المورد
أوروبا والإسلام

أوروبا والإسلام

Henry Laurens١ كانون الثاني ٢٠٠٩frOdile Jacob

يُشكّل كتاب "أوروبا والإسلام" لهنري لورنس دراسةً موسوعيةً وشاملةً للعلاقات المتشابكة والمعقدة بين أوروبا والعالم الإسلامي، منذ فجر العصور الوسطى وحتى فجر القرن العشرين. الموضوع المحوري للكتاب هو تفنيد فكرة "صراع الحضارات" كعداء ديني ثنائي بسيط، وتقديم بديل عنها: سردية تاريخية تُظهر أن هذه العلاقة قامت على جدلية معقدة من الصراع والتعاون، التبادل والرفض، الهيمنة والإعجاب. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن أوروبا والعالم الإسلامي ليسا كيانين منفصلين ومتحاربين بطبيعتهما، بل هما جزء من فضاء متوسطي مشترك، تبادلا خلاله كل شيء: السلع والمعرفة والأفكار والأساطير، وفي الوقت نفسه، رسّما حدودهما الدينية والثقافية من خلال رسم صورة "الآخر". الحجة المركزية هي أن هذه العلاقة تشكلت عبر ثلاثة محاور رئيسية تتداخل باستمرار: الجغرافيا المتخيلة والصور المتبادلة، والصراع العسكري والسياسي، والتبادل الاقتصادي والثقافي والديني.

يسير الكتاب وفق منطق زمني وتاريخي، حيث يبدأ في العصور الوسطى بتحليل كيفية تصور كل من العالمين للآخر. في الفصل الأول، يوضح كيف أن الجغرافيا العربية الإسلامية والمسيحية اللاتينية، رغم اشتراكهما في الجذور اليونانية والإسلامية والنصوص المقدسة، تطورتا بشكل منفصل لخدمة أغراض مختلفة: الأولى في خدمة البلاط الملكي والثانية في خدمة الدير. يُظهر الكتاب في هذا السياق كيف أن الجغرافي العربي المسعودي وصف شعوب الشمال (الفرنجة، الصقالبة، الأتراك) بأنهم غلاظ بلاد بسبب بعد الشمس عنهم، مما يمنعهم من التفكير الصائب واعتناق الدين الحق، بينما رأى رجل الدين هوغو من سان فيكتور في باريس (حوالي عام 1130) أن التاريخ يسير من الشرق إلى الغرب، وأن القدس هي مركز العالم، مما جعل أوروبا الهامشية "المركز الجديد" لانتقال الحضارة. في المقابل، انتقل الكتاب إلى وصف العلاقة العميقة بين الدين والحرب، رافضاً فكرة "صراع الحضارات" بالإشارة إلى تحالفات عسكرية تجاوزت الحدود الدينية، مثل تحالف إود دوق أقطانيا مع الزعيم البربري منوزة ضد شارل مارتل، أو تبادل السفارات بين هارون الرشيد وشارلمان. لكنه يؤكد محورية الدين في تبرير الحرب، من خلال مفهوم "الجهاد" الذي تطور من جهد روحي إلى عسكري، ومفهوم "الحملات الصليبية" التي بررها مؤرخون مثل روبرت الراهب عبر تشويه صورة النبي محمد واعتبار المسلمين هراطقة، وإطاراً قانونياً وضعه مرسوم غراتيان (منتصف القرن الثاني عشر) لشرعية الحرب ضدهم.

يأخذ الكتاب بعد ذلك منعطفاً مهماً لتحليل وضع الأقليات الدينية تحت الحكمين الإسلامي والمسيحي، مظهراً على أن التبعية النظرية لم تمنع النجاح الاقتصادي والاجتماعي. يشرح أحكام الذمي المبنية على الآية القرآنية 9:29، وهي "شروط عمر" التي تطورت تدريجياً وفرضت قيوداً كمنع بناء كنائس جديدة. يقدم أمثلة صارخة عن التفاوت في التطبيق، من الاضطهاد في عهد الخليفة الحاكم بأمر الله (996-1021)، إلى التسامح النسبي تحت حكم ملوك الطوائف، إلى التدهور الحاد مع قدوم المرابطين. ثم ينقلب السيناريو بعد الغزوات المسيحية ليتناول وضع المدجنين (المسلمين الخاضعين) في أيبيريا وصقلية وبلاد الشام، موضحاً كيف منحهم الأمراء المسيحيون وضعاً مشابهاً مع ضمانات للحقوق ولكن مقابل ضريبة، وكيف تدهور وضعهم تدريجياً لأسباب اجتماعية واقتصادية، وينتهي بمناقشة ظاهرة الرق وتبادل الأسرى، حيث تشير التقديرات إلى أن صلاح الدين الأيوبي فدى 20,000 مسلم.

الكتاب لا يغفل عن العلاقات التجارية، التي يصفها بأنها محرك رئيسي للتطور الاقتصادي لكلا الطرفين. يبين كيف انتقلت منطقة البحر المتوسط من هيمنة إسلامية شبه كاملة، حيث كانت مدن مثل قرطبة وبغداد مراكز للثروة، إلى سيطرة تجارية أوروبية متزايدة من قبل المدن الإيطالية مثل البندقية وجنوة. يصف آليات التبادل كالمشاركة والمضاربة (القراض/الكومندا)، وخطابات الاعتماد، ومؤسسة الفندق التي شكلت موطئ قدم دائم. ويضرب أمثلة حية على التجارة، من تجارة العبيد والسلاح، إلى انتقال تقنية صناعة الورق من شاطبة في الأندلس إلى أوروبا، وتأثير تدفق الذهب الأفريقي عبر المغرب على صك العملات الذهبية في فلورنسا وجنوة. ثم ينتقل إلى التبادل العلمي والثقافي، مركزاً على كيف أن أعمال الرازي وابن سينا أصبحت المرجع الأساسي لتدريس الطب في أوروبا، بفضل حركة الترجمة التي قادها جيراردو الكريموني (1145-1187) في طليطلة، والتي أحدثت ثورة معرفية في أوروبا. كما يشير إلى التأثير الفني والثقافي، كالتأثير العربي في العمارة الإسبانية (القصور المدجنة)، وتأثير الموشحات والزجل في شعر التروبادور، وتأثير قصص "ألف ليلة وليلة" على الأدب الأوروبي.

مع انتقال الكتاب إلى العصر الحديث المبكر، يركز على صعود الإمبراطورية العثمانية كقوة إسلامية كبرى في أوروبا. يسرد فتح القسطنطينية عام 1453 كحدث محوري، مظهراً كيف أن صعود العثمانيين كان نتيجة ضعف وتجزئة أوروبا الشرقية. يتناول الفصل بالتفصيل التوغل العثماني في البلقان، واصفاً معارك مثل كوسوفو (1389) التي أحاطتها الأساطير، وفارنا (1444) التي سحقت آخر محاولة مسيحية لطردهم من أوروبا. في المقابل، يكشف الفصل عن صورة الإمبراطورية العثمانية كفضاء معقد، حيث بقيت الأغلبية المسيحية محافظة على هويتها، مستشهداً بدراسات ديموغرافية أظهرت أنه في 1520-1535 لم يشكل المسلمون سوى 18% من سكان روميليا، وأن الدولة لم تفرض سياسة تنصير قسري. يشرح نظام الذمة الذي منح غير المسلمين حرية العبادة مقابل الجزية، ونظام دوشيرمة (جمع الأولاد المسيحيين) الذي يُعد انتهاكاً للشريعة لصالح "سبب الدولة".

يواصل الكتاب تحليل صورة الإسلام والعثمانيين في المخيال الأوروبي، موضحاً كيف تحول مصطلح "تركي" إلى مرادف للعدو الوجودي. يذكر أنه في الوقت الذي كان فيه بيوس الثاني يصف الوضع بأنه "جرح في وطننا"، كانت انتصارات مثل ليبانتو (7 أكتوبر 1571) تُضخم كتدخل إلهي. في المقابل، يكشف الفصل عن موقف متناقض لدى البروتستانت، حيث رأى لوثر في البداية أن الغزوات العثمانية عقاب إلهي لا يجب مقاومته، قبل أن يدعو إلى حرب لا هوادة فيها. كما يناقش فكرة "الحدود" بين العالمين، التي كانت فاصلاً حضارياً ودينياً، لكنها كانت أيضاً منطقة تواصل وتناقض، حيث نشأت فيها ظواهر مثل القوزاق وهايدوك وأوسكوك كمجتمعات بديلة. أخيراً، يتطرق الكتاب إلى "القراصنة البربر" في شمال أفريقيا، حيث يقدر أن حوالي مليون مسيحي استعبدوا خلال القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر.

يختتم الكتاب بمناقشة التحول الحاسم في موازين القوى بدءاً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث تفوقت أوروبا عسكرياً وتقنياً بفضل ثورة الطباعة وتراكم المعرفة. يُظهر كيف أن معركة بلاسي (23 يونيو 1756) في الهند ومعاهدة كوجوك قينارجه (1774) مع الدولة العثمانية والهزيمة الفرنسية-العثمانية في نافارين (1827) رسخت الهيمنة الأوروبية. ثم ينتقل إلى الحقبة الاستعمارية، محللاً حملة نابليون على مصر (1798-1801) التي أظهرت قوة أوروبا وبداية النهاية للعالم الإسلامي المستقل. يتناول حالة مصر تحت محمد علي الذي استخدم خطاب "الحضارة" لتأثير على الرأي العام، وحالة الجزائر بعد الغزو الفرنسي عام 1830 ومقاومة الأمير عبد القادر. يوضح الكتاب أن الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) من فرمان كلخانه (1839) إلى الخط الهمايوني (1856)، رغم كونها محاولة لتحديث الدولة وتحرير غير المسلمين، أدت في النهاية إلى تعزيز "الطائفية السياسية" وتقويض فكرة المواطنة الفردية، مما رسخ الهيمنة الأوروبية. أخيراً، يتحول التركيز نحو تيارات فكرية ناشئة مثل "الليبرالية الإسلامية" التي دعت إلى أسلمة الإصلاحات عبر إحياء الشورى، و"الإصلاح الديني" بزعامة جمال الدين الأفغاني الذي رأى في العودة إلى أصول الإسلام النقية شرطاً للنهضة، في مقابل صورة أوروبية معادية للإسلام مثّلها إرنست رينان الذي اعتبر الإسلام "الإنكار الأكمل لأوروبا".

يقر المؤلف بحدود هذا المشروع الضخم ويذكرها ضمنياً من خلال اختياره لموضوعات محددة. فهو لا يقدم حصراً شاملاً لكل مجالات التبادل، بل يركز على أمثلة توضيحية. يعترف بصعوبة الفصل بين الجغرافيا الطبيعية والدينية في العصور الوسطى، وبغموض بعض الأحداث التاريخية كتفاصيل معركة كوسوفو وتاريخ فتح أدرنة. يقر أيضاً بأن الأصوات المتاحة هي فقط للمثقفين الذكور من النخبة. يترك أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية الإرساليات التبشيرية، وحول الجدل حول شرعية الاعتماد على العلوم العربية، ومدى صحة نظرية تأثير الموشحات على شعر التروبادور. من أهم الحجج القابلة للنقاش بوضوح في المادة المقدَّمة، هي الفكرة القائلة إنه رغم كل الصراع والعداء، كان هناك دائماً مستوى عميق من التبادل والتأثر، مما يعقد فكرة "صراع الحضارات" ويجعلها أداةً سياسيةً أكثر منها حقيقة تاريخية صرفة. في جوهره، يقدم الكتاب صورة دقيقة ومتشابكة للتعايش تحت ظلال السيادة الدينية، حيث كانت المرآة التي رأى فيها كل عالم الآخر مشوهة، لكنها في النهاية، كانت مرآة تعكس جوانب من الحضارة الأخرى بقدر ما تعكس صورة الذات.

الأشخاص

الفصول(17)

1.16–34▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل من كتاب لورنس الصور الجغرافية والإثنوغرافية التي كونها عالما القرون الوسطى الإسلامي والمسيحي عن بعضهم البعض، وعن العالم بشكل عام. يتمحور السؤال المحوري حول الكيفية التي تصور بها مثقفو العصور الوسطى، سواء في بغداد أو باريس، حدود العالم وطبيعة الشعوب الأخرى، وكيف استخدموا هذه المعرفة لتأكيد تفوقهم الديني والثقافي. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن كلا التقليدين الجغرافيين، رغم اشتراكهما في جذور يونانية وإسلامية وإرث من النصوص المقدسة، تطورا بشكل منفصل لخدمة أغراض مختلفة تماماً؛ أحدهما في خدمة البلاط الملكي والآخر في خدمة الدير.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل. يبدأ بمناقشة الأساس المشترك لكلا التقليدين، وهو الكتاب المقدس والقرآن الكريم، اللذين قدما إطاراً لتفسير تنوع البشرية وأصولها. يُظهر الكيفية التي استخدم بها الكُتّاب اللاتين، ولا سيما إيزيدور الإشبيلي، النسب التوراتي من نوح وأبنائه سام وحام ويافث لتصنيف الشعوب، معتبرين أن العرب (الساراسينيين) هم أحفاد إسماعيل، ابن إبراهيم من هاجر، مما جعلهم في نظر المسيحيين "دخيلاً" ومحرومين من الميراث الحقيقي لإسحاق. في المقابل، يعرض القرآن (الآيات 2: 125-127) قصة مختلفة، حيث يقدس إسماعيل باعتباره نبياً وشريكاً في بناء الكعبة مع والده إبراهيم.

ينتقل الفصل بعدها إلى مركز العالم الإسلامي بين القرنين التاسع والعاشر، وخاصة بغداد. في هذا السياق، نشأ علم الجغرافيا العربية (الجغرافيا) كجزء من ثقافة الأدب العامة لرجال البلاط. يعتمد الفصل على جغرافيين كبار مثل المسعودي وابن حوقل والمقدسي، ويوضح كيف أن مفهوم أوروبا ككيان جغرافي كان شبه معدوم، وتم استبداله بنظام الأقاليم المناخية المستوحى من بطليموس. في هذا النظام، تحتل الشعوب التي تعيش في الأطراف الباردة (مثل الفرنجة والصقالبة والأتراك) مرتبة أدنى. يُقدم المسعودي في كتاب التنبيه والإشراف وصفاً مفصلاً لشعوب الشمال، واصفاً إياهم بالغلظة والبلادة وبياض البشرة المائل للزرقة وشعرهم الأحمر، وعزو ذلك لبعد الشمس عنهم، مما يمنعهم من التفكير الصائب واعتناق الدين الحق. هذه الصورة جعلتهم أقرب إلى شعوب يأجوج ومأجوج المتوحشة، التي ستدمر العالم في نهاية الزمان.

يعود الكاتب إلى الجغرافيا العربية ليتناول إدريسي في منتصف القرن الثاني عشر، الذي كتب كتاب روجر (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) لصالح الملك النورماني روجر الثاني في صقلية. يمثل عمل إدريسي حالة فريدة تمزج بين التقاليد الجغرافية العربية ومعلومات جديدة جمعها من التجار والمسافرين الأوروبيين، مما جعله يصف أوروبا بشيء من التفصيل، مثل وصفه لنورماندي ومدينة بايو بأنها مدينة "جميلة ورائعة ومزدهرة"، بينما يصف باريس بأنها ذات "حجم متوسط". لكن الكاتب يشير إلى محدودية هذا العمل إذ لم يُترجم في العصور الوسطى، فبقي دون تأثير على الجغرافيا الأوروبية.

ينتقل الكاتب بعدها إلى مقارنة هذه الرؤية برؤية رجل دين مسيحي في باريس حوالي عام 1130، وهو هوغو من سان فيكتور. يبدأ هوغو من مبدأ مختلف: مركز العالم هو القدس، وأوروبا تقع في أقصى الشمال الغربي. يصف الكاتب وصف خريطة العالم (Descriptio mappe mundi) لهوغو، وهو بمثابة دليل مدرسي لقراءة خريطة العالم في بيئة رهبانية. تختلف وظيفة الجغرافيا جذرياً هنا: فهي ليست معرفة دنيوية لأدب البلاط، بل أداة مساعدة (auxiliaire) لدراسة الكتاب المقدس واللاهوت. الهدف هو فهم الأسماء الجغرافية في الكتاب المقدس وواقع الأحداث الخلاصية في المكان والزمان.

يوضح الفصل الفرق الهائل بين المعرفتين الجغرافيتين. فبينما كان المسعودي يملك معلومات مفصلة عن بحر الشمال وصيد الحيتان عند الإيرلنديين ورحلة ابن فضلان (الذي وصف بالتفصيل عادات الـروس الخشنة وطقوس دفنهم)، كان هوغو يعتمد على مصادر قديمة (مؤرخة من القرنين الخامس والسابع) مازال يكرر أسماءً قديمة. ينتقد الكاتب جهل هوغو الصارخ، مثل جعله نهر الغارون يصب في نهر اللوار، ووضع مدينة تولوز في بريتاني. لكن الكاتب يؤكد أن الأهم ليس دقة المعرفة الجغرافية، بل أنها كانت عقلانية ومنظمة بالنسبة لهوغو، حيث تعكس الخريطة منطق الخلق الإلهي.

في تحليله لتصور هوغو للتاريخ، يقدم الكاتب حجته الأعمق. يرى هوغو أن التاريخ يسير في خط مستقيم من الشرق إلى الغرب. بدأ بجنة عدن في أقصى الشرق، وانتقل إلى فلسطين (التي بقيت المركز لفترة)، ثم إلى اليونان، وأخيراً إلى الغرب (روما وأوروبا)، حيث يجب أن تحدث نهاية العالم. هذه الفكرة، التي يسميها الكاتب نقل الحضارة (translatio imperii et studii)، هي آلية أيديولوجية تهدف إلى "تهميش الشرق" (الذي أصبح مسلماً الآن) وجعل أوروبا، رغم موقعها الهامشي، "المركز الجديد" للسلطة والروحانية والعلم.

