المورد
Fragile Nation, Shattered Land

Fragile Nation, Shattered Land

James A Reilly١ كانون الثاني ٢٠١٨enI.B.Tauris

الكتاب الذي ألفه جيمس أ. ريلي بعنوان «Fragile Nation, Shattered Land» يقدّم قراءة تاريخية شاملة لسوريا، محورها الأساسي هو شرح سبب كون هذا البلد "أمة هشة" ذات "أرض محطمة". الإجابة التي يدافع عنها المؤلف بوضوح هي أن الهشاشة السورية ليست حديثة ولا عابرة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية عميقة، بدأت منذ الحكم العثماني، وترسّخت عبر الانتداب الفرنسي، ثم تعمّقت بفعل سياسات الدولة المستقلة، لتصل إلى ذروتها المأساوية في الحرب الأهلية بعد عام 2011. يرى ريلي أن الدولة السورية الحديثة وُلدت مشوّهة، إذ صمّمها الاستعمار لتفشل من خلال استغلال الانقسامات الداخلية، ثم اعتمدت أنظمة ما بعد الاستقلال على التلاعب بالهويات وإثارة الخوف كأدوات للحكم، مما جعلها غير قادرة على بناء شرعية وطنية جامعة.

يسير الكتاب زمنياً وفق حجة متصلة، حيث يبدأ من اللحظة التي أصبحت فيها سوريا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية بعد معركة مرج دابق (1516). يصف المؤلف كيف لم تفرض الدولة العثمانية نموذجاً إدارياً موحداً، بل تركت مجالاً للهويات المحلية والعشائرية والعائلية لتنمو. في المدن، اعتمد العثمانيون على نظام وسيط من النخب الدينية والعلمية والنقابات، بينما في الريف والمناطق الجبلية، تركوا الحكم فعلياً لعائلات قوية مثل المعنيون وبني سيفا. هذا الإرث من اللامركزية والتنوع، الذي لم يكن إشكالياً في حد ذاته تحت الحكم العثماني، أصبح أساساً لمشاكل لاحقة. يبرز المؤلف هنا شخصية عبد الغني النابلسي كرمز للحياة الفكرية المزدهرة في دمشق، التي كانت تتسع للتيارات المتناقضة كالتصوف المتمثل بـابن عربي والتقشف الحرفي لـابن تيمية.

الانتقال إلى "القرن الثامن عشر الطويل" يظهر التحول الأعمق. مع ضعف الإمبراطورية العثمانية، بدأت عائلات محلية مثل آل العظم في دمشق بالصعود عبر نظام "الماليكانة"، وهو التزام ضريبي مدى الحياة وفّر لها ثروة ونفوذاً. يوضح ريلي أن هذه النخب الجديدة، التي جمعت بين الأصول العسكرية والعلمية والتجارية عن طريق الزيجات الاستراتيجية، أرست أسساً لبنية اجتماعية سياسية استمرت لأجيال. ورغم القوة التي اكتسبتها، حافظت إسطنبول على علاقات مع خصومها لإبقائها تحت السيطرة. في هذه الفترة، يلفت المؤلف الانتباه إلى ظاهرة فريدة: ظهور أصوات من طبقات اجتماعية دنيا في الكتابة التاريخية، مثل ابن بدير الحلّاق الذي انتقد حاكم دمشق أسعد باشا العظم، والقس الأرثوذكسي ميخائيل بُريك الذي سجّل تحوّلات العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. هذا التنوع في وجهات النظر يُظهر أن المجتمع السوري كان في حالة انتقال فكري قبل وصول الحداثة الأوروبية.

يشكّل القرن التاسع عشر نقطة تحول عنيفة في حجة الكتاب، ويتمحور حول حدث دموي هو مذبحة دمشق عام 1860، حيث تعرّض الحي المسيحي للنهب والحرق بتواطؤ من الوالي. يشرح ريلي أن جذور هذه المذبحة تعود إلى الغزو المصري لسوريا (1831-1840)، الذي يصفه كأول ظهور حقيقي للدولة الحديثة بقوانينها المركزية والتجنيد الإجباري والمساواة القانونية بين الأديان. بعد طرد المصريين، طبّق العثمانيون إصلاحات التنظيمات التي وعدت بالمساواة لكنها زعزعت التوازنات الاقتصادية لصالح المسيحيين المرتبطين بأوروبا، مما أشعل غضب الحرفيين المسلمين المفلسين. ضربت أعمال العنف الطائفي مدينتي حلب (1850) ودمشق (1860)، لكن ردّ الدولة العثمانية الصارم، بإعدام المتورطين وفرض غرامات جماعية على المسلمين، كان رسالة بأن عهد الحكم القديم انتهى. بعد هذا الحدث، بدأت النخب السورية بالتعاون مع مشروع الدولة الحديثة، وانتقلت من المقاومة إلى الاندماج.

مع مطلع القرن العشرين، يتتبع الكتاب ولادة "فكرة سوريا" كخطاب فكري وليس كياناً سياسياً جامعاً. يوضح ريلي أن هذه الفكرة تطورت ضمن الإطار العثماني، وليس ضده، عبر مثقفين مثل بطرس البستاني الذي دعا للوحدة المدنية بعد مذبحة 1860، وعبد الرحمن الكواكبي الذي نادى بخلافة عربية، ومحمد كرد علي الذي دعا للنهضة العربية مع الحفاظ على التراث. إلا أن الحرب العالمية الأولى (1914-1918) حطّمت كل هذه المسارات المحتملة. يصف الكتاب تجربة "السفر برلك" (التجنيد الإجباري) الذي اقترن بالمجاعة والمرض، مما أدى إلى وفاة ما يصل إلى نصف مليون سوري. ورغم انهيار الدولة العثمانية، يشير ريلي إلى حقيقة أن العديد من المسؤولين العرب ظلوا موالين لها حتى النهاية، معتبرين إياها الحصن الأخير ضد الاستعمار، مما يؤكد أن القومية العربية كانت وقتها مجرد تيار ضمن تيارات أخرى.

أما الفصل الأكثر كثافة في الكتاب، فهو الذي يتناول تشكل الدولة السورية تحت الانتداب الفرنسي. يُظهر ريلي أن سوريا لم تكن نتيجة حتمية لتطور قومي، بل كانت بناءً استعمارياً وُلد من الصراع. يبدأ الفصل بلحظة تأسيسية متناقضة: من جهة، هجوم المتمردين على دمشق عام 1925 الذي قاده سلطان الأطرش معلناً "سوريا المستقلة"، ومن جهة أخرى، مقاومة سكان الجزيرة في القامشلي عام 1937 لسلطة القوميين في دمشق، مفضلين الحكم الذاتي تحت الحماية الفرنسية. هذا التناقض يلخص إشكالية الدولة السورية: رؤية القوميين للوحدة لم تكن مقبولة من الجميع. يوثق الكتاب بالتفصيل فرض الحكم الفرنسي بعد معركة ميسلون (1920)، ثم سياسة التقسيم إلى دويلات (دمشق، حلب، الدولة العلوية، جبل الدروز) التي غذّت الهويات الجهوية والطائفية. كانت الثورة السورية الكبرى (1925-1927) نقطة تحول، إذ قتلت فرنسا 6,000 سوري وشردت 100,000 آخرين، لكنها أجبرتها على التفاوض مع القومية ممثلة بـالكتلة الوطنية. ينتقد ريلي الكتلة الوطنية لكونها محافظة اجتماعياً وأهملت بناء جيش وطني قوي، مما ترك إرثاً من الانقسامات بعد الاستقلال.

بعد الاستقلال عام 1946، تدخل سوريا في دوامة من الانقلابات العسكرية والصراعات الأيديولوجية. يوجز الكتاب تاريخاً مضطرباً من انقلاب حسني الزعيم عام 1949، مروراً بحكم أديب الشيشكلي، وصولاً إلى الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) التي يصفها المؤلف بأنها "ضم مصري لسوريا" حيث كانت القرارات تُتخذ من القاهرة. انقلاب حزب البعث عام 1963، ثم انقلاب فبراير 1966 الذي أوصل الجناح العسكري بقيادة صلاح جديد إلى السلطة، أدى إلى تحوّل الدولة إلى نظام يعتمد على المحسوبية والولاءات القبلية والطائفية، مع بروز دور بارز لضباط علويين في الأجهزة الأمنية.

حكم حافظ الأسد (1970-2000) هو محور الفصل التالي، ويصفه ريلي بأنه نجح في بناء دولة قوية على حساب تدمير الحياة السياسية. يبدأ الفصل بمشهد مأساوي هو انتفاضة حماة عام 1982، حيث قتلت قوات النظام ما بين 15,000 و30,000 شخص لسحق الإخوان المسلمين. يرى المؤلف أن مجزرة حماة كانت الرسالة الأوضح بأن كلفة المعارضة باهظة. بنى الأسد نظاماً استبدادياً حول شخصه وطائفته، وحوّل حزب البعث إلى أداة شخصية، وجعل قيادة الوحدات الحساسة لأقاربه. ورغم شعبيته بعد حرب أكتوبر 1973، واجه تحدياً وجودياً من الإخوان المسلمين بين 1976 و1982، الذين استغلوا هويته العلوية في خطاب طائفي. لكن فشل الإخوان في كسب دعم واسع وتهورهم جعل كثيراً من السوريين يفضلون النظام القائم. في السنوات الأخيرة لحكمه، وصف الكتاب "الجمود السياسي والانفتاح الاقتصادي"، حيث تخلّت الدولة عن الاشتراكية وشجّعت الاستثمار الخاص، مما عمّق الفجوة بين الأغنياء والفقراء وأضعف التماسك الاجتماعي.

