضواحي بيروت حيث التشييد والتدمير والنزوح متداخلون بشكل وثيق. يصف كيف أن صفحات وسائل التواصل الاجتماعي مثل "متحف مدينة حمص للصور القديمة" و"منتدى دراسة تاريخ حمص" أصبحت مساحات للحنين إلى الذاكرة المفقودة. يختتم الفصل بالتأكيد على أن التدمير المنزلي ليس حدثاً ينتهي بانتهاء القصف، بل هو "صراع يومي" يستمر طوال حياة الضحايا الذين يعيشون فاجعة الفقد والأحلام المستحيلة بالعودة، مما يجعل فهم آثاره المتأخرة ضرورياً لبناء مستقبل تقوم إعادة إعماره على العدالة والكرامة الإنسانية.
5.تأثير النزوح الداخلي على الناس61–68▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على تأثير النزوح الداخلي على الناس في مدينة حمص السورية، مقدّماً إجابةً مركزيةً مفادها أن النزوح لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل هو عملية تفكيك للنسيج الاجتماعي والهوية المكانية، تاركةً جروحاً نفسية واجتماعية عميقة. يؤكد المؤلف أن هذا النزوح الداخلي، الذي فصل المجتمعات المختلطة سابقاً، أعاد تشكيل المدينة على أسس طائفية وجغرافية جديدة، مما جعل العودة المستحيلة نفسياً ومادياً.
يسير الفصل عبر عدة خطوات، مستخدماً مزيجاً من السرد الشخصي والتحليل الاجتماعي. يبدأ بوصف حمص ما قبل الحرب، حيث كانت مدرسة الباسل للمتفوقين نموذجاً فريداً للتنوع، إذ جمعت طلاباً من طوائف ومذاهب مختلفة (علويين، سنّة، شيعة، مسيحيين) ومن خلفيات اجتماعية واقتصادية متفاوتة، بناءً على القدرات الفكرية وليس الانتماء. في المقابل، تعكس المدارس المحلية والأحياء السكنية انقسامات حادة؛ فأحياء مثل الوعر والزهراء كانت أغلبية علوية، بينما القصور وبابا عمرو والتبسة كانت سنية، بينما كانت الغسانية وأكرام والوعر الجديدة مختلطة. يشير المؤلف إلى أن هذا التقسيم الطائفي لم يكن مقتصراً على حمص، بل هو ظاهرة عالمية كما يوثّقها باحثون مثل مايك موري، حيث تصبح المدن "إناءً لنقاشات متضاربة" تعيد إنتاج الانقسامات.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى نقد حاد لتعليم العمارة في جامعة البعث، حيث يصف انفصاماً تاماً بين المهندسين والمجتمع المحلي. كان الطلاب يُدرّسون التصميم على "أراضٍ خيالية" دون فهم السياق الحقيقي للمدينة، بل ويُعاقبون على اقتراح تصاميم واقعية. يصف المؤلف بعض الأساتذة بـ"الديكتاتوريين المصغرين" الذين يمارسون سلوكاً متعجرفاً وجنسياً، مثل أحد الأساتذة الذي أهان طالبة بسبب مكياجها. هذا التعليم لم ينتج معماريين قادرين على التعامل مع تعقيدات حمص، مما جعل مشاريعهم، مثل "حلم حمص"، بعيدة كل البعد عن احتياجات الناس. الأكثر خطورة هو أنه خلال الثورة، تحولت الجامعة إلى موقع خيانة ورقابة، حيث كان الطلاب والأساتذة يبلغون عن بعضهم البعض، وكانت هيئة تدريس قسم العمارة مصدر تهديد، مما أدى إلى نفي العديد من الأكاديميين النقديين.
يُفصّل الفصل بعد ذلك كيف تحولت الساحات العامة في حمص إلى مسرح للثورة والصراع. يصف حدث 18 نيسان 2011، عندما خرجت مسيرات سلمية من جامع النوري في المدينة القديمة إلى ساحة الساعة الجديدة، التي أصبحت تُعرف بـ"ساحة الحرية". كانت هذه الساحة نفسها موقع مشروع "حلم حمص"، مما أضفى عليها طبقات من المعنى المتنازع عليه. في ذلك اليوم، وقعت "مجزرة الساعة" حيث قُتل العديد من المتظاهرين السلميين بالرصاص، مما جعل الساحة رمزاً ثورياً ومعاناة جماعية. يشير الفصل إلى أن حق المدينة، كما ينادي به ديفيد هارفي، ليس حقاً فردياً بل جماعياً لإعادة تشكيل التحضر، وهو ما تجسد في احتلال الساحة. يذكر أن وائل رحاني، كاتب من حمص، وثق هذه الذاكرة في مقالته "عشر دقائق حتى الثانية عشرة"، مؤكداً على أهمية الحفاظ على الذاكرة كأداة لمقاومة محو التاريخ، حتى لمن نزحوا إلى تركيا.