في الختام، يعترف الفصل بحدوده: فالمعرفة متاحة فقط للكتّاب الذكور من النخبة المثقفة، ولذلك تغيب أصوات الآخرين. يقر الكاتب بصعوبة الفصل بين الجغرافيا الطبيعية والدينية في تلك الفترة. يُظهر الفصل تفوق التصورين الأدبي واللاهوتي على المعرفة الواقعية، ويترك القارئ يتساءل: هل كانت هذه الصور المتبادلة مجرد بناءات ثقافية، أم أنها شكلت أسساً للصراعات والنزاعات التي ستأتي لاحقاً؟ يقدم صورة واضحة عن أن المرآة التي رأى فيها كل عالم الآخر كانت مشوهة، مما جعل كلاً من الإسلام وأوروبا في العصور الوسطى يخلق "الآخر" ويضعه على أطراف العالم المأهول.

2.35–64▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل العلاقة الوثيقة بين الدين والحرب في العصور الوسطى، مركزاً على كيفية استخدام كل من الإسلام والمسيحية لتبرير الغزوات العسكرية. يرفض المؤلف بشكل قاطع فكرة أن تكون هذه الصراعات مجرد تجسيد لـ "صراع حضارات" بين الإسلام والغرب، مشيراً إلى أن التحالفات العسكرية كانت غالباً ما تتجاوز الحدود الدينية، حيث نجد مسيحيين متحالفين مع مسلمين ضد خصوم من نفس الدين. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الدين ظل عنصراً محورياً في تحفيز الحروب وتبريرها، وهو ما يستعرضه من خلال تحليل نصوص تاريخية وقانونية متنوعة.

يبدأ الفصل بمناقشة الغزوات الإسلامية الأولى، من هجرة النبي محمد عام 622 وحتى وفاته عام 632، والتي تبعها توسع سريع شمل سوريا، العراق، فارس، مصر، وشمال أفريقيا، وصولاً إلى شبه الجزيرة الأيبيرية بين 711 و718. يوضح المؤلف أن دوافع هذه الغزوات كانت متعددة، منها الوحدة السياسية والدينية للقبائل العربية وضعف الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، بالإضافة إلى أن العديد من المسيحيين في المناطق المفتوحة، مثل المونوفيزيين في سوريا ومصر، لم يبدوا مقاومة تذكر بسبب اضطهادهم من قبل القسطنطينية. ويشرح مفهوم "الجهاد"، مبيناً أنه في القرآن، من أصل خمسة وثلاثين مرة ورد فيها المصطلح، عشرة فقط تشير إلى الحرب، بينما يُشدد على "الجهاد الأكبر" كجهد روحي ودعوي.

ينتقل الفصل إلى تطور مفهوم الجهاد بعد وفاة النبي، حيث ظهر التمييز بين "دار الإسلام" و "دار الحرب" (أو دار الكفر)، وهو تمييز غير موجود في القرآن ذاته. يبين الكاتب أن نظرية وممارسة الجهاد تطورتا عبر الزمن، فمن تركيز روحي في مكة إلى توجه عسكري في المدينة، ثم إلى طابع دفاعي في الغالب بعد الفتن والحروب الأهلية في عامي 680 و750. ويذكر أمثلة على ذلك، كدعوات سيف الدولة، سلطان حلب (توفي 967)، للجهاد ضد البيزنطيين، والتي كانت تعكس وضعاً دفاعياً لمنطقته الحدودية. كما يناقش غزو صقلية من قبل الأغالبة ابتداءً من عام 827، ومعركة بلاط الشهداء (بواتييه) عام 732 ضد قوات شارل مارتل، مؤكداً أن أهميتها قد بالغ فيها المؤرخون ولم تضع حداً للغارات الإسلامية في بلاد الغال.

يتناول الفصل ردود فعل المؤرخين المسيحيين الأوروبيين تجاه هذه الفتوحات. في البداية، نظر إليها مؤرخون مثل بيدي ( 673-735) كبلاء إلهي لمعاقبة المسيحيين على خطاياهم، دون اهتمام كبير بالدين الإسلامي نفسه. أما المؤرخون اللاحقون، مثل ثيوفانيس (حوالي 815) من القسطنطينية، فقد قدموا صورة أكثر تفصيلاً، واصفين الإسلام بأنه "هرطقة" تجمع عناصر يهودية ومسيحية، وعزا نجاح الفتوحات إلى انحراف الإمبراطور هرقل نحو الهرطقة المونوثيلية. يكشف الفصل أيضاً عن تحالفات عملية بين حكام مسيحيين ومسلمين، مثل تحالف إود دوق أقطانيا مع الزعيم البربري منوزة ضد شارل مارتل، وتبادل السفارات بين الخليفة العباسي هارون الرشيد والإمبراطور شارلمان، مما يؤكد أولوية المصالح الجيوسياسية على التضامن الديني.

يخصص الفصل قسماً كبيراً لمناقشة مفهوم "الحملات الصليبية" وكيف بررها المؤرخون. يشير المؤلف إلى أن مصطلح "حملة صليبية" لم يظهر إلا في القرن الثالث عشر، بينما نظر المشاركون في حملة 1095 التي انتهت باحتلال القدس في يوليو 1099 إلى أنفسهم كحجاج مسلحين. صنع مؤرخون مثل روبرت الراهب وغيبير دي نوچون صورة مشوهة للخصم، فوصفوه بالوثني أو الهرطقي، وقدموا سيرة ذاتية مهينة للنبي محمد، معتبرين إياه محتالاً هرطقياً. هذه الصورة المشوهة خدمت كأساس لتبرير الحرب وإظهارها كاسترداد لممتلكات المسيح من المغتصبين.

يتناول الفصل الإطار القانوني لهذه الحروب من خلال تحليل "مرسوم غراتيان" (منتصف القرن الثاني عشر)، والذي شكل أساس القانون الكنسي في العصور الوسطى. تناقش المادة 23 من المرسوم شرعية الحرب ضد الهراطقة، والتي طبقت على المسلمين باعتبارهم هراطقة. يقرر غراتيان، متبعاً القديس أوغسطين، حق الكنيسة في مصادرة ممتلكات الهراطقة، مما قدم تبريراً قانونياً للغزو والحملات الصليبية. ويوضح الفصل أن الفقهاء اللاحقين، مثل رايموند دي بينيافورت في القرن الثالث عشر، طوروا هذا المبدأ ليؤكد شرعية استعادة الأراضي التي كانت مسيحية سابقاً، مثل الأراضي المقدسة وإسبانيا، معتبرين أن الحكم الإسلامي فيها غير شرعي.

أخيراً، يناقش الفصل "الاسترداد" (Reconquista) في شبه الجزيرة الأيبيرية. يشرح كيف استغل ملوك الممالك المسيحية الشمالية، مثل فرديناند الأول ( 1035-1065) وألفونسو السادس ( 1065-1109)، ضعف خلافة قرطبة بعد الحرب الأهلية. ويصف التدخلات المتعاقبة لكل من المرابطين (منذ 1086) والموحدين (منذ 1147)، والتي انتهت بهزيمتهم الحاسمة في معركة العُقاب عام 1212، مما مهد الطريق لغزوات كبرى مثل سقوط قرطبة (1236) وإشبيلية (1248). يبين المؤلف كيف طوّر المؤرخون القشتاليون أيديولوجية "الاسترداد"، معتبرين ملوكهم الورثة الشرعيين للملوك القوط الغربيين، وبالتالي فإن الحكم الإسلامي هو مجرد احتلال غير شرعي. ويظهر ذلك في سيرة القديس يعقوب (سانتياغو) الذي أصبح رمزاً لهذه المعارك، حيث صورت المؤرخون الجيوش المسيحية كأداة لتطهير الكنائس المدنسة وإعادة العبادة المسيحية الصحيحة.

يقر المؤلف بحدود هذه الأيديولوجيات، مشيراً إلى أن الممالك المسيحية والإمارات الإسلامية كانتا على استعداد للتحالف مع بعضهما ضد أعداء مشتركين، كما حدث بين ملوك أراغون والمرابطين أو بين السلطان الكامل والإمبراطور فريدريك الثاني، الذي حصل على القدس بموجب معاهدة عام 1229. وبالمثل، استخدم سلاطين مثل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي دعوة الجهاد لتوحيد الصفوف الإسلامية واسترداد الأراضي، لكنهم لم يترددوا في محاربة خصومهم المسلمين بنفس الحدة، إن لم يكن أكثر، كما حدث مع اتهام الموحدين للمرابطين بالكفر قبل أن ينقلبوا على المسيحيين. يلمح النص إلى أن الحجج الدينية كانت غالباً أداة قوية في الصراعات السياسية الداخلية بقدر ما كانت دافعاً للحرب ضد "الآخر" الديني.

3.65–93▼ ملخص

يتناول هذا الفصل المحوري الوضع الاجتماعي والقانوني للأقليات الدينية في كل من المجتمعات الإسلامية والمسيحية في العصور الوسطى، مركزاً على فكرة "الحماية مع التبعية". الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أنه على الرغم من أن النصوص المقدسة والقوانين فرّقت بوضوح بين المؤمنين وأتباع الديانات الأخرى، وجعلت هؤلاء في مرتبة أدنى، إلا أن هذه التبعية النظرية لم تمنع في كثير من الأحيان أفراد هذه الأقليات من تحقيق نجاح اقتصادي واجتماعي، كما أن تطبيق القيود النظرية كان متفاوتاً بشكل كبير عبر الزمان والمكان. يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مقارنة منهجية بين وضع "الذميين" في المجتمعات الإسلامية في أوروبا (الأندلس وصقلية) ووضع المدجنين (المسلمين الخاضعين للحكم المسيحي) في أيبيريا وصقلية وبلاد الشام، لينتهي بمناقشة شاملة لموضوع الرق وتبادل الأسرى.

يبدأ الفصل بتعريف وضع "الذمي" كما يحدده الفقه الإسلامي، مستنداً إلى الآية القرآنية 9:29 التي تفرض على أهل الكتاب دفع الجزية "عن يد وهم صاغرون". يوضح المؤلف أن القيود التي عرفت لاحقاً باسم "شروط عمر" لم تكن مفروضة دفعة واحدة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (634-644)، بل تطورت تدريجياً خلال القرنين الأولين للهجرة، وتم تدوينها بشكل كامل على يد العالم الأندلسي الطرطوشي (توفي 1126). هذه الشروط تضمنت منع بناء كنائس وأديرة جديدة، وحظر إظهار الشعائر الدينية علناً كرفع الصوت بالصلاة أو قرع النواقيس، وفرض قيود على اللباس. ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن وضع المسيحيين في الأندلس، وهم "المستعربون" (الموزاربيون). يشير المؤلف إلى جدل المؤرخين حول أعدادهم ودرجة اندماجهم، ويذكر أنهم كانوا الغالبية العظمى بعد الفتح الإسلامي في القرن الثامن، لكنهم كادوا أن يختفوا تماماً بحلول منتصف القرن الثاني عشر. يقدم الفصل تفسيراً لذلك لا يعتمد فقط على التحول الطوعي للإسلام، بل أيضاً على افتقار المناطق الريفية إلى الهيكل الكنسي (أساقفة وكهنة) مما أدى إلى فقدان الأجيال المتعاقبة للسرائر المسيحية كالمعمودية. على النقيض، في المدن الكبرى مثل قرطبة وطليطلة، حافظ الأساقفة المسيحيون على علاقات وثيقة مع بلاط الخلفاء الأمويين.

يوضح الفصل أن العلاقة لم تكن بسيطة، فقد كانت قيود الذمة تخفف أو تشدد حسب الظروف، مستشهداً بفترة الاضطهاد في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996-1021)، كحالة شاذة، قوبلت بالاستنكار وأعقبها عودة إلى الممارسات المعتادة. ثم ينتقل إلى فترة ملوك الطوائف (1031-1090) والتي تراجعت فيها القوة السياسية للمسيحيين، لكنهم لم يتعرضوا لاضطهاد كبير على الرغم من تزايد التهديد المسيحي من الشمال، وهو تناقض لافت مع ما حدث لليهود في غرناطة الذين تعرضوا لمذبحة عام 1066. مع قدوم المرابطين (1090-1147)، ساءت الأوضاع بشكل ملحوظ، إذ أصر الفقهاء على تطبيق قيود أكثر صرامة، مثل منع المسلمين من أداء "الأعمال الدنيئة" للذميين، بل واتهام المسيحيات بالفسق. يذكر الفصل أن القائد يوسف بن تاشفين هدم الكنيسة الرئيسية في غرناطة عام 1099، مما دفع بعض المسيحيين إلى التحالف مع الملك الأراغوني ألفونسو الأول، الذي قام بغارة في 1125-1126 وأعاد توطين الكثير منهم في أراغون، بينما نُفي آخرون إلى المغرب. أما في صقلية، فبقي نحو نصف السكان مسيحيين حتى نهاية الحكم الإسلامي، محتفظين بصلات مع القسطنطينية، على عكس الحال في الأندلس حيث انهارت مملكة القوط الغربيين تماماً.

بعد ذلك، ينقلب السيناريو ليتناول وضع المسلمين (المدجنين) تحت الحكم المسيحي، في أعقاب الغزو النورماندي لصقلية (1072-1091) والحروب الصليبية في المشرق (1098-1099) وغزوات الممالك المسيحية في أيبيريا (1085-1248). يشرح الفصل كيف منح الأمراء المسيحيون للمسلمين وضعاً مشابهاً لوضع الذمي، مع ضمانات للحقوق القانونية والدينية وحرية العبادة، ولكن مقابل ضريبة شبيهة بالجزية. يسلط الضوء على أن الحكام النورمان في صقلية لم يكونوا يرغبون في تحول المسلمين إلى المسيحية، بل فضلوا إبقاءهم كفلاحين تابعين لإقطاعياتهم. لكن وضع المسلمين تدهور تدريجياً لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية، وليس فقط دينية. يذكر الفصل شهادة الرحالة ابن جبير الذي زار صقلية عام 1184-1185 ورسم صورة متناقضة: إعجاب ببقاء الإسلام وخوف على مستقبله. وكانت الضربة القاضية على يد الإمبراطور فريدريك الثاني الذي سحق تمرداً إسلامياً (1221-1224) ورحّل حوالي 16,000 مسلم إلى لوسيرا في إيطاليا، حيث استمرت مستعمرة مسلمة حتى عام 1300 عندما تم بيع من لم يعتنق المسيحية كعبيد.

ينتقل الفصل بعدها إلى المقارنة القانونية. في المشرق، بعد الحملة الصليبية الأولى، فرض الإقطاعيون الأوروبيون نظاماً مشابهاً ترك القرى تدير شؤونها الداخلية تحت إشراف زعيم محلي. في أيبيريا، يصف الفصل تنوعاً كبيراً في معاملة المسلمين بعد الغزو، من الإبقاء عليهم في مناطق مثل وادي أبرة (حيث قيل "من لا يملك مورو لا يملك ذهباً")، إلى الاسترقاق الجماعي في منورقة (1235). يشير المؤلف إلى أن قوانين مثل "السييته بارتيداس" للملك ألفونسو العاشر، التي وضعت إطاراً قانونياً واضحاً للمسلمين، تضمنت حقوقاً كحرية العبادة في مساجد تبقى ملكاً للملك، لكنها شددت على التبعية الاجتماعية: منع إقامة الأذان، وحظر العلاقات الجنسية والزواج بين المسلمين والمسيحيات تحت عقوبات قاسية (رجم أو حرق). وكان التعامل مع المرأة المسيحية التي تقيم علاقة مع مسلم أقسى بكثير من التعامل مع علاقة رجل مسيحي بامرأة مسلمة، التي كانت في كثير من الأحيان مقبولة بصمت، خاصة إذا كانت الأمة مملوكة.

يختتم الفصل بمناقشة مكثفة لظاهرة الرق والأسرى. يوضح أن الرق كان جزءاً لا يتجزأ من مجتمعات البحر الأبيض المتوسط، مسيحية وإسلامية على حد سواء، وأن مصير الأسير كان ينحصر بين الفداء، أو المبادلة، أو الاسترقاق. ويقدم أمثلة متعددة على عمليات الفداء الكبيرة، مثلما فعل صلاح الدين الأيوبي الذي قيل إنه فدى 20,000 مسلم، وبايبس الذي عرض مبادلة أسرى مع فرسان الإفرنج الذين رفضوا خوفاً من فقدان حرفيين مهرة. يتناول الفصل مهنة "الفكاك" أو الفلاقيكي المتخصصة في فك الأسرى، ودور الرهبانيات مثل الثالوثيين والمريديين في جمع التبرعات لتحرير الأسرى المسيحيين. ويختم بتحليل الأبعاد الاجتماعية والقانونية للرق، موضحاً أن القانونين الروماني والبيزنطي والمبادئ الإسلامية حرّمت استرقاق أتباع الديانة نفسها أو الذميين، وينتقل لمناقشة مكانة "أم الولد" (الجارية التي تلد من سيدها) التي تظل رقيقة لكنها تحصل على حماية وحقوق، ويختتم بذكر أن تحرير العبيد كان يعتبر عملاً تقياً في جميع الديانات الثلاث، مستشهداً بأحاديث نبوية وأمثلة من سير القديسين البيزنطيين. في نهاية المطاف، يقر الفصل أن وضع الأقليات كان معقداً، متأرجحاً بين الحماية والاضطهاد، بين التبعية القانونية والنجاح العملي، وبين التسامح النظري والعنف الواقعي، تاركاً القارئ مع صورة دقيقة ومتشابكة للتعايش تحت ظلال السيادة الدينية.