الفترة الانتقالية تحت حكم بشار الأسد تنقسم إلى مرحلتين. الأولى، وهي "ربيع دمشق" القصير (2000-2001)، حيث وعد بشار بالتجديد والتحديث، وسمح بمنتديات للنقاش السياسي، وانتهى بسرعة بقمعه بعد تحذيره من تجاوز "الخطوط الحمراء". الثانية، وهي التحول نحو "اقتصاد السوق الاجتماعي" بعد 2005، الذي أفاد دمشق وحلب المركزيتين ورجال أعمال مقربين من الدولة مثل رامي مخلوف، بينما أهمل الريف بشكل كارثي. يصف الكتاب موجات الجفاف القاسية بين 2006 و2010 التي دفعت مئات الآلاف من الفلاحين إلى الهجرة نحو المدن، ليعيشوا في أحياء عشوائية مكتظة بكثافات سكانية تصل إلى 70,000 نسمة لكل كيلومتر مربع، مع أسر من 10-12 فرداً في مسكن واحد. هذا الإهمال، إلى جانب تدفق مليون لاجئ عراقي بعد الغزو الأمريكي عام 2003، خلق "عاصفة مثالية من البؤس" كانت أرضاً خصبة للانتفاضة.

التحليل الأخير للكتاب يغطي الحرب الأهلية التي بدأت في درعا في مارس 2011. يرى ريلي أن الانتفاضة كانت "ثورة للأطراف على المركز"، حيث خرج المحتجون من البلدات الصغيرة والأرياف التي أهملتها سياسات النظام الاقتصادية. بدلاً من الإصلاح، رد النظام بالعنف المفرط باستخدام الميليشيات (الشبيحة) والرصاص الحي، مما دفع المحتجين نحو حمل السلاح. مع الوقت، تحولت الانتفاضة إلى حرب أهلية طائفية معقدة، تداخلت فيها عوامل محلية ودولية: تخلي الرئيس الأمريكي أوباما عن "الخط الأحمر" بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة (2013)، التدخل العسكري الروسي المباشر (2015) الذي قلب الموازين، صعود تنظيم داعش الذي أعلن خلافته من الرقة (2014)، وسيطرة الأكراد على الشمال الشرقي بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي. يخلص المؤلف إلى أن سوريا أصبحت مجزأة بين مناطق سيطرة النظام، ومناطق كردية، وجيوب معارضة، وأراضٍ لداعش، مع نزوح نحو نصف السكان، مما يعني أن سوريا كما كانت معروفة قد انتهت فعلياً.

يقر ريلي في ختام الكتاب بحدود تحليله، معترفاً بأن مفهوم الأمة السورية ظل هشاً وغير مكتمل، وأن الدولة فشلت في بناء شرعية شعبية أو صياغة مصلحة وطنية واضحة. يترك سؤالاً مفتوحاً حول إمكانية تجاوز هذا الإرث من الانقسام والصراع. من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، هي ربط المؤلف بين النموذج السوري للدولة الهشة وتراثها الاستعماري والانتداب الفرنسي، وهو ما يجادل بأنه جعلها عرضة للانقلابات والتدخلات الخارجية. يرى أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 حطم الترتيبات السياسية الهشة وأطلق العنان للصراع الطائفي. الاستنتاج الضمني القاتم هو أن سوريا، باعتبارها قلب المشروع القومي العربي، تعاني من موت هذا المشروع سياسياً منذ هزيمة 1967، مما أفسح المجال أمام الهويات المحلية والدينية، تاركاً الشعب السوري بين خيارات ضيقة، إذ كما يقول الكاتب، "التاريخ لا يُهرب منه بسهولة".

الأشخاص

الفصول(10)

1.سوريا تصبح عثمانية، القرنين السادس عشر والسابع عشر25–55▼ ملخص

بدأت الحكم العثماني في سوريا بعد معركة مرج دابق في 24 أغسطس 1516، حيث هزم السلطان سليم الأول جيش المماليك بقيادة السلطان قانصوه الغوري، الذي قتل في المعركة. كان انتصار سليم نتيجة خيانة حاكم حلب خاير بك، وفتح الطريق أمام أربعمئة عام من السيطرة العثمانية، لتصبح سوريا جزءاً من إمبراطورية مترامية الأطراف تمتد عبر ثلاث قارات.

لم يكن الصراع بين العثمانيين والمماليك مجرد صراع أيديولوجي بين السنة والشيعة، بل كان تنافساً عسكرياً على الأراضي والموارد. ومع ذلك، استخدم العثمانيون الهوية السنية لتأكيد شرعيتهم مقابل الصفويين الشيعة في إيران، الذين هددوا نفوذ العثمانيين في شرق الأناضول. بعد سقوط دمشق في نوفمبر 1516 والقاهرة في أبريل 1517، انتهى حكم المماليك، وبدأ عهد جديد اعتبره المؤرخ الدمشقي ابن طولون (ت 1546) استمراراً طبيعياً للحكم الإسلامي العادل، وليس احتلالاً غريباً.

قسم العثمانيون سوريا إلى ولايتين رئيسيتين، مركزهما دمشق وحلب، وأداروهما عبر نظام ثنائي: الحاكم (الباشا) المسؤول عن الأمن والجباية، والقاضي المسؤول عن الشريعة والقضاء. كان الحكام يُنقلون دورياً من إسطنبول لمنعهم من بناء نفوذ محلي، بينما جاء القضاة من مدارس العاصمة وطبقوا المذهب الحنفي. تولى شخصيات مثل لالا مصطفى باشا البوسني وسنان باشا الألباني حكم دمشق، وتركوا أوقافاً ومعالم لا تزال قائمة، مثل جامع سنان باشا.

في المدن، اعتمد العثمانيون على هيئات وسيطة مثل رؤساء الأحياء والنقابات وأشراف (أحفاد النبي) وقادة الطوائف غير المسلمة. لعبت محاكم الشريعة دوراً محورياً في توثيق العقود وتسوية النزاعات، وكان القضاة المحليون من عائلات علمية بارزة، غالباً ما تحظى بصفة أشراف. الأوقاف (المؤسسات الخيرية) أصبحت أداة رئيسية لإعادة تشكيل المدن، إذ مولت مساجد وخانات ومدارس، مثل السلليمية في دمشق التي بناها السلطان سليم فوق ضريح ابن عربي، ومجمع خسرو باشا في حلب الذي حول محور المدينة من الشمال-الجنوب إلى الشرق-الغرب.

النقابات الحرفية نظمت الحياة الاقتصادية، وجمعت بين الإشراف الحكومي والحكم الذاتي المحلي. نقابات الخبازين والجزارين كانت حيوية للأمن الغذائي، بينما هيمنت نقابات النسيج على العمالة. رغم أن رؤساء النقابات كانوا مسلمين، ضمت النقابات مسيحيين ويهوداً، خاصة في قطاعي البناء والنسيج. التجار لم يشكلوا نقابات بل كان لهم شيخ يسمى الشهبندر يتوسط بينهم وبين السلطات.

شهدت الحياة الفكرية ازدهاراً في دمشق وحلب بفضل المدارس والزوايا الصوفية. العلماء مثل عبد الغني النابلسي (الذي عاش في القرن السابع عشر) جمعوا بين الفقه الحنفي والتصوف النقشبندي، ودافعوا عن تدخين التبغ وشرب القهوة ضد الانتقادات المحافظة. النابلسي جادل بأن اليهود والمسيحيين يمكنهم دخول الجنة بناءً على إيمانهم الباطني، وأكد تفوق العرب على الأتراك والفرس في أمور الدين. كان النقاش الفكري يدور حول "التحقيق" (التثبت من صحة التراث)، وتأثر بتيارين متناقضين: ابن عربي الذي رأى الواقع تجلياً للإله، وابن تيمية الذي شدد على القراءة الحرفية للنصوص.

في الريف، تكيف العثمانيون مع التنوع الجغرافي. في السهول الشمالية، منحوا ضباطاً عسكريين (سباهية) عائدات قرى مقابل الخدمة العسكرية. في الجبال، اعترفوا بعائلات قوية مثل المعنيون في جبل لبنان (بقيادة فخر الدين الذي أُعدم عام 1635) وعائلة بني سيفا في طرابلس. قبائل البدو مثل موالي حصلت على إقطاعيات رمزية لضمان أمن الطرق. لكن السيطرة العثمانية كانت هشة في المناطق النائية، حيث اندلعت ثورات مثل ثورة جنبلاد علي باشا عام 1605، الذي سيطر على ريف حلب قبل أن يُهزم ويُعدم عام 1610.