في ختام الفصل، يعترف المؤلف بحدود هذا التحليل، مشيراً إلى أن آثار النزوح الداخلي لم تُدرس بشكل كافٍ. يترك أسئلة مفتوحة حول كيفية إعادة بناء مدن مثل حمص بمشاركة المجتمعات المختلفة، وكيف يمكن للمعماريين أن يلعبوا دوراً نقدياً من خلال التواصل مع الناس بدلاً من فرض تصاميم منفصلة عن واقعهم. يلمح إلى أن هناك حججاً قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بتعميم نموذج الانقسام الطائفي، حيث قد تكون هناك تجارب حية للتعايش لم تُذكر، لكن النص يركز على الصورة الغالبة للفصل والصراع.
6.سوريا في المنفى79–88▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول معاناة السوريين المهجرين داخلياً، وتحديداً أولئك الذين أجبروا على الفرار تحت قصف مكثف أو تهديد مباشر، وكيف أن فقدان المنزل لا يعني فقط خسارة مكان للسكن، بل يمثل جرحاً عميقاً في الهوية والذاكرة والعلاقات الإنسانية. يقدم المؤلف، عمار عزوز، من خلال شهادات حية ونماذج ملموسة، إجابة واضحة على سؤال معنى "المنزل" في زمن الحرب: المنزل ليس جدراناً فحسب، بل هو وعاء للحياة اليومية والذكريات والأمان، وتدميره هو تدمير لهذه المعاني جميعاً.
يبدأ الفصل بتصوير لحظة الاضطرار إلى ترك المنزل بسرعة فائقة، حيث يصف ما أخذته ناتالي وعائلتها معها: بعض الملابس، النقود، جوازات السفر، بعض أعمالها الفنية، الذهب والمجوهرات، الرسائل، الشهادات، وحقيبة صغيرة من التذكارات. يوضح أن هذه الحالة من النزوح المفاجئ عانى منها كثير من السوريين، مستشهداً بتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2014 بعنوان "سويت بالأرض". يذكر التقرير أن الجيش السوري استخدم مكبرات الصوت لإبلاغ سكان وادي الجوز أن لديهم ساعة واحدة ليجمعوا أمتعتهم، وفي دمشق، طُلب من السكان مغادرة منازلهم فوراً دون سابق إنذار. يستشهد الكاتب بشهادة أحد النازحين الذي قال إن الجيش دمر 1250 محلاً و 650 منزلاً، وأن 1800 عائلة أُعطيت ثلاث ساعات فقط لحزم أمتعتها ومغادرتها.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن النزوح المتكرر، مشيراً إلى أن بعض النازحين نزحوا 25 مرة خلال العقد الماضي. كمثال، زانكوان وعائلتها نزحوا عشر مرات في ثماني سنوات، واستمر نزوحهم حتى بعد أن غادرت إلى المملكة المتحدة. يشرح الكاتب أن النزوح الأول لزانكوان كان خوفاً من المجازر في حي الخالدية في حمص، أحد الأحياء الأكثر تضرراً. يصف كيف أن حمص شهدت موجات نزوح جماعي منذ 2011، ليس فقط داخلياً بل إلى لبنان والدول المجاورة أيضاً. يصف ظروف الإقامة القاسية، حيث يظل الناس على مسافة قد لا تتجاوز 15 دقيقة من منازلهم، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها أو العودة إليها بسبب الخوف أو وجودها داخل مناطق محاصرة.
