
How ISIS Fights
يطرح كتاب "How ISIS Fights" للباحث عمر عاشور سؤالاً مركزياً هو: كيف استطاع تنظيم الدولة الإسلامية، رغم تفوق خصومه الساحق عدداً وعتاداً، أن يحقق انتصارات مذهلة وأن يصمد لأعوام طويلة؟ الجواب الذي يدافع عنه المؤلف هو أن سر قوة التنظيم لا يكمن في موارده المادية أو في أيديولوجيته وحدها، بل في قدرته الاستثنائية على المزج بين ثلاث استراتيجيات قتالية رئيسية هي الحرب التقليدية وحرب العصابات والإرهاب، والتحول بمرونة بينها، بالإضافة إلى ابتكار تكتيكات هجومية جديدة تجمع بين عناصر هذه الاستراتيجيات في آن واحد. يصف المؤلف هذه القدرة بأنها "وكالة ذات حافة تكتيكية"، أي أن ما يفعله الفاعل بما لديه أهم بكثير من كمية ما لديه.
يسير الكتاب وفق منطق واضح: يبدأ بوضع الإطار النظري في الفصل الأول، ثم ينتقل إلى دراسة أربع حالات إقليمية مختلفة هي العراق وسوريا وليبيا وسيناء، ليختتم بفصل يجمع الخيوط ويحلل العوامل التي تفسر الفعالية القتالية للتنظيم. كل فصل من فصول الحالات الأربع يتبع نمطاً متشابهاً: يبدأ بتأريخ النشأة والتطور العسكري للتنظيم في ذلك البلد، ثم يحلل المعارك الكبرى التي خاضها، وينتهي بمناقشة مستقبل التنظيم بعد خسارته للأراضي. المنطق الذي يربط الأجزاء هو أن التنظيم، رغم اختلاف الظروف المحلية، اتبع نمطاً متكرراً من الصعود والتوسع، ثم الصمود، ثم التعرض للضرب دون هزيمة كاملة، يليه تحول استراتيجي وإعادة تحميل تكتيكي.
في العراق، حيث بدأت القصة، يوثق الكتاب تناقضاً صارخاً بين موارد التنظيم المتواضعة وقوات خصومه. في عام 2004، قدرت وكالة المخابرات المركزية عدد مقاتلي التنظيم بين 20,000 و31,000، بينما كان الجيش العراقي يفوقهم بعشرة أضعاف. ورغم ذلك، سقطت مدينة الموصل في 10 يونيو 2014 بيد قوة مهاجمة تراوحت بين 500 و1,100 مقاتل فقط، بينما كان في المدينة والمناطق المحيطة بها عشرات الآلاف من الجنود والشرطة. يشرح المؤلف أن هذا الانتصار المذهل لم يكن مفاجئاً استخباراتياً، بل كان نتاج مزيج من تكتيكات مبتكرة ووحشية من جهة، والفساد والانهيار في صفوف القوات العراقية من جهة أخرى. حتى أن قائد التنظيم العسكري في ذلك الوقت، عدنان البيلاوي، لم يكن يخطط أصلاً لاحتلال المدينة بأكملها، بل لاحتلال حي واحد فقط، لكن التغيرات الميدانية وانسحاب القوات العراقية أدت إلى احتلال كامل الموصل.
يكشف الكتاب عن نمط تشغيلي أطلق عليه المؤلف اسم SCCLC، وهو اختصار لمراحل التليين والتسلل والتطويق ثم التصفية والترسيخ. في معركة الفلوجة (يناير 2014 - يونيو 2016)، اتبع التنظيم هذا النمط بدقة: بدأ بتليين الدفاعات عبر اغتيال قائد الفرقة السابعة وتدمير 85 جسراً، ثم تسلل إلى المدينة وبنى تحالفات مع جماعات سنية مسلحة وقبلية اعتبرته "شراً أقل" من حكومة نوري المالكي، وأخيراً صفى حلفاءه السابقين أنفسهم ورسخ سيطرته. في مرحلة الدفاع، اعتمد التنظيم على أنفاق مكثفة وعمليات انتحارية، وأطلق 14 عملية انتحارية في أسبوع واحد فقط من مايو 2016. لكن الهزيمة كانت حتمية بسبب التفوق الجوي والبشري الساحق للقوات العراقية وحلفائها (أكثر من 15,000 جندي مقابل حوالي 1,000 مقاتل للتنظيم)، والتي بلغت ذروتها بتدمير قافلة انسحاب التنظيم المكونة من أكثر من 200 مركبة، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 348 مقاتلاً وتدمير 200 مركبة.
أما في سوريا، فيؤكد الكتاب أن التنظيم اتبع النمط نفسه من القتال على مدى ستة عشر عاماً (بين عامي 2004 و2020). يصف المؤلف ذلك بأنه نمط يبدأ بالصعود والتوسع، ثم الصمود، ثم التعرض للضرب دون هزيمة كاملة، يليه تحول استراتيجي وإعادة تحميل تكتيكي مع ابتكارات في المستوى العملياتي. يستخدم المؤلف تشبيهاً من فنون القتال للإشارة إلى أن التنظيم لم يكن بحاجة ليكون "حزاماً أسود" ليتمكن من البقاء، بل كان يكفيه أن يكون "حزاماً أصفر" في مواجهة أعداء أقوى بكثير، مثل الجيشين الأمريكي والروسي، والقوات العراقية والسورية، والميليشيات الإيرانية. عندما ينجح التنظيم عسكرياً في السيطرة على أراضٍ (كما حدث في نينوى والرقة ودير الزور)، فإنه يستغل ذلك لتعزيز موارده المحدودة. وعندما يتعثر عسكرياً، يطلق هجوماً مضاداً سريعاً، ثم يغير استراتيجياته ويبتكر تكتيكاته وفقاً لذلك.
في ليبيا، يقدم الكتاب حالة فريدة تظهر كيف يمكن للتنظيم أن يبني قدراته العسكرية من الصفر. بدأ التنظيم في ليبيا في 22 يونيو 2014 عندما أعلن "مجلس شباب الإسلام" في بلدة درنة الشرقية ولاءه لتنظيم داعش. بحلول عام 2015، تمكن التنظيم من بسط سيطرته على أجزاء من درنة وبنغازي وصبراتة، ثم احتل مدينة سرت بأكملها في 31 مايو 2015. يحلل الفصل كيفية بناء التنظيم لقدراته العسكرية من خلال نموذج تشغيلي أطلق عليه المؤلف اسم TALL VR، والذي يعتمد على: جمع المعلومات الاستخباراتية، واستيعاب التنظيمات المماثلة القائمة وتوسيعها، واستقطاب الشباب فردياً وجماعياً، ونهب مخازن أسلحة النظام السابق، والاعتماد على خبرات القادة والمقاتلين القادمين من مناطق القتال في الخارج، والنقل السريع للمعارف التكتيكية. في البداية، كان التنظيم يعتمد على مقاتلين ليبيين عائدين من القتال في العراق (بين 2004 و2012) وسوريا (بين 2012 و2014)، من بينهم حسن الصالحين الشعيري الذي فقد عينه اليسرى في القتال بالعراق. كما وصل قادة كبار مثل أبو نبيل الأنباري الذي كان حاكماً لولاية صلاح الدين في العراق قبل أن يصبح والياً على ليبيا.
