المورد
_OceanofPDF.com_Le_cauchemar_syrien_French_Edition_-_Dalle_Ignace

_OceanofPDF.com_Le_cauchemar_syrien_French_Edition_-_Dalle_Ignace

١ كانون الثاني ٢٠١٦deLibrairie Arthème Fayard

ملخص كتاب "الكابوس السوري" لإغناس دال

يطرح هذا الكتاب تحليلاً عميقاً للأزمة السورية التي اندلعت في عام 2011، محاولاً الإجابة عن السؤال المحوري: كيف وصلت سوريا إلى هذا المستوى من الكارثة الإنسانية التي أوقعت 250 ألف قتيل وملايين الجرحى واللاجئين؟ يرى المؤلف أن ما حدث ليس نتيجة صدفة، بل هو حتمية تاريخية نتجت عن تراكم عقود من حكم عائلة الأسد القمعي، وتواطؤ دولي، وتحول الثورة السورية إلى ساحة لحرب بالوكالة. يدافع الكتاب عن موقف واضح مفاده أن النظام السوري هو المسؤول الأول عن المأساة، وأن السياسات الغربية القائمة على فكرة "اختيار أهون الشرين" بين النظام وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كانت كارثية، لأنها جعلت الشعب السوري غير مرئي وتجاهلت الأسباب الجذرية للصراع.

يسير الكتاب عبر فصوله المتتالية لكشف طبقات الأزمة المعقدة، بدءاً من تكوين دولة البربرية تحت حكم حافظ الأسد. يشرح المؤلف كيف تحولت سوريا، رغم محدودية إمكانياتها (نحو 20 مليون نسمة و185 ألف كيلومتر مربع)، إلى دولة بوليسية قائمة على القمع والخوف. فبعد فشل الخيار العسكري في حرب 1967 حيث أمر الأسد بالانسحاب من القنيطرة قبل وصول الإسرائيليين، وحرب 1973 التي لم تحقق نصراً كاملاً، حوّل الأسد مهام الجيش من استعادة الجولان إلى حماية النظام والتدخل في لبنان. ويوثق الكتاب المجازر التي ارتكبها النظام، وأبرزها مجزرة سجن تدمر في 27 يونيو 1980 حيث قتل نحو ألف معتقل من الإخوان المسلمين، ومجزرة حماة في فبراير 1982 التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 20 ألف قتيل. ويصف كيف تحولت سوريا إلى "دولة بربرية" تسيطر عليها المخابرات، حيث ألغيت حرية الصحافة وبقي ثلاث صحف فقط، وسيطر حزب البعث دستورياً على الدولة والمجتمع، بينما فتحت حالة الطوارئ باب الرشاوى والفساد.

ينتقل الكتاب بعدها إلى تفكيك أزمة حزب البعث نفسه، موضحاً أن صمته التام منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية لم يكن اختيارياً، بل نتيجة حتمية لتجريده من دوره لصالح المؤسسة العسكرية والأمنية. يروي المؤلف كيف أن بشار الأسد ورث عن والده نفس اللامبالاة تجاه الحزب، فعند وصوله إلى الرئاسة في يونيو 2000 شرع في تطهير القيادة الحزبية القديمة، وفي المؤتمر العاشر في يونيو 2005 خفض عدد أعضاء القيادة من 21 إلى 14 عضواً، وعين شخصيات غير معروفة تدين بالولاء له. وعند اندلاع الثورة في 15 مارس 2011، لم يصدر عن الحزب أي موقف، وعندما حاول أعضاء القيادة إقناع الرئيس بضرورة الحوار، قوبلوا بالرفض، حتى أن بشار أعلن في أكتوبر 2012 أنه لن يتفاوض قبل استعادة السيطرة على كل الأراضي. ويخلص الكتاب إلى أن الحزب تحول إلى "قشرة فارغة" لا تُستخدم إلا لطمأنة القواعد التي تستفيد من وجوده.

أما الفصول المتعلقة بالمجتمع السوري، فتكشف عن علاقة معقدة بين العلويين والنظام. فبينما يستخدم النظام العلويين كورقة ضغط وأداة قمع، مروعاً إياهم بعودة الاضطهاد إذا سقط، يعاني العلويون أنفسهم من وطأة الحرب. يوثق الكتاب جهود معارضة علوية سعت لفصل المجتمع عن النظام، مثل اجتماع عُقد في القاهرة بتاريخ 23 و24 مارس 2013 رفض "الخطأ الأخلاقي القاتل" المتمثل في اعتبار النظام علوياً. كما يسرد حوادث فرار ضباط علويين كبار إلى الأردن وتركيا، وغضب العائلات من إخفاء عدد القتلى ومن إعطاء تعويضات هزيلة بينما تظهر زوجة الرئيس أسماء الأسد بملابس فاخرة وحذاء يتجاوز ثمنه ألف دولار. ويذكر حملة "صرخة" التي أطلقها نشطاء علويون في يوليو 2014، معترفاً بأنها لا تعني انقلاباً كاملاً، لكنها تدل على بداية كسر جدار الخوف.

يكشف الكتاب النقاب عن شبكة المحسوبية والفساد والعنف التي تحيط بعائلة الأسد، ويصف كيف حوّلت هذه العائلة الدولة إلى إقطاعية خاصة بها. يُقدَم محمد توفيق الأسد، ابن عم رئيس الدولة، كنموذج صارخ للإفلات من العقاب، حيث كان يقود عصابات مسلحة تُعرف باسم "الشبيحة" تستخدم لترويع السكان. ويسرد الفصل الصراعات داخل العائلة، مثل علاقة بشار الأسد المتوترة بأخته بشرى وزوجها آصف شوكت، وخروج أفراد مثل فلك الأسد التي انتقدت فساد القيادة العسكرية بعد سقوط معسكر اللواء 17 بيد داعش في يوليو 2014. ويخصص الكتاب قسماً كبيراً لـ رامي مخلوف، ابن خال الرئيس، الذي يقدر ثروته بـ 6 مليارات دولار، واستولى على 60% من الاقتصاد السوري، مسيطراً على قطاعات الاتصالات (سيريتل) والمصارف والإعلام.

في تحليل السياسة الخارجية، يكشف الكتاب عن "سياسة إزعاج" انتهجها النظام تجاه خصومه بدلاً من بناء قوة ردع إيجابية. المثال الأول هو استخدام عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني (PKK) كورقة ضغط على تركيا منذ 1979، حيث سُمح لأوجلان بالوجود على الأراضي السورية وأُمد بالأسلحة. انتهت هذه المغامرة في أكتوبر 1998 حين هددت تركيا بغزو سوريا، فاضطر حافظ الأسد لطرد أوجلان وتوقيع اتفاقية أضنة في 20 أكتوبر 1998. المثال الثاني هو دعم النظام المبطّن لـ"الجهاد" في العراق بعد غزو 2003، عبر شخصيات مثل الشيخ أبو القعقاع الذي أرسل المئات من الشبان إلى العراق. ويعترف الكتاب بحدود هذه السياسة، مشيراً إلى أن الخوف من الرد العسكري التركي أجبر سوريا على التراجع، وأن دعم الجهاديين عاد ليؤذي العراق ويخلق فوضى إقليمية.

ينتقل الكتاب بعدها إلى تحليل السنوات الأولى من حكم بشار الأسد، مجيباً عن سؤال: هل كان حقاً مصلحاً؟ يصف "ربيع دمشق" الذي تلا خطاب تنصيب بشار في يوليو 2000، حيث طالب مثقفون مثل أنطون مقدسي ورياض سيف بإقامة دولة مدنية، وقدّموا عرائض مثل "بيان الـ 99 " و"بيان الـ 1000 ". لكن سرعان ما تدخلت المخابرات في أغسطس 2001 لإنهاء هذا الربيع واعتقال رموز المعارضة. ويحلل الكتاب إعلان دمشق في أكتوبر 2005 الذي وصف النظام بـ"الهيمني" و"الشمولي" و"الطائفي"، مما أدى إلى اعتقال 12 من أعضائه بعد عام واحد فقط. أما الإصلاح الاقتصادي فكان في الحقيقة "ليبرالية على الطريقة السورية" أفادت العائلة الحاكمة فقط، بينما عانى غالبية الشعب من ارتفاع الأسعار والجفاف بين 2006-2007، مما خلق أرضاً خصبة للاحتقان.

في استراتيجيته لمواجهة الثورة، يعتمد الكتاب أن النظام لم ولن يتنازل، وأنه مستعد لاستخدام أي وسيلة لإخمادها. فور اندلاع الاحتجاجات، حوّلها النظام إلى صراع طائفي من خلال جعل الأغلبية السنية العدو الرئيسي، بينما يخيف الأقليات بتهديد "الخطر السني". يشير المؤلف إلى أن 85% إلى 90% من ضباط الجيش البالغ عددهم 70,000 هم من الطائفة العلوية التي لا تمثل سوى 10% من السكان. يوثق الكتاب مجازر الحولة (108 قتلى)، قبير (بين 55 و78 قتيلاً)، وتريمسة (200 قتيل) كجزء من استراتيجية متعمدة لتهجير السكان السنة. كما يكشف كيف أطلق النظام سراح أكثر من ألف جهادي من سجن صيدنايا في 2011 لتأجيج الصراع الطائفي وتبرير قمعه.

يحلل الكتاب الأبعاد المحلية للنزاع، موضحاً أنه لا يمكن فهم تعقيدات الحرب إلا من خلال دراسة المستوى المحلي. يصف فراغاً خلقه انسحاب الدولة تدريجياً منذ 2011 من بعض المناطق، مما أدى إلى بروز تنسيقيات محلية عفوية نظمت الاحتجاجات السلمية ووثقت انتهاكات النظام. لكن مع تحول الاحتجاج إلى نزاع مسلح خلال 2012، ظهرت "مجالس محلية" في المناطق المحررة، بينما فشل الائتلاف الوطني في توفير الدعم اللازم بسبب التدخلات الدولية. ويخصص الفصل حيزاً مهماً لتحليل تطور الجماعات المسلحة، وخصوصاً جبهة النصرة التي قوبلت في البداية ببرود من الثوار الذين اشتبهوا في ارتباطها بالنظام، لكنها سرعان ما فرضت نفسها كأحد أكثر التشكيلات فعالية عسكرياً. ويميز الكتاب بين النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، فالخلاف بينهما أيديولوجي واستراتيجي، حيث تركز الأولى على إسقاط النظام السوري بينما تركز الثانية على محاربة الإيرانيين والشيعة.

