
Le Christianisme des Arabes Nomades sur le Limes et dans le Désert Syro-Mésopotamien aux Alentours de l'Hégire
هذا الكتاب لباحثه P. Henri Charles يسعى للإجابة عن سؤال محوري: كيف نشأت وتطورت حياة مسيحية منظمة لدى القبائل العربية البدوية على الحدود الرومانية الشرقية (الليمس) وفي عمق الصحراء السورية-الرافدينية خلال القرنين السادس والسابع الميلاديين، أي في الفترة المحيطة بالهجرة النبوية؟ الموقف الذي يدافع عنه المؤلف هو أن المسيحية لم تخترق حياة البدو العرب مجرد اختراق سطحي، بل تمكنت من تأسيس بنية كنسية متكيفة مع نمط الحياة الرحِّل، وذلك بفضل عبقرية تنظيمية خاصة تجلت في الكنيسة اليعقوبية (السريانية الأرثوذكسية) وحدها. لكنه يقر باستمرار، وبحذر نقدي، بأن الأدلة المتاحة لا تكفي لقياس عمق الإيمان الفردي لهؤلاء البدو.
يسير الكتاب في بناء حجته وفق منطق زمني وسببي صارم، يبدأ من التمهيد إلى الاستقرار المؤسسي. يفتتح العمل ببيان منهجي نقدي شديد الحذر تجاه المصادر التاريخية الشرقية، معتبراً أنها عديمة القيمة بذاتها ولا تصبح قابلة للاستخدام إلا مدعومة بمعطيات أثرية أو جغرافية. بعد هذا التأسيس المنهجي، ينتقل إلى فحص المرحلة الأولى من الاحتكاك، مركزاً على دور الرهبان والمزارات في جذب البدو. هنا يبرز دور مزار القديس سرجيوس في الرصافة (سرجيوبوليس) الذي كان مقصداً للحجيج من دمشق والعراق، وشخصية القديس سمعان العمودي الذي جذب حشوداً قطعت مسافات تزيد عن 1000 كيلومتر لزيارته. لكن الفصل يظل متحفظاً، معترفاً بأن هذه المظاهر الجاذبة لا تعني بالضرورة تحولاً عقائدياً عميقاً، بل غالباً ما ظلت ممزوجة بالوثنية، مستشهداً بظاهرة "المخيمات الرهبانية" (Parentboles) التي أسسها القديس أوثيميوس كدليل على تنظيم أكثر رسوخاً.
بعد التمهيد بالرهبنة، تنتقل الحجة إلى الصراع الطائفي. يوضح الكتاب كيف تحول البدو إلى ساحة تنافس بين الكنائس الثلاث: الملكية (الخلقيدونية) المدعومة إمبراطورياً، والنسطورية التي ركزت على الحضر وشبه الرحّل في منطقة الحيرة، واليعقوبية. وهنا يظهر التحول الحاسم. يخصص المؤلّف مساحة واسعة لتفصيل نجاح اليعاقبة، ويبدأ بعلاقتهم مع الغساسنة حيث كان المنذر بن الحارث دعامة قوية حتى سقوطه في فخ بيزنطي ونفيه عام 582، مما أفقد المملكة قوتها. لكن التنظيم اليعقوبي استمر وتطور، فقدم مثالاً فريداً هو مؤسسة "أسقف الحِيَر" أو "أسقف القبائل"، وهو أسقف متجول لا يقيم في كرسي ثابت بل ينتقل مع رعيته، وكانت ولايته واسعة امتدت من جنوب الرها وغرب دجلة إلى القدس. ازدهار هذه الكنيسة يظهر في شهادة تاريخية لافتة: حين حرم يعقوب البرادعي هراطقة، أرسل إلى "رؤساء أديرة العربية" في دمشق وتدمر واليرموك، فجاء الرد موقعاً من 157 اسم دير، كلها كانت مأهولة منذ عام 570.
في الشرق، في بلاد الرافدين، يتابع الكتاب قصة نجاح اليعاقبة من خلال شخصية أهودمّى الذي عينه البرادعي نفسه عام 629، وأسس "كنيسة عرب الخيام" في منطقة بيت عربايي (الجزيرة الفراتية العليا). استراتيجيته كانت بناء كنائس على مسارات الترحال وإنشاء رجال دين من نفس القبائل لضمان الديمومة. يذكر الكتاب مثالاً صارخاً على سياسة التوسع اليعقوبية: يوحنا التلي الذي يُقال إنه رسم 170,000 كاهناً، ويعقوب البرادعي الذي اتهم برسم حوالي 100,000 شخص بين أسقف وقسيس وشماس. يقر المؤلف بأن هذه الأرقام أسطورية وتحتاج جدلاً بحثياً، لكنها تعكس قوة الحركة الدينية وبُعدها التنظيمي المنظم.
