المورد
History of Syria Including Lebanon and Palestine

History of Syria Including Lebanon and Palestine

Philip Khuri Hitti١ كانون الثاني ١٩٥١enGorgias Press

يُشكّل كتاب "تاريخ سوريا بما في ذلك لبنان وفلسطين" لـفيليب خوري حتي عملاً موسوعياً يسرد تاريخ منطقة الشام منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى الحكم الفارسي، مروراً بالعصور الحجرية والمعدنية، ثم الهجرات السامية الكبرى، وسيطرة الإمبراطوريات المصرية والحيثية والآشورية والبابلية. الموضوع المحوري للكتاب هو تفسير كيف أن موقع سوريا الجغرافي الفريد، بوصفها جسراً بين ثلاث قارات وممراً للقوى العظمى القديمة، جعلها مسرحاً للصراعات والهجرات والتبادل الثقافي، لكنه في الوقت نفسه حال دون قيام دولة وطنية موحّدة ومستقرة. يدافع المؤلف عن فكرة أن المنطقة، رغم تقلباتها السياسية، كانت مهداً للحضارة الإنسانية، وموطناً لأهم الابتكارات التي غيّرت مجرى التاريخ، كالزراعة، واستئناس الحيوانات، والكتابة، والأبجدية، والتوحيد.

يسير حتي في بنية الكتاب بطريقة كرونولوجية تبدأ بأقدم مراحل الاستيطان البشري، حيث يستخدم الأدلة الأثرية لتتبع تطور الإنسان وثقافته المادية. ينطلق من العصر الحجري القديم الذي بدأ منذ حوالي 150,000 عام، مروراً باكتشافات هيكلية مهمة في كهوف جبل الكرمل تظهر سلسلة متصلة من إنسان النياندرتال إلى الإنسان الحديث. يصف كيف أن إنسان الثقافة النطوفية في العصر الحجري الوسيط (حوالي 10,000 ق.م) كان أول من بدأ في تدجين الحيوانات والزراعة، محوّلاً الإنسان من صياد رحّل إلى مزارع مستقر في قرى كـأريحا (حوالي 5000 ق.م). تتبع الكتاب خطوات هذا التطور عبر العصر النحاسي الحجري، حيث اكتشف الإنسان النحاس حوالي 4000 ق.م، ثم العصر البرونزي الذي تزامن مع اختراع الأبجدية حوالي 3000 ق.م، ليصل إلى العصر الحديدي الذي نقله الفلسطينيون إلى المنطقة.

بعد تثبيت الأساس المادي للحضارة، ينتقل الكتاب إلى تحليل العنصر البشري عبر نظرية الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية. يقسم تاريخ سوريا إلى خمس مراحل: عصر ما قبل التدوين، العصر السامي (من العموريين حوالي 2500 ق.م إلى 538 ق.م)، العصر اليوناني-الروماني (من 333 ق.م إلى 640 م)، العصر العربي الإسلامي (حتى 1516 م)، وأخيراً العصر العثماني. يصف الموجات السامية المتعاقبة: العموريين (أول شعب سامي كبير) الذين أسسوا سلالات في ماري وبابل مع الملك حمورابي (حوالي 1700 ق.م)، والكنعانيين (الفينيقيين) الذين تمركزوا على الساحل في مدن مثل صور وصيدا وجبيل وانطلقوا في التجارة البحرية، والآراميين الذين جعلوا دمشق عاصمة لهم وسيطروا على التجارة الداخلية قبل أن يدمرها الآشوريون عام 732 ق.م، وأخيراً العبرانيين الذين أسسوا مملكة موحدة في فلسطين تحت حكم داود وسليمان.

ثم ينتقل الكتاب إلى تحليل العلاقات الدولية لسوريا، مركزاً على التفاعل مع مصر التي كانت المستورد الأول لخشب الأرز اللبناني، واصفاً الحملات العسكرية للفرعون تحوتمس الثالث الذي انتصر في معركة مجدو (عام 1479 ق.م) ووسع النفوذ المصري حتى نهر الفرات. لكن يقر المؤلف بأن التأثير المصري على سوريا كان أقل عمقاً من التأثير العراقي (بلاد ما بين النهرين)، حيث بقيت الكتابة المسمارية والقصص الدينية كقصة الخلق والطوفان جزءاً من التراث المحلي. يخصص فصلاً للحيثيين الذين انتزعوا شمال سوريا من مصر بعد معركة قادش (حوالي 1287 ق.م)، وانتهى الصراع بأقدم معاهدة سلام في التاريخ (حوالي 1272 ق.م) قسمت سوريا إلى منطقتي نفوذ.

في مجال الإنجازات الحضارية، يبرز الكتاب ثلاث هبات رئيسية قدمتها سوريا للعالم: الأبجدية الفينيقية التي استعارها الإغريق بين عامي 850 و750 ق.م ونقلوها إلى أوروبا، والتوحيد الأخلاقي الذي بلوره أنبياء بني إسرائيل مثل عاموس (حوالي 730 ق.م) وإشعياء وإرميا، وأخيراً اكتشاف المحيط الأطلسي عبر الإبحار حول أفريقيا بأمر من الفرعون نخو الثاني (بين 609 و593 ق.م). يصف الفينيقيين بأنهم "أول أمة برمائية" أسست مستعمرات في قبرص وصقلية وسردينيا وشمال أفريقيا وإسبانيا، وأشهرها قرطاجنة (حوالي 850 ق.م) التي أصبحت إمبراطورية قبل أن يدمرها الرومان عام 146 ق.م.

يعترف المؤلف بحدود واضحة في عمله. يقر بصعوبة التمييز بين الأدوات الحجرية المصنوعة يدوياً وتلك الطبيعية، وبأن أصول اللغة والزراعة وتدجين الحيوانات تبقى أسئلة مفتوحة. كما يشير إلى أن معظم المصادر عن الفينيقيين مأخوذة من كتاب يونانيين ورومانيين (كـهيرودوت وبليني) وليس من نصوص فينيقية مباشرة، مما يثير تساؤلات موضوعية. يتحفظ أيضاً حول تحديد تاريخ دقيق لدخول الكنعانيين إلى الأرض، مكتفياً بالقول إن وجودهم سبق عام 3000 ق.م. ويدحض نظريات التغير المناخي في تدهور الإنتاجية الزراعية، عازياً السبب إلى العوامل البشرية كإزالة الغابات وإهمال الري.

تظهر في الكتاب حجج قابلة للنقاش. الادعاء بأن سوريا وفلسطين كانتا المهد الأول للزراعة قبل أي منطقة أخرى يظل مثار جدل، رغم قوة الأدلة الأثرية. رفض المؤلف لفكرة أن الفينيقيين اخترعوا الزجاج ونسبتها للمصريين يمكن مناقشتها في ضوء التنقيبات الحديثة. كما أن وصف الأبجدية الفينيقية بـ"أعظم اختراع صنعه الإنسان على الإطلاق" يقلل من شأن اختراعات أخرى كالعجلة أو الزراعة نفسها. لكن يظل الكتاب مرجعاً أساسياً لفهم كيف أن هذه المنطقة الصغيرة، رغم غياب وحدتها السياسية، كانت بوتقة انصهرت فيها الحضارات وانتشرت منها أعظم الأفكار التي شكلت عالمنا اليوم.

الفصول(20)

2.الخلفية الثقافية: أدوات العصر الحجري33–48▼ ملخص

يُؤسّس هذا الفصلُ أساساً لفهم تاريخ سوريا وبلاد الشام من خلال العودة إلى أقدم مراحله، تلك التي تسبق العصور التاريخية المدوّنة. الموضوع المحوري للفصل هو الحياة المادية والثقافية لإنسان ما قبل التاريخ في هذه المنطقة، وخاصةً ما تركته تلك الجماعات من أدوات حجرية كدليل ملموس على وجودها وتطورها. يُجيب المؤلّف فيليب حتي عن سؤال جوهري: كيف نعرف شيئاً عن البشر الذين عاشوا في سوريا وفلسطين قبل اختراع الكتابة بآلاف السنين؟ الجواب هو: من خلال دراسة الآثار التي خلّفوها، وأهمّها الأدوات الحجريّة، والتي تكشف عن مسيرة طويلة من التطور الثقافي والتقني.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر العصور الحجرية المتعاقبة، مستخدماً الأدوات الحجرية كخيط هادٍ عبر الزمن. يبدأ الفصل بمقارنة فترة ما قبل التاريخ بـ"جبل الجليد"، حيث الجزء المرئي (التاريخ المدوّن) لا يمثل إلا جزءاً صغيراً من الكتلة الهائلة. يؤكد المؤلّف أن الحفريات الأثرية في العقود الأخيرة، التي شملت كهوف لبنان، وتلال فلسطين، ومدن شرق الأردن المدفونة بالرمال، أثبتت أن هذه المنطقة كانت أكثر تقدماً في العصور المبكرة مما كان يُعتقد سابقاً. يصف الفصل أقدم الأدوات الحجرية التي تعود إلى أواخر العصر الحجري القديم المبكر (منذ حوالي 150,000 عام)، والتي كانت عبارة عن فؤوس يدوية خشنة مصنوعة من الصوّان.

ثم ينتقل الفصل إلى العصر الحجري القديم الأوسط، ويصف البشر الذين صنعوا هذه الأدوات، والذين يُفترض أنهم كانوا من نوع بشري بدائي أبيض غير متخصص. عاش هؤلاء في الكهوف، كما دلت على ذلك الحفريات في كهوف مثل مغارة العدلين، وجبل الكرمل، وأم قطفة، والزطية. يذكر الفصل أن المناخ كان مطيراً في نهاية العصر الحجري القديم المبكر، مما ساعد على ازدهار حيوانات ضخمة منقرضة الآن كوحيد القرن والفرس النهري. يتناول الفصل بعد ذلك الاكتشافات الهامّة لهياكل عظمية بشرية في كهفَي جبل الكرمل، والتي تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط (منذ 100,000 عام على الأقل). هذه الهياكل، التي تنتمي إلى الثقافة الموستيرية، تُمثّل سلسلة كاملة تتراوح من إنسان النياندرتال القصير القوي البنية إلى أشكال أقرب إلى الإنسان الحديث، مما يجعل هذه المنطقة مسرحاً لنشوء كائن وسيط بين الإنسان البدائي والحديث.

في العصر الحجري القديم المتأخر، يُشير الفصل إلى ازدياد الجفاف المناخي، مع ظهور أدوات حجرية أصغر حجماً (ميكروليثية)، مما يوحي بأن الإنسان بدأ يُركّب أدواته في مقابض خشبية أو عظمية. من أهم إنجازات هذا العصر اكتشاف النار، وهو حدث ثوري، حيث يُرجّح أن إنسان العصر الحجري القديم المبكر تعرف عليها من مصادر طبيعية كالبرق، قبل أن يتعلّم إشعالها بنفسه. كما يناقش الفصل تطور اللغة كوسيلة تواصل أساسية ساعدت على دمج الأفراد في جماعات، على الرغم من عدم وجود أدلة أثرية مباشرة عليها قبل اختراع الكتابة.

يصف الفصل بعد ذلك العصر الحجري الوسيط (الميزوليتي) الذي دام حوالي 4,000 عام وبدأ حوالي 10,000 قبل الميلاد. في هذا العصر، يظهر إنسان الثقافة النطوفية (نسبة إلى وادي الناطف قرب القدس)، الذي كان أقصر قامة وأكثر استدارة في الرأس من أسلافه. يتميّز النطوفيون بأدواتهم العظمية المنحوتة ورؤوس سهامهم المسننة. لكن أهم إنجازين في هذا العصر هما تدجين الحيوانات والزراعة. يُقدّم الفصل أول دليل على تدجين الحيوانات وهو اكتشاف جمجمة شبه كاملة لكلب كبير في كهف في الكرمل. أما الزراعة، فقد كانت سوريا موطناً للحنطة البرية والشعير، واستخدم النطوفيون مناجل صوّانية لحصادها. ويُشير المؤلّف إلى أن الزراعة أحدثت ثورة كبرى، حيث حوّلت الإنسان من صياد وجامع ثمار إلى منتج للغذاء، مما أدى إلى الاستقرار في البيتوت الطينية وبناء القرى، كتلك التي وُجدت في أريحا (حوالي 5000 قبل الميلاد). هذا الاستقرار سهّل تراكم الخبرات ونقلها، وبالتالي تطوّر الثقافة واللغة.

في ختام الفصل، يُغطي العصر الحجري الحديث (النيلوليتي) الذي استمر حوالي ألفي عام وبدأ حوالي 6000 قبل الميلاد، والذي شهد ابتكار الفخار واكتشاف المعادن. كان الفخار اختراعاً هائلاً، إذ أتاح للإنسان طهو الطعام بشكل أفضل وتخزينه لفترات أطول، مما أتاح له وقت فراغ لتطوير جوانب أرقى من الحياة. يذكر الفصل أن أقدم فخار في سوريا جاء من منطقتها العراقية (الجزيرة)، ويعود تاريخه إلى حوالي 5000 قبل الميلاد. ويُشير إلى ثقافة تل حلف (على نهر الخابور) في شمال سوريا وبلاد الرافدين، والتي بلغت ذروة الفن الزخرفي في صناعة الفخار الملوّن، حيث صُنعت أطباق وآنية فخارية لم يُتفوّق جمالها لاحقاً. يؤكد المؤلّف أن التيار الرئيسي للحضارة في غرب آسيا كان يتدفق آنذاك عبر شمال سوريا وبلاد الرافدين.

أخيراً، يُقرّ المؤلّف بوجود حدود واضحة في هذا البحث، ويُشير إلى صعوبة التمييز بين الآثار الحجرية المصنوعة يدوياً وتلك التي نتجت عن عوامل طبيعية، كما يُقرّ بأن أصول اللغة وأصول اختراع الزراعة وتدجين الحيوانات تبقى أسئلة مفتوحة لا يمكن الجزم فيها، ويُشير إلى دور الصدفة والعبقرية الفردية المجهولة في أحداث هذه الثورات. حجة قابلة للنقاش تبرز من النص هي الادعاء بأن سوريا وفلسطين كانتا مهداً للزراعة وتدجين الحيوانات قبل أي منطقة أخرى، وأن الهجرات السامية المبكرة حملت معها القمح والكرمة إلى مصر. هذا التأكيد على الأسبقية الحضارية لهذه المنطقة يُعتبر موضوعاً مركزياً في الفصل، حتى مع الاعتراف بصعوبة إثباته بأدلة قطعية.

3.أدوات العصر المعدني49–55▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بعرض المرحلة التالية في تطور البشرية بعد العصر الحجري الحديث، وهي مرحلة المعادن، حيث حل المعدن محل الحجر كمادة أساسية لصنع الأدوات. يرى فيليب حتي أن اكتشاف المعدن ربما حدث في غرب آسيا بعد فترة قصيرة من اختراع الفخار، لكن الاستخدام الواسع لأول معدن مهم، وهو النحاس، تأخر حوالي ألف عام. في منطقة سوريا-فلسطين، بدأ النحاس يُستخدم على نطاق محدود حوالي عام 4000 ق.م.، لكنه لم يحل محل الحجر كلياً إلا بعد 3000 ق.م.، ولهذا يُطلق على الألفية الرابعة اسم العصر النحاسي الحجري، حيث كان النحاس يُستخدم فقط من قبل المجتمعات الأكثر تقدماً، بينما ظل الصوان المادة الرئيسية.

يتتبع الفصل خطوات التطور هذه عبر المواقع الأثرية، مشيراً إلى أن آثار العصر النحاسي الحجري توجد بكثرة في أوغاريت ومواقع أخرى في شمال سوريا، وفي تليلات الغسول (حيث عُثر على أقدم الأدوات النحاسية في فلسطين) ومواقع فلسطينية أخرى. ويوضح أن العصر النحاسي (أو ما يُسمى خطأً العصر البرونزي) يبدأ حوالي 3000 ق.م.، ويكتمل تفوق النحاس باكتشاف مناجمه في أدوم، جنوب وشرق البحر الميت، حوالي 2000 ق.م. ويؤكد المؤلف أن شمال سوريا ظل المركز الثقافي الرئيسي للشرق الأدنى بأكمله في هذين العصرين، النحاسي الحجري والنيوليتي، ويصف كيف ربما اكتشف إنسان العصر الحجري الحديث النحاس عن طريق الصدفة عندما أشعل نار مخيمه بقطع من الخام، فوجد في الصباح حبيبات معدنية لامعة بين الرماد، دون أن يدرك أنه يخطو خطوة ثورية سترفع مستوى الثقافة البشرية بأكملها.

يتناول الفصل بعد ذلك تأثيرات هذا الاكتشاف، موضحاً أن البرونز الذي هو خليطة أصلب من النحاس تبعه، ثم تلاه الحديد. ومن الجدير بالذكر أن بداية العصر البرونزي تزامنت مع اختراع الأبجدية، مما أنهى عصور سوريا غير القارئة وبدأ عصر الثقافة المدونة. ومن سوريا، انتشرت معرفة النحاس في كل اتجاه، حيث يُرجح أن مصر قبل الأسرات تلقتها من هذا المصدر، وكذلك منطقة نينوى من جارتها الغربية.

ينتقل الفصل للحديث عن الحياة اليومية في تلك الفترة، فيشرح كيف استُخدم المعدن في صنع أسلحة الحرب قبل أدوات السلم، مما أعطى ميزة كبيرة للجماعات التي امتلكته. ويصف التطور في فن البناء، مع ظهور مبانٍ كبيرة مستطيلة الشكل ذات ساحات، بينما كانت الأضرحة دائرية. في تليلات الغسول، كانت الجدران من الطوب اللبن على أساسات حجرية غير مشذبة، والأسقف من القصب المغطى بالطين. ومن العادات المثيرة للاهتمام دفن الأطفال في جرار تحت الأرض، وحرق بعض الموتى، وهي ممارسات غير سامية بوضوح، وُجدت أيضاً في جازر وأوغاريت وكركميش. في جازر، وُضعت أوانٍ مليئة بالطعام والشراب مع الجثث المحروقة، مما يدل على اهتمام متزايد بالحياة بعد الموت، وكشف كومة من عظام الخنازير تحت مذبح المعبد أن الخنزير المستأنس كان حيوان الأضحية المفضل، مما جعله مكروهاً لدى أعدائهم الساميين الذين جاؤوا بعدهم.

يواصل الفصل وصف الإنجازات الزراعية، مبيناً أن العنب والزيتون كانا من النباتات الأصلية في حوض البحر المتوسط، وقد استُزرعا ودُجنا أولاً في شرقه، ثم انتشرا غرباً عبر التجارة والاستعمار. وتبقى الحبوب (القمح والشعير) والفواكه (التين والعنب والزيتون) المواد الأساسية في النظام الغذائي السوري حتى اليوم. ويُسلط الضوء على أن الإنجاز الزراعي الأبرز في العصر النحاسي الحجري هو ثقافة الري، التي اعتمدت عليها جميع المستوطنات في السهول ووديان الأنهار، مما سمح بزراعة الخضروات مثل الخس والبصل والثوم والحمص والفول والبهارات. وقد أدى هذا التنوع والوفرة الغذائية إلى ارتفاع ملحوظ في متوسط طول الإنسان في أواخر هذه الفترة.

يتناول الفصل أخيراً قضية التركيب العرقي للسكان، معترفاً بأنه غير واضح، لكنه يؤكد أن العنصر السائد لم يكن سامياً، فالساميون (الذين سنرى قدومهم لاحقاً ليحتلوا شمال وجنوب سوريا) جاءوا نحو نهاية العصر النحاسي الحجري. يُفترض أن بعض السكان ينتمون إلى السلالة التي تفرع منها لاحقاً الساميون والحاميون، بينما ينتمي آخرون بوضوح إلى عائلة الأرمنويد (الفرع الشرقي من العرق الألبي)، الذي يتميز بالأنف البارز والجمجمة القصيرة العريضة. ويدعم هذا الانتشار العديد من أسماء الأماكن في وسط وشمال سوريا، مثل دمشق وتدمر، التي لا تفسير سامياً مؤكداً لها. وقد عززت حركات لاحقة، مثل الحيثيين، هذا النوع، الذي لا تزال ملامحه المميزة واضحة حتى اليوم في سوريا.

ينتقل الفصل بعدها إلى مناقشة الأساطير حول "طوائف الجبابرة" التي نشأت عند رؤية المقابر والنصب الحجرية الضخمة (الدولمينات) المنتشرة في شرق الأردن وفلسطين وسوريا، مؤكداً أنه لا يمكن إثبات وجود عرق من العمالقة، وأن هذه القصص هي مجرد أساطير من صنع الوافدين الجدد لتفسير هذه الآثار.