يوضح الفصل بالتفصيل آليات وأنماط النزوح المختلفة، والتي تضمنت الانتقال للإقامة مع الأقارب (الاستضافة)، والإقامة في ملاجئ جماعية، والاستقرار في مبان متضررة، وحتى البقاء في خيام ومراكز إيواء مؤقتة. يذكر أن الاستضافة كانت السمة الغالبة في البداية، حيث استضافت العائلات أقاربها أو أصدقاءها، وأحياناً عدة عائلات في غرفة واحدة. يشير إلى تقرير UN-Habitat حول حمص لعام 2014 الذي ذكر أن 30% من النازحين كانوا يعيشون مع عائلات مضيفة. يضرب مثالاً بـ هاني وعائلته الذين تركوا منزلهم في دمشق لينتقلوا إلى شقة صديق هاجر إلى السعودية، حيث عاشوا مجاناً. يذكر أيضاً حالات الإيجار التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير مع انهيار الاقتصاد، مما زاد من هشاشة النازحين الذين كانوا يدفعون إيجارات مرتفعة لفترات قصيرة، ليجدوا أنفسهم في دورة جديدة من النزوح بحثاً عن أرخص. أما الأكثر ضعفاً، فلم يجدوا مكاناً سوى الملاجئ الجماعية التي فتحتها المدارس والكنائس، أو المباني المهجورة التي تم تحويلها لملاجئ، والتي كانت غالباً مكتظة وتفتقر للخدمات الأساسية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الأثر النفسي العميق للنزوح وفقدان المنزل. هنا، تعبّر زانكوان عن معاناة والدتها التي فقدت منزلين، فقررت ألا تشتري أشياء فاخرة بعدها خوفاً من فقدانها مجدداً. تقول زانكوان إن أي شيء ينكسر في المنزل أصبح ثميناً للغاية، لأنهم يعلمون أن كل ما يملكونه قد يُدمر في أي لحظة. تضيف أن والدتها حزنت بشدة على طقم الشاي الصيني الذي كانت تملكه. يربط المؤلف هذه المشاعر بما يسميه "متلازمة الحزن" التي يعاني منها من فقدوا منازلهم، وهي حالة وصفها كل من بورتيوس وسميث. تظهر معاناة أخرى مع نادية (اسم مستعار)، التي فرت من حمص عام 2012 وانتقلت إلى ألمانيا عام 2018. رغم محاولتها بناء حياة جديدة، إلا أنها ما زالت تتجنب تذكر سوريا بالكامل، وترفض زيارة منزلها المدمر مرة أخرى، خوفاً من استرجاع الصدمة. تقول نادية إنها "تحاول دفن الماضي ونسيان سوريا"، وتعيش صراعاً مع ذاكرتها لتجنب الألم، حتى إنها تشعر أنها لم تعد إنساناً طبيعياً.
يورد الكاتب شهادة مفصلة ومؤثرة لأمامة زانكوان (لندن، 2019)، التي تصف زيارتها الأولى للحي القديم في حمص بعد فك الحصار عام 2014. تصف كيف كانت آلاف العائلات تسير بصمت لرؤية منازلها، في مشهد وصفته بأنه أغرب مما شاهدته في أفلام الحرب العالمية. تصف الدمار الهائل وغياب أي صوت بشري. تروي أنها لم تستطع الوصول إلى منزلها لأن والدتها رفضت تسلق جبل من التراب والحطام خوفاً من المجهول. بعدها، حين فُتحت المنطقة، التقط أقاربهم صوراً للمنزل ليجدوه محترقاً بالكامل. تقول زانكوان إنها لم ترَ منزلها بعدها، وإن الذكرى الوحيدة المتبقية عنه هي في رؤوسهم، لأنهم لم يملكوا أي صورة له قبل الدمار. هذه الشهادة تعمل كدليل ملموس على أن فقدان المنزل هو فقدان لكل أثر مادي يثبت وجودك.
يختتم الفصل بقصتين إضافيتين. الأولى، تقرير لقناة Channel 4 News عن مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق عام 2018، حيث تظهر امرأة تدعى رانيا وهي تبحث عن منزلها بين الأنقاض بعد حصار دام خمس سنوات. تسير بين الركام وتحمل حقيبتها، وعندما تصل إلى كومة من الحجارة كانت منزلها، تبكي وتجثو وتسأل الله، قبل أن تقف مصممة على الصعود فوق الركام. تظهر القصة حجم النهب الذي تعرضت له المنازل من قبل الجنود، الذين برروا وجودهم بحراسة الممتلكات. الثانية، قصة هنان ( 2021)، وهي لاجئة فلسطينية من الجيل الثالث، تصف كيف قصفت طائرات النظام السوري مخيم اليرموك عام 2012، وكيف أُحرق منزلها عمداً. تصف تفاصيل صغيرة: الطاولة الصغيرة التي كانت تتناول عليها الطعام، والنافذة التي كانت تفتحها لتحية الجيران، وكرسي الأستاذ الذي كان يعطي دروساً خصوصية لأختها. تقول هنان إنها تحمل بيتها معها أينما ذهبت، وترفض أن يكون مجرد وهم، متسائلة عما إذا كان بإمكان أي شخص إعادة الحياة والجيران الذين فقدوا إلى المنزل حتى لو تم ترميمه.