من الوقائع التي يصعب نسيانها وتظهر المرونة المذهلة لهذه المسيحية الصحراوية، التفاصيل التي يقدمها الكتاب عن الحياة الأسرارية. بناءً على القوانين المجمعية السريانية، نعلم أن المعمودية كانت تتم بالرش الثلاثي بدلاً من التغطيس. والأكثر لفتاً للنظر في سر القربان، أنه كان يُسمح بإرسال القربان المقدس مع شخص عادي أو حتى امرأة موثوقة إلى المرضى في القفار، شرط ألا يُحمل في كيس السرج بل يُعلق على الكتف. بل إن الأساقفة أعطوا تراخيص للاحتفال بالقداس في العراء على ألواح من الإنجيل أو على عصا وشاح عند الضرورة القصوى. هذه التفاصيل تثبت مرونة كنسية قصدت بوضوح خدمة الجماعات المتنقلة.
يقر المؤلف بحدود معرفية واضحة. فهو يعترف مراراً بأن الوثائق لا تسمح بقياس "النتائج الدينية العميقة" لهذا النشاط التبشيري، ويصف إيمان البدو بأنه غالباً ما كان "ظاهرياً وخرافياً ومختلطاً بالوثنية". هناك أيضاً تحفظات منهجية صارمة تجاه الأرقام الأسطورية للرسامات الجماعية التي تظل محل جدل بين الباحثين. كما يترك أسئلة مفتوحة حول المستوى الفعلي للمشاركة الأسرارية للعرب في حياة المخيمات الرهبانية، فهو لا يجد وثائق تحدد مدى ترديدهم للمزامير أو تواتر مناولتهم.
إن كانت هناك حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة، فهي تكمن في التناقض الظاهري بين شك المؤلف العميق المعلن وبين ثراء الأدلة التي يقدمها عن التنظيم الكنسي والرسامات الكثيفة والطقوس المتسامحة. يبدو أن المؤلف يريد التوفيق بين إعجابه الواضح بقدرة الكنيسة اليعقوبية على التكيف وبين عقلانيته التاريخية التي ترفض الاستنتاجات العاطفية. مع ذلك، فإن الأدلة المادية التي يقدمها عن استمرار مؤسسة مثل "أسقف القبائل" لأكثر من ثلاثمئة عام (من القرن السادس إلى التاسع)، واستشهاد زعماء من قبيلة تغلب مثل مُعيض وسَمَعْلَة في أواخر القرن الثامن في عهد الخليفة الوليد – حيث رفضا الإسلام وعذبا حتى الموت – هذه الأدلة تقدم دليلاً ساطعاً على أن المسيحية لم تكن مجرد طقوس قبلية عابرة، بل إيماناً راسخاً استطاع الصمود قروناً بعد الفتح الإسلامي، وهو ما يجعل مزاعم المؤلف بالشك المطلق تبدو أحياناً كاحتراز أكاديمي أكثر من كونها حقيقة تاريخية ثابتة.
الأشخاص
الفصول(4)
1.الجزء الأول: تأثير المسيحية المستقرة على البدو16–40▼ ملخص
يطرح هذا الفصل، وهو الجزء الأول من كتاب "مسيحية العرب الرحّل على الحدود الرومانية وفي الصحراء السورية–الرافدينية حوالي زمن الهجرة"، مسألةً محورية: كيف تمكنت القبائل العربية البدوية، رغم طبيعتها الرحّل، من ممارسة حياة دينية مسيحية منظمة؟ يقرّ المؤلّف منذ البداية بصعوبة هذه المسألة، مشيراً إلى أن الإسلام نفسه، رغم بساطة شعائره، ظلّ ديناً حضرياً ولم يترسخ بعمق لدى البدو كما يثبت التاريخ. ويطرح السؤال بشكل خاص حول قبيلة تغلب، التي لم تكن، على عكس غسان، ترتحل في منطقة تكثر فيها أماكن العبادة، ولم تكن متمركزة حول مركز ديني محدد كالبدو المحيطين بـالحيرة.