4.94–117▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل دراسةً شاملةً للعلاقات التجارية بين أوروبا والعالم الإسلامي في حوض البحر الأبيض المتوسط، منذ فجر الفتوحات الإسلامية وحتى أواخر العصور الوسطى. يرى المؤلّف أن هذه العلاقات لم تقتصر على كونها مجرد مبادلة سلع، بل كانت محركاً رئيسياً للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لكلا الطرفين، حيث انتقلت منطقة البحر المتوسط من هيمنة إسلامية شبه كاملة إلى سيطرة تجارية أوروبية متزايدة، خصوصاً من قبل المدن الإيطالية.

يبدأ الفصل برسم صورة لعالم المتوسط في القرون الإسلامية الأولى، مركزاً على ازدهار المدن كمراكز للقوة والثقافة في مقابل الطابع الريفي لأوروبا. يُظهر الكيفية التي حوّل بها الخلفاء الأمويون المدن مثل دمشق والقدس إلى عواصم تليق بالخلافة، قبل أن ينتقل مركز الثقل إلى بغداد العباسية. ينتقل بعدها إلى الأندلس، التي كانت الجزء الأوروبي المزدهر من العالم الإسلامي، حيث كانت قرطبة المدينة التي لا تُضاهى في الغرب الإسلامي، تليها موانئ مثل ألمرية وإشبيلية. في هذه الفترة المبكرة، كانت أوروبا مجرد شريك ثانوي، وكانت علاقاتها مع العالم الإسلامي مقتصرة على مواد خام مثل الأخشاب والحديد والعبيد، بالإضافة إلى تبادل الهدايا الدبلوماسية الفاخرة بين الحكام، كالفيل أبو العباس الذي أرسله الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى الإمبراطور شارلمان.

ينتقل المحور بعد عام 1000م ليركز على صعود مصر الفاطمية كمركز تجاري عالمي بفضل موقعها الاستراتيجي بين البحر المتوسط والبحر الأحمر وازدهارها الزراعي. يُظهر الفصل كيف أصبحت مصر سوقاً حرة، مستشهداً بوثائق الجنيزا التي تكشف عن شبكة واسعة من التجار اليهود والمسلمين الذين يتاجرون في كل شيء من الكتان والمنسوجات والتوابل إلى السكر والزجاج. في هذه الفترة، لم يكن التجار الأوروبيون يتوافدون بكثافة، لكن الإيطاليين بدأوا يتسللون تدريجياً، واصفاً إياهم بـ"الفرنجة"، وكان حضورهم يرفع الأسعار. يوضح الفصل بعد ذلك صعود المدن التجارية الإيطالية الكبرى بالتفصيل، مثل أمالفي التي كانت رائدة في القرن التاسع، ثم البندقية التي حظيت بامتيازات واسعة في القسطنطينية، وبيزا وجنوة اللتين ملأتا الفراغ الذي خلفه انهيار الخلافة الأموية في الأندلس، وأصبحتا قوتين بحريتين غربيتين، وكانتا تنتقلان بسهولة من القرصنة إلى التجارة المربحة. كما يذكر الدور الذي لعبته الموانئ الكاتالونية مثل برشلونة ومايوركا منذ القرن الثالث عشر.

في جزئه الأخير، يناقش الفصل آليات التبادل التجاري التي كانت مشتركة بين الثقافات، مثل نظامي المشاركة (الشكرة) والمضاربة (القراض) اللذين تبناهما الإيطاليون تحت اسم "الكومندا". كما يصف أدوات الدفع كخطابات الاعتماد والشيكات، وتصميم السفن الشراعية، وأساليب الملاحة، وأخطار القرصنة التي كانت تمثل تهديداً دائماً، مما دفع إلى تشكيل القوافل البحرية. ويتوقف الفصل عند مؤسسة الفندق، تلك الفنادق والمستودعات شبه المستقلة التي حصلت عليها المدن الإيطالية في الموانئ الإسلامية، مما منحها موطئ قدم دائم. يتابع الكاتب بالتحليل الدقيق لتأثير التجارة على الاقتصادين والمجتمعين، فتناول تجارة العبيد التي كانت تصديراً أوروبياً رئيسياً، وتجارة السلاح المحظورة والمربحة في آن، وانتقال تقنية صناعة الورق من العالم الإسلامي عبر شاطبة إلى أوروبا مما أحدث ثورة في الإدارة. كما يناقش صناعة الصوف الأوروبية التي اعتمدت على صبغات وألوان من الشرق، وتأثير التجارة على الأنظمة النقدية، حيث أدى تدفق الذهب الأفريقي عبر المغرب إلى سك العملات الذهبية في فلورنسا وجنوة، في المقابل تسربت الفضة الأوروبية إلى الشرق. يختم الفصل بأن هذه التبادلات غيرت العادات الغذائية والملبسية ودفعت لنمو المدن الأوروبية وصعود طبقة التجار، بينما بقي السلطان السياسي الحقيقي في الشرق في أيدي النخبة العسكرية. ويُقرّ المؤلّف أن هذا النظام بدأ بالتراجع مع اكتشاف طرق المحيط الأطلسي من قبل البرتغاليين والإسبان، مما قوض في النهاية احتكار التجار الإيطاليين والمماليك لطرق التوابل عبر المتوسط.

5.118–160▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل من كتاب "أوروبا والإسلام" على التبادل العلمي والثقافي والديني المكثّف الذي حدث بين العالم العربي والإسلامي وأوروبا اللاتينية خلال العصور الوسطى. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن التبادل التجاري لم يكن منفصلاً عن التبادل الفكري؛ بل رافقه نقل واسع للمعرفة في مجالات الطب، والفلسفة، والعلوم، والفنون، والأدب، وحتى الممارسات الدينية، مما ترك أثراً عميقاً على النهضة الفكرية الأوروبية.

يسير الفصل بخطى منهجية، فيبدأ بعرض الفارق الهائل بين مستوى العلم في العالم العربي وأوروبا اللاتينية في العصور الوسطى المبكرة. يشرح كيف أن الحضارة العربية الإسلامية، تحت الخلافة العباسية وخاصة في عهد الخليفة المأمون (813-833)، استوعبت التراث العلمي اليوناني والفارسي والهندي من خلال حركة الترجمة في بيت الحكمة في بغداد، فتُرجِمَت أعمال أرسطو، وأفلاطون، وإقليدس، وبطليموس، وجالينوس، وأبقراط. في المقابل، كانت أوروبا اللاتينية تعاني من فقر معرفي مدقع، حيث كانت معرفتها بالتراث اليوناني محدودة ومشوهة، ولم تكن تعرف أي من هذه النصوص الأساسية.

ثم يتعمق الفصل في مجال الطب كأهم مثال. يصف كيف أن الأطباء العرب، مثل الرازي (توفي 925 أو 935) وابن سينا (980-1037)، لم يكتفوا بنقل المعرفة اليونانية، بل طوروها ونقدوها. يوضح الفصل كيف أن الرازي، من خلال خبرته السريرية الواسعة، كان يجرؤ على تصحيح أخطاء جالينوس نفسه، فيما قدّم ابن سينا في "القانون في الطب" عملاً موسوعياً منظماً بالمنطق، أصبح المرجع الأساسي لتدريس الطب في أوروبا لقرون. ثم ينتقل إلى حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، بدءاً من قسطنطين الإفريقي (توفي 1087) في إيطاليا الجنوبية، وصولاً إلى ذروتها مع جيراردو الكريموني (1145-1187) في طليطلة، الذي ترجم 73 عملاً علمياً، بما في ذلك أعمال جالينوس، وأبقراط، والرازي، وابن سينا، مما أحدث ثورة في المعرفة الأوروبية. يذكر الفصل أيضاً أن جامعات أوروبا الناشئة، مثل جامعة باريس، قوبلت هذه المعرفة الجديدة بمقاومة، حيث صدرت قرارات تحظر تدريس بعض أعمال أرسطو في عام 1215، لكن هذه الفلسفة العربية اليونانية سرعان ما أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المناهج بفضل فلاسفة مثل ألبرت الكبير (1193-1280) وتوماس الأكويني (1225-1274)، اللذين سعيا إلى التوفيق بينها وبين العقيدة المسيحية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التبادلات الفنية والثقافية. يستعرض أمثلة على التأثير العربي في العمارة الأوروبية، مثل قصر بيترو الأول ملك قشتالة (1350-1369) في إشبيلية المزين بالجصيات والزليج والنقوش العربية، والنمط المعماري "المدجّن" الذي يظهر بوضوح في كنائس طليطلة. كما يتحدث عن تأثير الشعر الأندلسي، مثل الزجل والموشّحات، على نشأة شعر التروبادور في بروفانس. ويذكر كيف أن قصص "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" انتشرت في أوروبا وأثرت على كتّاب مثل بوكاتشيو وتشوسر، وأن الملك ألفونسو العاشر الحكيم ملك قشتالة قاد مشروعاً ضخماً لترجمة العلوم والفلسفة العربية إلى القشتالية، محاكياً بذلك مشروع الخليفة المأمون.

أخيراً، ينتقل الفصل إلى الصراعات والتقاربات الدينية. يعرض الجدالات اللاهوتية بين الفرق الثلاث، مركزاً على وثيقة "رسالة الكندي" التي هاجمت الإسلام بشدة من منظور مسيحي، وعلى أعمال ابن حزم القرطبي (994-1064) الذي قام بدراسة نقدية للكتاب المقدس في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل". ثم يصف جهود الإرساليات التبشيرية المسيحية، خاصة الفرنسيسكان الذين سعوا لاستشهادهم في بلاد الإسلام، والدومينيكان الذين أسسوا مدارس لتعلم العربية. يختتم الفصل بذكر حركة الإنسانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بقيادة شخصيات مثل بتراركا الذي رفض بشدة التأثير العربي، ودعا إلى العودة إلى "نقاء" المصادر اليونانية والرومانية. وفي المقابل، أظهر آخرون مثل بيكو ديلا ميراندولا تقديراً للفلاسفة العرب، لكن تيار العداء للإسلام والتأثير العربي أصبح هو الغالب مع صعود الخطر العثماني، مما أدى إلى إنكار الإرث المشترك لحضارة البحر الأبيض المتوسط.

يعترف المؤلف بحدود هذا الفصل، حيث يوضح في البداية أنه لا يمكن تقديم حصر شامل لكل مجالات التبادل، بل سيركز على أمثلة توضيحية رئيسية. كما يقر بوجود مناقشات مستمرة بين الباحثين حول درجة ونوع التأثير العربي على الشعر الأوروبي، مثل تأثير الموشحات على شعر التروبادور. ترك الفصل بعض الأسئلة مفتوحة حول مدى فعالية الجهود التبشيرية المسيحية، وحول الجدل المستمر في أوروبا حول شرعية الاعتماد على العلوم العربية بين الأطباء والعلماء. ومن الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص، هي الصورة المزدوجة للإسلام والعرب في أوروبا: فهي صورة تجمع بين الاعتراف بالفضل العلمي والحضاري، وبين العداء اللاهوتي والثقافي الذي تصاعد مع مرور الزمن، خاصة مع ظهور الحركة الإنسانية التي فضّلت المصادر اليونانية "الخالصة" على المصادر العربية "الدخيلة".

6.161–198▼ ملخص

يبدأ هذا الفصل بتقديم خلفية تاريخية عن وجود الأتراك والمسلمين في أوروبا قبل العثمانيين، مشيراً إلى أن أوروبا الشرقية لم تتأثر بالفتوحات الإسلامية المبكرة في العصور الوسطى. لكنها لم تكن خالية من الشعوب التركية. فالإمبراطورية البيزنطية تعاملت مع غزاة من السهوب مثل البيتشينغ والكومان والأوز، الذين شبههم الكتاب البيزنطيون بـالسكوثيين القدماء. كما استقرت جماعات تركية في دبروجة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، بقيادة السلطان السلجوقي عز الدين كيكاوس، وكان مرشدهم الروحي ساري صالتوق. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك وجود طويل الأمد لعناصر تركية في الجيش البيزنطي وفي القسطنطينية نفسها، بما في ذلك جنود وتجار ومتسولون ودراويش، مما أثار استياء بطريرك القسطنطينية في القرن الثاني عشر. في القرن الرابع عشر، تدخل السلطان العثماني بايزيد الأول لتعيين قاضٍ للمسلمين في القسطنطينية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى أصول الدولة العثمانية المتواضعة. كان عثمان، مؤسس السلالة، وابنه أورهان على رأس إحدى الإمارات التركمانية (البيليكات) التي تشكلت بعد ضعف سلطنة سلاجقة الروم. بدأت هذه الإمارة تنمو على حساب الممتلكات البيزنطية والإمارات المجاورة. شهد عام 1301 أول اشتباك مع البيزنطيين في معركة بافيوس، وتبع ذلك فتح بروسة (بورصة) عام 1326 لتصبح عاصمة الدولة الفتية. وفي عام 1345، استولى أورهان على إمارة كاراسي ووصل إلى سواحل الدردنيل، وهو تقدم حاسم نحو أوروبا. يصف المؤلف الإسلام العثماني المبكر بأنه حديث وكان ممزوجاً بالمعتقدات المركزية الآسيوية، مما يجعله غير تقليدي. كما يعترف بدور العناصر المسيحية المحلية في نجاح العثمانيين الأوائل، لكنه يؤكد أن الدولة كانت إسلامية في جوهرها، حيث ضرب السلطان العملة وأقام المساجد والمدارس الإسلامية.

يتناول الفصل بعد ذلك العبور الأول للعثمانيين إلى أوروبا. استعان الإمبراطور البيزنطي يوحنا كانتاكوزينوس (1341-1355) بأورهان، الذي زوجه ابنته ثيودورا عام 1346. قاد ابن أورهان، سليمان باشا، العمليات في أوروبا. في عام 1352، حصل على موطئ قدم في تزمبه في تراقيا. وفي ليلة 1-2 مارس 1354، استغل زلزالاً دمر أسوار غاليبولي (جيلي بولو) واستولى عليها. أثار هذا الحدث قلق الغرب، ورد البابا أوربان الخامس بإعلان أول حملة صليبية ضد العثمانيين. لكن وفاة سليمان باشا عام 1357 أوقفت التقدم مؤقتاً. ومع وفاة أورهان عام 1362، كان العثمانيون قد احتلوا جزءاً كبيراً من جنوب تراقيا.

يواصل الفصل شرح الموجة الأولى من الفتوحات في أوروبا الشرقية تحت حكم مراد الأول (1360-1389). يعزو المؤلف النجاحات العثمانية إلى ضعف وتجزئة أوروبا الشرقية سياسياً، بما في ذلك انهيار الإمبراطورية البلغارية والبينية بعد وفاة حكامها الأقوياء (إيفان آسين الثاني وستيفان دوشان). تنافست كل من المجر والبندقية والإمارات الصربية والبلغارية على السلطة، مما أتاح للعثمانيين التقدم. فقد استعاد مراد الأول موطئ قدمه في أوروبا بمساعدة الإمبراطور البيزنطي أندرونيكوس الرابع عام 1376-1377. كان فتح أدرنة (إديرنه) عام 1369 نقطة تحول، فتح الطريق لفتوحات جديدة في بلغاريا وتراقيا ومقدونيا. كانت معركة تشرمن أو ماريتسا في 26 سبتمبر 1371 دموية، حيث قتل فيها أميران صربيان، مما أدى إلى سلسلة من الفتوحات في مقدونيا وصربيا.

يحلل الفصل بعمق معركة كوسوفو وأسطورتها. وقعت المعركة في 15 يونيو 1389 في سهل كوسوفو. يبدد المؤلف الأسطورة الوطنية الصربية التي تصفها بأنها كارثة أنهت استقلال صربيا لقرون، مشيراً إلى أن صربيا كانت مجزأة بالفعل قبل عام 1389. ويؤكد أن تفاصيل المعركة ونتيجتها غير معروفة بدقة. كان الجانبان يتألفان من تحالفات متعددة، بما في ذلك قوات صربية وبوسنية ومجرية وألبانية من جهة، وجنود عثمانيون وأتباع من اليونان وبلغاريا وألبانيا من جهة أخرى. يبدو أن العثمانيين سيطروا على أرض المعركة، لكن النصر لم يكن حاسماً. تميزت المعركة بمقتل السلطان مراد الأول على يد ميلوش كوبيليتش، وأسر وقتل الأمير الصربي لازار، مما أكسبه هالة الشهيد في التاريخ الصربي. كانت النتائج المباشرة محدودة؛ إذ غادر خليفة مراد، بايزيد الأول، المنطقة بسرعة لقمع تمرد، ولم يصبح أمير صربيا الشاب، ستيفان لازاريفيتش، تابعاً للسلطان إلا بحلول عام 1392.

يصف الفصل بعد ذلك فترة حكم بايزيد الأول الملقب بـ "الصاعقة"، والتي تميزت بالسرعة والوحشية. في أوروبا، واجه فلاش الأفلاق ميرتشا، وضم دبروجة، وأنهى وجود الدولة البلغارية التابعة لـ شيشمان بضم تارنوفو عام 1393. حشد أتباعه المسيحيين في سيريس، وحاول فرض حصار على القسطنطينية، واجتاح المجر. أثار هذا التقدم قلقاً في الغرب، مما أدى إلى حملة صليبية جديدة بقيادة ملك المجر سيغيسموند، وشارك فيها فرسان من بورغونديا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا. التقى الجيشان في نيقوبوليس في 25 سبتمبر 1396، حيث سحق العثمانيون الصليبيين، وأُعدم معظم السجناء. عزز هذا الانتصار السيطرة العثمانية على البلقان.