يقدم الكتاب أرقاماً مهمة حول تطور القوة البشرية للتنظيم في ليبيا. في نوفمبر 2014، كان عدد مقاتلي التنظيم لا يتجاوز 400 مقاتل، يتركزون في الشرق. بعد سقوط سرت، قدر عددهم بين 2000 و3000 مقاتل بحلول ديسمبر 2015، أي بزيادة لا تقل عن خمسة أضعاف رغم الهزيمة في درنة ومقتل قائدهم. في يونيو 2016، قبل ستة أشهر من خسارة سرت، أفاد مدير وكالة المخابرات المركزية أن عددهم يتراوح بين 3000 و5000 مقاتل. لكن بحلول عام 2018، انخفض العدد إلى حوالي 750 مقاتلاً وفقاً لتقديرات القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا. في معركة سرت، على الرغم من التفوق العددي لقوات "البنيان المرصوص" (نحو 6000 جندي ضد 2000 من التنظيم)، استخدم التنظيم تكتيكات متقدمة من العبوات الناسفة والسيارات المفخخة الثقيلة وحرب الأنفاق، متسبباً في خسائر فادحة. تدخلت القوات الأمريكية في 1 أغسطس 2016 بعملية "الحارس المضيء" التي شنت 495 غارة جوية دقيقة، مما ساعد في حسم المعركة. انتهت المعركة في 6 ديسمبر 2016 بخسارة التنظيم لسرت، لكن الثمن كان باهظاً حيث فقدت قوات البنيان المرصوص أكثر من 700 قتيل وبلغت نسبة الجرحى واحداً من كل اثنين من مقاتليها.
أما في سيناء المصرية، حيث قاتل تنظيم "ولاية سيناء" (الفرع المصري لداعش)، فيقدم الكتاب مفارقة لافتة: قدرة هذا التنظيم على البقاء والقتال بفعالية ضد جيش مصري أكبر وأفضل تمويلاً وتدريباً، مدعوماً من قوى عظمى مثل الولايات المتحدة ودول إقليمية مثل إسرائيل والسعودية والإمارات. يعزو المؤلف بقاء "ولاية سيناء" إلى ثلاثة عوامل رئيسية هي: قدراته العسكرية غير المسبوقة في تاريخ التمرد في مصر، وأخطاء سياسة مكافحة التمرد التي اتبعها النظام، والبيئة الاجتماعية والسياسية الحاضنة التي خلقتها هذه السياسات.
يبدأ الفصل بتأريخ التطور التنظيمي للجماعة، متتبعاً جذورها إلى عام 2004 مع تفجيرات طابا ونويبع، مروراً بجماعة "التوحيد والجهاد في سيناء" وصولاً إلى "أنصار بيت المقدس". يتناول التحول الحاسم في مسار الجماعة بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013 ومجازر رابعة والنهضة، حيث تحول خطاب الجماعة من الدفاع عن النفس إلى ضرورة محاربة "جيش القتلة والمرتدين". يصف الفصل عملية "المبايعة" لتنظيم الدولة الإسلامية في نوفمبر 2014، والتي تمت بعد انقسام داخلي، وأدت إلى تغيير اسم الجماعة إلى "ولاية سيناء". يصف الكتاب كيف تمكنت "ولاية سيناء" من تطوير قدرات قتالية شبه تقليدية غير مسبوقة في مصر، باستخدام مزيج من تكتيكات المدن (تفجيرات انتحارية، اغتيالات) وحرب العصابات (وحدات صغيرة متنقلة، هجمات الكر والفر). يقدم الفصل أمثلة مفصلة على تطور الأسلحة، من قذائف الـ RPG إلى صواريخ "كورنت" المضادة للدروع وقذائف الهاون، مروراً بإسقاط طائرة هليكوبتر عسكرية من طراز مي-17 في يناير 2014 باستخدام صاروخ أرض-جو محمول على الكتف، وهي المرة الأولى التي يقوم فيها جهة غير حكومية بذلك في مصر. ويصف الهجوم المتزامن على 11 هدفاً عسكرياً في يناير 2015، واستهداف الفرقاطة البحرية في يوليو 2015، والهجوم المعقد على 21 موقعاً في 1 يوليو 2015 (معركة الشيخ زويد) الذي يصفه بأنه أكثر العمليات تعقيداً التي نفذها جهة غير حكومية مصرية في مائة عام، حيث تمكن المسلحون من السيطرة على بلدة الشيخ زويد لساعات. كما يذكر تفجير طائرة الركاب الروسية فوق سيناء في أكتوبر 2015، والذي أودى بحياة 224 شخصاً، واصفاً إياه بأكثر هجوم إرهابي دموية في التاريخ المصري والطيران الروسي.
يحلل الكتاب أسباب استمرار التنظيم رغم تفوق الخصم، ويركز على "أخطاء سياسة مكافحة التمرد". يصف هذه السياسة بأنها مبنية على ثلاثة أركان: القمع العشوائي، وجمع المخابرات من خلال الإكراه، والدعاية الرديئة. يشرح كيف أن القمع المفرط (الاعتقالات الجماعية، التعذيب، هدم المنازل، القصف الجوي) خلق بيئة من الغضب والمرارة حولت التنظيم إلى "شر أقل" بالنسبة للسكان المحليين. ويبين كيف أن الدعاية الحكومية غير الدقيقة (كالإعلان المتكرر عن مقتل قادة التنظيم ثم ظهورهم مجدداً) قوضت مصداقية الجيش. ويخلص إلى أن هذه السياسات المتضاربة هي التي صنعت البيئة الحاضنة للتمرد.
في الفصل الأخير، يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال جوهري: كيف استطاع تنظيم داعش الاستمرار والتوسع عسكرياً رغم خسارته كل أراضيه تقريباً بين 2014 و2019، وبموت زعيمه أبو بكر البغدادي وأكثر من 40 من كبار قادته العسكريين، وعشرات الآلاف من المقاتلين؟ يجيب المؤلف بأن السر لا يكمن في الموارد، بل في البراعة التكتيكية والقدرة على التحول الاستراتيجي. فالتنظيم لم يُهزم، بل تحول إلى كيان غير إقليمي، وأعلن في 2020 عن 14 "ولاية" جديدة تعتمد على حرب العصابات والإرهاب.
يكشف الفصل عن ظاهرة لافتة أطلق عليها "طائفة الهجمات المضادة"، وهي قدرة داعش على شن هجمات مضادة عنيدة ومنسقة حتى في لحظات الهزيمة المحققة، مما أخر تقدم القوات المهاجمة وأربكها. ثم يحلل التحولات الاستراتيجية الثلاثة، مؤكداً أن التنظيم ماهر في "فن القتال" لكنه متوسط في "فن إدارة الحرب"، أي أنه لا يملك استراتيجية كبرى لتحقيق أهدافه القصوى مثل السيطرة على العالم الإسلامي. وأخيراً، يسرد 15 فئة من التكتيكات التي يعتمد عليها داعش، مثل السيارات المفخخة والطائرات بدون طيار والأنفاق، مشيراً إلى أن إبداعه الحقيقي يكمن في تطوير طرق تصنيع واستخدام هذه الأسلحة.
يعترف المؤلف بحدود واضحة في تحليله. فيقر بأن نظريات المؤامرة حول الأهداف الخفية للجيش المصري لا يمكن إثباتها أو دحضها بشكل قاطع. كما يشير إلى الجدل حول هوية القتلى الذين تعلن الحكومة عنهم كـ "إرهابيين". ويقر بأن قياس مستوى الدعم الشعبي للتنظيم يكاد يكون مستحيلاً. كما يؤكد أن داعش ليس الجيش البروسي أو الياباني، ومقارنته بهما غير دقيقة؛ فهو تنظيم غير دولتي محدود الموارد، ونجاحه النسبي لا يعني قوته المطلقة.