التوتر بين المدينة والريف كان سمة ثابتة؛ إذ رأى الفلاحون المدن كمراكز استغلال جبائي، بينما اعتبر الحضر الريف مصدراً للجهل والتمرد. مع مرور الوقت، أصبحت القوات العسكرية المحلية، من أكراد وتركمان وبدو، جزءاً من الإدارة العثمانية، مما زاد من عدم وضوح الفروق بين العسكري والمدني. رغم أن الإمبراطورية العثمانية لم تفرض نموذجاً إدارياً موحداً، فإن تنوعها ومرونتها سمحا لها بالبقاء لنحو أربعة قرون، تاركة إرثاً من الهويات المحلية والعشائرية التي ستؤثر لاحقاً على تشكل الدولة السورية الحديثة.

2.القرن الثامن عشر الطويل في سوريا: الأزمات السياسية والحكام المحليون56–89▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على ما يسمّيه المؤلّف "القرن الثامن عشر الطويل" في سوريا، الممتد بين معاهدة كارلوفيتش (1699) والغزو المصري لسوريا (1831). الجواب المحوري الذي يقدّمه المؤلّف هو أن هذه الفترة لم تكن فترة هدوء أو استقرار، بل شهدت أزمات سياسية عميقة وتحوّلات جوهرية، كان أبرزها صعود عائلات حاكمة محلية قوية، مثل عائلة العظم في دمشق، والتي أرست أسساً لنخب سياسية استمرت في لعب دور مؤثّر حتى منتصف القرن العشرين. يوضح المؤلّف أن هذه التحوّلات لم تكن منفصلة عن الضعف المتزايد للإمبراطورية العثمانية، التي لم تعد قادرة على الاعتماد على التوسّع الإقليمي للحصول على الموارد، واضطرّت إلى تفويض سلطاتها ومواردها المالية لنخب محلية من خلال نظام "الماليكانة" (التزامات ضريبية مدى الحياة). هذا النظام، الذي بدأ في 1695، هو بمثابة المفتاح لفهم صعود هذه العائلات، حيث وفّر لها طريقة قانونية ومؤسّساتية للاستيلاء على عائدات الضرائب من المدن والريف.

يسير الفصل خطوة بخطوة لتحليل هذه الظاهرة. أولاً، يسلّط الضوء على صعود عائلة العظم كنموذج رئيسي. يشرح كيف بدأ أفرادها كقادة عسكريين محليين، مثل إبراهيم بك العظم في منطقة معرة النعمان، ثم ترقّوا ليصبحوا حكّاماً لدمشق. ويُظهر أن موقع حاكم دمشق أصبح أكثر أهمّية عندما قرّرت إسطنبول في 1725 أن يكون هذا الحاكم هو قائد قافلة الحج السنوية. على الرغم من القوة التي اكتسبتها العائلة، يلفت المؤلّف الانتباه إلى أن السلطة العثمانية لم تمنحهم حرية مطلقة، بل حافظت على علاقات مع خصومهم المحليين لإبقائهم تحت السيطرة. أمثلة على هذه الديناميكية تظهر من خلال الانتقادات اللاذعة التي وجّهها الحلّاق والمؤرّخ ابن بُدير لوالٍ عظمي هو أسعد باشا العظم، متّهماً إياه بالجشع وعدم حماية الضعفاء من الجنود المتمرّدين.

بعد تحليل العائلة الحاكمة، يوسّع الفصل نطاقه ليشمل النخب المحلية الأخرى (الأعيان). يصنّفهم المؤلّف إلى فئتين: الأولى هي عائلات ذات أصول عسكرية (مثل العظماء والسويدان)، والثانية هي عائلات من العلماء البارزين (مثل عائلة المرادي في دمشق وعائلة الجبيري في حلب). يوضح الفصل كيف لعبت الزيجات الاستراتيجية دوراً محورياً في توطيد هذه النخب، وتوسيع شبكات نفوذها، وخلق مصالح مشتركة بين رجال الدين والعسكر والتجّار. ويشير المؤلّف إلى أن هذه الظاهرة لم تقتصر على المدن الكبرى، بل شملت أيضاً مدناً أصغر مثل حمص وحماة، حيث برزت عائلات مثل السويدان، العطاسي، والسباعي التي استمرّ تأثيرها لأجيال لاحقة، وهو ما يدلّ على الأهمية الدائمة لهذه البنية الاجتماعية.

في جزء آخر من الفصل، ينتقل المؤلّف إلى الحياة الفكرية والأدبية في دمشق خلال القرن الثامن عشر. يصف كيف استمرّ العلماء في إنتاج الأعمال الأدبية والتاريخية، لكن الجديد كان ظهور أصوات من طبقات اجتماعية أقلّ مكانة. يقدّم ثلاثة أمثلة هامة على هذا التنوّع الفكري: الأوّل هو ابن كَنّان، وهو عالم ومدرّس من النخبة، الذي كتب سجلاً لحياته اليومية وعلاقاته مع زملائه، ممثّلاً "آخر جيل" من مؤرّخي العلماء. الثاني هو ابن بُدير الحلّاق، الذي تحدّى تقاليد الكتابة وألّف مخطوطة من وجهة نظر رجل عادي، ناقداً بشدّة الحاكم أسعد باشا العظم. الثالث هو القس الأرثوذكسي ميخائيل بُريك، وهو أول مسيحي في دمشق يكتب سجلاً تاريخياً. يُظهر بُريك قلقاً من تغيّر الأوضاع؛ فقد شجّعه تسامح أسعد باشا تجاه المسيحيين، لكنه في الوقت نفسه خشي من ردّ فعل عنيف من المسلمين إذا ما تجاوز المسيحيون الحدود. هذه الأصوات الثلاثة المختلفة، من عالم مسلم، وحلّاق، وكاهن مسيحي، تشير وفقاً للمؤلّف إلى زمن انتقالي، حيث كانت الكتابة التاريخية تخرج من احتكار العلماء إلى آفاق أوسع، قبل أن يغير وصول المطبعة والصحف هذه المشهد كلياً في القرن التالي.

أخيراً، يناقش الفصل التوترات بين المدينة والريف وصعود الساحل كمركز قوة جديد. يصف كيف كانت النخب العسكرية الحضرية تهيمن على الأراضي والموارد في الريف بطرق قاسية، مستشهداً بحاكم طرابلس بربر آغا الذي كان يشنّ غارات على جبال النصيريين ويقطع رؤوس من يعصون أوامره. لكن الأدلة الأوضح تأتي من مخطوطة نادرة لمزارعين شيعيين هما حيدر رضا الركيني وابنه، اللذين سجّلا فرحتهما بهزيمة جيش عثماني. المزارعان لم يشعرا بأي انتماء للدولة العثمانية ووصفاها بازدراء، مظهرين عمق الهوة بين الريف والمدينة. في المقابل، يصف الفصل صعود الساحل، وخاصة مدينة عكا، تحت حكم شيخين محليين قويين هما ظاهر العمر وأحمد الجزار (الذي توفي 1804). استفاد هذان الحاكمان من تجارة القطن والحبوب مع أوروبا، وأدارا شؤونهما بمساعدة عائلات غير مسلمة مثل عائلة الصبّاغ الكاثوليكية وعائلة فرحي اليهودية. هذا التطوّر، الذي جعل عكا تنافس دمشق، مثّل تحوّلاً في ميزان القوى بين الداخل والساحل، وأشار إلى بداية تحوّل العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، حيث بدأ التجّار والأقليات يكتسبون قوّة غير مسبوقة من خلال علاقاتهم مع القوى الأوروبية.

يقرّ المؤلّف بحدود وقيود في نهاية الفصل، مشيراً إلى أن هذه الفترة برمّتها أرست أنماطاً من التنافس الإقليمي والتوترات بين المدينة والريف والتي ستشكّل تجارب السوريين في العقود العثمانية الأخيرة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول كيفية تفاعل هذه الأنماط الموروثة مع التدخلات الحديثة، قائلاً إن الدولة المصرية التي غزت سوريا عام 1831 والعثمانيين الذين تبعوها، سيفرضون أشكالاً جديدة من السلطة ستتراكب فوق هذه التوترات القديمة. من النقاشات الواضحة التي ينبني عليها الفصل، المقارنة بين أسعد باشا العظم كما يصوره ابن بدير (الجشع واللامبالاة) وبين ما يصوره به ميخائيل بُريك (العدل والازدهار)، مما يظهر أن سردية واحدة غير كافية لفهم شخصيات هذه الفترة.

