
It Started in Damascus
بدأ كل شيء في دمشق، في صباح سبت من حزيران عام 2000، حين كانت الكاتبة ريم علاف في صالون الحلاقة، فأتاها نبأ وفاة حافظ الأسد. لم تشعر بحزن لموت ديكتاتور حكم ثلاثين عاماً، لكنها أدركت فوراً خطورة إظهار أي مشاعر غير الاحترام. توجهت إلى منزل عائلتها في حي المزة، بعيداً عن شقتها القريبة من المجمع الرئاسي. في الطريق، اتصلت بخالتها آمنة التي كانت تبكي بحرقة على "الرئيس"، مما أثار غضب الكاتبة التي صرخت في وجهها، قبل أن تنتبه إلى شرطي المرور وتغلّف نافذة سيارتها. عند وصولها إلى شقة خالاتها، وجدتهن مجتمعات بحزن أمام التلفاز، وطلبت منها إحدى قريباتها إغلاق النوافذ خوفاً من أن يسمعهن الجيران.
تحول التلفزيون السوري الرسمي إلى حداد كامل، بث خلاله لقطات بطولية للراحل بصورة متكررة. المذيع مروان شيخو ألقى تأبيناً طويلاً أشاد فيه بالأسد كـ "النجم الذي أضاء سماء سوريا والعرب". لم يكتف النظام بذلك، بل استدعى البرلمان لجلسة طارئة، حيث شرع معظم النواب في البكاء والصراخ وضرب أنفسهم. في خضم هذه المهزلة، تم تغيير الدستور السوري في دقائق ليخفض السن المطلوبة للرئاسة من 40 إلى 34 عاماً، وهو عمر بشار الأسد، ليحول سوريا إلى جمهورية وراثية قبل أن يُدفن والده حتى. أراد النظام لجنازة الأسد أن تضاهي جنازة جمال عبد الناصر، لكن لم يحضر من قادة الغرب الكبار سوى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، بينما أرسلت الولايات المتحدة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت بدلاً من الرئيس بيل كلينتون.
بررت وسائل الإعلام السورية الرسمية غياب كلينتون بطريقتها الخاصة، إذ التقطت الكاميرات لحظة وصول نبأ الوفاة إليه، الذي ضغط بشفتيه في ما يمكن تفسيره على أنه "تنهيدة". أعاد التلفزيون السوري بث هذه المشاهد مراراً مع تعليق درامي، ملمحاً إلى أن تنهيدة كلينتون تعبر عن مكانة الأسد. هذه الحادثة كشفت عن تناقض النظام المتأصل بين كرهه للغرب ورغبته في أن يحظى بإعجابه. لاحظت الكاتبة أن الكثير من السوريين، خاصة الشباب، بدوا مندفعين في إظهار حزنهم وولائهم للنظام الجديد، وتتساءل إن كانوا يعانون من متلازمة ستوكهولم. كانت هذه الفترة بمثابة قصة حديثة عن النجاة والنهضة، لكنها تحولت تدريجياً إلى حكاية أحلام محطمة.
عاشت عائلة الكاتبة تجربة العودة إلى دمشق بعد غياب دام أكثر من ثماني سنوات. في مطار العاصمة، كانت الجوازات الدبلوماسية تفتح أبواباً غير مرئية، بينما عانى السوريون العاديون من تفتيش مهين ورشاوى. بعد خروجهم، تبرع قريب ثري بسيارة مرسيدس، وعندما تأخرت والدة الكاتبة في تشغيلها في إشارة مرور، لم يطلق أحد بوقه. عرفت الحقيقة لاحقاً من عمها: السيارات الفارهة كانت حكراً على كبار النظام، والناس خافوا من من يقودها. شراء سيارة عادية كان حلماً صعباً، مع فرض ضرائب استيراد تقارب 300% وقوائم انتظار حكومية تستمر لسنوات. هذا التفاوت في تطبيق القانون كان أول درس تتعلمه العائلة عن طبيعة السلطة.
تحولت سوريا من مرحلة ما بعد حرب تشرين 1973 المفعمة بالأمل القومي، إلى نظام شمولي قاسٍ وعزلة دولية طويلة. كان هذا التحول متعمداً ومدبراً من قبل حافظ الأسد بعد عودته من زيارته لكوريا الشمالية ورومانيا في سبتمبر 1974، حيث استلهم نموذج الحكم التوتاليتاري. بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في أبريل 1975، انغمس الجيش السوري في المستنقع اللبناني، ووصل الأمر إلى مشاركته في حصار ومذبحة مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في أغسطس 1976. ثم جاء الصراع الدموي مع الإخوان المسلمين، الذي بلغ ذروته بمذبحة حماة في فبراير 1982 التي يُعتقد أنها أودت بحياة ما يصل إلى 40 ألف شخص.
من أبرز الأحداث التي يسردها الفصل لبيان القمع اليومي، حادثة 29 سبتمبر 1981 في دمشق، حيث انتشرت عناصر من سرايا الدفاع في شوارع العاصمة، وشرعوا في نزع الحجاب بالقوة عن رأس أي امرأة ترتديه، وانتهى المشهد باستشهاد ضابط حاول حماية زوجته. خدمة العلم الإلزامية لم تعد لبناء الجيش، بل لكسر الروح المعنوية للمجندين وإذلالهم. أصبح الإبلاغ عن الجيران وسيلة لإثبات الولاء أو تصفية الحسابات. أفقد هذا القمع الممنهج المجتمع إحساسه بالمسؤولية العامة، وأصبح الناس لا يهتمون إلا ببيوتهم، لأن كل شيء في المجال العام أصبح ملكاً للديكتاتورية.
استخدم نظام حافظ الأسد مزيجاً من التلقين الأيديولوجي، والسيطرة الاقتصادية الخانقة، والترهيب، لضمان الولاء المطلق. صمّم النظام التعليمي ليكون أداة تلقين شاملة منذ الطفولة عبر مراحل مثل «طلائع البعث» و«شبيبة الثورة»، مروراً بالزي المدرسي شبيه العسكري، والمعسكرات الإجبارية. أصبح القطاع العام الوظيفي الوحيد الموثوق بعد تقييد الحرية الاقتصادية، مما جعل الانتماء للحزب ضرورياً للحصول على وظيفة وترقية. هذا النظام أنتج آلة حكومية متضخمة وغير منتجة.
ذروة الفصل كانت في شرح ما يُعرف بـ«سياسات الموز»، حيث كان النظام يقيّد استيراد السلع الأساسية مثل الموز، مما جعل الحصول عليه بمثابة امتياز وهدية من النظام. اضطر السوريون إلى التودد للمسؤولين وإظهار الطاعة أملاً في الحصول على مكافآت عشوائية. انتظر الناس لساعات طويلة للحصول على سلع نادرة، أو دفعوا أسعاراً باهظة للبضائع المهربة من لبنان. خلقت هذه السياسات مجتمعاً فاسداً ومتوتراً، حيث أصبح الرشوة أسلوب حياة لتسيير أبسط الأمور. روت الكاتبة قصتين شخصيتين: الأولى عن جدتها التي أصرت على دفع رشوة صغيرة لدخول عيادة الطبيب، والثانية عنها هي التي اضطرت لدفع رشوة مئة ليرة سورية لشرطي مرور.
جاءت التغيرات بين أواخر الثمانينيات ومنتصف التسعينيات بمثابة "نسيم" منعش. غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990 أنقذ نظام حافظ الأسد من عزلته الدولية، فانخرطت سوريا في التحالف الدولي وساهمت بـ 20,000 جندي في عملية "عاصفة الصحراء". كمكافأة، حصل الأسد على موافقة أمريكية ضمنية على هيمنته في لبنان ووعد بعملية سلام. تم استدعاء والد الكاتبة، موفد اللاذقي، ليكون المفوّض السوري الأعلى لمؤتمر السلام ورئيس الوفد المفاوض مع إسرائيل. أصبح والد الكاتبة شخصية مشهورة ومحترمة بين السوريين العاديين، الذين رأوا فيه لأول مرة مسؤولاً لا يردد شعارات النظام.
أصبح مؤتمر مدريد للسلام في 30 أكتوبر 1991 محور الاهتمام والرجاء للسوريين. لكن هذا الأمل واجه نكسات قوية، أبرزها اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر 1993، ثم اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في نوفمبر 1995. الصدمة الأكبر في الداخل كانت وفاة باسل الأسد، الابن الأكبر للرئيس، في حادث سيارة في 21 يناير 1994. تم استدعاء الابن الثاني، بشار الأسد، من لندن ليصبح ولي العهد الجديد.
في بداية حكم بشار الأسد، أحاطت به هالة إعلامية ضخمة جعلته يبدو كخليفة هارون الرشيد. انتشرت حكايات عن تواضعه وعمله الدؤوب. لكن هذه الفقاعة الوهمية اصطدمت بالواقع بعد أشهر قليلة فقط. نُشر "بيان الـ 99" داعياً إلى تحرير المعتقلين السياسيين وحرية التعبير، تلاه في يناير 2001 "بيان الـ 1000" الأكثر جرأة. لكن رد الأسد كان غاضباً، إذ وصف الموقعين في مقابلة صحفية في 8 فبراير بأنهم إما "عملاء أجانب" أو "أغبياء". خلال أقل من عام، أغلقت الصالونات الفكرية واعتقل عدد من الموقعين، منهياً "ربيع دمشق" قسراً قبل عشر سنوات كاملة من "الربيع العربي".
استولى رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، على مفاصل الاقتصاد السوري، محوّلاً إياه إلى نظام محسوبية يُعرف باسم "الرامرَمة". في عام 1997، حصل رامي على امتياز إدارة المتاجر الحرة في كل المطارات والموانئ السورية مقابل إيجار زهيد جداً بلغ مليون ليرة سورية سنوياً (حوالي 20 ألف دولار). في قطاع الاتصالات، حصل على رخصة "سيريتل" عام 2001، وواجه معارضة من نائبين انتقدا الصفقة، فتم تجريدهما من حصانتهما البرلمانية وسجنهما. أسس رامي شركة "شام القابضة" عام 2007 برأسمال 360 مليون دولار، ضمت شركات عقارية فاخرة وشركة طيران وبنوكاً خاصة. في المقابل، شهد المواطن العادي انهيار الخدمات ورفع الدعم عن الخبز والوقود.
فرضت على السوريين ثلاثية من القيود المترابطة: المحظور سياسياً، والمحظور دينياً، والمحظور اجتماعياً. الإنترنت لم يكن أول من كسر جدار العزلة، بل التلفزيون الفضائي، الذي أظهر للشباب حياة أخرى "معقولة المنال". التطاول على شخص الأسد وعائلته كان "خيانة عظمى" يُعاقب عليها بصرامة. التقاليد الاجتماعية كانت أثقل من الدين نفسه، حيث يُحظر أي ارتباط عاطفي أو جنسي خارج إطار الزواج، وتتحمل النساء وحدها ثمن أي "انتهاك". من أبرز القيود حرمان المرأة السورية المتزوجة من غير سوري من حق منح الجنسية لأولادها. الهواتف المحمولة الرخيصة، التي وصلت في منتصف الألفينيات، كسرت سيطرة العائلة على هاتف المنزل المركزي، وفتحت للشباب نافذة صغيرة على الحرية.
سيطر النظام على الكتب والمطبوعات، فالرقابة والروتين كانا وجهين لعملة واحدة. شحنة ضخمة لوالدي الكاتبة بعد وفاة والدها احتجزت لأنها تضم مكتبة ضخمة، ولم تُفرج عنها إلا بعد تدخل أصدقاء ذوي نفوذ. في الدراما والكوميديا، كان النظام يمنع أي مساس بشخص الحاكم، لكنه سمح بدرجة من الحرية الفنية المشروطة. مسلسل "بقعة ضوء" الذي انطلق عام 2001 كان ينتقد الفساد والجهل والخوف من السلطة، مع استمرار المساس المباشر بالرئيس. مسلسلات تاريخية مثل "باب الحارة" عبرت عن حنين جماعي لعالم مفقود من القيم.
صدر المرسوم 50 في 2001 الذي سمح نظرياً بالمطبوعات الخاصة، لكن العقوبات كانت تصل إلى ثلاث سنوات سجن وغرامات مالية كبيرة. رواية صاحب الكرتون السياسي علي فرزات، الذي أصدر صحيفة "الدومري" الأسبوعية الساخرة، حققت نجاحاً فورياً بيع منها 50 ألف نسخة في أول عدد. لكن النظام بدأ بسلسلة من المضايقات، حتى منع فرزات من النشر تماماً، وألغيت رخصة الصحيفة في أغسطس 2003.
كانت العلاقة بين سوريا ولبنان معقدة، فبيروت كانت ملاذاً للكاتبة من ضغوط دمشق، لكن بعض المواضيع مثل انتقاد بشار الأسد كانت لا تزال محظورة بسبب الوجود السوري المخابراتي والعسكري. نقطة التحول بدأت مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في 24 مايو 2000، ثم قرار بشار الأسد باعتبار مزارع شبعا أرضاً لبنانية، مما أعطى حزب الله ذريعة للاحتفاظ بسلاحه. بلغ التوتر ذروته باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، مما اضطر النظام لسحب قواته من لبنان في أبريل 2005. قام النظام بسلسلة من الإجراءات الانتقامية تجاه لبنان، منها زيادة رسوم الخروج من سوريا بنسبة 300% وفرض ضرائب على البضائع اللبنانية.
استدعي الكاتبة من قبل اللواء علي مملوك، رئيس الأمن العام السوري، في دمشق عام 2008، بعد أن كتبت مقالة نقدية لاذعة. في المكتب، بدأ مملوك بالحديث عن والدها الراحل، ثم اتهمها بأن كتاباتها تساعد «العدو». خرجت الكاتبة وقد أيقنت أن رسالة النظام كانت إعلاناً بأن حرية التعبير ممنوعة حتى لمن يكتبون من الخارج. في ربيع 2009، منعت الكاتبة من الكتابة في أي منفذ سوري. بحلول يوليو 2010، احتفل النظام بمرور عشر سنوات على حكم الأسد برفع علم سوري ضخم على سارية بارتفاع 107 أمتار.
في 17 فبراير 2011، اندلعت تظاهرة عفوية في سوق الحريقة بدمشق بعد أن اعتدى عناصر أمن على صاحب محل شاب. هتفت الحشود «الشعب السوري لا يذل». بدأت الثورة السورية من مدينة درعا، حيث ألقي القبض على 19 صبياً في 6 مارس لكتابتهم شعارات. رد فعل عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي وابن عم الأسد، كان مهيناً لآباء الأطفال. بدأت التظاهرات في 15 مارس بشكل محدود، ثم تصاعدت بعد 18 مارس عندما أطلق النظام النار على المحتجين. يذكر الفصل اغتيال النظام للنشطاء المسالمين واحداً تلو الآخر، منهم الطفل حمزة الخطيب ذو الـ13 ربيعاً، وغياث مطر، وباسل شهادة، ورزان زيتونة.
غيّرت اتفاقية فيينا النووية مع إيران مسار الثورة السورية، حيث أطلقت يد طهران المالية والعسكرية في سوريا بعد رفع العقوبات. في سبتمبر 2015، تدخل سلاح الجو الروسي عسكرياً بناءً على طلب النظام. حولت هذه الهيمنات الجديدة سوريا إلى ساحة مفتوحة للصراع، وأدت إلى كارثة إنسانية غيرت وجه المنطقة. مات وهم أن القوى العظمى ستساعد ضحايا الأسد بعد المجزرة الكيميائية في الغوطة في 21 أغسطس 2013. في مايو 2014، زار وفد المعارضة السورية البيت الأبيض، لكن لقاءهم مع أوباما كان "مجرد كلمات رنانة وجوهر قليل". بينما كان الأسد يؤدي اليمين لولاية ثالثة في يوليو 2014، كان أوباما يحصل على معاهدته النووية مع إيران، تاركاً السوريين يواجهون مصيرهم وحدهم.