أما في الأبعاد الدولية، فيقدم الكتاب تحليلاً عميقاً لموقف كل من روسيا والولايات المتحدة وفرنسا. بالنسبة لروسيا، يرى المؤلف أن دعم فلاديمير بوتين لنظام الأسد لا يتعلق بمستقبل سوريا، بل هو جزء من استراتيجية للحفاظ على نفوذ موسكو كقوة عظمى. يسجل الكتاب حالات استخدام الفيتو الثلاثي في مجلس الأمن في فبراير ويوليو 2012 ويونيو 2014 لمنع إدانة النظام. ويصف كيف لعب بوتين ورقة دبلوماسية ذكية باقتراحه وضع الأسلحة الكيميائية تحت إشراف دولي في سبتمبر 2013، مما حال دون التدخل العسكري الأمريكي. وعند التدخل العسكري الروسي المباشر في أواخر سبتمبر 2015، لم تستهدف الضربات الأولى تنظيم الدولة الإسلامية، بل الفصائل المعارضة غير الجهادية التي كانت تكاد تسقط النظام الذي لم يعد يسيطر سوى على خُمس الأراضي السورية.

أما السياسة الأمريكية، فيصفها الكتاب بأنها ظلت متأرجحة بين التهديد والتفاوض دون استراتيجية واضحة. ينتقد بشدة تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون المبكرة التي وصفت الأسد بـ"المُصلح"، وتأخر الرئيس أوباما خمسة أسابيع لإدانة العنف. يبلغ الفصل ذروة النقد بعرض الفشل الذريع لبرنامج "التدريب والتجهيز" الأمريكي، حيث يعترف الجنرال لويد أوستن في سبتمبر 2015 أنه من بين 5400 مقاتل كان من المخطط تدريبهم، لم يبق في ساحة المعركة سوى "4 أو 5" مقاتلين فقط. ويعترف الكتاب بوجود أسئلة مفتوحة: هل تواطأت إدارة أوباما مع روسيا وإيران؟ هل كانت السياسة الأمريكية مجرد ردود فعل غير مترابطة؟

أما فرنسا، فيصفها الكتاب بأنها بحثت عن دور يواكب تاريخها في المنطقة، لكنها انتهت بسياسة وُصفت بأنها "انتهازية بلا سيناريو". يذكر "الصفعة" التي تلقتها فرنسا من أوباما في صيف 2013 عندما تراجعت الولايات المتحدة عن توجيه ضربات رداً على استخدام الأسلحة الكيميائية. وبعد هجمات باريس في نوفمبر 2015، شنّ الرئيس فرانسوا أولاند حملة قصف على تنظيم "الدولة الإسلامية"، لكن الفصل ينتقد هذه السياسة واصفاً إياها بأنها جاءت متأخرة وسطحية. ويكشف أن الاتحاد الأوروبي، رغم كونه المموّل الأكبر للمساعدات الإنسانية بأكثر من 3.35 مليار يورو، بقي "قزماً سياسياً كريماً" دون تأثير حقيقي، مع بقاء معظم الدول الأوروبية خلف موقف واشنطن.

في تحليل الدور الإيراني، يصف الكتاب كيف تحولت العلاقة من تحالف استراتيجي أقامه حافظ الأسد مع الخميني في 1979، إلى علاقة تبعية أصبحت فيها إيران "العراب المتطفل". يوثق كيف سمح بشار الأسد للإيرانيين بالتمدد اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، حيث استحوذوا على الفنادق والممتلكات في دمشق وبدأوا في منح الجنسية السورية لمئات من الأجانب الشيعة. ومع اندلاع الثورة، تحول الدعم الإيراني من استشاري إلى عسكري مباشر، حيث بدأ ضباط إيرانيون وقناصة في الظهور بحلول صيف 2011، ثم تبعهم آلاف المقاتلين الشيعة من لبنان والعراق وأفغانستان، لتصل تقديراتهم إلى 40 ألف مقاتل بحلول منتصف 2015. ويسجل الفصل أن مشاركة حزب الله العلنية في معركة القصير في ربيع 2013 كانت نقطة تحول كلفت الحزب ما يقرب من مئة قتيل وشوهت صورته كطرف مقاوم لإسرائيل.

أما علاقة سوريا بتركيا، فيصفها الكتاب بأنها تحولت من عداوة تاريخية إلى تحالف استراتيجي قصير الأمد، ثم إلى "كابوس" حقيقي. بعد قمة التقارب التي رفعت التبادل التجاري من 796 مليون دولار في 2006 إلى 1.75 مليار في 2008، وشكلت "مجلس التعاون الاستراتيجي" في ديسمبر 2009، انهارت العلاقات بعد إصرار الأسد على الحل العسكري. تحولت تركيا إلى أشد الداعمين للمعارضة، لكنها واجهت "كوابيس" متعددة: تدفق 2.5 مليون لاجئ، اتهامات بالتساهل مع فصائل جهادية، ومعضلة كردية تمثلت في تحالف الولايات المتحدة مع وحدات حماية الشعب الكردية (PYD) التي تعتبرها تركيا تهديداً وجودياً.

في ختام التحليل الإقليمي، يناقش الكتاب موقف دول الخليج العربية، ويكشف انقسامها رغم وحدة هدفها في إسقاط الأسد. السعودية مالت لدعم التيارات السلفية، قطر ركزت على الإخوان المسلمين، بينما لعبت الكويت دوراً في تمويل الجماعات الإسلامية. ويخصص الفصل حيزاً لمناقشة اتهامات تمويل قطر للإرهاب، ويقدم حججاً تفند هذه الاتهامات مستنداً إلى تحليل نبيل العنصري، لكنه يعترف بإمكانية وجود أفراد قاموا بجمع تبرعات بشكل غير رسمي. ويكشف عن "حملة تشويه قطر" التي تقودها الإمارات العربية المتحدة، والتي أنفقت ملايين الدولارات على الضغط في الولايات المتحدة (14 مليون دولار في 2013).

يختتم الكتاب بتحليل الآثار الجانبية المدمرة للحرب على لبنان والأردن والفلسطينيين المقيمين في سوريا. بالنسبة للبنان، يصف كيف تحول الاحتلال السوري منذ 1976 إلى أداة إثراء للضباط، واستمر النفوذ السوري عبر وكلاء محليين حتى بعد الانسحاب القسري بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير 2005. أما الأردن، فيعاني من تدفق اللاجئين وتحول حدوده إلى خط مواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية. أما الفلسطينيون في سوريا، فقد وجدوا أنفسهم في موقف صعب بين دعم النظام الذي كان يحتضن مخيماتهم، وخوفهم من تسليح فصائلهم.

يبقى السؤال مفتوحاً في نهاية الكتاب: هل إبقاء بشار الأسد هو أفضل طريقة لإنهاء الكابوس؟ أم أن ذلك يخاطر بتفاقم الأوضاع ليس فقط للسوريين وجيرانهم، بل لأوروبا نفسها؟ يخلص التحليل إلى أن النهج الغربي القائم على "اختيار أهون الشرين" أثبت أن التحالف الدولي لم يُنشأ لوقف إراقة الدماء، بل لمعالجة هوس الإرهاب الداخلي في الغرب. يمكن القول إن قوة الكتاب تكمن في تفكيكه للطبقات المتعددة للصراع، لكنه يظل أحادي الجانب في تحميل النظام وحده مسؤولية المأساة، متجاهلاً إلى حد كبير دور بعض فصائل المعارضة في تأجيج العنف الطائفي، كما أن اعتماده على حكايات فردية وروايات غير موثقة في بعض الأجزاء يجعله بحاجة إلى تدقيق إضافي.

الفصول(17)

1.8–16▼ ملخص

منذ بداية عام 2011، يعيش العالم على وقع واحد من أكثر الصراعات وحشية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ عدد القتلى 250 ألفًا، والملايين من الجرحى واللاجئين، والمدن المدمرة كليًا أو جزئيًا. يطرح هذا الفصل التمهيدي السؤال المحوري: كيف وصلت سوريا إلى هذا المستوى من الكارثة، وما هو موقف القوى الدولية والإقليمية من هذا الصراع؟ يجيب المؤلف بأنّ ما حدث ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة حتمية لتراكم عقود من حكم عائلة الأسد القمعي، وتواطؤ دولي، وتحول الثورة السورية إلى ساحة لحرب بالوكالة.

يسير الفصل خطوة بخطوة لكشف هذه التعقيدات. يبدأ بوصف التفاؤل الساذج الذي ساد في الأشهر الأولى من الحرب الأهلية، من أبريل إلى يونيو 2011، حيث اعتقد الكثيرون أن نظام بشار الأسد سيسقط سريعًا مثل أنظمة زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي. لكن هذا التفاؤل اصطدم بواقع دعم روسي وإيراني حاسم للنظام السوري. يوضح المؤلف أن الغربيين أثبتوا عجزهم الدبلوماسي (بفضل الفيتوات الروسية والصينية) والعسكري (بعدم قدرتهم على دعم الجيش السوري الحر بشكل فعال)، بينما سمح بشار الأسد، متبعًا سياسة والده، بخروج مئات الجهاديين من سجون الدولة لاستغلالهم كورقة ضغط، ولتقديم نفسه كحصن ضد «الإرهاب».

يكشف الفصل عن تحول خطير في الموقف الغربي، حيث بدأ يترسخ خطاب «الخيار بين شرّين»، يساوي بين وحشية النظام ووحشية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي تفوق على باقي الفصائل بعرضه لفظاعاته. ينتقد المؤلف بشدة هذا التبسيط، معتبرًا أنه يتجاهل الأسباب الجذرية للصراع ويجعل «الشعب السوري غير مرئي». كمثال على هذا العمى، يذكر أن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أعلن في منتصف سبتمبر 2015 قصف داعش دون ذكر النظام السوري، وأن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف زعم أن اللاجئين السوريين يفرون من داعش، بينما هم في الحقيقة يفرون من مناطق قصفتها طائرات النظام والطيران الروسي منذ أكتوبر 2015. هذه التصريحات، بحسب الكاتب، تكشف جهلًا أو لامبالاة بحق السوريين في الحرية والكرامة.