يختتم الفصل بمناقشة التطورات الجمالية والتجارية، حيث أدى إدخال المعدن إلى تقدم كبير في الفنون، خاصة النحت، مع وجود تماثيل بشرية وحيوانية ولوحات جدارية ملونة في تليلات الغسول ومجيدو. لكن الزخرفة الخزفية بقيت المجال الأفضل للفنان، ووصلت تقنية طلاء الطلاء الزجاجي إلى كريت ومصر في أواخر الألفية الرابعة ق.م. من شمال سوريا، كما وُجدت تماثيل لآلهة الخصوبة مصبوبة من النحاس في تل الجديدة بشمال سوريا، وهي أقدم تمثيل معروف للجسد البشري في المعدن.

ويخلص الفصل إلى أن تطور علم المعادن والفخار أدى إلى ظهور حرف مختلفة، وزيادة العلاقات التجارية بين القرى والمدن، وتخصص أكبر في العمل، وازدهار المدن الكبيرة في السهول والوديان. اتخذت التجارة أبعاداً دولية، وتوسعت الاتصالات التجارية والثقافية بين سوريا وفلسطين ولبنان من جهة، ومصر وبابل من جهة أخرى، مما أسرع وتيرة الحياة في الشرق الأدنى بأكمله، على غرار اكتشاف البخار والكهرباء في العصر الحديث. ويختتم الفصل بالتأكيد على أن الاختراع العظيم الوحيد المتبقي قبل دخول عصر التاريخ المدون هو الكتابة، التي ظهرت أقدم وثائقها المكتوبة في سومر حوالي 3500 ق.م.، ومن هناك انتشرت إلى شمال سوريا وتقدمت في الألفية الثالثة المبكرة، ليبدأ معها التاريخ الحقيقي.

4.إعداد المسرح56–70▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي، المعنون "إعداد المسرح"، دراسةً جيولوجيةً وجغرافيةً شاملةً لسوريا الطبيعية الكبرى، التي تشمل لبنان وفلسطين، بهدف وضع الأساس لفهم تاريخ المنطقة. يقدم المؤلف فيليب خوري حتي تحليلاً تفصيلياً للتضاريس السورية، مؤكداً أن السمة المسيطرة هي تناوب الأراضي المنخفضة والمرتفعة في شرائح طولية تمتد من الشمال إلى الجنوب، وهو ما يفسر إلى حد كبير العزلة النسبية للمناطق المختلفة، وتكوين ملاجئ طبيعية للجماعات، وأهمية الممرات التي تخترق هذه الحواجز على مر العصور.

يبدأ الفصل بتحديد الشريط الأول: السهل الساحلي الذي يمتد من شبه جزيرة سيناء إلى خليج الإسكندرونة (خليج إسكندرون). يصف الفصل كيف يضيق هذا السهل عند أقدام جبال لبنان ليصبح شريطاً لا يتجاوز عرضه أربعة أميال، بينما يتسع في الجنوب ليصل إلى عشرين ميلاً في منطقة عسقلان. يوضح النص أن هذا السهل خصب للغاية، إذ نشأ من رفع قاع البحر القديم في العصر الثالث، وهو يشمل سهول شارون وفلسطين القديمة في الجنوب، وساحل العلويين في الشمال، وساحل لبنان في الوسط. من اللافت أن الخط الساحلي يستقيم بشكل ملحوظ، ويفتقر إلى الموانئ الطبيعية الجيدة على طول 440 ميلاً تقريباً من الحدود المصرية، باستثناء خليج الإسكندرونة في أقصى الشمال.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الشريط الثاني: الجبال والهضاب الغربية، التي تشكل العمود الفقري للمنطقة، ويسمى لبنان الغربي أو لبنان بامتياز. يبدأ هذا الشريط بجبال الأمانوس في الشمال التي ترتفع إلى 5000 قدم، ويفصلها عن سوريا ممر بياس الشهير (الأبواب السورية). يليه جبل الأقرع الذي يبلغ ارتفاعه 4500 قدم، ثم سلسلة جبال النصيرية (برجيلوس) المكونة من الحجر الجيري والبازلت، والتي انتهت عند نهر الكبير الشمالي (إليوثيروس). أما أهم جزء في هذه السلسلة فهو كتلة لبنان التي تمتد 105 أميال من نهر الكبير إلى نهر القاسمية، وتضم أعلى القمم مثل القرنة السوداء (11,024 قدماً)، وضهر القضيب الذي يحضن بقيّة أرز لبنان الشهيرة، وجبل صنين المهيب. يناقش الفصل بالتفصيل التركيب الجيولوجي للبنان، المكون من صخور كلسية علوية وسفلية مع طبقة رملية وسيطة، ويشرح كيف أن هذه الطبقات المائلة والمكسرة بالصدوع أنشأت تضاريس وعرة من التلال والمنحدرات والأودية، مما جعل الاتصال صعباً بين أجزاء البلاد، لكنه في الوقت نفسه وفر ملاذات آمنة للجماعات الدينية والعرقية مثل الموارنة والدروز والشيعة (المتاولة) والأرمن والآشوريين عبر التاريخ. يصف الفصل أيضاً كيف أن استمرار هذه السلسلة جنوباً يشكل جبال الجليل الأعلى والأسفل في فلسطين، وهضاب السامرة واليهودية، وصولاً إلى صحراء النقب القاحلة جنوباً. يُشير النص إلى جبل الكرمل الذي يرتفع 1742 قدماً فوق سطح البحر، والذي عُثر في كهوفه على هياكل عظمية لأقدم إنسان في الشرق الأدنى.

ثم يصف الفصل الشريط الثالث، وهو المنخفض المركزي الفريد الذي يشغل موقعاً وسطياً في سوريا. يبدأ هذا الشريط من سهل العمق في الشمال عند منعطف نهر العاصي، ويمر بسهل البقاع بين لبنان وسلسلة جبال لبنان الشرقية، ثم يستمر جنوباً عبر وادي الأردن إلى البحر الميت، ومن ثم عبر وادي عربة إلى خليج العقبة في البحر الأحمر. يصف الفصل هذا المنخفض بأنه واحد من أكثر المعالم الأرضية غرابة، حيث ينخفض منسوب الأرض في بحيرة طبريا إلى 685 قدماً تحت سطح البحر، ويصل في البحر الميت إلى 1292 قدماً تحت سطح البحر، واصفاً إياه بـ"قبو العالم". يناقش الفصل تدفق نهر العاصي شمالاً ونهر الليطاني جنوباً من مستنقعات مستجمعات المياه بالقرب من بعلبك، ويذكر أن العاصي هو أكبر نهر سوري. يتطرق الفصل أيضاً إلى النشاط الزلزالي في المنطقة، الذي يتجلى في الصدوع الكبرى والبراكين الخامدة في شرق حرمون وجنوب دمشق، ويربط بين الزلازل والينابيع الحارة، وبين أحداث تاريخية مثل انهيار أسوار أريحا وتدمير سدوم وعمورة. يشير المؤلف إلى أن تاريخ سوريا مليء بالزلازل المدمرة، منها زلزال 1822 الذي دمر حلب وآخر في 1837 الذي دمر صفد.

الشريط الرابع هو السلاسل الشرقية، والتي توازي جبال لبنان في الطول والارتفاع تقريباً. يبدأ هذا الشريط من جنوب مدينة حمص ويشمل سلسلة لبنان الشرقية (مقابل لبنان الغربي)، ثم يهبط من جبل الشيخ (حرمون) بارتفاع 9383 قدماً، وهو أحد أروع قمم سوريا، إلى هضبة حوران الواسعة. يصف الفصل حوران بأنها هضبة بركانية ذات تربة غنية داكنة، كانت مخزناً للحبوب في العصور الرومانية والبيزنطية، وما زالت تزود فلسطين ولبنان بالقمح. يذكر أن حوران تمتد غرباً لتشمل الجولان، وتحيط بها من الشرق اللجاة ومن الشمال الشرقي جبل حوران أو جبل الدروز. يمتد الشريط الشرقي بعد ذلك جنوباً عبر عجلون وجلعاد وهضبة موآب ليصل إلى جبل سعير جنوب البحر الميت. الشريط الخامس والأخير هو الصحراء السورية (بادية الشام)، التي تمثل منطقة انتقالية بين الأراضي المزروعة والبادية الكبرى. يصف الفصل هذه الصحراء بأنها امتداد للصحراء العربية الكبرى، وتفصل سوريا عن العراق. يذكر أن البدو هم سكان هذه الصحراء، وهم يمارسون التجارة ويعملون كوسطاء وأدلاء، ويشكلون مخزوناً حيوياً متجدداً لسكان المدن. يختتم الفصل بفكرة الصراع الأبدي بين "المزرعة" و"البادية"، الذي يشبه حركة المد والجزر في البحر، وهو صراع له نظيره في الصراع بين البدو الرحّل والمزارعين المستقرين.

5.البيئة الطبيعية71–80▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على وصف البيئة الطبيعية لسورية التاريخية (بما في ذلك لبنان وفلسطين)، مقدماً إياها كمسرحٍ للأحداث التاريخية التي سيجري تناولها في الكتاب. يُحدد فيليب حتي المناخ كعامل رئيسي يُشكّل الحياة في المنطقة، حيث يسود تناوب واضح بين موسم ممطر يمتد من منتصف نوفمبر/تشرين الثاني حتى نهاية مارس/آذار، وموسم جاف يغطي بقية العام. يُعزي المؤلف هذا النمط المناخي إلى موقع المنطقة على هامش منطقتين مختلفتين في هطول الأمطار: الرياح التجارية الجافة القادمة من صحراء أفريقيا جنوباً، والرياح الغربية الحاملة للرطوبة من المحيط الأطلسي شمالاً. ويشرح أن الرياح الغربية هي السائدة في الشتاء، بينما في الصيف يتحرك حزام الحرارة شمالاً، فتقترب المنطقة من الظروف القاحلة الصحراوية. يوضح حتي أن العوامل الحاسمة في تحديد المناخ هي القرب من البحر، وتضاريس الأرض، والارتفاع، والبعد عن الصحراء، وتداخل التأثيرات المتوسطية والصحراوية.

يسير الفصل خطوة بخطوة في تحليل هذه العوامل، مستخدماً بيانات رقمية كأدلة. فعلى الساحل الغربي لمرتفعات سورية، حيث تصطدم الرياح المحملة بالرطوبة بجبال لبنان والهضبة الوسطى الفلسطينية، يكون أعلى معدل لهطول الأمطار. يذكر أن متوسط هطول الأمطار السنوي في بيروت للأعوام الـ41 المنتهية في يوليو/تموز 1926 كان 35.9 بوصة، بينما كان 23 بوصة على الساحل الفلسطيني. وعلى ارتفاع 4000 قدم فوق بيروت في الشوير، بلغ المتوسط للأعوام الـ25 المنتهية في 1926 حوالي 59.7 بوصة، بينما كان 25.6 بوصة في القدس. وبشكل حاد، ينخفض المعدل في وادي الأردن إلى 5.5 بوصة فقط، وفي دمشق الواقعة خلف حاجز لبنان المزدوج إلى 10 بوصات فقط. يُظهر هذا التدرج في هطول الأمطار من الغرب إلى الشرق ويؤكد على أن الساحل اللبناني الفلسطيني يحصل على أكثر من ضعف كمية الأمطار التي تحصل عليها سواحل جنوب كاليفورنيا. يضرب مثالاً على الحرارة المرتفعة، مشيراً إلى أن الحرارة قد تصل إلى 100° فهرنهايت في الظل في فلسطين، وقد تبلغ 130° في وادي الأردن، كما يصف رياح السموم الشرقية والجنوبية الشرقية الحارة والجافة التي تهب في الربيع والخريف وتجعل التنفس صعباً. يلمح إلى أن مثل هذه الرياح ربما تم استغلالها في معركة اليرموك الحاسمة عام 636م.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة التعرية المائية والتربة. يُشير حتي إلى أن الكثير من مياه الأمطار تضيع بتسربها عبر صخور الحجر الجيري الكلسية الواسعة الانتشار في لبنان وفلسطين، مما يقيد توفر المياه ويحد من الاستيطان البشري خاصة في جبال لبنان الشرقية (الجرود). يصف كيف أن جريان المياه المنحدرة من المرتفعات، بعمليات التعرية والتجريف، قد أدى عبر العصور إلى جعل مساحات من الأرض التي كانت خصبة في الماضي قاحلة. وهنا يناقش المؤلف نظرية التغير المناخي والجفاف التي افترضها بعض العلماء. يرفض حتي هذه الفرضية جازماً، مستنداً إلى أدلة قوية: التطابق العملي للمحاصيل منذ العصور القديمة (باستثناء النباتات التي أدخلها العرب والعالم الجديد لاحقاً)، واستمرار طرق الزراعة نفسها، والحفاظ على نفس المواسم الزراعية للحصاد والحرث. يرى أن الأسباب الحقيقية لتراجع الإنتاجية الزراعية هي عوامل بشرية وطبيعية، مثل تجريف التلال بفعل الرياح والمياه، وجفاف بعض الينابيع، وإزالة الغابات والرعي الجائر الذي يحرم التربة من جذور تثبتها، وإهمال أو تدمير مشاريع الري بسبب الغزوات أو الهجمات البدوية، واستنزاف التربة في بعض المواقع.

يصف الفصل بعد ذلك ثلاثة نطاقات نباتية متباينة تتعايش جنباً إلى جنب. النطاق الأول هو السهل الساحلي والمرتفعات الغربية المنخفضة، وله نباتات البحر المتوسط المعتادة من شجيرات دائمة الخضرة ونباتات ربيعية سريعة التفتح. يذكر أن نباتات الغذاء الرئيسية كالقمح والشعير والدخن قد استؤنست هناك أولاً. يضيف أن فواكه قديمة كالتين والزيتون والتمر والعنب أُثريت لاحقاً بأنواع جديدة كالموز والحمضيات، وأن قصب السكر جاء من الشرق مع الفاتحين العرب. أما النطاق النباتي الثاني، فيمثل قمم جبال لبنان وجبال لبنان الشرقية (الجرود)، حيث تقتل درجات الحرارة المنخفضة في الشتاء النباتات شبه الاستوائية، فلا تبقى إلا أشجار قاسية كالأرز والتنوب والنباتات المخروطية. هنا يخصص المؤلف مساحة مميزة لشجرة الأرز، واصفاً إياها بالأكثر روعة وشهرة بين أشجار لبنان، ومشيداً بصفاتها من قوة ومتانة وجمال، موثقاً ذلك باقتباسات كتابية متعددة. ويأسف لواقعها اليوم حيث لا تشكل مجد لبنان القديم، وتوجد فقط في بقع صغيرة أشهرها فوق بشري حيث لا يزال نحو 400 شجرة تنمو، أطولها حوالي 80 قدماً. يذكر أن شجرة الأرز اتخذت شعاراً لجمهورية لبنان الحديثة. ويشير إلى أن قروناً من استغلال البساتين، وصولاً إلى استخدام العثمانيين للأرز كوقود للقطارات في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، قد جردت الجبال من أفضل أشجارها وسرّعت عملية التعرية. النطاق الثالث يشمل الحوض المتصدع (وادي الأردن) والهضاب الشرقية، حيث الحرارة الشديدة وقلة الأمطار تنتج نظاماً سهبياً تختفي فيه الأشجار تقريباً وتعيش الأعشاب موسمياً. لكنه يستثني هضبتي حوران وشرق الأردن اللتين تستفيدان من واجهتهما لفتحة ريحية واسعة، مما يسمح بتربية المراعي، ويذكر أن حوران كانت مخزن حبوب سورية، ومصدراً محتملاً لتصدير القمح من فلسطين إلى صور وحتى اليونان.

في الثلث الأخير من الفصل، يتناول حيوانات المنطقة، مفصلاً في أصول وتاريخ استئناس كل منها. يبدأ بشجرة الزيتون التي يصفها بأنها تطلب القليل وتعطي الكثير، مشيراً إلى زيتها كمادة غذائية رئيسية للطبقات الدنيا، وكوقود للمصابيح، وكمادة للدهن والعطور والأدوية، وأهميته الدينية في المسيحية. ينتقل إلى الحصان، وهو من أصل أمريكي، وانتقل إلى آسيا الشرقية حين كانت أمريكا وآسيا قارة واحدة. يذكر أن الحصان استؤنس في شرق بحر قزوين، وأدخله الكاشيون إلى بلاد الرافدين، ومر عبر الحثيين إلى الليديين ثم اليونانيين، وأن الهكسوس هم من أدخلوه إلى سورية ومصر. أما الجمل (ذو السنام الواحد)، فهو الآخر من أصل أمريكي هاجر قديماً إلى آسيا. يذكر حتي أن أول إشارة أدبية معروفة للجمل ترد في سفر القضاة (6: 5) الذي يصف غزو المديانيين لفلسطين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. كما يوثق وجود الجمل في رسومات قديمة من العصر الحجري في كلوة (Kilwah) بشرق الأردن، وفي تماثيل مصرية قديمة من جبيل تعود لنحو 2500 سنة قبل الميلاد. يذكر أيضاً سلالة الأغنام القديمة كبيرة الذيل والصوف التي أتت من آسيا الجافة عبر الجزيرة العربية. يورد الكاتب أيضاً قائمة بالحيوانات المستأنسة الأخرى كالحمار والبغل والماعز والأبقار والكلاب والقطط، والحيوانات البرية المميزة كالضبع والثعلب وابن آوى والغزلان. ويختتم بذكر اختفاء حيوانات كانت موجودة مثل الأسود والفهود والنعام، ويشير إلى شيوع الثعابين والسحالي والعقارب، والطيور المميزة كالنسر والنسر الأجعد والبومة والحجل. يلمح الفصل، من دون أن يقر صراحة، إلى أن التغيرات المناخية ليست تفسيراً كافياً للتغيرات التاريخية في ازدهار المنطقة، وأن العوامل البشرية والإدارية هي الأكثر تأثيراً في تدهور البيئة. يبدو هذا الطرح قابلاً للنقاش، خاصة في ضوء النظريات المناخية الحديثة، لكنه يمثل موقفاً واضحاً للمؤلف بناء على الأدلة المتوفرة في عصره.

6.قدوم الساميين83–90▼ ملخص

الفصل المعنون "قدوم الساميين" من كتاب فيليب حتي عن تاريخ سوريا، يضع القارئ أمام إطار تفسيري شامل لتاريخ هذه المنطقة، محاولاً الإجابة عن سؤال جوهري: ما الذي يحدد مسار التاريخ في سوريا، وما طبيعة الجماعات البشرية التي سكنتها وشكلت هويتها؟ يُقدّم المؤلف إجابته من خلال تقسيم تاريخ سوريا إلى خمس مراحل كبرى: (1) عصر ما قبل التدوين، (2) العصر السامي الذي يبدأ مع العموريين حوالي عام 2500 ق.م وينتهي بسقوط الإمبراطورية البابلية الحديثة (الكلدانية) عام 538 ق.م، ويعقبه الهيمنة الفارسية، (3) العصر اليوناني-الروماني الذي يبدأ بغزو الإسكندر الأكبر عام 333 ق.م وينتهي بالغزو العربي عام 633-640 م، (4) العصر العربي الإسلامي الذي يستمر حتى الغزو العثماني عام 1516 م، (5) وأخيراً العصر العثماني الذي ينتهي مع الحرب العالمية الأولى. ويشير المؤلف إلى أن سوريا، طوال هذا التاريخ الطويل والمتقلب، نادراً ما قامت كدولة مستقلة وموحدة تحت حكام محليين، بل كان وحدتها القسرية تتم دائماً بإرادة قوة خارجية، وكثيراً ما كانت إما مغمورة في كيان أكبر أو مقسمة بين دول محلية أو أجنبية.