يقسم المؤلّف بحثه في هذا الجزء إلى قسمين رئيسيين. أولاً، يبحث في التأثيرات الدينية التي مهدت لتحول القبائل العربية إلى المسيحية، ويحددها في ثلاث: تأثير المسيحية المستقرة في المدن والأرياف، تأثير المزارات الدينية كمزار القديس سرجيوس، وتثير الرهبان من نسّاك وأصحاب أعمدة مثل القديس سمعان العمودي، أو رهبان جماعيين كمؤسس"المخيمات الرهبانية" القديس أوثيميوس، بالإضافة إلى دور القساوسة والمرسلين في مناطق دمشق والجزيرة الفراتية العليا. ثانياً، سيناقش الكيفية التي نجحت بها التنظيمات الأسقفية، سواءً نسطورية أو يعقوبية، في تأطير مسيحية العرب في العراق، بلاد الرافدين، ودمشق. ويخلص إلى نتيجة مبدئية مفادها أن الكنيسة اليعقوبية وحدها، بما تمتلكه من رجال دين كثيرين، استطاعت التكيف مع حياة القبائل الرحّل وتنظيم حياتهم الدينية والأسرارية إلى حد ما.
يقدّم المؤلّف منهجية عمله بوضوح، مؤكداً أن بحثه ليس تاريخاً سياسياً أو دينياً شاملاً، بل يركز على الخطوط التاريخية الكبرى التي شكلت إطار حياة القبائل، متجاهلاً عمداً النقاط التاريخية المبهمة. ويشدّد على الحذر الشديد في التعامل مع المصادر التاريخية الشرقية، معتبراً أنها لا قيمة لها بذاتها ويجب التدقيق فيها ومقارنتها مع بعضها البعض، لأن المؤرخين الشرقيين كانوا يقلدون بعضهم بعضاً ويصححون مصادرهم دون ذكر ذلك، ويفتقدون، حسب رأي القس بيترز، إلى الإحساس بالحقيقة التاريخية. لذلك، يرى المؤلّف أن هذه المصادر لا تصبح قابلة للاستخدام إلا إذا دعمتها معطيات أثرية أو جغرافية. ويضرب مثلاً بكتابات ميشيل السرياني في القرن الثالث عشر التي تتسم بالتحيز ضد اليونان.
يستعرض المؤلّف مصادر بحثه، صانفاً إياها حسب قيمتها النسبية. يضع في المقدمة وثائق المجامع الكنسية وأسماء الأساقفة والأبرشيات كمصدر تاريخي لا يُقدّر بثمن، يليهما أعمال الشهداء التي تعطي صورة عن انتشار المسيحية. ثم يمر على أهم المراجع التي اعتمد عليها، مع إبداء تحفظاته حول كل منها. فيشيد بأعمال نولدكه وروتشستين في التاريخ السياسي بينما يعتبر كتاب كوسان دي برسفال بالياً كلياً. وينتقد أسماني لضعف ترجماته، وشيهو لاعتماده على نصوص غير محققة، ويحذر من استخدام "أخبار الأيام" غير الموثوقة مثل "أخبار أربيلا". وفي المقابل، يثني على أعمال المستشرقين المعاصرين كالأب لامنس والأب بيترز، وأعمال الرحّالة مثل موسيل التي تزود الباحث بمراجع غنية ومحققة.
في الحصيلة، هذا الفصل ليس ملخصاً لنتائج بحثية بقدر ما هو بيان منهجي. يحدد المؤلّف بوضوح الإشكالية المركزية حول ممارسة البدو للمسيحية، ويرسم خريطة طريق لبحثه تتناول التأثيرات الرهبانية وانتشار الأسقفيات. ولكنه يكرس جزءاً كبيراً ومفصلاً من الفصل لعرض المصادر ونقدها، مؤكداً على وعي المؤلّف العميق بصعوبات البحث التاريخي في هذا المجال وحاجته إلى تمحيص دقيق لكل معلومة. كما أن الفصل يظهر بوضوح الانقسام الطائفي الذي ميّز مسيحية المشرق بين النسطورية واليعقوبية، والصراع بينهما على كسب ولاء القبائل.
1.الفصل الأول: رجال الدين والرسامات الجماعية105–127▼ ملخص
يُحلّل هذا الفصل الختامي من كتاب هنري شارل المراحلَ التي مرّ بها انتشار المسيحية ونشوء حياة دينية منظمة بين القبائل العربية الرحّل على طول الحدود السورية-الرومانية (الليمس) وفي البادية السورية-الرافدينية، وذلك في الفترة المحيطة بالهجرة النبوية (أواخر القرن السادس وبدايات القرن السابع الميلادي). يقدّم المؤلّف إجابة واضحة عن كيفية تحوّل الاتصالات الأولى غير المنتظمة مع المسيحية إلى كنيسة صحراوية متكاملة قادرة على الصمود قروناً بعد الفتح الإسلامي، ويرى أن السرّ الأكبر في هذا النجاح يعود إلى المرونة والتكيّف الفريدين للكنيسة اليعقوبية (السريانية الأرثوذكسية).