يتناول الفصل بعد ذلك معركة أنقرة (28 يوليو 1402) والفراغ الكبير الذي أعقبها. أدى توسع بايزيد في الأناضول إلى صراع مع تيمورلنك، الذي أتى بجيش جرار وهزم بايزيد وأسره. تسبب هذا في توقف الفتوحات العثمانية وفترة من الحرب الأهلية بين أبناء بايزيد: سليمان في أدرنة، وموسى ومحمد الأول في الأناضول. استغل البيزنطيون والبندقية هذا الصراع لاستعادة أراضٍ وامتيازات. كانت هذه فترة من الفتنة الاجتماعية والدينية، وقادها الشيخ بدر الدين، الذي دَعا إلى المساواة الاجتماعية والاندماج بين الأديان، وتم إعدامه عام 1416. انتهى الصراع بانتصار محمد الأول، الذي أعاد توحيد الدولة بحلول عام 1413، واستمر في توطيد حكمه حتى وفاته عام 1421.

يشرح الفصل فترة حكم مراد الثاني (1421-1451)، والتي شهدت استئناف القتال في أوروبا. استعاد سلانيك من البندقية عام 1430، وواجه مقاومة من القائد المجري الشهير يانيوش هونيادي. بعد سلسلة من الانتصارات والهزائم، تخلى مراد الثاني عن العرش عام 1444 لصالح ابنه البالغ من العمر 12 عاماً محمد الثاني. استغل الصليبيون هذا الوضع لشن حملة، منتهكين الهدنة. عاد مراد الثاني من التقاعد، وعبر مضيق البوسفور بمساعدة جنوة، وسحق الجيش الصليبي في معركة فارنا في 9 نوفمبر 1444، منهياً بذلك محاولات المسيحيين لطرد العثمانيين من أوروبا.

أخيراً، يصل الفصل إلى الحدث المحوري: فتح القسطنطينية عام 1453. يصف المؤلف الفتح بأنه ضرورة استراتيجية ودينية لـ محمد الثاني الشاب، الذي احتاج إلى إثبات نفسه. كانت المدينة رمزاً وقاعدة للمؤامرات المناهضة للعثمانيين. استعد محمد الثاني ببناء قلعة روملي حصار، وتوفير مدفعية هائلة بمساعدة صانع مجري مرتد، وتطويق القرن الذهبي بحراً. حاصر المدينة في 6 أبريل، واقتحمها في 29 مايو 1453 بعد هجوم نهائي. على الرغم من أن القانون الإسلامي يسمح بنهب المدينة لمدة ثلاثة أيام، إلا أن محمد الثاني حد من النهب ليوم واحد، وشرع فوراً في سياسة إعادة توطين وبناء لتحويل المدينة إلى عاصمته الجديدة، متبنياً فكرة أنه وريث الإمبراطورية الرومانية. يختتم الفصل بذكر فتوحات محمد الثاني اللاحقة في صربيا والبوسنة والمورة وشواطئ البحر الأسود، وحربه مع البندقية، وبناء أسطول عثماني قوي.

يقدم المؤلف تحليلاً متوازناً، معترفاً بغموض بعض الأحداث التاريخية (مثل تفاصيل معركة كوسوفو وتاريخ فتح أدرنة) وصعوبة التتبع الدقيق للأحداث. كما يقر بالطبيعة الهجينة للإسلام العثماني المبكر ودور الحلفاء المسيحيين في صعودهم. يفتح الفصل أسئلة حول نوايا السلاطين، مثل ما إذا كان محمد الثاني ينوي فتح روما، ويثير بعض الحجج القابلة للنقاش مثل إضفاء الطابع الأسطوري على معركة كوسوفو في الوعي الصربي، واعتبار فتح القسطنطينية حدثاً ذا أبعاد أسطورية في الإسلام.

7.199–216▼ ملخص

يسعى هذا الفصل إلى تفكيك الصورة النمطية للإمبراطورية العثمانية في أوروبا، مقدمًا إياها كفضاء معقد ومتعدد الأوجه، لا يمكن اختزاله في فكرة "نير تركي" موحد أو صراع ديني بسيط. يتمحور الموضوع المحوري حول طبيعة السيطرة العثمانية على أجزاء واسعة من جنوب شرق أوروبا (التي شكلت ربع أو ثلث القارة في العصر الحديث)، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه السيطرة كانت غير متجانسة، متدرجة، وأكثر تسامحًا نسبيًا مما توحي به الصور النمطية، حيث حافظت الأغلبية المسيحية على هويتها الدينية والثقافية في ظل نظام قانوني وإداري إسلامي.

يسير الفصل خطوة بخطوة بتقسيم أوروبا العثمانية إلى ثلاث دوائر متدرجة من حيث درجة السيطرة. الدائرة الخارجية تشمل مناطق مثل مولدافيا، الأفلاق، ترانسيلفانيا، والتي كانت دولًا تابية تدفع الجزية وتحتفظ بمؤسساتها ونخبتها المحلية (مثل الأمراء voivodes) مع تدخل عثماني محدود. مثال على ذلك، أن أمراء هذه المناطق كانوا يُختارون من العائلات الكبرى التي غالبًا ما تلقت تعليمها في إسطنبول. الدائرة الانتقالية (مثل اليونان، ألبانيا، صربيا، البوسنة) كانت تحت حكم عثماني مباشر لكن مع بقاء مساحات واسعة من الحكم الذاتي، خاصة في المناطق الجبلية مثل شبه جزيرة ماني أو جبل آثوس، حيث استمرت الأنظمة القبلية التقليدية. أما الدائرة الداخلية (أو روميليا بالمعنى الضيق) فتشمل بلغاريا، تراقيا، تساليا، مقدونيا، وهي الأكثر اندماجًا في الدولة العثمانية، حيث يمثل المسلمون (أتراك أو بلغار معتنقون للإسلام يُعرفون بـ بومق) وزنًا ديموغرافيًا ملحوظًا في بعض المدن. ترتبط هذه الدوائر بفكرة أن الفتح العثماني في أوروبا لم يخلق قطيعة كاملة، بل اصطف إلى حد كبير على الانقسام القديم بين روما والقسطنطينية.

يستخدم الفصل أدلة تاريخية وديموغرافية لتأكيد فكرة استمرار الأغلبية المسيحية. يعتمد على دراسات أ. ل. بركان لسجلات التعداد العثماني، مبينًا أنه في 1520-1535، لم يشكل المسلمون سوى 18% من سكان روميليا (195 ألف أسرة مسلمة مقابل 863 ألف أسرة مسيحية). وبعد قرنين، في تعداد 1831، ورغم تقلص الأراضي العثمانية وتدفق المهاجرين المسلمين، ظل المسلمون أقلية بنسبة 37.5% (500,697 ذكرًا بالغًا مسلمًا مقابل 833,994 مسيحيًا). يوضح الفصل أن أوروبا العثمانية كانت "متعددة الطوائف"، حيث لم تقم الدولة بسياسة تنصير قسري. هذا التنوع شمل أيضًا الجاليات اليهودية، ولا سيما في سالونيك التي أصبحت مدينة ذات أغلبية يهودية، نتيجة لاستقبال العثمانيين لليهود السفارديم المطرودين من إسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر.

لتفسير ضعف الأسلمة، يقدم الفصل سببين رئيسيين: الأول هو محدودية الاستعمار التركي، الذي تركز في القرون الأولى بعد الفتح وتوقف فعليًا بعد منتصف القرن الخامس عشر، مما جعل العنصر المسلم عبارة عن طبقة رقيقة من الإداريين والجنود والتجار. والثاني هو السياسة العثمانية القائمة على الذمة، وهو قانون إسلامي يمنح غير المسلمين (الذميين) حرية العبادة مقابل دفع جزية خاصة والالتزام بقوانين تميزهم، مثل منع حمل السلاح أو ركوب الخيل في المدن. هذه السياسة، كما يوضح الفصل، لم تكن فقط نابعة من الدين بل كانت أيضًا براغماتية، حيث أن تحول الذمي للإسلام كان يمثل خسارة ضريبية للدولة. أقر الفصل بأن حالات التحول القسري حدثت في سياقات العنف والحرب، وأبرز مثال على ذلك هو نظام دوشيرمة (جمع الأولاد المسيحيين لتحويلهم قسرًا إلى جنود إنكشارية أو إداريين)، معترفًا بأنه يمثل انتهاكًا للشريعة الإسلامية لصالح "سبب الدولة".

في النهاية، يخلص الفصل إلى أنه رغم أن الإسلام كان دين الأقلية، إلا أنه كان الدين السائد والمهيمن سياسيًا، وهو ما تجلى في بناء الدولة وتعريفها. أما المسيحيون فقد لعبوا أدوارًا اقتصادية بشكل أساسي، مع وجود استثناءات حيث احتفظ بعض النبلاء المسيحيين بإقطاعياتهم (تيمار) في الفترة الأولى للفتح. يترك الفصل قضايا مفتوحة، مثل الأسباب المتنوعة للتحولات الجماعية في مناطق مثل البوسنة وألبانيا، ويشير إلى أن الحكم العثماني، بتركه للبنى المحلية والهويات الدينية قائمة، قد وفر بالفعل الأساس الذي ستنبني عليه النهضات القومية في البلقان لاحقًا.

8.217–247▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل دراسةً معمّقةً لصورة الإسلام والعثمانيين في المخيال المسيحي الأوروبي خلال العصر الحديث المبكر، مركزاً على جذور العداء المستمرة منذ العصور الوسطى. يرى المؤلف أن الرفض المسيحي للإسلام لم يقتصر على اعتباره ديناً باطلاً، بل تجاوز ذلك إلى وصفه بالهرطقة والوثنية قبل الاعتراف به كدين منافس خطير يهدد بقاء المسيحية ذاتها. ينتقل المؤلف ليؤكد أن هذه العداوة الموروثة استمرت بقوة في العصر الحديث، مستشهداً بإعادة طبع كتب جدلية قديمة مثل كتاب "Contra sectam mahumeticam" للدومينيكاني ريكولدو دا مونتيكروتشي عام 1509، وأعمال أخرى مثل كتاب "Contre l’Alcoran" للكارتوزي دينيس فان ريكيل عام 1533، والذي أُهدي إلى فرديناند من هابسبورغ المحارب ضد العثمانيين. كما يذكر مشروع الناشر تيودور بوشمان (بيبلاندر) الذي جمع نصوصاً عن الإسلام في كتاب واحد ضمّ ترجمة لاتينية قديمة للقرآن وتحذيرات من لوثر وغيره، مما يدلّ على استمرار روح الرفض القاطع.

يوضح الفصل أن الخطاب العدائي في تلك الفترة سعى إلى تقديس الصراع مع العثمانيين، محوّلاً الحرب ضدهم إلى "حملة صليبية" جديدة وواجب ديني مقدس. يُشير المؤلف إلى أن مصطلح "مسلم" حلّ محله تدريجياً مصطلح "تركي" ليصبح مرادفاً للعدو. يُركّز على كيف أن التقدم العثماني في أوروبا، وخاصة بعد سقوط القسطنطينية، ولّد شعوراً بتهديد وجودي للمسيحية في قلب أوروبا نفسها. يستشهد بخطب البابا بيوس الثاني (إينياس سيلفيو بيكولوميني) الذي وصف فيه الوضع بأنه "جرح في وطننا" في أوروبا، وأعلن أن الحرب ضد الأتراك ضرورة لإنقاذ الدين. وعلى الرغم من فشل الحملات الصليبية الكبرى مثل حملتي نيكوبوليس (1396) وفارنا (1444) بسبب الانقسامات المسيحية والتفوق العسكري العثماني، إلا أن فكرة الحملة الصليبية ظلت حية. يُفصّل المؤلف الجهود الدبلوماسية الفاشلة لتوحيد الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية لمواجهة الخطر، مثل مجمع فلورنسا (1439)، والتي قوبلت برفض شعبي في القسطنطينية، ويتطرق إلى الموقف المأساوي الذي انتهى بعبارة منسوبة للأرستقراطي البيزنطي نوتاراس: "عمامة السلطان أفضل من القبعة الرومانية".

يستعرض الفصل الانتصارات المسيحية القليلة التي تم تضخيمها إعلامياً لتغذية الروح المعنوية، مثل فك حصار بلغراد (1456) بقيادة يوحنا كابسترانو، ومعركة ليبانتو البحرية (7 أكتوبر 1571) حيث تم الاحتفاء بالنصر بفنّيته العظيمة (لوحات تيتيان وفيرونيزي وموسيقى بيترو فينتشي). يُظهر المؤلف كيف تم تصوير هذه الانتصارات، حتى المحدودة منها، على أنها تدخل إلهي وعلامة على نصر المسيحية المحتوم، مستمراً هذا التقليد حتى فك حصار فيينا (1683) الذي أُعلن بفرح عظيم. يُضرب المثال بـ 800 ضحية في مدينة أوترانتو (1480) الذين تم تقديسهم كشهداء. ويختم هذا القسم بالإشارة إلى استمرار فكرة الحملة الصليبية في أذهان النبلاء الأوروبيين، الذين كانوا يرون في القتال ضد العثمانيين واجباً يتجاوز الانتماءات الوطنية، وفي خطط وأحلام بعض المفكرين مثل لايبنتز الذي قدم مشروعاً لغزو مصر للويس الرابع عشر.

بالانتقال إلى موقف البروتستانت، يناقش الفصل تحولاً جوهرياً في موقفهم من الأتراك. في البداية، سادت نزعة انهزامية لدى مفكرين مثل لوثر وإيراسموس، حيث رأوا في الغزوات العثمانية عقاباً إلهياً على خطايا المسيحيين، وبالتالي يجب عدم مقاومتها. بل إن لوثر نفسه صرح عام 1520 بأن مقاومة الأتراك هي مقاومة لإرادة الله. لكن سرعان ما تغير هذا الموقف مع تصاعد الخطر العثماني، خاصة بعد سقوط بودا وموهاكس (1526) وحصار فيينا (1529). عندها، بدأ نفس هؤلاء المفكرين يدعون إلى حرب لا هوادة فيها ضد "عدو المسيح". ومع ذلك، ظلوا منتقدين للآليات المؤسسية للحملة الصليعية البابوية (مثل صكوك الغفران وفِي النذور)، مطالبين بـ "نزع البابوية" عن الحرب ضد العثمانيين وتحويلها إلى واجب مسيحي عام. يُضرب المثل بـ فرانسوا دو لا نو، وهو هوغونوتي، الذي أقرّ بفائدة البابا والإمبراطور في حرب مقدسة، لكن من منطلق براغماتي لا عقائدي.

يخصص الفصل جزءاً كبيراً لفحص كيف تم تقديم العثمانيين ليس فقط كأعداء دينيين، بل كبرابرة متوحشين. يسرد المحاولات الفكرية لتأصيل "البربرية التركية" من خلال ربط أصولهم بالشعوب القديمة، حيث تم التخلي عن فرضية نسلهم من طروادة لصالح فرضية الأصل السكوثي، وهو ما يتوافق مع الصورة النمطية عن همجية البدو. استُخدمت "أدلة" على بربريتهم مثل: قتل الإخوة بين المطالبين بالعرش، تعدد الزوجات، اللواط، وتدمير 120 ألف مجلد أثناء فتح القسطنطينية. ويستشهد المؤلف بـ مونتين وشاتوبريان اللذين كررا فكرة أن الإسلام دين يزدري العلم والفنون. هذه الصورة البربرية جعلت من المشروع أخلاقياً، بل وضرورياً، معاملة الأتراك بقسوة مماثلة، حيث يروي الفصل حوادث قطع رؤوس القادة الأتراك ووضعها على الرماح، بل وحادثة مروعة عن إجبار نساء التتار على أكل أطفالهن بهدف الترويع.

يتطرق الفصل إلى تمايز المواقف الأوروبية حيال التهديد العثماني بين الشعوب التي لم ترَ تركياً ولو مرة واحدة والتي نظل تهديداً نظرياً، وبين شعوب أوروبا الوسطى ودول البحر المتوسط التي عايشت الغزو. لدى هذه الأخيرة، اتخذ التهديد بعداً وجودياً يتعلق بالوطن والأسرة، وليس فقط بالدين. أدى ذلك إلى تحول العثماني إلى "عدو وراثي" (Erbfeind) وتهديد للنظام الاجتماعي، مما استدعى حرباً عادلة وضرورية. ومن المثير للاهتمام أن الفصل يكشف عن ظاهرة "الإغراء التركي" (Türkenhoffnung)، حيث فضل الفلاحون والمضطهدون الحكم العثماني على حكم النبلاء المسيحيين أو الكنيسة الكاثوليكية، كما في شعار "أفضل التركي على البابوي" (eher Türkisch als Päbstisch). لمواجهة هذا، صورت الدعاية المسيحية النظام العثماني كنظام طغياني استبدادي، حيث الجميع عبيد للسلطان الذي يملك حق الحياة والموت.

في المقابل، يقدم الفصل الرؤية الإسلامية والرسمية العثمانية للصراع، مستندة إلى مفهوم "دار الحرب" و"دار الإسلام". يُقدم الجهاد والغزو كواجب ديني لتوسيع رقعة الإسلام، وتعلو اللغة الدينية الحربية على الوثائق الرسمية. يُطلق السلاطين على أنفسهم "غزاة الغزاة" و"سيد المجاهدين"، وجيوشهم هي "جيوش الإسلام المنصورة". يُستشهد بمراسيم السلطان سليم الثاني التي تصف أسلافه كسلالة "هدفها الجهاد ونصيبها الغزو"، وفي رسالة النصر بعد فتح كافا (1475) يتم وصف الحملة في إطار ديني مانوي صرف: "قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله". وتظهر هذه النصوص العثمانيين كمدافعين عن الدين ومحررين للأرض من "الشرك والضلال".