بعد ذلك، يحلل الفصل التدخل الروسي بقيادة فلاديمير بوتين في صيف وخريف عام 2015، معتبرًا إياه نقطة تحول. لم يستهدف بوتين في البداية تنظيم داعش، بل قصف الفصائل المعارضة غير الجهادية التي كانت تكاد تسقط النظام الذي لم يعد يسيطر سوى على خُمس الأراضي السورية. لكن تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء في 31 أكتوبر 2015، وهجمات بيروت في 12 نوفمبر وباريس في 13 نوفمبر، والتي تبناها تنظيم الدولة، غيرت الأولويات وأجبرت بوتين على توسيع حملته لتشمل أهدافًا جهادية، خاصة في الرقة. يستنتج المؤلف أن هذا التحول في التركيز على مكافحة الإرهاب كان «خبزًا مباركًا» لعائلة الأسد وحلفائها، مما أضعف فرص المعارضة المعتدلة وعزز موقف النظام كـ«حليف ضروري» في الحرب ضد التطرف.

يتناول الفصل أيضًا الدور الإيراني، واصفًا الميليشيات الشيعية الموالية لإيران بأنها «فيلق أجنبي حقيقي» يخدم الطموحات الجيوسياسية لطهران، ويدفع بهم النظام الإيراني «لحماية الأماكن المقدسة الشيعية» المزعوم تهديدها. يشير المؤلف إلى أن هذه الميليشيات، التي يكرهها معظم السوريين حتى مؤيدي النظام، تتصرف كمرتزقة وقتلة ولا تقل وحشية عن جهاديي داعش. وفي هذا السياق، يذكر موقف رجب طيب أردوغان الذي تحولت سوريا بالنسبة له إلى كابوس، وإسرائيل التي تكتفي بالمراقبة، والأردن ولبنان اللذين يعانيان من تدفق اللاجئين. يقدم الكتاب اعترافًا ضمنيًا بحدود تحليله، حيث يقر بصعوبة تقدير أثر القصف الدولي لقواعد داعش في كوباني وغيرها، مع التساؤل إن كان هذا القصف قد خدم النظام السوري دون قصد.

أخيرًا، يختتم الفصل بنقد لاذع للسياسة الغربية، لامبالاتها، وهشاشة موقفها مقارنة باليقين الروسي والصيني. يرى المؤلف أن فكرة «اختيار أهون الشرين» هي فكرة خطيرة، تطرح أسئلة أكثر مما تقدم حلولًا: هل إبقاء بشار الأسد هو أفضل طريقة لإنهاء الكابوس؟ أم أن ذلك يخاطر بتفاقم الأوضاع ليس فقط للسوريين وجيرانهم، بل لأوروبا نفسها التي بدأت تشهد تدفق مئات الآلاف من اللاجئين منذ منتصف 2015، لتكتشف فجأة حجم المأساة وعواقب لامبالاتها؟ يخلص التحليل إلى أن هذا النهج يثبت أن التحالف الدولي لم يُنشأ لوقف إراقة الدماء، بل لمعالجة هوس الإرهاب الداخلي في الغرب.

2.17–28▼ ملخص

ملخص الفصل الأول: تكوين دولة البربرية

يتناول هذا الفصل كيفية تحول سوريا تحت حكم حافظ الأسد إلى دولة بوليسية قائمة على القمع والخوف، بالرغم من محدودية إمكانياتها السكانية (نحو 20 مليون نسمة) والطبيعية مقارنة بدول مثل العراق. يشرح المؤلف أن سوريا أصبحت دولة لا يمكن تجاهلها في الشرق الأوسط، لا بسبب نجاح أيديولوجية حزب البعث القومية العربية، بل بسبب قدرتها الكبيرة على إحداث الفوضى والإزعاج.

يبدأ الفصل باستعراض طموحات حافظ الأسد قبل أن يصبح رئيساً، مركزاً على وعيه المبكر لكل من حدود سوريا وإمكانياتها. فالمساحة محدودة (185 ألف كيلومتر مربع)، وعدد السكان كان أقل من 10 ملايين في منتصف السبعينيات، والاقتصاد كان يعتمد على القطن والقمح قبل اكتشاف النفط بكميات محدودة في أواخر السبعينيات. يوضح المؤلف أن حزب البعث، الذي سيطر على دمشق في الستينيات، كان يهدف لمنح سوريا موقعاً مركزياً في العالم العربي، معتبراً أن جميع العرب لهم وطنان: بلدهم الأم وسوريا. لكن المنافسة مع الفرع العراقي للحزب بعد عودته إلى السلطة في بغداد عام 1968 جعلت من الضروري إظهار نجاحات ملموسة.

يشير الفصل إلى ضعف الجيش السوري كنتيجة مباشرة لسياسات الحزب بعد وصوله للسلطة عام 1963، حيث تم التخلص من الضباط الناصريين الذين انضموا للجيش خلال فترة الوحدة مع مصر (الجمهورية العربية المتحدة) بين 1958 و1961. هذا التطهير، الذي شمل محاكمات ظالمة وتصفية حسابات، أضعف الجيش بشكل خطير. لملء الفراغ، بدأ صلاح جديد (رئيس الوزراء) وحافظ الأسد (وزير الدفاع) في تجنيد أبناء طائفتهم العلوية على نطاق واسع، حتى من دون مؤهلات عسكرية كافية. وكانت البرجوازية السنية والمسيحية غير مهتمة بالجيش، مفضلة التجارة والأعمال.

يوثق الفصل حادثة مهمة في حرب يونيو 1967، حيث أمر الأسد بالانسحاب من القنيطرة في هضبة الجولان قبل وصول الإسرائيليين، مدركاً ضعف قواته. يعتبر المؤلف أن كثيراً من السوريين يعتقدون أن الأسد كان مسؤولاً عن الهزيمة، بل إن البعض اتهمه ببيع الهضبة. بعد فشل الخيار العسكري، اتجه صلاح جديد وإبراهيم ماخوس (وزير الخارجية) إلى سياسة اشتراكية متطرفة مستوحاة من الاتحاد السوفيتي، تقوم على التأميم وتجميع الأراضي. لكن الأسد، الذي كان أكثر قومية من اشتراكية، استغل استياء السكان من هذه السياسات ليقود انقلاباً داخل الحزب عام 1970، ويتخلص من منافسيه، ويطلق "حركة تصحيحية" تهدف للتوفيق مع البرجوازية مع الإبقاء على حالة الطوارئ المفروضة منذ 1963 وسيطرة أجهزة المخابرات.

أما حرب أكتوبر 1973، فرغم أن الجيش السوري لم ينتصر، إلا أن أداءه المشرف أعطى الأسد شرعية دولية. لكنه سرعان ما أدرك أنه لا يستطيع مواصلة الحرب ضد إسرائيل، خاصة بعد توقيع مصر اتفاقية سلام. من هنا، حوّل مهام الجيش من استعادة الجولان (على خلاف الخطاب الرسمي) إلى حماية النظام والتدخل في لبنان. في يونيو 1976، وبعد عام من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، دخل الجيش السوري لبنان بدعوة من اليمين المسيحي وببركة عربية. ويصف المؤلف هذه السياسة بالخادعة: فقد أبقى الأسد على مستوى معين من التوتر لمنع أي حل ينهي الحاجة لوجود سوري، وتخلص بدم بارد من أي معارض، مثل كمال جنبلاط (زعيم اليسار) وبشير الجميل (زعيم اليمين).

يمثل سقوط شاه إيران وصعود الخميني فرصة ثانية للأسد لتثبيت هيمنته الإقليمية. فقد عقد تحالفاً استراتيجياً مع إيران الشيعية رغم أن سوريا دولة عربية ذات أغلبية سنية. قدم نفسه كوسيط لا يمكن تجاوزه بين العرب والإيرانيين، وحافظ على توازن دقيق: كان صديقاً للإيرانيين دون قطع علاقاته مع العرب، مع إظهار عدائه الواضح للعراق. وعندما شارك رمزياً في التحالف الغربي ضد صدام حسين في حرب 1990-1991، حقق مكسبين: إضعاف خصمه العراقي، واستعادة المساعدات المالية من الدول النفطية التي توقفت في بداية الثمانينات.

يوثق الفصل الفترة الأصعب في حكم الأسد، وهي مواجهته مع الإخوان المسلمين، القوة الوحيدة القادرة على منافسة البعث لأنها تنتمي لنفس الفضاء الاجتماعي. يبدأ الصدام في يونيو 1979 بمجزرة في كلية المدفعية في حلب راح ضحيتها عشرات الطلاب العلويين. الأسد يرد بحملات اعتقال واسعة. لكن شقيقه رفعت الأسد كان يريد تصعيداً أكبر، ودبر محاولة اغتيال مفترضة ضد الأسد نسبها للإخوان. في 27 يونيو 1980، دخلت ميليشيات رفعت إلى سجن تدمر (الذي بنته الفيلق الأجنبي الفرنسي) وارتكبت مجزرة بحق نحو ألف معتقل من الإخوان. بعدها صدر القانون 49 الذي يعاقب بالإعدام مجرد الانتماء للإخوان، ولا يزال سارياً حتى كتابة النص. وزير الدفاع مصطفى طلاس اعترف بتوقيع مئات أحكام الإعدام. في فبراير 1982، كانت مجزرة حماة تتويجاً لهذا القمع الدموي.

عام 1983، أصيب الأسد بأزمة قلبية حادة، فحاول شقيقه رفعت اغتياله سياسياً والاستيلاء على السلطة. لكن رؤساء أجهزة المخابرات، الذين بايعوا رفعت ظاهرياً، اجتمعوا سراً ونظموا معارضتهم له. اكتشفوا أن رفعت كان قد بنى دولة داخل دولة تعتمد على "سرايا الدفاع" الموالية له. أُجبر على النفي إلى روسيا ثم إسبانيا وفرنسا حيث يدير ثروته الضخمة. في المقابل، استلم بشار الأسد تدريجياً ملفات السياسة.

