
Final Reports of the Syrian-German Excavations at Tell El-Abd Volume III
يتمحور هذا الكتاب حول نتائج التنقيبات الأثرية السورية-الألمانية في موقع تل العبد، الواقع في منطقة الفرات السورية، والتي أُجريت بين عامي 1992 و1994. الموضوع المحوري للمجلد الثالث هو تقديم تقرير شامل عن اللقى الأثرية الصغيرة والتحليلات البيئية للموقع، محاولاً رسم صورة متكاملة للحياة اليومية والاقتصاد والبيئة في مستوطنة العصر البرونزي المبكر. يدافع المؤلف الرئيسي، أوي فنكباينر، عن فكرة أن هذا الموقع، رغم الظروف الصعبة للتنقيب وصغر حجمه النسبي، يقدم أدلة حاسمة لفهم شبكات التبادل الثقافي والتجاري في النصف الأول من الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكيف تكيفت مجتمعات الفرات الأوسط مع بيئتها.
يسير الكتاب عبر فصوله المتخصصة بطريقة منهجية، حيث يبدأ بهيكل التنقيبات والمقدمة الزمنية، ثم ينتقل إلى دراسة مفصلة للقى الصغيرة (الأختام، التماثيل البشرية والحيوانية، الأدوات العظمية والحجرية والطينية)، ويختتم بتحليلات بيئية (بقايا الحيوانات والنباتات والفحم). المنطق الذي يربط هذه الأجزاء هو الانتقال من وصف ما تم اكتشافه (المعمار واللقى) إلى تحليل معناه الوظيفي والثقافي، وأخيراً إلى فهم النظام البيئي والاقتصادي الذي جعل هذه المستوطنة ممكنة. التسلسل الزمني الذي وضعه فنكباينر، والمسمى EME 1 – EME 6، يعمل كخيط ناظم يربط جميع discoveries الفصول ببعضها، حيث يعود الجزء الأكبر من البقايا إلى الفترة EME 2 (حوالي 2900 – 2650 قبل الميلاد).
تتضمن الوقائع اللافتة في الكتاب تفاصيل دقيقة عن التحصينات، حيث كشف النقاب عن سور مدينة ضخم له مرحلتان. في المرحلة الأولى، بلغ سمك الأساس الحجري 2.5 متر وارتفاعه 2 متر، وفوقه جدار من الطوب اللبن يصل ارتفاعه الإجمالي إلى 4 أمتار. أما في المرحلة الثانية، فقد تم تدعيم السور بطبقة إضافية من الطوب ليصل سمكه الإجمالي إلى 10 أمتار تقريباً. كما تم الكشف عن بوابة شمالية ومجمع بنائي ضخم أطلق عليه اسم "القصر" بجدران سميكة تصل إلى 2.5 متر. في الحي السكني، تميز المنزل A في المستوى ITI: 4 بغرفة رئيسية مربعة أبعادها 5.5 × 5.5 متر، بينما عُثر على المنزل K بحالة هجر مفاجئ، إذ كانت غرفته الرئيسية لا تزال مفروشة بمقاعد حجرية وأوانٍ في مكانها الأصلي.
فيما يخص اللقى الصغيرة، تمت دراسة 108 تمثالاً بشرياً، صنع 67 منها يدوياً ويعود للألفية الثالثة قبل الميلاد، ويبلغ متوسط ارتفاعها 13-17 سم. أظهر تحليل عظام الحيوانات أن المجترات الصغيرة (الأغنام والماعز) كانت الأكثر تمثيلاً، مع غياب شبه تام لعظام الخنازير، وهي ظاهرة استثنائية لوحظت أيضاً في مواقع قريبة. كما تم العثور على 4 عظام دجاج فقط، وهو دليل هام على إدخال الدجاج المستأنس إلى سوريا في النصف الثاني من الألفية الثالثة قبل الميلاد. من الناحية النباتية، كشف تحليل ما يقرب من 35,627 بقايا بذور عن هيمنة ساحقة للشعير (99.8% من المحاصيل)، بينما أظهر تحليل 1,944 قطعة فحم أن 81% منها يعود لأشجار الحور والصفصاف، مما يؤكد الاعتماد على الغابات النهرية كمصدر رئيسي للحطب. سبع عينات تم تحليلها بالكربون المشع أكدت التسلسل الزمني المقترح.
يقر المؤلفون في عدة نقاط بحدود عملهم وتحفظات مهمة. في الفصل التمهيدي، يعترف فنكباينر بأن استراتيجية التنقيب الأفقي فُرضت بسبب صعود مياه بحيرة الأسد، مما منع الحفر العميق للوصول إلى طبقات متعاقبة، وأنه لم يكن هناك رابط طبقي مباشر بين مناطق الحفر الثلاث، مما استدعى اللجوء إلى مطابقة أنواع الفخار لبناء التسلسل الزمني. كما يقر بأن العديد من القطع الأثرية، خاصة من حفريات 1972 السورية، لم يتم توثيقها بشكل كافٍ، وأن متحف الرقة ومخزن حراقلة قد تعرضا للنهب، مما جعل العودة لدراسة بعض المواد مستحيلة. في فصل الأدوات الحجرية، يعتذر المؤلف عن نقص التفاصيل بسبب الحرب الأهلية في سوريا التي حالت دون إعادة فحص القطع. أما في التحليلات البيئية، يُقر الباحثون بصغر حجم العينات في بعض الفترات، مما يحد من دقة استخلاص الأنماط، ويتركون أسئلة مفتوحة مثل التفسير الدقيق لغياب الخنازير، إذا كان بسبب بيئي أم اقتصادي أم ثقافي.
يحتوي الكتاب على عدة نقاط قابلة للنقاش بوضوح. أولها، محاولة بناء تسلسل زمني كامل للألفية الثالثة على بقايا أثرية محدودة ومضطربة، رغم أن المحرر أقر بهذا التحدي. ثانياً، التحيز الواضح في الفصل الأول تجاه "حداثة" النتائج الألمانية مقابل تقديم البيانات السورية بشكل مختصر. ثالثاً، تفسير القطعة الأولى من الأختام (TA92:030) يعتمد على مقارنة واحدة من مقبرة أور الملكية في جنوب بلاد الرافدين، مما يجعل استنتاجاتها أقل يقيناً من بقية القطع. رابعاً، في فصل إدارة الموارد، ينتقد سيمون ريهل بشكل جذري مفهوم "البيئة الهامشية" والنماذج الاقتصادية المعممة، ويصر على أن التخصص الاقتصادي كان اختياراً ثقافياً وليس رد فعل على قيود بيئية، تاركاً القارئ مع تحدي بناء نموذج بديل واضح.