يختم الفصل بمناقشة أسطورة "التفاحة الذهبية" (أو التفاحة الحمراء)، وهو رمز حلم السيطرة العالمية الذي قاد الجيوش العثمانية نحو الغرب. يوضح المؤلف أن هذه الأسطورة تختلف عن مفهوم الجهاد لكنها تتضافر معه. يُشير إلى نص تاريخي من كتاب "سلطوق نامه" (نحو 1473) حيث يُرى السلطان مراد الأول في المنام، ويُؤمر بالتوجه من أدرنة لغزو العالم حتى بلوغ "التفاحة الحمراء". يذكر أن المدن التي مثلت التفاحة الحمراء تغيرت مع الوقت، ولكن المثير أن أول مدينة ورد ذكرها هي كولونيا (في ألمانيا)، وليس القسطنطينية. يطرح المؤلف تفسيراً لذلك، مقتفياً أثر الباحث ستيفان يراسيموس الذي يعيد أصل الأسطورة إلى أسطورة غربية حول نقل رفات المجوس الثلاثة إلى كولونيا، حيث يصبح "التفاحة الذهبية" (Reichsapfel) التي قدمها أحد المجوس للطفل المسيح رمزاً للسلطة الإمبراطورية التي يتطلع إليها العثمانيون. هذا البحث في أصل الأسطورة يُظهر تداخل التصورات والطموحات بين الشرق والغرب، مختتماً الفصل بتأكيد تعقيد دوافع الصراع الذي تجاوز العداء الديني البسيط ليشمل أساطير وأحلاماً بالهيمنة العالمية.

9.248–273▼ ملخص

يُشكّل هذا الفصل دراسةً تحليليّةً لـالحدود الإسلاميّة-المسيحيّة في أوروبا، وهي ليست مجرد خط سياسي يفصل بين دول، بل هي فاصل حضاري وديني عميق، يُنظر إليه من الجانبين كعلامة على حالة غير طبيعية. يرى المسيحيون هذه الحدود كجرح يبتر جزءاً من قارتهم، بينما يراها العثمانيون كدليل على فشل رسالتهم في نشر الإسلام، مما جعل تقبّل فكرة الحدود الثابتة عملية صعبة واستغرقت وقتاً طويلاً.

يسير الفصل بتسليط الضوء على الرموز التي جسّدت هذا الانقسام، مشيراً إلى أن الحدود امتدت، في أقصى اتساع للدولة العثمانية، من بحر قزوين إلى البحر الأدرياتيكي. فعلى الجانب المسيحي، كانت الحدود البولندية والهنغارية تُعتبر "أسواراً للمسيحية"، بينما أطلق العثمانيون على ثلاث من قلاعهم الحدودية اسم "سدّ الإسلام"، ولقّبوا بلغراد بـ "دار الجهاد". كما تطورت لدى العثمانيين روحانية خاصة بالحدود، حيث كان يُعتقد أن الأولياء والقادة الروحيين يتدخلون في المعارك ضد الأعداء. وعند ترسيم الحدود في المعاهدات، استُخدمت رموز دينية واضحة: الصلبان من الجانب المسيحي والأهلة من الجانب الإسلامي.

على الرغم من هذا الاستثمار الرمزي الكبير، يوضح الفصل أن الحدود كانت في الواقع منطقةً محمّلة بالتناقضات، فهي فصل وتواصل في آن واحد. لقد كانت خطاً مصطنعاً يقسم أحياناً مجموعات بشرية متشابهة عرقياً أو دينياً، مثل الصرب والكروات. كما أنها لم تكن ذات معنى للرعاة الرحّل أو الصيادين الذين يتنقلون بحثاً عن الموارد. لذا، مثلت الحدود مكاناً للتوتر المستمر والمناوشات، ولكنها كانت أيضاً مسرحاً للتبادل والاتصال. كلا الطرفين اعتبر وجودها أمراً غير مقبول من الناحية المبدئية، مما دفع إلى تطوير أنظمة دفاعية معقدة، لكنها لم تكن سوراً متصلاً، بل نقاط حصينة وقلاعاً في العمق.

يتناول الفصل بالتفصيل أنظمة الدفاع على طول هذه الحدود، وبخاصة الحدود الهابسبورغية التي تشكلت بعد معركة موهاج عام 1526 وتقسيم مملكة المجر. أنشأ آل هابسبورغ ما عُرف بـ "الحدود العسكرية"، وهي منطقة خاضعة للإدارة العسكرية النمساوية ممتدة من الكاربات إلى البحر الأدرياتيكي. ولحماية هذه الحدود، اعتمدوا على مزيج من المرتزقة الألمان، الذين اشتكى منهم المجريون لفظاعتهم، والمستوطنين الجنود من الصرب الأرثوذكس، مما أدى إلى "ألمنة" المنطقة وتجريدها من طابعها الوطني. كما ينتقل الفصل ليصف الحدود البحرية، مركزاً على أهمية الدفاع عن المضائق المؤدية إلى إسطنبول مثل الدردنيل والبوسفور، حيث بنى العثمانيون قلاعاً لحماية عاصمتهم.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى حدود التتار والسهوب في الشمال الشرقي، حيث لم تكن هناك حدود خطية بل مناطق شاسعة خالية تسمى "الأراضي البرية"، والتي نشأت منها أوكرانيا. من أبرز الظواهر التي نشأت هنا "القوزاق"، وهم في الأصل فلاحون هاربون من الإقطاع وأصحاب رؤوس متمردة، استوطنوا في منطقة لا حياد فيها بين المسيحية والإسلام. لقد أصبحوا جيشاً لا يتبع دولة، يشنون غارات بحرية حتى على مقربة من إسطنبول. يوضح الفصل كيف كان القوزاق، والمقاتلون الآخرون مثل "الأوسكوك" في كرواتيا و**"الهايدوك"** في المجر، يمثلون مجتمعات بديلة على الحدود، استفادت منها السلطات لقمعها ثم قامت بدمجها. كما يشير إلى أن العثمانيين أيضاً استعانوا بمجندين محليين من السلاف مثل "اليرلي كول" و**"المارتولوس"**.

أخيراً، يُفرد الفصل مساحة لظاهرة القراصنة البربر في شمال أفريقيا، الذين حوّلوا البحر الأبيض المتوسط الغربي إلى حدود إسلامية-مسيحية. يصف الفصل هؤلاء القراصنة بأنهم امتداد لظاهرة "رجال الحدود"، الذين تجمعهم دوافع دينية واقتصادية في آن. يناقش دور "المرتدين"، وهم مسيحيون اعتنقوا الإسلام، وغالباً لأسباب انتهازية، وتولّوا مناصب قيادية في الجزائر وتونس وطرابلس، مثل علي بيتشينينو الذي حكم الجزائر. يقدر الفصل أن أعداد الأسرى المسيحيين في الجزائر بلغت حوالي 27,000 بين عامي 1580 و1680، وأن نحو مليون مسيحي قد استعبدوا خلال القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر. في المقابل، كانت مالطا مركزاً للـكورسو المسيحي، حيث أسر فرسانها الآلاف من المسلمين وأخضعوهم للتجديف في قوادسهم، وهو ما أثار حفيظة السفراء العثمانيين مثل محمد أفندي الذي طالب بفدية الأسرى المسلمين في مرسيليا، مؤكداً على عمق هذا الانقسام.

10.274–345▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوعًا محوريًا هو التناقض بين الخطاب الإيديولوجي المتصلّب الذي يصف العلاقات بين أوروبا والدولة العثمانية كصراع دائم لا يقبل الحل، وبين الواقع العملي الذي يكشف عن وجود أصوات ومواقف متنوعة ومتناقضة تخترق هذا الخطاب. يقدّم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن فكرة المواجهة المطلقة والمستمرة هي فكرة مجردة لا تصمد أمام الفحص الدقيق للتاريخ، فإلى جانب الإيديولوجيا التي تدعو للحرب، كانت هناك دائمًا قوى دافعة نحو التعاون، كالواقعية السياسية، والمصالح التجارية، والفضول الفكري، وحتى الإعجاب التكنولوجي المتبادل.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مستعرضًا أولاً القيود العملية التي حالت دون تحقيق المشروع العثماني التوسعي الكامل، والتي تجلت في الصعوبات اللوجستية والجغرافية والمناخية التي واجهتها الجيوش العثمانية، مثل بطء التقدم في الحملات المجرية بسبب الأمطار والفيضانات، أو فشل حملة أستراخان عام 1569 بسبب المسافات الشاسعة. لم تقتصر هذه القيود على العوامل الطبيعية، بل شملت أيضًا قدرة الخصم الأوروبي على التكيف والمقاومة، وهو ما تجلى في سياسة الأرض المحروقة والانسحاب المنهجي. يذكر الفصل على سبيل المثال توتر السلطان سليمان القانوني نفسه في حملة 1552، معبرًا عن استيائه من تمكن أعدائه من شن غارات على أراضي دولته.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة ظاهرة "النبوءات" التي كانت منتشرة في الوجدان العثماني، والتي تعكس بَثَّ الشك والقلق الوجودي حول مستقبل الدولة، على النقيض من الخطاب الرسمي الذي يصرّ على "النصر الدائم". يشرح المؤلف كيف أن نبوءات مثل نبوءة "بني الأصفر" (التي حُددت هويتهم بشكل متغير بين الفرنسيين والألمان والروس) كانت مصدر قلق حقيقي، وتكشف عن "عُصاب التجسس" والريبة من الغرباء، وهو ما يناقض الصورة النمطية للعثماني الواثق من نفسه ومن تفوقه.

ثم ينتقل الفصل إلى حقل الدبلوماسية، مفصلاً كيف استمرت العلاقات الدبلوماسية بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية، وكيف وجدت مبررًا شرعيًا لها داخل المذهب الحنفي. يوضح الكاتب كيف أن مبدأ "الهدنة" (sulh) المؤقتة كان الأداة القانونية الإسلامية لتعليق الحرب دون الاعتراف بسلام دائم. ويستعرض تطور مدة هذه الهدنات عبر الزمن، من بضعة أشهر إلى عشر سنوات ثم إلى هدنات مدى الحياة مع دول مثل بولندا، مما يعكس تطور ميزان القوى تدريجيًا. ويشير إلى أن معاهدة سيتفاتوروك عام 1606 شكلت نقطة تحول بمدة 20 عامًا، وأن معاهدة بلغراد عام 1739 كانت آخر معاهدة محددة المدة (27 عامًا) قبل أن تصبح المعاهدات مع النمسا وروسيا "أبدية" لاحقًا، مما يعني القطيعة النهائية مع المبدأ الإسلامي الكلاسيكي.

يُخصص الفصل قسماً هاماً لموضوع "التحالف المقدس" أو "غير المقدس"، موضحًا كيف أن الدول الأوروبية، رغم إدانتها للتحالف مع "الكافر"، كانت تسعى إليه لموازنة القوى، وأشهرها تحالف فرنسوا الأول ملك فرنسا مع سليمان القانوني ضد هابسبورغ. يوضح الفصل المفارقة في أن هذا التحالف الفعلي لم يكن ممكنًا أن يحصل على صفة قانونية رسمية، سواء من الشريعة الإسلامية أو من القانون الكنسي الذي يحرّم "impium foedus". لذلك، كان يتم التعبير عنه بمصطلحات عاطفية مثل "الصداقة" بدلاً من "التحالف"، مع الحرص الدائم من الجانب العثماني على التأكيد على مكانته العليا.

يتناول الفصل بعد ذلك "الامتيازات" (Capitulations) كآلية قانونية بديلة خدمت أغراضًا سياسية وتجارية معًا. يشرح أن هذه الامتيازات، التي تستند إلى مبدأ "الأمان"، كانت تمنح ضمانات وحصانات للتجار الأجانب. ويؤكد المؤلف أن الامتيازات لم تكن مجرد معاهدات تجارية بقدر ما كانت أداة دبلوماسية تعترف بالتحالف السياسي وتكافئه. فامتيازات فرنسا، خاصة تلك التي تم تجديدها عام 1740 بعد وساطة الماركيز دو فيلنوف في معاهدة بلغراد، كانت مثالاً على ذلك. ويختتم هذا القسم بالإشارة إلى أن محاولة ملك بروسيا فريدريك الثاني في ستينيات القرن الثامن عشر الحصول على تحالف رسمي كتبعة لطلب الامتيازات قوبلت بالرفض من علماء الدين، مما يبين الحدود التي لم تكن الإمبراطورية مستعدة لتجاوزها آنذاك.

يختتم الفصل بوصف بيرا (غلطة) كمركز للمكائد الدبلوماسية الأوروبية على الأراضي العثمانية، حيث تنافست السفارات الأوروبية على النفوذ والأسبقية. يوضح المؤلف أن العثمانيين، ورغم امتناعهم عن إرسال سفراء مقيمين إلى أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر (لأسباب تتعلق بالكبرياء الإمبراطوري)، قبلوا وجود سفراء أوروبيين مقيمين في عاصمتهم. يشكل هذا الحي الدبلوماسي مرآة عاكسة لانقسامات أوروبا وتوازناتها، مما يجعل من السلطان حَكَمًا بين الدول المسيحية المتناحرة.

في النهاية، يُقرّ الفصل بحدود هذا الاندماج، مشيرًا إلى أن العلاقات مع العثمانيين بقيت في "منطقة رمادية" بين الواقع والقانون، غير قابلة للتطبيع أو التنظير الكامل. يُضرب المثل بمشاعر الملك شارل التاسع ملك فرنسا الذي أمر بإقامة احتفالات عامة ابتهاجًا بفشل العثمانيين في حصار مالطة، رغم أنه كان ابن حليف السلطان. ويختتم الفصل بالإشارة إلى مفكرين قلائل مثل إيميريك كروسي الذي تجرأ على اقتراح إدراج السلطان في نظام دولي أوروبي، لكنه سرعان ما تراجع عن رأيه، مما يؤكد صعوبة تجاوز الحاجز الإيديولوجي.

ملاحظة أخيرة: يقدّم الفصل حجّة قابلة للنقاش مفادها أن التطبيق الفعلي كان أكثر تعقيدًا من الصورة النمطية للصراع. قد يرى البعض أن المؤلف يبالغ في تقدير أهمية الأصوات "المخالفة" ويقلل من شأن القوة الدائمة للإيديولوجيا في تشكيل السياسات. ومع ذلك، يظل التحليل رصينًا في كشفه عن التناقض بين ما يُقال وما يُفعل في العلاقات الدولية، وهو تناقض لا تخلو منه السياسة الدولية حتى اليوم.

11.346–369▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التحول الحاسم في موازين القوى بين أوروبا والعالم الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، مقدّماً تفسيراً لتفوق أوروبا العسكري والتقني وبداية هيمنتها على جيرانها المسلمين. يرى المؤلف أن هذا التفوق لم يكن نتاج ثورة صناعية متأخرة، بل كان نتاجاً لتراكم معرفي وتقني بدأ منذ نهاية القرن الخامس عشر، تغذّته ثورة الطباعة التي خلقت فضاءً أوروبياً مشتركاً للمعرفة، وطوّرت الدولة الأوروبية الحديثة نفسها عبر الحروب المستمرة.

يبدأ الفصل برسم صورة لأوروبا في القرن الثامن عشر كفضاء ثقافي وسياسي متمايز، حيث أصبحت الطباعة والصحف والكتب وسيلة لخلق وعي قاري مشترك، بينما بقيت بقية العالم، بما في ذلك الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى، في عالم المخطوطات. ويشير إلى أن الإمبراطوريات الإسلامية الثلاث (العثمانية، والصفوية، والمغولية) كانت لا تزال قوى ردع هائلة في أوائل القرن السابع عشر، لكن تفوقها كان مبالغاً فيه في الخطاب الأوروبي عن "الاستبداد الآسيوي". ومع ذلك، يوضح الفصل أن نقطة التحول بدأت قبل الثورة الصناعية، وتحديداً في المجال البحري حيث تفوّقت التكنولوجيا والعلوم الأوروبية بفضل استثمارات الدولة والبرجوازيات التجارية. هذا التفوق البحري تُرجم إلى قدرة عسكرية، تجلّت بوضوح في شبه القارة الهندية.

يصف الفصل معركة بلاسي في 23 يونيو 1756 كنقطة فاصلة، حيث هزم جيش قوامه 3,000 رجل، ثلثاهم من الجنود الهنود (سباهية)، جيشاً ضخماً لحاكم البنغال. هذا الانتصار، الذي جاء في سياق التنافس الفرنسي-البريطاني، مثّل بداية الغزو الإقليمي البريطاني. بحلول 1764، سيطرت شركة الهند الشرقية على البنغال بأكملها، التي كان عدد سكانها حوالي 40 مليون نسمة، أي أربعة أضعاف سكان بريطانيا العظمى. وفي الطرف الآخر من العالم الإسلامي، يشير الفصل إلى حرب 1768 الكارثية بين الدولة العثمانية وروسيا، والتي انتهت بمعاهدة كوجوك قينارجه عام 1774، التي اضطرت فيها الإمبراطورية العثمانية للاعتراف باستقلال شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا لاحقاً عام 1779 واعترف العثمانيون بالضم عام 1784) ودفع تعويضات حرب باهظة.

ثم ينتقل الفصل لمناقشة كيف نظرت حركة التنوير إلى الإسلام والشرق بشكل عام. يشرح أن مشروع التنوير كان يهدف إلى ترتيب المعرفة وجعلها عقلانية، ومع منتصف القرن، أصبح الهدف هو إدخال العقلانية في النظام الاجتماعي نفسه. في هذا السياق، صار الشرق يُنظر إليه كـ "ماضٍ في الحاضر"، وهو مكان يمكن من خلاله فهم تاريخ أوروبا نفسه. يصبح العرب، في هذا التحليل، مكافئين تاريخيين للأوروبيين المعاصرين بسبب حبهم للعلوم، لكنهم تدهوروا بسبب التعصب الديني والحكم التركي. أما الأتراك، فوصفوا كشعب من الغزاة الشماليين الذين أنتجوا "استبداداً عسكرياً" لا الحريات التي أنتجها الغزاة الجرمانيون. هذه الصورة الجديدة للاستبداد الشرقي لا تصوره كنظام قوي ومرعب، بل كنظام ظالم يتبع قاعدة تناقص العوائد، حيث ينهك المجتمع الذي يحكمه ويضعف قوته حتماً.