في تحليل نقدي مبني على النص نفسه، يمكن القول إن الفصل يركز بشكل حصري تقريباً على معاناة النازحين السوريين تحت حكم النظام والميليشيات الموالية له، دون أن يتطرق بشكل متوازن إلى التهجير الذي تسبب به فصائل المعارضة المسلحة أو القصف من أطراف أخرى. كما أن الاعتماد على شهادات نازحين في الشتات (لندن وألمانيا) قد لا يمثل بالضرورة ظروف ملايين النازحين الذين ما زالوا داخل سوريا أو في مخيمات قريبة. رغم ذلك، يظل الفصل وثيقة إنسانية قوية تبرز أن المنزل في الحرب ليس مجرد بناء يُقصف، بل هو نسيج من العلاقات والذكريات التي يصعب استعادتها حتى بعد انتهاء القصف.
7.استجابات الفنانين للتدمير المنزلي89–92▼ ملخص
يتركّز هذا الفصل على استجابات الفنانين والمجتمعات المحلية للتدمير المنزلي (الدوميسايد) في سوريا، وخاصة في مدينة حمص، بعد سنوات من الحرب والتدمير. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الاستجابات تتجاوز بكثير مجرد إعادة الإعمار المادي للمباني؛ فهي تمثل أشكالاً من المقاومة اليومية، وإعادة بناء الروابط الاجتماعية، واستعادة المعنى في مواجهة الخسارة. يُظهر الفصل كيف أن الجهود المحلية، التي تقودها الجمعيات الخيرية والمتطوعون، تتعامل مع الدمار كجرح جماعي وشخصي في آن واحد، معترفة بأن إعادة بناء المنازل وحدها لا تكفي ما لم تُرافقها إعادة بناء الثقة والألفة مع المكان.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة لبناء هذه الحجة. يبدأ بتأكيد فكرة أن التهجير لا يحدث فقط للجسد، بل للروح أيضاً، مستشهداً بدراسات سابقة حول تأثير التهجير المتكرر على الشعور بالانتماء. ينتقل بعد ذلك إلى مناقشة التحديات التي تواجه جهود إعادة الإعمار الرسمية، مشيراً إلى محدودية عمل المنظمات الدولية بسبب العقوبات واستمرار النزاع، مما يترك المجال واسعاً للجهود المحلية. يقدم الفصل بعد ذلك نموذجاً حياً لهذه الجهود من خلال جمعية البر والإحسان وغيرها من الجمعيات المحلية في حمص، موضحاً كيف تعمل هذه الجمعيات بتفانٍ لتأهيل المنازل المتضررة جزئياً وتشجيع النازحين على العودة، وذلك في بيئة من الفوضى وغياب الدولة.
يستخدم المؤلف أدلة غنية ومؤثرة من مقابلات ميدانية لتوضيح هذه النقطة. يصف لقاء مع عبد الله، وهو مهندس متطوع في إحدى الجمعيات، والذي يروي زيارته لأسرة نازحة تعيش في شقة فارغة تماماً بدون أي أثاث أو طعام، حيث كان الأطفال يبدون متسخين وجائعين. هذا المشهد يلخص الفجوة الهائلة بين الاحتياجات الإنسانية الأساسية وما تستطيع الجمعيات تقديمه بقدراتها المحدودة. قصة أخرى تروي معاناة امرأة وحيدة تعيل أطفالها بعد فقدان زوجها، مما يبرز كيف أن التدمير المنزلي يضرب بجذوره في البنى الاجتماعية والأسرية، تاركاً الفئات الأكثر ضعفاً، مثل النساء والأطفال، في حالة من العوز المطلق.
في تحول مهم، ينتقل الفصل من وصف المعاناة إلى تسليط الضوء على القوة الخفية لهذه الاستجابات. يصف جهود الجمعيات بأنها "عمل جماعي للتضامن" يتجاوز مجرد تقديم المساعدات. لا تقتصر أهمية هذه المبادرات على إصلاح الجدران أو توزيع المواد العازلة كالأغطية البلاستيكية، بل تمتد لتخلق مساحة من المعنى والانتماء للمتطوعين أنفسهم في خضم الفوضى. أحد المهندسين المعماريين الشباب يصف الجمعية بأنها "عائلة" بالنسبة له، بينما يرى آخر فيها وسيلة لاستعادة الشعور بالهدف والقدرة على المساهمة في تعافي مدينته، في وقت شعر فيه الكثيرون بالعجز.