أخيراً، يقدم الكتاب حجة قابلة للنقاش، مفادها أن الفاعلية القتالية لداعش لا تفسرها الموارد أو الظروف وحدها، بل إن ما يفعله الفاعل بما لديه (وكالة الفاعل) أهم بكثير مما لديه. يذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن داعش كتب عن غير قصد "كتاباً دراسياً مطوراً" للآخرين، قد يستفيد منه جهات مسلحة أضعف تواجه أعداءً أقوى. وبينما فشل التنظيم في "فن إدارة الحرب"، فإن ما أظهره في "فن القتال" يمكن أن يحول فهمنا للحرب التمردية لسنوات قادمة. من وجهة نظري الشخصية، يُعد هذا الكتاب إسهاماً مهماً في فهم ظاهرة داعش، لكنه يركز بشكل كبير على العوامل العسكرية والتكتيكية على حساب التحليل الأعمق للعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت هذه الظاهرة، وهي عوامل لا تقل أهمية عن التكتيكات العسكرية في تفسير صعود وسقوط تنظيمات مثل داعش.
الأشخاص
الفصول(6)
1.هل هي تكتيكات في الأساس؟13–49▼ ملخص
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: هل يمكن تفسير صمود وتوسع تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) عسكرياً، رغم التفوق الساحق لخصومه، بمجرد تفوقه التكتيكي؟ يجيب المؤلف بأن التفسير أعمق من ذلك، إذ يعود إلى قدرة التنظيم على المزج بين ثلاثة استراتيجيات قتالية رئيسية هي الحرب التقليدية وحرب العصابات والإرهاب، والتحول بمرونة بينها، بالإضافة إلى ابتكار تكتيكات هجومية جديدة تجمع بين عناصر هذه الاستراتيجيات في آن واحد. يوضح الفصل أن هذه القدرة على الابتكار والتحول الاستراتيجي هي التي مكنت التنظيم من تحقيق انتصارات مذهلة، لكنه يشير أيضاً إلى أن هذه القدرات تضمحل حين تستنفد التكتيكات المبتكرة ويختفي عنصر المفاجأة.
يبدأ الفصل بتوثيق التناقض الصارخ بين الموارد المتواضعة للتنظيم وقوات خصومه. في العراق، قدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عدد مقاتلي التنظيم بين 20,000 و31,000 في 2004، مقابل جيش عراقي يفوقهم عدداً بعشرة أضعاف. ورغم ذلك، سقطت مدينة الموصل في 10 يونيو 2014 بيد قوة مهاجمة تراوحت بين 500 و1,100 مقاتل فقط، بينما كان في المدينة والمناطق المحيطة بها عشرات الآلاف من الجنود والشرطة. في سوريا، تمكن التنظيم من السيطرة على الرقة بحلول يناير 2014 رغم أنه كان أقل عدداً وتسليحاً من تحالف فضفاض من فصائل المعارضة المسلحة. في ليبيا، استولى على سرت في مارس 2015 بأقل من 600 مقاتل. في سيناء المصرية، بلغت نسبة التفاوت أحياناً 100 جندي مقابل كل مسلح من التنظيم. هذه الأمثلة تظهر أن تفوق التنظيم لم يكن ناتجاً عن القوة المادية، بل عن كفاءة قتالية استثنائية.
ينتقل المؤلف لمراجعة الأدبيات الأكاديمية التي تفسر كيف يمكن للجهات الفاعلة غير الحكومية المسلحة هزيمة أو الصمود أمام أطراف أقوى، ويقسمها إلى أربعة محاور رئيسية. المحور الأول هو الدعم الشعبي ونوع النظام الحاكم، مستشهداً بنظرية ماو تسي تونغ الشهيرة عن "السمكة في الماء". لكنه يشير إلى أن دعم التنظيم لم يكن بالضرورة تفضيلاً له، بل كان أحياناً اعتباره "شراً أقل" مقارنة بالأنظمة القمعية والجماعات المنافسة الأخرى. المحور الثاني هو الجغرافيا، حيث يذكر نظريات مثل "فقدان القوة مع المسافة" و"فقدان الدقة مع المسافة" التي تشرح كيف تضعف القوات المهاجمة كلما ابتعدت عن مراكزها، وكيف يؤدي القصف غير الدقيق إلى نفور السكان. المحور الثالث هو الدعم الخارجي من دول، مشيراً إلى أن الدراسات تظهر أن الجماعات التي تتلقى دعماً خارجياً تحقق انتصارات واتفاقيات تسوية بنسبة 70%، بينما تصل النسبة إلى 28% فقط للجماعات التي لا تتلقى دعماً. هنا يبرز تفرد التنظيم، فهو لم يحظ بدعم دولة راعية قوية، بل واجه تحالفاً دولياً من 77 دولة وخمس منظمات حكومية دولية، بالإضافة إلى دول مثل إيران وروسيا. المحور الرابع هو التكتيكات والاستراتيجيات، والتي تشمل عدم فعالية القوات المهاجمة وبراعة المتمردين.
على الرغم من أهمية هذه العوامل التقليدية، يرى المؤلف أنها لا تفسر بشكل كاف حالة تنظيم داعش. فالتنظيم لم يحظ بدعم شعبي واسع أو دعم دولي حقيقي، كما أن الجغرافيا التي عمل فيها ليست فريدة من نوعها. ثم ينتقل لفحص تفسير آخر يتعلق بالبنية التنظيمية والسمات الفريدة، مستشهداً بأعمال أكاديمية ترى أن تميز التنظيم يعود إلى عوامل مثل ضعف خصومه، والحماس الديني، والانتخاب "الدارويني" لأعضائه، وهياكل غير تقليدية لامركزية، والمقاتلين الأجانب. لكنه يعارض هذا الرأي بأن العديد من الجماعات المسلحة الأخرى شاركت هذه السمات لكنها لم تحقق نجاحات مماثلة، ضارباً مثلاً بالجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر. يؤكد الفصل أن تميز التنظيم يكمن في المستوى الوسيط (التنظيمي) الذي يتمثل في القدرة على التحول بين الاستراتيجيات وابتكار التكتيكات.
يختتم الفصل بوضع فرضيتين مركزيتين للكتاب: الأولى أن التنظيم يصمد ويتوسع بسبب تحولاته الناجحة بين استراتيجيات الحرب التقليدية وحرب العصابات والإرهاب. الثانية أنه يحقق انتصارات عسكرية بفضل الجمع المبتكر بين تكتيكات هذه الاستراتيجيات في مسارح عمليات مختلفة. يقدم المؤلف تعريفات تشغيلية للمصطلحات المستخدمة في الكتاب، مثل "الحرب التقليدية"، "حرب العصابات"، "الإرهاب"، و"التمرد". كما يوضح التعاريف الإيديولوجية، فيصنف التنظيم على أنه جماعة سلفية جهادية تستخدم مفهوم التكفير على نطاق واسع، وتستند بشكل كبير إلى تعاليم الوهابية. أخيراً، يصف الفصل منهجية البحث المبنية على العمل الميداني وتحليل عدد كبير من الوثائق والمقابلات ومقاطع الفيديو الصادرة عن التنظيم وخصومه، مع الاعتراف ببعض المحددات المنهجية، أبرزها أن العمليات العسكرية المعلنة من قبل التنظيم قد تكون مضخمة، لذا خضعت للتحقق من مصادر مستقلة وتم تعديلها إلى الحد الأدنى في الغالب.