يتناول الفصل الترجمة السياسية لهذه الأفكار، حيث يرى أن عصر التنوير، وخاصة في العقود الأخيرة من القرن، عمل على تحويل المعرفة إلى فعل سياسي، أدى إلى إصلاح المؤسسات الإنسانية. هذا المنطق نفسه طُبّق على العالم الإسلامي. فمع الثورة الفرنسية، أصبح "التجديد" (régénération) هو الشعار، وهو عملية تهدف إلى خلق مجتمع جديد من الأفراد المتساوين في الحقوق، أي "الأمة". بالتماسك الفكري، حرّر الثوار اليهود في فرنسا كأفراد، ولكن ليس كجماعة. كما أنهم اعتبروا أن تجديد أوروبا هو مرحلة جديدة في عملية تاريخية للحضارة، وهذه العملية عالمية بطبيعتها، والعالم الإسلامي هو أقرب جيرانها وأكثرهم معرفة بها.

في الجزء الأخير من الفصل، يُحلل المؤلف العلاقات الأوروبية المتزايدة مع العالم الإسلامي، بدءاً من الوضع داخل الدولة العثمانية. في أعقاب معاهدة 1774، بدا أن الإمبراطورية العثمانية أصبحت محكومة بالتقسيم بين القوى الأوروبية، مما أثار جدالاً بين المفكرين الأوروبيين. بعضهم رأى أنها شجرة يابسة، وآخرون اعتقدوا بإمكانية إصلاحها. وزير الخارجية الفرنسي فيرجين يؤمن بإمكانية الإصلاح العثماني، فأرسل بعثات عسكرية لتحديث الجيش والتعليم. في المقابل، قوبلت هذه السياسة بمقاومة شديدة من الانكشارية والنخب الدينية والمحافظين. يُظهر الفصل أيضاً كيف أن بعض الفرنسيين، وخاصة بعد الثورة، حلموا بـ "تحرير" الهند من السيطرة البريطانية، مما أدى إلى فكرة الحملة على مصر كخطوة أولى.

يختتم الفصل بتفصيل الحملة الفرنسية على مصر، التي يعتبرها ليست مجرد مغامرة سياسية، بل تتويجاً لقرن من التفكير في طبيعة المجتمع الإسلامي والتحولات الجيوسياسية. يجادل بأن الهدف الأساسي كان ضرب بريطانيا في الهند. الابتكار الخاص لـ بونابرت هو اعتقاده أن الإسلام يحتوي على محتوى ثوري يمكن توظيفه لصالح الفرنسيين. قدم الفرنسيون أنفسهم كأعداء للمسيحيين (الكاثوليك) واحترموا السلطات الدينية الإسلامية، وتظاهر بونابرت بأنه مبعوث من الله. ومع ذلك، فإن 1798-1801 كانت فترة دمار ومآسٍ لمصر، على الرغم من أن بعض المصريين أعجبوا بالعلوم الجديدة والمطبعة والإدارة الفرنسية. يختم الفصل بأن الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي خرجت متغيرة تماماً من هذه الحروب، حيث أصبحت النجاة السياسية تتطلب الاندماج في النظام السياسي الأوروبي، وأصبح القادة المحليون مضطرين لطلب الحماية الأوروبية.

في القسم الأخير، يصف الفصل حالة العالم الإسلامي في فترة الحروب النابليونية، ويسلط الضوء على الجهود العثمانية والفارسية للتحديث العسكري، ومواجهة الضغوط الأوروبية، ودور الهند كحجر زاوية في الجيوسياسية العالمية، حيث أصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية تجسيداً كاملاً لـ "الاستبداد العسكري" الذي وصفته فلسفة التنوير. ويختتم الفصل بالإشارة إلى نهاية عصر القرصنة في البحر المتوسط بقرارات مؤتمر فيينا، وتدمير الأسطول الجزائري من قبل الأمريكيين والبريطانيين، مما يمثل نهاية حقبة تاريخية كاملة في العلاقات المتوسطية ويؤكد ضعف المغرب العربي أمام التوسع الأوروبي.

12.370–393▼ ملخص

يُعالج هذا الفصل موضوع العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مركزاً على كيفية تحول مفهوم "الحضارة" من أداة خطابية إلى غطاء لمشاريع التوسع والهيمنة. يطرح المؤلف فكرة أن التدخلات الأوروبية وردود الفعل الإسلامية عليها قد أسست لنمط من العلاقات الثقافية والسياسية المتشابكة، حيث يستعير كل طرف خطاب الطرف الآخر لأغراضه الخاصة.

يبدأ الفصل بدراسة حالة مصر تحت حكم محمد علي الذي استولى على السلطة عام 1805. يصفه المؤلف بأنه مؤسس إمبراطورية إسلامية، أعاد إرساء سيطرة الدولة على الأراضي والقضاء على المماليك عام 1811. اعتمد محمد علي على "البيت"، وهي حاشية من الأتراك والألبان والشركس، سعياً لتكوين جيش حديث بمساعدة مستشارين أوروبيين، منهم قدامى محاربين نابليون. يُظهر المؤلف أن محمد علي كان أول حاكم مسلم يستخدم خطاب "الحضارة" للتأثير على الرأي العام الأوروبي، فابتداءً من عام 1821 روّج لفكرة أنه يؤسس الحضارة في مصر.

في هذا السياق، يبرز دور رفاعة الطهطاوي، الذي أرسل ضمن أول بعثة تعليمية مصرية إلى فرنسا أواخر عقد 1820. يشرح المؤلف أن الطهطاوي صاغ مصطلح "التمدُّن" لترجمة مفهوم "الحضارة" في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، ممزوجاً بين العقل البشري والوحي الإلهي، لتأسيس مفهوم "الحضارة الإسلامية" الذي اعتمده المصلحون اللاحقون. يحذر الفصل من أن هذا التلقي للعلوم والتقنيات دون استيعاب منطقها الأساسي قد يشكل خطراً.

ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن أوروبا، حيث أصبح الشرق ملهمًا للحركة الرومانسية. يستشهد المؤلف بـفيكتور هيغو الذي رأى في الشرق مصدراً للعظماء، ممثلاً بـعلي باشا. يشرح كيف غذت نظرية الغزو الآري والاكتشافات اللغوية فكرة أن أصول أوروبا في الشرق، مما أدى إلى اعتبار الإسلام في الهند دخيلاً يجب إزالته، وهي فكرة تبنها لاحقاً قوميون هنود.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تطبيق مبدأ القوميات، بدءاً من اليونان. يشرح كيف أن ثورة اليونان عام 1821 وضعت القوى الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، روسيا) في مأزق بين دعمها للمسيحيين وتمسكها بمبدأ الشرعية المُقرّر في مؤتمر فيينا. بعد تدخل عسكري، أدى معركة نافارين البحرية في 20 أكتوبر 1827 إلى تدمير الأسطول العثماني-المصري، وانتهى الأمر بتأسيس دولة يونانية صغيرة بموجب معاهدة لندن ومعاهدة أدرنة عام 1829. يطرح الفصل هنا سؤالاً جوهرياً: هل يمكن تطبيق مبدأ القوميات على المسلمين أنفسهم؟

يجيب الفصل عن هذا السؤال من خلال دراسة حالة الجزائر. يصف الحملة الفرنسية عام 1830 بأنها جاءت نتيجة لأسباب عرضية مثل حادثة المروحة، لكنها تندرج ضمن التوسع الأوروبي العام. بعد الغزو، واجه الفرنسيون تناقضاتهم: فبينما أعلنوا أنهم جالبو الحضارة، مارسوا العنف وهاجموا المؤسسات الإسلامية. يُبرز الفصل شخصية الأمير عبد القادر الذي وحد القبائل العربية، وتعامل معه الفرنسيون كأنه يمثل "مملكة عربية"، رغم أن قاعدته كانت قبلية ودينية وليست قومية. يُظهر المؤلف أن الفكرة العربية التي تبنّاها الفرنسيون انعكست لاحقاً في خطاب الأمير نفسه. بعد أزمة المشرق 1840-1841، تحولت سياسة فرنسا إلى غزو شامل ووحشي، تبرره بوصف السكان بأنهم "همج". ويقتبس الفصل تحذيراً من توكفيل من أن التحول إلى استعمار استيطاني سيؤدي حتماً إلى صراع وجودي بين العرقين.

يُكمل الفصل تحليله عبر دراسة حالة سوريا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. يشرح أن الوجود المصري بقيادة إبراهيم باشا استخدم خطاباً عروبياً مع الأوروبيين، بينما حافظ على خطاب إسلامي مع السوريين. طبق إبراهيم باشا إصلاحات مركزية صارمة كالتجنيد الإجباري ونزع السلاح والمساواة الضريبية، مما أثار ثورات عنيفة من الفلسطينيين عام 1834 والدروز عام 1838. انتهى الوجود المصري بمعاهدة لندن في 15 يوليو 1840 التي أجبرته على الانسحاب، مما رسّخ ثقافة التدخل الأوروبي.

يختتم الفصل بـ"إشكالية الغزو". بعد عام 1840، انقسم العالم الإسلامي إلى قسمين: تحت السيطرة الأوروبية المباشرة، أو تحت الوصاية غير المباشرة. يصف المؤلف حروب الغزو في الجزائر، والقوقاز، وأفغانستان والهند بأنها حروب إبادة وترويع، بسبب المقاومة اليائسة التي واجهها الأوروبيون. يذكر أمثلة مثل الإمام شامل في القوقاز والتمرد الهندي عام 1857 (ثورة السيبوي). يُظهر الفصل أن القوة الأوروبية أصبحت تعتمد على التكنولوجيا الصناعية (السكك الحديدية، التلغراف) وليس فقط على الموارد. يخلص إلى أن العنف المرعب في هذه الحروب خلق جروحاً لا تزال تؤثر على العلاقة بين العالم الإسلامي وأوروبا بعد قرن ونصف.

أخيراً، يشير الفصل إلى أن الحرب أنتجت معرفة. فقد أنشأ الفرنسيون في الجزائر "مكاتب عربية" لدراسة المجتمع الأصلي، وتم ترجمة ابن خلدون لفهم النظام القبلي. لكن هذه المعرفة خلقت صورة مشوهة، حيث تم إسقاط صورة العصور الوسطى الأوروبية على المجتمعات المغزوة. بينما كانت أوروبا تتجه نحو الديمقراطية، كانت قيم المستعمرين في مستعمراتهم رجعية، حالمين بعالم طبقي لا يتغير، مما أنتج تناقضاً صارخاً مثل "الجزائر الفرنسية" التي كانت جزءاً من فرنسا لكنها خاضعة لقوانين الغزو القاسية.

13.394–428▼ ملخص

يتمحور هذا الفصل حول إشكالية الإصلاح في الدولة العثمانية والعالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر، ويقدم المؤلف أطروحة مفادها أن الإصلاحات لم تكن مجرد استجابة للضغوط الأوروبية، بل كانت أيضاً نتاجاً لتطورات داخلية في المجتمعات الإسلامية، وإن كانت هذه الإصلاحات قد حُملت بمنطق أوروبي مسيحي فرض نفسه تدريجياً.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليكشف عن التناقضات الجوهرية في هذه العملية. يبدأ بوصف البنية الاجتماعية العثمانية التقليدية، القائمة على مفهوم "العبودية" للسلطان، والتي منعت نظرياً التوارث في النخبة الحاكمة. لكنه يوضح كيف تطورت طبقة من "النبلاء" المحليين (الأعيان) منذ القرن الثامن عشر، وهو تطور داخلي خلق حاجة ملحة للأمن الوظيفي والملكية. هذا التطور الداخلي هو ما جعل فرمان كلخانه في 3 نوفمبر 1839 ممكناً، حيث لم يكن مجرد اقتراض من أوروبا، بل كان استجابة لاحتياجات داخلية، معلناً المساواة بين جميع رعايا الدولة أمام السلطان، بما في ذلك غير المسلمين، متجاوزاً بذلك مفهوم "الأمة" الإسلامية التقليدية. يشير المؤلف إلى أن هذا الإعلان كان موجهاً لجمهورين: المجتمع الإسلامي والقوى الأوروبية.

يتناول الفصل بعد ذلك تشكل النخبة الإصلاحية العثمانية، التي تأثرت بالثقافة الفرنسية عبر الترجمة والدبلوماسية. يظهر هنا تحدي رئيسي: محاولة الأخذ بأفضل ما في كل نظام أوروبي (إدارة فرنسية، جيش بروسي، اقتصاد بريطاني) مما أدى إلى عدم اتساق. كما يبرز دور الصراع النفوذ بين القوى الأوروبية داخل البلاط العثماني، حيث برزت تيارات مؤيدة لفرنسا أو بريطانيا أو روسيا، لكن الهدف الأسمى ظل هو بقاء الدولة.

ينتقل المؤلف إلى موضوع محوري هو "الإسقاط المسيحي لأوروبا"، مبرزاً تناقضاً صارخاً: في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تطالب بإلغاء التمييز ضد غير المسلمين في الدولة العثمانية، كانت هي نفسها بعيدة عن تحقيق ذلك. ففي بريطانيا، لم تحصل الكاثوليك على حقوقهم الكاملة إلا في 1820، وتأخر تحرير اليهود في أماكن كثيرة حتى 1850 و1860، بينما بقيت روسيا معقل الحكم القديم. على الجانب الآخر، في المستعمرات، مثل الهند والجزائر، كان المسلمون يُحرمون من وظائفهم كطبقة حاكمة ويُجردون من ممتلكاتهم. يخلص المؤلف إلى أن أوروبا بعد 1840 لم تعد أوروبا الليبرالية، بل أوروبا التي ترفض الاعتراف بحق القوميات للمسلمين، مما خلق مفارقة: كلما ازدادت الإصلاحات جذباً، زاد التأكيد على أن الفجوة مع أوروبا لا يمكن ردمها.

يتناول الفصل بالتفصيل إشكالية "تحرير غير المسلمين"، والتي أصبحت محور السياسة الأوروبية. يوضح المؤلف أن الحماية القنصلية الأوروبية تحولت إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري، وامتدت لتشمل المسلمين أيضاً، مما جعل القناصل فاعلين محليين. هذا التداخل بين الحماية والولاء فاقم الانقسام الطائفي. في القدس، تنافست القوى الأوروبية (بريطانيا، بروسيا، فرنسا، روسيا) لحماية الطوائف، مما أدى إلى صراع حاد حول الأماكن المقدسة. في لبنان، أدى الصراع بين الدروز والموارنة إلى تدخلات أوروبية. وفي البلقان، مثّل المطالبة الروسية بحماية جميع الأرثوذكس تهديداً وجودياً للدولة العثمانية، مما قاد في النهاية إلى حرب القرم (1854-1856).

ينتقل الفصل إلى نتائج الحرب، وأهمها فرمان 1856 (الخط الهمايوني) الذي يعده المؤلف "النص التحرري الكبير". لكنه يبين مفارقة أساسية: الإصلاح حرر غير المسلمين كجماعات طائفية (Millets) وليس كأفراد. منح كل طائفة حقوقاً وصلاحيات قضائية خاصة، مما أدى إلى ترسيخ "الطائفية السياسية" بدلاً من المواطنة الفردية. يعزز الفصل هذا بنماذج من تونس والمغرب، حيث فرضت الأوروبيون (خاصة فرنسا وبريطانيا) إصلاحات مماثلة عبر "دبلوماسية الزوارق الحربية"، مما أدى إلى تحرير جزئي لليهود ولكنه فتح الباب للهيمنة الاقتصادية والديون الخارجية. يربط المؤلف هذا بفشل سياسة نابليون الثالث في الجزائر، والتي سعت إلى "المملكة العربية" كبديل للاستعمار، لكنها اصطدمت بمقاومة الإدارة والجمهوريين.

في القسم الأخير، يحلل الفصل التحولات الكبرى في الفضاء والهوية خلال ستينيات القرن التاسع عشر. أدت الثورة الصناعية (بواخر، تلغراف، سكك حديد) إلى إعادة هيكلة الفضاء، حيث أصبحت الموانئ الجديدة (مثل بيروت ويافا) نقاط وصل مع أوروبا، مما حول الداخل إلى منتج للمواد الخام. هذا خلق فضاء "عالمياً" جديداً وقلص المسافات، مع افتتاح قناة السويس في 1869 كرمز قوي. على صعيد الهوية، يرى المؤلف أن تحسن الاتصالات ولّد وعياً بـ"عالم إسلامي" جديد، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى "إقليمية" الهويات. في مصر وتونس، شجعت الدولة ذلك للتمييز عن الباب العالي، بينما في البلقان، أصبحت الكنائس الأرثوذكسية "مصفوفات" لهويات قومية جديدة (صربية، بلغارية، يونانية). هذا خلق توتراً عنيفاً بين المسيحيين أنفسهم، وبينهم وبين المسلمين الذين باتوا يُنظر إليهم كغرباء.

أخيراً، يتناول الفصل التيارات الفكرية الناشئة ردا على الإصلاح. ظهر تيار "ليبرالي إسلامي" دعا إلى "أسلمة الإصلاحات" عبر إحياء مفهوم "الشورى" وجعله مرادفاً للبرلمانية، كمحاولة لاستمالة الرأي العام وتجنب اتهام التغريب. في المقابل، ظهر تيار "إصلاح ديني" (سلفي) بزعامة جمال الدين الأفغاني، رأى أن سر قوة أوروبا هو إصلاحها الديني (البروتستانتية)، ودعا إلى العودة إلى أصول الإسلام النقية كشرط للنهضة، وميز بين "الدين الصحيح" و"البدع الشعبية". يختتم الفصل بتحليل لموقف إرنست رينان الأوروبي المعادي للإسلام، والذي يمثل قمة "الإسقاط المسيحي"، حيث رأى أن الإسلام هو "الإنكار الأكمل لأوروبا" ونادى بتدميره، معتبراً إياه تعبيراً عن العقلية السامية الثيوقراطية التي تتعارض مع العقلانية الأوروبية، وهي نظرة استمرت في تشكيل الفكر الأوروبي لعقود.