يعترف الفصل بوضوح بحدود هذه الجهود. يقر المؤلف بأن قدرة الجمعيات محدودة للغاية بسبب نقص التمويل، انهيار الاقتصاد، ونزوح القوى العاملة. يذكر أن التمويل من المنظمات الدولية، الذي كان متاحاً منذ عام 2017، توقف عن الكثير من هذه الجمعيات، مما زاد من عجزها. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول كيفية التعامل مع حجم الكارثة الهائل، خاصة مع وجود أكثر من 90 جمعية خيرية محلية في حمص وحدها، ومع استمرار وجود ملايين النازحين والمنازل المدمرة. يبقى السؤال المركزي: كيف يمكن لهذه الجهود الصغيرة والمتفرقة أن تصلح نسيج مدينة بأكملها وذاكرة شعب بأكمله؟
في النهاية، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش وهي أن جهود الجمعيات المحلية، رغم محدوديتها، تمثل شكلاً أصيلاً من أشكال المقاومة ضد الدوميسايد. بينما تركز الحكومات والمنظمات الدولية على أعداد المهجرين وإحصائيات الدمار، فإن هذه الجمعيات تعيد تعريف إعادة الإعمار كعمل إنساني وجماعي يعيد الاعتبار للفرد والمكان. ربما يمكن القول إن الفصل، دون أن يعلن ذلك صراحة، يطرح تساؤلاً حول أولويات المساعدات الدولية ومعاييرها، مشيراً إلى أن الدعم الحقيقي يجب أن ينطلق من احتياجات الناس كما يعبرون عنها، وليس من مخططات خارجية، وأن إعادة بناء المنازل يجب أن تسبقها أو ترافقها إعادة بناء الثقة في إمكانية الحياة ذاتها.
8.معضلات إعادة الإعمار104–107▼ ملخص
هذا الفصل يتناول معضلات إعادة الإعمار في سياق ما بعد الصراع، مركزاً على التناقضات بين إعادة بناء المدن المادية والحاجة إلى الحفاظ على الذاكرة الجماعية. الإجابة التي يقدمها المؤلف تأتي في صورة تحذير من أن إعادة الإعمار السريعة قد تصبح أداة لمحو التاريخ وفرض رواية سياسية على حساب العدالة والشفاء المجتمعي.
يسير الفصل عبر ثلاث مراحل رئيسية. أولاً، يعرض نماذج من مدن حول العالم شهدت دماراً وإعادة بناء، مثل هيروشيما وكوفنتري وبرلين. في كل حالة، يبين كيف صارت أجزاء من الخراب المحفوظة عن قصد (قبة هيروشيما، كاتدرائية كوفنتري دون سقف، بقايا جدار برلين) معالم تذكارية تخدم شفاءً جماعياً. ثانياً، يتعمق في التحول الذي يحدث عندما لا يُترك مجال للحفاظ على أي أثر، مقارناً ذلك بما يجري في مدن سورية مثل حمص وحلب، حيث تتسارع آليات إعادة البناء التي يروج لها النظام السوري، كمشاريع الإسكان الجديدة التي تُمحى معها معالم الأحياء القديمة. ثالثاً، يناقش الفصل مشروعية السرديات الناتجة عن هذا التدمير المزدوج: تدمير المباني يليه تدمير الذاكرة من خلال إعادة بناء تخدم انتصاراً سياسياً، وليس إعادة إعمار للمجتمع.
الأمثلة المهمة في الفصل ليست مجرد توضيحات، بل هي حجج بحد ذاتها. مثلاً، قصة حي "بابا عمرو" في حمص لا تقدم فقط كمنطقة دُمرت، بل كحالة تظهر كيف اختفت آثار المقاومة تحت ركام جديد، وكيف أن المخططات المستقبلية لا تذكر حياة الناس الذين سكنوه ولم يعودوا قادرين على العودة. وظيفة هذا المثال هي إظهار أن إعادة الإعمار حين تديرها سلطة واحدة دون مشاركة المجتمع، تتحول إلى أداة عنف إضافية.
يقر المؤلف بحدود واضحة، أهمها أن الجدل حول أفضل طريقة لإعادة الإعمار ليس حاسماً بعد، ويترك أسئلة مفتوحة مثل: كيف يمكن الجمع بين الحداثة والذاكرة؟ ومن يملك الحق في تقرير شكل المدينة الجديدة إذا كان المالكون الأصليون مشتتين أو مقتولين؟ وهذا الاعتراف يجعل الفصل أكثر صدقاً، لأنه لا يقدم حلولاً جاهزة بل يكشف عن تناقضات مستعصية على الحل.
من الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، أن المؤلف يميل ضمنياً إلى تفضيل إعادة بناء الذاكرة على إعادة بناء الحجر، وقد يرى بعض القراء أن هذا ترف لا يمكن تحمله لأهالي يريدون سقفاً فوق رؤوسهم بعد عشر سنوات من الحرب. لكن الفصل يوضح أن المشكلة ليست في الاختيار بين الإثنين، بل في أن الإسراع في أحدهما دون الآخر ينتج مدناً ميتة، جدرانها جديدة ولكن روحها فقدت للأبد.