2.تتفكك ولكن تتوسع: كيف يقاتل 'تنظيم الدولة الإسلامية' في العراق50–137▼ ملخص
يُحلل هذا الفصل من كتاب "How ISIS Fights" لأستاذ الدراسات الأمنية عمر عاشور الكيفية التي تمكن بها تنظيم الدولة الإسلامية وسلائفه الستة (مثل القاعدة في العراق ودولة العراق الإسلامية) من بناء قدراته العسكرية وتطويرها تدريجياً في العراق منذ عام 2003، مما مكنه من احتلال مدن كبرى مثل الفلوجة في يناير 2014، والموصل في يونيو 2014، والرمادي في مايو 2015. يركز الفصل على تحليل هذه المعارك الثلاث كنماذج تعكس أسلوب قتال التنظيم، وصولاً إلى فترة ما بعد تحرير هذه المدن وحتى مارس 2020، حيث يعود التنظيم إلى تكتيكات حرب العصابات والإرهاب بعد خسارته للأراضي.
يبدأ الفصل بسرد مسار البناء العسكري للتنظيم منذ وصول مؤسسه أبو مصعب الزرقاوي إلى العراق في أكتوبر 2002. في البداية، عانى التنظيم من ضعف هيكلي واستراتيجي، بما في ذلك نقص الدعم الشعبي والجغرافيا الحاضنة (على عكس أفغانستان والشيشان)، وضعف في تصنيع العبوات الناسفة والمهارات القتالية. تطورت قدراته بشكل ملحوظ مع مرور الوقت، فبعد أن كان يعتمد بشكل أساسي على العبوات الناسفة الثابتة على جوانب الطرق (التي تسببت في 45% من وفيات القوات الأمريكية بين عامي 2003 و2007)، تحول إلى حملة إرهاب مكثفة بعد عام 2008 تحت قيادة أبو حمزة المهاجر، حيث حلّ جميع الوحدات غير المختصة بالعبوات الناسفة وركز عليها حصراً. بحلول نهاية عام 2010، كان تنظيم دولة العراق الإسلامية يستخدم خمسة أنواع من العبوات الناسفة. لكن التحول الأكبر حدث بين نوفمبر 2011 وأبريل 2014، حيث بدأ التنظيم بالاستيلاء على الأسلحة من الجيشين العراقي والسوري، وتصميم ذخائره الخاصة، وإنتاجها بكميات صناعية. يُظهر الفصل تطوراً في ترسانته شمل دبابات من نوع أم1 أبرامز، ومدافع هاوتزر عيار 155 ملم، وصواريخ أرض-جو محمولة مثل ستينغر، بالإضافة إلى قدرات غير مسبوقة في التصنيع المحلي للقنابل اليدوية وذخائر الهاون والصواريخ.
يناقش الفصل أربع سمات ثابتة ومؤثرة في الهيكل التنظيمي المتغير للتنظيم: أولاً، الالتزام بالتخصص والتقسيم رغم تغير أحجام الوحدات (من سرايا صغيرة إلى ألوية). ثانياً، أن التسلسل الهرمي كان يعتمد على الحاجة والكفاءة بدلاً من اللوائح الجامدة، لدرجة أن والي إحدى المحافظات كان قد يقاتل كجندي تحت قيادة قائد قطاع آخر في معركة ما. ثالثاً، تنويع الوحدات القتالية ثقافياً ولغوياً لتقليل مخاطر ردود الفعل المحلية. ورابعاً، درجة عالية من الاعتماد على الذات مالياً، حيث كان المقاتلون يُؤمرون بـ"دفن التي إن تي وجلب الدولار" لتمويل عملياتهم. على الرغم من استمرار نجاح التنظيم في النمو بعد اغتيال أو أسر قادته العسكريين المتعاقبين (مثل أبو حمزة المهاجر وأبو بكر البغدادي)، إلا أن نقطة التحول الحاسمة في بناء قدراته كانت حملة "كسر الجدران" في صيف عام 2012، التي حررت 824 من كوادره المسجونين، بما في ذلك 276 من القادة الخطرين، مما مهد لطريق عودته القوية.
في تحليل معركة الفلوجة (يناير 2014 - يونيو 2016)، يحدد الفصل نمطاً تشغيلياً من ثلاث مراحل أطلق عليه SCCLC: التليين والتسلل (باستخدام ضربات جراحية لاغتيال القادة وقطع خطوط الإمداد، مثل اغتيال قائد الفرقة السابعة وقتل جنرال آخر، وتدمير 85 جسراً)، وبناء التحالفات (مع جماعات سنية مسلحة وقبلية اعتبرت التنظيم "شراً أقل" من حكومة نوري المالكي)، وأخيراً التصفية والترسيخ عبر تصفية الحلفاء السابقين أنفسهم. خلال مرحلة الدفاع، اعتمد التنظيم على أنفاق مكثفة وعمليات انتحارية، وأطلق 14 عملية انتحارية في أسبوع واحد فقط من مايو 2016. لكن الهزيمة كانت حتمية بسبب التفوق الجوي والبشري الساحق للقوات العراقية وحلفائها (أكثر من 15,000 جندي مقابل حوالي 1,000 مقاتل للتنظيم)، والتي بلغت ذروتها بتدمير قافلة انسحاب التنظيم المكونة من أكثر من 200 مركبة، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 348 مقاتلاً وتدمير 200 مركبة. يُظهر الفصل أن التنظيم لم يتوقف عن الهجمات في الفلوجة حتى بعد ثلاث سنوات من الهزيمة.
تُعد معركة الموصل (يونيو 2014 - يوليو 2017) من أبرز الانقلابات العسكرية في تاريخ حرب العصابات الحديثة. هاجم التنظيم المدينة وهو متفوق عليه عددياً (بنسبة وصلت إلى 1:73 في بعض التقديرات) وعتادياً، لكنه انتصر خلال ستة أيام فقط. يذكر الفصل أن الهجوم لم يكن مفاجئاً للقوات العراقية التي كانت تملك معلومات استخباراتية مسبقة، بل كان سبب النصر مزيجاً من تكتيكات مبتكرة ووحشية من جهة، والفساد والانهيار في صفوف القوات العراقية من جهة أخرى. حتى أن قائد التنظيم العسكري في ذلك الوقت، عدنان البيلاوي، لم يكن يخطط أصلاً لاحتلال المدينة بأكملها، بل لاحتلال حي واحد فقط، لكن التغيرات الميدانية وانسحاب القوات العراقية أدت إلى احتلال كامل الموصل. في مرحلة الدفاع عن الموصل (أكتوبر 2016 - يوليو 2017)، واجه التنظيم تحديات حاسمة: القوة الجوية الهائلة للتحالف (التي أسقطت أكثر من 7,000 سلاح في شهري يناير وفبراير 2017 فقط)، والتفوق البشري الساحق (بنسبة 1:18 إلى 1:35)، وتراجع أثر ابتكاراته التكتيكية. اعتمد التنظيم بشكل كبير على 15 فئة تكتيكية، تصدرها القنص (مع 1,629 عملية)، يليه التفجيرات الانتحارية بالمركبات (482 هجوماً بمعدل قياسي بلغ 124 هجوماً في الشهر الأول)، بالإضافة إلى الوحدات الانتحارية والطائرات بدون طيار (التي نفذت أكثر من 200 هجمة وأوقفت التقدم العراقي مؤقتاً في مناسبات). يُقّر الفصل بأن التنظيم حقق "تفوقاً تكتيكياً في المجال الجوي تحت التفوق الجوي الأمريكي التقليدي" باستخدام طائرات تجارية بدون طيار تحلق على ارتفاع منخفض.
