المورد
أساطير وواقع العلاقات بين الجماعات

أساطير وواقع العلاقات بين الجماعات

رستم محمودar

الكتاب "أساطير وواقع العلاقات بين الجماعات" لـرستم محمود هو عمل تحليلي معمق يسعى إلى تفكيك التصورات الجاهزة والصور النمطية (الأساطير) التي تحكم العلاقات بين الطوائف والمذاهب والقوميات في سوريا، ومقابلتها بوقائع تاريخية واجتماعية وسياسية ملموسة. يدافع المؤلف عن أطروحة محورية مفادها أن الصراعات والتفكك الطائفي الذي نراه اليوم ليس نتاجاً لكراهية متأصلة أو صراع حضاري حتمي بين الجماعات، بل هو نتاج مباشر لعقود من سياسات الاستبداد السياسي والتوظيف الطائفي للدولة وتغذية المخاوف الوجودية لكل جماعة من الأخرى. الكتاب هو نقاش موسع لفكرة أن "السياسة" هي التي شكّلت "المجتمع" وليس العكس، وأن الخوف المتبادل وتجارب القمع والتهميش التاريخية هي الوقود الذي أبقى على هذه الأساطير حية.

تتدرج حجة الكتاب عبر أربعة فصول، كل منها يركز على منطقة جغرافية وجماعة محددة، ليبني شيئاً فشيئاً صورة شاملة عن الآلية التي تعمل بها هذه الديناميكية. يبدأ الفصل الأول بفحص العلاقة الأكثر اشتعالاً وحساسية في سوريا، وهي بين السنة والعلويين في الساحل السوري (محافظتا اللاذقية وطرطوس). هنا، يشرح المؤلف كيف أن سياسات الانتداب الفرنسي التي أسست "دويلة العلويين" زرعت بذور الخوف والقلق، وكيف أن التحولات الديموغرافية (هجرة العلويين الفقراء إلى المدن) والصراع على السلطة (من انقلاب حافظ الأسد عام 1970 إلى أحداث الثمانينات ومجزرة حماة عام 1982) حوّلت العلاقة من مجرد تباين طبقي وتاريخي إلى صراع وجودي. ثم ينتقل الفصل إلى تحليل ظاهرة "الشبيحة" كذراع غير رسمية للنظام، وكيف أن أحداث 2011 لم تخلق التوتر بل كشفت عنه، حيث نجح النظام في "تفخيخ" المجتمع وعزل العلويين عن الثورة، مما خلق واقعاً من الانعزال المتبادل.

بعد ذلك، ينتقل الكتاب جغرافياً إلى الجنوب ليتناول جماعة الدروز في إقليم حوران، مركزاً على السويداء. هنا، تعكس الحجة أن تاريخ الجماعة يتأرجح بين فترتين: فترة المجد والفاعلية التي تجسدها قيادة سلطان باشا الأطرش للثورة السورية الكبرى عام 1925، والتي كسرت انعزال الدروز وجعلتهم فاعلين وطنيين، وفترة السلبية والانغلاق الحالية. يرى المؤلف أن الانتقال من الفاعلية إلى السلبية لم يكن قدراً، بل هو نتاج مباشر لسياسات النظام السوري الذي عمل على تهميش المنطقة (تمييز تنموي بين درعا و السويداء) وإثارة مخاوف الدروز من انتقام السنة إذا سقط النظام، مما دفعهم إلى حالة من "النأي بالنفس" وغياب الرؤية السياسية الواضحة، منقسمين بين تيارات متضاربة دون زعامة موحدة.

أما الفصل الثالث فيحلل المشهد في دمشق الكبرى، تلك المدينة التي اشتهرت بـ "العيش المشترك". يكشف المؤلف أن هذا التعايش كان هشاً ومضطرباً، وأن انهياره مع اندلاع الاحتجاجات في 15 مارس/آذار 2011 كشف عن تراكمات عميقة من التوتر واللامساواة. يتناول الفصل حالة المسيحيين الذين تراجعت نسبتهم من حوالي 30% عام 1930 إلى 10-12% حالياً، ليس فقط بسبب الاضطهاد بل بسبب عوامل اقتصادية واجتماعية وهجرة، بالإضافة إلى شعورهم بالتمييز الممنهج. ثم يسلط الضوء على صعود الجماعة العلوية في دمشق، وكيف تحولوا من "خدم في المدن" إلى عمود الدولة، لكنهم ظلوا غرباء في المدينة، عاشوا في أحياء معزولة (مثل مزة 86) وصاروا "بؤر ردع"، مما جعل اندماجهم الاجتماعي مستحيلاً، وأدى إلى أنهم وجدوا أنفسهم في 2011 يقفون إلى جانب النظام لحماية أنفسهم لا لأنهم جزء من المجتمع الدمشقي.