9.مقاومة التدمير المنزلي: استعادة روايتنا127–130▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على مفهوم "إعادة الإعمار التدميري" في سوريا، حيث يشرح كيف أن بعض مشاريع إعادة الإعمار، بدلاً من أن تكون أداة للتعافي والأمل، تتحول إلى أداة لمواصلة التهجير والتدمير المنزلي. يقدم المؤلف إجابة واضحة: هناك رؤيتان متصارعتان لإعادة الإعمار؛ الأولى تسعى لاستعادة الحياة اليومية والأماكن العادية، والثانية، التي يهاجمها الفصل، تسعى لمسح الماضي وبناء مدن جديدة للفئة المختارة من الأثرياء والنخب، متجاهلة احتياجات السكان الأصليين وذكرياتهم.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بانتقاد النقاشات الدولية حول إعادة إعمار سوريا التي تركز على المعالم الأثرية الكبرى مثل تدمر، وتهمل إعادة إعمار الأحياء السكنية العادية. يوضح أن هذه النقاسات تُشكّلها جهات دولية ومنظمات، وغالباً ما تُنفّذ مشاريع بتمويل خارجي دون مشاركة حقيقية من السوريين المستفيدين منها. ينتقل بعدها إلى تحليل مواقف بعض المعماريين السوريين، الذين يعيش معظمهم في الخارج مثل دبي والرياض، ويدعمون فكرة "المسح الكامل" للمناطق المدمرة. يصف المؤلف موقفهم بأنه كجراح يقرر أن الجثة ميتة ويجب التخلص منها، وهو تشبيه يرفضه بشدة.
يقدّم الفصل أمثلة ملموسة لدعم حجته، أبرزها مشروع إعادة إعمار مدينة حمص. يتناول باقتراح "ابدأ من جديد: دعنا نتخلى عن حمص ونبني مدينة جديدة" الذي نشره معماري في المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين عام 2014، والذي يشبّه المدينة بـ"جثة هامدة". يربط المؤلف هذا الاقتراح بخطة سابقة غير منشورة من التعاون التقني الألماني السوري عام 2009، ليكشف أن فكرة نقل حمص ليست جديدة بل هي امتداد لخطط ما قبل الحرب. ثم يناقش مشروع "حلم حمص" الذي أعلنت عنه مجلس مدينة حمص، مؤكداً أنه لم يُلغَ بل سيُعاد تحريره للعمل عليه في المستقبل، مما يثبت أن هذه المشاريع تنتظر فرصتها للظهور مجدداً بعد الحرب.
يواصل الفصل بتحليل الأسباب التي تجعل هذه المشاريع التدميرية تطفو على السطح مجدداً: أولاً، الحاجة إلى ضخ رأس المال الثقافي ومشاريع عقارية لإنعاش الاقتصاد المنهار. ثانياً، نقص المهارات التقنية والمعمارية نتيجة نزوح أكثر من نصف السكان. ثالثاً، رؤية الحكومة السورية لهذه المشاريع كفرصة لإعادة تشكيل الفضاء الحضري بعد الحرب، بعد أن كانت هذه المشاريع مرفوضة قبل 2011. يذكر الفصل مقالاً للباحثة ليلى فينيال بعنوان "دبي على بردي: صنع أزمة حضرية عالمية في دمشق"، يناقش مشاريع فاخرة أُعلن عنها في دمشق بين عامي 2000 و2010، مثل مشاريع خارج دمشق كانت تهدف لاستقطاب المستثمرين وخلق مدينة جديدة للأثرياء، معزولة عن المدينة القديمة المزدحمة والمتداعية.
يحوّل الفصل تركيزه بعد ذلك لانتقاد هذه الرؤية الحصرية لإعادة الإعمار عبر نموذج "بارك ريزيدنس يعفور"، وهو مشروع سكني راقٍ مسوّر، يقع على بعد حوالي 26 كيلومتراً من وسط دمشق، طوّرته شركة كويتية سورية. يحلل الفصل فيديو ترويجياً للمشروع صدر في ديسمبر 2018، يصور حياة مثالية للرفاهية: شقق فاخرة، مسابح، مطاعم، وصالات رياضية، يعيشها رجال ونساء أثرياء في عالم منفصل تماماً عن واقع الحرب والنزوح. يصف الفصل هذا الفيديو بأنه "يوتوبيا منسية"، و"منظر طبيعي من النسيان"، لا يعكس معاناة ملايين السوريين النازحين الذين يعيشون في خيام أو مبانٍ مدمرة. يجادل بأن مثل هذه المشاريع ليست مجرد مساكن، بل أدوات للفصل والتمييز، تخلق مجتمعات مسوّرة معزولة عن الفقراء والمهمشين، وتُعزز الفوارق الاجتماعية والمكانية.