يسير الفصل خطوة خطوة ليشرح لماذا كانت سوريا على هذه الشاكلة، فيبدأ بمناقشة التسميات. يوضح أن اسم "سوريا" هو اسم يوناني في الأصل، ظهر في الأدب الأوغاريتي كـ SHRYN وفي العبرية كـ Siryon، وهو اسم أُطلق في البداية على جزء (سلسلة جبال لبنان الشرقية) ثم امتد ليشمل الكل. أما اسم "فلسطين" فمشتق من "فلسطيا" (Philistia)، وهو اسم يوناني أيضاً يحمل اسم الفلسطينيين الذين ينتمون للأصول الهندو-أوروبية واحتلوا المنطقة الساحلية في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد بالتزامن مع محاولة بني إسرائيل احتلال الداخل. ويُضيف أن العرب أطلقوا على البلاد اسم "الشام" (أي الشمال بالنسبة للحجاز). ويخلص إلى أن سوريا، كمنطقة جغرافية، تمتعت بوحدة ثقافية تقريبية، لكنها لم تعرف وحدة سياسية أو إثنية، وكانت حدودها الثقافية مع منطقة الهلال الخصيب الأخرى غير واضحة المعالم دائماً.

الجزء الأكبر من الفصل مخصص لتحليل العوامل التاريخية الحاسمة التي شكلت مصير سوريا وسكانها، ويذكر المؤلف ثلاثة عوامل رئيسية. أولها تكوينها الجغرافي كخليط من مناطق مختلفة، وهو ما انعكس في فسيفساء سكانية من مجموعات إثنية وطوائف دينية متعددة، مما حال دون قيام دولة قوية وشاملة. ثانيها موقعها الاستراتيجي كحلقة وصل بين ثلاث قارات، مما عرضها للأخطار والغزوات من كل حدب وصوب، فالبابليون والآشوريون والمصريون والحيثيون والفرس والمقدونيون والرومان والعرب والمغول والأتراك والصليبيون هاجموها واحتلوها. ثالثها قربها من أقدم مقرين للحضارة الفاعلة: الحضارة السومرية-البابلية شرقاً والمصرية جنوباً، مما جعلها مفتوحة للتأثيرات الخارجية بحراً وبراً. ويُضيف المؤلف عاملاً رابعاً هو الصراع الدائم بين البدو الرحّل وسكان المدن المستقرين، حيث كانت غزوات البدو الذين يطمعون بحياة الرفاهية التي يتمتع بها سكان الحضر نابضاً ثابتاً في تاريخ الشرق الأدنى. ويستخدم قصة بني إسرائيل في العهد القديم كمثال نموذجي لهذا التحول الدائم من البداوة إلى الحضرية.

ينتقل الفصل بعد ذلك للإجابة عن سؤال "من هم الساميون؟" موضحاً أن المصطلح يأتي من اسم "سام" ابن نوح في العهد القديم، لكنه في الاستخدام العلمي هو مصطلح لغوي بحت. يُعرِّف الساميين بأنهم كل من يتكلم أو تكلم لغة سامية، وهي عائلة لغوية مستقلة تضم الأكادية (الآشورية-البابلية) والكنعانية (الفينيقية) والآرامية والعبرية والعربية والحبشية. ويستعرض أوجه التشابه اللغوي بين هذه اللغات كالجذر الثلاثي للأفعال ونظام الأفعال ذي الشكلين (الماضي والمضارع) وتشابه المفردات الأساسية. ويؤكد أن هذا التشابه اللغوي هو الرابط الأهم، لكنه ليس الوحيد، إذ توجد تشابهات في المؤسسات الاجتماعية والمعتقدات الدينية والصفات النفسية والجسدية، مما يقود إلى استنتاج حتمي بأن أسلاف هذه الشعوب كانوا يشكلون جماعة واحدة تتحدث لغة واحدة وتسكن مكاناً واحداً.

يختتم الفصل بمناقشة النظرية الأكثر قبولاً حول الموطن الأصلي لهذه الجماعة السامية الأم، وهي شبه الجزيرة العربية. يقدم المؤلف عدة أدلة تدعم هذه النظرية: دليل جغرافي يصف الجزيرة العربية بأنها أرض صحراوية تحيط بها البحار، فكلما زاد عدد السكان عن طاقة الأرض الضيقة القابلة للسكن، بحثوا عن فضاء في الأراضي الشمالية الأكثر خصوبة. ودليل اقتصادي يفيد بأن البدو العرب يعيشون على حافة المجاعة، والهلال الخصيب هو أقرب مكان لتأمين احتياجاتهم. ثم يسرد تاريخ الهجرات السامية الكبرى من الجزيرة العربية: حوالي 3500 ق.م هاجرت موجة نحو الشمال الشرقي واستقرت بين السكان السومريين في بلاد ما بين النهرين منتجة الأكاديين (البابليين لاحقاً). وبعد قرن من الزمن أو أكثر، جلبت موجة أخرى العموريين إلى سهول شمال سوريا والكنعانيين (الفينيقيين) إلى الساحل. وبين 1500 و1200 ق.م حدثت هجرة ثالثة جلبت الآراميين إلى سوريا الداخلية ومنطقة دمشق ونشرت العبرانيين في جنوب البلاد. وحوالي 500 ق.م أدى تدفق عربي آخر إلى تأسيس الأنباط شمال شرق سيناء وعاصمتهم البتراء. وأخيراً، كان الانفجار العربي الهائل في بداية القرن السابع الميلادي تحت لواء الإسلام، وهو ما يعتبره مؤيدو النظرية دليلاً تاريخياً، إلى جانب دليل لغوي بأن العربية حافظت على أقرب صلة باللغة السامية الأم، ودليل نفسي بأن العرب، خاصة سكان البادية، حافظوا على أصفى الصفات السامية. ويصف المؤلف هذه الحركات البشرية بأنها تشبه الموجات، لكنها في الواقع أقرب إلى الحركات البشرية التدريجية التي تبدأ بأفراد وتتسع حتى تصل ذروتها ثم تبدأ بالانحسار.

7.العموريون: أول جماعة سامية كبرى في سوريا91–110▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بتقديم العموريين كأول جماعة سامية كبرى تستقر في الأراضي السورية. يُعرّفهم المؤلف بأنهم مجموعة لا يُعرف اسمها الذي أطلقوه على أنفسهم، لكن جيرانهم من السومريين أطلقوا عليهم اسم "العموريين" (Amorites)، وهي كلمة غير سامية تعني "الغربيين". ويركز الفصل على دورهم المحوري في سامية سوريا وانتشارهم فيها.

يستعرض الفصل وجود عاصمتهم ماري (Mari)، الواقعة أسفل ملتقى نهر الخابور، والتي كانت في الأصل مقراً لسلالة سومرية قبل أن يطيح بها سرجون الأكدي حوالي عام 2450 ق.م. ويوضح المؤلف أن المنطقة أصبحت عمورية بالكامل في القرن العشرين قبل الميلاد، حيث استقر المهاجرون الساميون فوق مجتمع بلاد ما بين النهرين الأقدم. ويصف الفصل انتقالهم من حياة البداوة الرعوية إلى الزراعة، مستشهداً بقصيدة سومرية من حوالي عام 2000 ق.م تصف العموري بأنه رفيقه السلاح، ولا يعرف الخضوع، ويأكل اللحم النيئ، وليس له بيت. كان تنقله يعتمد على الحمار، ولم يكن الجمل قد استُأنس بعد. بين عامي 2100 و1800 ق.م أسس العموريون عدة سلالات في بلاد ما بين النهرين، أهمها سلالة بابل الأولى التي ينتمي إليها الملك حمورابي (حوالي 1700 ق.م)، وهو الذي غزا عمورو وضمها لإمبراطوريته.

يتناول الفصل بالتفصيل الأرشيف الملكي لماري، الذي اكتشف في موقع تل الحريري، ويضم أكثر من 20,000 رقيم مسماري. يوضح الفصل أن لغة هذه الرقيم هي الأكادية، لكن مفرداتها وقواعدها تكشف أن كُتّابها كانوا يتحدثون العمورية (الغربية) وليس الأكادية (الشرقية). تمثل هذه الرقيم أرشيف الملك زِمري-ليم (حوالي 1730-1700 ق.م)، آخر ملوك ماري. ومن هذه الرقيم، نتعرف على تفاصيل الحضارة العمورية التي كانت مزيجاً من العناصر العمورية والحورية والبابلية. تظهر في الرقيم أسماء مدن مثل حلب (Yamkhad) كعاصمة، وجبيل (Gubla) كمركز لصناعة الملابس، وقطنا (Qatana) كمركز مهم، وحران (Harranu) كإمارة عمورية. وتكشف الوثائق أنه حوالي عام 1800 ق.م، كانت كامل المنطقة من البحر المتوسط إلى هضبة عيلام تحت سيطرة أمراء عموريين.

يصف الفصل قصر زمري-ليم الفخم الذي يضم حوالي 300 غرفة، ومزين بلوحات جدارية رائعة، وتتجاوز مساحته ستة أفدنة، ومزود بحمامات ومرافق صحية، وكان يُعد من عجائب الدنيا. تعكس هذه الاكتشافات مستوى حضارة غير متوقع ينافس حضارتي مصر وبلاد ما بين النهرين. يعزو المؤلف ازدهار أرض العموريين إلى الزراعة بالري والتجارة مع الجيران. ويشرح الموقع الجغرافي المهم لسوريا من خلال "السرج السوري" (Syrian Saddle)، وهو ممر طبيعي يصل بين الساحل ومنطقة بلاد ما بين النهرين، ويقع عند سفح جبال طوروس، ويعتبر نقطة بداية التاريخ السوري المتصل مع العموريين كأول ممثلين ساميين.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن تحول مركز الثقل في الشؤون السورية نحو الوسط في القرن الرابع عشر قبل الميلاد بعد أن كان في الشمال، مع بقاء العموريين على المسرح. هنا يتطرق إلى مراسلات تل العمارنة (Tell el-Amarna) التي تكشف عن مملكة عمورية وسط سوريا تحت حكم عبد-عشيرتا (Abd-Ashirta). يصف الفصل ازدواجية عبد-عشيرتا الذي كان تابعاً لمصر لكنه في الحقيقة كان يحاول التوسع على حسابه، متعاوناً مع الحيثيين ظاهرياً. أرسل رسائل خاضعة للفرعون أمنحتب الثالث (المتوفي 1375 ق.م)، لكنه استولى على مدن فينيقية وداخلية مثل إرقات وقطنا وحماة ودمشق، مهدداً بذلك المصالح المصرية. يُقارن الفصل بينه وبين الحاكم المخلص رب-أدي (Rib-Addi) ملك جبيل، الذي أرسل أكثر من خمسين رسالة استغاثة للفرعون يشتكي فيها من خيانة العموريين ويطلب النجدة دون جدوى.

يوضح الفصل أن ابن عبد-عشيرتا أزيرو (Aziru) واصل سياسة والده، وازداد الوضع سوءاً في عهد أخناتون (أمنحتب الرابع، 1375-1358 ق.م) الذي انشغل بإصلاحاته الدينية. استولى أزيرو على أولازا وأرداتا ودمر سميرا، مدعياً أنه منعها من الوقوع في أيدي الحيثيين. في النهاية، اضطرت مصر للتخلي عن شمال سوريا وفينيقيا لصالح الحيثيين، وبدأت سوريا وفلسطين تتفتتان. يختتم الفصل ذكر العموريين في وسط سوريا مؤكداً غياب المعلومات عن صلات ممالكهم المنتشرة زمنياً ومكانياً.

ينتقل الفصل في جزئه الأخير إلى العموريين في فلسطين، مشيراً إلى أن حركتهم جنوباً لم تكن بالضرورة حركة جماهيرية. ويذكر أن المصادر التوراتية تمنحهم موقعاً مهيمناً في فلسطين ما قبل الإسرائيلية، وتجعل كل سكان الجبل وشرق الأردن قبل الإسرائيليين عموريين. يصف الكتاب شخصيات مثل سيحون وعوج ملك باشان، "بقية الرفائيين"، الذي كان سريره الحديدي (تابوت بازلتي) بطول 9 أذرع × 4 أذرع. يصف الفصل هيبة العموريين في العهد القديم، فهم طوال القامة كالأرز وأقوياء كالبلوط، مما ولد أساطير عن عمالقة تزاوجوا مع بنات البشر. يربط هذه الأساطير بظهور وافدين جدد يستخدمون المعادن، ويشير إلى أن البرونز هو الذي كانوا يستخدمونه.

يتناول الفصل السمات الجسدية للعموريين التي تنتمي للنوع الأرمينويد (Armenoid)، برؤوس مدورة وأنوف بارزة، وهو نفس النوع الموجود في جنوب الجزيرة العربية. ويصف صوراً قديمة، كتلك التي تمثل أسرى آسيويين في عهد الفرعون ساحورع (حوالي 2553-2541 ق.م)، وصور بني حسن التي تظهر شيخاً عمورياً يدعى أبشا (Absha) مع عشيرته، وهم يرتدون أردية ملونة وصنادل جلدية. الرجال ذوو لحى سوداء ووجوه كالطيور وأنوف معقوفة. كانت أسلحتهم تشمل الرماح والقسي المركبة.

في الختام، يناقش الفصل اللغة والدين العموريين. لم تترك اللغة نقوشاً مهمة بل فقط أسماء أماكن وأمراء، ويعتبرها المؤلف لهجة كنعانية شرقية. أما الدين، فقد كان قائماً على عبادة الطبيعة، وأبرز الآلهة: هدد (Hadad) إله المطر والعواصف، الذي أصبح بعل (Ba‘al) العظيم، ويعبد مع الثور والصاعقة؛ وراشب (Rashap) إله النار؛ وداجون (Dagon) إله الغذاء؛ وعشيرة (Ashirat) الإلهة الأم، سيدة النشاط والبهجة. كما أدخل العموريون عبادة العمود المقدس (السارية) والمسلات، والتي تمثل الإله القبلي، ومارسوا طقوساً مثل تقديم البكر وذبيحة الأساس، حيث كانوا يبنون باحات المعابد "على رجل ميت". يختم الفصل بأن المؤسسات والممارسات الدينية العمورية انتقلت من بعدهم إلى الكنعانيين.

8.الكنعانيون: ثاني شعب سامي كبير في سوريا111–128▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو التعريف بالكنعانيين، الذين عُرفوا لاحقاً بالفينيقيين، كأكبر جماعة سامية ثانية في سوريا بعد الأموريين. يقدم المؤلف فيليب حتي الإجابة بأن الكنعانيين والأموريين ينتمون إلى الهجرة نفسها، وأن الاختلاف بينهما جوهرياً ضئيل، لكن الكنعانيين اتخذوا من الساحل مركزاً لهم وتوجهوا نحو مصر، بينما تمركز الأموريون في الشمال وتأثروا بحضارة سومر وبابل. يميز المؤلف بين الجماعتين على أساس الجغرافيا والتأثير الثقافي أكثر من العرق، ويؤكد أن الاختلاف اللغوي كان لهجياً فقط، إذ ينتمي كلا اللغتين إلى الفرع الغربي السامي الذي تنتمي إليه العبرية أيضاً.

ينتقل الفصل خطوة بخطوة عبر تاريخ الكنعانيين وثقافتهم. يبدأ بمناقشة أصل اسم "كنعان" الذي يُعتقد أنه مشتق من كلمة حورية تعني "الصبغ الأرجواني"، وهو ما يربط الكنعانيين مباشرة بصناعة الصباغ الأرجواني الشهيرة. يُشير المؤلف إلى أن الإغريق أطلقوا عليهم اسم "فينيقيا" المشتق أيضاً من كلمة تعني الأحمر الأرجواني، وأصبح هذا الاسم مرادفاً للكنعانيين بعد عام 1200 ق.م. يُظهر المؤلف أن الكنعانيين لم يكونوا أمة موحدة بل تجمعات محلية قبلية تنتظر غريباً ليطلق عليها اسماً جامعاً.

يتناول الفصل بعد ذلك البنية السياسية للمدن الكنعانية التي كانت عبارة عن دويلات صغيرة مستقلة، يرأس كل منها ملك ينحدر من نبلاء الأرض، وتتحصن بأسوار وأبراج دفاعية. يوضح حتي أن هذا التقسيم السياسي جعل البلاد عرضة للغزوات الخارجية. يسرد المؤلف أسماء مدن كنعانية رئيسية مثل (صور، صيدا، جبيل، بيروت، أرواد، عكا، غزة، أريحا، مجدو، جازر)، ويذكر أن مساحة هذه المدن كانت صغيرة، فقد غطت جازر وحاصور نحو 15-16 فداناً، بينما لم تتجاوز مساحة أريحا 6 أفدنة.

ينتقل الفصل لوصف الاقتصاد الكنعاني الذي قام على الزراعة، الصيد، والتجارة. يصف حتي أدوات الزراعة التي اكتشفها علماء الآثار مثل المحراث البرونزي، المنجل، والهاون الحجري. يُشير إلى المحاصيل الرئيسية مثل القمح، الشعير، الزيتون، والعنب، وهي التي يسميها "ثالوث البحر المتوسط الزراعي". كما يتحدث عن تربية المدرجات الجبلية في لبنان التي ورد ذكرها في نقوش تحتمس الثالث، وهي التي أتاحت توسيع الأراضي الصالحة للزراعة.

يخصص المؤلف قسماً كبيراً للصناعات الكنعانية، مشيراً إلى براعتهم في صناعة الفخار الذي بلغ ذروته قبل عام 1500 ق.م، والمعادن حيث تفوقوا في صناعة البرونز والنحاس، والزجاج الذي لم يخترعوه لكنهم برعوا في إنتاجه ونقله. يذكر أيضاً صناعة العاج التي وصلت إلى درجة عالية من الإتقان في القرن الرابع عشر ق.م، خاصة في مجدو. يصف حتي الملابس والحلي مثل الخواتم والأساور والأقراط، مستشهداً بنماذج من الحفريات.

يصل الفصل إلى ذروته في مناقشة صناعة الصباغ الأرجواني التي اشتهرت بها صور وصيدا. يشرح بالتفصيل المصدر الحيواني لهذا الصباغ وهو محار الموريكس، وعملية استخراج السائل، ونقعه بالملح، وغليه، وصبغ الصوف به، مشيراً إلى أن ثوباً واحداً قد يحتاج إلى غمسه عدة مرات. يوضح حتي أن هذه الصناعة كانت تتطلب جهداً كبيراً، مما جعل الصباغ الأرجواني باهظ الثمن وأصبح رمزاً للملوكية والأبهة، وامتد استخدامه من كليوباترا في مصر إلى القساوسة في روما.

يقر المؤلف بحدود واعية، إذ يشير إلى أن أصل اسم "كنعان" غير مؤكد تماماً وأن هناك نظريتين مختلفتين. كما يعترف بأن العملية الدقيقة لتحضير الصباغ الأرجواني لا تزال مجهولة من المصادر الفينيقية، وأن ما نعرفه يعتمد على وصف بليني الأكبر الروماني. يُظهر الفصل أيضاً تحفظاً في تحديد التاريخ الدقيق لدخول الكنعانيين إلى الأرض، إذ يكتفي بالقول إن أسلافهم احتلوها قبل الألفية الثانية بفترة طويلة، وأن أسماء المدن الكنعانية القديمة تشير إلى وجودهم قبل عام 3000 ق.م.

الحجة القابلة للنقاش في الفصل هي رفض المؤلف للفكرة القائلة بأن الكنعانيين اخترعوا الزجاج، حيث يؤكد أن المصريين سبقوهم في ذلك، ولكن الكنعانيين تفوقوا في تجارته وصناعته. كما يثير الفصل تساؤلاً حول الهوية العرقية للكنعانيين مقارنة بالأموريين، ويقر بأن التمييز بينهما شبه معدوم عرقياً، ويُعزى الاختلاف في الأساس إلى عوامل جغرافية وثقافية وليس عرقية. كما أن الوصف الذي يقدمه حتي للمدن الكنعانية كدويلات صغيرة محصنة معزولة سياسياً يثير تساؤلاً حول مدى استقرارها الاجتماعي، ويبدو أن الآراء حول درجة التنظيم السياسي أو الفوضى بين هذه المدن قد تكون محل نقاش بين المؤرخين بناءً على المصادر.

9.النشاط البحري والتوسع الاستعماري129–140▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الدور الريادي الذي لعبه الفينيقيون كأمة بحرية في التاريخ القديم، ويشرح الكيفية التي حوّلوا بها قيود بيئتهم الطبيعية إلى مصدر قوة هائلة. يقدم المؤلف فيليب حتي إجابة واضحة: لقد كان الفينيقيون أول من أقام شبكة بحرية وتجارية دولية حقيقية، ونشروا الحضارة عبر البحر المتوسط بأكمله، ومهدوا الطريق للإمبراطوريات البحرية التي تلَتهم، رغم أنهم لم يكونوا هم أنفسهم إمبراطورية سياسية موحّدة.