3.سوريا بين أوروبا والعثمانيين، عقد 1820-190090–127▼ ملخص

هذا الفصل، الذي يحمل عنوان «سوريا بين أوروبا والعثمانيين، عقد 1820-1900»، يتناول تحولات جذرية شهدتها سوريا في القرن التاسع عشر، حيث انتقلت من نظام حكم عثماني تقليدي قائم على الوسطاء والميليشيات المحلية، إلى دولة حديثة ذات بيروقراطية مركزية وجيش نظامي. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذا التحول كان مؤلماً وعنيفاً، وغالباً ما اتخذ طابعاً طائفياً، حيث أدى تدخل القوى الأوروبية والإصلاحات العثمانية (التنظيمات) إلى زعزعة التوازنات الاجتماعية والاقتصادية القديمة، مما أشعل صراعات دامية بين الطوائف المختلفة، وانتهى بفرض سلطة الدولة الحديثة بالقوة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من حدث دموي هو مذبحة دمشق في 10 يوليو 1860، حيث يروي القنصل الأمريكي ميخائيل مشاقة كيف تعرض الحي المسيحي للنهب والحرق على يد غوغاء مسلمين، بتواطؤ من الوالي العثماني. يقدم المؤلف هذا الحدث كنقطة ذروة لتراكم التوترات. ثم يعود بالزمن إلى الوراء ليشرح جذور هذه التغيرات، بدءاً من الثورة اليونانية (1821) التي أظهرت ضعف الدولة العثمانية، وجاءت كتهديد لأساس نظامها القائم على تحالف العرش مع الكنيسة الأرثوذكسية. لكنّ العامل الأهم كان الغزو المصري بقيادة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا (1831-1840)، والذي يعتبره المؤلف أول ظهور حقيقي "للدولة الحديثة" في سوريا. يصف الفصل كيف فرض المصريون نظاماً مركزياً يعتمد على التجنيد الإجباري ونزع السلاح والضرائب المباشرة، وفتحوا الباب أمام التجار والمبشرين الأوروبيين، وأعلنوا المساواة القانونية بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما أحدث صدمة في المجتمع التقليدي.

بعد طرد المصريين بمساعدة بريطانية (1840)، عاد العثمانيون وبدأوا تطبيق إصلاحات "التنظيمات" (1839)، التي وعدت بالمساواة بين جميع الرعايا وأمنت التجارة الحرة مع أوروبا. يشرح المؤلف كيف أن هذه الوعود، إلى جانب تدفق السلع الأوروبية الرخيصة التي دمرت الحرفيين المحليين، خلقت توترات جديدة. استفادت النخب المسيحية الصاعدة من علاقاتها مع القنصليات الأوروبية، بينما شعر المسلمون، خاصة الحرفيون المفلسون والإنكشاريون السابقون، بالإهانة والتهديد. هذه الأجواء أدت إلى اندلاع أعمال عنف طائفية في حلب (1850) ودمشق (1860)، حيث هاجمت الغوغاء المسيحيين، متهمة إياهم بالغرور والاستعلاء. يقدم الفصل أدلة على ذلك باقتباسات من مذكرات أبو السعود الحسبي، الذي برر عنف المسلمين بإشارته إلى أن المسيحيين كانوا يتباهون بحماية القوى الأجنبية.

يقر المؤلف بحدود هذه العملية، مشيراً إلى أن العنف لم ينتشر في مدن أخرى مثل بيروت أو طرابلس حيث نجح الوجهاء المحليون في احتواء التوتر. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول العدد الحقيقي للقتلى في أحداث 1860، معترفاً بأنه "غير معروف". يتابع الفصل بمناقشة كيف أن رد الفعل العثماني الصارم، الذي أعدم المتورطين وفرض غرامات جماعية على المسلمين، كان بمثابة رسالة بأن عهد الحكم القديم قد انتهى. بعد 1860، تخلت النخب السورية عن مقاومة الإصلاحات واختارت التعاون مع الدولة العثمانية المتجددة، مدركة أن مصلحتها تكمن في أن تصبح جزءاً من مشروع الدولة الحديثة.

في العقود الأخيرة من الحكم العثماني، وبخاصة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، ركزت الدولة على بناء هيمنة ثقافية جديدة. تم سن قانون الأراضي (1858) الذي فضّل كبار الملاك المتعاونين مع الدولة، وتم بناء السكك الحديدية (مثل سكة حديد الحجاز) وخطوط التلغراف، وافتتحت المدارس الحديثة. يصف المؤلف هذه الفترة بأنها كانت "عصراً ذهبياً" في الذاكرة الحنينية للسوريين لاحقاً، رغم قمع السلطان للصحافة وانتشار شبكته من الجواسيس. كما غزت الدولة المناطق الريفية، حيث جردت الزعماء المحليين من سلطتهم الذاتية، إما بقوة السلاح (مثل حملة 1870 ضد جبال النصيرية) أو عبر سياسات التعاون والاستمالة (مثل تحويل عشيرة الأطرش في حوران إلى إداريين موالين). وأخيراً، يشير الفصل إلى أن هذه التحولات أرسلت موجات هجرة، مثل هجرة المسيحيين من جبل لبنان إلى الأمريكتين، وهجرة الفلاحين العلويين من جبالهم للعمل كأجراء في أراضي كبار الملاك السنة في حمص وحماة، مما زرع بذور الانقسامات الاجتماعية والطائفية التي ستستغلها فرنسا لاحقاً.

4.فكرة سوريا والحرب العالمية الأولى128–149▼ ملخص

في هذا الفصل، يتناول جيمس أ. رايلي تطور "فكرة سوريا" كمشروع فكري وهوية سياسية وثقافية ناشئة في العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وكيف حطمت الحرب تلك الرؤية وأعادت تشكيل المنطقة. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هوية "سوريا" لم تكن كياناً سياسياً محدداً أو حركة قومية جامحة، بل كانت خطاباً متنوعاً ومتنافساً عليه بين مثقفين وإصلاحيين، تطور داخل الإطار العثماني، ثم تم تدميره وإعادة تشكيله جذرياً بفعل صدمة الحرب وتدخل القوى الأوروبية الاستعمارية.

يبدأ الفصل بتتبع نشأة فكرة "سوريا" في أعقاب المذابح الطائفية في دمشق عام 1860، حيث أصدر بطرس البستاني منشوراته "نفير سوريا" داعياً إلى حب الوطن كأساس للوحدة المدنية وتجاوز الانقسامات الدينية. يوضح المؤلف أن هذه الفكرة تطورت في سياق التحديث العثماني (التنظيمات) وتوسع التعليم والاتصالات. فمن خلال السكك الحديدية التي اختصرت المسافات (مثل خط بيروت- دمشق الذي ربط المدينتين في 9 ساعات بحلول نهاية القرن التاسع عشر)، والصحافة الناشئة (مثل جريدة "دمشق" و"الشهباء" في حلب)، تم خلق فضاء عام جديد نوقشت فيه الهوية.

يقدم الفصل نماذج لمفكرين ساهموا في صياغة هذه الهوية. فمن جهة، كان هناك إصلاحيون مسلمون مثل عبد الرحمن الكواكبي الذي انتقد استبداد السلطان عبد الحميد ونادى بخلافة عربية، واضعاً أسساً للقومية العربية لاحقاً. ومن جهة أخرى، كان هناك مسيحيون مثل عبد المسيح الأنطاكي الذين نظروا إلى أوروبا وفرنسا كنموذج للحداثة. ويبرز كثيفاً دور محمد كرد علي ومجلته "المقتبس" التي دعت إلى النهضة العربية والاستفادة من الحضارة الغربية مع الحفاظ على التراث، بينما دافع عنها كملاذ أخير ضد التوسع الأوروبي خلال الحرب.

ينتقل الفصل إلى حقبة "العثمانيين الشباب" بعد ثورة 1908، حيث ازدهر النقاش العام حول الهوية. يوضح المؤلف أن النقاشات تمحورت حول أسئلة أساسية: كيف يكون المرء مسلماً وعثمانياً؟ مسيحياً ودمشقياً؟ سورياً وعربياً؟ تبلورت تيارات فكرية متباينة: "الوطنية السورية المسلمة" التي رأت في سوريا جزءاً من الدولة العثمانية ذات تاريخ إسلامي، والوطنية السورية لدى المسيحيين التي ركزت على الأرض واللغة العربية كجامع، مع وجود تيارات صغيرة دعت إلى الانفصال عن الدولة العثمانية بدعم أوروبي. يعترف المؤلف بصراحة بأن الغالبية العظمى من السكان، خاصة في الريف والطبقات الدنيا، بقيت خارج هذه النقاشات الأيديولوجية.

أخيراً، يشرح الفصل كيف كانت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) القوة المحورية التي حطمت السياق السابق. يصف المؤلف تجربة "السفر برلك" (التجنيد الإجباري) التي اقترنت بالمجاعة والمرض والحصار البحري الفرنسي-البريطاني، مما أدى إلى وفاة ما يصل إلى نصف مليون سوري. يذكر أيضاً محاكمات شنق النشطاء العرب الذين اتصلوا بقوات العدو قبل الحرب، والإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 التي تركت آلاف الناجين في الأراضي السورية. على الرغم من انهيار الدولة العثمانية في أكتوبر 1918، يشير المؤلف إلى حقيقة بقاء ولاء العديد من المسؤولين العرب للدولة العثمانية حتى النهاية، معتبرين إياها الحصن الأخير ضد الاستعمار.