يوضح الفصل الطبيعة البوليسية الكاملة للنظام. فمنذ انقلاب 1963، ألغيت حرية الصحافة وبقي ثلاث صحف فقط: تشرين، البعث، الثورة. مُنع إنشاء الأحزاب أو التجمعات. سيطر حزب البعث على النقابات المهنية (الأطباء، الصيادلة، المحامون). عام 1973، أصبح الحزب دستورياً "الحزب القائد للدولة والمجتمع". أنشأ الأسد "الجبهة الوطنية التقدمية" كواجهة تضم أحزاباً وهمية تابعة للبعث لإعطاء وهم ديمقراطي. حالة الطوارئ لم تقتصر على السياسة، بل طالت الحياة اليومية: الزواج، إقامة الحفلات، كل شيء يحتاج موافقة المخابرات (المخابرات)، مما فتح باب الرشاوى والفساد.

أما خصوصية النظام السوري فتكمن في جهاز المخابرات الجوية الذي أسسه الأسد لنفسه كأحد أقرب المقربين، الملازم محمد الخولي، قبل أن يصبح رئيساً. خدمة موازية للدولة، مسؤولة عن مراقبة كل شيء في المطارات والطائرات، وحمل الحقيبة الدبلوماسية. معظم عناصرها علويون. يصف الفصل كيف تحولت سوريا إلى "دولة بربرية" وفق تعبير الباحث الفرنسي ميشال سورا. النظام لم يكتف بالقمع، بل استخدم الفساد كأداة: الضباط يستخدمون معدات الجيش وعماله في مشاريعهم الخاصة، وتحول الجيش إلى "جيش الشحاتة". يقول المؤلف إن شعارات الأسد عن الوحدة العربية ومقاومة إسرائيل أصبحت فارغة وهو يستخدمها لحماية نفسه، لدرجة أنه يعتقل ويعذب أي سوري أو فلسطيني يحاول دخول الجولان المحتل حفاظاً على علاقته مع إسرائيل.

في الختام، ينتقل الفصل إلى مسألة الخلافة. بعد وفاة الابن الأكبر باسل في حادث سير عام 1994، اختار الأسد ابنه الثاني بشار، طبيب العيون الشاب، خلفاً له، رغم معارضة كبار الضباط والسياسيين. عبد الحليم خدام نائب الرئيس رفض توقيع المراسيم التي تجعل بشار قائداً للجيش عام 2000. كما أن الجنرال علي حيدر، بطل مجزرة حماة، عوقب بشدة. أما الجنرال علي دوبا فقد تقاعد. الجنرال مصطفى طلاس هو من أرغم خدام على التوقيع. ورغم أن بشار لم يكن عمره 35 سنة (أقل من 40 سنة وفق الدستور) وليس لديه أي خبرة سياسية أو عسكرية، فقد فرضه والده كمرشح وحيد.


ملاحظة أخيرة

يقدم هذا الفصل صورة مكثفة ومتشائمة عن نظام الأسد، مركزاً على العنف التأسيسي والفساد المستشري والطابع البوليسي كأسس للحكم. قد يجد القارئ أن الرؤية أحادية الجانب، إذ لا تقدم للقارئ أي وجه آخر للحياة في سوريا تحت حكم الأسد، ولا تأخذ في الاعتبار أي إنجازات اقتصادية أو اجتماعية أو استقرار أمني قابله جزء من السوريين على أنه ثمن مقبول. لكنها تبقى قراءة ضرورية لفهم منطق النظام وجذور الأزمة السورية اللاحقة.

3.29–41▼ ملخص

هذا الفصل يتناول الأزمة العميقة التي يعاني منها حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، ويطرح تساؤلاً محورياً: لماذا التزم هذا الحزب، الذي كان يُوصف بأنه "القائد للدولة والمجتمع"، الصمت التام منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في عام 2011؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا الصمت ليس اختيارياً، بل هو نتيجة حتمية لعملية تجريد الحزب من دوره الحقيقي لصالح المؤسسة العسكرية والأمنية، وهي عملية بدأت منذ وصول الحزب إلى السلطة.

يبدأ الفصل بتأكيد أن نزع صفة "القائد للدولة والمجتمع" عن الحزب في الدستور الجديد الذي أقره بشار الأسد في 26 فبراير 2012، كان اعترافاً ضمنياً بأن دور الحزب لم يكن سوى واجهة شكلية. ويشير المؤلف إلى أن هذه الخطوة جاءت متأخرة جداً، إذ إن المطلب الأساسي للمتظاهرين في 2011 لم يعد إصلاح نظام الحزب الواحد، بل إسقاط النظام بأكمله. فبعد أن طالب المتظاهرون بـ"سحب الشرعية" عن الرئيس في 24 يونيو 2011، و"إطاحة الخائن الذي يقتل شعبه" في 1 يوليو من العام نفسه، لم يعد تعديل دستوري كافياً لاسترضائهم.

ثم ينتقل الفصل إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، ويوضح أن سيطرة العسكر على الحزب تعود إلى انقلاب 8 مارس 1963، حين استولى ضباط بعثيون، من بينهم حافظ الأسد، على السلطة. منذ تلك اللحظة، فرضوا حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية، وحظروا الأحزاب الأخرى، وأخضعوا الإعلام للدعاية. هذه الممارسات أدت إلى هجرة الكوادر المدنية الأولى للحزب، الذي تحول إلى أداة في أيدي الجيش.

مع وصول حافظ الأسد إلى الرئاسة في 1970، لم تتغير هذه العلاقة. لقد حافظ على هيمنة العسكر، وأخضع القيادة المدنية للحزب لإرادته، وخصوصاً خلال أزمة الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. يذكر الفصل أنه أثناء مجزرة سجن تدمر، التي أمر بها رفعت الأسد انتقاماً لمحاولة اغتيال أخيه في 26 يونيو 1980، لم يستشر أحد أعضاء الحزب المدنيين. وبالمثل، أثناء قمع انتفاضة حماة في فبراير 1982، التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 20 ألف قتيل، تم إبقاء القيادة المدنية في جهل تام بالمجزرة. هذه الأحداث أثبتت للحزب أنه ليس سوى أداة لتبرير قرارات يتخذها غيره.

يشير الفصل إلى أن حافظ الأسد استنتج من انتفاضة حماة أن الحزب غير مفيد في استباق الأزمات أو إخمادها، فقام بإقصائه تدريجياً لصالح الأجهزة الأمنية (المخابرات). تحول دور الحزب إلى مجرد تغطية أمنية، وأصبح عناصره مخبرين يساعدون في مراقبة المجتمع. ولإحكام السيطرة، قام حافظ الأسد بتجميد عقد مؤتمرات الحزب لمدة 15 عاماً، وأنشأ "اللجنة المركزية" كإطار بديل مطيع، وأخفى في أدراجه أي مقترحات إصلاحية من شأنها رد الاعتبار للجناح المدني.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى بشار الأسد، ويؤكد أنه ورث عن والده نفس اللامبالاة تجاه الحزب. فخلال السنوات الست التي أعد فيها لخلافة والده، لم يبد أي اهتمام بعمل الحزب أو المشاركة في اجتماعاته. كان الحزب بالنسبة له "العجلة الخامسة" في عربة الحكم. وعند وصوله إلى الرئاسة في يونيو 2000، شرع في تطهير القيادة الحزبية القديمة. ففي المؤتمر التاسع، تم استبعاد عز الدين ناصر، القيادي القوي الذي كان يمكنه حشد ملايين العمال. واكتملت عملية التغيير في المؤتمر العاشر في يونيو 2005، حيث تم تخفيض عدد أعضاء القيادة من 21 إلى 14 عضواً، وتم تعيين شخصيات غير معروفة ممن يدينون بالولاء له ولأجهزة الأمن، مع الحرص على وجود تمثيل طائفي وهمي. وقد تجلت هشاشة الحزب في ربيع دمشق عام 2000، حين فشل البعثيون في الدفاع عن الحزب، مما دفع نائب الرئيس خدام إلى توبيخهم في خطاب جامع في 18 فبراير 2001، لكن دون جدوى. ومع تصاعد المطالب، تركهم بشار الأسد لأجهزة الأمن التي بدأت حملة اعتقالات في نهاية أغسطس 2001.

يصف الفصل عجز القيادة الحزبية عن التأثير على القرارات المصيرية. فبعد اندلاع الثورة في 15 مارس 2011، لم يصدر عن الحزب أي موقف. وفي 24 مارس، أعلنت بثينة شعبان عن قرارات اقتصادية، لكنها لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى أي دور للحزب. وعندما ألقى بشار الأسد خطابه في 30 مارس، كان واضحاً أنه سيتبع "أسلوب والده" في القمع دون الإنصات للمطالب. وحتى عندما حاول أعضاء القيادة المدنيون، الذين أحرجهم تزايد استقالات القاعدة الحزبية تضامناً مع المدن المحاصرة مثل درعا وبانياس، إقناع الرئيس بضرورة الحوار، قوبلوا بالرفض. في يوليو 2012، بعد قصف مبنى الأمن القومي، رأت القيادة أن الحل الأمني غير موضوعي، لكن الرئيس رفض أي حوار. وفي أكتوبر 2012، أثار إصرار القيادة على الدعوة للحوار غضبه، وأعلن أنه لن يتفاوض قبل استعادة السيطرة على كل الأراضي.

أخيراً، وللتخلص من القيادة الحالية، قام بشار الأسد بتنظيم "مؤتمر قطري صوري" في 8 يوليو 2013، غاب عنه المعارضون لسياسته مثل نائب الرئيس فاروق الشرع، وتم تعيين قيادة جديدة موالية بالكامل للحل الأمني، وخالية من أي ضباط، لتكون مجرد أداة تنفيذية.