في معركة الرمادي (مايو 2015 - فبراير 2016)، اتبع التنظيم مرة أخرى نمط SCCLC، لكنه فشل في مرحلة بناء التحالفات بسبب تاريخ العداء بين عشائر المدينة والتنظيم، مما جعل احتلالها أصعب. استخدم التنظيم تكتيكاً جديداً تمثل في تحويل الجرافات المدرعة إلى سيارات مفخخة هائلة لاختراق الحواجز الخرسانية المحيطة بمقر القيادة، مما أدى إلى انهيار القوات العراقية وانسحابها في 17 مايو 2015. بعد التحرير، كشفت المقاومة في الرمادي عن شبكة معقدة من الأنفاق (بعضها يزيد طوله عن 1,630 ياردة) مزودة بالكهرباء والتهوية، والتي استخدمها المقاتلون للاختباء والتحرك دون كشف. أدى تحرير المدينة إلى تدمير حوالي 80% منها بسبب العبوات الناسفة والأفخاخ التي زرعها التنظيم. بشكل عام، يخلص الفصل إلى أن انتصارات التنظيم كانت تكتيكية وتشغيلية باهرة، لكن النصر الاستراتيجي كان بعيد المنال بسبب القوة البشرية والجوية الساحقة للقوات المعارضة.
في القسم الخاص بمستقبل تمرد التنظيم في العراق، يعترف الفصل بأن إعلان إدارة ترامب في مارس 2019 عن هزيمة التنظيم كان "متفائلاً أكثر مما ينبغي". ويشير إلى تقديرات وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية ومجلس الأمن الدولي في منتصف 2018 بأن التنظيم لا يزال يمتلك ما يصل إلى 30,000 مقاتل في العراق وسوريا فقط. وفي 2019، قدر التحالف الدولي وجود حوالي 11,000 مقاتل في العراق وحده. يؤكد الفصل أن التنظيم الحالي، مقارنة بسلفه في عام 2010 (الذي كان يملك 1,000 مقاتل فقط)، أقوى بحوالي 11 مرة من حيث القوى البشرية وأكثر خبرة بكثير في الابتكار التكتيكي وتجنيد المقاتلين الأجانب، مما يجعل إمكانية عودته قائمة بقوة.
تقتصر الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه على التركيز شبه الحصري على العوامل العسكرية والتكتيكية في تفسير نجاحات التنظيم، مع الإشارة إلى العوامل السياسية والاجتماعية (مثل سياسات حكومة المالكي والحملات العسكرية) كعوامل "مسهلة" أو "محيطة". بينما يمكن القول إن التحليل قد يستفيد من تعميق النظر في هذه العوامل الهيكلية والجيو-سياسية الأوسع كأسباب رئيسية، وليس مجرد سياق، لصعود التنظيم وقدرته على إعادة بناء نفسه باستمرار.
3.تنفجر وتتوسع: كيف يقاتل 'تنظيم الدولة الإسلامية' في سوريا221–249▼ ملخص
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو الكيفية التي يقاتل بها تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وكيف تمكن من الصمود والتوسع رغم مواجهته لقوى إقليمية ودولية كبرى. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن سر قدرة التنظيم لا يكمن في قوته المادية فحسب، بل في قدرته الاستثنائية على الابتكار التكتيكي، والتحول الاستراتيجي السريع، والتكيف مع البيئات المتغيرة. يصف المؤلف ذلك بأنه "وكالة ذات حافة تكتيكية"، مشيراً إلى أن الفاعلين، سواء كانوا دولاً أو جهات غير حكومية، يمكنهم تعزيز فعاليتهم القتالية بالموارد المحدودة المتاحة لهم.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر شرح نمط متكرر اتبعه التنظيم على مدى ستة عشر عاماً (بين عامي 2004 و2020)، وهو نمط يبدأ بالصعود والتوسع، ثم الصمود، ثم التعرض للضرب (دون هزيمة كاملة)، يليه تحول استراتيجي وإعادة تحميل تكتيكي، مع ابتكارات في المستوى العملياتي. يستخدم المؤلف تشبيهاً من فنون القتال للإشارة إلى أن التنظيم لم يكن بحاجة ليكون "حزاماً أسود" ليتمكن من البقاء، بل كان يكفيه أن يكون "حزاماً أصفر" في مواجهة أعداء أقوى بكثير، مثل الجيشين الأمريكي والروسي، والقوات العراقية والسورية، والميليشيات الإيرانية.
يقدم الفصل أمثلة على هذه البراعة التكتيكية، مشيراً إلى أنه عندما ينجح التنظيم عسكرياً في السيطرة على أراضٍ (كما حدث في نينوى والرقة ودير الزور)، فإنه يستغل ذلك لتعزيز موارده المحدودة. وعندما يتعثر عسكرياً، يطلق هجوماً مضاداً سريعاً، ثم يغير استراتيجياته ويبتكر تكتيكاته وفقاً لذلك. يُظهر الفصل أن هذا النمط من القتال هو ما يميز التنظيم، وفهمه هو أمر حاسم لهزيمته النهائية، وهي هزيمة لم تتحقق بعد وقت كتابة الكتاب.
يعترف المؤلف بحدود دراسته وتحدياتها، مشيراً إلى أن تحليل الفعالية القتالية للجهات المسلحة غير الحكومية يتطلب بحثاً متعمقاً. ويرى أن تفكيك القدرات القتالية للتنظيمات مثل داعش يولد رؤى وفرضيات جديدة للباحثين والمحللين وصناع القرار. يقر الفصل بأن العوامل الهيكلية الكلية والمتوسطة والجزئية تشرح لماذا صمد التنظيم وتوسع، لكن الاختلاف الاستثنائي في فعاليته القتالية يعود إلى تحولاته الاستراتيجية وابتكاراته التكتيكية.
أخيراً، يشير الفصل إلى حجج قابلة للنقاش، أهمها أن "ما يفعله الفاعلون بما لديهم" – وليس بالضرورة كمية أو نوعية ما لديهم – هو ما يهم أكثر في الأداء القتالي. يذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن داعش كتب عن غير قصد "كتاباً دراسياً مطوراً" للآخرين، قد يستفيد منه جهات مسلحة أضعف تواجه أعداءً أقوى. وبينما فشل التنظيم في "فن إدارة الحرب"، فإن ما أظهره في "فن القتال" يمكن أن يحول فهمنا للحرب التمردية لسنوات قادمة.