الأشخاص
الفصول(15)
1.تنهيدة كلينتون20–45▼ ملخص
بدأ كل شيء في دمشق، في يوم سبت هادئ من حزيران عام 2000. كانت الكاتبة، ريم علاف، في صالون الحلاقة حيث كان صديقها جورج يمشط شعرها، عندما دخل مساعده سامي بوجه شاحب ليعلن نبأ وفاة حافظ الأسد. بينما لم تشعر الكاتبة بأي حزن لموت الديكتاتور الذي حكم سوريا لثلاثين عاماً، أدركت فوراً أنه من غير اللائق، بل ومن الخطير، إظهار أي شيء غير الاحترام، خاصة في وجود سامي. كان جورج مصراً على أن تتوجه فوراً إلى منزل عائلتها في حي المزة، بعيداً عن شقتها القريبة من المجمع الرئاسي في حي المالكي، تحسباً لأي طارئ.
في طريقها إلى المنزل، اتصلت الكاتبة بخالتها آمنة التي كانت تبكي بحرقة. توقعت الكاتبة أن يكون مكروهاً قد حل بالعائلة، لكن خالتها أوضحت أنها تبكي حزناً على "الرئيس". أثار هذا غضب الكاتبة التي صرخت في وجه خالتها متسائلة إن كان قد أصابهن الجنون، قبل أن تنتبه إلى شرطي المرور وتغلّف نافذة سيارتها. عند وصولها إلى شقة خالاتها، وجدتهن مجتمعات بحزن أمام التلفاز، وطلبت منها إحدى قريباتها إغلاق النوافذ خوفاً من أن يسمعهن الجيران. أدركت الكاتبة لاحقاً أن رد فعل عائلتها لم يكن متطرفاً مقارنة بما سيشهده البلد في الأيام التالية.
في مشهد يمثل قمة الديكتاتورية العربية، تحول التلفزيون السوري الرسمي إلى حداد كامل، بث خلاله لقطات بطولية للراحل بصورة متكررة. المذيع مروان شيخو، الذي كلف بإعلان النبأ، ألقى تأبيناً طويلاً أشاد فيه بالأسد كـ "النجم الذي أضاء سماء سوريا والعرب" و "الأب في حبه لمواطنيه". لم يكتف النظام بذلك، بل استدعى البرلمان السوري لجلسة طارئة وغير عادية، حيث شرع معظم النواب في البكاء والصراخ وضرب أنفسهم في مشهد أشبه بمسلسلات الميلودراما العربية. في خضم هذه المهزلة، تم تغيير الدستور السوري في دقائق ليخفض السن المطلوبة للرئاسة من 40 إلى 34 عاماً، وهو عمر بشار الأسد، ليحول سوريا إلى جمهورية وراثية قبل أن يُدفن والده حتى.
أما بالنسبة للجنازة، فقد أراد النظام لها أن تضاهي جنازة جمال عبد الناصر بثلاثة عناصر: حشود شعبية هائلة، تغطية إعلامية عالمية، وحضور دبلوماسي رفيع. كان العنصر الأول سهلاً: فقد جند النظام ترسانته البعثية لتنظيم مسيرات الملايين، وأُجبر الجميع على إظهار الحزن، من نشر رسائل التعزية المدفوعة في الصحف الرسمية إلى تعليق الصور والأشرطة السوداء على السيارات. أما العنصر الثالث فكان الأصعب، إذ حضر الرئيس الفرنسي جاك شيراك فقط من بين قادة الدول الغربية الكبرى، بينما أرسلت الولايات المتحدة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت بدلاً من الرئيس بيل كلينتون.
وبررت وسائل الإعلام السورية الرسمية غياب كلينتون وفريقه بطريقتها الخاصة. لقد التقطت الكاميرات لحظة وصول نبأ الوفاة إلى كلينتون، الذي ضغط بشفتيه في ما يمكن تفسيره على أنه "تنهيدة". أعاد التلفزيون السوري بث هذه المشاهد مراراً مع تعليق درامي: "وتنبّـه"، ملمحاً إلى أن تنهيدة كلينتون تعبر عن مكانة الأسد. هذه الحادثة، بالنسبة للكاتبة، كشفت عن تناقض النظام المتأصل بين كرهه للغرب ورغبته في أن يحظى بإعجابه.
في خضم هذه الأحداث، لاحظت الكاتبة أن الكثير من السوريين، خاصة الشباب، بدوا مندفعين في إظهار حزنهم وولائهم للنظام الجديد. وتتساءل إن كانوا جميعاً يعانون من متلازمة ستوكهولم. لكنها تقدم تفسيراً أكثر تعقيداً: فبعد سنوات من العزلة، كان هؤلاء الشباب يبحثون عن معنى ومكان في العالم، وكانوا يعتقدون أن هذه المرحلة الانتقالية السلسة تمثل بداية طريق نحو الحياة الطبيعية. كانوا يريدون أن يكونوا جزءاً من شيء كبير، وأن تحتفي بهم وسائل الإعلام العالمية. وقد تذكرت الكاتبة هذه النظرة المتفائلة بحزن وهي ترى هؤلاء الشباب أنفسهم يتطورون ثم يتراجعون خلال العقد التالي حتى نقطة الانهيار.
في النهاية، اختتمت الكاتبة الفصل بتأمل صديقها الناقد للنظام، والذي سيدفع ثمن جرأته لاحقاً بالسجن لعشر سنوات. قال لها هذا الصديق في سرية: "قد يأتي يوم نندم فيه على حافظ الأسد ونرحمه". ورغم أنها اعتبرت كلامه مبالغاً فيه، إلا أنها تشير إلى أن النظام فرح بنفسه بعد أن حصل على التقديس الشعبي والاهتمام الإعلامي وحضور بعض الشخصيات الدولية وتنهيدة كلينتون، متناسياً أن الملايين من السوريين كانوا ينتظرون متنفساً من واقعهم الافتراضي. كانت تلك الفترة بمثابة قصة حديثة عن النجاة والنهضة، لكنها، مع كل فرصة ضائعة، تحولت تدريجياً إلى حكاية أحلام محطمة بدأت في ربيع دمشق الجميل لعام 2000.
إن أبرز ما يمكن مناقشته في هذا الفصل هو التناقض الصارخ بين مشاعر السوريين الحقيقية تجاه نظام الأسد، والتي تتراوح بين الخوف والتكيف والنفَس المنتظر للتغيير، والصورة التي قدمها النظام للعالم من حزن جماعي وولاء أعمى. تُظهر الكاتبة كيف أن هذا المشهد كان عبارة عن مسرحية سياسية معقدة أتقن الجميع أدوارهم فيها خوفاً أو طمعاً أو أملاً، وكيف أن لحظة "تنهيدة كلينتون" أصبحت رمزاً لسعي النظام الدائم للاعتراف به من قبل أعدائه المعلنين.
2.عشرون عامًا من العزلة46–67▼ ملخص
يبدأ الفصل بعودة عائلة الكاتبة إلى دمشق بعد غياب دام أكثر من ثماني سنوات، ليصف بدقة المشهد في مطار العاصمة في ذلك الزمن. المسافة الطويلة للمطار عن المدينة، والتي تبلغ نحو ثلاثين كيلومتراً، فسرتها الأوساط السورية بقول إن النظام بناها بعيداً ليكسب وقتاً في حال محاولة انقلاب عسكري. حتى لدى تذكيرهم بأن الفرنسيين بدأوا بناء المطار في 1965، أي قبل حكم الأسد، ظل التفسير المؤامراتي منطقياً في أعينهم.
في قاعة الوصول الخافتة، التي تزينها صور ضخمة لـحافظ الأسد، يلمس القارئ لأول مرة الجو القمعي. الجوازات الدبلوماسية فتحت أبواباً غير مرئية للعائلة، بينما عانى السوريون العاديون من تفتيش مهين ودفع رشاوى. بعد خروجهم، تبرع قريب ثري بسيارة مرسيدس، ولكن حين توقفت السيارة وتأخرت والدة الكاتبة في تشغيلها في إشارة مرور، لم يطلق أحد بوقه. في البداية، اعتبرت ذلك تهذيباً، لكنها عرفت الحقيقة لاحقاً من عمها: السيارات الفارهة في تلك الأيام كانت حكراً على كبار النظام وأقربائهم، والناس خافوا من من يقودها، لا من السيارة نفسها.
يوضح الفصل كيف أن شراء سيارة عادية كان حلماً صعباً للسوريين العاديين، مع فرض ضرائب استيراد تقارب 300% وقوائم انتظار حكومية تستمر لسنوات. القوانين لم تكن تنطبق على سيارات المسؤولين والمقربين الذين كانوا يتجولون بها بسرعات جنونية أو ببطء متعمد في الأماكن التي تتردد إليها الفتيات. هذا التفاوت في تطبيق القانون كان أول درس تتعلمه العائلة عن طبيعة السلطة، وأكدته جدة الكاتبة التي أظهرت بفخر مخزونها من ورق التواليت والصابون المهرب من لبنان، ونصحتهم باستخدامه "باقتصاد" لأنه قد لا يتوفر بديل.
الموضوع المحوري في الفصل هو تحول سوريا من مرحلة ما بعد حرب تشرين 1973 المفعمة بالأمل القومي، إلى نظام شمولي قاسٍ وعزلة دولية طويلة. يقدم المؤلف إجابة واضحة بأن هذا التحول كان متعمداً ومدبراً من قبل حافظ الأسد بعد عودته من زيارته لكوريا الشمالية ورومانيا في سبتمبر 1974، حيث استلهم نموذج الحكم التوتاليتاري. لم يكن القمع مجرد رد فعل على أحداث، بل كان مشروعاً منظماً لجعل الهوية الوطنية للدولة مرادفة تماماً لشخص الحاكم.
يسير الفصل بتسلسل زمني، منتقلاً من أجواء 1973 الحماسية إلى الكوابيس المدمرة في 1982 وما بعدها. يستخدم الكاتب حججاً قوية مثل تفاصيل زيارة الرئيس نيكسون إلى دمشق في يونيو 1974، التي بدت وكأنها تبشر بعهد جديد من العلاقات، وكيف أن حفاوة الشعب حينها كانت حقيقية. بعد شهرين فقط، كان الأسد في عاصمتي أحد أكثر الأنظمة دموية في العالم، ليعود ويبدأ حملة "أسودة" شاملة، حيث سُمي السد باسمه، والمكتبة، وحتى البحيرة، مما جعل كل شيء في الدولة ينسب إليه حصراً.
ثم ينتقل الفصل ليروي كيف أن الظروف السورية الداخلية والخارجية صعّدت من وحشية النظام. فبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في أبريل 1975، انغمس الجيش السوري في المستنقع اللبناني تحت ستار "قوة الردع العربية"، ووصل الأمر حد مشاركته في حصار ومذبحة مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في أغسطس 1976. هذه السياسات نفّرت الكثير من الحلفاء العرب وأوقفت تدفق الأموال الخليجية التي كانت تدعم الاقتصاد السوري.
يتناول الفصل أيضاً الصراع الدموي مع الإخوان المسلمين، والذي تعدى الخلاف الأيديولوجي إلى حرب شوارع. يصف الكاتب كيف قاد النظام حملات عقاب جماعي، بدءاً من مذبحة ثكنة حلب العسكرية التي راح ضحيتها 80 ضابطاً علوياً، وصولاً إلى مذبحة سجن تدمر في 27 يونيو 1980 التي راح ضحيتها ما يصل إلى 1000 سجين في ساعات قليلة، بقيادة رفعت الأسد. هذا التصعيد بلغ ذروته بمذبحة حماة في فبراير 1982 التي يُعتقد أنها أودت بحياة ما يصل إلى 40 ألف شخص، واختفت فيها أعداد أكبر، وسويت أجزاء من المدينة بالأرض.
من بين أبرز الأحداث التي يسردها الفصل لبيان القمع اليومي، حادثة 29 سبتمبر 1981 في دمشق. في ذلك اليوم، انتشرت عناصر من سرايا الدفاع ومظليون في شوارع العاصمة، وشرعوا في نزع الحجاب بالقوة عن رأس أي امرأة ترتديـه، ولم يترددوا في إهانتهن والتهديد بالسلاح. هذه الفعلة التي قامت بها "ميليشيا" النظام تظهر كيف أن القمع لم يكتفِ بسياسة الخوف، بل تجاوز إلى هجوم مباشر على التقاليد والعزة الشخصية، وانتهى المشهد باستشهاد ضابط حاول حماية زوجته. خطاب الأسد المسائي "الاعتذاري" غير المباشر، وتوزيع القرنفل الأبيض في اليوم التالي، لم يخفِ حقيقة أن الرسالة كانت واضحة: النظام قادر على تدمير كل شيء.
في خضم هذه الأجواء، برزت تفاصيل مروعة عن الحياة اليومية. يصف الكاتب كيف أن خدمة العلم الإلزامية لم تعد لبناء الجيش، بل لكسر الروح المعنوية للمجندين وإذلالهم، وكيف تحولت أوساط الضباط إلى خدم شخصيين لزوجات المسؤولين. كذلك، أصبح الإبلاغ عن الجيران وسيلة لإثبات الولاء أو تصفية الحسابات. ويخلص الفصل إلى أن هذا القمع الممنهج أفقد المجتمع إحساسه بالمسؤولية العامة، وأصبح الناس لا يهتمون إلا ببيوتهم وأسوارهم، متخلين عن الشارع والنظافة العامة وكل ما هو خارج الباب الأمامي، لأن كل شيء في المجال العام أصبح ملكاً للدكتاتورية، ملكاً للأسد.
في ختام الفصل، يعترف الكاتب بشكل ضمني بحدود فهمه الأولي لهذه الظاهرة، قائلاً إنه استغرق وقتاً طويلاً لاستيعاب كيف أن شعوراً بالواجب المدني تلاشى تدريجياً كوسيلة للبقاء على قيد الحياة، وأن العالم خارج البيت أصبح مشكلة الآخرين. هذه الفكرة تمثل تحفظاً مهماً، حيث لا يقدم الكاتب تفسيراً واحداً، بل يربط انهيار المجتمع المدني بآلية القمع الشامل التي جعلت أي اهتمام بالمجال العام عملاً خطيراً أو غير مجدٍ. ولا يترك الفصل أسئلة مفتوحة صريحة، لكنه يطرح إشكالية قابلة للنقاش وهي مدى مسؤولية النظام في تحويل شعب بأكمله من مجتمع مضياف ومتعاون إلى مجتمع منكفئ على ذاته، يكافح من أجل البقاء الفردي تحت وطأة الترهيب والتجريد من الهوية الوطنية.
3.سياسات الموز68–87▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل، المعنون «سياسات الموز»، على الكيفية التي أدار بها نظام حافظ الأسد المجتمع السوري خلال فترة الثمانينيات، مستخدماً مزيجاً من التلقين الأيديولوجي، والسيطرة الاقتصادية الخانقة، والترهيب، لضمان الولاء المطلق. الإجابة التي يقدّمها الفصل هي أن النظام لم يعتمد على القوة المباشرة فحسب، بل بنى «نظاماً» متكاملاً (مصطلح نِظام بالعربية يعني أيضاً النظام السياسي) يحوّل المواطنين إلى تروس خاضعة في آلة بيروقراطية فاسدة، حيث تُمنح أبسط السلع كـ«هبة» من القائد، مما يخلق ثقافة التبعية والانتظار.
تبدأ الكاتبة بمشهد حيوي في ملهى فندق شيراتون بدمشق، حيث يظهر وزير الدفاع مصطفى طلاس فجأة في حفلة، فيستقبله الجميع بالاحترام والتقدير. تروي الكاتبة كيف أن ضيفاً دانمركياً زائراً أصيب بالذهول لرؤية وزير دفاع دولة اشتراكية وفي حالة حرب رسمياً مع إسرائيل يظهر بهذا الشكل الباذخ في ملهى ليلي. هذه الحادثة، التي أصبحت اعتيادية بالنسبة للكاتبة، جعلتها تدرك مدى تطبعها مع ما هو غير طبيعي، وتطرح تساؤلاً صريحاً حول كيفية وصول المجتمع السوري إلى هذه الدرجة من الخضوع للسخيف والمهيب.
ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل أدوات السيطرة التي استخدمها النظام، وأهمها حزب البعث. يصف الكاتبة كيف صمّم النظام التعليمي ليكون أداة تلقين شاملة منذ الطفولة، عبر مراحل مثل «طلائع البعث» و«شبيبة الثورة»، مروراً بالزي المدرسي شبيه العسكري، والمعسكرات الإجبارية، وصولاً إلى مادتي اللغة العربية والقومية (قومية) اللازمتين للتخرج. يوضح الفصل أن الترديد اليومي لشعارات مثل «وحدة، حرية، اشتراكية» وتحية «القائد الخالد» كان يهدف إلى إنتاج مواطنين مطيعين يكررون ما يقال لهم دون تفكير، مما قضى على أي بذور للاستقلال الفكري.
ويشرح الفصل بالتفصيل كيف أصبح القطاع العام الوظيفي الوحيد الموثوق بعد تقييد الحرية الاقتصادية، مما جعل الانتماء للحزب ضرورياً للحصول على وظيفة وترقية. هذا النظام، الذي يكافئ الولاء لا الكفاءة، أنتج آلة حكومية متضخمة وغير منتجة. تصف الكاتبة زيارة لابن عمها في المصرف المركزي السوري، حيث بدلاً من العثور على بيئة عمل جادة، وجدت الموظفين يعدّون طبق تبولة على أحد المكاتب، في مشهد يعكس انفصال الموظفين عن أهداف مؤسساتهم، ويُلقي باللوم على نظام شجّع التبعية وأهمل الجدارة.
يصل الفصل إلى ذروته في شرح ما يُعرف بـ«سياسات الموز» (سياسات الموز)، التي أصبحت رمزاً للثمانينيات. يصف كيف كان النظام يقيّد استيراد السلع الأساسية مثل الموز، مما جعل الحصول عليه بمثابة امتياز وهدية من النظام، وليس حقاً للمواطن. يوضح الفصل أن هذه السياسة خلقت تبعية كاملة، حيث اضطر السوريون إلى التودد للمسؤولين وإظهار الطاعة أملاً في الحصول على مكافآت عشوائية زهيدة. يضرب الفصل مثالاً بانتظار الناس لساعات طويلة للحصول على سلع نادرة، أو دفع أسعار باهظة للبضائع المهربة من لبنان عبر الميليشيات الموالية للنظام. حتى السيارات كانت خاضعة لهذه السياسة، مما جعل الشوارع السورية متحفاً مفتوحاً لسيارات أمريكية وأوروبية قديمة.
ويخلص الفصل إلى أن هذه السياسات خلقت مجتمعاً فاسداً ومتوتراً، حيث أصبح الرشوة أسلوب حياة لتسيير أبسط الأمور. تروي الكاتبة قصتين شخصيتين: الأولى عن جدتها التي أصرت على دفع رشوة صغيرة لدخول عيادة الطبيب قبل دورها، والثانية عن الكاتبة نفسها التي اضطرت لدفع رشوة مئة ليرة سورية (ما يعادل دولارين أمريكيين آنذاك) لشرطي مرور أوقفها بدعوى مخالفة غير موجودة. وتشير الكاتبة إلى أن السوريين برروا هذه الممارسات على أنها «صدقة» للموظفين من ذوي الرواتب المتدنية، وأن رفض دفع الرشوة كان يعني تعقيد الإجراءات البيروقراطية وتعطيلها.
في ختام الفصل، يلمح الكاتبة إلى أن هذه السياسات أرهقت السوريين وأخضعتهم، وجعلتهم غير قادرين على التصدي للصدمات اللاحقة. يذكر الفصل بالتفصيل بعض الأحداث الخارجية التي زادت عزلة النظام، مثل محاولة تفجير طائرة العال الإسرائيلية في مطار هيثرو سنة 1986، والتي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، بالإضافة إلى دعم النظام لزعيم الأكراد عبد الله أوجلان، وانحيازه لإيران في حربها مع العراق. يختتم الفصل بملاحظة أن حافظ الأسد نجح في عزل سوريا على جميع الجبهات، وأن حسابات أحد أعدائه اللدودين كانت ستحمل تغييراً غير متوقع لحياة السوريين.
يمكن القول إن الفصل يقدّم تحليلاً مقنعاً لكيفية عمل النظام الشمولي على المستوى اليومي، مستخدماً تفاصيل دقيقة ومشاهد شخصية لتوضيح آليات السيطرة المعقدة التي تتجاوز القمع المباشر. ومع ذلك، يمكن مناقشة ما إذا كان الفصل يبالغ في تعميم هذه التجارب الصعبة على جميع السوريين، أو ما إذا كان يغفل بالكامل عن أي أشكال من المقاومة اليومية أو التكيف الإيجابي داخل هذه البيئة الخانقة، مما قد يترك انطباعاً باليأس المطلق.
4.نسيم من مدريد88–109▼ ملخص
يستعرض هذا الفصل من كتاب "لقد بدأت في دمشق" موضوعاً محورياً هو التغيرات التي طرأت على سوريا والمجتمع السوري في الفترة بين أواخر الثمانينيات ومنتصف التسعينيات، مركزاً على لحظة الأمل القصيرة التي أعقبت حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد للسلام. يقدم المؤلف الإجابة بأن هذه الفترة كانت بمثابة "نسيم" منعش هب على بلد كان يعيش عزلة قمعية، مما أثار آمالاً كبيرة لدى السوريين في انفراج سياسي واقتصادي واجتماعي، قبل أن تخبو هذه الآمال مرة أخرى مع أحداث لاحقة.
يبدأ الفصل بمشهد من الحياة اليومية في دمشق، وتحديداً مقهى الروضة في شارع عابد، الذي كان حكراً على الرجال تقريباً. يستخدم المؤلف هذا المشهد كمدخل للتأمل في القيود الاجتماعية الصارمة التي واجهتها كامرأة، وكيف تطور فهمها للمجتمع السوري من مواجهة هذه العادات إلى محاولة فهم تطلعات الناس وتحدياتهم اليومية. ينتقل بعدها لاستكشاف مصادر المعرفة البديلة التي اعتمد عليها السوريون في زمن الرقابة، مثل إذاعات راديو مونت كارلو، وقبل كل شيء بي بي سي ("هنا لندن") التي كانت بمثابة شريان حياة إخباري موثوق. يصف أيضاً كيف كان السوريون يتابعون بإعجاب شديد التحولات الدراماتيكية التي هزت أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، من سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989 إلى الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا وإعدام نيكولاي تشاوتشيسكو في رومانيا، متأملين في إمكانية أن تطالهم رياح التغيير.
يغير الفصل مساره بشكل حاد عند ذكر غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990. يجادل المؤلف بأن هذا الحدث أنقذ نظام حافظ الأسد من عزلته الدولية. فبينما كان ينظر إلى الأسد كطاغية بعد مجزرة حماة، فإن فعل صدام حسين الأكثر فظاعة (غزو دولة مجاورة) جعل الأسد يبدو كـ"الشر الأقل". أدى هذا إلى تحول دبلوماسي كبير، حيث انخرطت سوريا في التحالف الدولي لتحرير الكويت وساهمت بـ 20,000 جندي في عملية "عاصفة الصحراء". كمكافأة، حصل الأسد على موافقة أمريكية ضمنية على هيمنته في لبنان (عبر رعاية اتفاق الطائف) ووعد بعملية سلام جادة. يصف الفصل بعدها كيف أن هذا الانفتاح أدى إلى تحسن ملموس: عودة العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا، تدفق استثمارات خليجية محدودة، وإصدار قانون رقم 10 في يناير 1991 لتشجيع الاستثمار الخاص، وهو ما رحب به والد المؤلف.
في قلب هذا التحول، يضع الفصل قصة والد المؤلف، موفد اللاذقي، وهو دبلوماسي سوري مخضرم كان قد ترك الخدمة قبل عقد من الزمن. يُستدعى فجأة من قبل وزارة الخارجية في أغسطس 1991 دون توضيح الأسباب، ويكتشف أنه اختير شخصياً من قبل الرئيس الأسد ليكون المفوّض السوري الأعلى لمؤتمر السلام ورئيس الوفد المفاوض مع إسرائيل. كانت مهمته استرداد هضبة الجولان بالكامل. يصف الفصل بعاطفة جلية كيف أن والد المؤلف أصبح شخصية مشهورة ومحترمة بين السوريين العاديين، الذين رأوا فيه لأول مرة مسؤولاً لا يردد شعارات النظام ولا يتزلف للرئيس، بل يصغي إليهم ويعاملهم بكرامة ومساواة. هذا الدعم الشعبي الهائل يعكس تعطش السوريين لرؤية مسؤولين يمثلونهم حقاً.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مؤتمر مدريد للسلام في 30 أكتوبر 1991، وما تلاه من جولات تفاوض في واشنطن. يصف المؤلف كيف أن هذه العملية السلامية أصبحت محور الاهتمام والرجاء للسوريين، الذين اعتقدوا أن التطبيع مع العالم الخارجي سيؤدي حتماً إلى تخفيف القيض الداخلي. لكن هذا الأمل واجه نكسات قوية، أبرزها وقوع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر 1993، مما فكك التضامن العربي في عملية السلام ثم اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في نوفمبر 1995. لكن الصدمة الأكبر في الداخل السوري كانت وفاة باسل الأسد، الابن الأكبر للرئيس ووريثه الواضح، في حادث سيارة في 21 يناير 1994. يصف الفصل كيف أن حداد الدولة المبالغ فيه أثار استياء السوريين، وكيف تم استدعاء الابن الثاني، بشار الأسد، من لندن ليصبح ولي العهد الجديد. يُنهي الفصل بلمحة عن تحسن العلاقات مع تركيا بفضل توسط مصر في 1998، وانتقال المؤلف إلى دمشق في 1999، ليختتم بفكرة أن "النسيم" الذي هب من مدريد أعطى السوريين جرعة أمل، لكن المهمة كانت الآن موكلة إلى بشار لتحويل هذا النسيم إلى رياح تغيير حقيقية.
يعترف الفصل صراحة بالحدود التي حالت دون تحقيق تلك الآمال، مثل اغتيال رابين وتفكك الجبهة العربية وإصرار النظام على الحفاظ على قبضته الأمنية. يترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كان بشار قادراً على تحقيق التغيير المطلوب. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، والتي يطرحها المؤلف بوضوح، هي الفكرة القائلة بأن غزو صدام حسين للكويت هو الذي "أنقذ" نظام الأسد من عزلته، وأن هذا الحدث جعل مجزرة حماة تبدو أقل أهمية في الميزان الدولي مقارنة بانتهاك سيادة دولة، وهو تقييم أخلاقي وسياسي معقد ومثير للجدل.
5.عبادة الأمل112–131▼ ملخص
يبدأ الفصل بمشهد حميمي لصباح دمشقي مفعم برائحة الياسمين وصوت فيروز، ليقدم تناقضاً صارخاً مع واقع سياسي قاسٍ. يصف الكاتبة تجربتها الشخصية عندما أيقظها طرق عنيف على الباب في الساعة الرابعة فجراً خلال شهر رمضان، ليجدها ضابط شرطة يأمرها بإزالة سيارتها فوراً دون تفسير. تكتشف لاحقاً أن السبب هو الاستعداد لصلاة العيد للرئيس بشار الأسد في مسجد قريب، حيث تُفرغ الشوارع من السيارات بغضب واستعلاء، بينما لا يُعلن عن مكان الصلاة مسبقاً. توضح الكاتبة أن هذا الإجراء المتكرر، رغم كونه "مسألة صغيرة" مقارنة بانتهاكات أكبر، يكشف أسلوب النظام القائم على "استعراض القوة" وإذلال المواطنين، وتطرح أسئلة بلاغية عن سبب عدم استخدام لافتات مؤقتة لمنع الوقوف كما هو متبع في دول أخرى، وعن غياب الاحترام للمواطن.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن صورة بشار الأسد في بداية حكمه صيف وخريف عام 2000، حيث أحاطت به هالة إعلامية ضخمة جعلته يبدو كخليفة هارون الرشيد الذي يتفقد أحوال رعيته متنكراً. انتشرت حكايات عن تواضعه، كأن يشاهد وهو يصطف لشراء شطيرة أو يمشي دون حراس، وعن عمله الدؤوب الذي لا ينام فيه سوى أربع ساعات يومياً. كانت هذه القصص جزءاً من "فقاعة الإصلاح" وحلم التحديث الذي بيع للسوريين، ورددته وسائل الإعلام الغربية بحماس، مما حول جمهوراً كان لا مبالياً تجاه النظام إلى جمهور ودود ومتفاعل، متعطش للإيمان بحكاية خرافية حديثة عن منقذ وأيام مشمسة بعد عقود من القسوة.
يصف الفصل بعد ذلك كيف أن هذه الفقاعة الوهمية اصطدمت بالواقع بعد أشهر قليلة فقط. في إحدى الأمسيات، قرأت الكاتبة مع أصدقائها "بيان الـ 99" الذي نُشر في جريدة الحياة اللبنانية، داعياً إلى تحرير المعتقلين السياسيين وحرية التعبير ورفع حالة الطوارئ. كانت هذه أهم مبادرة مجتمع مدني في سوريا، وتحدياً مباشراً لبشار لإثبات حسن نيته. سرعان ما تبعته في يناير 2001 "بيان الـ 1000" الأكثر جرأة، والذي أضاف المطالبة بنظام ديمقراطي تعددي. لكن رد الأسد كان غاضباً، إذ وصف الموقعين في مقابلة صحفية في 8 فبراير بأنهم إما "عملاء أجانب" أو "أغبياء". تلاه خطاب لنائب الرئيس عبد الحليم خدام في 18 فبراير يحذر من أن الحرية المطلقة تؤدي لتفكك الوحدة الوطنية. وخلال أقل من عام، أغلقت الصالونات الفكرية واعتقل عدد من الموقعين وقادة المجتمع المدني لأحكام تصل إلى عشر سنوات، منهياً "ربيع دمشق" قسراً قبل عشر سنوات كاملة من "الربيع العربي".
يكشف الفصل آلية التبرير التي استخدمها النظام لقمع أي معارضة، وهي تبريرات تكررت عبر العقود. ففي عهد حافظ الأسد، كان يقال إن أي أخطاء هي من مسؤولية مسؤولين سيئين لا الرئيس المنشغل بالدفاع عن الأمة. وفي عهد بشار، ظهرت أسطورة "الحرس القديم" الذي يعيق جهود "الحرس الجديد" الإصلاحي. لكن الكاتبة تستنتج أن الحرس كان واحداً دائماً، هدفه الوحيد البقاء والتمتع بالامتيازات. على الرغم من ذلك، يذكر الفصل أن النظام سمح بتحركات دبلوماسية مهمة، مثل زيارة البابا يوحنا بولس الثاني لسوريا في مايو 2001، حيث دخل مسجداً لأول مرة في التاريخ وزار مدينة القنيطرة المدمرة. لكن الكاتبة تنتقد خطاب بشار الترحيبي الذي تضمن تلميحاً معادياً للسامية، معتبرة أنه أضاع فرصة لتركيز الضوء على حدث تاريخي حقيقي.