في ختامه، يروي الفصل محاولة فاشلة لتأسيس "بعث جديد" على يد شخصيات سابقة بينهم محمد سلمان، وزير الإعلام السابق. أطلقوا في 8 أغسطس 2011 "المبادرة الوطنية الديمقراطية"، وانتقدوا علناً قيادة الحزب الحالية، واتهموها بالخيانة وتبني اقتصاد السوق الذي يخالف مبادئ البعث. لكن أجهزة الأمن تدخلت بسرعة، واستدعت محمد سلمان للتحذير، ثم اعتقلت أحد أبرز أعضاء المبادرة، مما أرغم المجموعة على حل نفسها في بداية أبريل 2012. الفصل يخلص إلى أن الحزب تحول إلى "قشرة فارغة"، لا يُستخدم إلا لطمأنة القواعد التي تستفيد من وجوده، فيما يقدم موقعه الإلكتروني دليلاً على فقره الفكري، حيث لا يذكر شيئاً عن معاناة السوريين.

4.42–50▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على وضع العلويين في سوريا، معالِجاً علاقة المجتمع بنظام بشار الأسد، وكيف تحوّلت هذه الطائفة من فئة مهمّشة تاريخياً إلى رهينة في الصراع، ومحاولة تفكيك فكرة التطابق بين العلويين والنظام. يطرح الكاتب جدليّة مفادها أن النظام استخدم العلويين كورقة ضغط وأداة قمع، مروّعاً إياهم بعودة الاضطهاد إذا سقط، بينما في المقابل يعاني العلويون أنفسهم من وطأة الحرب وفظائعها التي يُحمّلون مسؤوليتها جزئياً.

يبدأ الفصل بإلقاء الضوء على الماضي القريب، حيث كان العلويون يشكّلون أقلية مضطهَدة اجتماعياً واقتصادياً، يعملون كخدم وعمّال لدى كبار ملاّك الأراضي، ويتعرّضون للازدراء. يفسّر الكاتب أن طبيعة القمع العنيف في سوريا تعود جزئياً إلى هذا التاريخ، إذ يخشى العلويون الذين يمسكون بزمام السلطة اليوم من العودة إلى تلك الحال. لكنّه يستدرك قائلاً إن هذا الخوف لم يكن فكرة الثوار العلويين الأوائل مثل صلاح جديد، بل هو نتاج تراكمات وسياسات النظام المذهبية التي يندد بها علويون واعون.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى جهود معارضة علوية تسعى لفصل المجتمع عن النظام، فيقدّم مثالاً عن اجتماع عُقد في القاهرة بتاريخ 23 و24 مارس 2013. يذكر الفصل أن المشاركين، بقيادة بسام اليوسف، سعوا لطمأنة العلويين داخل سوريا بأن مستقبلهم مع الشعب السوري وليس مع النظام الذي يحتجزهم رهائن. يُورد البيان الختامي للمؤتمر الذي يرفض "الخطأ الأخلاقي القاتل" المتمثل في اعتبار النظام علوياً، ويحثّ أبناء الطائفة في الجيش على عدم رفع السلاح ضد同胞. لكن الفصل يعترف أن عدد المشاركين كان محدوداً، لأسباب منها الخوف من الملاحقة في سوريا، أو التشكيك في تمويل المؤتمر خشية أن يكون من رفعت الأسد.

يُوثّق الفصل بعدها تزايد علامات الغضب والقلق داخل "جبل العلويين". يستشهد بتحليل للصحفية كارولين دوناتي يظهر كيف حاول النظام إسكات المطالبين بالإفراج عن الدكتور عبد العزيز الخيير، لكن الانتقادات تسارعت. يسرد الفصل حوادث فرار ضباط علويين كبار إلى الأردن (نحو نهاية فبراير 2013) وتركيا (في 4 أبريل 2013)، قادمين من فرق موالية للنظام مثل الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد والحرس الجمهوري. السبب المباشر للغضب كان سقوط رقّة بيد تنظيم الدولة الإسلامية في يوليو وأغسطس 2014، وما تبعه من إعدام أكثر من ألف جندي وضابط، مما أثار انتقادات غير مسبوقة من أنصار النظام ضد القيادة، وهي انتقادات تطال بشار الأسد نفسه.

يذهب الفصل أبعد من ذلك ليقدّم أمثلة صارخة على تآكل الدعم. يروي كيف طرد أهالي قرية الحونادي في ريف اللاذقية في 27 أغسطس 2013 المسؤول الحزبي يوسف الأحمد، وهو قريب للأسد، عندما طالبهم بإرسال أبنائهم للجيش، ليردّ عليه شيخ بقوله: "عندما ترسل أنت ابنك سنفعل". يُشير الكاتب إلى استياء العائلات من إخفاء عدد القتلى، ومن إعطاء تعويضات هزيلة كرأسَي ماعز أو سيارة سوزوكي، بينما تظهر زوجة الرئيس أسماء الأسد بملابس فاخرة وحذاءٍ يتجاوز ثمنه ألف دولار (أي 147 ألف ليرة سورية). ثم يعرض حادثة استقبال علني للعقيد سهيل الحسن (النمر) في قمحانة وأرزة بهتاف "روحنا ودمنا"، وهو هتاف مخصص للرئيس فقط، مما يُظهر توجساً من ظهور منافس له.

يُفصّل الكاتب مشكلتَين رئيسيتين أوجدهما النظام في المنطقة الساحلية. أولاهما: الفوضى المسلحة، حيث وزّع النظام عبر مؤسسات مثل جمعية البستان الخيرية لـ رامي مخلوف وشعب حزب البعث أكثر من 100 ألف قطعة سلاح على مدنيين، مما أدى إلى جرائم وصراعات على أشياء تافهة كسرقة ضفيرة ثوم، وولّد ميليشيات جديدة "شبيحة". الثانية: اللامبالاة تجاه عائلات أنصار النظام المختطفين، فلم يُحرّك النظام ساكناً لتبادل نساء و30 طفلاً مختطفين في هضاب اللاذقية، ولا تجاه نساء خطفن في عدرا، لكنه سارع لتبادل 13 راهبة مسيحية من معلولا مقابل 153 سجينة، وتبادل ضابطاً إيرانياً مقابل انسحاب من حمص، مما يؤكد أن المفاضلة قائمة على أساس طائفي أو نفوذ عائلي.

يختتم الفصل بذكر حملة "صرخة" التي أطلقها نشطاء علويون في يوليو 2014 ضد الحرب الطائفية، معترفاً بأنها لا تعني انقلاباً كاملاً في الموقف، لكنها تدل على بداية كسر جدار الخوف. في 2015، يلاحظ الفصل أن آلاف الشباب العلوي اختاروا الهرب من الخدمة أو اللجوء إلى أوروبا، محذّراً من أن من بينهم مجرمي حرب محتملين. يُثبت الكاتب أن النظام هو من يدفع المجتمع العلوي نحو التطرف والعنف، وأنه يبقى السبب الأول في مأساتهم، على الرغم من أن جزءاً من العلويين مارسوا العنف نفسه.

نقطة قابلة للنقاش: يستند الفصل بشكل كبير إلى حكايات فردية وروايات غير موثقة في كافة تفاصيلها قد يصعب التحقق منها، كحادثة طرد يوسف الأحمد أو تفاصيل طريقة تعويض أهالي الشهداء. كما أن النظرة إلى الحوادث انتقائية إلى حد كبير، إذ يركّز على الفظائع التي يرتكبها النظام في حق العلويين ويتجنب المقارنة المتكافئة مع الفظائع التي قد يرتكبها أفراد الطائفة تحت غطاء القمع خارج المناطق الساحلية، مما يجعل التطبيق الكامل لوصف "رهينة" و"ضحية" أمراً يحتاج إلى نقاش.

5.51–64▼ ملخص

هذا الفصل يتناول بالتفصيل شبكة المحسوبية والفساد والعنف التي تُحيط بعائلة الأسد الحاكمة في سوريا، مُبيّناً كيف حوّلت هذه العائلة الدولة إلى إقطاعية خاصة بها على مدى نصف قرن من الحكم الديكتاتوري. يقدم المؤلف إجابة واضحة على سؤال محوري: كيف تمكنت عائلة الأسد من تركيع سوريا ونهب ثرواتها، وذلك من خلال سرد وقائع وروايات عن سلوك أفرادها الإجرامي والمافياوي.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف محمد توفيق الأسد، ابن عم رئيس الدولة، الملقب بـ"شيخ الجبل". يشرح المؤلف كيف كان هذا الرجل نموذجاً صارخاً للإفلات من العقاب، حيث كان يقود عصابات مسلحة تُعرف باسم "الشبيحة"، وهي جماعات تستخدم لترويع السكان وفرض السيطرة. يسرد الفصل جرائمه بالتفصيل، مثل تهريب الأسلحة والمخدرات عبر حدوده "الخاصة" بين لبنان وتركيا، وقتله عناصر من المخابرات وإخفاء جريمتهم، وطعنه طالباً جامعياً حتى الموت. وظيفتها في المنطق العام للفصل هي تقديم مثال حي على كيف أن الانتماء للعائلة يمنح حصانة مطلقة، مما يحول أفرادها إلى أمراء حرب محليين.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الصراعات داخل العائلة نفسها، مركزاً على علاقة الرئيس بشار الأسد المتوترة بأخته الكبرى بشرى وزوجها آصف شوكت. يوضح المؤلف كيف شعر بشار بالتهديد من طموحات زوج أخته، الذي كان يرأس مخابرات الجيش، وقام بتهميشه تدريجياً. يورد الفصل تفاصيل عن خلافات حادة، منها أن شقيق بشار الأصغر ماهر الأسد أطلق النار على آصف شوكت وأصابه في الماضي. كان هذا التهميش سبباً في غضب بشرى التي غادرت سوريا إلى الإمارات أكثر من مرة احتجاجاً، واصفة شقيقها بالضعيف تحت تأثير زوجته أسماء الأسد ومستشارته بثينة شعبان.

يتناول الفصل أيضاً خروج أفراد آخرين من العائلة عن صمتهم، ولو بشكل محدود، مثل فلك الأسد ابنة عم الرئيس. بعد سقوط معسكر اللواء 17 بيد تنظيم داعش في يوليو 2014، أطلقت فلك تصريحات نارية علنية على فيسبوك، انتقدت فيها فساد القيادة العسكرية والأمنية، متسائلة عن سبب عدم إنقاذ الجنود وتساءلت "أين هم كبار القادة العسكريين؟". كما خرج دريد الأسد، ابن عم آخر، مطالباً بإقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان بعد خسارة قاعدة الطبقة. ويشير الفصل بوضوح إلى أن انتقاداتهم طالت المحيطين بالرئيس وليس الرئيس نفسه مباشرة، رغم أن الجميع يعلم أن القرار النهائي بيده.