4.يعيد التحميل ولكن يتفكك: كيف يقاتل 'تنظيم الدولة الإسلامية' في ليبيا138–171▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل باستعراض النشأة المبكرة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في ليبيا، والتي بدأت في 22 يونيو 2014 عندما أعلن "مجلس شباب الإسلام" (YSC) في بلدة درنة الشرقية ولاءه لتنظيم "داعش" في العراق والشام (ISIS). تحول هذا التنظيم المحلي الصغير فيما بعد إلى أول كيان تابع لـ "الدولة الإسلامية" (IS) في ليبيا، وأعلنته الأخيرة "ولاية" تابعة لها في 3 أكتوبر 2014 تحت مسمى "ولاية درنة". ثم في 13 نوفمبر 2014، أعلن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي عن تأسيس ثلاث "ولايات" جديدة في ليبيا هي: ولاية برقة (شرقاً)، وولاية طرابلس (غرباً)، وولاية فزان (جنوباً). وبحلول عام 2015، تمكن التنظيم من بسط سيطرته على أجزاء من درنة وبنغازي وصبراتة، ثم احتل مدينة سرت بأكملها في 31 مايو 2015. إلا أن هذا التوسع واجه انتكاسات سريعة، حيث هُزم التنظيم في مركز مدينة درنة بحلول يوليو 2015 على يد تحالف من الجماعات المسلحة المحلية وضباط جيش سابقين، وقُتل زعيمه في ليبيا أبو نبيل الأنباري في غارة أمريكية في نوفمبر 2015. وبحلول 1 ديسمبر 2016، خسر التنظيم مدينة سرت لصالح قوات حكومية من طرابلس مدعومة بدعم عسكري دولي، مما اضطره للانسحاب إلى جنوب ليبيا والعودة لتكتيكات حرب العصابات والإرهاب.
يحلل الفصل كيفية بناء التنظيم لقدراته العسكرية في ليبيا من خلال نموذج تشغيلي يُطلق عليه المؤلف اسم "TALL VR"، والذي يعتمد على: جمع المعلومات الاستخباراتية، واستيعاب التنظيمات المماثلة القائمة وتوسيعها، واستقطاب الشباب فردياً وجماعياً، ونهب مخازن أسلحة النظام السابق، والاعتماد على خبرات القادة والمقاتلين القادمين من مناطق القتال في الخارج، والنقل السريع للمعارف التكتيكية. في البداية، كان التنظيم يعتمد على مقاتلين ليبيين عائدين من القتال في العراق (بين 2004 و2012) وسوريا (بين 2012 و2014)، من بينهم حسن الصالحين الشعيري (أبو حبيبة) الذي فقد عينه اليسرى في القتال بالعراق. كما وصل قادة كبار مثل أبو نبيل الأنباري (وِسام الزبيدي) الذي كان حاكماً لولاية صلاح الدين في العراق قبل أن يصبح والياً على ليبيا. تم استقطاب مقاتلين جدد من الشباب المحلي وآخرين من المنشقين عن الجماعات الإسلامية المسلحة وعن الجيش النظامي السابق.
يقدم الفصل أرقاماً مهمة حول تطور القوة البشرية للتنظيم. في نوفمبر 2014، كان عدد مقاتلي التنظيم في ليبيا لا يتجاوز 400 مقاتل، يتركزون في الشرق. بعد سقوط سرت، قدر عددهم بين 2000 و 3000 مقاتل بحلول ديسمبر 2015، أي بزيادة لا تقل عن خمسة أضعاف رغم الهزيمة في درنة ومقتل قائدهم. في يونيو 2016، قبل ستة أشهر من خسارة سرت، أفاد مدير وكالة المخابرات المركزية أن عددهم يتراوح بين 3000 و 5000 مقاتل. لكن بحلول عام 2018، انخفض العدد إلى حوالي 750 مقاتلاً وفقاً لتقديرات القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). على صعيد التسليح، كشف عرض عسكري في أبريل 2014 عن حوالي 30 سيارة دفع رباعي (تكنيكال)، تضاعف هذا العدد إلى 60 في أكتوبر 2014. لكن القوة الفعلية للتنظيم لم تكن في الأسلحة التقليدية بل في قدرته على استخدام العبوات الناسفة الناسفة (IEDs) وأحزمة الناسفين والسيارات المفخخة (VBIEDs) التي كان يسهل تصنيعها من بقايا القذائف والذخائر.
يتناول الفصل بالتفصيل جبهتي القتال الرئيسيتين: درنة وسرت. في درنة، بدأ الصراع بين تنظيم "مجلس شباب الإسلام" (سلف التنظيم) و"مجلس شورى مجاهدي درنة" (DMSC) الذي تشكل في 12 ديسمبر 2014 لمواجهة التنظيم ومنع قوات خليفة حفتر من اقتحام المدينة. كانت الاشتباكات مبكرة ومتقطعة منذ مايو 2014، وتصاعدت من حملة اغتيالات وكمائن إلى معركة حضرية شاملة في الفترة بين يناير ويونيو 2015. استخدم التنظيم في درنة تكتيك "الحصر والتضييق" (صاروغ وتضييق) دون نجاح كبير بسبب نقص القوى البشرية. اعتمد بشكل كبير على العبوات الناسفة والقنص، حيث سجلت قاعدة بيانات "أساليب حرب الدولة الإسلامية" (ISWD) استخداماً مكثفاً لها بين يناير وأبريل 2016 (32 مرة للعبوات الناسفة و10 مرات للقنص). على الرغم من خسارة التنظيم لوسط المدينة بحلول 1 يوليو 2015، إلا أنه حافظ على وجوده في منطقة الفتايح حتى انسحابه الكامل إليها في ليلة 19-20 أبريل 2016 باتجاه سرت، بأسطول من حوالي 70 مركبة مسلحة تحمل ما بين 217 و 300 شخص.
أما في سرت، فكان مسار التنظيم مختلفاً وأكثر نجاحاً. تمكن من استقطاب عناصر محلية ليس فقط من التيار السلفي الجهادي بل وأيضاً من أنصار النظام السابق، مستفيداً من التاريخ الخاص للمدينة كونها معقل القذافي. وقد ساعد في هذا التوسع عناصر من قبائل محلية مثل القذاذفة والورفلة والمريان وورهونة. بحلول فبراير 2015، كان التنظيم يسيطر فعلياً على مدينة سرت بلا منازع، ونظم عرضاً عسكرياً ضم 60 مركبة مسلحة. في مارس 2015، حاولت قوات "فجر ليبيا" عبر الكتيبة 166 تحرير المدينة، لكنها فشلت رغم تفوقها العددي الطفيف (نحو 1200-1500 مقاتل ضد 100-130 مركبة للتنظيم). كان التنظيم أكثر كفاءة في إدارة موارده المحدودة، حيث استخدم موجة من السيارات المفخخة (SVBIEDs) لإيقاف تقدم الكتيبة، مما أدى إلى انتصاره الحاسم بحلول منتصف يونيو 2015. في الفترة بين مايو وديسمبر 2016، وفي إطار عملية "البنيان المرصوص" التي قادتها قوات من مصراتة تابعة لحكومة الوفاق الوطني، دارت معركة ضارية لاستعادة سرت. على الرغم من التفوق العددي لقوات البنيان المرصوص (نحو 6000 جندي ضد 2000 من التنظيم)، استخدم التنظيم تكتيكات متقدمة من العبوات الناسفة والسيارات المفخخة الثقيلة (SLVBIEDs) وحرب الأنفاق، متسبباً في خسائر فادحة. تدخلت القوات الأمريكية في 1 أغسطس 2016 بعملية "الحارس المضيء" التي شنت 495 غارة جوية دقيقة، مما ساعد في حسم المعركة. انتهت المعركة في 6 ديسمبر 2016 بخسارة التنظيم لسرت، لكن الثمن كان باهظاً للغاية حيث فقدت قوات البنيان المرصوص أكثر من 700 قتيل وبلغت نسبة الجرحى واحداً من كل اثنين من مقاتليها.