يعترف الفصل في النهاية بوجود حدود لهذه الحجة، حيث يقر بأن بعض السكان المحليين في حمص قد يرون في التدمير حلاً لمشاكل حضرية مزمنة، مثل نقص المساحات العامة والنقل المستدام. كما يقر بوجود تحفظات على أن هذه المشاريع ليست جديدة، بل هي جذور ممتدة في النسيج الحضري السوري قبل الحرب. يظل السؤال مفتوحاً حول كيفية مقاومة هذا النموذج التدميري لإعادة الإعمار. من النقاشات القابلة للنقاش في الفصل هو افتراض أن المعماريين والمخططين الذين ينادون بـ"المسح الكامل" يعملون بفعالية كأدوات للنخب الحاكمة والاقتصادية، متجاهلين البعد الإنساني والمجتمعي لإعادة الإعمار، حيث يُختزل السوريون العاديون إلى مجرد مستفيدين صامتين لا رأي لهم.
10.العنف في المنزل/الوطن135–177▼ ملخص
هذا الفصل، المعنون «العنف في المنزل/الوطن» من كتاب «Domicide» لـ عمار عزوز، يتناول موضوعاً محورياً واحداً: كيف أن عمليات إعادة الإعمار في سوريا، بدلاً من أن تكون عملية تعويض وبناء للمنازل والمجتمعات المدمرة، تتحول إلى أداة جديدة للعنف والتهجير والإبادة المنزلية (Domicide). الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن إعادة الإعمار في سوريا ليست محايدة أو إنسانية، بل هي عملية سياسية وانتقائية تهدف إلى مكافأة الموالين للنظام ومعاقبة المعارضين، وإعادة تشكيل المدن والذاكرة الجماعية وفقاً لرواية واحدة، وتعميق الفجوة الطبقية، وجني الأرباح على حساب الملايين من الفقراء والنازحين.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليكشف هذه الآلية المعقدة. يبدأ بتوثيق عمليات الهدم التي طالت أحياء بأكملها في مدن مثل حماه ودمشق، بحجة مخالفات البناء أو الأمن، كما حدث في حي المشاع شمال حماه بين سبتمبر وديسمبر 2012، وحي وادي الجوز في حماه في مايو 2013. يشير الفصل إلى تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2014 بعنوان «Razed to the Ground» الذي وثق هذه الهدميات واعتبرها انتهاكاً لقوانين الحرب لأنها لم تخدم أي غرض عسكري واضح. يقدم المؤلف مقابلات مع سكان، مثل سيدة قالت إن زوجها توسل للجنود لإنقاذ منزلهم لكنهم صرخوا في وجهه قائلين «نحن لا نريد أن نفسر لكم ما يحدث». يُظهر الفصل أن هذه الهدميات ليست عشوائية، فهي تستهدف المناطق المعارضة بينما تُبقي على مناطق الموالين مثل حي الطيار في حماه، رغم أن هذا الحي مصنف أيضاً كمنطقة غير نظامية. وهكذا تصبح هذه الهدميات «مواقع عقاب» تطرد غير المرغوب فيهم وتدمر بيوتهم.
ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل كيفية استخدام الحكومة السورية لأنظمة الأراضي والملكية كسلاح. يستشهد المؤلف بدراسة جون د. أُنروه التي حددت سبع طرق لذلك، منها تدمير سجلات الملكية، ومصادرة ممتلكات المعارضين، وتحقيق إيرادات ضخمة من إعادة الإعمار. يوضح الفصل أن إعادة الإعمار المستقبلية هي استمرار لخطط التهميش التي بدأت في أوائل الألفية، وأنها ستُستخدم لتوسيع الإبادة المنزلية باستخدام الجرافات بدلاً من القنابل. ينتقد الفصل الأبحاث الأكاديمية التي تكرر نفس الحجج دون تقديم حلول عملية، ويدعو إلى رفع مستوى الوعي كأحد نقاط العمل الهامة، مستشهداً بندوة «إعادة الإعمار كعنف» التي نظمها ناصر رباط ودين شارب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مايو 2019 كمثال جيد على ذلك.