لا يخلو الفصل من تحفظات وأسئلة مفتوحة يطرحها المؤلف. على سبيل المثال، عند الحديث عن وفاة آصف شوكت المحتملة في تفجير يوليو 2012، يشير إلى أنه ربما كان قد مات قبل ذلك في محاولة تسميم، وأن الإعلان عن وفاته كان مجرد اعتراف رسمي متأخر. كما يتساءل عن مصير مئات الجنود المفقودين بعد سقوط معسكر اللواء 17، وعن جدية لجان التحقيق التي شكلها النظام، مؤكداً أنها لا تهدف للوصول إلى الحقيقة بقدر ما هي أداة للصراع الداخلي.

يُخصص القسم الأخير من الفصل لـ رامي مخلوف، ابن خال الرئيس، ويصفه بأنه "بطل المفترسين". يقدر ثروته بـ 6 مليارات دولار، ويسرد كيف استغل علاقته العائلية ليصبح أكبر مستحوذ على الاقتصاد السوري، حيث سيطر على قطاعات رئيسية مثل الاتصالات (سيريتل)، والمصارف، والإعلام، واستيراد التبغ، لدرجة أن صحيفة فاينانشال تايمز قدرت سيطرته على 60% من الاقتصاد السوري. يذكر الفصل بعض إخفاقاته، مثل محاولته الفاشلة لانتزاع وكالة سيارات مرسيدس من عائلة منافسة، لكنه يقر بأن "الأفضلية العائلية" كانت كفيلة بتعويضه عن أي خسارة.

في النهاية، يعرض الفصل مشهداً لعائلة حاكمة ممزقة بين العنف المفرط والجشع اللامحدود، حيث باتت سوريا مسرحاً لصراعاتهم ومصدراً لثرواتهم، حتى أن والدة بشار الأسد وحيدته عنيسة مخلوف غادرتا البلاد إلى دبي في وقت متأزم، في إشارة إلى فقدان الثقة بمستقبل النظام الذي يديره أبناؤها.

6.65–73▼ ملخص

يطرح هذا الفصل من كتاب "الكابوس السوري" فرضية محورية مفادها أن النظام السوري، تحت حكم كل من حافظ الأسد وابنه بشار الأسد، انتهج باستمرار ما يسميه المؤلف "سياسة إزعاج" أو "سياسة ضرر" تجاه خصومه، بدلاً من بناء قوة ردع إيجابية. فبسبب عجزه عن قيادة العالم العربي أو مواجهة أعدائه عسكرياً بشكل مباشر، لجأ النظام إلى أساليب غير مباشرة ووحشية أحياناً لإضعافهم. يقدم الفصل مثالين رئيسيين لتوضيح هذه السياسة: الأول مع تركيا في عهد الأب، والثاني مع الولايات المتحدة والعراق في عهد الابن.

في المثال الأول، يشرح الفصل كيف استخدمت سوريا دعمها لـ عبد الله أوجلان (آبو) وحزب العمال الكردستاني (PKK) كأداة ضغط على تركيا بسبب نزاعهما المائي حول نهري دجلة والفرات، والنزاع الإقليمي حول لواء إسكندرون (سنجق الإسكندرية). منذ عام 1979، سمحت سوريا لأوجلان، العدو اللدود للحكومة التركية، بالوجود على أراضيها، وأمدته بالأسلحة والملاذات الآمنة في سوريا ولبنان (خاصة في وادي البقاع)، وسمحت له بتجنيد مئات بل آلاف السوريين الأكراد، بمن فيهم "محرومو الجنسية" منذ إحصاء عام 1962. كان هذا الدعم مفارقة لافتة، إذ تقوم سوريا بقمع حقوق الأكراد داخلياً (بمنعهم من تعليم لغتهم أو الاحتفال بأعيادهم) بينما تدعمهم خارجياً ضد عدو مشترك. انتهت هذه المغامرة في أكتوبر 1998 حين هددت تركيا بغزو سوريا. أمام تفوق القوة التركي، سارع حافظ الأسد إلى طرد أوجلان، الذي اختُطف لاحقاً في كينيا وحُكم عليه بالسجن المؤبد في جزيرة إمرالي. اضطرت سوريا لتوقيع اتفاقية أضنة في 20 أكتوبر 1998، متعهدة بوقف دعمها للـ PKK. يخلص الفصل إلى أن هذه السياسة باءت بالفشل وخسرت سوريا أي أمل باسترداد لواء إسكندرون، بل ووقعت في يناير 2010 اتفاقاً لبناء "سد الصداقة" المشترك مع تركيا على نهر العاصي.

المثال الثاني يركز على فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001 وحرب العراق عام 2003. يوضح الفصل كيف حاول بشار الأسد في البداية استغلال قدرته على مكافحة الإسلاميين، ليقدم نفسه كشريك مفيد للغرب. لكن مع غزو العراق، وخوف النظام السوري من أن يكون التالي بعد صدام حسين في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الديمقراطي الذي تروج له الإدارة الأمريكية، تحولت سوريا إلى عرقلة المسعى الأمريكي. كان أبرز تجليات ذلك هو دعم النظام المبطّن لـ "الجهاد" في العراق عبر شخصية دينية هي الشيخ أبو القعقاع (محمود قول أغاسي). يزعم الفصل أن هذا الشيخ لم يكن ليتمكن من التبشير بالجهاد من مسجده في حلب، ورفع السلاح، وإرسال المئات من الشبان إلى العراق دون موافقة أجهزة الأمن السورية. توثق الفقرة كيف كانت حافلات المجاهدين تنطلق علناً من ساحة الروضة في دمشق، على مرأى من السفارة الأمريكية، في تحدٍّ واضح. يرى المؤلف أن الدافع السوري لم يكن حباً لصدام (الذي كان النظام السوري يبغضه) بل خوفاً استراتيجياً من أن تحل سوريا مكان العراق على قائمة أهداف واشنطن. عندما استقر الوضع في العراق نسبياً، أجبرت الضغوط الأمريكية النظام على تقليص تدفق المقاتلين، لكنه تحول إلى استضافة قادة حزب البعث العراقي السابقين ليشنوا هجمات. ينتهي الفصل بمصير أبو القعقاع المأساوي، فبعد أن "أُعيد تدريبه" لدى شيخ سوري موالٍ، اغتيل في سبتمبر 2007، ويلمح المؤلف أنه إما ضحية أحد الجهاديين الذين خدعهم وسلمهم للأمن السوري، أو أنه صفي من قبل المخابرات السورية نفسها بعد أن انتهى دوره.

يعترف الفصل بحدود هذه السياسة ونتائجها العكسية، مشيراً إلى أن الخوف من الرد العسكري التركي أجبر سوريا على التراجع، وأن دعم الجهاديين عاد ليؤذي العراق ويخلق فوضى إقليمية. يفتح الفصل تساؤلات نهائية حول كيفية التعامل مع نظام يصفه بأنه "دولة لصوص" تمارس الابتزاز، وتتصرف بعقلية "البازار" السياسي التي تتعامل مع كل شيء، حتى الإرهاب، كسلعة للمساومة. هذه النهاية هي انعكاس لرأي المؤلف الواضح، الذي يرى في هذه التكتيكات سبباً رئيسياً لانعدام الثقة في النظام السوري. في هذا المثالين، يظهر الفصل بوضوح أن آلية العمل لم تتغير بانتقال السلطة من الأب إلى الابن، وأن "سياسة الإزعاج" كانت الأداة الأساسية للنظام في غياب القوة الحقيقية أو الشرعية الدولية.

7.74–84▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على السنوات الأولى من حكم بشار الأسد، منذ توليه الحكم في يونيو 2000 وحتى اندلاع الأزمة السورية، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: هل كان بشار الأسد حقاً مصلحاً كما ظنّ البعض في بداية حكمه، أم أن وعوده بالإصلاح كانت ستاراً لاستمرار الدكتاتورية؟ يقدّم المؤلّف إجابة واضحة مفادها أن بشار الأسد ورث نظام أبيه وأبقى على هيكله القمعي، متظاهراً بالإصلاح بينما كان يخنق أي حراك ديمقراطي حقيقي، ومستبدلاً في الوقت نفسه الاشتراكية بالليبرالية الاقتصادية التي أفادت العائلة الحاكمة والمقربين منها فقط.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مرحلة اغتنام بشار السلطة بعد وفاة والده، حيث يُظهر كيف عدّل مجلس الشعب الدستور لخفض سن الترشح للرئاسة من 40 إلى 34 عاماً، ثم تم انتخابه في استفتاء شعبي في يوليو 2000 بنسبة 97% . في البداية، يخلق الفصل جواً من التفاؤل حين يصف "ربيع دمشق" الذي تلا خطاب تنصيب بشار مباشرة، حيث طالب مثقفون ونشطاء مثل أنطون مقدسي ورياض سيف بإقامة دولة مدنية لائكة، وقدّموا عرائض مثل "بيان الـ 99 " و"بيان الـ 1000 ". لكن سرعان ما يتحول المسار، فيذكر الفصل أن بشار كان يقول في البداية "ليس لكم الحق في المنع بل الواجب في المعرفة"، لكنه سرعان ما انحاز إلى "المتشددين" في النظام، وفي أغسطس 2001 تدخلت المخابرات لإنهاء "ربيع دمشق" واعتقال بعض رموز المعارضة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى إعلان دمشق في أكتوبر 2005، وهو محاولة جديدة وأكثر تنظيماً من المعارضة، بقيادة ميشيل كيلو وبمباركة جماعة الإخوان المسلمين في المنفى. وقع الإعلان أكثر من 250 شخصية معارضة، واصفاً النظام بـ"الهيمني" و"الشمولي" و"الطائفي"، داعياً إلى إصلاحات سلمية تدريجية. يحلل الفصل أن الإعلان كان "استباقياً" إذ حذر من مخاطر الفوضى والتطرف إذا استمر النظام في تجاهل المطالب. وكان رد النظام هو بيان حلب المعاكس، واستمرار القمع، فبعد عام واحد من الاجتماع العام الأول للإعلان في ديسمبر 2007، كان 12 من أعضائه في السجن.