يحلل الفصل أنماط القتال المتبعة. في درنة، فشلت التكتيكات في تحقيق الأهداف الاستراتيجية؛ إذ أن الاغتيالات الجماعية لم ترهب الجماعات المحلية بل وحدتها ضد التنظيم، مما أدى إلى دفاعه لمدة 11 شهراً ثم انسحابه. في المقابل، في سرت، نجح التنظيم في التحول الاستراتيجي باستيعاب الفصائل المحلية بدلاً من محاربتها، مما أتاح له موارد أكبر. كانت التكتيكات الأساسية موحدة في كلا الجبهتين: العبوات الناسفة والتفجيرات الانتحارية والقنص. يرى القادة العسكريون الذين حاربوا التنظيم أن أقوى أسلحته كانت الألغام والعبوات المفخخة والقناصة، وليست الدبابات أو ناقلات الجند المدرعة. وقد تم تطوير هذه التكتيكات بفعالية من خلال نقل المعرفة من مقاتلي التنظيم العائدين من العراق وسوريا.
في الختام، يناقش الفصل مستقبل التنظيم في ليبيا بعد خسارته لأراضيه، حيث يعود إلى استراتيجيات حرب العصابات والإرهاب الحضري. بحلول فبراير 2018، أعلنت ولاية برقة استئناف حملة حرب استنزاف. وفي يوليو 2018، اندمجت الولايات الثلاث في "ولاية ليبيا" الموحدة. استهدف التنظيم بسيارات مفخخة قوات حفتر في درنة في يونيو 2019، وركز على بناء قدراته في غارات الكر والفر في جنوب ليبيا (فزان)، حيث كان يسيطر مؤقتاً على بلدات مثل غدوة والفقهاء لنهب الموارد وتصفية المتعاونين قبل الانسحاب مجدداً إلى الصحراء. يخلص الفصل إلى أن مستقبل التنظيم سيتأثر بتدمير مدن مثل سرت ودرنة واستمرار الحرب الأهلية الليبية، خاصة مع انشغال قوات حفتر في معركة طرابلس، مما قد يمنح التنظيم فرصة للبقاء والتوسع في بيئة ملائمة لاستراتيجيته الجديدة.
5.يستدرج ويصمد: كيف تقاتل 'ولاية سيناء' في مصر172–206▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل من كتاب "كيف يقاتل داعش" للكاتب عمر عاشور كيفية قتال تنظيم "ولاية سيناء" (الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية) في مصر، وأسباب قدرته على الصمود والتوسع رغم موارده المحدودة وقوته البشرية الأقل. المحور الرئيسي هو المفارقة في قدرة هذا التنظيم على البقاء والقتال بفعالية ضد جيش مصري أكبر وأفضل تمويلاً وتدريباً، مدعوماً من قوى عظمى مثل الولايات المتحدة ودول إقليمية مثل إسرائيل والسعودية والإمارات. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن بقاء "ولاية سيناء" يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية هي: قدراته العسكرية غير المسبوقة في تاريخ التمرد في مصر، وأخطاء سياسة مكافحة التمرد التي اتبعها النظام، والبيئة الاجتماعية والسياسية الحاضنة التي خلقتها هذه السياسات.
يبدأ الفصل بتأريخ التطور التنظيمي للجماعة، متتبعاً جذورها إلى عام 2004 مع تفجيرات طابا ونويبع، مروراً بجماعة "التوحيد والجهاد في سيناء" وصولاً إلى "أنصار بيت المقدس" (ABM). يشرح كيف تطورت تكتيكاتهم من "الإرهاب الحضري" (استهداف سياح ومدنيين) إلى حرب عصابات منظمة ضد الأهداف العسكرية والأمنية. يتناول التحول الحاسم في مسار الجماعة بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013 ومجازر رابعة والنهضة، حيث تحول خطاب الجماعة من الدفاع عن النفس إلى ضرورة محاربة "جيش القتلة والمرتدين". يصف الفصل عملية "المبايعة" لتنظيم الدولة الإسلامية في نوفمبر 2014، والتي تمت بعد انقسام داخلي، وأدت إلى تغيير اسم الجماعة إلى "ولاية سيناء". يشير المؤلف إلى دور السجون في تحويل بعض الأعضاء ودفع آخرين للانتقام، وكيف أن التفاعل مع عناصر سابقة من الجماعات الجهادية في السجون أنتج هذين المسارين المتناقضين.
يركز الجزء الأكبر من الفصل على تحليل القدرة العسكرية للتنظيم. يصف المؤلف كيف تمكنت "ولاية سيناء" من تطوير قدرات قتالية شبه تقليدية غير مسبوقة في مصر، باستخدام مزيج من تكتيكات المدن (تفجيرات انتحارية، اغتيالات) وحرب العصابات (وحدات صغيرة متنقلة، هجمات الكر والفر). يقدم الفصل أمثلة مفصلة على تطور الأسلحة، من قذائف الـ RPG إلى صواريخ "كورنت" المضادة للدروع وقذائف الهاون، مروراً بإسقاط طائرة هليكوبتر عسكرية من طراز مي-17 في يناير 2014 باستخدام صاروخ أرض-جو محمول على الكتف، وهي المرة الأولى التي يقوم فيها جهة غير حكومية بذلك في مصر. ويصف الهجوم المتزامن على 11 هدفاً عسكرياً في يناير 2015، واستهداف الفرقاطة البحرية في يوليو 2015، والهجوم المعقد على 21 موقعاً في 1 يوليو 2015 (معركة الشيخ زويد) الذي يصفه بأنه أكثر العمليات تعقيداً التي نفذها جهة غير حكومية مصرية في مائة عام، حيث تمكن المسلحون من السيطرة على بلدة الشيخ زويد لساعات. كما يذكر تفجير طائرة الركاب الروسية فوق سيناء في أكتوبر 2015، والذي أودى بحياة 224 شخصاً، واصفاً إياه بأكثر هجوم إرهابي دموية في التاريخ المصري والطيران الروسي.
يحلل الفصل أسباب استمرار التنظيم رغم تفوق الخصم. يرفض المؤلف نظريات المؤامرة حول "الهدف المحدود" للجيش أو "العلم المزيف"، ويركز على "أخطاء سياسة مكافحة التمرد". يصف هذه السياسة بأنها مبنية على ثلاثة أركان: القمع العشوائي، وجمع المخابرات من خلال الإكراه، والدعاية الرديئة. يشرح كيف أن القمع المفرط (الاعتقالات الجماعية، التعذيب، هدم المنازل، القصف الجوي) خلق بيئة من الغضب والمرارة حولت التنظيم إلى "شر أقل" بالنسبة للسكان المحليين. ويبين كيف أن الدعاية الحكومية غير الدقيقة (كالإعلان المتكرر عن مقتل قادة التنظيم ثم ظهورهم مجدداً) قوضت مصداقية الجيش. ويخلص إلى أن هذه السياسات المتضاربة (القمع الذي يُفقد النظام شعبيته والدعاية الكاذبة التي تفقده مصداقيته) هي التي صنعت البيئة الحاضنة للتمرد.