يتناول القسم التالي من الفصل فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، والتي اعتبرها الأسد فرصة للتقرب من إدارة الرئيس جورج بوش الابن. عرض الأسد معلومات استخباراتية عن جماعات إسلامية، لكن واشنطن اعتبرت ذلك واجباً لا فضلاً، ولم تتسامح مع دعم سوريا لفصائل فلسطينية ولبنانية إضافة لاستقبالها ماهر عرار، المواطن الكندي من أصل سوري الذي رُحّل سراً وتعرض للتعذيب. بعد انتخاب سوريا لعضوية مجلس الأمن لمدة سنتين ابتداءً من أكتوبر 2001، سعت للتوفيق بين معارضة غزو العراق وعدم استفزاز أمريكا بشكل مباشر. يوضح الفصل تذبذب موقف الأسد، من التصويت لصالح القرار 1441 الذي أمهل صدام حسين، إلى إعلان دعم الشعب العراقي بعد الغزو في مارس 2003، مروراً بالغياب المخزي عن التصويت على القرار 1483 بحجة فارق التوقيت، وانتهاءً بالتصويت لصالح القرار 1511 الذي أذن بقوة متعددة الجنسيات.
يتطرق الفصل لقرارات الأسد المتناقضة والعبثية أحياناً، مثل تغيير ألوان الزي المدرسي من الكاكي العسكري إلى الأزرق والرمادي، معتبراً إياها محاولة لإخفاء استمرار "بعثفة" الأطفال بإلغاء الملابس المموهة الأصلية. ويسلط الضوء على فترة عضوية سوريا في مجلس الأمن باعتبارها "غير منتجة"، حيث لم يحسن الأسد استثمارها لتحسين العلاقات مع القوى الكبرى، بل زاد من عزلتها. كما يشير إلى إخفاقه في بناء علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقية الشراكة، مما جعله عرضة للعقوبات والعزلة الدبلوماسية، لا سيما بعد تدخله المتصاعد في لبنان.
يختتم الفصل بتحليل شخصية الأسد كما استنتجتها الكاتبة من لقائها المباشر به في ديسمبر 2002 بلندن، خلال اجتماع لمجلس إدارة "الجمعية البريطانية السورية" الذي كانت عضواً فيه. تصف اللقاء بأنه كان محاضرة أحادية الجانب ألقاها الأسد على شخصيات بريطانية وسورية مرموقة، دون أن يطلب رأي أحد أو يبدي رغبة في التعلم. وتصفه بأنه "مُفَسّر" (mansplainer) يهوى الوعظ، ويطالب بالاحترام الذي حظي به والده، لكنه مع ذلك يتوق للحب والإعجاب. في مقابل هذه الشعبية المزعومة التي تثبتها صور ضخمة تحمل عبارة "منحبك"، يرسم الفصل صورة قاتمة للواقع الاقتصادي: نظام رأسمالية المحاسيب الكارثي الذي أغنى عائلة الأسد وحلفاءهم بشكل فاحش على حساب البنية التحتية وتزايد احتياجات السكان، وأوكل إدارة هذه الثروة الهائلة لابن خالته رامي مخلوف.
6.امتياز رامي132–147▼ ملخص
يُركّز هذا الفصل على موضوع رئيسي واحد، وهو كيف استولى رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، على مفاصل الاقتصاد السوري، محوّلاً إياه إلى نظام محسوبية وولاءات عائلية يُعرف باسم "الرامرَمة" (مصطلح مشتق من اسمه). يقدم الفصل إجابة واضحة: لم يعد بوسع أي مشروع اقتصادي كبير في سوريا أن يُنجز دون موافقة رامي وعمولته، مما حوّل الدولة إلى إمبراطورية خاصة لعائلة الأسد الممتدة.
يبدأ الفصل بحكاية شخصية صغيرة من الحياة اليومية: عندما اشترت الكاتبة دواء من صيدلية في دمشق عام 2002 تقريباً، أعطتها الصيدلانية بضع لاصقات طبية بدلاً من الفكة، لأنها لم تكن تملك نقوداً صغيرة. تشرح الكاتبة أن هذا التصرف كان انعكاساً لأخلاق السوريين وحرصهم على عدم خداع الزبون ولو بمبلغ زهيد، على عكس شركة "سيريتل" للهاتف المحمول التي كانت تبتلع فكة الزبائن دون إرجاع أي شيء. هذه الشركة، كما يتبين لاحقاً، مملوكة لرامي مخلوف، وهو الذي جعل منها أداة للربح على حساب الملايين شهرياً.
يشرح الفصل بعد ذلك معنى "الرامرَمة"، وهو ممارسة تعني أن أي عمل تجاري يحتاج إلى موافقة رامي المباشرة، مقابل عمولة سخية. يسير الشرح خطوة بخطوة عبر أمثلة واقعية. يذكر الفصل قصة رجل أعمال سوري ثري يقيم في الخارج، حاول في خريف 2003 تسهيل استثمار أوروبي كبير مع بشار الأسد، لكن الرئيس رده ببساطة قائلاً: "تحدث مع رامي". وهذا يثبت أن رامي، رغم عدم شغله أي منصب رسمي، أصبح بمثابة وزير الاقتصاد الفعلي. يُظهر الفصل أيضاً أن هذه الممارسات لم تكن جديدة، بل ورثها رامي عن والده محمد مخلوف، الذي كان في عهد حافظ الأسد يسيطر على مؤسسة التبغ العامة وبنك التسليف الشعبي، ويأخذ حصته من عائدات النفط السوري (الذي كان ينتج حوالي 600 ألف برميل يومياً).
يتوسع الفصل في تفصيل الإمبراطورية الاقتصادية لرامي، مستشهداً بأرقام وتواريخ دقيقة. في عام 1997، حصل رامي على امتياز إدارة المتاجر الحرة (دون دفع ضرائب) في كل المطارات والموانئ السورية، مقابل إيجار زهيد جداً بلغ مليون ليرة سورية سنوياً (حوالي 20 ألف دولار). تم إقصاء رئيس الوزراء آنذاك محمود الزعبي بعد اتهامه بالفساد، ثم أُعلن عن انتحاره، وتم التخلي عن ابنه مفْلح (شريك رامي في تلك المتاجر). أما في قطاع الاتصالات، فحصل رامي على رخصة "سيريتل" عام 2001، وواجه معارضة من النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي اللذين انتقدا الصفقة، فتم تجريدهما من حصانتهما البرلمانية وسجنهما لخمس سنوات. وعندما دخلت الشركة المصرية "أوراسكوم" كشريك تقني، واعترضت على محاولات رامي للسيطرة على الحسابات المصرفية، قام قاضٍ سوري بتجميد أصول الشركة التي تبلغ قيمتها 50 مليون دولار.
ثم ينتقل الفصل إلى استعراض كيف كان رامي يطمع في امتيازات قائمة، مثل محاولته عام 2004 الاستيلاء على وكالة مرسيدس من تاجرها القديم عمر سنقر، لكن الشركة الأم رفضت، وهذه كانت حالة نادرة من الفشل. واكتفى رامي بأخذ وكالة بي إم دبليو وإجبار وزارة الدفاع على شراء آلاف السيارات منه. كما أسس الفصل شركة "شام القابضة" عام 2007 برأسمال 360 مليون دولار، ضمت شركات عقارية فاخرة (بينا بروبرتيز)، وشركة طيران (الشام للطيران)، وبنوكاً خاصة، وإعلاماً، وتعليماً خاصاً.
في خضم هذا التكديس للثروة، يُظهر الفصل فجوة هائلة بين طبقة المحسوبين وباقي الشعب. فبينما كان رامي وأمثاله يحتكرون الأراضي الممتازة والدعم الحكومي، كان المواطن العادي يشهد انهيار الخدمات ورفع الدعم عن الخبز والوقود، مع غياب أي خطة تنموية حقيقية. يكشف الفصل عن آلية ابتزاز أخرى هي "رسوم إعفاء التجنيد" للمغتربين، التي كانت تتغير حسب حاجة النظام للسيولة: فشاب وُلد خارج سوريا يدفع 2000 دولار، بينما شاب غادر البلاد بعد سن الثانية عشرة وحمل شهادة عليا في مجال علمي يدفع 10 آلاف دولار. هذا جعل آلاف السوريين غير قادرين على العودة إلى وطنهم.
ختاماً، يقرّ الفصل بأن نجاح هذه الطبقة لم يكن بسبب ذكائها التجاري، بل بسبب احتكارها لاقتصاد مغلق. ورغم ظهور بعض الوظائف في قطاعات الخدمات والإعلانات الجديدة، إلا أن الأغلبية بقيت متفرجة. بمرارة، يلاحظ الفصل أنه لم يُبنَ أيّ مستشفى عالمي أو مركز أبحاث من هذه الثروات. لكن المرارة الأكبر تأتي في نهاية الفصل الذي يصل إلى عام 2021، حيث يظهر فيديو لابن رامي، علي مخلوف، وهو يقود سيارة فيراري فاخرة في لوس أنجلوس بجوار عارضة أزياء إسرائيلية، متباهياً بثروته على وسائل التواصل الاجتماعي بينما كان السوريون يعانون من وطأة الحرب والعقوبات. هذه الواقعة أثارت سؤالاً كبيراً: كيف حصل هذا الشاب على تأشيرة أمريكية لأسرته الخاضعة للعقوبات؟ الجواب الضمني الذي يقدمه الفصل هو أن قوانين العالم لا تُطبّق على عائلة الأسد، مثلما كانت القوانين السورية لا تُطبّق عليهم داخل بلدهم.
7.الترويكا المحظورة148–165▼ ملخص
يتركّز هذا الفصل على فكرة "الترويكا المحظورة" في سوريا تحت حكم الأسد، وهي ثلاثية من القيود المترابطة التي كبّلت حياة السوريين: المحظور سياسياً (ممنوع)، والمحظور دينياً (حرام)، والمحظور اجتماعياً (عيب). الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه القيود الثلاثة خلقت جداراً هائلاً من الإحباط والحرمان، لا سيما لجيل التسعينيات والألفينيات، الذي بدأ يتوق إلى تغيير حقيقي بعد أن منحته تقنيات بسيطة مثل التلفزيون الفضائي والهواتف المحمولة نافذة على عوالم أخرى. يوضح الفصل أن النظام لم يفرض هذه القيود فقط في المجال السياسي والاقتصادي، بل إن ثقل العائلة والتقاليد كان بنفس القوة، إن لم يكن أقوى.
يبدأ الفصل بقصة شخصية للمؤلفة حول محاولتها الحصول على اتصال إنترنت في منزلها في دمشق أواخر التسعينيات. تتوجه إلى الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية التي أسسها باسل الأسد في 1989، لكن موظفيها المتغطرسين يرفضون طلبها بحجة أنها لا تملك شهادة في تكنولوجيا المعلومات وأن العضوية مقصورة على الأعضاء. تشعر المؤلفة بالإهانة، وتخرج قائلة بصوت عالٍ إنها ستحصل على الاتصال "بالطريقة الأخرى المعتادة". وبالفعل، من خلال مجرد ذكر قصتها لمسؤول نافذ في إحدى المناسبات الاجتماعية، تحصل على الاتصال في اليوم التالي. هذا التناقض الصارخ بين التعقيد والرفض للمواطن العادي والسهولة المطلقة لأصحاب الواسطة يلخص جوهر المحظور الأول: كل شيء ممكن، ولكن فقط لفئة مخملية محدودة، بينما يُمنع عن البقية.
يواصل الفصل تحليل القيود المختلفة، موضحاً أن الإنترنت لم يكن أول من كسر جدار العزلة، بل التلفزيون الفضائي. بعد أن كانت أطباق الاستقبال الفضائي ممنوعة ومخبأة، أصبحت ظاهرة مكشوفة على أسطح المنازل. هذا التلفزيون أظهر للشباب السوري حياة أخرى "معقولة المنال" في ثقافات مشابهة، مما زرع فيهم شعوراً بالحرمان المقارن. ومع ذلك، فإن القيد الأكثر خطراً وخطورة يبقى هو التطاول على شخص الأسد وعائلته، والذي يوصف بأنه "خيانة عظمى" يُعاقب عليها بصرامة وبشكل متساوٍ، بغض النظر عن مكانة الشخص الاجتماعية. تروي المؤلفة قصة امرأة من عائلة دمشقية معروفة اعتُقلت لستة أشهر في الحبس الانفرادي لمجرد إرسالها بريداً إلكترونياً يحتوي على رسم كاريكاتوري ساخر للرئيسين السوري واللبناني.
أما القيد الثالث فهو التقاليد الاجتماعية، التي توصف أحياناً بأنها أثقل من الدين نفسه. فمفهوم "العيب" يفرض قواعد صارمة على العلاقات بين الجنسين، حيث يُحظر أي ارتباط عاطفي أو جنسي خارج إطار الزواج، وتتحمل النساء وحدها ثمن أي "انتهاك" لهذه القواعد بينما يُعفي الرجال منها. تنتقد المؤلفة بشدة الازدواجية الصارخة التي تسمح للشاب بما يدمّر حياة الفتاة، وتصف التحرش في الشوارع بأنه نتيجة طبيعية لهذا الكبت والحرمان من العلاقات الطبيعية. تضيف إلى ذلك قوانين الأحوال الشخصية التي بقيت في أيدي المحاكم الدينية، وأحد أكثر القيود إثارة للحنق وهو حرمان المرأة السورية المتزوجة من غير سوري من حق منح الجنسية لأولادها.
في ختام الفصل، يربط المؤلف كل هذه الخيوط. يصف جيلاً مثقلاً بالإحباط بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وصعوبة الزواج وغياب الآفاق المهنية. ويخلص إلى أنه لم يكن الإنترنت هو ما أحدث التغيير الأكبر في مواقف الشباب، بل الهواتف المحمولة الرخيصة التي وصلت في منتصف الألفينيات. هذه الهواتف، بفضل شرائح الدفع المسبق، كسرت سيطرة العائلة على هاتف المنزل المركزي، وفتحت للشباب نافذة صغيرة على الحرية والتواصل السري، مما زاد من اشتعال رغبتهم في رؤية تغيير حقيقي في حياتهم الراكدة والمحظورة.
8.تسلية المعارضة166–183▼ ملخص
يبدأ الفصل بسرد قصة شخصية للمؤلفة تعكس عبثية الحياة اليومية في سوريا تحت حكم النظام. تستذكر كيف كان أبو فارس، السائق والمُسيّر غير الرسمي لمكتبها الاستشاري، بمثابة الشخص الذي يُعتمد عليه لحل المشكلات البيروقراطية الصغيرة. ذات يوم، أبلغها أبو فارس أن الأمن يطلبها شخصياً في مكتب البريد لأن طرداً وصل باسمها، وهو أمر نادر وخطير. تذهب المؤلفة إلى مكتب البريد، وتفاجأ بوجود هيكل بريدي يعمل، في بلد لا يثق فيه أحد بعناوينه الرسمية، حيث يستخدم الناس معالم مثل "خلف المشفى الإيطالي" أو "عند زاوية المدرسة" للدلالة على مواقعهم. وتذكر أن والدتها أرسلت لنفسها بطاقة بريدية قبل عشرين عاماً للتحقق من اسم الشارع الجديد، لكن البطاقة لم تصل أبداً.
يدور التحقيق الأمني حول كتاب وصل كجائزة من مجلة ذا إيكونوميست، وهو كتاب مرجعي صغير بعنوان Pocket World in Figures. تجلس المؤلفة أمام ضابط أمن يفتش الكتاب ويطلب منها شرح محتوياته، رغم أنه لا يعرف اللغة الإنجليزية التي كُتب بها. تحاول المؤلفة التزام الهدوء وتجاوز الموقف بكرامة، بعد أن تسببت مرة سابقة بمشهد درامي حين طلبت رؤية أوراق رسمية من رجل أمن زار المكتب. يبدو أن رجل الأمن يشتبه في أن الكتاب يحوي معلومات محظورة، لكنه لا يجد مبرراً للمصادرة، فيضطر للسماح لها بالمغادرة معه. تحول هذه الحادثة إلى نافذة يكشف من خلالها الكاتبة كيف أن الرقابة و الروتين يمثلان وجهين لعملة واحدة في النظام السوري، حيث يُستخدم البيروقراطيون كأدوات للسيطرة على أبسط مظاهر الحياة الفكرية.