في خاتمة التحليل، يقر المؤلف بأن الأسس الإدارية للدولة الحديثة (مثل قانون الأراضي العثماني لعام 1858 وقانون الولايات 1864) قد وضعت خلال هذه الفترة وبقيت بعد الحرب. لكن السؤال المفتوح الكبير الذي يتركه الفصل هو: أي نوع من الدولة سيظهر بعد انهيار الشرعية العثمانية؟ الاستنتاج الضمني هو أن "فكرة سوريا" ككيان سياسي واحدة لم تتحقق بشكل طبيعي، بل تم فرضها وتشكيلها من خلال تدخل القوى الاستعمارية (فرنسا) وصدمة الحرب، وليس من خلال التوافق الوطني الذي حلم به دعاة النهضة الأوائل. يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش حول أن القومية العربية والسورية في مرحلتها المبكرة كانت أكثر مرونة وغموضاً مما توحي به الروايات الوطنية اللاحقة، وأن الحرب لم تخلق هذه الأفكار بل دمرت مساراتها المحتملة.

5.فرنسا وتكوين الدولة السورية الإقليمية150–192▼ ملخص

هذا الفصل من كتاب "Fragile Nation, Shattered Land" لجيمس أ. رايلي يتناول موضوعاً محورياً هو تشكّل الدولة السورية الإقليمية تحت الانتداب الفرنسي، وكيف أن عملية بناء هذه الدولة وُلدت من رحم التناقضات والصراعات بين القوى الاستعمارية والنخب المحلية والهويات المتعددة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الدولة السورية لم تكن نتيجة حتمية لتطور قومي متجانس، بل كانت نتاجاً لعوامل خارجية (الاستعمار الفرنسي) وداخلية (صراع النخب والهويات) فرضت شكلاً سياسياً جديداً على مجتمع متنوع، وأن هذا الميراث من الانقسامات والتوترات ما زال يلقي بظلاله على سوريا.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح هذه الفكرة المعقدة، مبتدئاً بلحظة تأسيسية رمزية: هجوم المتمردين على دمشق في 24 أغسطس 1925. كان هذا الهجوم بداية الثورة السورية الكبرى، التي قادها سلطان الأطرش من جبل الدروز، وشارك فيها فلاحون ودروز وبدو من حوران، بالإضافة إلى ضباط عثمانيين سابقين من دمشق. يوضح رايلي أن النداء الذي وزعه المتمردون كان يدعو إلى "سوريا المستقلة"، ويستخدم لغة قومية شاملة. لكنه يعود بعدها إلى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين ليقدم مثالاً معاكساً تماماً: عندما حاول القوميون في دمشق بسط سلطتهم على منطقة الجزيرة، واجهوا مقاومة عنيفة من السكان المحليين (عرب أكراد وآشوريين وأرمن) الذين فضلوا الحكم الذاتي تحت الحماية الفرنسية. حادثة قرية عامودا في يوليو 1937، حيث ذُبح سكانها، ثم "حرب الأعلام" في ربيع 1939 في القامشلي، تظهر بوضوح أن رؤية القوميين السوريين للدولة الموحدة لم تكن مقبولة من الجميع.

بعد هذه المقدمة المقارنة، يعود الفصل إلى البدايات الأولى بعد الحرب العالمية الأولى. يحلل رايلي فترة حكم فيصل بن الحسين القصيرة في دمشق (1918-1920)، والتي كشفت عن هوة بين مشروعه القومي العربي والنخب المحلية. يشرح أن أعيان المدن (دمشق وحلب) لم يثقوا بفيصل و"الغرباء" (الحجازيين والفلسطينيين) الذين جلبهم معه. في حلب على وجه الخصوص، كان التوجه القومي العربي صعباً بسبب الطبيعة المتعددة الأعراق للمدينة وعلاقاتها الاقتصادية مع الأناضول. يذكر الكاتب اتفاقية سايكس-بيكو (1916) التي نُشرت في 1917، وزيارة لجنة كينغ-كرين (صيف 1919)، والمؤتمر السوري العام في دمشق (ربيع 1919) الذي أعلن استقلال سوريا في مارس 1920 مع فيصل ملكاً. لكن هذا الاستقلال كان محكوماً عليه بالفشل بسبب الضغوط الفرنسية.

يوثق الفصل بعد ذلك فرض الحكم الفرنسي، بدءاً من اتفاقية سان ريمو في أبريل 1920 التي قسّمت المنطقة. يروي بالتفصيل معركة ميسلون في يوليو 1920، حيث هُزمت قوات فيصل وقتل وزير دفاعه يوسف العظمة، مما أفسح المجال أمام الفرنسيين لاحتلال دمشق. لكن المقاومة لم تتوقف، خاصة في الشمال، بقيادة صالح العلي (من العلويين) وإبراهيم هنانو الذي تعاون مع حركة مصطفى كمال أتاتورك التركية. يوضح رايلي أن هذه المقاومة كانت تحمل أيديولوجيات متعددة: ولاء عثماني-مسلم، ووطنية سورية، وقومية عربية. ولم تنتهِ هذه المقاومة إلا بصفقة فرنسية-تركية في أكتوبر 1921، حيث تخلت فرنسا عن مناطق في الأناضول مقابل انسحاب الدعم التركي للمقاومة السورية، مما رسم الحدود السورية-التركية التي ما زالت قائمة باستثناء إقليم إسكندرون.

ينتقل الفصل إلى مرحلة توطيد الحكم الفرنسي، مفسراً الاستراتيجية الاستعمارية بتقسيم سوريا إلى دويلات صغيرة: دولة دمشق، حلب، جبل الدروز، والدولة العلوية (التي سُميت لاحقاً اللاذقية). يصف كيف فضلت فرنسا زعماء محليين موالين مثل صبحي بركات وتاج الدين الحسني، ودعمت الهويات الطائفية والجهوية (العلوية والدرزية) لموازنة النفوذ القومي العربي في المدن الداخلية. في الشرق (الجزيرة)، تحالفت فرنسا مع زعماء القبائل مثل عنزة، واعترفت بزعامات الأكراد والآشوريين، وأدارت المنطقة بشكل منفصل حتى 1930.

يشكل الثورة السورية الكبرى (1925-1927) نقطة تحول محورية. يشرح رايلي كيف أن هذه الثورة التي بدأت في جبل الدروز بقيادة سلطان الأطرش، امتدت إلى غوطة دمشق بقيادة نصيب البكري، وإلى حماة بقيادة فوزي القاوقجي. ومع ذلك، يؤكد المؤلف أن كبار الملاكين (مثل عائلة البرازي في حماة) لم ينضموا إلى الثورة بل ظلوا محايدين، خوفاً من الاضطراب الاقتصادي وخطر العصابات المسلحة. يشير أيضاً إلى تشكيل "حزب الشعب" في يونيو 1925 بقيادة عبد الرحمن الشهبندر، كأول حزب سياسي قومي. كان رد فرنسا عنيفاً: قصف دمشق في 18-19 أكتوبر 1925، مما أسفر عن مقتل نحو 1500 شخص، وإعدام السجناء وترك جثثهم في العلن. رغم هزيمة الثورة عسكرياً وقتل 6,000 سوري وتشريد 100,000 آخرين، يخلص رايلي إلى أن الثورة أجبرت فرنسا على التعامل مع القومية السورية كقوة لا يمكن تجاهلها.

بعد الثورة، يتناول الفصل تشكيل الكتلة الوطنية (1928) كأداة للمساومة السياسية. قاد هذه الكتلة كبار الملاكين والنخب الحضرية (مثل هاشم الأتاسي، جميل مردم بك، إبراهيم هنانو، سعد الله الجابري) الذين سعوا إلى "تعاون شريف" مع فرنسا للحصول على الاستقلال التدريجي. يشرح رايلي أن الكتلة كانت محافظة اجتماعياً، واهتمها الأول كان سياسياً (الاستقلال) وليس اجتماعياً (الثورة). وقد نجحت إلى حد ما في التفاوض على معاهدة فرنسية-سورية في 1936، بعد إضراب عام دام سبعة أسابيع، بفضل وصول حكومة الجبهة الشعبية اليسارية إلى السلطة في باريس. بموجب هذه المعاهدة، وافقت فرنسا على إعادة دمج الدولة العلوية وجبل الدروز في سوريا، مقابل اعتراف سوريا بحدود لبنان وتأكيد المصالح الفرنسية. لكن فرنسا لم تصدق على المعاهدة، مما أدى إلى أزمة سياسية عميقة وأضعف موقف مردم بك.

هذه الأزمة أوجدت مساحة لظهور شخصيات جديدة. يذكر الفصل شكري القوتلي، وهو قومي راديكالي ثري، استطاع أن يستقطب تيارات معارضة داخل الكتلة وخارجها. أبرز هذه التيارات كانت عصبة العمل القومي (تأسست حوالي 1932)، وهي حركة من المثقفين العصريين (محامين وأطباء) الذين تبنوا قومية عربية راديكالية ورفضوا أي امتيازات لفرنسا. يذكر أيضاً التيارات الإسلامية، التي تجمعت حول علماء وتجار، ودافعت عن الشريعة وعارضت السياسات الفرنسية في التعليم وفي قضايا المرأة. الضربة القاضية لسمعة مردم بك كانت تنازل فرنسا عن إقليم إسكندرون لتركيا في 1938-1939، وهو إجراء تم لتجنب عداء تركيا مع تصاعد التوترات في المتوسط. يصف رايلي كيف ترك هذا الإقليم (الذي أعيدت تسميته هاتاي) حوالي 50,000 عربي وأرمني للفرار إلى سوريا.