يتعمق الفصل في اقتصاديات إعادة الإعمار، مطرحاً أسئلة محورية: من سيمولها؟ وكيف ستنفق الأموال؟ هل ستذهب لبناء منازل الملايين من المشردين أم ستنفق بشكل انتقائي؟ يذكر أن رجال الأعمال بدأوا بالفعل بجني الثروات من جهود إعادة الإعمار، بينما تم فرض ضريبة إعادة إعمار بنسبة 5% في يوليو 2013 ارتفعت إلى 10% في 2017، رغم أن تقريراً صدر عام 2021 أظهر أدلة ضئيلة على إنفاق هذه الأموال لمساعدة المدنيين. ويشير إلى أن الحكومة السورية أعلنت أن الأولوية في إعادة الإعمار ستكون لمن دعمها، وخاصة الصين وروسيا وإيران، مما يحول المدن إلى ساحة تنافس جيوسياسي وأداة لتعزيز النفوذ، كما يتجلى في افتتاح القنصلية الإيرانية في حلب في مايو 2021، وتعاون جامعة حلب مع إيران لعقد أول مؤتمر إعادة إعمار في أبريل 2021.
ينتقل الفصل إلى موضوع التراث الثقافي، محذراً من استخدامه كأداة للدعاية وإخفاء الجرائم. يضرب مثالاً بترميم مسجد خالد بن الوليد في حمص، وافتتاح المشيختين الشيشانية والمحلية له بحضور الحاكم، بينما قُتل أو شرد الكثير من المصلين الأصليين. والسوق المسقوف في حمص، الذي أعيد افتتاحه بشكل مختلف عن السابق وأصبح مكشوفاً للسماء، مما غيّر طابعه ومحيطه، وأصوات التجار الذين رفضوا العودة. يرى الفصل أن هذه الترميمات تُستخدم كدعاية أن النظام هو حامي التراث، بينما تُبيض في الواقع معاناة الناس وتُصمت قصصهم. ويقارن هذا بنهج مدن أخرى مثل برلين وبيروت وهيروشيما وكوفنتري التي حافظت على أجزاء من أطلالها كمواقع للتأمل والشفاء. كما ينتقد الفصل النصب التذكارية الجديدة التي تبنيها الحكومة، مثل نصب الشهيد في ساحة الساعة القديمة في حمص، والتي تفرض رواية أحادية وتطمس ذكرى الانتفاضة السلمية، مستشهداً بتحليل عدي بشير حول كيفية استخدام هذه الترميمات لـ «تطويق، احتواء، و/أو إسكات» التاريخ.
في القسم الأخير، يتناول الفصل بألم شديد مسألة «السردية المسلوبة». ينتقد المؤلف كيفية تحول معاناة السوريين إلى «فرصة تمويلية» للأكاديميين والباحثين والعاملين في المجال الإنساني الأجانب. يقدم مثالاً على مؤتمر في جامعة أوكسفورد عام 2017، حيث صرخ أحد الحضور في وجه متحدث يقدم تخيلات حول «جزر اللاجئين» قائلاً إنه لا يعرف شيئاً عن معاناتهم. ويستشهد بمقال لـ داون تشاتي عام 2017 يصف ما يسمى بـ «سياحة المساعدات». يصف الفصل كيف يتصل به طلاب ماجستير وأكاديميون لطلب الدعم لدراساتهم عن سوريا دون أي معرفة حقيقية بالواقع، ويذكر تجربته الشخصية في نشر تغريدة عام 2020 لاقت أكثر من 700,000 مشاهدة، موضحاً كيف رأى بعض الأكاديميين في سوريا فرصة لتطوير مسيرتهم المهنية دون فهم الألم الحقيقي. يدعو الفصل إلى إنشاء مساحات تضامن جماعية، مستشهداً بـ المدرسة البولندية للعمارة التي أُنشئت أثناء الحرب العالمية الثانية في جامعة ليفربول، وشبكة الأكاديميات العراقيات (IWAN)، وانستغرام (Urbegony) التي أسسها وسام الناسي، كأمثلة على كيفية بناء الجسور بين المهندسين السوريين داخل سوريا وخارجها.
يتحدى الفصل فكرة أن نهاية الحرب تعني نهاية معاناة السوريين. يختتم بالحديث عن حماية الذاكرة، وكيف أن صور المنازل والأزقة العادية أصبحت ثمينة في وسائل التواصل الاجتماعي التي تخلد ذكرى المدن المفقودة. يشير إلى أن الكاتبة مونا رافع، من خلال مقالها «ما زلنا هنا»، تمثل نموذجاً للمقاومة عبر استعادة السردية وإظهار أن الناس ما زالوا يحلمون ويواجهون، وأن الإبادة المنزلية لا تنتهي بلحظة الهدم بل تستمر في الزمن كجرح مفتوح. يحدد الفصل نفسه أنه يواجه تحدياً كبيراً في بناء مساحات تضامن بين السوريين المنقسمين سياسياً داخل الوطن وخارجه، معترفاً بصعوبة التغلب على الخلافات والانقسام بين مؤيدي النظام ومعارضيه، تاركاً هذا السؤال مفتوحاً دون إجابة حاسمة.