ينتقل الفصل إلى شرح أوسع لسيطرة النظام على الكتب والمطبوعات. تروي المؤلفة كيف أن شحنة ضخمة تعود لوالديها بعد وفاة والدها فجأة في الخارج، احتجزت لأنها تضم مكتبة ضخمة. طُلب من والدتها الحزينة أن تقدم قائمة بكل الكتب، والتي وصفتها بجرأة بأنها جميعها "ممنوعة" على الأرجح. لم تُفرج عن الشحنة إلا بعد تدخل أصدقاء ذوي نفوذ وقائمة مختصرة من العناوين العامة التي كتبتها الأم من ذاكرتها. توضح المؤلفة أن جواز سفرها الدبلوماسي (الممنوح لها كإجراء احترامي بعد وفاة والدها) كان يحميها من التفتيش، لكنها مع ذلك كانت تدرك أن أي كتاب أجنبي يُرسل عبر البريد سيكون تحت المراقبة.
يصف الفصل بعد ذلك نوعاً آخر من التعبير: الدراما والكوميديا السورية. يوضح أن النظام السوري، على عكس الديمقراطيات التي تسمح بانتقاد المسؤولين علناً، كان يمنع أي مساس بشخص الحاكم أو صورته. ومع ذلك، سمح بدرجة من الحرية الفنية، لكنها كانت حرية مشروطة وقابلة للإلغاء في أي وقت. كان النظام يبدي تسامحاً ظاهرياً مع الرمزية والاستعارات، مع احتفاظه بالحق الحصري في تحديد متى وكيف يُسمح للناس بالتنفيس عن غضبهم. هذه "الخطوط الحمراء" المطاطة كانت تتصلب أو تتراخى حسب المزاج الداخلي والظروف الإقليمية.
يستعرض الفصل أمثلة محددة على هذا الفن المقاوم. يذكر مسرحية "قرية تشرين" (1973) و "صفيح شهرزاد" و "شفيق هدية" وغيرها من أعمال الكاتب محمد الماغوط التي صورت حكاماً يعدون بالجنة ويقدمون القسوة. ثم ينتقل إلى مسلسلات التسعينات مثل "مرايا" وخاصةً "بقعة ضوء" التي انطلقت في عهد بشار الأسد عام 2001، والتي كانت تنتقد الفساد والجهل والخوف من السلطة، مع استمرار المساس المباشر بالرئيس. يذكر حلقة شهيرة من "بقعة ضوء" عن طالب يكتب في واجبه المدرسي أنه يريد أن يصبح رئيساً، مما يسبب ذعراً للمعلم والمدير والأهل، الذين يعيدون برمجة الطفل ليدرك أنه لا يمكنه أبداً أن يحلم بذلك المنصب.
بعد الكوميديا، يناقش الفصل الدراما التاريخية مثل "باب الحارة" و**"ليالي الصالحية"** التي حققت نجوماً جماهيرياً واسعاً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لم تكن هذه المسلسلات معارضة صريحة، لكنها كانت تعبر عن حنين جماعي لعالم مفقود من القيم والأخلاق والتكاتف الاجتماعي، في مقابل واقع يفتقر إلى هذه الصفات. يذكر أن النقاد هاجموا هذه المسلسلات لتمجيدها التقاليد الذكورية واللهجة الدمشقية القديمة، لكن المؤلفة ترى أن هؤلاء النقاد يخطئون الهدف، لأن الجمهور كان يبحث عن مجتمع ذي معايير واضحة في زمن غاب فيه كل شيء. كما تشير إلى مسلسلات أخرى ناقشت قضايا اجتماعية حساسة مثل الزواج المدني وقسوة العقاب البدني، مثل "ليست أمنية" و**"أهل الراية"**، والتي كانت تجرؤ على مناقشة موضوعات "ممنوعة" اجتماعياً.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن الصحافة والإعلام. يشرح كيف كان الإعلام تحت سيطرة كاملة في عهد حافظ الأسد، ثم صدر المرسوم 50 في 2001 الذي سمح نظرياً بالمطبوعات الخاصة لأول مرة منذ أربعين عاماً. لكن النص الدقيق للمرسوم كان مليئاً بالقيود، حيث منح رئيس الوزراء صلاحية رفض أي طلب إذا رأى أنه يضر بـ "المصلحة العامة"، وحظر نشر أي دعوات لتغيير الدستور أو أي معلومات عن الجيش أو الاقتصاد. كانت العقوبات تصل إلى ثلاث سنوات سجن وغرامات مالية كبيرة. على الرغم من ذلك، تقدم حوالي مائة طلب في السنة الأولى، لكن لم يصدر سوى اثني عشر إصداراً، معظمها في مجالات آمنة مثل الرياضة والترفيه.
يخصص الفصل مساحة مطولة لرواية صاحب الكرتون السياسي، علي فرزات، الذي أصدر صحيفة "الدومري" الأسبوعية الساخرة في 2001. حققت الصحيفة نجاحاً فورياً، بيع منها 50 ألف نسخة في أول عدد، متجاوزة مبيعات الصحف الحكومية الرسمية الثلاث مجتمعة. لكن النظام بدأ سلسلة من المضايقات: منع الإعلانات الحكومية، قطع التيار الكهربائي عن مقر الصحيفة، ومنع توزيعها عبر الموزع الرسمي. تصاعد الموقف عندما منعت وزارة الإعلام فرزات في 2002 من نشر نقد لحكومة رئيس الوزراء محمد مصطفى ميرو، فرد بنشر صفحتين فارغتين في قلب العدد، في أقوى رسالة احتجاج دون كلمات. بعدها منع من النشر تماماً، وأُلغيت رخصة الصحيفة في أغسطس 2003. كان الهدف من القانون فتح المجال للإعلام الخاص، لكن فقط ضمن حدود ضيقة جداً يحددها النظام.
في ختام الفصل، يتناول المؤلفة دور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في تجاوز الرقابة، خاصة بعد اندلاع الثورة السورية. بينما كان الإعلام التقليدي تحت السيطرة، استطاع جيل الشباب استخدام الفضاء الإلكتروني كمنصة للتعبير. أصبحت لافتات كفرنبل الأسبوعية الساخرة والمنشورات والميمات على وسائل التواصل الاجتماعي شكلاً جديداً من المقاومة الفنية، رغم القصف والحصار. لكن الحرب جلبت عنفاً جديداً إلى الفن السوري أيضاً؛ ففي مسلسلات مثل "كسر العظام" (2022) ، ظهرت مشاهد عنف كانت ستكون غير معتادة قبل الحرب، تعكس حالة اليأس والتطرف التي أصابت المجتمع.
يُختتم الفصل برثاء مؤثر للمخرج السوري الكبير حاتم علي الذي توفي بأزمة قلبية في ديسمبر 2020 عن عمر يناهز 58 عاماً. يصف الفصل جنازته الجماهيرية، ويربط بين حبه للفن وحب السوريين لشعرائهم وفنانيهم. يُقتبس من أحد مشاهد مسلسله "الأحلام الكبيرة" (2004) الذي يعبر عن خيبة الأمل: "العالم مقلوب... اللي بيعمل الصح بيكسر ضهره... واللي بيعمل الغلط بيعلي وبيتقدم" . تمثل هذه العبارة الختامية جوهر المأساة التي عاشها السوريون: أحلام كبيرة تحطمت على صخرة واقع لا يرحم، حيث لم يعد الأفعال الصائبة والمبادئ هي التي تقود إلى النجاح، بل الانتهازية والفساد.
خلاصة نقدية محايدة: يطرح الفصل سؤالاً مركزياً حول إمكانية مقاومة نظام استبدادي عبر الوسائل الفنية والإبداعية. تجيب المؤلفة بأن هذه المقاومة كانت موجودة وطوّرت أساليبها على مر العقود، من المسرح والمسلسلات إلى الكاريكاتير والإنترنت. لكن النص يقر ضمنياً بحدود هذه المقاومة: لقد بقيت تحت رحمة "الخطوط الحمراء" التي يحددها النظام، ولم تستطع في النهاية منع حدوث الحرب أو تغيير جوهر الاستبداد. تبقى قيمة هذه الأعمال الفنية كشكل من أشكال "التنفيس المشروط" والتوثيق الاجتماعي، وليس بالضرورة كأداة تغيير سياسي جذري. يفتح الفصل باباً للنقاش حول الفرق بين المقاومة الرمزية والمقاومة الفعلية، وهل يمكن للمسرح أو الكوميديا أن يكون بديلاً عن الحرية الحقيقية أم أنه مجرد "تسلية" في زمن القمع.
9.تنافس الأشقاء184–203▼ ملخص
يبدأ هذا الفصل، المعنون «تنافس الأشقاء»، بوصف العلاقة المعقدة بين سوريا ولبنان من وجهة نظر الكاتبة، التي كانت تتنقل بين دمشق وبيروت في فترة ما قبل عام 2005. تصف الكاتبة كيف كانت بيروت ملاذاً لها من ضغوط دمشق، حيث كانت تبحث عن الحرية النسبية في القراءة والتسوق والحديث. لكنها تكتشف أن هذه الحرية كانت محدودة، إذ كانت بعض المواضيع، مثل انتقاد بشار الأسد، لا تزال محظورة حتى في بيروت بسبب الوجود السوري المخابراتي والعسكري الطويل الأمد. يوضح الفصل أن هذا الوجود لم يكن مجرد وجود عسكري، بل كان متجذراً في الحياة اللبنانية منذ عام 1976، ودعمته تفاهمات أميركية-سورية في أكتوبر 1990 بعد غزو الكويت.
يسلط الفصل الضوء على التباين الصارخ في معاملة السوريين في لبنان. فمن ناحية، كان هناك مئات الآلاف من العمال السوريين في قطاعي البناء والزراعة، الذين كانوا يتقاضون أجوراً أقل من نظرائهم اللبنانيين، وكانوا غالباً ما يتعرضون لسوء المعاملة والإهانة من قبل أرباب العمل اللبنانيين. ومن ناحية أخرى، كان السوريون من الطبقات الثرية والموظفون المقربون من النظام يُستقبلون بحفاوة، وكانت الليرة السورية مقبولة كعملة، وكانوا يأتون للسياحة والتسوق وحفلات الزفاف. تذكر الكاتبة أن العديد من اللبنانيين كانوا بدورهم يأتون إلى دمشق وحمص لشراء سلع رخيصة، مثل الحلويات السورية الشهيرة، وهو ما يظهر تداخلاً اقتصادياً واجتماعياً معقداً.
يتعمق الفصل في أوجه التفاوت بين الشعبين، خاصة في مجال التعليم. فبينما كانت أجيال من اللبنانيين والعائلات السورية المخملية تتقن اللغة الفرنسية، كان معظم طلاب المدارس العامة في سوريا يعانون من ضعف في اللغات الأجنبية بسبب النظام التعليمي البعثي. هذا الفجوة التعليمية، إلى جانب الاقتصاد المغلق الذي فرضه نظام الأسد، أدى إلى شعور السوريين بأن اللبنانيين ينظرون إليهم بازدراء. في المقابل، كان اللبنانيون يميلون إلى عدم التمييز بين النظام السوري والشعب السوري، مما خلق أرضية خصبة للتوتر والاحتقان.
يشير الفصل إلى أن نقطة التحول الكبرى في العلاقة بين البلدين بدأت مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في 24 مايو 2000، والذي اعتبرته حزب الله نصراً كبيراً. لكن هذا الانسحاب أثار سؤالاً وجودياً حول مبرر بقاء سلاح الحزب في ظل اتفاق الطائف الذي دعا إلى حل الميليشيات. هنا، يظهر دور بشار الأسد الشاب الذي كان قد تسلم ملف لبنان من والده عام 1998. لقد اتخذ قراراً مصيرياً باعتبار مزارع شبعا (وهي أرض سورية ضمن الجولان المحتل) أرضاً لبنانية، مما أعطى حزب الله ذريعة للاحتفاظ بسلاحه لتحريرها. هذا القرار، الذي يصفه الفصل بأنه أول قرار كبير للأسد الشاب، يُظهر استخدام لبنان كورقة ضغط ضمن حسابات النظام السوري.
يتناول الفصل تفاقم الأوضاع تحت رئاسة بشار الأسد، الذي جعل الأمور أسوأ من عهد والده. يصف تعيينه للجنرال رستم غزالة خلفاً للجنرال غازي كنعان في لبنان عام 2002 كدليل على قلة الخبرة الدبلوماسية. ثم يروي حادثة طريفة تعكس التوتر المتصاعد: فضيحة برنامج المسابقات "سوبر ستار" في أغسطس 2003، حيث اعتقد اللبنانيون أن المخابرات السورية تلاعبت بالتصويت لإقصاء متسابق لبناني لصالح متسابقة سورية. على الرغم من فوز المتسابقة الأردنية ديانا كرزون، إلا أن اللبنانيين اعتبروا ذلك دليلاً إضافياً على التلاعب السوري. هذه الحادثة، برأي الكاتبة، كشفت عن إحباط لبناني متزايد من الهيمنة السورية واستعداد للتعبير عنه بصوت عالٍ.
يصل الفصل إلى ذروته بوصف الأحداث التي سبقت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 فبراير 2005. يشرح كيف أجبر بشار الأسد البرلمان اللبناني على تعديل الدستور لتمديد ولاية الرئيس إميل لحود، الموالي للنظام السوري، رغم معارضة الحريري. يصف لقاء الحريري مع الأسد في دمشق في أواخر أغسطس 2004، حيث يُقال إن الأسد هدده بكسر لبنان فوق رأسه إذا لم يتعاون. أدى هذا الضغط إلى صدور قرار مجلس الأمن 1559 الذي دعا إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان، وهو ما اعتبره النظام السوري خرقاً خطيراً، فازدادت الأمور تأزماً حتى الانفجار الكبير.
بعد اغتيال الحريري، يصف الفصل كيف تعرض النظام السوري لضغوط هائلة، مما اضطره لسحب قواته من لبنان في أبريل 2005. لكن الإهانة التي شعر بها النظام قادته إلى سلسلة من الإجراءات الانتقامية الصغيرة والكبيرة تجاه لبنان. شملت هذه الإجراءات: قطع الحدود لأسابيع، زيادة رسوم الخروج من سوريا بنسبة 300%، الحد من كمية البنزين التي يمكن للسيارات حملها عند دخول لبنان، وفرض ضرائب على البضائع اللبنانية. وكان الهدف واضحاً: جعل الحياة صعبة على اللبنانيين وإفشال الاقتصاد اللبناني الذي كان يعتمد على السياحة السورية. في المقابل، فتح النظام السوري اقتصاده على مصراعيه، مما سمح بدخول البضائع الفاخرة إلى سوريا مباشرة، مما قلل من حاجة السوريين للسفر إلى لبنان.
يختتم الفصل بوصف التداعيات اللاحقة. يظهر كيف أن ردود الفعل اللبنانية الانتقامية تجاه السوريين العاديين (من شتائم واعتداءات) أفسدت التعاطف الأولي الذي شعر به بعض السوريين تجاه القضية اللبنانية، مما خدم أجندة النظام السوري في تأليب الرأي العام. ثم ينتقل إلى الحديث عن اغتيالات شخصيات لبنانية معارضة أخرى مثل سمير قصير وجبران تويني، ومحاولة النظام عزل نفسه عبر قرارات المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في يونيو 2005 والذي أعلن عن "اقتصاد السوق الاجتماعي". وأخيراً، يصف انسحاب النظام من العزلة الدولية بعد حرب تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله، والتي قدمت فيها سوريا نفسها كملاذ للنازحين، ثم تدخل حزب الله العسكري في بيروت في مايو 2008 لفرض إرادته، مما مهد لعودة بشار الأسد إلى الساحة الدولية بوساطة قطرية وفرنسية بعد اتفاق الدوحة.