بعد فشل الإصلاح السياسي، يركز الفصل على الإصلاح الاقتصادي الذي قاده عبد الله الدردري و"اقتصاد السوق الاجتماعي". يشرح الفصل أن هذه السياسة كانت في الحقيقة "ليبرالية" على الطريقة السورية، حيث تم خلق شركتين قابضتين (الشام وسورية) تحت وصاية العائلة الحاكمة، لتجميع رجال الأعمال الكبار. الهدف الخفي كان إنهاء احتكار صهر بشار، رامي مخلوف، للاقتصاد من خلال خلق منافسة صورية. ينتقد الفصل هذا التوجه بشدة، موضحاً أنه أدى إلى ظهور ثروات هائلة لطبقة ضيقة بينما عانى غالبية الشعب من ارتفاع الأسعار والجفاف بين 2006-2007، مما خلق أرضاً خصبة للاحتقان.

يتناول الفصل أيضاً أدوات السيطرة الفكرية، حيث يبيّن كيف سمح النظام بوسائل إعلام خاصة لكنها خاضعة تماماً له، مثل صحيفة الوطن التابعة لمخلوف ومجلة أبيض وأسود التي يديرها ابن رئيس الأركان. أما عن الإنترنت، فيذكر أن بشار كان يرأس جمعية الحاسوب السورية التي سيطرت على الشبكة، وأسس موقع كلنا شركاء لمواجهة المواقع المعارضة مثل أخبار الشام. وفيما يخص الدين، يستمر سيطرة المخابرات على المساجد والكنائس، حيث يتم فرض الخطب وتعيين مريدي النظام مثل أحمد حسون مفتياً للجمهورية.

في القسم الأخير، ينتقل الفصل إلى تحليل الأخطاء الاستراتيجية لبشار، معتبراً إياها نتاجاً لسوء التقدير والمشورة غير المؤهلة. من أبرز هذه الأخطاء: تبنّي القرار 1559 بشأن لبنان استناداً إلى نصائح خاطئة، وإهانة القادة العرب في القمم (مثل وصف السعوديين والمصريين بـ"نصف رجال")، والظهور العلني مع محمود أحمدي نجاد وحزب الله مما أغضب السنّة، وأخيراً اغتيال رفيق الحريري حيث لم يستوعب بشار أنه في عصر جديد سيكون للجريمة ثمن دولي باهظ. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مدى استقلالية بشار في قراراته وتأثير محيطيه عليه، لكنه يخلص إلى أن هذه الأخطاء تراكمت وأبعدت سوريا عن أي إصلاح حقيقي وجعلتها تتجه نحو الكارثة.

8.85–99▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على شخصية بشار الأسد واستراتيجيته في مواجهة الانتفاضة السورية التي بدأت في 2011، ويحاول تفنيد الادعاءات القائلة بأنه "حامي الأقليات". يقدّم المؤلف صورة قاتمة عن رئيس يعتمد على الإرث القمعي لوالده حافظ الأسد، ويستخدم القسوة والطائفية كأدوات للبقاء، ويرى أن إجابته المحورية هي أن النظام لم ولن يتنازل، وأنه مستعد لاستخدام أي وسيلة لإخماد الثورة، حتى لو تطلب ذلك تدمير النسيج الاجتماعي للبلاد.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليكشف النقاب عن آليات القمع. يوضح كيف قام النظام فوراً بتحويل الاحتجاجات إلى صراع طائفي من خلال جعل الأغلبية السنية العدو الرئيسي، بينما يخيف الأقليات الأخرى (علويين، مسيحيين، دروز، إسماعيليين) بتهديد "الخطر السني". يستخدم الفصل مثالاً صارخاً على هذه الاستراتيجية، حيث يشير إلى أن 85% إلى 90% من ضباط الجيش البالغ عددهم 70,000 هم من الطائفة العلوية التي لا تمثل سوى 10% من السكان. ينتقد المؤلف بشدة ما يسميه "أسطورة النظام حامي المسيحيين"، ويقدم أدلة على قمعه لهم بنفس القسوة، مستشهداً بحالات مثل اختفاء الناشط بسام غيث (من الطائفة السريانية) بعد تعذيبه في السجن، وسجن المحامي خليل معتوق (الروم الأرثوذوكس) لمجرد دفاعه عن المعتقلين، وابتزاز الشباب المسيحي في حماة بمبالغ تصل إلى 600,000 ليرة سورية (نحو 3,300 دولار). كل هذه الحجج تهدف إلى إثبات أن النظام لا يميز في قمعه بين طائفة وأخرى، وأن ولاءه المطلق هو للسلطة وليس لأي مجموعة دينية.

يتطرق الفصل بعدها إلى جرائم القتل الجماعي التي ارتكبتها القوات الموالية، بدءاً من 2012، كجزء من استراتيجية متعمدة لتهجير السكان السنة وخلق "ملجأ علوي" متصل جغرافياً. يذكر الفصل تفصيلاً مجازر الحولة (108 قتلى)، قبير (بين 55 و78 قتيلاً)، وتريمسة (200 قتيل)، والتي وقعت جميعها في مناطق مختلطة طائفياً. يقرّ الفصل بتحفظ مهم، وهو أن هذه المذابح لم تنجح في تحقيق أهدافها بالكامل، بل تسببت في ردود فعل انتقامية من قبل بعض الجماعات المقاتلة، مما غذى دائرة العنف الطائفي. كما يُظهر الفصل ازدواجية النظام، حيث يتهم المعارضة بـ "التعصب" بينما هو من يمارسه عبر إطلاق سراح أكثر من ألف جهادي من سجن صيدنايا في 2011 لتأجيج الصراع الطائفي وتبرير قمعه.

في النصف الثاني من الفصل، يتحول التركيز إلى الضعف المتزايد للنظام. يجادل المؤلف بأن بشار الأسد لا يمكنه الفوز عسكرياً بدون دعم حلفائه الإيرانيين والروس، الذين يوفرون له عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة. بدعم من هذا الدعم الخارجي وصفقات النفط، يظل النظام قادراً على الصمود، لكنه يواجه مشكلة في تجنيد جنود جدد من بين السوريين أنفسهم. يسرد الفصل الإجراءات اليائسة التي اتخذها النظام لتجنيد القوى البشرية، مثل: تعديل قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية في 6 أغسطس 2014 ليشترط خدمة ثلاثة من أبناء العائلة الواحدة، واختراق المقاهي في اللاذقية خلال مباراة برشلونة لخطف الشباب المتهربين من التجنيد. يذكر الفصل أيضاً تشكيل كتيبة من النساء المقاتلات (800 امرأة) تحت قيادة ماهر الأسد كجزء من حرب الدعاية، لكنه يشكك في أهدافها ويعتبرها انعكاساً للنقص الحاد في الجنود الذكور.

في نهاية الفصل، يتعرض المؤلف لموقف النظام من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. يشير إلى أن النظام لم يحارب التنظيم فعلياً بل استمر في قصف المناطق المعارضة، ويحاول استغلال الحرب "ضد الإرهاب" لشرعية بقائه. يطرح المؤلف سؤالاً مفتوحاً ونقاشياً في ختام الفصل حول مستقبل النظام، ويرى أن بقاءه أصبح مرهوناً بالدعم الخارجي أكثر من أي وقت مضى، وأنه بات "أضعف وأقل فعالية من أي وقت مضى" في السيطرة على البلاد، حيث لا يسيطر سوى على خُمس الأراضي السورية عند صيف 2015.

9.100–117▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل من كتاب "الكابوس السوري" لإغناس دال الأبعاد المحلية للنزاع السوري، والتي غالباً ما تُهملها التغطية الإعلامية والتحليلات السياسية التي تركز على الأبعاد الدولية والإقليمية. يقدم المؤلف الإجابة المحورية بأن فهم تعقيدات الحرب الأهلية لا يمكن بلوغه إلا من خلال دراسة المستوى المحلي، حيث لا يُنظر إلى الاشتباك كهدف بحد ذاته، بل كسياق يجب التكيف معه. فالسكان المحليون يعيشون "النزاع" ولا يعيشون "منه"، مما يدفعهم إلى ابتكار طرق لإعادة بناء نظام محلي يحميهم من أن يجرفهم الصراع بالكامل.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بوصف الفراغ الذي خلقه انسحاب الدولة السورية تدريجياً منذ عام 2011 من بعض المناطق، محرماً إياها من الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والتعليم، في محاولة لخلق فوضى تُسهّل استهداف الثورة. في مواجهة هذا الفراغ، برزت تنسيقيات محلية عفوية في مارس 2011، كان دورها الأولي تنظيم الاحتجاجات السلمية وتوثيق انتهاكات النظام. تطورت هذه التنسيقيات إلى لجان تنسيق محلية (LCC) قامت بحملات عصيان مدني وإضرابات، ووثقت يومياً أعداد الضحايا، ورفضت الدعوات الأولى للتسلح. لكن مع تحول الاحتجاج السلمي إلى نزاع مسلح مفتوح خلال عام 2012، ظهرت "مجالس محلية" في المناطق المحررة من سيطرة النظام، بهدف إدارة الشؤون اليومية وتقديم الخدمات والإغاثة، وغالباً ما كانت هذه المجالس نتاجاً للمجتمع المدني وليس للمعارضة السياسية التقليدية.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن عراقيل الائتلاف الوطني (CN) الذي تشكل في نوفمبر 2012، والذي كان من المفترض أن يمول المجالس المحلية. لكن تدخلات دولية، خاصة من قطر والمملكة العربية السعودية، جردته من طابعه السوري وجعلته ساحة للصراع الدبلوماسي. أدى فشل الائتلاف في الحصول على دعم ملموس من المجتمع الدولي، واتهاماته بالمحسوبية في توزيع المساعدات المحدودة وغير المنتظمة، إلى فقدان ثقة المجالس المحلية والمقاتلين به، مما دفعهم للبحث عن مصادر تمويل خاصة بهم. يعرض الفصل بالتفصيل تاريخ المجلس الوطني السوري (CNS) وتصدعاته المتكررة، من إنشائه في سبتمبر 2011 باستقالات قياداته المتلاحقة مثل برهان غليون وبسمة قضماني، وصولاً إلى اتهامه بأنه يتكون من مغتربين بعيدين عن أرض الواقع وتحت وصاية قطر المالية والإخوان المسلمين.