الفصل مخصص أيضاً لتحليل علاقة الكتلة الوطنية مع تنوع سوريا السكاني. يبدأ بالإشارة إلى المسيحيين: يميز بين المسيحيين الأرثوذكس (مثل فارس الخوري، وهو بروتستانتي من أصل أرثوذكسي) الذين تبنوا القومية العربية، وبين المسيحيين الكاثوليك (خاصة في حلب) الذين ظلوا موالين لفرنسا بسبب مدارسها ولغتها، وشكلوا حركات شبابية مثل "الكشافة الفرنسية" و"الشارة البيضاء". يذكر الأرمن كجماعة منفصلة طورت مؤسساتها الخاصة. أما الدروز، فيوضح أنهم اندمجوا في الرمزية الوطنية بفضل دورهم في الثورة، لكن علاقتهم مع النخب الحضرية ظلت متوترة. العلويون، بقيادة شخصيات مثل سليمان المرشد (الذي أُعدم في 1946)، كانوا يميلون إلى الحكم الذاتي تحت حماية فرنسا، وقاوموا الاندماج في الدولة السورية الموحدة. المنطقة الشرقية (الجزيرة) بقيت عصية على سيطرة الكتلة، حيث شكل الأكراد والآشوريون، بدعم من الإدارة الفرنسية، جبهة مطالبة بالحكم الذاتي، مما أدى إلى أحداث عنف في 1937 و1938.

في القسم الأخير، يقدم الفصل مساهمة مهمة حول بروز الحركة النسائية السورية. يذكر نازك العابد كرائدة من عائلة دمشقية ثرية، التي شاركت في معركة ميسلون، وأصدرت مجلة نسائية دعت فيها لحقوق المرأة السياسية، وربطت ذلك بالقضية الوطنية. كانت تدعو إلى أن "رفع هذه الأمة البائسة من غياهب البؤس إلى قمة السعادة" لن يتحقق إلا بإعطاء المرأة صوتها.

يختتم الفصل بإقرار واضح من المؤلف بأن مشروع بناء الدولة القومية السورية كان مليئاً بالصعوبات منذ البداية، بسبب التنوع العرقي والطائفي الذي لم ينسجم مع النموذج القومي الجديد، وبسبب السياسات الفرنسية التي عملت على تعميق هذه الانقسامات. إلى جانب ذلك، يشير إلى أن الكتلة الوطنية أهملت بناء جيش وطني قوي، حيث رأت في قوات "التروب سبيسيال" أداة استعمارية، مما أدى إلى أزمات بعد الاستقلال.

باختصار، الفصل يقدم تحليلاً متوازناً لكيف أن الدولة السورية الحديثة لم تولد كاملة بفعل إرادة شعبية واحدة، بل كانت بناءً سياسياً استعمارياً تم التفاوض عليه والصراع عليه من قبل نخب مختلفة، وترك إرثاً من الانقسامات التي استمرت في التأثير على سوريا لعقود.

6.أزمات الدولة المستقلة193–236▼ ملخص

يستعرض هذا الفصل أزمات الدولة السورية المستقلة منذ نيلها الاستقلال الكامل عام 1946 وحتى انقلاب 1970 الذي أنهى فترة من الاضطراب السياسي الاستثنائي. يطرح المؤلف جيمس أ. ريلي أن سوريا كانت دولة هشة منذ نشأتها، نتيجة افتقارها إلى مؤسسات راسخة، وعدم وجود خبرة في الحكم الذاتي المسؤول، وتباين ولاءات مجتمعاتها للفكرة الوطنية السورية، بالإضافة إلى إرث الاستعمار الفرنسي الذي زرع بذور الصراع والانقسام.

يسير الفصل زمنياً، موثقاً سلسلة الانقلابات العسكرية والصراعات السياسية التي عصفت بسوريا. يبدأ الفصل بوصف الانقلاب الأول في 30 مارس 1949 بقيادة حسني الزعيم، مشيراً إلى دور الجيش كقوة سياسية جديدة ناشئة من خلفيات ريفية وطائفية مختلفة عن النخب الحضرية السنية التقليدية. يشرح المؤلف أن هذه الانقلابات كانت تعبيراً عن أزمة شرعية عميقة، حيث فشلت الأحزاب التقليدية مثل الحزب الوطني وحزب الشعب في تلبية تطلعات الجماهير، وبرزت مكانها أحزاب أيديولوجية كـالإخوان المسلمين وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي. كمثال مهم، يذكر أن حسني الزعيم نفسه أُطيح به وأُعدم في أغسطس من نفس العام، ثم أُطيح بخليفته سامي الحناوي في ديسمبر.

يحلل الفصل دوافع كل لاعب رئيسي: شكري القوتلي رئيساً قلقاً من أطماع الهاشميين في العراق والأردن، وأكرم الحوراني نائباً اشتراكياً مناهضاً للإقطاع، وأديب الشيشكلي ضابطاً طموحاً حكم البلاد بقبضة حديدية بين 1953 و1954. يوضح الكيفية التي كان بها الصراع على الهوية (قومية عربية مقابل سورية) والولاءات الخارجية (لمصر والسعودية مقابل العراق الهاشمي) محركاً أساسياً للسياسة السورية. أدى فشل الأحزاب التقليدية في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وهزيمة 1948 في فلسطين، إلى إضعاف شرعيتها وفتح الباب أمام الجيش والأحزاب الأيديولوجية لتولي زمام المبادرة.

يُظهر الفصل أن سوريا أصبحت ساحة للصراع البارد، حيث تدخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لدعم حلفائهما. أدى هذا التدخل إلى تفاقم الانقسامات الداخلية، وبلغ ذروته في قيام الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) والتي يصفها المؤلف بأنها ضم مصري لسوريا، حيث كانت القرارات تُتخذ من القاهرة واعتُبرت سوريا إقليماً زراعياً تابعاً. بعد الانفصال، عادت سوريا إلى حالة من عدم الاستقرار حتى انقلاب حزب البعث في مارس 1963، والذي قاده ضباط من خلفيات ريفية أقلوية.

يقدم الفصل أمثلة مفصلة عن كيفية تحول حكم البعث، خاصة بعد انقلاب فبراير 1966 (مرحلة "البعث الجديد")، إلى نظام يعتمد على المحسوبية والولاءات القبلية والطائفية، مع بروز دور بارز لضباط علويين في الأجهزة الأمنية والعسكرية. يوضح المؤلف أن الصراع بين الجناح المدني للحزب بقيادة ميشيل عفلق والجناح العسكري بقيادة صلاح جديد انتهى لصالح الأخير، لكن هذا لم ينهِ الصراعات الداخلية. يصف الفصل كيف أن السياسات الاشتراكية للتأميم والإصلاح الزراعي، رغم كونها ثورية، استُخدمت أيضاً كأدوات لترسيخ سيطرة الحزب وتوزيع الامتيازات على أنصاره.

في النهاية، يقر المؤلف بحدود هذا التحليل، مشيراً إلى أن مفهوم الأمة السورية ظل هشاً وغير مكتمل، وأن الدولة فشلت في بناء شرعية شعبية أو حتى في صياغة مصلحة وطنية واضحة. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول إمكانية تجاوز هذا الإرث من الانقسام والصراع. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل هي ربط المؤلف بين النموذج السوري للدولة الهشة وتراثها الاستعماري، وهو ما يجادل بأنه جعلها عرضة للانقلابات والتدخلات الخارجية، بينما قد يرى آخرون أن العوامل الداخلية والصراعات الاجتماعية والطائفية كانت أكثر حسماً.

7.ثلاثون عاماً من حافظ الأسد237–269▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على ثلاثة عقود من حكم حافظ الأسد لسوريا، من عام 1970 حتى وفاته عام 2000، ويُقدّم الفصل إجابة أساسية مفادها أن الأسد نجح في بناء دولة قوية وشخصية مركزية، لكنه فعل ذلك على حساب تدمير الحياة السياسية، وقمع المعارضة بوحشية، وإضعاف المؤسسات الدولة لصالح شبكات المحسوبية والولاء الشخصي، مما جعل النظام هشاً وأسس لانفجار لاحق.

يبدأ الفصل بمشهد مأساوي هو انتفاضة حماة في فبراير 1982، حيث سحقت قوات النظام المدينة بالمدفعية والطيران، مما أدى إلى مقتل ما بين 15,000 و30,000 شخص. يصف الكاتب هذا الحدث بأنه أحط نقطة في حكم الأسد، حيث استخدمت الدولة أسلحتها ضد واحدة من معاقل النضال الوطني السابقة. يُظهر الفصل كيف جسّدت هذه المجزرة رسالة واضحة بأن كلفة المعارضة باهظة.