أماكن وأشخاص وأرقام رئيسية (بالخط العريض):
- دمشق، بيروت، حمص، منطقة الشوف، السركال، مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
- بشار الأسد، حافظ الأسد، رفيق الحريري، إميل لحود، غازي كنعان، رستم غزالة، باسل الأسد، ماهر الأسد، آصف شوكت، جميل السيد، عبد الحليم خدام، سمير قصير، جبران تويني، حسن نصر الله.
- 24 مايو 2000 (الانسحاب الإسرائيلي)، 10 يونيو 2000 (تعديل الدستور السوري)، أغسطس 2003 (حادثة سوبر ستار)، سبتمبر 2004 (تمديد ولاية لحود)، 14 فبراير 2005 (اغتيال الحريري)، أبريل 2005 (الانسحاب السوري)، إبريل 2005 (حادثة سوبر ستار)، مايو 2006 (إعلان دمشق–بيروت)، يوليو 2006 (حرب إسرائيل على لبنان)، مايو 2007 (انتخاب ساركوزي)، 8 مايو 2008 (اجتياح بيروت)، 21 مايو 2008 (اتفاق الدوحة).
- قرار مجلس الأمن 425، اتفاق الطائف، قرار مجلس الأمن 1559، 300% (زيادة رسوم الخروج)، 22 كيلومتراً مربعاً (مزارع شبعا).
10.دور الطبيب204–223▼ ملخص
بدأ الفصل بمشهد استدعاء الكاتبة من قبل اللواء علي مملوك، رئيس الأمن العام السوري، في دمشق عام 2008، بعد أن كتبت مقالة نقدية لاذعة بعنوان «يا جولان، أين أنت؟». كانت الكاتبة قد اعتادت على تلقي تحذيرات من مسؤولين سوريين سابقين في لندن، لكن هذا الاستدعاء كان مختلفاً، إذ جاء من أعلى هرم السلطة الأمنية. وصفت الكاتبة رحلتها إلى مكتب مملوك في مبنى يشتهر به الجميع ويرتعبون من دخوله، وأجواء الخوف والترقب التي سادت اللقاء.
في المكتب، بدأ مملوك بالحديث عن والدها الراحل ووصفه بالوطني الكبير، ثم انتقل بسلاسة إلى توبيخها على «عدم وطنيتها». اتهمها بأن كتاباتها تساعد «العدو»، وهو ما يعادل تهمة الخيانة في لغة النظام. حاولت الكاتبة الدفاع عن نفسها بأن عملها تحليلي ونقدي، لكنه لم يقتنع. في لحظة توتر، مدّ مملوك يدها بفنجان القهوة التي رفضت شربها، واضطرت الكاتبة، متذكرة وصية والدتها وأمن ابنتها الصغيرة، إلى قبولها في استسلام رمزي.
اختُتم اللقاء بعد حوالي 45 دقيقة بتحذير واضح: لا تنتقدي النظام. خرجت الكاتبة من المكتب وقد أيقنت أن رسالة النظام كانت أكثر من مجرد ترهيب؛ كانت إعلاناً بأن حرية التعبير ممنوعة حتى لمن يكتبون من الخارج. ثم انتقل الفصل إلى سياق أوسع، واصفاً كيف أن بشار الأسد كان في الأسبوع نفسه يتجول في باريس بدعوة من الرئيس نيكولا ساركوزي في يوليو 2008، لحضور إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط، متألقاً بعد ثلاث سنوات من العزلة الدولية إثر اغتيال رفيق الحريري.
أشار الفصل إلى أن المصالحة الغربية مع الأسد كانت كاملة؛ إذ زار ساركوزي دمشق في سبتمبر 2008، وسارع قادة غربيون آخرون إلى فتح الأبواب. هذه المصالحة، إلى جانب انتخاب باراك أوباما الذي أثار آمالاً خائبة لدى النظام، جعلت الأسد يشعر بأنه لا يقهر. في الداخل، كانت الحياة تزداد سواداً تحت وطأة حكم شمولي متجدد. وصف الفصل بتفصيل كيف أن النظام سمح بإصلاحات اقتصادية شكلية، مثل فتح بنوك خاصة وجامعات خاصة، لكنها كانت جميعها تحت سيطرة رامي مخلوف، ابن خالة الأسد، مما أدى إلى تضخم طبقة من الأثرياء الجدد مقابل فقر مدقع للغالبية.
مع نهاية العقد الأول من حكم الأسد، أصبحت الفجوة هائلة بين «المجتمع المخملي» القادر على التبضع في محلات المصممين العالميين واحتساء القهوة في فندق الفور سيزون، وبين أغلبيّة السوريين الذين يعانون من البطالة (تقدر بـ 30% على الأقل) وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات. وصف الفصل أزمة ساحة الأمويين الشهيرة، التي ظلت موقع بناء فوضوي لسنوات، كرمز لعجز النظام وفشله حتى في أبسط المشاريع.
تفاقمت هذه المشاكل مع تدفق ما يصل إلى 1.5 مليون لاجئ عراقي إلى سوريا منذ عام 2006، نتيجة العنف الطائفي بعد تفجير سامراء. لم يقدم النظام أي مساعدة سكنية، بل ترك اللاجئين يواجهون مصيرهم، مما أدى إلى ارتفاع الإيجارات وتوتر اجتماعي بين السوريين والعراقيين. استغلت الكاتبة حادثة سرقة محاولة لحقيبتها لتعكس كيف أن الإحباط المتراكم جعل السوريين يلقون باللائمة على اللاجئين، وهو ما كان النظام يشجعه صمتاً لتحويل الغضب عنه.
في ربيع 2009، أي بعد عام تقريباً من لقائها بمملوك، منعت الكاتبة من الكتابة في أي منفذ سوري، بل ومنع حتى ذكر اسمها، بعد أن استُدعي ناشر مجلة سوريا توداي (Syria Today) التي كانت تكتب فيها من قبل وزير الإعلام محسن بلال، الذي قال إن الأمر «من فوق». كان ذلك نتيجة تراكم مقالاتها الناقدة، وآخرها مقال دعت فيه إلى تعليم التفكير النقدي بدلاً من التلقين. بحلول يوليو 2010، احتفل النظام بمرور عشر سنوات على حكم الأسد برفع علم سوري ضخم على سارية بارتفاع 107 أمتار، في مشهد أراد أن يكون هيمنة كاملة.
اختتم الفصل بمشهد الزيارة الرسمية الثانية للأسد إلى باريس في ديسمبر 2010، متجاهلاً كل التحذيرات من منظمات حقوق الإنسان. وبعد عشرة أيام فقط، بدأت الاحتجاجات في تونس في 17 ديسمبر. ثم يصف الفصل الشرارة الأولى في سوريا: في 17 فبراير 2011، اندلعت تظاهرة عفوية في سوق الحريقة بدمشق بعد أن اعتدى عناصر أمن على صاحب محل شاب. هتفت الحشود «الشعب السوري لا يذل»، وصوّروا الاحتجاج بهواتفهم، وهي صدمة كبرى للنظام. يخلص الفصل إلى أن ما يسمى «الربيع العربي» لم يصل إلى سوريا كفكرة مستوردة، بل كانت شرارته الأولى قد أشعلها السوريون أنفسهم قبل سنوات بآمالهم ورسائلهم ومبادراتهم الإصلاحية، لكن تعنت الأسد وجشعه وغروره حال دون أي تغيير.
في تقييم موضوعي، يظهر الفصل بجلاء أن الكاتبة تقدم رواية شخصية هي في الوقت نفسه شهادة تاريخية على مرحلة. حجتها الأساسية ــ أن النظام السوري كان فاسداً وقمعياً وعاجزاً حتى عن إدارة أبسط شؤون الدولة قبل الحرب المدمرة ــ مدعومة بتفاصيل دقيقة وملموسة، وتجربتها المباشرة مع المخلوقات الأمنية تمنح الرواية مصداقية عالية. النقطة الأكثر قابلية للنقاش في النص هي تفسيرها لانطلاقة الثورة السورية؛ إذ تؤكد أنها لم تكن وليدة «الربيع العربي» بل استمراراً لنضالات سابقة، وهو ما قد يختلف فيه بعض المحللين الذين يرون أن الاحتجاجات العربية الأخرى كانت المحفز المباشر. مع ذلك، تظل القيمة الأساسية للفصل في توصيل التجربة الإنسانية الخام لشخص عاش في قلب النظام وتحت رقابته، وفي سرده الممنهج لكيف أن تراكم الإحباطات اليومية أدى في النهاية إلى الانفجار.
11.تشريح الإبادة226–249▼ ملخص
يبدأ الفصل بوصف أسلوب النظام السوري في التعامل مع كبار مسؤوليه، موضحاً أن التعيين والفصل يتمان بشكل مفاجئ ومهين دون أي تشاور مسبق. يروي الكاتب قصة قريب له عُيّن وزيراً دون أن يُسأل، ثم أُقيل بعد أشهر عبر إعلان حكومي جديد، ووجده نفسه يمشي في شوارع دمشق باحثاً عن تاكسي بعد أن سُحبت سيارته الرسمية فجأة. يذكر أيضاً قصة خبير اقتصادي قيل له إنه سيصبح وزيراً، ثم فوجئ بتعيين شخص آخر دون إخطاره. هذا الأسلوب، وفقاً للكاتب، لم يكن استثناءً بل قاعدة عامة في نظام يعتبر كل شيء خاضعاً لأهواء الحاكم.
ينتقل الفصل إلى مارس 2011، ويصف كيف فوجئ النظام بانتفاضة السوريين رغم ثقته المطلقة بأنهم لن يجرؤوا على الثورة. يورد الكاتب تصريحاً لـ بثينة شعبان في 31 يناير 2011 تتساءل فيه عن موعد خروج الجماهير العربية إلى الشوارع، واثقة من أن سوريا مستثناة. وينقل مقابلة لـ بشار الأسد مع وول ستريت جورنال في اليوم نفسه يزعم فيها أن السوريين لن يثوروا رغم نقص حاجاتهم الأساسية. كما يذكر المقال المثير للجدل الذي نُشر عن أسماء الأسد في مجلة فوغ تحت عنوان "وردة في الصحراء"، والذي تحدث عن مبادئها الديمقراطية المزعومة. في مفارقة لافتة، يشير الفصل إلى أن النظام فتح فجأة منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر في 8 فبراير 2011، وهي نفس الأدوات التي ستستخدمها الثورة للتنظيم.
يوثق الفصل بداية الثورة السورية من مدينة درعا، حيث ألقي القبض على 19 صبياً في 6 مارس لكتابتهم شعارات على الجدران تطالب بإسقاط النظام. يصف رد فعل عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي وابن عم الأسد، المهين لآباء الأطفال عندما قال لهم: "انسوا أن لديكم أولاداً، واذهبوا واصنعوا غيره... وإن لم تستطيعوا فائتوا بنسائكم ونحن نصنعهم لكم". يعتبر الكاتب أن هذه الإهانة هي التي كسرت حاجز الخوف وأشعلت الثورة. بدأت التظاهرات في 15 مارس بشكل محدود، ثم تصاعدت بعد 18 مارس عندما أطلق النظام النار على المحتجين وقتل عدة أشخاص.
يسرد الفصل أحداثاً متسارعة: إحراق مبنى حزب البعث في درعا، إرسال النظام للجنرال رستم غزالة للتفاوض، إطلاق سراح الأطفال بعد أسبوعين من اعتقالهم وهم في حالة مروعة من التعذيب بكدمات وكسور وجروح. يتصاعد العنف يومياً، ويصف الفصل كيف تحولت كل جنازة إلى تظاهرة جديدة، وكيف كان النظام يطلق النار على المشيعين أيضاً. يذكر اقتحام مسجد العمري في 23 مارس وقتل 5 أشخاص، ليرتفع عدد القتلى إلى 37 مدنياً في أقل من أسبوع. رد النظام بعزل عاطف نجيب ومحافظ درعا، لكن دون أي اعتذار.
في 30 مارس، يلقي الأسد خطاباً في البرلمان وصفه الفصل بأنه "خطبة هستيرية غير متماسكة" اتهم فيها المحتجين بأنهم عملاء أجانب ومتآمرون، وتجاهل مطالبهم بالإصلاح والاعتذار. في الأيام التالية، واصل النظام القتل، مع إجراءات استعراضية مثل منح الجنسية لعشرات الآلاف من الأكراد ورفع حالة الطوارئ المعلقة منذ 1963. ينتقل الفصل إلى وصف شخصيات الثوار الذين قتلوا النظام، بدءاً من الطفل حمزة الخطيب ذي الـ13 ربيعاً، الذي اعتُقِل في 29 أبريل وأُعيد جثمانه مشوهاً ومُعنفاً بشكل وحشي بعد ثلاثة أسابيع، مشوهاً ومكسور الفكين ومبتور الأعضاء التناسلية.
يستمر الفصل في سرد قصص اغتيال النظام للنشطاء المسالمين واحداً تلو الآخر. يذكر: غياث مطر (غاندي الصغير) الذي قُتل بتعذيب بعد تظاهرات سلمية في داريا، ميشيل كيلو المعارض الكردي في أكتوبر 2011، باسل شهادة المخرج السينمائي الذي عاد من منحة دراسية في أمريكا ليُقتل في حمص في مايو 2012، عمر عزيز الاقتصادي الذي ساعد في تأسيس لجان التنسيق المحلية وتوفي في السجن في فبراير 2013، باسل خرطبيل مبرمج البرمجيات الحرة الذي أُعدم في سجن عدرا في 2017، ورامي حناوي الناشط المسالم من السويداء الذي مات في السجن في 2018. يخلص الفصل إلى أن النظام قتل كل من حمل زهرة، وقتل ضمير العالم أيضاً.
ينتقل الفصل إلى وصف الانشقاقات في صفوف الجيش السوري، بدءاً بالملازم الأول حسين هارموش الذي أعلن تشكيل كتائب الضباط الأحرار، وصولاً إلى تشكيل الجيش السوري الحر بقيادة العقيد رياض الأسعد. يذكر شخصيات بارزة مثل: محمد أحمد عبد الوهاب الذي ظهر باكياً في مقطع فيديو وهو يصف إذلال الجنود له، ثم ظهر لاحقاً مسلحاً مع الجيش الحر، يوسف الجادر (أبو فرات) الذي قاد قتالاً في حلب وقتل في ديسمبر 2012 في كلية المشاة نفسها التي حررها، وعبد القادر الصالح (حاجي مريع) الذي قاد كتيبة ضمت 8 آلاف مقاتل وقتل بغارة جوية في نوفمبر 2013.
يذكر الفصل أيضاً كفرنبل التي أصبحت أيقونة إعلامية بفضل لافتاتها الأسبوعية الساخرة التي ابتكرها رائد فارس، الذي قُتل في نوفمبر 2018 على يد مسلحين مجهولين. ويوثق اختفاء المناضلين في حقوق الإنسان رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي من مكتبهم في دوما في ديسمبر 2013، واختطاف الأب باولو دال أوجليو على يد داعش في الرقة في يوليو 2013.
في نهاية الفصل، يركز الكاتب على شخصية عبد الباسط الساروت، حارس مرمى نادي الكرامة الذي غنى للثورة باحتجاجات سلمية في حمص، ثم حمل السلاح، ثم انحرف نحو الجماعات الإسلامية، وعاد أخيراً ليُقتل برصاص النظام في يونيو 2019 عن عمر 27 عاماً. يرى الكاتب أن مسيرة الساروت تعكس مأساة الثورة بأكملها: من الغناء بالورود إلى المقاومة المسلحة، في غياب أي دعم دولي حقيقي، مما جعل النظام يتصاعد في عنفه حتى وصل إلى "إبادة أي بصيص أمل" خطوة بخطوة، محولاً الثورة السلمية إلى حرب دموية.