يسير الفصل في خطّة زمنية ثلاثية المراحل. يصف المؤلّف المرحلة الأولى بأنها بدأت بجذّابية الحجّ إلى مزارات القديسين، وأبرزها مزار القديس سرجيوس في الرصافة (سيرجيوبولس)، وما صاحبه من طقوس واحتفالات جماعية لافتة للنظر. بعد ذلك، اجتذبت أعمدة النسّاك، وعلى رأسهم القديس سمعان العمودي، أعداداً كبيرة من البدو الذين كانوا يعبرون بالقرب من تلك الأماكن. لكنّ المؤلّف يقرّ بتحفّظ واضح هنا، فلا يمكنه الجزم بأن هذه المظاهر وحدها كانت كافية لتحقيق تحوّل عميق في العقيدة. يرجّح بدلاً من ذلك أن الدور الحاسم في التبشير العميق والتربية الدينية الأولى لعبه الرهبان، سواء المستقرّون في أديرة على أطراف الصحراء أو المتجوّلون، الذين كانوا أكثر عدداً وتنظيماً من النسّاك المذكورين، ويشير إلى ما نعرفه عن تجربة "البارمبولي" (المعسكرات الرعوية الرومانية التي تحوّلت إلى تجمعات مسيحية) كدليل على نجاح هذا النمط من العمل الرهباني.
في المرحلة الثانية، ومع اشتعال الخلافات العقائدية بعد مجمع خلقيدونية، يوضح المؤلّف كيف تحوّل البدو الرحّل إلى ساحة تنافس بين الكنائس الثلاث: الملكية (الأرثوذكسية الخلقيدونية)، والنسطورية، واليعقوبية. يذكر أن الكنيسة النسطورية، رغم نشاطها الواسع حول الحيرة واعتمادها على دعم المناذرة، لم تنجح على الأرجح في اختراق مجتمعات البدو الأشدّ ترحالاً، بل بقيت في نطاق المستقرّين وشبه الرحّل. أما الملوكيون، فعلى الرغم من دعمهم بقوة الإمبراطورية البيزنطية وبأساطيلها، فقد أخفقوا في غزو الصحراء مقارنة باليعاقبة. في المرحلة الثالثة والحاسمة، يضيء المؤلّف على العبقرية التنظيمية للكنيسة اليعقوبية التي أسسها يعقوب البرادعي. فهي لم تكتفِ بإنشاء أبرشيات ثابتة عند نقاط المياه والتقاء الطرق (مثل حران، الرها، الرصافة، تدمر، قرقيسيا)، بل ابتكرت مؤسسة فريدة هي "أسقف العرب" أو "أسقف القبائل"، وهو أسقف متجوّل مكلّف خصّيصاً برعاية البدو الرحّل، ويردّد هذا اللقب في القوائم الأسقفية بشكل متكرّر، مما يدل على استقرار هذه المؤسسة وثباتها لأكثر من ثلاثمئة عام (من القرن السادس إلى القرن التاسع الميلادي تقريباً).
يقدّم الفصل مثالاً مفصّلاً لنجاح اليعاقبة وهو مسيرة الأسقف أهوديمّه الذي أسس في القرن السادس "كنيسة عرب الخيام" في منطقة بيت عربايي (الجزيرة الفراتية العليا). بنى أهوديمّه كنائس على طول مسارات الترحال، غالباً عند نقاط المياه كموقع مزار الشهيد عبد المسيح، واعتمد على شيوخ القبائل لصيانتها. كان هدفه الأساسي هو إنشاء رجال دين "أصليين" من نفس القبائل، يجيدون اللغة العربية ويتحمّلون قسوة حياة الخيام، وهذه كانت استراتيجية ذكية لضمان ديمومة العمل الكنسي. ويستشهد المؤلّف بالمؤرخ لو كوين الذي دوّن أن أهوديمّه بعد أن بشّر العرب وجذبهم للإيمان، أقام منهم كهنة ورهباناً كثيرين.
يتعرّض المؤلّف بصراحة لحدود المعرفة المتوفّرة، فيعترف بأن الحياة الأسرارية لهؤلاء البدو ليست معروفة تماماً. لكنه يشير إلى مصادر ثمينة، وهي القوانين والفتاوى المجمعية السريانية التي جمعها المطران لامي في أطروحته، والتي رغم حاجتها لدراسة نقدية، تمنحنا لمحات مذهلة عن الحياة الدينية. فمن هذه القوانين، يخبرنا الفصل أن المعمودية كانت تتمّ بالرشّ الثلاثي بدلاً من التغطيس اليوناني، ربما لتوفير المياه في الصحراء. والأكثر لفتاً للنظر هو ما يتعلق بسرّ القربان، حيث يبيّن أن الممارسة اليعقوبية كانت متساهلة بشكل لافت: فقد كان يُسمح بإرسال القربان المقدّس مع شخص عادي أو حتى امرأة موثوقة إلى المرضى والمسافرين في الجبال والقفار، شرط ألا يُحمل في كيس السرج بل يُعلّق على الكتف. والأكثر إثارة أن الأساقفة أعطوا تراخيص للاحتفال بالقدّاس في العراء على ألواح من الإنجيل أو حتى على عصا وشاح، عند الضرورة القصوى، مما يدل على مرونة كنسية قصدت بوضوح خدمة الجماعات المتنقلة.