يواصل الفصل تحليلاً تكتيكياً مفصلاً لاستراتيجية "ولاية سيناء" خلال عاميها الأول والثاني، مستخدماً جداول إحصائية (الجدولان 5.1 و 5.2). يُظهر التحول في التكتيكات من الاعتماد الأكبر على الاغتيالات عن قرب (167 هجوماً في السنة الأولى) إلى الاعتماد المكثف على العبوات الناسفة الناسفة (263 هجوماً في السنة الثانية) والقنص (110 هجمات في السنة الثانية). يشرح أن انخفاض الاغتيالات يعود إلى نجاح التنظيم في تدمير شبكة المخبرين المحليين في سنته الأولى. ويوصف الكمين المحكم والاستراتيجية الهجومية (الاستنزاف ونشر الخوف) والدفاعية (التجنيد والتدريب وتعمية المخابرات) التي تعتمدها "ولاية سيناء". وأخيراً، يشير الفصل إلى تراجع العمليات الهجومية المعلنة في السنوات الثالثة والرابعة (319 ثم 229)، لكنه يؤكد أن التنظيم لا يزال قادراً على تنفيذ عمليات معقدة حتى أوائل عام 2020.
يقر المؤلف بوجود قيود وتحفظات في تحليله. فهو يقر بأن نظريات المؤامرة حول الأهداف الخفية للجيش (مثل الإبقاء على التمرد لجذب الدعم أو تصفية الخصوم) لا يمكن إثباتها أو دحضها بشكل قاطع، وإن كان يشير إلى استخدامها تاريخياً في مصر. كما يشير إلى الجدل حول هوية القتلى الذين تعلن الحكومة عنهم كـ "إرهابيين"، حيث يرى بعض المراقبين أن من بينهم مدنيين أو معتقلين أعدموا خارج القضاء. ويقر بأن قياس مستوى الدعم الشعبي للتنظيم يكاد يكون مستحيلاً، مكتفياً بالإشارة إلى أن كلا الجانبين يحاول تضخيم مؤشرات الدعم لديه، وأن السباق على "ولاء السكان" لم يحسمه النظام بعد.
في نهاية الفصل، يقدم المؤلف حجة قابلة للنقاش بوضوح، مفادها أن قدرة "ولاية سيناء" على الصمود تمثل تحدياً للنظريات الكلاسيكية في أدبيات مكافحة التمرد. فهو يرى أن تفسيرات التركيز على الجغرافيا غير الوعرة، أو الكثافة السكانية المنخفضة، أو غياب الدعم الخارجي المباشر لا تفسر وحدها استمرار التمرد. كما يجادل بأن فشل تكتيكات "الأرض المحروقة" التي استخدمها الجيش، والتي تُعتبر في الأدبيات واحدة من أكثر الاستراتيجيات فعالية ضد حركات التمرد، يتحدى الاستنتاجات الأكاديمية الراسخة. بالنسبة للمؤلف، يكمن التفسير في البناء العسكري الناجح للتنظيم (بما في ذلك استقطاب عناصر من الجيش والشرطة)، والحساسية العالية للظروف المحلية، بالإضافة إلى أخطاء النظام السياسي والعسكري نفسه.
6.الوكالة ذات الأفضلية التكتيكية207–226▼ ملخص
يُحاول هذا الفصل الإجابة عن سؤال جوهري: كيف استطاع تنظيم داعش الاستمرار والتوسع عسكرياً رغم خسارته كل أراضيه تقريباً بين 2014 و2019، وبموت زعيمه أبو بكر البغدادي وأكثر من 40 من كبار قادته العسكريين، وعشرات الآلاف من المقاتلين؟ يجيب المؤلف بأن السر لا يكمن في الموارد، بل في البراعة التكتيكية والقدرة على التحول الاستراتيجي. فالتنظيم لم يُهزم، بل تحول إلى كيان غير إقليمي، وأعلن في 2020 عن 14 "ولاية" جديدة تعتمد على حرب العصابات والإرهاب.
يسير الفصل بتفصيل واضح: يبدأ برسم صورة واقعية لحالة التنظيم بعد هزيمته الإقليمية، مستشهداً بإحصائيات مثل إعلان العراق تنفيذ 1,060 عملية ضد داعش في أربعة أشهر فقط من 2020، مقابل 139 عملية ادعاها التنظيم في مارس من العام نفسه. ثم ينتقل إلى تحليل أسباب تميز داعش، مقسماً إياها إلى عوامل "غير فريدة" وأخرى "فريدة" تفسر فعاليته القتالية.
أما العوامل غير الفريدة، فهي سمات مشتركة مع جماعات مسلحة أخرى، لكن داعش استغلها بشكل ممتاز. يذكر المؤلف عوامل على المستوى الكلي، مثل البيئة الإقليمية القمعية التي ولدت الاستياء، والتي استغلها التنظيم لتجنيد أتباعه. وعلى المستوى المتوسط، يناقش عوامل مثل "القوة المعنوية" (الروح المعنوية العالية والقسوة)، وتماسك الوحدات، والاستقلالية التي تمنح الوحدات الصغيرة القدرة على العمل والابتكار حتى عند انقطاع اتصالها بالقيادة، والخبرات القتالية المتعددة من جنسيات وخلفيات مختلفة. وكل هذه العوامل عززت فعالية داعش لكنها لم تكن حكراً عليه.
يكمن جوهر تميز داعش، حسب المؤلف، في الكم والنوع في ابتكاراته التكتيكية وتحولاته الاستراتيجية الثلاثة بين حرب العصابات والإرهاب والحرب التقليدية. يشرح الفصل بالتفصيل ثلاث طرائق عمل مبتكرة: الأولى على مستوى الدولة هي TALL VR، والتي تعتمد على ذكاء محلي دقيق، وهضم الفصائل الأخرى، ونهب الأسلحة، ونقل الخبرات السريع بين مسارح العمليات. الثانية على مستوى المدن هي SCCLC (التليين والتسلل والتطويق ثم التصفية)، والتي نجحت في مدن مثل الموصل والرقة، لكنها فشلت حيث حشدت الهجمات المبكرة القوى المحلية ضد التنظيم.
يكشف الفصل عن ظاهرة لافتة أطلق عليها "طائفة الهجمات المضادة"، وهي قدرة داعش على شن هجمات مضادة عنيدة ومنسقة حتى في لحظات الهزيمة المحققة، مما أخر تقدم القوات المهاجمة وأربكها. ثم يحلل التحولات الاستراتيجية الثلاثة، مؤكداً أن التنظيم ماهر في "فن القتال" لكنه متوسط في "فن إدارة الحرب"، أي أنه لا يملك استراتيجية كبرى لتحقيق أهدافه قصوى مثل السيطرة على العالم الإسلامي. وأخيراً، يسرد 15 فئة من التكتيكات التي يعتمد عليها داعش، مثل السيارات المفخخة والطائرات بدون طيار والأنفاق، مشيراً إلى أن إبداعه الحقيقي يكمن في تطوير طرق تصنيع واستخدام هذه الأسلحة.
يقر المؤلف في نهاية الفصل بحدود واضحة: داعش ليس الجيش البروسي أو الياباني، ومقارنته بهما غير دقيقة. فهو تنظيم غير دولتي محدود الموارد، ونجاحه النسبي لا يعني قوته المطلقة. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل قتال التنظيمات المماثلة، مشيراً إلى أن فهم كيفية قتال داعش هو خطوة حاسمة لهزيمته النهائية، وهو ما لم يتحقق بعد وقت كتابة الكتاب. الحجة القابلة للنقاش التي يقدمها الفصل هي أن الفاعلية القتالية لداعش لا تفسرها الموارد أو الظروف وحدها، بل إن ما يفعله الفاعل بما لديه (وكالة الفاعل) أهم بكثير مما لديه، وهو ما يقدمه كنموذج يمكن أن تقتدي به جماعات مسلحة أخرى في المستقبل.