12.موت الوهم250–271▼ ملخص
يُشكّل فصل "موت الوهم" من كتاب "It Started in Damascus" لـريم علاف نقطة تحوّل حاسمة في مسار الثورة السورية، حيث يوثّق لحظة انهيار أمل السوريين بالحصول على دعم من المجتمع الدولي. الموضوع المحوري للفصل هو الكشف عن الطبيعة الحقيقية للنظام السوري بقيادة بشار الأسد وكيف تعامل مع الانتفاضة الشعبية السلمية، ولكن الأهم من ذلك، هو تفنيد أسطورة "المؤامرة الخارجية" التي روّج لها النظام. يقدّم الكاتبة إجابة واضحة: لم تكن هناك مؤامرة، بل كانت هناك انتفاضة شعبية حقيقية واجهها النظام بوحشية مطلقة، بينما تحوّل حلفاء النظام السابقون تباعاً إلى منتقدين بعد أن فشلت كل محاولاتهم لثنيه عن قمع الاحتجاجات.
يسير الفصل زمنياً، متتبّعاً خيبة أمل الحلفاء الإقليميين والدوليين واحداً تلو الآخر. يبدأ بتحوّل قطر، التي كانت حليفاً ثابتاً لسوريا منذ عام 2008، حيث انقلبت قناة الجزيرة تغطيتها للاحتجاجات فجأة في منتصف أبريل 2011، لتعرض مشاهد المظاهرات التي يصورها النشطاء على الهواء مباشرة. كان هذا التغيير دليلاً على رفض الأسد لمحاولات أمير قطر إقناعه بتغيير نهجه. بعد ذلك، يقتحم أنصار النظام السفارة القطرية في دمشق في يوليو، لترد قطر بسحب سفيرها وإغلاق سفارتها نهائياً في 18 يوليو. ثم تليها السعودية التي سحبت سفيرها في 8 أغسطس بعد محاولات التوسط منذ مارس. في 18 أغسطس، بعد خمسة أشهر من بدء الثورة، تدعو كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الأسد إلى التنحي.
تتوالى خيبات الأمل، فتأتي تركيا التي كانت على علاقة وثيقة مع الأسد ورجب طيب أردوغان، ووقّعت معه اتفاقية تجارة حرة في أكتوبر 2009 وألغت التأشيرات. يزور وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو دمشق في 9 أغسطس 2011 محاولاً إنهاء القمع بعد مقتل قرابة 2000 شخص، ويُقال إنه حذّر الأسد من مصير القذافي. لكن النظام السوري يروي القصة بشكل مغاير، ليقطع داود أوغلو زيارته الأخيرة، وتقطع تركيا علاقاتها مع سوريا في 21 سبتمبر. تستخدم الكاتبة كل هذه الأمثلة لتوجيه ضربة قاضية لرواية المؤامرة، مؤكدة أن كل هذه الدول كانت حلفاء حقيقيين حاولوا بكل الطرق إيجاد مخرج للأسد، قبل أن يضطروا للتخلي عنه.
بعد فشل المساعي الفردية، تتدخل جامعة الدول العربية كمجموعة. في 2 نوفمبر 2011، يعلن الأسد قبوله بمبادرة لوقف العنف، لكنه يخلف وعده بعد عشرة أيام ومقتل 300 شخص آخر، فتُعلّق الجامعة عضوية سوريا وتفرض عقوبات. يحاول الجماعة مجدداً بإرسال 65 مراقباً في 26 ديسمبر، لكنهم يغادرون بعد شهر بعد أن رأوا الجرائم وتعرضت سياراتهم لهجوم. يستشهد الفصل بشهادة المراقب الجزائري أنور مالك الذي وصف ما رآه بأنه "كارثة إنسانية" وأن النظام يرتكب "جرائم حرب". كانت هذه المحاولات آخر جهد مؤسساتي لوقف القتل قبل أن يتحول الصراع إلى عنف لا يمكن السيطرة عليه.
يتحول الفصل بعد ذلك إلى توثيق التصعيد الممنهج لوحشية النظام. يصف تغيّر وتيرة القتل من إطلاق نار إلى مدفعية، ثم نيران طائرات الهليكوبتر، فبراميل متفجرة، فالغارات الجوية، وأخيراً المجازر الجماعية. يورد الفصل سلسلة من المجازر المروّعة التي لم يواجه النظام فيها أي عقاب: مجزرة كرم الزيتون في 11 مارس 2012 حيث ذُبح 45 شخصاً، ومجزرة الحولة في 25 مايو حيث قُتل أكثر من 100 مدني نصفهم أطفال، ومجزرة قبیر في حزيران، ومجزرة داريا بين 20 و25 أغسطس 2012 حيث عُثر على 700 جثة، ومجزرة البيضاء وبانياس في أيار 2013. في كل مرة، كان النظام يلقي باللوم على "الإرهابيين" بينما كان العالم يكتفي بالإدانة.
هنا، يُدخِل الفصل أرقاماً يومية للقتلى من توثيق لجان التنسيق المحلية، ليُظهر كيف تحوّل الموت إلى إحصاءات مألوفة. في عام 2012، قُتل 217 سورياً في 20 يوليو، و200 في 21 أغسطس، و248 في 30 سبتمبر، و234 في 5 نوفمبر، واستمرت الأرقام بالارتفاع. في 2013، قُتل 228 في 30 يناير، و157 في 17 أبريل (عيد الاستقلال)، و566 في 22 أبريل. في 2014، قُتل 165 في 2 فبراير و164 في 13 فبراير بينهم 36 طفلاً. هذه الأرقام، رغم فظاعتها، كانت مجرد مقدمة لما هو قادم، وخصوصاً بعد أن بدأ النظام يختبر استخدام الأسلحة الكيميائية.
يصل الفصل إلى ذروته المأساوية مع مجزرة الغوطة الكيميائية في 21 أغسطس 2013، والتي يصفها الكاتبة بتفاصيل موجعة، من مشهد الأطفال وهم يتشنجون ورغوة تخرج من أفواههم، إلى قصة الأب الذي يحمل جثة طفلته التي قالت له: "بابا، اليوم ليس دوري في الأكل، إنه دور إخوتي". يوضح الفصل أن النظام استخدم غاز السارين لقتل أكثر من 1,400 شخص في دقائق، وأصاب أكثر من 10,000 آخرين. كان هذا هو التحدي الأوضح لخط أحمر رسمه الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل عام، عندما قال في 20 أغسطس 2012: "إننا سنرى مجموعة كبيرة من الأسلحة الكيميائية تتحرك أو تُستخدم... هذا سيغير حسابي".
هنا ينتقد الفصل بشدة، واعتماداً على النص، السياسة الأمريكية. فبدلاً من الرد الفوري، يتراجع أوباما بعد أن رفض البرلمان البريطاني التدخل بتصويت في 30 أغسطس هو الأول من نوعه منذ 1782. يطلب أوباما موافقة الكونغرس، واضعاً نفسه في موقف يسمح له بعدم التصرف. ثم يتدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليقدّم لأوباما مخرجاً: صفقة للتخلص من الأسلحة الكيميائية. يصف الفصل ردود فعل النظام التي تراوحت بين الإنكار وادعاءات سخيفة، مثل مقابلة بثينة شعبان مع سكاي نيوز التي قالت فيها إن الضحايا اختطفوا من منطقة اللاذقية وقتلوا بالغاز في الغوطة. يخلص الفصل إلى أن الدرس الذي تعلمه الأسد وبوتين كان واضحاً: ارتكب كل الجرائم التي تريدها، لكن لا تقتل بأسلحة كيميائية جماعية مرة أخرى، أو على الأقل لا تفعلها بشكل صارخ. وسيستمر الأسد باستخدام غاز الكلور الذي يقتل الأطفال بسهولة أكبر.
في القسم الأخير، يتابع الفصل محاولات المعارضة السياسية اليائسة. في مايو 2014، يزور وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية واشنطن. يصف الكاتبة كيف كان أوباما يركز على صفقة نووية مع إيران كإرث له، بينما يُمَوِّل الإيرانيون النظام السوري بكل قوة. يصل الوفد إلى البيت الأبيض في 13 مايو ويلتقي بمسؤولي الأمن القومي، ثم يدخل أوباما الغرفة ويصافح الجميع. يصف الكاتبة اللقاء بأنه كان "مجرد كلمات رنانة وجوهر قليل". بعد عامين، في 2016، يتذكر الكاتبة ذلك اللقاء بينما يشاهد أوباما يطلب كوب ماء في ميشيغان دون أن يشربه فعلياً، معتبراً إياه استعاره لسياسته الخارجية المزيّفة.
يختتم الفصل بالإشارة إلى شهادة "قيصر"، المصور العسكري السوري الذي هرب ومعه 55,000 صورة لجثث ما يقرب من 11,000 سوري عُذّبوا حتى الموت في سجون النظام. لم تحرك هذه الصور إدارة أوباما، واستغرق الكونغرس خمس سنوات أخرى لإقرار "قانون قيصر" في ديسمبر 2019. ويعترف أنتوني بلينكن، نائب وزير الخارجية في عهد أوباما، في مايو 2020 بإخفاق الإدارة في "منع خسارة مروّعة للأرواح". يرى الفصل علاقة مباشرة بين التقاعس الدولي وزيادة وحشية النظام، الذي أسقط أكثر من 82,000 برميل متفجر بحلول عام 2021، مما أدى إلى نزوح جماعي وسقوط مدن مثل حمص (2014) وحلب (2016) والغوطة (2018).
يختتم الكاتبة بتأمل فلسفي: لم تكن سوريا "مرة أخرى" من حالات "لن يتكرر هذا أبداً"، بل كانت "للمرة الأولى" في التاريخ. لم يسبق أن تم تدمير أمة وهي تُبَثّ مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يسبق أن تم توثيق المجازر والتجويع والتعذيب بهذا الوضوح، ولم يسبق أن كان صمت القوى العظمى بهذه القسوة. مات وهم أن القوى العظمى ستساعد ضحايا الأسد بعد المجزرة الكيميائية، ودُفن ذلك الوهم في البيت الأبيض في مايو 2014. بينما كان الأسد يؤدي اليمين لولاية ثالثة في يوليو 2014، كان أوباما يحصل على معاهدته النووية المنشودة مع إيران، تاركاً السوريين يواجهون مصيرهم وحدهم.
13.الكشف العظيم272–297▼ ملخص
يطرح هذا الفصل، «الكشف العظيم»، سؤالاً محورياً حول كيفية تغطية الإعلام السوري الرسمي والعالمي للثورة السورية، ويقدم إجابة واضحة: لقد تعرضت الثورة لتشويه متعمد من قبل نظام الأسد عبر إعلامه الذي ابتكر نظريات مؤامرة سخيفة، وفي الوقت نفسه، عانى الثوار من تحيز وتمييز في التغطية الإعلامية الغربية التي غالباً ما صورت بشار الأسد بطريقة إيجابية أو محايدة، متجاهلة جرائمه.
يسير الفصل بخطى ساخرة، مستعرضاً أولاً أمثلة من إعلام النظام السوري، وتحديداً قناة أدونيا المملوكة لـ رامي مخلوف. ففي يناير 2012، حللت القناة مباراة كرة قدم بين برشلونة وريال مدريد، مدعية أن تمريرات اللاعبين أندريس إنييستا وليونيل ميسي وبيدرو كانت مخططاً لنقل أسلحة من لبنان إلى حمص وصولاً إلى أبو كمال. ثم انتقلت القناة لتدّعي أن كل احتجاجات المعارضة تُصور في استوديوهات ضخمة في قطر، وأن المتظاهرين يتلقون 500 ليرة سورية داخل كل ساندويتش، بالإضافة إلى حبوب منشطة. أما بالنسبة لاحتجاجات ميدان في دمشق في أبريل 2011، فبررها الإعلام بأنها كانت لتقديم الشكر لله على المطر الغزير. في المقابل، لم يتردد الإعلام الرسمي في تنظيم مسيرات مؤيدة ضخمة، مثل مسيرة المليون في أكتوبر 2011 والمسيرة العالمية من أجل سوريا في مارس 2012، حيث كان الموظفون العموميون يُجبرون على الحضور.
بعد ذلك، يحوّل الفصل انتقاده اللاذع إلى الإعلام الغربي، متتبعاً كيفية بناء صورة مشوهة للأسد. يلاحظ الكاتب هوساً غريباً بوصفه بأنه «هادئ الصوت» و**«يرتدي بذلة»** و**«متعلّم غربياً»، في إشارة إلى تدريبه القصير في لندن. يسخر الكاتب من أن هذه الصفات تُستخدم كدليل ضمني على أنه لا يمكن أن يكون سيئاً، متسائلاً لماذا لم تُطبق نفس المعايير على زعماء آخرين مثل كيم جونغ أون الذي درس في سويسرا لفترة أطول. ويقدم قائمة تضم حوالي ثلاثة وثلاثين مقابلة «حصرية» مع الأسد بين 2011 و2018**، أجرتها كبريات وسائل الإعلام مثل بي بي سي وسي إن بي سي وفورين أفيرز، في تناقض صارخ مع التجاهل شبه الكامل لشخصيات المعارضة السورية التي غالباً ما وُصفت بكلمات مثل «منقسمة» و«متشاجرة». ويذكر أن مجلة تايم وضعت الأسد على قائمة المرشحين لشخصية العام 2013 بعد مجزرة كيميائية مباشرة، مما أثار استياءً واسعاً.
يستمر الفصل في توثيق تحيز إعلامي آخر يتعلق بمصادر المعلومات؛ فادعاءات النظام كانت تُنقل دون تمحيص يُذكر، بينما كانت تقارير المعارضة تُرفق بعبارة «لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل». ويقدم الكاتب مثالاً صارخاً على تضليل النظام من خلال شخصية «المارة العادي» الذي ظهر في 18 مناسبة مختلفة في مواقع أحداث أو تفجيرات، ليكتشف الناشطون لاحقاً أنه كان ممثلاً. ويخصص فصلاً لاغتيال الشيخ محمد البوطي في فيفري 2013، حيث أظهر فيديو من داخل المسجد أن الانفجار كان صغيراً، مما يناقض رواية النظام عن وجود مفجر انتحاري قتل 50 شخصاً. هذه الممارسات جعلت الكاتب يعتقد أن الجمهور أصبح مشوشاً تجاه القضية السورية، بل ومتشككاً في نوايا الثوار.
يتطرق الفصل إلى جانب ديني، موضحاً أن العبارات الإسلامية مثل «الله أكبر» و«إن شاء الله» هي جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للسوريين، وقد استخدمها الناشطون بشكل عفوي أثناء توثيقهم للقمع. يشير الكاتب إلى أن هذا الاستخدام قد خلق مسافة بين بعض المشاهدين الغربيين والضحايا السوريين، خاصة وقد اعتادوا سماع هذه العبارات من المتطرفين. في المقابل، كان الأسد يُقدم على أنه «علماني» في مقابل هذه التعبيرات، مما عزز عزلة الثوار إعلامياً.
ثم ينتقل الفصل من النقد الإعلامي إلى نقد العمل السياسي، مسجلاً تجربة الكاتب الشخصية في جنيف مايو 2014 ضمن فريق التواصل لفريق المعارضة. يعترض الكاتب على تسميتهم بـ «المعارضة المعتدلة» لأنها تفرض معياراً غربياً وتضعهم في قالب دفاعي. يقترح بدلاً من ذلك الحديث بلغة إنسانية مؤثرة كمعاناة الأطفال الجياع، لكنه يواجه مقاومة من مستشارين غير سوريين يصرون على «البلادة الآمنة». يأسف الكاتب لأن المعارضة لم تتواصل مع الرأي العام في إيران وروسيا، البلدين الأكثر دعماً للنظام. ويعترف بأن الائتلاف الوطني فشل في التواصل الفعال مع العالم، على الرغم من أن مجريات الأحداث كانت خارجة عن إرادته أصلاً لغياب الدعم الحقيقي.