ينتقل الفصل بعدها إلى صعود الأسد للسلطة في نوفمبر 1970، وكيف بنى نظاماً استبدادياً متيناً حول شخصه وعائلته وطائفته العلوية. في البداية، حظي الأسد بدعم شعبي واسع بفضل تحالفه مع القطاع الخاص ووعوده باستقرار البلاد بعد سنوات الانقلابات، كما أن انتصار أكتوبر 1973 النسبي عزز شعبيته. يُظهر الفصل كيف حوّل الأسد حزب البعث إلى أداة شخصية له، وطهر الجيش من عناصر منافسيه، وصنع نظاماً أمنياً معقداً لمنع أي انقلابات، حيث جعل قيادة الوحدات العسكرية والأمنية الحساسة في أيدي أقاربه وأفراد طائفته.

يُفصّل الفصل بعد ذلك التحدي الذي مثله الإخوان المسلمون بين عامي 1976 و1982، ويعزو صعودهم إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفساد، والتدخل العسكري في لبنان، والشعور بالتهميش لدى النخب السنية في المدن الشمالية (حلب، حماة، حمص). يُظهر كيف استغل الإخوان هوية الأسد العلوية في خطابهم الطائفي، واصفين إياه بـ"الزعيم الكافر" و"النظام العلوي". لكن الفصل يلاحظ أن الإخوان فشلوا في كسب دعم واسع خارج المدن الكبرى، وأنهم تصرفوا بتهور، مما جعل كثيراً من السوريين يفضلون "الشيطان الذي يعرفونه" (نظام الأسد) على رؤيتهم المتطرفة.

بعد قمع الإخوان ومرض الأسد في 1983-1984، واجه النظام أزمة داخلية عندما حاول شقيقه الأصغر رفعت الأسد اغتيال السلطة. يُظهر الفصل كيف أن هذه الأزمة كشفت نقطة ضعف أساسية: فالنظام يعتمد على شخص الأسد بالكامل، وفي غيابه قد ينهار. بعد تعافي الأسد، بلغت عبادة شخصيته ذروتها حيث أعلنه حزب البعث "القائد الأبدي"، وملأت التماثيل والشعارات تمجيده المدن. يُحلل الفصل هذه العبادة كـ"اختصار" لبناء الدولة، حيث تطلب الإخلاء العلني للولاء كان وسيلة لفرض السيطرة وخنق أي هوية سياسية مستقلة.

في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حكمه، يصف الفصل فترة من الجمود السياسي والانفتاح الاقتصادي. بعد أن سحقت المعارضة، كان الأسد حراً في تعزيز نفوذه الإقليمي، خاصة في لبنان، وتحسين علاقاته مع الغرب والخليج بعد حرب 1991. محلياً، بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة في الثمانينيات، تخلت الدولة عن نهجها الاشتراكي وشجعت الاستثمار الخاص. أدى ذلك إلى نمو اقتصادي متواضع، لكنه عمّق الفجوة بين الأغنياء والفقراء وأضعف مؤسسات القطاع العام التي كانت أساس استقرار النظام، مما تسبب في تآكل التماسك الاجتماعي.

أخيراً، يناقش الفصل المشهد الثقافي والديني في عهد الأسد المتأخر. مع غياب أي فضاء سياسي، لجأ الكثيرون إلى التدين الصامت كشكل من أشكال الانفصال عن الأيديولوجية البعثية، وشجعت الدولة هذا التوجه كبديل آمن. في الثقافة، استخدم النظام "النقد المأجور"، حيث سمح بإنتاج أعمال فنية وأدبية ناقدة (مثل مسرحيات سعد الله ونوس وممدوح عدوان) لكنه حدّ من توزيعها محلياً واستخدمها لتحسين صورته دولياً. يختتم الفصل بتأكيد أن إرث الأسد كان دولة قوية لكنها جوفاء، تفتقر إلى مؤسسات حقيقية، وتعتمد على شخص واحد، مما ترك مستقبل سوريا معلقاً بعد وفاته في يونيو 2000.

8.ربيع كاذب وعواصف تتجمع270–297▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة حكم بشار الأسد الأولى، من توليه الرئاسة في يوليو 2000 وحتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويُجيب عن سؤال محوري: كيف تعامل النظام السوري مع تحديات الإصلاح الداخلي والضغوط الإقليمية والدولية، وما هي التناقضات التي تراكمت وأدت إلى أزمة عميقة؟ يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن محاولات التجديد كانت سطحية ومحدودة، وأن النظام فضّل البقاء على الإصلاح الحقيقي، مما خلق فجوة هائلة بين الأقليات المتنفذة وأبناء الطبقة الجديدة من جهة، والأغلبية السكانية المهمشة والمتضررة من السياسات الاقتصادية الجديدة من جهة أخرى.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بانتقال السلطة بعد وفاة حافظ الأسد في 10 يونيو 2000، الذي هيأ الطريق لابنه بشار لتولي الحكم. كان بشار البالغ من العمر 34 عاماً قد درّب وأُعدّ بسرعة منذ وفاة أخيه الأكبر باسل في يناير 1994، حيث تدرب في الحرس الجمهوري وتولى ملف لبنان خلفاً لنائب الرئيس عبد الحليم خدام. تم تغيير الدستور لخفض سن الرئاسة إلى 34 عاماً، وأُجري استفتاء في 10 يوليو 2000 لتثبيته رئيساً.

يتناول الفصل بعد ذلك ظاهرة "ربيع دمشق" القصيرة، حيث ألقى بشار الأسد خطاب تنصيب وعد فيه بالتجديد والتحديث. أتاح ذلك مساحة محدودة من الحريات، ظهرت في إنشاء منتديات للنقاش السياسي مثل منتدى رياض سيف، وعرائض وطنية وقعها مثقفون معروفون مثل صادق جلال العظم وأدونيس، طالبت بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وحرية التعبير. لكن سرعان ما انتهى هذا "الربيع" في مارس 2001، عندما حذر بشار الأسد من تجاوز "الخطوط الحمراء" التي تمس أسس النظام مثل وحدة الأمن ودور حزب البعث والجيش. تم إغلاق المنتديات واعتقال بعض الموقعين على العرائض. يعزو المؤلف هذا القمع إلى أن طبيعة النظام البوليسي لا تتحمل النقاش العلني والمساءلة، وهو ما سهّلته الأجواء الإقليمية المتوترة.

مع إخفاق الوعود السياسية، تحول تركيز النظام نحو الإصلاح الاقتصادي. يصف الفصل التخلي عن الشعارات الاشتراكية واعتماد "اقتصاد السوق الاجتماعي" رسمياً في مؤتمر حزب البعث في يونيو 2005. تم إنشاء البنوك الخاصة والجامعات الخاصة، وتقاعد العديد من رجال الجيل القديم، وحلّ محلهم تكنوقراط. أصبح رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، الرمز الأبرز للفساد والمحسوبية في هذا الاقتصاد الجديد، حيث استولى على أصول شركة "أوراسكوم" للاتصالات في نزاع تجاري عام 2002 بفضل علاقاته.

يتوقف الفصل عند العواقب الاجتماعية المدمرة لهذه السياسات. فبينما ازدهرت مدن مثل دمشق وحلب بشكل لافت، عانت المناطق الريفية من إهمال الدولة وموجات جفاف قاسية بين 2006-2010، مما دفع مئات الآلاف من الفلاحين إلى الهجرة نحو المدن، حيث استقروا في أحياء عشوائية مكتظة ومحرومة من الخدمات الأساسية، بكثافات سكانية تصل إلى 70,000 نسمة لكل كيلومتر مربع، وتعيش فيها أسر من 10-12 فرداً في مسكن واحد. ازداد الضغط على الخدمات أيضاً بفعل تدفق ما يقارب مليون لاجئ عراقي بعد الغزو الأمريكي عام 2003. لم يعد هناك دعم اجتماعي حكومي كما في العهد "الاشتراكي"، مما خلق "عاصفة مثالية من البؤس".

في مقابل ذلك، يوضح الفصل كيف استفادت المؤسسات الدينية من تقلص دور الدولة. نمت المؤسسات الخيرية الإسلامية والمسيحية لتسد الفراغ، مما عزز نفوذ رجال الدين. اعتنق رجال الدين المسلمون السنة قيم الطبقة الوسطى من الادخار والعمل الجاد، في حين رأى المسيحيون في النظام ضماناً لأمنهم الجماعي في مواجهة التطرف، خاصة بعد نزوح مسيحيي العراق ومذابحهم. وقد ساهم بشار الأسد وزوجته أسماء في تعزيز هذا الشعور برعايتهما للمناسبات المسيحية. أما الطائفة الإسماعيلية الصغيرة، فاستفادت من مشاريع شبكة الآغا خان للتنمية في حلب، مما دمجها بشكل أكبر في المجتمع السوري، لكن معظم هذه المشاريع دُمّر لاحقاً في الحرب.

يتناول الفصل قضية الأكراد كمؤشر على التوتر المتراكم. يشرح حرمان نحو 20% من أكراد سوريا من الجنسية في إحصاء 1962، وسياسة "الحزام العربي" في الستينيات والسبعينيات. أدى صعود الحركة الكردية في العراق بعد الغزو الأمريكي 2003 إلى رفع سقف المطالب. في مارس 2004، تحولت أعمال شغب بين مشجعي أندية كرة قدم كردية وعربية في القامشلي إلى احتجاجات كردية واسعة، مما دفع النظام لإصدار هويات لأعداد كبيرة من الأكراد الفاقدين للجنسية في محاولة تهدئة.