يكشف الفصل عن إقرار المؤلف بالقيود الكبيرة لهذه الإصلاحات. فبالرغم من نواياها، لم تستطع تحقيق مواطنة متساوية، بل عززت الانقسام الطائفي وأدت إلى ديون خارجية خانقة وفقدان السيادة. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول كيفية التوفيق بين الإصلاح والهوية الدينية، وإمكانية التحديث دون التغريب، وهو صراع لا يزال قائماً. يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي تصوير الإصلاحات من منظور مزدوج (داخلي/خارجي) مما يخفف من وطأة الهيمنة الأوروبية، في مقابل إظهارها كعملية فرض وتدمير شاملة.

14.429–449▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على فترة إمبراطوريات، أي العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وحتى ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث بلغ التوسع الاستعماري الأوروبي في أراضي الإسلام ذروته ثم تحولت طبيعته. الموضوع المحوري هو تحليل منطق القوى الأوروبية الكبرى (فرنسا وبريطانيا أساساً) في بناء إمبراطورياتها داخل العالم الإسلامي، وكيف تفاعل هذا التوسع مع الدولة العثمانية، التي كانت لا تزال إمبراطورية إسلامية مستقلة ولكنها تتهاوى تحت الضغط الأوروبي.

يبدأ الفصل بتناول المنطق الإمبراطوري الفرنسي في أفريقيا. يشرح الكيفية التي ركزت بها فرنسا، بعد تحول التنافس الأوروبي نحو أفريقيا السوداء، على بناء كتلة إفريقية ضخمة. تم ذلك عبر محورين: الأول ينطلق من الساحل الأطلسي نحو الشرق، والثاني من شمال أفريقيا جنوباً عبر الصحراء الكبرى لملء "الفراغات" الجغرافية. يوضح الفصل التوتر بين ثقافتين عسكريتين: "جيش أفريقيا" القادم من الصحراء وضباط شؤون الأهالي، والجيش الاستعماري القادم من أفريقيا السوداء، مع قواته المحلية كالسنغاليين. كانت الوحشية والتجارة التقليدية (كالتجارة والغارات) تُستبدل بنظام جديد يُحظر فيه الغزو وتُلغى العبودية تدريجياً. يُخصّص الفصل اهتماماً خاصاً للخوف الأوروبي من "التهديد الإسلامي" ممثلاً في الطرق الصوفية، وخاصة السنوسية، ويصفها تقارير عسكرية فرنسية في 1888 بأنها "دعاية تهدف لتجميع أجناس الإسلام ضد الغزو الغربي". هذا الخوف غذى علم الإثنوغرافيا الاستعماري الذي صنّف السكان وحدّد الأعداء. يُشير الفصل أيضاً إلى نموذج فرنسي خاص في الحكم، حيث لم تكن هناك حركة استعمارية شعبية كبرى بل "الحزب الاستعماري" وهو مجموعة ضغط نخبوية تتكون من برلمانيين وعسكريين وديبلوماسيين وأكاديميين ورجال أعمال، اجتمعوا في مؤسسات مثل لجنة أفريقيا الفرنسية (التي تأسست عام 1890)، والتي ساهمت في وضع برامج التوسع مثل اختراق المغرب.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى دراسة المنطق الإمبراطوري البريطاني في مصر، والذي يختلف جوهرياً عن المنطق الفرنسي. فبينما كانت فرنسا تسعى لبناء كتلة متصلة، كانت بريطانيا تركز على السيطرة على طريق الهند. احتلال مصر، الذي اعتُبر مؤقتاً في البداية، كان موجهاً لاستعادة النظام المالي وضمان دفع الديون، وإعادة السلطة الشكلية للخديوي. يبرز الفصل المواجهة غير المباشرة بين فرنسا وبريطانيا من خلال "سياسة المضايقة" التي انتهجتها فرنسا عبر صندوق الدين وبقاء الامتيازات الأجنبية، بينما تصدت بريطانيا لحلم فرنسا بإنشاء جسر على النيل عند فاشودة عام 1898، مما أدى إلى أزمة دولية كبرى انتهت بانسحاب فرنسا. أثر هذا الحدث على السياسة الداخلية الفرنسية، حيث تحولت القومية اليمينية لصالح التوسع الاستعماري. بعد هذه الأزمة، أصبح السودان تحت حكم ثنائي مصري-بريطاني. ثم يناقش الفصل الفكر الاستعماري البريطاني ممثلاً في شخصية اللورد كرومر، الذي اعتبر حكم مصر مهمة أخلاقية طويلة المدى. بالنسبة لكرومر، الإسلام ليس مجرد دين بل نظام اجتماعي قديم لا يمكن إصلاحه دون تدمير نفسه، ولذا فإن التحديث يعني التخلي عن القيم الأصلية. هذا التصور خلق مسافة بين المحتل والمحتَل، وأدى إلى تبني مواقف متناقضة: تشجيع الإصلاح التحديثي من ناحية، والرفض العملي لنتائجه من ناحية أخرى، مع ازدراء واضح للمصريين المحدثين وتمجيد "البدوي الأصيل".

يخصص الجزء الثالث والأكبر من الفصل لـ الدولة العثمانية باعتبارها نقطة التقاء الإمبراطوريات. هنا، يصف الفصل سياسة السلطان عبد الحميد الثاني، القائمة على الحكم المطلق والهوية الإسلامية وتحديث الدولة (إدارة، تعليم، مواصلات) في محاولة للحفاظ على تماسك الإمبراطورية في وجه الضعف المالي والتدخل الأوروبي. يشرح الفصل كيف أن التكامل مع أوروبا (مثل خط سكة حديد الشرق السريع الذي وصل لباريس عام 1888) كان في نفس الوقت أداة للسيطرة، عبر إدارة الديون العثمانية التي أنشئت بعد إعلان الإفلاس عام 1881. في هذه الفترة، تحولت فرنسا إلى المستثمر الأول وبريطانيا إلى الشريك التجاري الأول، بينما أصبحت ألمانيا قوة صاعدة بفضل تقاربها مع السلطان. يخصص الفصل مساحة واسعة للحديث عن الرافد الثقافي الفرنسي في الإمبراطورية العثمانية، حيث أصبحت اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى للحداثة والثقافة، مدفوعة بجهود الإرساليات الكاثوليكية و"التحالف الإسرائيلي العالمي"، مما أدى إلى ولادة "الفرانكوفونية الشرقية" و"حضارة المَرور" (Passage) التي جسدها مفهوم "الشرق" (Levant).

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى معالجة الأزمات الجديدة في المشرق، مركزاً على نقطتين: مسألة الأرمن ومسألة مقدونيا. فيما يخص الأرمن، يشرح الفصل كيف تحولت الهوية الطائفية إلى هوية وطنية إثنية متأخرة عن البلقان، مما خلق توتراً في الأناضول الشرقية. الأزمة التي بدأت في ربيع 1894 بين الفلاحين الأرمن والأكراد تطورت إلى موجة من العنف الطائفي والترحيل القسري بعد المظاهرات التي نظمها الثوار الأرمن في إسطنبول عام 1895، والمعروفة بـ"مجازر الحميدية"، والتي أوقعت عشرات الآلاف من الضحايا. يقدم الفصل صورة معقدة للمسؤولية، مشيراً إلى أن السلطان لم يكن يريد هذه الفوضى، بل إنها كانت نتاج انهيار آليات التعايش المجتمعي وتهديد القبائل الكردية بالتمرد ضد السلطة المركزية. أما بالنسبة لمقدونيا، فيصفها الفصل بأنها أرض الفوضى، حيث تداخلت الإثنيات والأديان وتنافست أربع دول بلقانية (اليونان، صربيا، بلغاريا، رومانيا) عبر منظمات إرهابية سرية، وهو ما يعتبره الفصل ولادة مبكرة للعنف الإرهابي الحديث مع عمليات السطو والحرق واختطاف القطارات.

يخلص الفصل إلى أن نتيجة عهد عبد الحميد الثاني كانت محصلة متناقضة: نجاح نسبي في تعزيز الدولة وتحديثها مع خسارة إقليمية محدودة (كريت بشكل رئيسي)، مقابل تآكل السيادة عبر السيطرة المالية والاقتصادية الأوروبية، وتهدد أسس التعايش الداخلي بسبب الأزمات الوطنية والمجازر وردود الفعل الثورية، وتصاعد النفوذ الألماني كحليف جديد للباب العالي. في حجج قابلة للنقاش، يلمح الفصل إلى أن السياسة الأوروبية في هذه المرحلة، رغم خطابها الأخلاقي حول حماية المسيحيين، فضّلت الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية ككيان ضعيف وسهل الاختراق على تفكيكها، لأن هذا الوضع كان يخدم مصالحها الاقتصادية وأيديولوجيتها الإمبريالية بشكل أفضل من إنشاء دول وطنية يصعب السيطرة عليها.

15.450–478▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل مرحلةً حاسمةً من تاريخ العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي، تركّز على فترة ما بين 1890 و 1913، حيث بدأت هيمنة القوى الأوروبية تواجه تحديات داخلية من العالم الإسلامي، في وقت كانت فيه التوازنات السياسية الأوروبية نفسها تتغير بشكل دراماتيكي. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الفترة شهدت ولادة أولى الحركات الثورية الإسلامية، ليس كرد فعل بسيط على الاستعمار، بل كنتيجة لتفاعل معقد بين عوامل داخلية (كالإصلاح والمقاومة للاستبداد) وعوامل خارجية (كالتنافس الاستعماري واندلاع الحروب).

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف الحالة الفكرية في العالم الإسلامي، حيث كانت الأفكار الثورية مرفوضة تقليدياً لأنها تهدد وحدة المجتمع. بينما ركز الإصلاحيون في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر على نقد الاستبداد ومحاولة "أسلمة" الخطاب الليبرالي الدستوري الأوروبي. ينتقل الفصل بعدها لدراسة الحالة الفريدة في بلاد فارس، حيث كانت الدولة أضعف وأقل حداثة، مما سمح بظهور أولى الحركات الثورية الإسلامية بمشاركة شعبية واسعة. يشرح المؤلف كيف أن الشاه ناصر الدين، رغم اهتمامه بالإصلاح، لم يستطع احتواء الغضب الشعبي، والذي بلغ ذروته في 1891 في احتجاجات ضد احتكار التبغ لشركة بريطانية. يذكر الفصل أن هذا الاحتجاج، الذي قاده جزئياً جمال الدين الأفغاني من منفاه، شمل تحالفاً بين الإصلاحيين ورجال الدين وأدى إلى إلغاء الامتياز في بداية 1892، معتبراً إياه أول حركة وطنية إيرانية. يتابع الفصل مسار الأحداث: اغتيال الشاه في 1896، وتفاقم الأزمة المالية في عهد خلفه الضعيف مظفر الدين، وتأثير الانتصار الياباني على روسيا في 1905 كدليل على أن دولة شرقية دستورية يمكنها هزيمة أوروبا. يصل الفصل إلى ذروته مع ثورة 1905-1906 في بلاد فارس، والتي أرغمت الشاه على منح دستور في صيف 1906، محوّلاً البلاد إلى ملكية دستورية. لكن الفصل لا يخفي سرعان ما انقلب الوضع، حيث أدى صراع الشاه محمد علي مع الدستوريين، بدعم من روسيا، إلى حرب أهلية، وانتهى بتدخل روسي في 1911 أدى إلى حل البرلمان وانهيار السلطة المركزية، واقتسام بريطانيا وروسيا لبلاد فارس.

ينتقل الفصل بعدها إلى المستوى الجيوسياسي الأوسع، شارحاً كيف أن التوترات الأوروبية الجديدة، خاصة التنافس البحري الأنجلو-ألماني، كانت لها عواقب وخيمة على العالم الإسلامي. يصف المؤلف كيف أن الحلف الودي بين بريطانيا وفرنسا، والاتفاق الأنجلو-روسي في 31 أغسطس 1907، كانا تحالفاً للقوى الاستعمارية الثلاث الكبرى التي تضم أكبر عدد من المسلمين، وكان هدفهما احتواء ألمانيا ومخاوفهما المشتركة من خطر "الجامعة الإسلامية". يوضح الفصل أن هذا التحالف تم على حساب العالم الإسلامي في المغرب، مصر، وفارس. في المقابل، ظهرت ألمانيا كقوة عظمى حامية للإسلام. يتناول الفصل أيضاً التيارات الفكرية الجديدة، مثل "الطورانية" بقيادة المستشرق أرمينيوس فامبيري، والتي أثرت على المثقفين الأتراك في روسيا وأدت إلى ظهور حركة "الطورانية" أو "القومية التركية". على الجانب الآخر، في الهند البريطانية، يصف الفصل التناقض في السياسة الاستعمارية: إدخال الحداثة بينما يتمسك المسؤولون بصورة إقطاعية للهند، مما أثار ردود فعل من النخبة الهندوسية والمسلمة، وساعد في ظهور المؤتمر الوطني الهندي ورابطة مسلمي عموم الهند في 1906، التي أعلنت ولاءها لبريطانيا مقابل ضمان تمثيل سياسي منفصل للمسلمين.

يصل الفصل إلى ذروته الثانية مع ثورة تركيا الفتاة في يوليو 1908 في الدولة العثمانية. يصف كيف أن الجيش في مقدونيا أجبر السلطان عبد الحميد الثاني على إعادة العمل بدستور 1876، ليكون هذا أبعد ما وصل إليه أي بلد مسلم في تبني الأفكار الأوروبية. ولكن سرعان ما واجه النظام الجديد أزمات: إعلان بلغاريا استقلالها، وضم النمسا للبوسنة، وإعلان كريت انضمامها لليونان. يشرح الفصل الجدل الفكري الذي أعقب الثورة بين تيارين رئيسيين: "الغربيون" الذين طالبوا باستيراد الحضارة الأوروبية كاملة، و"الإسلاميون" الذين دعوا إلى الأخذ بالتكنولوجيا الغربية فقط مع الحفاظ على الهوية الإسلامية. يتابع الكاتب الأحداث حتى أبريل 1909 حيث قامت انتفاضة دعمها رجال الدين المحافظون، تلاها مجازر بحق الأرمن، ثم تدخل جيش سالونيك الذي أطاح بالسلطان. يخلص الفصل في هذا القسم إلى أن القوى الأوروبية الليبرالية (بريطانيا وفرنسا) رأت في الثورة خطراً على مستعمراتها، وفضلت الاستقرار الأوروبي والتحالف مع روسيا على دعم الحكم الليبرالي في الدولة العثمانية.

في القسم التالي، يقدم الفصل تحليلاً لمدرسة فكرية مهمة من خلال "لحظة لوشاتولييه". ألفرد لوشاتولييه، مؤسس كرسي "علم الاجتماع والوصف الاجتماعي الإسلامي" في الكوليج دو فرانس، دعا إلى "سياسة مسلمة" جديدة تقوم على فهم "الحركة" وليس "الجوامد". هو رأى أن العالم الإسلامي لم يعد جامداً، بل يمر بتحول، وأن الإسلام يتحول إلى قوميات ودول قومية. يشرح الفصل كيف أن هذه الأفكار قادت الحكومة الفرنسية في 1911 إلى إنشاء "اللجنة الوزارية المشتركة للشؤون الإسلامية"، مما يعكس تحولاً في الفكر الاستعماري الفرنسي نحو محاولة فهم العالم الإسلامي كظاهرة اجتماعية متحركة.

أخيراً، يتناول الفصل القضيتين الفلسطينية والعربية الناشئتين. يصف بدايات الحركة الصهيونية، ودعم إدمون دي روتشيلد للمستعمرات الزراعية، ثم التحول مع تيودور هرتزل نحو الصهيونية السياسية التي أثارت معارضة العثمانيين والبريطانيين. يوضح الفصل أن الهجرة الصهيونية الأولى كادت تندمج في المجتمع المشرقي، لكن مع مجيء المهاجرين الأكثر سياسية وصهيونية من الموجة الثانية (حوالي 1908) بدأت التوترات الأولى ذات الطابع السياسي. في نفس الوقت، ظهرت بوادر الوعي القومي العربي، مع تنبؤات أزوري في 1905 بصراع مستقبلي بين العرب والصهاينة. يربط الفصل بين تخلي "تركيا الفتاة" عن سياسة عبد الحميد الثانية القائمة على وحدة الإسلام، وبين تذمر النخب العربية من سياسات "التركية" المركزية، مما أدى إلى تفاقم الانفصال بين العرب والأتراك، وبلورة مطالب سياسية عربية واضحة ظهرت في المؤتمر العربي في باريس في يونيو 1913. ينتهي الفصل بتغطية موجزة لكنها عميقة لسياسة ليوتي في المغرب التي جعلت منه "منطقة محمية" نموذجية، وللحرب الإيطالية-العثمانية التي فقدت فيها الدولة العثمانية ليبيا في 1912، وللحروب البلقانية المدمرة ( 1912-1913 ) التي كادت تطرد الدولة العثمانية تماماً من أوروبا وأدت إلى بدء الحديث عن مصير باقي أراضيها، خاصة في الشام.

في نهاية الفصل، يتضح للمؤلف أن كل هذه التطورات خلقت وضعاً متفجراً. بينما كانت أوروبا تنقسم إلى معسكرين متعاديين، كان العالم الإسلامي يمر بصحوة قومية ودينية، ولكن في الوقت نفسه يتعرض لأقسى أنواع التجزئة والاستعمار. الحجج التي يقدمها الفصل قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بتأكيده الدائم على أن القوى الأوروبية كانت تتصرف وفق مصالحها الجيوسياسية الضيقة، مما دفعها إلى تفضيل الصراع مع ألمانيا ودعم استبداد حلفائها (مثل روسيا) على حساب الحرية والاستقرار في العالم الإسلامي. هذه المقاربة قد تُقرأ كمحاولة لشرح فشل "الخيار الليبرالي" في العالم الإسلامي قبل الحرب العالمية الأولى، وإلقاء جزء كبير من المسؤولية على القوى العظمى.