يبدأ الفصل بوصف الدوافع الجغرافية التي جعلت من الفينيقيين أمة بحرية. فجبال لبنان حالت دون التوسع البري نحو الداخل، لكنها وفرت أخشاباً ممتازة (خاصة الأرز والسرو والصنوبر) لبناء السفن. هذا المزيج من العزلة البرية والثروة البحرية دفع هؤلاء الساميين إلى تحويل بداوتهم الصحراوية إلى "بداوة بحرية". انتقلوا من الملاحة الساحلية البسيطة لبيع منتجاتهم المحلية (كالتونة والزجاج والفخار) إلى عبور البحر المفتوح وإنشاء طرق تجارية رئيسية احتكارية. يذكر المؤلف أن تحولهم نحو البحر تسارع بشكل خاص بعد القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد، عندما ضُغط عليهم من الآراميين في الوسط ومن الإسرائيليين والفلستيين في الجنوب.

يصف الفصل بالتفصيل شبكة الطرق البحرية الفينيقية. يوضح أن أقدم طرقهم الدولية ربطت جبيل وغيرها من الموانئ بـمصر. أما الطرق الرئيسية اللاحقة فكانت تنطلق من صيدا وصور، إما مباشرة إلى مصر أو شمالاً نحو قبرص، ثم تتجه غرباً بمحاذاة السواحل الجنوبية لـآسيا الصغرى ورودس وكريت وكورفو حتى صقلية، فواصلية في شمال إفريقيا حتى إسبانيا. كما كانوا يتاجرون بأربع سلع أساسية افتقرت إليها دول البحر المتوسط: الأخشاب والقمح والزيت والخمر. بالنسبة لليونانيين، كان أرز لبنان مجرد "أرز فينيقي". ومع توسع تجارتهم، طوروا صناعتين رئيسيتين: صناعة النسيج والأعمال المعدنية. ويؤكد المؤلف أن البحر المتوسط أصبح "بحيرة فينيقية" قبل أن يصبح بحيرة يونانية أو رومانية.

من الناحية التقنية، كان الفينيقيون رواداً في علم الملاحة. يُنسب إليهم اكتشاف فائدة النجم القطبي للملاحة الليلية، حتى أن الإغريق أطلقوا عليه اسم "النجمة الفينيقية". يصف الفصل أنواع سفنهم استناداً إلى النقوش المصرية والآشورية. فمنذ حوالي 1400 قبل الميلاد، تظهر السفن الفينيقية في الآثار المصرية بشكل هلالي، مع مؤخرة ومقدمة عاليتين، ومجدافين كبيرين كدفة. لاحقاً، ظهرت سفن حربية وتجارية ذات سطحين، مع كبش حاد في المقدمة يُستخدم في المعارك. ويذكر أن الفينيقيين كانوا أول من وضع صفين أو أكثر من المجدفين فوق بعضهم، حيث كان الطابق السفلي يضم عادةً ستة عشر إلى عشرين مجدفاً، وقد يصل العدد لاحقاً إلى خمسين. هذا النوع من السفن هو ما استعاره الإغريق الأوائل واستخدمه الملك سليمان بمساعدة بحارة من صور، حيث رست سفنه في إيلات على خليج العقبة في البحر الأحمر، لتصدير الأخشاب والنحاس واستيراد الذهب من أوفير والعطور من الجزيرة العربية.

يسلط الفصل الضوء على واحد من أروع إنجازاتهم: الإبحار حول إفريقيا قبل أكثر من ألفي عام من الملاحين البرتغاليين. تم ذلك بأمر من الفرعون نخو الثاني (بين 609-593 قبل الميلاد)، الذي قام بحفر قناة قديمة تربط النيل بالبحر الأحمر. أبحرت السفن الفينيقية من البحر الأحمر، وأبحرت في المحيط الجنوبي، وكانت تهبط إلى البر كل خريف لزرع القمح وانتظار المحصول قبل استكمال الرحلة. بعد عامين، عادوا إلى مصر عبر أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق). ويعلق المؤلف على الرواية التي يرويها هيرودوت عن أن الشمس كانت على يمينهم خلال الرحلة، معتبراً أن هذه التفصيلة التي شكك فيها هيرودوت نفسه هي التي تؤكد صحة القصة، لأن رحلة حول رأس الرجاء الصالح في نصف الكرة الجنوبي ستجعل الشمس على يمين الملاح.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن الاستعمار الفينيقي. يصفهم المؤلف بأنهم "أول أمة برمائية" لأنهم أقاموا محطات تجارية داخلية مثل الرها وربما نصيبين، ربطت موانئهم المتوسطية بمراكزهم على الخليج العربي. يُفسر نجاحهم الاستعماري بأنهم كانوا شعباً صغيراً يتسلل إلى أماكن جديدة دون إثارة الشبهات، ويفتقرون إلى حياة سياسية موحدة مما جعلهم يتكيفون بسهولة مع الأوضاع الجديدة، مثل نظرائهم المعاصرين، المهاجرين اللبنانيين. كانت مستعمراتهم في شرق المتوسط (بما في قبرص) أقدم من تلك الموجودة في وسط المتوسط (صقلية وسردينيا) التي تعود إلى منتصف القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ثم تلك الموجودة في شمال غرب إفريقيا وإسبانيا. فمثلاً، قادس في إسبانيا وأوتيكا في تونس تأسستا حوالي 1000 قبل الميلاد. أما قرطاجنة، أشهر مستعمرة فينيقية، فيُؤرخها المؤلف بحوالي 850 قبل الميلاد، وهي أصغر سناً من هيبو ريجيوس المجاورة لها. يصف الكاتب ذروة النشاط الاستعماري في غرب المتوسط بين منتصف القرن العاشر ومنتصف القرن الثامن قبل الميلاد، ويفترض وجود طبقة أقدم من المهاجرين الساميين إلى شمال إفريقيا.

يتناول الفصل بالتفصيل المستعمرات في إسبانيا، حيث تركزت في منطقة ترشيش (تارتسوس) خاصةً من قرطاجنة إلى قادس. يشرح معاني الأسماء: "قرطاجنة" (قرطاج الجديدة)، "مالقة" (مكان العمل)، و"قادس" (مكان مسور أو حائط). كما يذكر قرطبة كمدينة إيبيرية أصلية استولى عليها الفينيقيون، وبرشلونة التي قد يكون اسمها مرتبطاً بالفينيقية. ويشير إلى أن كورنث في اليونان ربما كانت تأسيساً فينيقياً، وأن العديد من الأساطير اليونانية (مثل أسطورة أوروبا التي اختطفها زيوس من الساحل السوري، وقدموس أخيها الذي بنى طيبة) تشهد على النشاط الفينيقي. ويضيف أنهم نشروا نباتات مثل الورد والنخيل والتين والرمان عبر المتوسط، بينما كانوا يحتكرون تجارة التوابل ويخفون مصادرها وراء قصص مخيفة.

يختتم الفصل بتحليل صعود قرطاجنة كأنجح مستعمرة فينيقية، رغم أنها كانت من أحدثها. في القرن الثامن قبل الميلاد، بدأت قرطاجنة منافسة قوية للمدن الأم المنهارة نتيجة الموجة الاستعمارية اليونانية والغزو الآشوري. بلغت ذروة قوتها في القرن السادس قبل الميلاد، وامتدت إمبراطوريتها من حدود قورينائية (ليبيا) إلى أعمدة هرقل، شاملة جزر البليار ومالطا وسردينيا. يشرح المؤلف أن مدناً مثل صور وصيدا لم تتح لها فرصة بناء إمبراطورية بسبب ظل القوى العظمى (مصر وآشور)، لكن قرطاجنة استطاعت ذلك، مما أوقعها في صراع مع روما. يروي قصة حنبعل الذي أقسم العداء لروما منذ صغره، وقاد حملته الشهيرة عبر جبال الألب إلى إيطاليا عام 218 قبل الميلاد، وظل يقاتل فيها لمدة خمسة عشر عامًا. بعد هزيمته في معركة زاما عام 202 قبل الميلاد، فرّ إلى صور ثم إلى أنطيوخس ملك سورية، لكنه انتحر في آسيا الصغرى عام 183 قبل الميلاد. أما نهاية قرطاجنة فكانت مأساوية، حيث أضرمت النار في المدينة سبعة عشر يوماً بتحريض من كاتو ("يجب تدمير قرطاجنة")، ومُحي مكانها تماماً، وهو ما يصفه المؤلف بأنه "وصمة عار لا تمحى في سجل الرومان".

في النهاية، يُظهر الفصل إعجاباً واضحاً بالإنجاز الفينيقي، لكنه لا يخلو من نقاط قابلة للنقاش. فالمؤلف يبني معظم تحليله على مصادر يونانية ورومانية (مثل هيرودوت وسترابو)، وليس على نصوص فينيقية مباشرة، مما يثير تساؤلاً حول مدى موضوعية هذه المصادر التي كانت ترى الفينيقيين كمنافسين تجاريين. كما أن الادعاء بأنهم وصلوا إلى كورنوال في إنجلترا بحثاً عن القصدير يظل افتراضياً، حيث يعترف المؤلف بعدم وجود إشارات مبكرة تؤكد ذلك. ورغم ذلك، يظل الفصل قوياً في إظهار كيف أن شعباً صغيراً بدون دولة موحدة استطاع أن يغير وجه البحر المتوسط ويؤسس أسس العولمة البحرية القديمة.

10.الأدب والدين وجوانب أخرى من الحياة الثقافية141–157▼ ملخص

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو الحياة الثقافية في سوريا القديمة (التي تشمل لبنان وفلسطين حالياً)، مع التركيز على ثلاث ركائز أساسية: الأدب والدين، والدور الوسيط الذي لعبته الحضارة الفينيقية (الكنعانية) في نقل هذه العناصر الثقافية إلى العالم، وخاصة اليونان. يقدم المؤلف فيليب حتي إجابة واضحة مفادها أن الفينيقيين لم يكونوا مجرد تجار بضائع، بل كانوا وسطاء فكريين وروحيين، وأن أعظم هداياهم للبشرية كانت الأبجدية، يليها مفهوم التوحيد واكتشاف المحيط الأطلسي. يوضح الفصل كيف أن هذه التأثيرات لم تكن أحادية الاتجاه، بل كانت عملية تبادل ثقافي معقدة بين بلاد ما بين النهرين ومصر وسوريا.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بأهم إنجاز ثقافي فينيقي وهو الأبجدية، ويشرح نشأتها وتطورها وانتشارها. يذكر المؤلف أن الإغريق استعاروا الأبجدية من الفينيقيين بين عامي 850 و750 قبل الميلاد، محتفظين بأسماء الحروف السامية وشكلها وترتيبها التسلسلي، كما يتجلى في أسطورة قدموس التي ترمز لانتقال الأبجدية وفن التعدين وعبادة ديونيسوس من سوريا إلى اليونان. يمرر الفصل بعدها إلى الأبجدية الآرامية التي اشتقت بدورها من الفينيقية وانتشرت شرقاً، ثم يتعمق في الأصول المحتملة للأبجدية الفينيقية نفسها، مشيراً إلى أنها تطورت من الكتابة الهيروغليفية المصرية عبر نقوش سيناء، حيث قام عامل كنعاني في مناجم الفيروز في سرابيط الخادم حوالي نهاية القرن السادس عشر قبل الميلاد باختراع نظام كتابة أبجدي مبسط باستخدام الرموز المصرية التي تدل على الحروف الساكنة وأعطاها أسماء سامية وقيمة صوتية وفق مبدأ "الابتداء الصوتي" (Acrophony).

ينتقل الفصل بعد الأبجدية الخطية التي كانت إنجازاً لفينيقيي جبيل، إلى إنجاز آخر لفينيقيي أوغاريت (رأس شمرا) الذين ابتكروا أبجدية مسمارية على ألواح طينية. أقدم هذه الألواح يعود للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، وتوجد أيضاً نقوش في جبيل مثل نقش أخيرام الذي يعود لحوالي 1000 قبل الميلاد، وهو أقدم نص أبجدي كنعاني مفهوم بالكامل، ويتضمن لعنة على من ينتهك قبر الملك. ويشير الفصل أيضاً إلى أنظمة كتابة أخرى أكثر تعقيداً اخترعها الكنعانيون، مثل المقطعية الشبيهة بالهيروغليفية في نهاية الألفية الثالثة، لكنها حلت محلها الكتابة الأكدية المسمارية التي كانت لغة التواصل في ذلك العصر، كما يتضح من رسائل تل العمارنة والألواح المكتشفة في مملكة ألالاخ (تل العطشانة) التي يعود تاريخها إلى ما بين 1000 و1200 قبل الميلاد. يخلص المؤلف إلى أن هذه الوفرة من النصوص تدل على التعددية الثقافية والتبادل المعرفي في المنطقة.

بخصوص الأدب الفينيقي نفسه، يقر المؤلف بأن القسم الأكبر منه قد فقد لأنه كان يكتب على ورق البردي الذي يستورد من مصر حوالي 1100 قبل الميلاد، وكانت معظم نصوصه تدور حول المعاملات التجارية. معظم النصوص الباقية متأخرة، بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد، مع وجود نصوص باللغة البونيقية تحدثت حتى ظهور الإسلام. يذكر الفصل أنه كان هناك نهضة أدبية فينيقية متأخرة بلغت ذروتها في القرن السادس قبل الميلاد، أنتجت شخصية سخونياثون الغامضة من بيروت الذي جمع الشعر الأسطوري لقومه، لكن مصداقية الترجمة اليونانية المنسوبة لفيلو الجبيلي محل شك. الأهم من ذلك، يشير الفصل إلى أن جزءاً كبيراً من الأدب الكنعاني الجيد تبناه العبرانيون ووجد طريقه إلى كتاباتهم المقدسة، خاصة في سفر الأمثال والمزامير ونشيد الإنشاد والتكوين وكتب الأنبياء. تم اكتشاف هذا الأمر فعلياً بعد التنقيب في أوغاريت عام 1929، حيث عُثر على ألواح طينية بالخط المسماري الأبجدي تحتوي على نصوص دينية وشعرية، أبرزها قصيدة الصراع السنوي بين الإله بعل (إله الخصوبة) وموت (إله الموت)، والتي ربما كانت تمثل دراما مقدسة قبل قرون من ظهور الدراما اليونانية. يبرز الفصل التشابه اللافت بين أدب أوغاريت وسفر أيوب والمزامير العبرية من حيث المفردات والأسلوب والوزن الشعري، مستشهداً بأمثلة مثل وصف بعل بأنه "راكب السحاب" المشابه لله في المزمور 68، وصوت الرعد كصوت بعل أو يهوه، وقتل التنين "ليوثان" أو "الحية الملتوية".

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الدين الكنعاني، واصفاً إياه بأنه عبادة لقوى النمو والتكاثر الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات الزراعية. يظهر ذلك جلياً في عبادة الإله "تموز" (أدونيس عند الإغريق) الذي يموت في الصيف ويبعث في الربيع، وقد ارتبطت بطقوسه في جبيل وعين نهر إبراهيم ممارسات مثل البغاء المقدس وختان الذكور والتضحية بالنفس. هذه العبادة، كما يوضح الفصل، اقتبست من جيرانها واستعارت لهم أيضاً، وتبدت في ثنائية "الأب السماء" (إيل أو بعل) و"الأم الأرض" (عشيرة أو عشتاروت). يصف الفصل المعتقدات المرتبطة بالآلهة المختلفة كبعل ومولك (الذي قدمت له التضحيات البشرية) وعنات وراشب، ووظيفة المعبد كبيت للإله، وخصائص المذابح والأنصاب والأشجار المقدسة في المرتفعات، وهي الأماكن التي ندد بها أنبياء العهد القديم بشدة. كما يصف العادات الجنائزية مثل دفن الأطفال في جرار ووضع أدوات الطعام والشراب مع الموتى، والتأثير المصري في التوابيت البشرية الشكل، كتلك التي تعود للملك اشمونعازر ملك صيدا في القرن الثالث قبل الميلاد.

يعترف الفصل بحدوده المعرفية، فالمصادر الأدبية المتاحة عن الدين الكنعاني قبل اكتشاف أوغاريت كانت شحيحة ومتأخرة (كتّاب يونان، العهد القديم الذي يعكس عداءً عبرانياً، آباء الكنيسة) وكلها غير مباشرة. كما يقر المؤلف بأن قصصاً مثل جريان نهر إبراهيم بالدم الذي يرمز لدماء أدونيس قد دحضها علماء الآثار الحديثون بتفسيرها الطبيعي (تربة حمراء). على الرغم من أن الفصل لا يحتوي بالضرورة على حجج قابلة للنقاش بشكل حاد، إلا أنه يطرح بعض الأفكار التي تفتح المجال للتساؤل، مثل مدى دقة اعتبار الأبجدية الفينيقية "أعظم اختراع صنعه الإنسان على الإطلاق" مقابل إنجازات أخرى، ومدى إمكانية اعتبار قصيدة بعل وموت دراما يونانية مبكرة، ومدى قابلية التفسيرات المباشرة للطقوس الدينية (كالبغاء المقدس) كما هي مأخوذة من النصوص.

11.العلاقات الدولية: مصر158–193▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل العلاقات الدولية لمصر القديمة مع جيرانها في غرب آسيا، مركزاً على سوريا، خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. يجادل المؤلف بأن التفاعل العسكري والتجاري والثقافي بين الدول السورية ومصر شكل الموضوع الرئيسي للأحداث التاريخية لقرابة ثلاثة آلاف عام، ويخلص إلى أن النفوذ المصري في سوريا كان طويل الأمد لكنه لم ينجح في تطبيع المنطقة ثقافياً أو لغوياً بعمق مثل النفوذ العراقي (البلاد ما بين النهرين).

يبدأ الفصل بتتبع أقدم الاتصالات المصرية السورية، والتي كانت تجارية في المقام الأول، ويركز على مدينة جُبلة (بيبلوس) التي كانت ميناءً حيوياً لتصدير خشب الأرز الثمين إلى مصر. يذكر أن الفرعون سنفرو (نحو 2750 ق.م.) استورد أربعين حمولة سفينة من الأرز، وأن الملك خوفو (نحو 2720 ق.م.) أرسل هدية إلى سيدة جُبلة. تظهر نقوش الأسرة السادسة أولى الحملات البرية المصرية في فلسطين وسوريا بقيادة القائد أوني في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. مع حلول الأسرة الثانية عشرة (2000-1788 ق.م.)، امتدت السيادة المصرية المزعومة من الساحل الفينيقي إلى فلسطين وأجزاء كبيرة من سوريا، كما يتضح من تمثال لأبو الهول للملك أمنمحات الثالث في أوغاريت. تأتي أقدم وصف تفصيلي للحياة الاجتماعية في سوريا-فلسطين من قصة سنوهي، رجل الحاشية المصري الذي فر إلى سوريا وعاش بين البدو هناك في عهد سنوسرت الأول، مما يقدم صورة حية عن المجتمع القبلي وعلاقاته مع مصر.

يتناول الفصل بعد ذلك مرحلة جديدة من السيطرة المصرية مع تأسيس الدولة الحديثة على يد أحمس (ت. نحو 1546 ق.م.)، الذي طرد الهكسوس وطاردهم إلى سوريا. لكن السيطرة الفعلية تحققت في عهد تحوتمس الثالث (1501-1447 ق.م.) الذي قاد أربع عشرة حملة أو أكثر. كانت معركة مجدو عام 1479 ق.م. أول وأهم حملة له، حيث واجه الإتحاد المكون من 330 أميراً بقيادة أمير قادش، وانتصر بعد حصار دام سبعة أشهر. يصف الفصل الغنائم الهائلة التي تم الاستيلاء عليها، ثم يتتبع حملات تحوتمس الثالث الأخرى التي وصلت إلى نهر الفرات (نهرين) ومدن فينيقية مثل أرواد. يشرح المؤلف أن المصريين اتبعوا سياسة أخذ أبناء الملوك المحليين لتعليمهم في مصر وإعادتهم حكاماً موالين، لكن السوريين غالباً ما كانوا يقدمون الجزية عند اقتراب الجيش المصري ثم يتوقفون عند انصرافه.