يختم الفصل باستعراض الشهادة العليا على عمق هذه المسيحية: الاستشهاد. فعلى الرغم من الاضطهادات المتعدّدة من قبل الحكّام المسلمين الأمويين، ومن الهجمات البربرية من قبائل قيس المنافسة، بقيت قبيلة تغلب المسيحية صامدة في إيمانها. يقدّم المؤلّف في أحد الملاحق قصة بطلَين من زعماء تغلب، هما مُعيض وسَمَعْلَة، اللذين استشهدا في أواخر القرن الثامن الميلادي في عهد الخليفة الوليد، حيث رفضا الدعوة للإسلام، وعذّبا بوحشية ضارية حتى الموت. ويرى المؤلّف في هذه التضحية دليلاً ساطعاً على أن الإيمان المسيحي عند هؤلاء لم يكن مجرد طقوس قبلية سطحية، بل عقيدة راسخة استطاعت، بشكل شبه معجزي في نظر المؤلّف، أن تزدهر في قلب الصحراء كظاهرة فريدة في تاريخ الكنيسة.
2.الفصل الثاني: الرهبان42–61▼ ملخص
يتمحور هذا الفصل حول دراسة دور الرهبان والمؤسسات الرهبانية المختلفة في نشر المسيحية بين القبائل العربية الرحّل على طول الحدود الرومانية الشرقية (limes) وفي البادية السورية-الرافدينية قبيل ظهور الإسلام. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن تأثير الرهبنة على تعريب هذه القبائل كان كبيراً، لكنه كان غالباً سطحياً وممزوجاً بالمعتقدات الوثنية، ولا يسمح لنا بتقييم النتائج الدينية العميقة لهذا النشاط التبشيري.
يسير الفصل عبر عدة محاور رئيسية. يبدؤها بتحليل أهمية عبادة القديس سرجيوس، وهو قديس مسيحي شهير، حيث يظهر أن الأماكن المكرسة له (كنائس ومزارات) كانت منتشرة بكثرة في المناطق الحدودية الغربية الناطقة بالعربية. يعرض الكاتب العديد من الأمثلة على هذه المزارات، مثل الكنائس في إيثا، ودير القاضي، وبصر الحريري، ودار نيتا، بالإضافة إلى الكاتدرائية الرائعة في بصرى، وكلها كانت مخصصة للقديسين سرجيوس وباخوس. ويذكر مزاراً آخر للقديس سرجيوس في جبيت، مقر الغساسنة. كما يصف الكاتب أشهر مزار للقديس سرجيوس، وهو في روصافة (سرجيوبوليس) على الفرات، والذي تحوّل إلى مركز حج مهم. يعود تاريخ بناء هذا المزار إلى عهد الإمبراطور أناستاسيوس (491-515م)، وقد قام الإمبراطور جستنيان (527-565م) بتحصين المدينة لحماية ثرواتها التي كانت تتدفق إليها من تبرعات العرب. كان المزار يجذب العرب ليس فقط من دمشق، بل من العراق أيضاً، وكانت القبائل تتردد عليه بسبب موقعه الجغرافي الملائم للرعي وتوفر الماء والمراعي. يذكر الكاتب حوادث هامة مرتبطة بهذا المزار، مثل اجتماع النعمان بن المنذر الغساني فيه لمحاولة التوفيق بين بطريركين، ومكيدة الإمبراطور جستين الثاني الذي استغل عبادة المنذر بن الحارث للقديس للإيقاع به. كما لفت النظر إلى أن الملك الفارسي الوثني كسرى الثاني أصبح من مريدي القديس سرجيوس بعد أن شفيت زوجته المسيحية شيرين، وأغدق على مزاره بالهدايا الثمينة. يخلص المؤلف إلى أن عبادة سرجيوس ساهمت بلا شك في تعريض البدو للمسيحية، لكنه يعترف بأن الوثائق المتاحة لا تسمح لنا بقياس النتائج الدينية الفعلية، باستثناء حالة قبيلة تغلب التي اتخذت القديس شفيعاً لها، وإن كان ذلك في وقت لاحق.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة تأثير الرهبان بشكل عام، ويبدأ بالقديس سيمون العمودي، الذي يعتبر شخصية محورية. يشير الكاتب إلى أن حياة سيمون الزاهدة جذبت حشوداً غفيرة من البدو، وفقاً لشهادة ثيودوريطس المعاصرة. يسرد المؤلف مواقف وحكايات تدل على تأثير سيمون، مثل تدخله لإنقاذ ثيودوريطس من التدافع، وقسوته في معاملة البدو الذين يتقاتلون للحصول على بركته، وزيارة قائد عربي له، وشفاء طفل لأم عربية عاقر. ويبرز الكاتب قوة جاذبية سيمون التي امتدت إلى أتباع الملك النعمان اللخمي في الحيرة (جنوب بغداد) الذين كانوا يسافرون لأكثر من 1000 كيلومتر لزيارته، مما دفع الملك إلى محاولة منع هذا النزوح. ويؤكد أن هذا التأثير استمر بعد وفاته، والدليل على ذلك هو الكنيسة الضخمة التي بنيت حول عموده.