16.479–513▼ ملخص

بالطبع، إليك ملخص أمين للفصل السادس من كتاب "أوروبا والإسلام" لهنري لورنس، مع الالتزام التام بالقيود المطلقة.

يتناول هذا الفصل المحوري تحول العلاقات بين أوروبا والعالم الإسلامي خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وما نتج عنها من إعادة رسم للخريطة السياسية في الشرق الأوسط. يقدم المؤلف حجة رئيسية مفادها أن هذه الحرب، التي وُصفت بأنها "حرب أهلية أوروبية"، كانت أيضًا صراعًا من أجل السيطرة على العالم الإسلامي. وقد أدت سياسات القوى الأوروبية المتحاربة، خاصة محاولات كل طرف استغلال المشاعر الإسلامية والعربية لصالحه، إلى تقويض أسس الإمبراطوريات العثمانية والاستعمارية القائمة، مما فتح الباب أمام emergence القوميات الحديثة ونظام الانتداب الذي مثّل شكلاً جديدًا من أشكال الهيمنة الأوروبية، لكنه حمل في طياته بذور تقويضها.

يسير الفصل خطوة خطوة مع تسلسل الأحداث. يبدأ بوصف كيف أن اندلاع الحرب وضع فرنسا وبريطانيا في موقف دفاعي، بسبب خوفهما من استغلال ألمانيا للدعاية "الجامعة الإسلامية" بعد أن استطاعت جر الإمبراطورية العثمانية إلى حربها في 2 نوفمبر 1914. يوضح الفصل أن الدولة العثمانية، بقيادة حزب الاتحاد والترقي، دخلت الحرب بدافع التحرر من الهيمنة الأوروبية، فألغت الامتيازات الأجنبية (الكابيتولاسيون) في 9 سبتمبر 1914. رداً على ذلك، استخدم الحلفاء استراتيجية مزدوجة: في الداخل، حاولوا احتواء الدعاية العثمانية عبر التشكيك في شرعية الخلافة العثمانية لكونها غير عربية، وإصدار فتاوى مضادة من علماء في مستعمراتهم. في الخارج، بدأوا التخطيط لتقسيم الإمبراطورية العثمانية.

يتعمق الفصل في الخطط البريطانية والفرنسية المتنافسة والمتداخلة. فبينما حلمت فرنسا بـ"سوريا الطبيعية" وبسط نفوذها على المشرق العربي، انجذب البريطانيون، وتحديداً خبراؤهم في القاهرة مثل ت. إ. لورنس، نحو فكرة "العربية الخالصة" التي يمثلها البدو. أدت هذه الرؤى المختلفة إلى مفاوضات مشهورة بين السير مارك سايكس وجورج بيكو، والتي توجت باتفاق سايكس-بيكو في مايو 1916، وهو اتفاق سري لتقسيم مناطق النفوذ في المشرق العربي وافق عليه الجميع بما فيهم روسيا التي حصلت على حصة من الأناضول. في الوقت نفسه، كان البريطانيون يتفاوضون مع الشريف حسين، أمير مكة، لدفعه للثورة ضد العثمانيين مقابل وعود بالاعتراف بالخلافة العربية وإقامة دولة عربية، في سلسلة الرسائل المعروفة بمراسلات مكماهون-حسين.

يفصل الكاتب الأحداث العسكرية والسياسية. تتطرق تفاصيل الحرب إلى الحملات العسكرية، مثل الهجوم الفاشل على قناة السويس في فبراير 1915، ومعركة الدارنيل (أبريل-ديسمبر 1915) التي كانت من أكثر المعارك دموية (200,000 قتيل وجريح من الحلفاء مقابل 120,000 من العثمانيين)، وحصار الكوت في بلاد الرافدين. كما يوثق معاناة المدنيين، خاصة عبر سياسة التهجير القسري للأرمن التي تحولت إلى مجازر جماعية راح ضحيتها حوالي ثلثي أرمن الأناضول، والمجاعة في جبل لبنان، والتي تطرح أسئلة حول مسؤولية السلطات العثمانية المباشرة. كما يغطي الفصل امتداد الحرب إلى مناطق أخرى من العالم الإسلامي، مثل بلاد فارس التي أعلنت حيادها في 1 نوفمبر 1914 لكنها اجتاحتها الفوضى والتدخلات العثمانية والروسية والبريطانية، وآسيا الوسطى الروسية التي شهدت تمردًا واسعًا في صيف 1916، وليبيا حيث استمرت مقاومة السنوسية، والمغرب الذي حافظ ليوتي على هيمنة فرنسا فيه.

في المرحلة الثانية من الفصل، ينتقل الكاتب لتحليل "تحول التصورات" بعد التغيرات الكبرى في 1917: الثورة الروسية في فبراير/مارس ودخول الولايات المتحدة الحرب في أبريل. أدخل الرئيس ويلسون مبدأ حق تقرير المصير، مما أربك الخطط الاستعمارية التقليدية. أصبح من الواضح أنه يجب صياغة الأهداف الإمبريالية بلغة جديدة تتماشى مع مبدأ القوميات. كان رد الفعل البريطاني هو تبني الحركة الصهيونية، مما أدى إلى إصدار وعد بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917، والذي رأى فيه البعض أداة للحفاظ على المصالح البريطانية في فلسطين وكسب ود اليهود الأمريكيين والروس. ويشير الفصل إلى أن المفكرين في ذلك الوقت، مثل سايكس ولورنس، تصوروا "ربيعًا لشعوب الشرق" (أرمن، أكراد، عرب، يهود) يعيشون تحت الوصاية البريطانية، متناسين التناقضات الجوهرية بين أهدافهم الوطنية.

الجزء الأخير من الفصل يغطي نتائج الحرب وبداية تشكيل الشرق الأوسط الحديث. بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية بهدنة مودروس في 30 أكتوبر 1918، حاولت بريطانيا وفرنسا تثبيت نفوذهما. أصدرت الدولتان إعلانا مشتركا في 7 نوفمبر 1918 يتعهدان فيه بـ"تحرير" الشعوب التي كانت تحت الحكم العثماني، لكن النية الحقيقية كانت فرض نظام الانتداب، الذي كرسه العمل 22 من ميثاق عصبة الأمم في 28 أبريل 1919. هذا النظام مثّل ذروة الإمبريالية الأوروبية ونهايتها في آن واحد. يشرح الفصل كيف أن بريطانيا، التي بدت قوتها لا تُقهر في بداية 1919، وجدت نفسها مضطرة إلى الانسحاب من المواقع المتقدمة بسبب الضائقة المالية، مما أدى إلى "إمبراطورية المعاهدات" مع دول مثل العراق (التي جُعلت مملكة تحت حكم فيصل الأول في 1921) والأردن ومصر (التي نالت استقلالاً مشروطاً في 1922).

يشير الفصل إلى التطورات الموازية في تركيا وإيران. ففي تركيا، قاد مصطفى كمال أتاتورك حرب استقلال ناجحة ضد الاحتلال الأوروبي، توجت بتوقيع معاهدة لوزان في 24 يوليو 1923 وإعلان الجمهورية في 29 أكتوبر 1923. يُوصف الكمالية بأنها ثورة ثقافية جذرية من أعلى، تهدف إلى بناء دولة-أمة علمانية تنتمي لأوروبا، وذلك عبر "تأريخ" للدولة وإخضاع المؤسسات الدينية لسيطرة صارمة، وإنكار التعددية. في إيران، قام رضا شاه بهلوي بانقلاب في فبراير 1921 وأسس سلالته الحاكمة في 1925، واتبع نموذجًا مشابهاً من التحديث القومي الاستبدادي، مع التركيز على أمجاد إيران ما قبل الإسلام وتقليص دور المؤسسة الدينية الشيعية. يختم الفصل بالإشارة إلى نموذج ثالث في الهند البريطانية، حيث أدى غياب النمط الاستبدادي وسير العملية السياسية نحو اللامركزية إلى تعزيز"السياسات المجتمعية" (الطائفية)، حيث تزايدت الهوية السياسية المنفصلة للمسلمين والهندوس، مما مهد الطريق لمطالبات لاحقة بإقامة دولة مستقلة للمسلمين.

يقر الفصل صراحةً بوجود أسئلة مفتوحة وحدود في التفسير، خاصة فيما يتعلق بالحالات التي لا تزال مثيرة للجدل، مثل مدى مسؤولية الدولة العثمانية المباشرة عن مجاعة جبل لبنان (حيث يذكر أنها "لا تزال قابلة للنقاش"). كما أن الفصل لا يخلو من حجج قابلة للنقاش. ففي وصفه المتكرر للمشروع التحديثي للدول الناشئة (تركيا، إيران) بأنه "طلاق صادم" بين الثقافة الإسلامية والحداثة، و"فخ خطير" يؤدي إلى رد فعل إسلامي محتمل عند أي تراخٍ في الاستبداد، يتبنى المؤلف رؤية تقاربية معينة. كما أن تركيزه على "السياسات المجتمعية" في الهند كنتاج حتمي للتحديث الليبرالي، مقابل النموذج "القومي الاستبدادي" في تركيا وإيران، يمكن النظر إليه كإطار تحليلي يبسّط تنوع التجارب التاريخية. في النهاية، يقدم الفصل رؤية معقدة ومتشابكة لكيفية أن النضال من أجل السيطرة خلال الحرب العالمية الأولى، بدلاً من تعزيز الإمبريالية، أدى إلى إعادة تشكيل جذرية للعالم الإسلامي، واضعًا أسس الصراعات والتوترات التي ستستمر لعقود.

17.514–537▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على التغيرات الجذرية التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية وما بعدها في العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي، ويُجيب عن سؤال محوري: كيف أنهت الحرب الهيمنة الاستعمارية الأوروبية التقليدية، ومهّدت لظهور نظام دولي جديد قائم على القوى العظمى (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) ثم على استقلال الدول الإسلامية، مع ما صحب ذلك من تحديات داخلية وخارجية لم تُحلّ بعد.

يسير الفصل زمنياً وموضوعياً. يبدأ بالحرب العالمية الثانية ذاتها، حيث يصف كيف جرّت أوروبا العالم الإسلامي إلى صراعها دون استشارته، مما أشعل التوترات. ففي الهند، رفض حزب المؤتمر المشاركة، بينما ظلّ المسلمون (الذين دفعهم الخوف من هيمنة الهندوس) موالين لبريطانيا، مما عزّز فكرة إقامة باكستان كوطن للمسلمين. وفي الشرق الأوسط، أصبحت مصر وليبيا ساحتي معركة رئيسيتين. ويُفصّل الفصل كيف تلاعبت القوى الكبرى بالمطالب الوطنية: أعلنت بريطانيا تعاطفها مع الوحدة العربية (1941) ووعدت فرنسا الحرة سوريا ولبنان بالاستقلال (194ط)، لكن ذلك كان يهدف لكسب الولاء في خضم الحرب. وقد استغلت قوى المحور هذه المشاعر لكنها فشلت في تقديم دعم حقيقي للقوميين العرب، واكتفت بتصريحات غامضة (مثل الوعد السري عام 1942). وعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب، حلّت محل بريطانيا كقوة ضاربة، حيث قادت عملية مشعل (إنزال نوفمبر 1942 في شمال أفريقيا)، وأظهرت عداءً واضحاً للاستعمار الأوروبي القديم، وأكدت على حق تقرير المصير، وسعت لتأمين مصالحها النفطية في السعودية، وهذا الأخير أصبح حليفاً استراتيجياً أمريكياً.

ينتقل الفصل بعد الحرب إلى الحديث عن "نهاية العصر البريطاني". فبريطانيا، المنهكة اقتصادياً والمثقلة بالديون (مديونة للهند بـ 1.3 مليار جنيه استرليني)، لم تعد قادرة على الإمساك بإمبراطوريتها. ويسرد الفصل الانسحاب البريطاني الفوضوي من الهند عام 1947، الذي صاحبته مجازر وتقسيم دموي خلّف باكستان. ثم ينتقل إلى انسحابها من فلسطين بعد فشلها في السيطرة على الصراع، مما مهد لقيام إسرائيل وحرب 1948. ويصف تخليها التدريجي عن مواقعها في الشرق الأوسط: إخفاق مفاوضات إخلاء مصر وقناة السويس، مما أدى إلى ثورة الضباط الأحرار (1952) وأزمة السويس (1956) التي كشفت ضعفها، ثم خسارتها العراق (ثورة يوليو 1958)، ثم انسحابها من عدن (1967) ومنطقة الخليج (1971). أما في شمال أفريقيا، فقد استعرض الفصل مسارين مختلفين للاستقلال عن فرنسا: مسار تفاوضي ناجح نسبياً في تونس والمغرب (1956)، حصل بفضل زعامة بورقيبة ومحمد الخامس اللذين استطاعا احتواء القوى الراديكالية والتفاوض مع فرنسا؛ ومسار دموي في الجزائر (حتى 1962)، أدى إلى حرب أهلية وعنف مروّع بين المستعمرين والمستعمرين، وانتهى برحيل مليون أوروبي.

ينتقل بعد ذلك إلى موضوع الهجرة والشتات. يشرح الفصل كيف أن إنهاء الاستعمار، بدلاً من قطع الصلات، أدى إلى تدفق بشري كثيف من العالم الإسلامي إلى أوروبا. راحت بريطانيا تستقبل مهاجرين من شبه القارة الهندية، وفرنسا من المغرب العربي (710,000 جزائري في فرنسا عام 1975)، وألمانيا من تركيا (1.5 مليون تركي في 1983). هؤلاء المهاجرون لم يعودوا مجرد عمال مؤقتين، بل استوطنوا ونشأت أجيال جديدة تواجه تحديات الهوية والاندماج. ويطرح الفصل هنا سؤالاً محورياً: في مقابل "المواطنة الإمبراطورية" التي كانت سارية أيام الاستعمار، كيف يمكن التعامل مع هذا الواقع الجديد؟ ويصف كيف أن النماذج الوطنية تختلف: النموذج الفرنسي القائم على الاندماج (إذابة الفروق)، والنموذج البريطاني القائم على التعددية الثقافية (الاعتراف بالجماعات)، والنموذج الألماني الذي ظلّ لزمن طويل يعتبر الأتراك "أجانب" مؤقتين.

ثم يحلل الفصل عقد ما بعد الاستقلال، أي صعود التيار القومي التقدمي و"العالم الثالث". تبنّت الدول المستقلة حديثاً (مصر الناصرية، البعث في سوريا والعراق) نموذج الدولة الاشتراكية التنموية والاستبدادية، الذي كان معادياً للغرب ورافضاً للتبعية. لكن هذا التيار فشل في تحقيق الوحدة العربية أو التنمية المستدامة. وبمرور الوقت حلّ محله تيار الإسلاموية الذي بدأ يقدم نفسه كبديل "أصيل" للقومية العلمانية "المستوردة من الغرب". هذا الخطاب الإسلاموي، متأثراً بأعمال مثل كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" (1978)، حوّل الصراع من صراع سياسي إلى صراع حضاري وهويّاتي. ويرى الفصل مفارقة: في الوقت الذي كان فيه الغرب يدعم الأنظمة المستبدة "المعتدلة" (مثل نظام صدام حسين في السبعينات أو النظام الجزائري في التسعينات) لمواجهة التطرف الإسلاموي، كان في الوقت نفسه ينتقدها في مجال حقوق الإنسان، مما أضعف شرعيتها وزاد من اتساع الفجوة.

أخيراً، يتناول الفصل العلاقات المعاصرة المعقدة بين أوروبا والعالم الإسلامي، بعد أحداث 11 سبتمبر. لم يعد الأمر يتعلق باستعمار أو هيمنة مباشرة، بل بأمن وأزمات مهاجرين وصراع على القيم. أوروبا (من خلال الاتحاد الأوروبي) أصبحت لاعبة سياسية وأمنية، وهي تواجه تناقضاً: من جهة تسعى إلى بناء شراكة (مثل عملية برشلونة 1995) وتدفع نحو إصلاحات ديمقراطية في جنوب المتوسط، ومن جهة أخرى تتعامل مع هذه الدول بمنطق أمني وقائي خوفاً من الهجرة غير النظامية والإرهاب (الذي ضرب مدريد 2004 ولندن 2005). ويختتم الفصل بنقاش حول العلاقة المستعصية مع تركيا وطلبها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حيث تختلط الحجج الثقافية (هل تركيا أوروبية؟) بالحجج السياسية (القومية التركية، قضايا الأكراد وقبرص) والديموغرافية (عدد سكانها الكبير). يرى المؤلف أن الهوية الأوروبية لم تعد أحادية، وأن هناك "أجزاء داخلية مشتركة" بين أوروبا والعالم الإسلامي لا يمكن تجاهلها، سواء في العرق أو المطبخ أو الأدب، وأن رفض الآخر هو في النهاية شكل من أشكال العنف ضد الذات.

في تحليل شخصي مبني على النص، يمكن القول إن الفصل يُقدّم رؤية جدلية للعلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي، خالية من التبسيط. فهو لا يروي مجرد قصة هيمنة وانكسار، بل يُظهر تعقيدات التبعية والتأثير المتبادل. النقطة الأكثر إثارة للنقاش هي التأكيد على أن أوروبا، بينما تخلت عن سيطرتها السياسية المباشرة، ظلت قوة هائلة في تشكيل المعايير العالمية (حقوق الإنسان، الديمقراطية، وضع المرأة) حتى أن التيارات المعادية لها (الإسلاموية) تستخدم خطاباً يستعير مفردات ما بعد الكولونيالية الغربية. والمشكلة بحسب الفصل هي "فخ الأصالة"، أي الانغلاق على هوية مزعومة غير قابلة للتغيير، وهو فخ يستخدمه طرفا الصراع.