ينتقل الفصل إلى فترة الضعف المصري في عهد أمنحتب الرابع (إخناتون) (1375-1358 ق.م.)، الذي انشغل بالإصلاحات الدينية فانفرط عقد الإمبراطورية الآسيوية، كما توثقها رسائل تل العمارنة. يذكر الفصل أن فلسطين خرجت بالكامل عن السيطرة المصرية قبل وفاته. ثم يتابع محاولات استعادة النفوذ في عهد سيتي الأول (1313-1292 ق.م.) ورمسيس الثاني (1292-1225 ق.م.)، الذي سجل انتصاراته عند مصب نهر الكلب. لكن التدهور استمر، وتظهر قصته envoy المصري ون آمون (نحو 1100 ق.م.) بوضوح ضعف مصر، حيث عومل بازدراء من أمير جُبلة زكر بعل الذي رفض الاعتراف بسيادة مصر قائلاً: "أنا لست خادمك ولا خادم من أرسلك". يخلص الفصل إلى أن سوريا فقدت كمقاطعة مصرية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، مع صعود الحيثيين والآراميين والعبرانيين والفلسطينيين.

على الجانب الآخر، يناقش الفصل التأثير الثقافي السوري العميق على مصر. يورد أمثلة على عبادة آلهة كنعانية مثل حورون وعشتارت في مصر، وكيف أن الفتيات السوريات كن مطلوبات بشدة في مصر لدرجة أنهن غيرن ملامح الوجه للطبقة العليا. يتناول أيضاً نقل النباتات الزينة والفنون مثل صناعة الزجاج والآلات الموسيقية (العود والقيثارة). لكنه يؤكد أن أربعة قرون من الحكم المصري لم تكن كافية لتعريب سوريا، تماماً مثل أربعة قرون من الحكم التركي في العصر الحديث، وأن عدداً قليلاً من الكلمات المصرية دخلت العربية، ومعظمها عن طريق اليونانية أو القبطية. خلافاً لذلك، كان التأثير الثقافي لبلاد ما بين النهرين (السومريين والأكاديين والبابليين) أعمق بكثير، حيث انتشرت الكتابة المسمارية والقصص الدينية (كالخلق والطوفان) وشكلت جزءاً من تراث سوريا بما في ذلك إسرائيل.

يتناول الفصل بعد ذلك القوى الكبرى الأخرى التي تنافست على سوريا. يبدأ بالهكسوس (نحو 1730-1580 ق.م.)، واصفاً إياهم بمزيج غامض من الشعوب الحربية أدخلوا الحصان والعربة الحربية والقوس المركب والسيف الحديدي المنحني إلى مصر وسوريا. ينسب إليهم تطور المدن المحصنة المستطيلة مثل قطة وحاصور. ثم ينتقل إلى الحوريين (المذكورين في العهد القديم كحوريين)، الذين أسسوا مملكة ميتاني القوية في شمال سوريا وبلاد ما بين النهرين، ولغتهم غير السامية أو الهندوأوروبية كشفت عن تشابهات مع عادات الآباء البطاركة العبرانيين. أخيراً، يخصص الفصل مساحة واسعة للحيثيين، أصلهم الأناضولي، وتوسعهم بقيادة ملكهم العظيم شوبيلوليوما (نحو 1380-1355 ق.م.) الذي انتزع السيطرة على شمال سوريا من مصر. يذكر معركة قادش الشهيرة (نحو 1287 ق.م.) التي انتهت بتوقيع معاهدة عدم اعتداء (نحو 1272 ق.م.) بين رمسيس الثاني والملك الحيثي حتوشيليش، وهي أقدم معاهدة من نوعها، قسمت سوريا إلى منطقتي نفوذ شمالية حيثية وجنوبية مصرية.

في تقييم نقدي، يمكن القول إن الفصل يقدم سرداً شاملاً ومفصلاً عن صراع القوى العظمى في العالم القديم على سوريا، مركزاً بشكل أساسي على المنظور المصري وفي العلاقات الثنائية مع كل قوة. قد يجد القارئ أن الفصل يفتقر إلى تحليل أعمق للبنية الاجتماعية والاقتصادية للمدن السورية نفسها، أو إلى دورها الفاعل في تشكيل هذه العلاقات التي تُصوَّر غالباً على أنها ردود فعل على ضغوط خارجية. تركيز الفصل الواضح على التاريخ السياسي والعسكري مع إشارات ثانوية للتبادل الثقافي يترك مجالاً لتساؤلات حول كيفية إدارة الحياة اليومية لهذه المدن تحت ظل الإمبراطوريات المتعاقبة، وهل كان هناك شكل من أشكال الهوية السورية الجامعة في مواجهة هذه القوى الخارجية، أم كانت الولاءات محلية وديناميكية بطبيعتها.

12.الآراميون: ثالث شعب سامي كبير194–207▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الآراميين باعتبارهم ثالث حركة هجرة سامية كبرى من الصحراء العربية، بعد الأموريين والكنعانيين، ويبين كيف تحولوا من قبائل بدوية إلى قوة سياسية وثقافية كبرى في غرب آسيا. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن التأثير الآرامي الدائم لم يكن عسكرياً بقدر ما كان ثقافياً وتجارياً، وأن إرثهم الأهم كان لغتهم التي أصبحت لغةً عالمية، بينما انتهت هيمنتهم السياسية بسقوط دمشق عام 732 ق.م.

يبدأ الفصل بتتبع الأصول الآرامية في صحراء شمال شبه الجزيرة العربية، ثم تحركهم نحو ضفاف نهر الفرات الأوسط قبل منتصف الألف الثاني قبل الميلاد. يصف كيف مهّدت غزوات الحثيين في القرن السادس عشر قبل الميلاد الطريق أمامهم، ثم دمّر الميتانيين بعد قرن ونصف القرن، مما أتاح للآراميين موطئ قدم ثابت في المنطقة. يذكر الكاتب أن اسم "آرامي" لم يطلق عليهم إلا في أيام تجلات بيلاصر الأول (حوالي 1100 ق.م).

يشرح الفصل أن عدة جماعات كانت أجزاءً من هذه الحركة، وإن لم تُسمّ آرامية صراحة، مثل الخابيرو والأخلامو، وهم قبائل وثّقتها النصوص الآشورية والأمارنية. بحلول القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، كان قسم كبير من بلاد ما بين النهرين وشمال ووسط سوريا قد غصّ بهذه القبائل السامية، مما أدى إلى تهميش أو استيعاب الحوريين والحثيين والأموريين. يوضح أن جبل لبنان أعاق التوسع غرباً، بينما بقيت السهول الساحلية للمستوطنات الكنعانية. دمشق كانت مأهولة بالآراميين بحلول 1200 ق.م، وكذلك حران التي أصبحت مركزاً رئيسياً للثقافة الآرامية.

يحدد الفصل ثلاث دول آرامية رئيسية: آرام نهرين (آرام الأنهار) في منطقة الفرات الأوسط، وفدان آرام التي تركزت حول حران، والأهم من ذلك مملكة دمشق التي امتدت من الفرات إلى نهر اليرموك. يناقش العلاقة المعقدة بين الآراميين والعبرانيين، ويشير إلى أن التقاليد العبرانية لم تنس أبداً القرابة المبكرة بينهم، حيث جاء البطاركة من حران، بل إن يعقوب اعتُبر آرامياً. يصف الفصل بالتفصيل سلسلة الصراعات بين مملكة دمشق ومملكة إسرائيل، بدءاً من سيد صوبة هدد عزر الذي هزمه داود، وصولاً إلى بن هدد الأول ثم حزائيل، أعظم محارب في التاريخ الآرامي، الذي توسع جنوباً حتى الكرك وأخضع يهوذا وإسرائيل. نقطة التحول الرئيسية كانت التحالف السوري بقيادة بن هدد في معركة قرقر (853 ق.م) ضد شلمنصر الثالث، والتي انتهت بالتعادل. يشرح المؤلف كيف استغل آحاز ملك يهوذا تهديد فِقَح ملك إسرائيل ورصين ملك دمشق لاستدعاء الآشوريين، مما أدى إلى غزو تجلات بيلاصر الثالث لدمشق وتدميرها في 732 ق.م. يصف الفصل مصير المدينة وسقوط ملكها، معلناً النهاية الأبدية للهيمنة السياسية الآرامية.

ينتقل النقاش بعد ذلك إلى الإسهامات الحضارية للآراميين، ويؤكد على أن نفوذهم التجاري والثقافي تجاوز بكثير نفوذهم العسكري. يصف الفصل كيف احتكر التجار الآراميون التجارة الداخلية لسوريا، بينما كان نظراؤهم الكنعانيون يحتكرون التجارة البحرية. كانت دمشق ميناء الصحراء مثلما كانت جبيل وصيدا وصور موانئ البحر. كانوا يتاجرون بالأرجوان والمطرزات والكتان والعاج واللؤلؤ. الأهم من ذلك، كان التجار الآراميون مسؤولين عن نشر لغتهم على نطاق واسع. الأداة الحاسمة في هذا الانتشار هي أن اللغة الآرامية اعتمدت الأبجدية الفينيقية، ثم نقلتها إلى شعوب أخرى. بحلول عام 500 ق.م تقريباً، أصبحت الآرامية ليس فقط لغة التجارة والثقافة والحكم في جميع أنحاء الهلال الخصيب، بل لغة عامة الناس أيضاً، متفوقة على أخواتها بما فيها العبرية. ويذكر الفصل أن داريوش الكبير ( 521-486 ق.م) جعلها لغة الحكومة الرسمية بين الأقاليم في الإمبراطورية الفارسية، مما جعلها اللغة المشتركة (اللينغوا فرانكا) لإمبراطورية تمتد "من الهند إلى إثيوبيا". ويخلص الفصل إلى أن هذا الانتصار للغة التي لا تدعمها قوة إمبراطورية ليس له مثيل في التاريخ. ثم يتتبع الأبجدية الآرامية وأثرها: فقد حصل العبرانيون على أبجديتهم منهم، وحصل الأنباط عليها ونقلوها إلى شمال الجزيرة العربية (التي كُتب بها القرآن)، كما حصل الأرمن والفرس والهنود على أبجدياتهم من المصادر الآرامية، مما جعل الحروف الفينيقية تطوق العالم شرقاً وغرباً.

أما الدين، فيركّز الفصل على عبادة هدد، إله العاصفة والرعد، وقرينته عثتر عتيه (أترجتس)، إلهة الخصب. يصف معبد هدد الرئيسي في منبج (هيرابوليس) ومعابد أخرى، ويشير إلى أن جوبيتر هليوبوليتانوس في بعلبك هو على الأرجح هدد. كما تصف ثياب وأنماط عبادة أترجتس، بما في ذلك استخدام الحجاب كرمز للمرأة المتزوجة، والذي ظهر في النقوش الفنية البالميرية والدورية الأوروبوسية. تشير شواهد القبور والنقوش مثل نقش زكير ملك حماة ولعش إلى آلهة أخرى مثل بعل شمين وشمس وسحر (إله القمر في حران). يذكر الفصل أيضاً نقوشاً خطية ومخطوطات مهمة مثل نقش بن هدد الأول من حلب ونقوش زنجرلي (شمأل)، وبرديات الفنتين من مصر.

يتضمن الفصل تحفظات حول بعض النقاط، مثل عدم اليقين حول أصل كلمة "آرام" نفسه، أو أن تحديد موقع صوبة هو تخميني بعلاقته بمدينة شالكيس (عنّجر). كما يقر المؤلف بأن الثقافة الآرامية غير موضع تقدير كافٍ اليوم، ولا يعي معظم السوريين المعاصرين تراثهم الآرامي على عكس اللبنانيين الذين يبرزون أصولهم الفينيقية. حجة قابلة للنقاش تظهر في الادعاء بأن الآراميين هم الذين طوروا الأبجدية العبرية المربعة، مما يشير إلى تأثر عميق بين الثقافتين، وهو ما تدعمه الإشارات إلى استخدام العبرانيين الأوائل للأبجدية الفينيقية القديمة قبل أن يتبنوا الآرامية.

13.الشعب العبري208–234
14.المملكة العبرية197–234▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل من كتاب فيليب حتي على المملكة العبرية، ويقدمها كآخر الشعوب السامية الكبرى التي استقرت في سوريا، ناقلاً مركز الثقل السياسي إلى جنوب البلاد، أي فلسطين. يقدم المؤلف تاريخ العبرانيين من بداياتهم المبهمة وصولاً إلى انقسام مملكتهم وسقوطها، محاولاً استخلاص النواة التاريخية من النصوص التوراتية والأدلة الأثرية.

يبدأ الفصل بوصف الهجرات العبرية الثلاث المفترضة إلى كنعان. الأولى، التي يعود تاريخها إلى حوالي القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وترتبط بحركة الهكسوس. أما الثانية، فتعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد وترتبط بالآراميين. أما الهجرة الثالثة والأكثر أهمية فهي الخروج من مصر تحت قيادة موسى ويوشع في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. يشير المؤلف إلى أن العبرانيين لم يكونوا عنصراً نقياً، بل نشأوا من مزيج من ساميين وحثيين وحوريين وغيرهم. ويؤكد أنهم تبنوا الثقافة المادية الكنعانية ولغتها، وأصبحت العبرية القديمة والكنعانية لهجتين من لغة واحدة.

ينتقل الفصل إلى فترة القضاة، واصفاً إياهم بأنهم قادة وطنيون ظهروا في أوقات الأزمات، مثل دبورة وجدعون. يبرز هنا دور الفلسطينيين كأخطر منافسي العبرانيين على أرض كنعان. يصفهم المؤلف بأنهم من "شعوب البحر" الذين قدموا من منطقة بحر إيجه حوالي 1191 قبل الميلاد، واستقروا على الساحل الجنوبي لسوريا في مدنهم الخمس: غزة، عسقلان، أشدود، عقرون وجت. يقدم الفصل تفصيلاً مهماً عن تفوق الفلسطينيين العسكري بفضل معرفتهم بصناعة الحديد، الذي احتكروا استخدامه وأجبروا العبرانيين على الذهاب إليهم لشحذ أدواتهم الزراعية. ويشير إلى أن أعظم إسهام فلسطيني كان رفع مستوى الثقافة السورية من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي.

مع المقاومة للفلسطينيين، يظهر الفصل تأسيس المملكة العبرية الموحدة. يُقدم شاول (حوالي 1020 ق.م) كأول ملك، لكنه يوصف بأنه كان ضعيفاً وفاشلاً، وانتهى بانتحاره بعد هزيمته في معركة جبل جلبوع. أما المؤسس الحقيقي فهو داود (حوالي 1004-960 ق.م)، الذي بدأ ملكه تحت السيادة الفلسطينية، ثم حرر البلاد ووسع المملكة لتشمل أدوم ومؤاب وعمون وامتدت حتى وصلت إلى دمشق. اختار داود القدس عاصمة له، وهي مدينة يبوسية لم تكن تابعة لأي سبط، وأقام فيها مقراً للملك ومذبحاً للرب، مؤسساً بذلك يهوه كدين رسمي. كما يُنسب له بدايات الأدب العبري وتدوين التاريخ.

يصف الفصل بعد ذلك عهد سليمان (حوالي 960-925 ق.م) كفترة بلغت فيها المملكة أوج مجدها وعظمتها. شهد عهده بناءً واسعاً كقصر "بيت غابة لبنان" وهيكل سليمان الذي استغرق بناؤه سبع سنوات، وكلها نُفذت بمساعدة حرفيين فينيقيين من صور بقيادة الملك حيرام. كما أنشأ سليمان أسطولاً بحرياً في غصن عابر (إيلات) للتجارة مع جنوب الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، واستغل مناجم النحاس والحديد في أدوم. ومع ذلك، يشير الفصل إلى أن الترف المفرط والزواج من نساء كثيرات أدى إلى عبادة آلهة أخرى ونشر السخط بسبب السخرة والضرائب الباهظة.

هذا السخط أدى مباشرة إلى انقسام المملكة بعد وفاة سليمان حوالي 925 ق.م. عندما طالب وفد الشمال بتخفيف الأعباء، رد ابنه رحبعام بوقاحة قائلاً: "أبي أدّبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب"، مما دفع الأسباط العشرة إلى انتخاب يربعام ملكاً على مملكة إسرائيل في الشمال، وعاصمتها السامرة، بينما بقيت مملكة يهوذا في الجنوب مع القدس عاصمة لرحبعام. يتناول الفصل علاقات المملكتين المتوترة، ويذكر ملوكاً بارزين في إسرائيل مثل عمري الذي بنى السامرة، وابنه أخاب الذي شارك في معركة قرقر غير الحاسمة (853 ق.م) وزوجته الفينيقية إيزابل التي حاولت فرض دين البعل، ويهو الذي قاد ثورة دموية أنهت حكم آل عمري. كما يذكر نجاحات يربعام الثاني في توسيع الحدود على حساب آرام، وهي فترة من الازدهار المؤقت بسبب ضعف آشور.

ينتهي الفصل بوصف النهاية المحتومة. مع صعود تجلات فلاسر الثالث (747-727 ق.م)، استأنفت آشور سياساتها التوسعية. هاجم شلمنصر الخامس السامرة وحاصرها لمدة ثلاث سنوات، فسقطت عام 722-721 ق.م أمام خليفته سرجون الثاني، الذي قام بترحيل 27,280 شخصاً من صفوة شباب إسرائيل إلى ميديا، محطماً المملكة الشمالية إلى الأبد. يختتم المؤلف الفصل بملاحظة أن "الأسباط العشرة المفقودة" لم تُفقد حقاً، بل تم استيعاب المنفيين، وأن الادعاءات بنسب بعض الجماعات في بريطانيا والولايات المتحدة منهم هي ادعاءات "سخيفة". يبقى مصير مملكة يهوذا مفتوحاً، مع الإشارة إلى الجزية التي دفعتها وأحلافها التي فشلت، لتكون مهددة بالخطر الآشوري نفسه.

15.جوانب من الحياة الثقافية والروحية: التوحيد235–248▼ ملخص

يبحث هذا الفصل في الحياة الثقافية والروحية للعبرانيين، مركزاً على جذورها الكنعانية، ويخلص إلى أن إسهامهم الحقيقي والحاسم في تاريخ البشرية لم يكن في السياسة أو الفن أو الاقتصاد، بل في الدين وحده، وتحديداً في بلورة مفهوم التوحيد الأخلاقي.

يبدأ الفصل بتأكيد أن العبرانيين، عند استقرارهم في فلسطين، اتبعوا النمط الثقافي لكنعان. فقد تعلموا منها الزراعة، واتخذوا لغتها وأبجديتها، وتبنوا ممارساتها ومعتقداتها الدينية التي كانت ترتبط بالخصوبة، مثل عبادة "المرتفعات" والحية والعجل الذهبي. ويشرح الكاتب أن طقوس العهد القديم المحظورة، مثل سَلْق جَدْي في لبن أمه، كانت تمارس في أوغاريت، مما يؤكد الأصل الكنعاني للعديد من الممارسات. ويضرب مثالاً على ذلك برقصة داود أمام التابوت، التي يصفها بأنها انعكاس لرقصة خصوبة كنعانية.

في البداية، كانت سلطة الإله يهوه مقصورة على الدولة، بينما كانت شؤون الحياة اليومية، كالزراعة والتجارة، خاضعة للآلهة المحلية مثل بعل. ازدادت عبادة بعل بشكل كبير، حتى أن أسماء العديد من الشخصيات العبرانية، مثل ابن شاول وابن يوناثان، احتوت على اسم بعل. ويذكر الفصل أن الملكة إيزابل والملك أخاب شهدا فترة كان فيها عدد من لم يحنِ ركبته لبعل سبعة آلاف فقط.

ينتقل الفصل ليتناول تأثير كنعان في الفنون والعمارة العبرانية. فقد بني هيكل سليمان على طراز المعابد الكنعانية بمهندسين من صور، وزين بتماثيل "الكروبيم"، التي يوضح الكاتب أنها لم تكن الملائكة الصغيرة المجنحة في عصر النهضة، بل كانت كائنات هجينة بين الأسد والإنسان تعود أصولها إلى رمزية سورية قديمة. كذلك، استعار العبرانيون موسيقاهم الدينية وطقوسهم وعادات دفنهم ولباسهم وحتى أدواتهم المنزلية من الكنعانيين.

في القسم الأخير والأهم، يطرح الكاتب السؤال الجوهري: إذا لم يكن إسهام العبرانيين في الفن أو السياسة، فما هو؟ ويجيب بأنه يكمن في الدين وحده، ومتجسداً في العهد القديم، الذي لم يكن مجرد أدب بل "نصباً لحضارة بأكملها" ظل قوة ديناميكية في حياة البشر. ويصف الفصل الفرق بين أنواع المعلمين في إسرائيل: النبي الذي يتكلم باسم الله، والكاهن الذي يدرس الشريعة ويؤدي الطقوس، والحكيم (مثل أيوب والأمثال) الذي يوجه الفرد من خلال الخبرة البشرية. ويقارن بين شريعة موسى وشريعة حمورابي، مشيراً إلى أن العنصر الأخلاقي في الوصايا العشر، الذي يصل إلى تحريم التفكير في الرغبة المحرمة، هو مالم يبلغه أي قانون آخر.