يتناول الفصل بعد ذلك ظاهرة الستيليت (أصحاب الأعمدة) الذين انتشروا في مناطق الحدود مثل الموصل، والرها (أورفة)، والرقّة، وحلب. يشير إلى أن استمرار هذه المؤسسة حتى العصر الإسلامي يدل على تأثيرها، ويستشهد بحادثة من دمشق حيث اضطر الخليفة الوليد إلى إخراج راهب من مئذنة لإفساح المجال لبناء الجامع الأموي. ومع ذلك، يعود الكاتب ليقرّ بأن دراسة نصوص الستيليت لا تسمح لنا باستخلاص استنتاجات حاسمة حول عمق الإيمان الذي غرسوه في نفوس البدو، حيث ظلّت الوثنية متجذرة في القبائل، حتى بين زعمائهم.
ثم ينتقل الفصل إلى فئة السوّاح (النساك)، ويخصّ بالذكر القديس أوثيميوس ومؤسسته الفريدة، المخيمات (Parentboles). يروي الكاتب قصة وصول قائد عربي فارسي يُدعى أسپيبت (والذي يعني لقبه "قائد جيش" باللغة الفارسية) مع عائلته وحاشيته إلى فلسطين، بعد اضطهاد المسيحيين في بلاد فارس. بعد أن شفى أوثيميوس ابنه تيريبون، اعتنق القائد المسيحية وتسمى باسم بطرس، وعمّد عائلته ورفاقه. أصبح بطرس مبشراً، وجمع حوله مجموعات من البدو وحوّلهم إلى المسيحية. قام هؤلاء ببناء مسكن بسيط لأوثيميوس ورفيقه، ثم بناء كنيسة وسور لمخيمهم في منطقة دير الزعفران، شرق القدس. تشكلت المخيمات التي أصبحت في عام 428م أسقفية، حيث تم تعيين بطرس أول أسقف عليها من قبل أسقف القدس في عام 427م. تحدد الكاتب مساحة المخيم بنحو 100 هكتار، وعدد سكانه بنحو 1500 نسمة حسب تقديرات الأب فيدرلين. يصف الكاتب الحياة الدينية في المخيم بأنها كانت على الأرجح مشابهة للحياة في أديرة القدس، وتتسم بالصرامة والجدل اللاهوتي الحاد، مع التركيز على المناولة المتكررة وترديد المزامير. لكنه يعترف بأنه لا توجد وثائق تحدد مدى مشاركة العرب في هذه الحياة الأسرارية. كما يشير إلى التعقيدات السياسية التي واجهتها المخيمات، مثل الصراعات الداخلية بين الزعماء العرب والغزوات من البدو الوثنيين من الشرق، والتي أدت إلى تدمير المخيم وإعادة بنائه مرتين قبل أن تختفي بشكل نهائي في أوائل القرن السابع الميلادي. ورغم ذلك، يؤكد الكاتب أن هذه المؤسسة استمرت لمدة قرن ونصف تقريباً (منذ عام 420م وحتى وفاة تيريبون الثاني عام 556م).