الفصل الرابع والأخير ينتقل إلى شمال سوريا لتحليل العلاقة بين الأكراد والعرب، مجادلاً بأن التوتر هنا هو أوضح مثال على "السياسة في مواجهة المجتمع". يشير المؤلف إلى أن الجماعتين تشتركان في البنية الاقتصادية (الزراعة والرعي) والمذهب الديني (السني الشافعي) والبنى الاجتماعية الريفية والقبلية، مما يعني عدم وجود صراع مجتمعي جوهري بينهما. المشكلة، كما يراها، تكمن في أيديولوجية الدولة القومية العربية الشمولية التي حوّلت القومية العربية إلى "دين الدولة"، مما أدى إلى تهميش الأكراد قومياً وثقافياً. يوثق الفصل ثلاث مظالم رئيسية هي: تجريد حوالي 120 ألف كردي من جنسيتهم بموجب قانون 1962، والمنع من إنشاء مؤسسات خاصة بهم، والأهم، مشروع "الحزام العربي" الذي بدأ عام 1971 لنقل 70 ألف فلاح عربي إلى مناطق كردية بهدف تغيير التركيبة السكانية وعزل أكراد سوريا عن أكراد الدول المجاورة.

من بين الأرقام والوقائع الصادمة التي يصعب نسيانها في الكتاب، تأتي حادثة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، حيث قام ضابط سني بقتل طلاب ضباط علويين كبداية للصراع المسلح الذي انتهى بمجزرة حماة. كذلك، وثيقة حزب البعث الداخلية التي تؤكد أن هدف الحزام العربي هو سياسي بحت لفصل الأكراد. بالإضافة إلى ذلك، الحوادث الصغيرة التي كشفت عن هشاشة التعايش، مثل حادثة إلقاء حمار نافق في مقبرة درزية في السويداء عام 2000 والتي تطورت إلى مواجهات دامية، أو إقامة مكب نفايات قرب حي مسيحي في دمشق كدليل على التمييز. كما أن تفصيل عقدة الأقلية لدى العلويين مقابل عقدة الأغلبية لدى السنة، وتأرجح الدروز بين مجد سلطان الأطرش وسلبية الواقع الحالي، كلها صور مركبة لا تقدم أبطالاً أو أوغاداً، بل جماعات محاصرة بمخاوفها.

يعترف المؤلف بعدة حدود وتحفظات في ثنايا الكتاب. فهو لا ينكر وجود عوامل اقتصادية واجتماعية عميقة تجعل التوتر الطائفي ممكناً، لكنه يعطي الأولوية للعامل السياسي. كما يقر بأن النخبة السياسية الكردية فشلت في تحويل قضيتها إلى رأي عام وطني بسبب ضعفها وانقسامها وتأثرها بالحسابات الإقليمية. وفي ختام الفصل الخاص بدمشق، يترك المؤلف أسئلة مفتوحة عن كيفية إعادة بناء التعايش بعد هذا "النهر من الدماء"، مشيراً إلى أن الحل الوحيد يكمن في بناء "دولة المواطنة" التي تشكل ضماناً للجميع، بديلاً عن المحاصصة الطائفية. إنه يرى بصيص أمل في مشاركة بعض العلويين والمسيحيين في الاحتجاجات الأولى.

أما الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، فأهمها أنها تضع المسؤولية الأساسية والأكبر على النظام السوي في إذكاء وتفجير التوترات الطائفية. هذا التحليل، على الرغم من دقته في تشخيص آلية عمل السلطة، قد يقلل من وزن العوامل الذاتية داخل الجماعات نفسها، مثل الاستعداد لاستقبال الخطاب الطائفي أو استمرار بعض التقاليد الاجتماعية المنغلقة رغم تغير الظروف. كما أن التركيز شبه الحصري على السياسة قد يجعل القارئ يتساءل: إذا كان النظام هو السبب، فهل سيعود التعايش تلقائياً بمجرد زواله؟ المؤلف نفسه يعترف بصعوبة ذلك، ويشير إلى أن الجراح عميقة، وأن كل طرف يملك حججاً تبرر نقمته على الآخر، مما يطرح تحدياً هائلاً لإعادة بناء الثقة، وهو تحدٍ لن يكون ممكناً دون تحول سياسي جذري، لكنه أيضاً لن يتحقق بذلك التحول وحده.