في مجال الثقافة، يصف الفصل فترة من الانفتاح النسبي. سُمح بمساحة أوسع للنقد في الروايات والأفلام، لكن الأهم كان في الدراما التلفزيونية التي وجدت سوقاً خليجياً وازدهرت بفضل دعم الدولة. كانت هذه المسلسلات تنتقد الفساد الاجتماعي والسياسي، مقابل ولاء المبدعين للنظام كراعٍ للفن. سمح هذا الوضع لـبشار الأسد بالاحتفاظ بصورة "المصلح" والمتنور، رغم القمع السياسي، وهو ما تجسد في مقالات إطراء مثل مقال مجلة فوغ عن أسماء الأسد في مارس 2011، والذي جاء في توقيت محرج مع بدء الاحتجاجات.

أخيراً، يفحص الفصل قدرة بشار الأسد على البقاء في خضم عواصف إقليمية عنيفة مثل حرب العراق والحرب على الإرهاب. لقد عانى النظام من عزلة شديدة بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وازداد الضغط بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير 2005، مما أجبر سوريا على سحب جيشها من لبنان في أبريل 2005. مع ذلك، استطاع الأسد تجاوز هذه الأزمة مستفيداً من حرب تموز 2006 التي حاربت فيها حزب الله إسرائيل، مما أعاد له بعض الشرعية كداعم للمقاومة، ومع تحسن العلاقات مع العراق بعد تثبيت حكومة نوري المالكي الحليفة لإيران. أعيد انتخاب الأسد في استفتاء عام 2007، وبدا مستقره بعد زيارته لباريس في مايو 2008 وعودة العلاقات مع لبنان وتركيا.

في نهاية العقد، يخلص الفصل إلى أن النظام بدا منتصراً ظاهرياً، لكنه كان يقف على أرضية هشة، حيث تراكمت مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية غير محلولة، لتنذر بعواصف قادمة.

9.الانتفاضة، الحرب الأهلية والتفتت298–370▼ ملخص

بدأت الانتفاضة السورية في منتصف مارس عام 2011، متأثرة بموجة الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت العالم العربي في أوائل عام 2011، وأطاحت بحكام تونس ومصر، وهزت أركان ليبيا واليمن. ورغم أن دوائر موالية في دمشق راهنت في البداية على أن سوريا ستُستثنى من هذه الموجة لكونها في "محور الممانعة"، إلا أن جدار الخوف بدأ يتصدع. كان النظام قد فقد قدرته على السيطرة على الأرياف والبلدات الصغيرة، بفعل سياسات الاقتصاد الاجتماعي للسوق التي أهملت الريف وزادت من الهجرة إلى المدن، فجاءت الانتفاضة كثورة للأطراف على المركز، حيث تركزت فوائد حكم بشار الأسد في دمشق وحلب المركزيتين وأجهزة الأمن ورجال الأعمال المقربين من الدولة.

اندلعت الشرارة في بلدة درعا الجنوبية في مارس 2011، بعد اعتقال وتعذيب تلاميذ كتبوا شعارات مناهضة للنظام. خرجت مظاهرات تطالب بإطلاق سراحهم وإقالة المحافظ، وقوبلت بالرصاص الحي. ومع انتشار الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، امتدت الاحتجاجات إلى بلدات صغيرة أخرى. عندما خاطب الأسد البرلمان في 30 مارس، اكتفى بتكرار خطاب المؤامرة ووعود بالإصلاح دون تقديم أي تنازلات حقيقية. لكن الرد الأمني تصاعد بالعنف، باستخدام الميليشيات المسلحة (الشبيحة) والتعذيب والقتل، مما دفع المحتجين العزل تدريجياً نحو الخيار بين الاستسلام أو حمل السلاح.

بحلول شهر رمضان (أغسطس 2011)، تحولت الانتفاضة إلى حرب أهلية. أظهرت المجزرة في الحولة (مايو 2011) الوجه الدموي للنظام. وبدأ مسلحون بالظهور في صفوف المعارضة، بدءاً من المنشقين عن الجيش وصولاً إلى متطوعين إسلاميين، وفي يناير 2012، انضم إليهم فرع من تنظيم القاعدة في العراق. وخاضت المعارضة، غير المتجانسة بين نخب مدنية وإخوان مسلمين وميليشيات محلية، الحرب بدافعين رئيسيين: أولاً، النموذج الليبي الذي أطاح بالقذافي بفضل التدخل الجوي لحلف الناتو، مما غذى آمالاً بتدخل غربي مماثل في سوريا؛ وثانياً، الاقتناع بأنه لا عودة إلى الوراء، وأن الخيارات محصورة بين النصر أو الموت أو المنفى. تشكل المجلس الوطني السوري في أغسطس 2011، وأعلن الجيش السوري الحر تحالفه معه.

لعبت تركيا دوراً محورياً، حيث تحولت من حليف للنظام إلى ملاذ للمعارضة بعد هجوم الجيش السوري على جسر الشغور في يونيو 2011. كما برزت الطائفية كعنصر فاعل. سيطرت الجماعات الإسلامية على السلاح، مما عزز رواية النظام بأنه يحارب "الإرهاب". يبرز مثال زهران علوش، قائد "جيش الإسلام" الذي أطلقه الأسد من السجن عام 2011، والذي دعا في خطاب عام 2013 إلى تطهير سوريا من العلويين والشيعة، ملهماً بذلك خطاباً طائفياً أضر بالمعارضة وزاد من تمسك الأقليات بالنظام.

استخدمت الحكومة تكتيكات الأرض المحروقة، كحصار أحياء مثل بابا عمرو في حمص (2011-2012) وشرق حلب (2016)، باستخدام البراميل المتفجرة. وفي أغسطس 2013، شكل استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة أزمة دولية. تراجع الرئيس أوباما عن "الخط الأحمر" الذي وضعه، ووافق على مبادرة روسية لنزع السلاح الكيماوي، مما أشعر المعارضة بالخيانة. أدى الدعم الروسي والإيراني إلى تماسك النظام، بينما ظلت المعارضة منقسمة بين موالين لتركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة.

برز تنظيمان راديكاليان: جبهة النصرة (ذراع القاعدة في سوريا) وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذي أعلن "خلافته" في يونيو 2014 من الرقة. استغل داعش ضعف الدولة العراقية واستياء السنة، وسيطر على معظم حقول النفط السورية، وشكل دعاية هائلة للنظام. في شمال البلاد، سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الكردي على مناطق واسعة، مؤسساً إدارة ذاتية (روجآفا)، وتحالف مع الولايات المتحدة التي أرسلت قوات في أكتوبر 2015. كانت تركيا ترى في أي كيان كردي تهديداً، بينما اتبعت أنقرة سياسة مزدوجة سمحت بتدفق المقاتلين إلى داعش لفترة.

بحلول ربيع 2015، بدا النظام منهكاً بعد خسارة تدمر ومحافظة إدلب. لكن التدخل العسكري الروسي المباشر في سبتمبر 2015 قلب الموازين. استعاد النظام حلب الشرقية في ديسمبر 2016، وبحلول عام 2017، بات بقاء الأسد شبه مؤكد. تفكك التحالف الدولي المناهض للأسد مع خلافات تركية أمريكية وحصار قطر. بحلول ربيع 2018، كانت سوريا مجزأة: منطقة حكومية تضم 80% من السكان؛ منطقة كردية (روجآفا) مدعومة أمريكياً؛ مناطق معارضة في إدلب والجنوب تدعمها تركيا؛ وجيوب لداعش متآكلة. نزح نحو نصف السكان، ولن يعود معظمهم.

يخلص المؤلف في ختام الفصل إلى أن سوريا الحديثة كانت دوماً كياناً هشاً. صممها الانتداب الفرنسي لتفشل باستغلال الانقسامات الداخلية، واعتمدت دولة حافظ الأسد على التلاعب بالهويات وإثارة الخوف كأداة للحكم. يرى أن الغزو الأمريكي الطائش للعراق عام 2003 حطم الترتيبات السياسية الهشة وأطلق العنان للصراع الطائفي. سوريا، باعتبارها قلب المشروع القومي العربي، تعاني من موت هذا المشروع سياسياً منذ هزيمة 1967، مما أفسح المجال أمام الهويات المحلية والدينية. خيارات الشعب السوري ضيقة، فالتاريخ لا يُهرب منه بسهولة.

ملاحظة شخصية: يقدم الفصل سرداً متقناً لتحول الانتفاضة الشعبية إلى حرب أهلية مدمرة، مبرزاً العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في ذلك. يركز المؤلف على مسؤولية النظام في إغلاق باب الإصلاح واستخدام العنف المفرط، لكنه لا يخفي مسؤولية المعارضة المسلحة وتطرفها، والتدخلات الإقليمية والدولية التي غذت الصراع لأغراضها الخاصة. النتيجة صورة قاتمة لوطن محطم، ربما يكون قد فقد فرصته في البناء على أسس سليمة.

10.سوريا مقسمة: أمة هشة، أرض محطمة0–370