يختتم الفصل ببحث وجود أسقفية مماثلة لأسقفية "المخيمات" في منطقة أخرى. يذكر أسقفاً آخر هو يوستاثيوس، الذي حمل لقب "أسقف الأمة الساراسينية" وظهر في أعمال مجمع خلقيدونية عام 451م، ويبدو أنه كان أسقفاً للقبائل العربية في منطقة حمص-بعلبك. يعرض المؤلف الروايات المتضاربة حول تحول 50,000 عربي في تلك المنطقة على يد الأسقف نونوس، لكنه يحذر من أن هذه الأرقام والتواريخ تحتاج إلى تحقق، وأن المصادر غير دقيقة وتترك المجال للتكهنات. وفي النهاية، يقارن بين عرب المخيمات في فلسطين وعرب الغساسنة الأكثر قوة، مشيراً إلى أن كلاهما كان له ممتلكات زراعية تعمل بها فلّاحون مستقرون، وكانت هذه الجماعات تعتمد على أسقف القبيلة. يختم الفصل بتناول فئة الرهبان القساوسة العسكريين الذين خدموا مع الحاميات البيزنطية على الحدود، خاصة بعد أن عزز الإمبراطور جستنيان الحصون هناك، مما أتاح احتكاكاً بين الجنود المسيحيين والعرب المرتزقة.
الفقرة النقدية في نهاية الملخص: بناءً على النص، يبدو أن موقف المؤلف من الموضوع يتراوح بين الاعتراف بالدور المهم للرهبنة في جذب العرب للمسيحية، وبين الشك الواضح في عمق هذا التأثير. فهو يعترف مراراً بأن الأدلة لا تسمح بقياس "النتائج الدينية العميقة"، ويصف مسيحية البدو بأنها كانت أعمالاً ظاهرية وخرافية ومختلطة بالوثنية. مع ذلك، يمكن القول إن نشاطه في توثيق هذا الانتشار الجغرافي للمؤسسات الدينية والاحتكاك اليومي يقدم دليلاً مادياً على أن المسيحية كانت موجودة بالفعل على الحدود وقادرة على جذب أعداد كبيرة من البدو، حتى وإن ظل مستوى التزامهم الديني العميق أمراً غير محسوم.
2.الفصل الثاني: المسيحية اليعقوبية في بلاد الرافدين.79–100▼ ملخص
يبدأ الفصل بدراسة العلاقة بين الغساسنة (آل جفنة) والكنيسة اليعقوبية، موضحاً أنهم لم يكونوا فقط حماةً لهذه الكنيسة بل أيضاً سبباً في ضعفها النهائي. يذكر المؤلف أن المنذر بن الحارث كان دعامة قوية لليعقوبيين، ودعم بولس الأسود الذي أصبح بطريركاً يعقوبياً على أنطاكية بعد ثيئودورس. لكن نجاحات المنذر العسكرية جعلته مريباً في نظر القسطنطينية، مما أدى إلى نصبه فخ له في كنيسة بالصحراء، حيث تم أسره ونفيه إلى صقلية حيث مات عام 582. يذكر المؤلف أن ميخائيل السرياني يروي أن مملكة الغساسنة المسيحية قد قسمت بعد ذلك بين 15 أميراً، مما أفقد آل جفنة قوتهم تقريباً، وهو ما ساعد، باعتراف المؤرخ السرياني، الدعاية الأرثوذكسية بين البدو. يضيف المؤلف أن هذه المملكة لم تُستعد إلا بشكل ناقص بعد الحملة الفارسية لاحقاً.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن التنظيم الكنسي لليعقوبيين، مشيراً إلى أن الغساسنة حصلوا من الإمبراطورة ثيودورا على أسقف يعقوبي يحمل لقب "أسقف بُصرى"، لكنه لم يكن يقيم فيها بل كان أسقفاً رحّلاً، ويُسمى في المصادر السريانية بـ**"أسقف الحِيَر"** (جمع حيرة: معسكر). يشرح المؤلف أن هذه الحيرة كانت تتنقل بين عدة مواقع منها دير أيوب والجابية وجاسم وعقربا الجيدور وغيرها. يضيف أن أسقف الغساسنة كانت له ولاية واسعة امتدت من جنوب الرها وغرب دجلة إلى كل البادية والعربية وفلسطين حتى القدس. يشير المؤلف إلى مدى ازدهار هذه الكنيسة برقم واحد: حين حرم يعقوب البرادعي اثنين من الهراطقة المتهمين بالتثليث، أرسل يخبر رؤساء أديرة "العربية"، أي مناطق البدو، فجاءه الرد موقعاً من 157 اسماً، يمثلون حوالي 157 ديراً مختلفاً في دمشق وتدمر واليرموك، كلها كانت مأهولة بالرهبان منذ عام 570.