وأخيراً، يستعرض الفصل سلسلة من خيبات الأمل وخيانة القوى التي كان يُفترض أنها داعمة. يذكر إيقاف الأمم المتحدة إحصاء الضحايا في 2014 بعد تسجيلها 100,000 قتيل، ثم تقدير المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا لعدد الوفيات بـ 400,000 في 2016. ويكشف عن إنفاق الأمم المتحدة قرابة 82 مليون دولار في فندق فور سيزونز بدمشق بين 2014 و2022، وهو فندق يمتلك فيه رجل أعمال موالي للنظام حصة الأغلبية. بعدها، يحمل الفصل مسؤولية التشويه للحركات اليسارية ومناهضة الإمبريالية التي ركزت على معاداة الإمبريالية الغربية فقط، متجاهلة الإمبريالية الشرقية (إيران وروسيا). ويورد أمثلة صارخة: حركة "أوقفوا الحرب" بقيادة النائبة ديان أبوت التي منعت سوريين من الكلام في مؤتمر، والمغني روجر ووترز الذي وصف الخوذ البيضاء بأنهم «منظمة وهمية»، وتغريدة من صفحة "حياة السود مهمة" انتقدت الضربة الصاروخية الأمريكية دون ذكر ضحايا الهجوم الكيميائي السوري. ويقارن بين حالة ديفيد هاينز، عامل الإغاثة البريطاني الذي قتله داعش وحظي بإدانة واسعة، وبين حالة الدكتور عباس خان، الجراح البريطاني الذي قُتل في سجن للنظام، فلم يلقَ نفس الاهتمام. يصل الفصل إلى ذروته المُرّة باستعراض كيف أن الثوار كانوا دائماً في موقف لا يُحسدون عليه: إذا احتجوا سلمياً، قيل إن أعدادهم ضئيلة؛ وإذا حملوا السلاح اتُهموا بتصعيد العنف؛ وإذا تشكلوا كمعارضة وُصفوا بأنهم منقسمون. الخلاصة الموجعة أن قتل النظام لم يحظَ بنفس ردود الفعل التي يحظى بها قتل داعش أو إسرائيل، ليكشف الفصل عن معايير مزدوجة عالمية عميقة.
14.هيمنات جديدة في سوريا الكبرى298–321▼ ملخص
ملخص الفصل بعنوان «هيمنات جديدة في سوريا الكبرى» من كتاب "It Started in Damascus"
يطرح هذا الفصل إجابة واضحة عن سؤال محوري: كيف غيّرت اتفاقية فيينا النووية مع إيران مسار الثورة السورية، وحوّلت سوريا إلى ساحة مفتوحة للهيمنة الإيرانية والروسية، وأدّت إلى كارثة إنسانية غيرت وجه المنطقة والعالم؟ يرى المؤلف أن الاتفاق كان نقطة تحول مصيرية، حيث أطلق يدَ طهران المالية والعسكرية في سوريا بعد رفع العقوبات، مما مكّنها من تعزيز نفوذها على الأرض بغطاء من التخلي الغربي، وخاصة من إدارة أوباما التي راهنت على الإرث السياسي للاتفاق النووي على حساب حياة السوريين.
يسير الفصل خطوة خطوة عبر تسلسل زمني وأحداثي معقد. يبدأ بوصف فرحة المسؤولين الإيرانيين في يوليو 2015 بعد توقيع الاتفاق، مقابل إدراك السوريين أن أموالاً ضخمة كانت مجمّدة ستنطلق لتمويل حربهم. يذكر المؤلف أن مهدي طائب، المقرب من خامنئي، وصف سوريا بأنها «المحافظة الخامسة والثلاثون» الأهم من أي محافظة إيرانية، وأن نائباً في البرلمان الإيراني اعتبر أن ثلاث عواصم عربية (بغداد، بيروت، دمشق) أصبحت بأيدي إيران، وأن صنعاء كانت الرابعة. هذه التصريحات لم تكن مجرد خطاب، بل ترجمت إلى سياسة ممنهجة لتغيير ديموغرافي عبر حصار وتجويع وتهجير قسري لعشرات الآلاف من السوريين إلى الشمال، في عملية وصفها المؤلف بـ«التشيع» المفتوح لسوريا، تمت بتنسيق كامل مع نظام بشار الأسد.
يُظهر الفصل كيف أن الاتفاق النووي لم يحرر المال فقط، بل مهّد لقرار روسي مصيري. ففي سبتمبر 2015، تدخل سلاح الجو الروسي عسكرياً بناءً على طلب إيراني (حسب الرواية التي يذكرها المؤلف)، ودعمت طائراته الحديثة براميل الأسد المتفجرة، مما غيّر موازين القوى وحوّل مسار الثورة. المؤلف لا يغفل الإشارة إلى أن فلاديمير بوتين لم يكن بحاجة لدعوة إيرانية، فقد كان يخطط لتوسيع نفوذه في المنطقة منذ انهيار «الخط الأحمر» بعد الهجوم الكيميائي في عام 2013، ووجد في التخلي الغربي فرصة سانحة. ويضيف أن روسيا حصلت على قاعدتي طرطوس وحميميم بموجب معاهدة مدتها خمسون عاماً قابلة للتجديد، مما جعل وجودها الجوي دعامة أساسية للنظام.
في قلب الفصل، تنتقل السردية من السياسة الدولية إلى المأساة الإنسانية. يصف المؤلف صيف 2015 بأنه الفترة التي تحول فيها البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة عائمة، حيث اتجه السوريون إلى القوارب المطاطية هرباً من جحيم القصف المزدوج. يروي قصة الشاب آيلان الكردي ذي العامين الذي جرفته الأمواج إلى شاطئ بودروم في 2 سبتمبر 2015، وكيف أن صدمة موته دفعت ألمانيا إلى تعليق «اتفاقية دبلن» وفتح حدودها أمام ما يصل إلى مليون لاجئ. لكن المؤلف لا يكتفي بالرقم، بل يتوقف عند تفاصيل لقاءاته الشخصية مع اللاجئين في محطة فيينا، حيث تطوع لترجمة قصصهم. يصف لنا أحمد ونور، وديمة التي رفضت العلاج الطبي بعد معاملة قاسية في المجر، ولولو الطفلة الثمانية التي غرقت حقيبتها في البحر، وسلمى والدة لولو التي حاولت إهداءه كيس قهوة عربية، ذلك الشيء الوحيد الذي يربطها بوطنها. هذه القصص الصغيرة تخدم وظيفة كبيرة في المنطق العام: إظهار التكلفة البشرية المباشرة لهذه الهيمنة الجديدة، وتحويل الأرقام المجردة إلى وجوه وأسماء وآلام حقيقية.
لا يتجاهل الفصل الانعكاسات السياسية لهذه الموجة. يرصد كيف أن أزمة اللاجئين غذّت صعود اليمين في أوروبا، وكيف استُخدمت صور اللاجئين (خاصةً الشبان) في حملة «بريكست» في بريطانيا لتأجيج الخوف، مما أثر على نتيجة التصويت. كما يلاحظ التحول في السياسة الخارجية لحزب العمال بقيادة جيريمي كوربن نحو مواقف أقل تدخلاً، وتأثير الهجمات الإرهابية في باريس (2015) في ربط ملف اللاجئين بالإرهاب بشكل خاطئ. يخلص المؤلف إلى أن قبضة الأسد المتزايدة، بدعم من إيران وروسيا، أنتجت المزيد من اللاجئين، وهو ما خلق بدوره المزيد من التطرف، في حلقة مفرغة.
يعترف الفصل بحدوده وتناقضاته. لا يخفي المؤلف أن بعض التحليلات قد تكون قابلة للنقاش، خاصة مسألة من الذي دعا روسيا للتدخل، وهل كانت إيران هي من أقنعت بوتين أم أن لديه أسبابه الخاصة. كما يقر بأن التطبيع مع الأسد الذي بدأ بدول مثل الإمارات (إعادة فتح السفارة في 2018) ووصل إلى قمة جامعة الدول العربية في جدة في مايو 2023، يحدث رغم أن النظام استمر في إنتاج وتوزيع عقار الكبتاغون المخدر. هذا التطبيع، برأي المؤلف، هو جزء من الخذلان الجماعي الذي سمح بتفاقم الكارثة.
في فقراته الأخيرة، يطرح الفصل حججاً قابلة للجدل بوضوح. يرى المؤلف أن الفشل في ردع بوتين في سوريا وشبه جزيرة القرم (2014) شجعه على غزو أوكرانيا في 2022. وأن صعود الميليشيات مثل فاغنر بقيادة يفغيني بريغوجين يشكل خطراً مستقبلياً. لكن التحفظ الواضح الذي يورده هو حالة المؤلف الشخصية: فبعد أن وصفتها أجهزة النظام بأنها «خط أحمر» ووُضع اسمها على قائمة التوقيف، تروي اضطرارها في نوفمبر 2024 لبيع منزل العائلة في دمشق بعد أربعة عشر عاماً من التمسك بالأمل، وذلك بعد أسابيع قليلة من سقوط حلب بأيدي المعارضة. هذه النهاية الشخصية ليست مجرد خاتمة عاطفية، بل هي إقرار بأن الهيمنة الجديدة لم تغير السياسة والجغرافيا فقط، بل سلبت حتى حق العودة إلى الذكريات والأماكن، تاركة السؤال مفتوحاً: هل يمكن لأي عودة أن تكون ممكنة بعد كل هذا التدمير؟
15.على الطريق المتعرجة إلى دمشق322–370▼ ملخص
هذا الفصل، الذي يحمل عنوان «على الطريق المتعرجة إلى دمشق»، يروي الأيام الأخيرة لانهيار نظام بشار الأسد في نوفمبر/ديسمبر 2024، ويقدم إجابة واضحة عن السؤال المحوري: كيف انهار نظام ظل صامداً لأكثر من خمسة عقود بهذه السرعة المفاجئة؟ الجواب الذي يقدمه المؤلف هو أن الانهيار لم يحدث في عشرة أيام فقط، بل كان نتيجة تراكم قرارات وخيانات على مدى 5,000 يوم، أي منذ اندلاع الثورة السورية في 2011.
يسير الفصل خطوة بخطوة مع تسلسل الأحداث الدراماتيكي. يبدأ بوصف حالة الجمود والذهول التي كان يعيشها السوريون، الذين توقفوا عن توقع أي تغيير. فجأة، وفي نوفمبر 2024، لم يكن أحد يتوقع أن ينهار النظام بهذه الطريقة، وأن بشار الأسد لن يحتفل بمرور 25 عاماً على حكمه. يشرح الفصل أن السبب المباشر للانهيار هو تخلي الحليفين الرئيسيين عن الأسد: روسيا وإيران. كانت إيران منهكة بعد سلسلة من الضربات الإسرائيلية المكثفة على قواتها في المنطقة، وخاصة على حزب الله، الذي اغتالت إسرائيل زعيمه حسن نصر الله في سبتمبر 2024 مع العشرات من كبار قادته. هذا جعل الحزب غير قادر على مساعدة الأسد، خاصة وأن الأسد نفسه لم يحرك ساكناً لدعم حزب الله أثناء القصف الإسرائيلي على لبنان وغزة. أما روسيا، فكانت منشغلة بحربها في أوكرانيا، وغضب الرئيس بوتين من عناد الأسد الذي رفض مراراً تلبية طلباته، مثل لقاء الرئيس التركي أردوغان لتطبيع العلاقات.
مع تقدم المعارضة وسيطرتها على حلب في 29 نوفمبر، سافر الأسد إلى موسكو لطلب الدعم والسماح للطائرات الإيرانية بالهبوط في قاعدة حميميم. وعاد ليخبر حاشيته أن بوتين وافق، لكن الإيرانيين قالوا إنهم لم يتلقوا التصريح. ومع ذلك، أمر الأسد جنرالاته بالصمود، لكنهم لم يفعلوا. ومع تقدم المعارضة نحو حماة، كان الجميع ينتظر وصول سلاح الجو الروسي لشن الغارات المعتادة، لكن الطائرات لم تأت بكامل قوتها. في 5 ديسمبر، حررت المعارضة حماة، وانسحب الجيش إلى حمص. اتصل الأسد بالرئاسة الروسية عدة مرات طلباً للمساعدة، لكن بوتين لم يرد. بحلول 7 ديسمبر، كانت حمص تحت سيطرة المعارضة، مما فتح الطريق مباشرة إلى دمشق. في هذه الأثناء، كان الثوار يمرون بالسجون الرئيسية ويحررون المعتقلين، ومنهم رجال ونساء وأطفال تعرضوا لانتهاكات مروعة.
بلغت الأحداث ذروتها في ليلة 7 إلى 8 ديسمبر، حيث أعلنت قناة المعارضة " Syria TV" في الساعة 05:08 صباحاً أن بشار الأسد قد فر من البلاد. يصفه الفصل بأنه "هرب في جوف الليل كجبناء"، متوجهاً إلى روسيا حيث منحه بوتين حق اللجوء "لدواع إنسانية". في لفته الأخيرة، لم يأمر الأسد قواته بحماية المدنيين، بل تركهم لمصيرهم، معتمداً على شعار "الأسد أو نحرق البلد". ويخلص الفصل إلى أن غياب سلاح الجو الروسي كان العامل الأكبر في انتصار المعارضة، مما خلق منطقة حظر طيران فعلية حلم بها السوريون طويلاً.
بعد فرار الأسد، بدأت مرحلة جديدة. يصف الفصل فرحة السوريين الغامرة التي لم يشعروا بها من قبل، حيث اجتمع الناس في الساحات وهم يهدمون تماثيل حافظ وباسل الأسد وينظفون شوارعهم. لكن هذه الفرحة قوبلت بهجمات إسرائيلية عنيفة على أكثر من 480 موقعاً عسكرياً سورياً، واحتلال المزيد من أراضي الجولان، مما أثار غضب السوريين الذين شعروا أن إسرائيل أرادت دائماً بقاء النظام. كما برزت تحديات جديدة، منها اكتشاف مخازن ضخمة لمخدر الكبتاغون، وشبكات أنفاق تحت الأرض، وثروات هائلة لعائلة الأسد، وظروف مروعة في سجن صيدنايا الذي وصفته منظمة العفو الدولية بأنه "مسلخ بشري".
يتناول الفصل أيضاً ردود فعل المجتمع الدولي. فبينما أعلنت دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تعليق معالجة طلبات اللجوء للسوريين، ذهبت دول أخرى مثل النمسا إلى حد وضع خطط للترحيل. ويركز الفصل على الانتقاد لوسائل الإعلام الغربية التي ركزت على هوية الثوار "الإسلاميين" بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) بدلاً من التركيز على جرائم النظام. يصف الفصل كيف أن الشرع، الذي قاد هيئة تحرير الشام، نجح في إدارة عملية انتقالية، حيث التقى بمسؤولين غربيين وعرب، وأجرى مقابلات، وسعى لطمأنة السوريين بأنه لا يريد فرض قيود على اللباس. ومع ذلك، يشير الفصل إلى مخاوف من集中 السلطة بيده، حيث تم تعيينه رئيساً في 29 يناير، وأصدر إعلاناً دستورياً يجعله على رأس السلطات الثلاث، وجرى حوار وطني سريع اعتبره الكثيرون شكلياً.
يختم الفصل بتأملات أوسع حول مستقبل سوريا. يقر المؤلف أن الديمقراطية ليست وشيكة، وأن الأولويات الآن هي إعادة الإعمار وإجراء تعداد سكاني، لأن أكثر من نصف السوريين نازحون أو لاجئون. ويؤكد أن السوريين، مثل أي مجتمع آخر، منقسمون حول قضايا العلمانية والدين والحريات، وأن الثورة لم تنته بعد بسقوط الأسد، بل يجب أن تستمر لتحقيق المساواة والعدالة. ينتهي الفصل برسالة أمل، مفادها أن روح الثورة السورية يمكن أن تعيد تشكيل العالم إذا ما تم دعم السوريين لاستكمال ما بدأ في دمشق.