يصرح الكاتب بأن النبوة العبرانية تُعد "أعظم حركة في التاريخ الروحي للبشرية". فالأنبياء لم يتنبؤوا بالمستقبل بقدر ما كانوا متحدثين باسم الله، وقد برزوا كاحتجاج على عبادة البعل. لقد أنتجوا ديناً جديداً قائماً على التوحيد الأخلاقي الحصري: إله واحد، أخلاقي، عادل، عالمي، لا يهتم بالطقوس والتضحيات بقدر ما يهتم بالسلوك الأخلاقي والعدالة الاجتماعية. ويوضح الفصل الفرق بين التوحيد (الذي ينكر وجود آلهة أخرى) والهينوثية (الاعتقاد بإله أعلى مع وجود آلهة أخرى تابعة)، معتبراً أن موسى وداود كانا هينوثيين.

يُعتمد أن أول من نادى بالتوحيد في التاريخ كان النبي عاموس حوالي 730 ق.م، وهو راعي من تقوع، الذي نظر إلى يهوه باعتباره إله كل الأمم وإله البر الاجتماعي. تبعه إشعياء الذي شدد على قداسة الله، ثم إرميا (626-586 ق.م) الذي طور مفهوم العهد الجديد المنقوش على القلوب ومبدأ المسؤولية الفردية. واستمرت المساهمة مع هوشع (فكرة أن الله محبة) وميخا (العدالة والرحمة) وحزقيال (المسؤولية الفردية). ويختتم الفصل بأن الإسلام، كثالث الديانات التوحيدية الكبرى، اعتمد هذا التوحيد الأخلاقي، وأن زرادشتية شاركت بعض سماته.

يقر الكاتب بصعوبة تفسير كيف تطور الإله القبلي المنتقم إلى إله كوني رحيم، لكنه يشير إلى أن الأنبياء ابتكروا حلاً فريداً: عندما هزم الأشوريون إسرائيل، لم يعتبر الأنبياء أن إلههم آشور أقوى، بل أن يهوه نفسه استخدم آشور كأداة لعقاب شعبه. بهذا التحول الفكري، حوّلوا الهزيمة إلى نصر روحي. ورغم أن الفصل لا يحتوي على حجج قابلة للنقاش بوضوح داخله، إلا أن النص يقدم رؤية متكاملة ومترابطة تجعل من الصعب فصل إنجاز التوحيد عن السياق الثقافي الكنعاني الذي نبت منه.

16.تحت الحكم الفارسي — من العصر السامي إلى الهندوأوروبي249–260▼ ملخص

يقدّم هذا الفصل من كتاب فيليب حتي عن تاريخ سورية صورة شاملة للحقبة الفارسية في بلاد الشام، معتبراً إياها نقطة تحوّل كبرى في تاريخ المنطقة، حيث انتقلت السيطرة من الإمبراطوريات السامية (الآشورية والبابلية) إلى الإمبراطوريات الهندوأوروبية (الفارسية فالمقدونية فالرومانية). المحور الأساسي للفصل هو الإجابة عن سؤال: كيف تحولت سورية وفلسطين من كونها جزءاً من إمبراطورية سامية (بابل الجديدة) إلى ولاية في إمبراطورية فارسية، وكيف أثّر هذا التحول على البنى السياسية والاجتماعية والدينية في المنطقة.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني وأحداثي واضح. يبدأ بانهيار الإمبراطورية الآشورية، حيث يحدد سقوط نينوى عام 612 ق.م والقضاء على فلول الجيش الآشوري في حران عام 609 ق.م على يد القوات البابلية. يطرح السؤال حول من سيخلف آشور في السيطرة على شرق البحر المتوسط، ويجيب عنه بهزيمة فرعون نخو في كركميش عام 605 ق.م على يد نبوخذ نصر، مما رسخ السيطرة البابلية (الكلدانية) التي كانت سامية. ثم ينتقل إلى سقوط بابل الجديدة على يد الفرس بقيادة كورش عام 538 ق.م، ليعتبر هذا الحدث فاصلاً تاريخياً بين العصر السامي والعصر الهندوأوروبي. يصف الفصل بوضوح أن السادة الجدد وهم الفرس من الفرع الهندوإيراني، وسيتبعهم المقدونيون والرومان والبيزنطيون وكلهم من أصول هندوأوروبية، وأن أيام الإمبراطوريات السامية لن تعود لأكثر من ألف عام، وعندما عادت كانت تحت راية العرب.

يصف الفصل بالتفصيل النظام الإداري الفارسي بقيادة دارا الأول (521-486 ق.م) كواحد من أعظم وأكثر الملوك استنارة في العالم القديم. ينقسم الفصل في شرحه لأسس هذا النظام: تقسيم الإمبراطورية إلى 23 ولاية (ساترابية) يحكم كل منها ساتراب (والٍ مدني)، وإلى جانبه جنرال وسكرتير مستقلان عنه، لضمان عدم تركيز السلطة. تم ضم سورية وفلسطين وقبرص في الساترابية الخامسة "عبر النهر" (غربي الفرات)، ودفعت الجزية بمقدار 350 وزنة، وهو مبلغ خفيف نسبياً. ومن الإنجازات المهمة التي يذكرها بناء وتحسين الطرق، وإنشاء نظام بريدي، وإصلاحات ضريبية، وتنظيم أسطول بحري اعتمد بشكل كبير على الفينيقيين، وسك عملة موحدة، واعتماد اللغة الآرامية كلغة رسمية للإدارة في الأقاليم الغربية إلى جانب الفارسية.

يتوقف الفصل مطولاً عند السياسة الفارسية تجاه اليهود، ويصفها بأنها عكس السياسة الآشورية والكلدانية القائمة على التهجير القسري. يذكر أن كورش أصدر مرسوماً يسمح لليهود بالعودة إلى وطنهم وإعادة بناء الهيكل، معتبراً أن وجود مجتمع يهودي في فلسطين مدين له بوجوده سيشكل ثقلاً مضاداً للفصيل الموالي لمصر. يتطرق الفصل إلى الجدل حول عدد العائدين، فيذكر أن الرقم 42,360 الوارد في سفر عزرا ونحميا يبدو كبيراً مقارنة بإجمالي المنفيين (38,000) ولا يتطابق مع التحليل التفصيلي في القوائم التي تسبق الخلاصة. يذكر أن قائد العائدين الأول كان زربابل، حفيد يهويا كين آخر ملوك يهوذا، الذي أكمل بناء الهيكل حوالي 515 ق.م على نفقة الدولة وبجهود الأنبياء حجي وزكريا. ثم يذكر عودة مجموعتين لاحقتين بتفويض من أرتحششتا الأول (465-424 ق.م)، الأولى بقيادة نحميا (حوالي 444 ق.م) الذي أعاد بناء أسوار أورشليم رغم معارضة الجيران كسنبلط حاكم السامرة وجشم العربي، وحكم كحاكم فعلي تحت السيادة الفارسية حتى 432 ق.م، والثانية بقيادة عزرا الكاهن والكاتب الذي عمل على تنقية الدين والدم، وأجبر على طرد الزوجات غير اليهوديات وأولادهن. ويشير الفصل إلى أنه في هذه الحقبة توقف العبرية عن كونها لغة التخاطب اليومي حتى في يهوذا، وحلت محلها الآرامية، وبقي العبرية لغة مقدسة.

فيما يتعلق بالفينيقيين، يصف الفصل دورهم المحوري في الأسطول الفارسي، حيث شكلوا عموده الفقري في غزو مصر تحت حكم قمبيز (ابن كورش) وفي الحرب ضد اليونان تحت حكم خشایارشا (486-465 ق.م)، حيث زوّدوه بـ207 سفن وأظهروا براعة هندسية في حفر قناة عبر البرزخ. كما يصف حكمهم الذاتي تحت السيادة الفارسية، حيث سُمح لمدنهم الرئيسية (أراد وجبيل وصيدا وصور) بالحكم على دويلات مصغرة. وفي القرن الرابع، اتحدت هذه المدن في فيدرالية، وجُعلت مدينة طرابلس حديثة الإنشاء (وهي مكونة من ثلاثة أحياء لممثلي صور وصيدا وأراد) مقراً للمؤسسات الفيدرالية، وكانت تضم مجلساً سنوياً يضم حوالي 300 مندوب. يصف الفصل بالتفصيل ثورة الفينيقيين ضد أرتحششتا الثالث (أوخوس) التي بدأت في 351 ق.م من طرابلس وامتدت إلى صيدا بقيادة ملكها تِـِنـِس. ورغم التحضيرات، خان تنس المدينة، لكن السكان آثروا حرق أنفسهم وسفنهم في الميناء على الاستسلام، مما أدى إلى تدمير صيدا مرة أخرى ومقتل أكثر من 40,000 شخص، بعد أن دُمرت أول مرة على يد أسرحدون عام 677 ق.م.

في الجوانب الثقافية، يقرّ الفصل بندرة المعلومات عن تطور الثقافة السورية تحت الحكم الفارسي، معتبراً أن تاريخ سورية في هذه الفترة هو من أكثر فتراتها غموضاً، ومصادره محصورة في عدد قليل من العملات والنقوش المنتشرة والكتابات العبرية والكلاسيكية التي تتوقف المصادر العبرية فيها حوالي 400 ق.م. يؤكد الفصل أن الحضارة السورية استمرت توليفة سامية هجينة مع هيمنة الثقافة الآرامية والفينيقية. يناقش التأثير الفارسي على اليهودية، والذي لم يظهر بوضوح إلا في القرن الثاني قبل الميلاد، وتمثل في نزعة ثنوية (صراع الخير والشر/النور والظلمة) تطورت منها فكرة الخصم الشخصي للإله الواحد، وتنظيم هرمي للملائكة، ونمو الإيمان بالدينونة الأخيرة والثواب والعقاب بعد الموت. يضرب الفصل مثالاً على ذلك بسفر أخنوخ الذي يتضمن فكرة وزن أعمال الإنسان بميزان، وهي فكرة فارسية الأصل وإن كانت جذور الميزان أقدم. في العمارة، يذكر بقايا قصر في تل الدوير (لخيش) يُفترض أنه مقر فارسي، وتماثيل على النمط الفارسي في آثار قصر فارسي في صيدا، لكنه يشير أيضاً إلى تواجد النحت الأتيكي (اليوناني) بقوة من خلال التوابيت الرخامية العديدة في صيدا. يخلص الفصل إلى أنه بحلول القرن الخامس، كانت اليونان، التي كانت في القرن السابع متلقية للثقافة من فينيقيا، قد عكست الوضع وأصبحت هي المصدر، وأن المستوطنات التجارية اليونانية تواجدت في المدن الساحلية لقرن على الأقل قبل غزو الإسكندر.

يقر الفصل صراحة بوجود ثغرات في المعرفة، خاصة فيما يتعلق بتطور الثقافة السورية تحت الحكم الفارسي، ويعترف بأن التأثير الفارسي على اليهودية نفسه لم يظهر إلا متأخراً. هناك نقطة قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه وهي الرواية الكتابية (التوراتية) لعودة اليهود وقادتها، حيث يشير المؤلف إلى خلافات بين المؤرخين حول تسلسل وصول عزرا ونحميا وأولوياتهما، كما يشكك في دقة الأرقام الواردة في أسفارهم حول عدد العائدين.

17.الإسكندر وخلفاؤه، السلوقيون263–282▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل من كتاب فيليب خوري حتّي على فترة انتقالية حاسمة في تاريخ سورية، تمتد من حملة الإسكندر المقدوني حتى انهيار المملكة السلوقية وبداية الحكم الروماني. يُقدّم المؤلف الإجابة عن سؤال محوري: كيف انتقلت سورية من كونها ولاية فارسية إلى أن أصبحت مسرحاً للصراع بين خلفاء الإسكندر، ثم مملكة هلنستية كبرى، وأخيراً ولاية رومانية، وما التأثيرات العميقة التي خلّفتها هذه التحولات على هويتها وثقافتها.

يسير الفصل وفق تسلسل زمني واضح، يبدأ بانطلاق الإسكندر من مقدونيا في ربيع 334 ق.م على رأس جيش قوامه ما بين 30,000 و40,000 رجل، لمواجهة الإمبراطورية الفارسية. يصف الكاتب معركة إسوس (333 ق.م) كأول انتصار حاسم، حيث هزم الإسكندر جيش داريوش الثالث الضخم الذي تجاوز 200,000 جندي بفضل التضاريس الضيقة التي أبطلت التفوق العددي. بعد هذا النصر، تحرك الإسكندر جنوباً على طول الساحل لضمان خطوط اتصاله، فاستسلمت له مدن مثل مرathus و أradus و جبيل و صيدون، بينما قاومت صور مقاومة أسطورية دامت سبعة أشهر، انتهت بإعدام حوالي 2,000 من سكانها وبيع حوالي 30,000 آخرين في العبودية. يرى المؤلف في مقاومة صور "آخر شعلة للروح القومية الفينيقية". بعدها سقطت غزة بعد حصار دام شهرين، مما فتح الطريق أمام الإسكندر لغزو مصر حيث أسس مدينة الإسكندرية وزار معبد آمون في سيوة ليُعلن ابناً للإله، وهي حادثة يراها المؤلف ذات دلالة كبيرة لإدخال مفهوم "الملكية الإلهية" إلى العالم اليوناني الروماني. يعود الإسكندر إلى سورية عام 331 ق.م ليعاقب السامريين، ثم يتجه شرقاً ليهزم الجيش الفارسي الأخير في معركة أربيلا، ويستولي على خزائن بابل و سوسة و برسيبوليس التي أحرق قصرها الملكي انتقاماً من حرق الفرس لمعابد أثينا. يتتبع الفصل موت داريوش الثالث بيد المتآمرين (عام 330 ق.م) وإعلان الإسكندر نفسه وريثاً شرعياً للعرش الفارسي، ثم حملته الشرقية حتى الهند التي توقفت عام 326 ق.م بسبب تململ الجيش، قبل أن يعود إلى بابل ليموت بالحمى في يونيو 323 ق.م عن عمر لم يتجاوز ثلاثة وثلاثين عاماً.

يبرز المؤلف مساهمة الإسكندر الكبرى في التاريخ: إتاحة الفرصة لانصهار الأفكار والمؤسسات اليونانية والشرقية، وهي عملية تسارعت بفضل فتوحاته. يذكر أن الإسكندر شجع زواج ضباطه وجنوده من نساء آسيويات، وتزوج هو نفسه من روكسانا الباخترية وأميرتين من البيت الملكي الفارسي، كما ارتدى الزي الشرقي في المناسبات الرسمية. ويصف المؤلف لحظة تاريخية في مأدبة ضمت 9,000 من المقدونيين والفرس، صلى فيها الإسكندر من أجل "اتحاد القلوب وكومنولث مشترك". إنشاء أكثر من سبعين مدينة كان وسيلة أخرى لسياسته، خدمت أغراضاً عسكرية وثقافية واقتصادية، لتصبح اللغة اليونانية لغة العلم والثقافة.

عند وفاة الإسكندر، انهارت إمبراطوريته وتقسمت بين قادته الأربعة: بطليموس في مصر، وسلوقس في بابل، وأنتيغونوس في آسيا الصغرى، وأنتيباتر في مقدونيا. يُركّز الفصل على سلوقس الأول نيكاتور (312-280 ق.م) الذي يعتبره المؤلف الأكثر قدرة والأب المؤسس للمملكة السلوقية. عام 312 ق.م، استعاد سلوقس بابل، وهو التاريخ الذي يُعتبر بداية المملكة السلوقية وبداية التقويم السلوقي في الشرق الأدنى. بعد انتصاره في معركة إبسوس (301 ق.م)، حصل سلوقس على سورية من الفرات إلى البحر المتوسط، وجعل من أنطاكية على نهر العاصي عاصمة لحكمه. يُظهر الفصل كيف توسعت المملكة السلوقية شرقاً حتى نهر السند، وغرباً حتى آسيا الصغرى، لتصبح أقوى وأوسع الممالك التي قامت على أنقاض إمبراطورية الإسكندر، لكنها واجهت تحديات منذ البداية. يوضح المؤلف سياسة التهلينة التي اتبعها السلوقيون، والتي تجسدت في تأسيس مدن عديدة تحمل أسماء مؤسس السلالة مثل سلوقية (التي أصبحت ميناءً لأنطاكية ومقبرة للملوك)، ولاوديقية (اللاذقية)، وأفاميا (التي ضمت جيش المملكة وخزينتها و30,000 فرس و300 فحل من الخيول العربية).

يتناول الفصل مرحلة الانحدار السريع للمملكة تحت حكم خلفاء سلوقس الأول المباشرين، مع سرد مفصل لجهود أنطيوخوس الثالث الكبير (223-187 ق.م) لإنعاشها. نجح أنطيوخوس في استعادة الأراضي الشرقية وصولاً إلى الهند، وإخضاع فلسطين بعد انتصاره في معركة بانياس (198 ق.م)، لكنه اصطدم بالقوة الصاعدة الجديدة: روما. كان أول اتصال دبلوماسي بين روما وأنطاكية عندما أمرته بالابتعاد عن مصر، ثم هزمته روما في معركتي ثيرموبيلاي (191 ق.م) وماغنيسيا، وأجبرته بمعاهدة عام 188 ق.م على التخلي عن كل ممتلكاته غربي جبال طوروس ودفع تعويضات حرب باهظة. ثم يأتي دور أنطيوخوس الرابع إبيفانيس (175-164 ق.م)، الذي حاول استعادة المجد السلوقي بغزو مصر وهزم جيشها عند بلوزيوم (169 ق.م)، لكن روما ضغطت عليه لإجباره على الانسحاب. يخصص الفصل مساحة واسعة لسياسة أنطيوخوس الرابع التعصبية لنشر الثقافة الهلنستية، والتي بلغت ذروتها في محاولته فرض عبادة الإله اليوناني زيوس أوليمبيوس في هيكل القدس، التي يصفها دانيال بأنها "رجسة الخراب". هذا التجاوز أشعل شرارة الثورة المكابية في يهودا عام 168 ق.م بقيادة يهوذا المكابي وأسرته الحشمونية من بلدة موديعين. يصف الكاتب كيف تحولت هذه الثورة من مقاومة دينية ضد الاضطهاد إلى حرب تحرير وطني ضد السيطرة السلوقية، وصراع داخلي بين اليهود الأرثوذكس واليهود المتحللين (حزب الإصلاح الهلنستي). انتهى الأمر بانتخاب سمعان المكابي حاكماً وكاهناً أكبر عام 141 ق.م، وحصول يهودا على الاستقلال وبدء تقويم يهودي جديد.

يسجل الفصل مرحلة الاضمحلال الأخيرة للسلوقيين بعد أنطيوخوس الرابع، حيث تحولت المملكة من إمبراطورية شاسعة إلى دولة محلية في شمال سورية بسبب الثورات الداخلية، والنزاعات الأسرية، وتقلص الأراضي. يتتبع المؤلف صعود كيانات محلية جديدة على حساب السلوقيين: مملكة أديسا العربية التي حكمتها سلالة أبجر، وإمارة إميسا العربية، ودولة الإيطوريين التي توسعت في سورية الجوفاء وساحل فينيقيا. لكن آخر ضربة كانت من الملك الأرمني تيغرانس الكبير الذي اجتاح سورية وشمالها حوالي عام 83 ق.م ولقب نفسه "ملك الملوك". وبعد أن أجبرته روما على الانسحاب، ثار صراع بين آخر الأمراء السلوقيين، أنطيوخوس الثالث عشر وفيليب الثاني. يختم الفصل بالحدث المصيري: عام 64 ق.م، قاد القائد الروماني بومبيوس حملته ضد مملكة بنطس وأرمينيا، وأعلن ضم سورية كمقاطعة رومانية تحت حكم حاكم روماني مباشر، واحتل فلسطين في العام التالي. بهذا، ينهي الفصل حقبة السلوقيين ويعلن بداية عصر جديد هو العصر الروماني في تاريخ سورية.