يتناول الفصل بعد ذلك اليعاقبة في بلاد ما بين النهرين، ويقسمها إلى منطقتين: الأولى في الجنوب حول الحيرة، والثانية في الشمال حول الموصل. في قسم الحيرة، يذكر أن المونوفيزية دخلت إليها على يد راهب اسمه سمعان، أصبح أسقفاً لبيت أرمى قرب سلوقية، وحوّل عدداً كبيراً من عرب الحيرة وبنى لهم كنيسة. ولكن الدولة الساسانية اتهمتهم بأنهم عملاء للبيزنطيين، فاضطهدتهم. وللتخلص من هذه التهمة، فعل اليعاقبة مثل النساطرة وأنشأوا كرسياً مستقلاً عن أنطاكية ليكون تابعاً للأراضي الساسانية، وكان مركزه في تكريت على دجلة. حامل هذا اللقب (المفريان) كان أولهم أهودمّى الذي عينه البرادعي نفسه عام 629، واشتهر بمناظراته مع النساطرة أمام كسرى، وتمكن من تنصير ابن كسرى، مما أدى إلى سجنه ووفاته في السجن عام 575.
أما في شمال بلاد ما بين النهرين (الجزيرة)، فيشرح الفصل أن الأساقفة كانوا يعينون للمسيحيين من البدو الرحّل الذين لم يكن لهم إقليم ثابت، بل كانت ولاية الأسقف تتنقل مع رعيته. يذكر أن رهباناً مونوفيزيين طردوا من آمِد عملوا على نشر اليعقوبية عبر الحدود. كان مركزهم التبشيري في دير مار متي شمال الموصل وأديرة طور عبدين قرب نصيبين، التي وصفها المؤرخ دوتشين بأنها مشاتل للرهبان الرحّل ذوي الغيرة القوية.
يصف الفصل نوعين من البدو الرحّل في مناطق سنجار جنوب نصيبين: رحّل قصيري المسافة من قبيلتي القاديشايِه والأورطايِه، الذين انتشر بينهم الشهيد عبد المسيح في القرن الثامن؛ ورحّل طويلي المسافة من قبائل طَيّء، وهم عرب مسيحيون كما في الأدب السرياني. يستشهد المؤلف برسالة من بار صوما، أسقف نصيبين النسطوري، يعتذر فيها عن عدم حضور مجمع عام 585 بسبب وجود أعداد هائلة من بدو الجنوب (الطيّايِه) الذين دمروا القرى في أراضي الروم والفرس. تُظهر هذه الرسالة أيضاً وجود عرب مسيحيين خدمة مرتزقة لدى الروم والفرس. يضيف أن التبادل الديني كان كبيراً بين هذه المنطقة والحيرة، حيث كان التجار يحملون جثمان الشهيد عبد المسيح بين الحيرة وسنجارات.
في القسم الأخير، يغطي الفصل تاريخ الكنيسة اليعقوبية في بلاد ما بين النهرين بعد الهجرة. يوضح أن البطريرك المونوفيزي في أنطاكية كان على علاقة حسنة مع المسلمين، ثم نشب صراع مع المفريان الذي أراد الحفاظ على استقلاله، مما أدى إلى تدخلات الخلفاء. يسرد الفصل قائمة طويلة من الأساقفة لتوضيح استمرارية الأبرشية، بما في ذلك أسقف "العرب" أو أسقف "القبائل" وأسقف "تغلب" الذين خدموا الرحّل في شمال الجزيرة. يوضح المؤلف أن التغيرات السياسية، مثل قمع الحجاج والثورات، دفعت بالأسقفية للانتقال شمالاً إلى منطقة الخابور حيث بقيت حتى أواخر القرن التاسع، مع آخر ذكر لأسقف عام 923.
في الفصل الأخير من المادة المعطاة، ينتقل الكاتب إلى الحديث عن رجال الدين والحياة الدينية. يكشف أن استراتيجية اليعاقبة لنشر عقيدتهم كانت تقوم على تكثيف الرسامات الكهنوتية. يذكر مثالاً صارخاً هو يوحنا التلي، الذي يُقال إنه رسم 170,000 كاهناً، كان يستقبلهم في مجموعات من 50 إلى 300 شخص يومياً، بعد فحص قدرتهم على القراءة. يذكر أن هذا التكاثر الهائل أثار قلق الدولة البيزنطية التي حشدت الجيش للقبض عليه. كما يذكر أن يعقوب البرادعي نفسه اتهم برسم حوالي 100,000 شخص بين أسقف وقسيس وشماس. يخلص المؤلف إلى أن هذا الكم الهائل من الرسامات، سواء فهم كرسامات فعلية أو قبول في الكنيسة، يدل على سياسة منظمة لتوسيع الكنيسة، ويعترف بأن هذه الأرقام الأسطورية تبقى محل جدل بين الباحثين، لكنها مع ذلك تعكس قوة هذه الحركة الدينية بين البدو.