يطرح الفصل بعض الحجج القابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بتقييم شخصية الإسكندر وسياساته. فبينما يمدح المؤلف "حلمه بالمجتمع العالمي الموحد"، يُظهر الفصل أيضاً بوضوح الوجه الوحشي لفتوحاته من خلال تدمير صور وبيع سكانها، وسحب القائد الغزّي حول أسوار مدينته. كذلك، فإن إضفاء هالة من التقدم على سياسة "التهلينة" يتجاهل إلى حد ما الصراع العنيف الذي خلفته، والذي تجسد في الثورة المكابية. وأخيراً، يعترف المؤلف بأن المملكة السلوقية، رغم قوتها الظاهرية في مراحلها المبكرة، كانت تعاني من عدم استقرار داخلي مزمن أدى إلى انهيارها السريع أمام الضغوط الداخلية (التمردات المحلية) والخارجية (روما والبارثيين).

18.العصر الهلنستي283–293▼ ملخص

يبدأ الفصل بوصف كيف أن الهلينة لم تبدأ مع غزوات الإسكندر، بل سبقتها، ثم تسارعت وتيرتها بفضل سياسات السلوقيين. النتيجة كانت حضارة توليفية بين العنصرين اليوناني والسامي عُرفت بالهلينية، والتي هيمنت ليس فقط على سوريا بل على غرب آسيا ومصر. استمرت هذه الحضارة في سوريا لألف عام حتى الفتوحات الإسلامية، وقد تأرجحت زمنياً بين طبقتين ساميتين: الآرامية تحتها والعربية فوقها.

كانت المدن اليونانية التي أسسها الإسكندر وخلفاؤه هي المشاتل التي رعت هذه الثقافة التوفيقية. اختيرت مواقعها بعناية على مفترقات الطرق الاستراتيجية وأودية الأنهار، وكانت مدناً تتحدث اليونانية وتحكم بدساتير يونانية، مما سمح لسكان يونانيين ومقدونيين بالبقاء وسط مجتمعات محلية. تألف المستوطنون في البداية من جنود ومرتزقة، ثم تدفق عليهم المدنيون، وانضم إليهم لاحقاً أبناء الزيجات المختلطة والسكان الأصليون الذين تبنوا مظاهر الهلينة. تزوج المستوطنون جزئياً من نساء محليات.

تتصدر أنطاكية قائمة مراكز نشر الثقافة اليونانية. بُنيت حوالي 300 ق.م. على الضفة اليسرى لنهر العاصي على بعد حوالي عشرين ميلاً من البحر، وأصبحت تحت حكم السلوقيين العاصمة السياسية لكل آسيا. تليها سلوقية و لاوديقية و أباميا. ازدهر فيها عدد من الخطباء والفلاسفة في القرنين الأخيرين قبل الميلاد، لكن لم يكن منهم من الدرجة الأولى باستثناء بوسيدونيوس. بينما كان السلوقيون يغرسون مدناً يونانية شمال لبنان، كان البطالمة يفعلون الشيء نفسه جنوبه، لكن رؤسائهم المقدونيين في مصر كانوا أقل حماساً للتبشير بالهلينية. من مؤسساتهم فيلوتيريا على بحيرة طبرية، وبيلا التي قد يكون الإسكندر نفسه أسسها، وجرش التي أسسها أنطيوخوس الرابع تقريباً وسميت "أنطاكية على كريسورواس".

في كثير من الحالات، حوّلت القرى أو الحصون المحلية إلى مدن يونانية-مقدونية. بنيت هذه المدن وفق مخطط مسبق وزودت بمسارح وحمامات وصالات رياضية وأسواق، مما ميزها عن المدن السامية القديمة التي كانت تنمو دون تخطيط حول حصن أو نبع أو مزار. أصبح لسوريا مدن أكثر من أي وقت مضى، حيث جرت إعادة استعمار المدن القديمة وتغيير أسمائها: أصبحت عكا تُعرف بـبطليموس، وعمّان بـفيلادلفيا، وبيسان بـسكيثوبوليس، وبيروت بـلاوديقية في القرن الثاني، وحماة بـإبيفانيا، وشيزر بـلاريسا، وأورفة أو الرها بـأنطاكية، ونصيبين بناها نيكاتور.

في المدن المعاد استعمارها، سُمح للعنصر المحلي بالبقاء بدرجة أكبر مما كان معتاداً في المستوطنات الجديدة، لكن المدينة اليونانية أو المقدونية المفروضة غالباً ما "تشرّبت" السكان الأصليين. من المثير للاهتمام أن معظم هذه المدن تخلصت لاحقاً من أسمائها اليونانية وأعادت تأكيد طابعها السامي وأسمائها السامية المعروفة اليوم، مثل حلب (بيرويا) وبيت جبرين (إليوثيروبوليس). ولكن العناصر الفنية والمعمارية والثقافية اليونانية بقيت وظهرت في العصر الروماني؛ فالقوس والقبو كانا معروفين من قبل لكن التيجان الكورنثية ازدهرت فيما بعد، والمسارح والصالات الرياضية التي بناها الهيروديون تحت الحكم الروماني كانت في التقليد الهليني.

استجابت أجزاء مختلفة من سوريا للمؤثرات اليونانية بدرجات متفاوتة. في الشمال، سُميت مدن وحتى أماكن أخرى بأسماء المدن الأم، وتم تحديد الآلهة المحلية مع آلهة يونانية، إذ أصبح بعل هو زيوس، واستُوطنَت الأساطير الهندوأوروبية. على بعد أربعة أميال جنوب أنطاكية كانت دافني، جنتها، حيث يقال إن الحورية دافني تحولت إلى غار. تحول شمال سوريا إلى "مقدونيا جديدة". تلتها المدن الفينيقية، التي كانت لها اتصالات سابقة مع اليونان منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد وفقدت روحها القومية، مما سهل التوليف اليوناني-السوري. ضربت صور وصيدا وأرواد نقوداً تحمل نقوشاً يونانية إلى جانب الفينيقية. أصبحت الهلينية في سوريا الفينيقية أكثر قوة وإنتاجاً منها في سوريا الآرامية. من بين كتّاب تلك الحقبة زينون الصيداوي، معلم زينون الكيتي مؤسس الرواقية، أعظم إبداعات العصر. ومن رؤساء المدارس الفلسفية أيضاً ديودورس الصوري الأرسطي، وأنطيوخس العسقلاني الذي حاول التوفيق بين الأفلاطونيين والرواقيين.

رغم هالة الثقافة اليونانية، يقر الفصل بأن الشرق الهليني كان مجرد خلق اصطناعي. استمرت البهالية واليهودية في تقاليدهما القديمة، وتبنى السلوقيون العبادات المحلية بصيغ هلينية. ظلت الآرامية اللغة العامية للناس، الذين بقوا ساميين في جوهرهم. في تدمر في وقت متأخر من القرن الثالث بعد الميلاد، استُخدمت الآرامية إلى جانب اليونانية كلغة رسمية. في دورا-أوروبوس استُخدمت كلاهما. تأثر المستوطنون اليونانيون بالحياة السامية أكثر مما تأثر الساميون بالحياة اليونانية. حتى بعض ملوك السلوقيين المتأخرين اكتسبوا ألقاباً آرامية، مثل الإسكندر بالاس والإسكندر زابيناس. في سوريا الآرامية وفلسطين اليهودية، حافظت الثقافة المحلية على وجودها وأعطت أكثر مما أخذت.

لم يترك الأدب الآرامي من سوريا السلوقية أي بقايا، ولا نقوش آرامية. أمام إلهامات اليونان، تقلص النشاط الأدبي المحلي إلى لا شيء تقريباً. لكن من المؤكد أن كثيراً من الكتّاب الذين حملوا أسماء يونانية وكتبوا باليونانية كانوا سوريين الأصل. ومن المحتمل أن بعض القطع الأدبية الآرامية كُتبت لكنها لم تنجُ. بعض الأعمال العبرية نجت فقط بفضل مترجم يوناني وقبولها في الأسفار القانونية الثانية مثل سفر المكابيين الأول. كتاب أخنوك، وسفر الجامعة (حوالي 200 ق.م.)، وسفر دانيال (القرن الثاني ق.م.) هي أمثلة على أعمال عبرية من هذا العصر.

لم يتطور أي جزء من الإمبراطورية السلوقية إلى مركز حقيقي للإبداع الفني أو الأدبي أو العلمي. لم يكن الملوك رعاة سخيين للعلم، على عكس البطالمة باستثناء بطليموس الأول. المؤسسات الوحيدة الجديرة بالذكر كانت مكتبات في العواصم. الاسم الوحيد البارز في المقاطعات الشرقية هو سلوقس السلوقي، أصله كلداني، الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد وأكد أن الشمس مركز الكون، وقدم آراءً صحيحة علمياً حول العلاقة بين المد والجزر والقمر. أنتجت سوريا الهلينية مؤرخين-جغرافيين، وبعض علماء الفلك، وعدداً محدوداً من الشعراء، وعدداً ملحوظاً من الفلاسفة، معظمهم من الرواقيين. شكلت الرواقية صلة وثيقة مع المفهوم السامي للحياة وكانت نذيراً للمسيحية بتركيزها على الأخوة والدولة العالمية والفضيلة.

أبرز الكتّاب كان بوسيدونيوس الأفامي، الفيلسوف الرواقي والمؤرخ وعالم الطبيعة، الذي كان عمله الأكثر تأثيراً استمراراً لتاريخ بوليبيوس وأصبح مصدراً ليفي وسترابو وبلوتارخ، ومهد الطريق لعصر أغسطس. وُلِد حوالي 135 ق.م.، وتوفي في 51 ق.م. في رودس حيث ترأس المدرسة الرواقية. يورد الفصل مقتطفات من كتاباته تصف حياة المدن السورية العليا ومنتجات طبيعية مثل الفستق. يتميز الشعر اليوناني-السوري بالبراعة وتقدير الجمال الطبيعي وثراء الصور، ومن أشهر شعرائه أنتيباتر الصيداوي الاتبيكوري، وفيلوديمس الجداري الفيلسوف الاتبيكوري والشاعر، وأهمهم مليغر الجداري الذي كان سورياً بالجنسية ويتحدث الآرامية في المنزل ويعرف الفينيقية. هاجر في العشرين من عمره (حوالي 115 ق.م.) إلى صور، ثم إلى جزيرة كوس، وجمع مختارات شعرية سماها "الإكليل"، ويُظهر شعره لمحات عن حياة المدن الفينيقية. يختم الفصل بقصيدتين رثائيتين لمليغر تؤكدان هويته السورية والفينيقية وتعكسان فلسفته في أن العالم وطن واحد لجميع البشر.

إن ما يقدمه الفصل بوضوح هو أن الهلينة في سوريا كانت مشروعاً سياسياً وثقافياً فرضته نخبة حاكمة على طبقات شعبية ظلت سامية في جوهرها، وأن هذه الثقافة التوفيقية، رغم بريقها السطحي، لم تنجح في محو الهوية المحلية بل خلقت طبقة عليا ثنائية اللغة، تاركة السواد الأعظم من الناس وشأنهم. التحفظ الذي يبديه المؤلف واضح في اعترافه بأن الشرق الهليني كان "خلقاً اصطناعياً"، وأن التبادل الثقافي كان في الواقع أكثر تأثيراً في المستعمرين اليونانيين منهم في السوريين، وأن الأدب الآرامي قد اختفى لا لعدم وجوده بل لعدم بقائه، مما يثير تساؤلاً حول مدى موضوعية المصادر اليونانية التي نعتمد عليها لفهم هذه الفترة.

19.المؤسسات السلوقية294–301▼ ملخص

المؤسسات في المملكة السلوقية كانت مزيجاً غريباً من العناصر الإغريقية المقدونية والعناصر السورية الفارسية، مع غلبة واضحة للعناصر الشرقية. المحور الأساسي للفصل هو شرح كيفية عمل هذه المؤسسات السياسية والعسكرية والإدارية والمالية، موضحاً كيف جمعت بين تقاليد الغزاة المقدونيين والإرث الإداري للإمبراطوريات الشرقية التي سبقتهم. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن المملكة السلوقية كانت دولة مطلقة يحكمها ملك مؤله، تعتمد في قوتها على جيش ضخم متعدد الجنسيات، وتدير أراضيها الشاسعة عبر نظام ورثته عن الفرس، مع منح امتيازات محدودة للمدن الإغريقية.

يسير الفصل بخطى واضحة، مبتدئاً بطبيعة الحكم والملك، ثم ينتقل إلى البلاط الملكي وحياة القصر، ثم الجيش والبحرية بالتفصيل، وأخيراً نظام الحكم المحلي والضرائب. يبدأ الفصل بتأكيد أن الملك كان يملك سلطة مطلقة، فهو الدولة بذاته، وجميع السلطات تنبع منه، ويعين ويعزل الموظفين في أي وقت يشاء. أحاطته هالة من القداسة الإلهية، وهي إرث من الإسكندر والملوك الشرقيين، حيث أعلن وحي عن الأصل الإلهي لمؤسس السلالة سلوقس الأول، وأصبح هذا جزءاً من الأسلوب الملكي لخلفائه. النظام في القصر، بما فيه من الديباج الأحمر والذهب والخدم والخصيان، كان شرقياً أكثر منه غربياً. في المناسبات الرسمية، كان الملك يرتدي تاجاً (دياديما) كرمز لملكيته، وهو شريط ذهبي ضيق يظهر على النقود المعدنية. كان الخاتم أيضاً رمزاً للملكية؛ استخدم سلوقس الأول مرساة محفورة على خاتمه لأسباب لا تزال غامضة، وتظهر المرساة أيضاً على النقود والأوزان السلوقية. اللباس الملكي كان الزي المقدوني الوطني لكنه مزين بالأرجوان، وهو لون ارتبط بالملكية ورئاسة الكهنة.

يصف الفصل الولائم الملكية الباذخة بتفاصيل مستعارة من مصادر معاصرة مثل المؤرخ بوسيدونيوس، الذي يصف حفلات أنطيوخوس السابع سيديتس (137-128 ق.م) في دافني، حيث كان الملك يترك لكل ضيف أن يحمل معه ما يكفي من اللحوم النيئة لملء عربة. أنطيوخوس الثامن غريبوس (125-96 ق.م) كان يوزع على الضيوف إوزاً وأرانباً ووعولاً حية، مع أكاليل ذهبية وأوانٍ فضية وعبيد وخيول وجمال. كان الصيد وركوب الخيل هوايات الملك الأساسية. لغة البلاط كانت اليونانية بلا شك، ومن غير المحتمل أن يكون أي ملك سلوقي قد عرف لغة أي من رعاياه الشرقيين. أعلى منصب في البلاط كان "وزير الشؤون"، وهو استمرار للمنصب الفارسي "الوزير". شمل التسلسل الهرمي رئيس الديوان الملكي، ووزير المالية، والسكرتير المالي، ورئيس التموين، والطبيب الأول. نساء القصر كن يتشاجرن ويتآمرن أحياناً للوصول إلى السلطة. السلوقيون والبطالمة كانوا أحاديي الزواج لكنهم كانوا يتخذون عشيقات. مارست عائلتا السلوقيين والبطالمة زواج الأخوة. كان لدى العائلة المالكة وكبار الموظفين عدد كبير من العبيد.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الجيش والبحرية، وهما ملك للملك. كان الجيش السلوقي مؤثراً في شؤون الدولة. رأى سلوقس الأول أنه من الحكمة أن يحصل على موافقة الجيش عندما رتب الزواج الغريب لابنه وخليفته أنطيوخوس الأول من زوجة أبيه. في بدايته، كان الجيش يتألف من جميع المقدونيين والإغريق في المملكة، وكان وسيلة رئيسية للصعود إلى السلطة. مقر الجيش الرئيسي كان في أباميا، لكن معسكر الحرس الملكي كان في أنطاكية. في معركة رفح عام 217 ق.م، تألف جيش أنطيوخوس الثالث من 20,000 مستوطن أوروبي، مدعومين بـ 10,000 جندي منتقى من جنسيات عديدة، و10,000 من القبائل العربية وغيرها، وعدد من المرتزقة، ليصل المجموع إلى 62,000 جندي مشاة و6,000 فارس. سلاح الفرسان كان أعلى رتبة ويتقاضى أجراً أكبر من المشاة. نواة الجيش كانت الكتيبة المقدونية (الفالانكس)، التي تراوح عددها في معركة مغنيسيا عام 190 ق.م إلى 16,000 جندي. كان الفالانكس مسلحاً بالسيوف ورماح ضخمة طولها واحد وعشرون قدماً، محمياً بالخوذ والدروع. الرماة والقاذفون كانوا من العناصر غير الهيلينية. مدفعية الملوك الهلنستيين، بما فيها المقاليع الحربية، فتحت فصلاً جديداً في تاريخ حصار المدن. في معركة رفح، شارك 2000 من الرماة والقاذفين الفرس والأكراد. في معركة مغنيسيا، شارك سرب من ألفي فارس ميدي وسرب ملكي من ألفي فارس، معظمهم من السوريين.

فيل الحرب كان عنصراً جديداً في الجيش السلوقي وأصبح شعاراً سلوقياً يظهر على العملات. تدريب الأفيال في مستودع أباميا كان يجريه هنود على الأرجح. الملوك السوريون وحدهم استطاعوا الحصول على الأفيال من الهند، بينما استخدم الملوك المصريون أفيالاً أفريقية. في عام 273 ق.م، أرسل حاكم باختر عشرين فيلاً إلى أنطيوخوس الثالث الذي استخدمها ضد مصر. في معركتي مغنيسيا ورفح، التقى الفيلان الهندي والأفريقي على ساحة المعركة، وكان الهندي ينتصر. في رفح، استخدم أنطيوخوس 102 فيل. في معركة إبسوس (301 ق.م)، استخدم سلوقس الأول 480 فيلاً، وهو أمر كان مسؤولاً إلى حد كبير عن النصر الذي منحه إقليم آسيا. كان في المستودع السلوقي حوالي 500 فيل إجمالاً. يصف الفصل كيف كان رجل المهمات الهندي يمتطي عنق الفيل الذي يحمل برجاً خشبياً يتسع لأربعة مقاتلين. يُعتقد أن الفيل كان يستخدم كدرع ضد سلاح الفرسان وكوسيلة لاقتحام المواقع المحصنة، مما جعله دبابة العصور القديمة. في عام 163 ق.م، أرسل الرومان بعثة لتدمير الأفيال الحربية في سوريا. أثار تدمير هذه الحيوانات النادرة حفيظة أحد سكان لاودكية، فقام بطعن رئيس البعثة حتى الموت. بعد ذلك بفترة وجيزة، آخر ما نسمع عن الأفيال السلوقية هو حصول أحد السلوقيين على أفيال بطليموس ثم خسارتها لمنافس. الفترة بين موت الإسكندر وهذا الحدث هي الفترة الوحيدة في التاريخ التي لعب فيها هذا الحيوان دوراً مهماً في الحرب الغربية.

أما البحرية، فلم تلعب دوراً حاسماً في أي معركة مسجلة، لكن قيمتها المزعجة استدعت تضمين معاهدة السلام مع الرومان بنداً يحدد عدد وحداتها ويقيد نشاطها. أحرقت البعثة الرومانية نفسها التي دمرت الأفيال الأسطول السلوقي. كانت البحرية تتعاون مع الجيش النشط وتحمي وسائل النقل العسكرية، وكانت طاقمها على الأرجح من الفينيقيين. الوحدة البحرية كانت الكوينكيريم (السفينة ذات الخمسة صفوف)، التي حلّت محل الثلاثية الأقل قوة.

في حكم المقاطعات، ورث السلوقيون النظام الفارسي إلى حد كبير. احتفظ التقسيم الإداري باسمه الفارسي "ساترابية". يدعي المؤرخ أبيان أنه في عهد سلوقس الأول كان للإمبراطورية اثنان وسبعون ساترابية، لكن هذا ربما يكون خلطاً بين التقسيمات الفرعية والساترابيات نفسها. بحسب بوسيدونيوس، كان لسوريا ثماني ساترابيات: أربع في الشمال ("سلوقس") وأربع في الجنوب ("سوريا الجوفاء"). ضمت الساترابيات الجنوبية دمشق وفينيقيا، والسامرة والجليل، وشرق الأردن وأدوم. كانت يهودا لمعظم الوقت دولة كهنوتية تابعة للسلوقيين. قسمت الساترابية إدارياً إلى مقاطعات أوكلت إلى حكام تابعين. كان سك النقود في أنطاكية، لكن كانت هناك دور سك إقليمية في صور وصيدا وأرادوس ومدن مهمة أخرى.

أما المدن، فالمستعمرات الإغريقية المقدونية والمدن المتأغرقظة كانت تنظم كدول-مدن ذات حكم ذاتي، تدفع الضرائب وتطيع الأوامر الملكية لكنها تدير شؤونها الداخلية. أشهر معالم المدينة الهلنستية كان شوارعها المستقيمة المتقاطعة بزوايا قائمة. على النقيض، استمرت "المدينة الإثنية" حيث عاش العنصر الأصلي من السكان بالطريقة التقليدية. الفلاحون الأصليون عاشوا في قرى حافظت على وضعها وأسلوب حياتها، وكانت الأرض التي يزرعونها غالباً ملكاً للملك أو مالك أرض، وكانوا يباعون ويشترون معها، مما جعل وضعهم أقرب إلى الأقنان. واصل السلوقيون ممارسة جمع العشور (عُشر المحصول). من الإشارات المتفرقة، يبدو أن الضريبة كانت تفرض على المجتمع وليس على الفرد، وكانت تدفع نقداً باسم المدينة أو الشعب أو القبيلة بواسطة الرئيس أو رئيس الكهنة.

فيما يتعلق بالضرائب، كانت هناك الضرائب الملكية التي تضمنت الجزية (ضريبة الرأس)، ضريبة التاج (والتي يشير المصطلح إلى أن اليهود كانوا يقدمون تيجاناً ذهبية للملوك السوريين ثم قيمتها لاحقاً)، وضريبة الملح. يقدم الفصل مثالين مهمين على الإعفاءات الضريبية: الأول، في ميثاق منحه أنطيوخوس الثالث لأورشليم حوالي عام 200 ق.م، أعفى المدينة من الضرائب لمدة ثلاث سنوات، ثم ثلثها بعد ذلك. الثاني، بعد نصف قرن عام 152 ق.م، عندما كان هناك ملكان سلوقيان متنافسان، عرض ديميتريوس الثاني سوتر على يوناثان الكاهن الأعظم في رسالة إعفاء اليهود من معظم الجزية والضرائب، بما فيها ضريبة الرأس وضريبة الملح وقيمة التيجان، بالإضافة إلى ثلث محصول الحقول ونصف ثمار الأشجار التي كانت تذهب للملك، وأيضاً حرية أورشليم من العشور المعتادة. يذكر الفصل أيضاً أن المناجم والمحاجر والغابات ومصائد الأسماك كانت على الأرجح مملوكة ومدارة من قبل الملوك. يأذن أنطيوخوس في ميثاقه لليهود بجمع الخشب مجاناً من لبنان لإعادة بناء هيكلهم.

أخيراً، الفصل لا يخفي بعض الحدود والمشاكل التي تواجه فهمنا لهذه المؤسسات. يقر المؤلف صراحة بأن معرفتنا بالحكومة المحلية للمقاطعات "ليست بكثير"، وأن المهام كانت تمارس على الأرجح من خلال الآلية الحكومية القديمة التي ورثها السلوقيون. كما يعترف بأن تحديد كيفية ترتيب التقسيمات الفرعية للساترابيات أمر صعب التحديد وربما كان متقلباً من وقت لآخر. وبالمثل، فإن معرفتنا بالضرائب المختلفة ومبالغها وطرق تقديرها "بعيدة عن الكمال". تشير هذه التحفظات بوضوح إلى محدودية المصادر المتاحة عن الفترة السلوقية، حيث أن الكثير من الاستنتاجات تستند إلى إشارات متفرقة وميثاقين فقط نقلاً عن المؤرخ يوسيفوس.

20.التجارة والصناعة302–312▼ ملخص

يسيطر موضوع التجارة والصناعة في سوريا خلال العصر الهلنستي على هذا الفصل، والذي يوضح كيف جعلها الملوك السلوقيون العمود الفقري لإمبراطوريتهم. يقدم المؤلف الإجابة بأن ازدهار سوريا في تلك الفترة كان نتيجة مباشرة لسياسة سلوقية مدروسة تهدف إلى جعلها مركزاً للتجارة العالمية، وذلك من خلال ربط أجزاء الإمبراطورية المترامية بطرق آمنة ومريحة. كانت أنطاكية المركز السياسي، بينما كانت سلوقية على دجلة العاصمة التجارية، وأباميا المركز العسكري. ويؤكد هيتي أن توحيد العالم الهلنستي، بفضل اللغة المشتركة والعملة الموحدة نسبياً، أعطى دفعة كبيرة للتجارة.

ينتقل الفصل خطوة بخطوة لتفصيل شبكة الطرق التجارية المعقدة التي دعمت هذه السياسة. يصف طريقين رئيسيين للبضائع القادمة من الهند والجزيرة العربية: الأول بحري عبر الخليج العربي إلى جرهاء، ثم براً إلى سلوقية على دجلة. والثاني عبر اليمن وبترا إلى الأراضي البطلمية. من سلوقية، التي يصفها المؤلف بأنها "وريثة بابل القديمة وسلف بغداد في العصور الوسطى"، كانت البضائع تتجه غرباً عبر الفرات أو عبر نصيبين والرها إلى أنطاكية أو دمشق. ومع ازدياد الاضطرابات في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الأول قبل الميلاد، أصبح طريق تدمر عبر الصحراء أكثر ملاءمة لضمان الأمان والماء، وظل مستخدماً لنحو أربعة قرون. يذكر الفصل أيضاً مدناً محورية أخرى مثل دورا أوروپوس، التي أسسها سلوقس الأول كحصن وتطورت لتصبح مركزاً تجارياً مهماً تحت حكم البارثيين، قبل أن يدمرها الساسانيون بعد عام 256 للميلاد وتصبح في طي النسيان حتى اكتشافها في القرن العشرين. كما يسلط الضوء على جرهاء كمركز تجاري رئيسي على الخليج العربي، ويذكر أن أنطيوخس الثالث توقف فيها وحصل على هدايا ضخمة، لكن لا يوجد دليل على خضوعها للسلوقيين.

بعد ذلك، يتناول الفصل أنواع البضائع المتداولة، مقسماً إياها بين السلع العربية والهندية والآسيوية التي كانت تعبر سوريا. كان البخور والمرّ في طليعة هذه السلع، حيث كان لا غنى عنهما في الطقوس الدينية اليونانية واليهودية والسامية. كما ورد ذكر القرفة التي كانت تعتبر يونانية. بشكل خاطئ من أصل عربي. ويخصص الفصل فقرة مهمة لتجارة الرقيق، التي كانت نشطة للغاية في تلك الفترة، حيث كان السلوقيون أكثر اهتماماً بها من البطالمة، وكانت الحروب والقرصنة المصدرين الرئيسيين للعبيد. على الصعيد البحري، كانت رودس القوة التجارية الرائدة لفترة، ثم صعدت ديلوس بعد سقوط كورنثة عام 146 قبل الميلاد، وأقامت بيروت معها علاقات تجارية خاصة وأنشأت مستعمرة فيها مخصصة للإله بوسيدون.

ينتقل المحور إلى الصناعة والزراعة، موضحاً التطور الزراعي في العصر الهلنستي المتأخر تحت حكم البطالمة في سوريا الجوفاء وفينيقيا وفلسطين. تحسنت طرق الزراعة وزاد الطلب على المنتجات، مثل الحبوب والعنب والنبيذ. ويذكر الفصل تبادل النباتات، حيث أدخلت نباتات مصرية مثل الفول والعدس إلى جنوب سوريا، وأدخلت شجرة الفستق من بلاد فارس. لكن اللافت أن أشجاراً فارسية أخرى كالمشمش والخوخ والكرز ظهرت في إيطاليا قبل الشرق الهلنستي. ويشير المؤلف إلى أن القطن لم يزرع على نطاق واسع، والحرير المحلي كان من دودة القز البرية، بينما استورد الحرير الصيني الأصلي بعد عام 115 قبل الميلاد. بالنسبة للصناعة، فقد حافظت صناعة النسيج على تفوقها، وخاصة الصبغ الأرجواني. كما اشتهرت سوريا بالفخار والزجاج، حيث كان زجاج صيدا وصور مطلوباً عالمياً، ويذكر الفصل أن اختراع الزجاج المنفوخ الثوري حدث في أواخر القرن الأول قبل الميلاد. في مجال الكتابة، حلّ الرق (ورق البرشمان) محل الألواح الطينية، وكانت برغامون تحتكره منذ القرن الثاني، بينما وفرت الإسكندرية ورق البردي. وتطورت صناعة المعادن بشكل كبير، وخاصة الفضة والذهب والحديد، وكان أنطيوخس إبيفانيس معروفاً بزيارته لورش الصاغة.

في الفقرات الأخيرة، يتناول الفصل مظاهر الثراء الفاحش التي صاحبت هذا الازدهار الاقتصادي. يذكر أمثلة محددة من النصوص القديمة، مثل الوزير هيرمياس الذي كان قادراً على دفع رواتب الجيش الملكي بأكمله من ماله الخاص حوالي عام 200 قبل الميلاد، وديونيسيوس مساعد أنطيوخس إبيفانيس الذي زين موكبه في ألعاب دافني بآلاف العبيد الذين يحملون أواني فضية وذهبية. ويخلص الفصل بالإشارة إلى أن مستوى المعيشة كان مرتفعاً جداً، ويستشهد ببوسيدونيوس، مما أدى إلى زيادة عدد السكان الذي وصل في الفترة الرومانية التي سبقت الإمبراطورية إلى ما بين خمسة وستة ملايين نسمة، منهم مليونان في فلسطين. كما تقدر المصادر التي يستشهد بها المؤلف أن عدد سكان سلوقية بلغ 600,000 نسمة في زمن بليني.

يقر الفصل صراحة ببعض الحدود والتحفظات. فالمعلومات عن جرهاء، على سبيل المثال، تأتي بالكامل من مصادر كلاسيكية ويشير إلى صعوبة تفسير ملاحظة بليني بأن أبراج المدينة بنيت من كتل مربعة من الملح. كما يترك المؤلف أسئلة مفتوحة حول أصول بعض النباتات وطرق انتشارها، مثلما هو الحال مع المشمش والخوخ والكرز التي اتبعت مساراً عكسياً إلى إيطاليا. وبخصوص التجارة، يقر هيتي بأنه لا يوجد دليل على خضوع جرهاء للسلوقيين، مما يترك دور هذه المدينة المستقلة غامضاً. كما أن إشارته إلى أن اليهود لم يلعبوا دوراً بارزاً في النهضة التجارية، نقلاً عن جوزيفوس، قد تكون مثيرة للجدل.

بالانتقال إلى الجزء النقدي بناءً على النص فقط، يمكن القول إن تأكيد المؤلف على أن السياسة السلوقية كانت موجهة بشكل أساسي نحو جذب التجارة العابرة من الشرق وإعادة تصديرها إلى الغرب يضعف فكرة أن سوريا كانت منتجاً صناعياً رئيسياً بقدر ما كانت وسيطاً تجارياً. كما أن ازدهار المدن الساحلية مثل بيروت وصيدا وصور لم ينبع فقط من صناعاتها التقليدية، بل أيضاً من موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة الدولية. هذه النقطة تدعمها حقيقة أن الفصل يخصص مساحة أكبر لوصف طرق القوافل والمدن المحورية مثل تدمر ودورا أوروپوس مقارنة بالتفاصيل الدقيقة لعمليات الإنتاج الصناعي المحلي.

22.تحت حكم الأباطرة الرومان الأوائل318–330▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على سورية تحت حكم الأباطرة الرومان الأوائل، ويُقدّم تحليلاً شاملاً لكيفية تحوّل سورية من مملكة هلنستية إلى مقاطعة رومانية إمبراطورية محورية، مع تفصيل لأنظمة حكمها المتنوعة، وتركيبتها السكانية، وازدهارها الاقتصادي والزراعي والصناعي والتجاري. يوضح المؤلف أن الرومان، عند صعودهم كقوة عالمية، لم يبتكروا نظاماً إدارياً جديداً لسورية، بل استوحوا نموذج الحكم من أسلافهم السلوقيين، مع إضافة الطابع الإمبراطوري الروماني. كانت سورية، نظراً لموقعها كحدود مع بارثيا، العدو اللدود لروما، مقاطعة إمبراطورية يحكمها نواب إمبراطوريون من رتبة قنصلية، وتُعتبر ولايتها، إلى جانب ولاية الغال، الأكثر شرفاً في الإمبراطورية. كان هؤلاء النواب يسيطرون على أربعة فيالق عسكرية قوية، مكونة معظمها من جنود إيطاليين في بداية العهد الإمبراطوري، وكانوا مسؤولين عن أمن الممتلكات الرومانية في غرب آسيا كلها. من بين النواب الأوائل كان كيرينيوس، الذي عيّنه أغسطس لإجراء تعداد لليهود، بينما كان بيلاطس البنطي حاكمًا فعليًا على اليهودية تحت إشراف نواب سورية. لم تكن المجتمعات المحلية خاضعة لنظام حكم موحد، بل عاشت تحت أنظمة متنوعة؛ فالمستعمرات الإغريقية المقدونية احتفظت بمجالسها وقضاتها، ومدن فينيقيا حافظت على أنظمتها الأوليغارشية، والمجتمعات الآرامية الداخلية واصلت إدارة شؤونها الداخلية، بينما حكم العرب في حمص وقلقيلية ملوك كهنة. أبدت روما تسامحاً ملحوظاً إزاء هذا التنوع على المستوى السياسي.

على الرغم من هذا التنوع في الحكم، يصف الفصل درجة عالية من التجانس العرقي والثقافي بين السوريين، لم يسبق لها مثيل. بحلول العصر الروماني، كان جميع السوريين قد أصبحوا ساميين بالكامل، ينطقون بالآرامية كلغة مشتركة، ويكتب المثقفون منهم باليونانية. الفينيقيون، على الرغم من طلائهم الهلنستي الأكثر سمكاً، فقدوا لغتهم الأم في القرن الميلادي الأول، بينما احتفظ اليهود بالعبرية كلغة مقدسة. أما العرب، كالإيطوريين والأدوميين والنبطيين، فكانوا يميلون تدريجياً لتبني الآرامية. كان العنصر الإغريقي المقدوني منتشراً في المدن السورية، خاصة في المستعمرات السلوقية كأنطاكية وسلوقية وأفاميا واللاذقية، بينما كان الوجود الروماني محدوداً، مع مستعمرات قليلة في بيروت وبعلبك. على عكس اليونانيين، ظل الرومان منعزلين إلى حد ما، وأظهر السوريون اهتماماً محدوداً بالحملات العسكرية الرومانية إلا عندما تهدد سلامتهم.

يُشير الفصل إلى أن أداء الإدارة الرومانية في سورية لم يكن ناجحاً أو لامعاً كما كان في مقاطعات نصف متحضرة كإسبانيا والغال، لأن سورية كانت تمتلك حضارة راقية خاصة بها. ومع ذلك، يُؤكد المؤلف على الإسهام الروماني الأكثر وضوحاً في المنطقة العربية والآرامية العربية، شرق لبنان وشرقي الأردن، حيث تم إنشاء مستعمرات رومانية. حدث هذا بعد أن ضم الإمبراطور تراجان عام 106م منطقة شرق الأردن وحوران، التي كانت تحت الحكم النبطي سابقاً، وأدرجها في الإمبراطورية باسم مقاطعة العربية البترائية. قامت الإدارة الرومانية بإنشاء سلسلة من الحصون على حافة الصحراء لحماية المناطق المأهولة، وشيدت طرقاً رئيسية، مثل طريق الملوك والطريق العرضي الذي يربط دجلة والفرات بالبحر المتوسط عبر تدمر. كان التحضر (Urbanization) هدفاً مركزياً في السياسة الرومانية.

يصف الفصل فترة ازدهار سورية في القرن الأول من الحكم الإمبراطوري (تقريباً 30 ق.م – 70م)، حيث تعافت بسرعة من الكساد بفضل ما عُرف بـ "السلام الروماني" (Pax Romana). ضمنت الحماية من اللصوصية والقرصنة، وشُيدت شبكة طرق مذهلة، وأُنشئ نظام بريدي في عهد أغسطس. وصلت الإمبراطورية الرومانية إلى ذروتها تحت حكم هادريان (117–138م)، وبلغت سورية أقصى اتساع وازدهار تحت حكم سلفه تراجان (98–117م). ازدادت أهمية سورية كوجهة إقليمية رائدة عندما نجحت فيالقها في 69م في رفع قائدها فسبازيان إلى العرش الإمبراطوري. يُقدّر عدد سكان سورية الكبرى في القرن الثاني بعد الميلاد بـ 7,000,000 نسمة، وهو رقم يعتقد المؤلف أنه لم يُتجاوز في أي وقت لاحق.

يُفرد الفصل مساحة واسعة للوصف التفصيلي للإنتاج الاقتصادي والزراعي، مشيراً إلى أن وادي العاصي كان وادياً خصباً للزراعة المكثفة بفضل نظام إدارة المياه. ساعدت الاختراعات التقنية الرومانية، مثل المحراث المحسّن والملاءمة الأرخميدية والطاحونة المائية، في زيادة الإنتاج. تُظهر بقايا معاصر الزيتون شرق حمص، وأفاميا التي كان تعدادها الحر 117,000 نسمة، مدى الازدهار السابق مقارنة بالواقع الحالي. أما حوران، فتحولت من أرض رعاة إلى أرض مدن وقرى بفضل الرومان، وعُرفت عاصمتها بصرى باسم نوفا ترايانا بوسترا، وأصبحت محطة مهمة للقوافل. يُسلط الضوء على أنواع المحاصيل المتنوعة كالنخيل والتين والزيتون والحبوب والأشجار المثمرة، وأهمية صناعة النبيذ في مدن مثل أنطاكية وجبيل وبيروت وصور، ويذكر أنواعاً محددة من الفواكه كالتمر النيكولاوي. لم تقتصر الزراعة على الغذاء، بل شملت أيضاً زراعة نباتات طبية وعطرية للتصدير، وتطورت فنون البستنة والحدائق الفاخرة، كمثال دافني التي كانت إحدى مناطق الجمال في العالم الروماني.

في المجال الصناعي، استمر إنتاج الأصبغة في مدن فينيقيا كصور وصيدا، واعتُبر الأرجوان الفينيقي من أرقى الأصباغ. كانت سورية ومصر المصدرين الرئيسيين لأقمشة الكتان والجلود. كما اشتهرت سورية بخمورها ومعادنها كالبيتومين من البحر الميت، والنحاس، والأحجار كالمرمر الدمشقي والجص. أنتجت صيدا أفضل عمال البرونز. أما التجارة، فتُعد المصدر الرئيسي للثروة، وكانت أغنى المدن هي التجارية كبترا وتدمر وجرش والمدن الفينيقية الساحلية. تجلت قمة النشاط التجاري في أيام الازدهار الذهبية عندما كانت مدن القوافل مزدهرة. صدرت سورية التمور وأجود دقيق القمح، والعطور والأدوية، والنبيذ والزيوت، والفواكه المجففة، والأواني الزجاجية التي اشتهر بها صانعو صيدا كـإنيون، والتي وُجدت في مصر وقبرص وإيطاليا وروسيا. في المقابل، استوردت الفخار من اليونان وإيطاليا، والأسماك المجففة من مصر وإسبانيا، ورق البردي من مصر، والبخور والعطور من جنوب الجزيرة العربية، والتوابل والمجوهرات من الهند، والحرير من الصين. ويختتم الفصل بالإشارة إلى ازدهار تجارة العبيد، حيث كان المدينون المعسرون وضحايا الخطف والتجنيد مصدرها الرئيسي.

بصفة عامة، لا يحتوي الفصل على حجج جدلية واضحة بقدر ما هو عرض تاريخي ووصفي شامل. يمكن القول إن النقطة القابلة للنقاش، بناءً على النص نفسه، هي تقييم المؤلف لأداء الإدارة الرومانية في سورية، حيث يعتبرها أقل نجاحاً مما كانت عليه في المقاطعات "نصف المتحضرة" (مثل إسبانيا والغال)، لأن سورية كانت تمتلك أساساً حضارياً راسخاً يجعلها تستعصي على التبني الثقافي الروماني. هذا التقييم، على الرغم من دقته الوصفية، يُمكن مناقشته من حيث إذا ما كان يُقلل من قيمة الإرث الروماني الملموس في مجالات الهندسة المعمارية والقانون والتنظيم العسكري والإداري الذي ترك بصماته العميقة في المنطقة. كما أن التركيز على "التجانس العرقي والثقافي" قد يكون مبالغاً فيه إذا ما تم تجاهل التوترات الدينية والثقافية التي ميزت الحكم الروماني، وخاصة في اليهودية.