يخصص الفصل حيزاً مهماً لتحليل طموحات الجماعات المسلحة وتطورها. فبينما بدأت كمجموعات دفاع عن النفس، تحولت مع الزمن إلى فاعلين سياسيين وإداريين. يشرح كيف أن فشل المعارضة السياسية في دعم المقاتلين عسكرياً ومادياً، دفع العديد من الجماعات، وخاصة الإسلاموية السورية، إلى تبني أجنداتها السياسية الخاصة، رافضة سلطة الائتلاف ومعلنة رغبتها في إقامة دولة إسلامية. من أبرز الأمثلة على ذلك تشكيل الجبهة الإسلامية السورية (FIS) في ديسمبر 2012 بقيادة حركة أحرار الشام، والتي جمعت بين الفعالية العسكرية والعمل الاجتماعي، ثم تشكيل الجبهة الإسلامية (FI) في نوفمبر 2013 كأكبر قوة عسكرية للمعارضة.

يتناول الفصل قضية حساسة وهي محاولة الحفاظ على حد أدنى من دولة القانون في المناطق المحررة، حيث شكّل القضاء العرفي أولوية لمعالجة قضايا اللصوص والمجرمين وعملاء النظام ومنع الثأر الشخصي. لكنه لا يتجاهل جرائم المعارضة، مستشهداً بتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. فمنظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في نوفمبر 2015، الذي قدرت فيه عدد المختفين قسراً بـ 65,000 شخص (غالبيتهم على أيدي النظام)، أشارت أيضاً إلى جرائم حرب ارتكبتها جماعات مسلحة معارضة، مثل الإعدامات الميدانية والتعذيب واستخدام الأطفال. أما هيومن رايتس ووتش، ففي تقريرها في مارس 2015، اتهمت المعارضة بقصف أحياء الأقليات في دمشق بشكل عشوائي، معترفةً بأن هذه الانتهاكات لا تُقارن بحجم جرائم النظام الذي يمتلك طائرات ودبابات. في مقابل هذه الصورة القاتمة، يذكر الفصل استثناءات مثل الناشط الحقوقي مَعن عبد السلام الذي شجع المقاتلين على إقامة علاقات جيدة مع المدنيين والمنظمات الإنسانية.

يحلل الفصل استراتيجية جبهة النصرة منذ ظهورها في أواخر 2011 وأوائل 2012، موضحاً أنها قوبلت ببرود من الثوار الذين اشتبهوا في ارتباطها بالنظام. ولكنها سرعان ما فرضت نفسها كأحد أكثر التشكيلات فعالية عسكرياً وتعاونا مع الفصائل الأخرى. كما شاركت في أعمال مدنية متنوعة كجمع النفايات وإدارة المخابز والمستوصفات. لكن الفصل يوضح أن هذا النشاط المدني لم يأتِ ليملأ فراغاً في كفاءة المجالس المحلية، بل لأن الأخيرة توقفت عن الإعلان عن مشاريعها خوفاً من قصف النظام لها. ويميز الفصل بعمق بين جبهة النصرة (المرتبطة بالقاعدة) وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فالخلاف بينهما أيديولوجي وسياسي واستراتيجي، حيث تركز الأولى على إسقاط النظام السوري وترى في القتال ضد الغرب وإسرائيل أولوية لاحقة، فيما تركز الثانية على محاربة الإيرانيين والشيعة. علاوة على ذلك، فإن مقاتلي النصرة هم في غالبيتهم سوريون، وتعتمد تمويلها على شبكات خليجية وتركية، مما جعل محللين مثل زياد ماجد يعتبرونهم "قابلين للاسترداد"، على عكس الدولة الإسلامية التي يصفها الفصل بالإرهاب المطلق.

يختتم الفصل بتحليل التفتت الذي يعمّ كلاً من النظام والمعارضة معاً. في جانب النظام، على عكس الصورة النمطية لجبهة متماسكة، يصف بيتر هارلينغ من مجموعة الأزمات الدولية ضعف الجيش النظامي الذي دفع النظام للاعتماد على ميليشيات شبه مستقلة وشبه إقطاعية، تتنافس فيما بينها وتتبع أجنداتها الخاصة، وتتقاسم السيطرة على الأرض عبر نقاط التفتيش. وبالمثل، تعاني المعارضة من تفتت مشابه، فبنيتها الأساسية هي أمراء حروب محليون يسيطرون على مناطق صغيرة ويوالون جهات خارجية مختلفة. يخلص الفصل إلى أن النزاع أصبح "مجموعة من الصراعات الدقيقة" حيث يسعى كل طرف للدفاع عن منطقته أكثر من السعي لهزيمة العدو، وأن الاقتصاد تحول من إنتاجي إلى اقتصاد مقايضة يخدم استمرار الحرب. ويؤكد أن مشاريع الفاعلين المختلفة (علمانية، إسلاموية، جهادية) جعلت العمل المشترك شبه مستحيل، وأن الحدود بين هذه الجماعات ليست واضحة المعالم، مما يجعل المشهد السوري غير قابل للقراءة من منظور غربي تقليدي.

رأي شخصي (اختياري): يقدم الفصل تحليلاً دقيقاً ومعقداً يكسر الصور النمطية عن الحرب السورية. فهو لا يقتصر على سرد الأحداث، بل يحاول فهم المنطق الداخلي لكل فاعل، مما يفسر فشل الحلول السياسية البسيطة ويظهر الحرب كنتاج لتفاعل محلي وإقليمي ودولي معقد، حيث أصبح استمرار الصراع مصلحة للعديد من الجهات.

10.118–149▼ ملخص

هذا الفصل هو الفصل الأول من كتاب "الكابوس السوري"، ويحلل بعمق الموقف الروسي من الأزمة السورية، ويشرح الأسباب الكامنة وراء دعم فلاديمير بوتين الثابت لنظام بشار الأسد. الموضوع المحوري هو أن الدعم الروسي لا يتعلق بمستقبل سوريا أو ديمقراطيتها، بل هو جزء من استراتيجية أوسع للحفاظ على نفوذ موسكو كقوة عظمى، واستخدام السياسة الخارجية كأداة لتعزيز الاستقرار الداخلي للنظام الروسي نفسه. يقدم المؤلف إجابة واضحة: إن دعم روسيا للنظام السوري هو نتاج لمزيج معقد من المصالح الاستراتيجية والعقيدة الأيديولوجية لـ بوتين وتصوراته عن النظام العالمي.

يسير الفصل منطقياً عبر عدة مراحل. يبدأ بوصف حالة "سوء الفهم" التي تسود في الغرب والعالم العربي تجاه الموقف الروسي، مستشهداً بتحليلات خبراء روس مثل ديميتري ترينين وفيدور لوكيانوف. يرى هؤلاء الخبراء أن الغرب لا يدرك أن روسيا لا تدعم الأسد شخصياً بقدر ما تدافع عن مبدأ عدم التدخل الخارجي في الحروب الأهلية وعدم استخدام مؤسسات دولية مثل مجلس الأمن لأغراض سياسية. يذكر الفصل أن لوكيانوف يشير إلى أن البعض في الغرب بدأ في 2012 يعتقد أن الموقف الروسي "ليس غير معقول إلى هذا الحد"، خوفاً من عواقب إسقاط الأسد على الأقليات مثل العلويين والمسيحيين.

ثم ينتقل الفصل إلى تقديم خلفية تاريخية للعلاقات الروسية السورية، منذ 1944 عندما أقام الاتحاد السوفيتي علاقات دبلوماسية مع دمشق، مروراً بمعاهدة الصداقة عام 1980. ويشير إلى أن هذه العلاقة كانت "ظرفية" ومبنية على المصالح الاستراتيجية، مثل موازنة التحالف الأمريكي المصري بعد انحياز السادات للغرب. ويسلط الضوء على أن الفترة "المثالية" لم تدم طويلاً بسبب سياسات غورباتشوف (البيريسترويكا) التي أثارت حفيظة حافظ الأسد. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، توقفت العلاقات حتى وصول بوتين، الذي أعاد بناء النفوذ الروسي تدريجياً، ونجح في إقناع سوريا بأنها يمكن أن تكون حليفاً بديلاً عن الغرب، خاصة بعد غزو العراق عام 2003.

يحلل الفصل بعمق عملية صنع القرار الروسي تجاه سوريا، مستشهداً بعدة محللين. تقول الصحفية ماري جيغو إن سوريا أصبحت "قضية شخصية جداً" بالنسبة لـ بوتين، وأنه مدفوع برؤية "كي جي بيستية" استبدادية ترى في الاحتجاجات مجرد "تلاعب". ويؤكد المؤرخ توماس غومار أن هناك "شيئاً مشتركاً جداً بين النظامين"، حيث أن الأولوية لـ بوتين هي بقاء نظامه هو نفسه. في المقابل، يحذر جوليان نوسيتي من "المبالغة" في تقدير تأثير موسكو على نظام الأسد، مشيراً إلى أن مسؤولين روس مثل نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف أصيبوا بالإحباط من "تصلب" الموقف السوري، وخاصة رفضهم الإفراج عن 8500 معتقل سياسي خلال مفاوضات في يناير 2015.

يقدم الفصل بعد ذلك الحجج والأدلة الرئيسية التي تسوقها روسيا لتبرير موقفها. أولاً: التعاون العسكري، حيث تشكل صفقات الأسلحة جوهر العلاقة، وتهدف روسيا للحفاظ على قاعدة طرطوس البحرية كمنفذ وحيد لها في البحر المتوسط. ثانياً: حماية المسيحيين الأرثوذكس، حيث تسعى روسيا للظهور كحامية للمسيحيين في الشرق، في وقت تخلى فيه الغرب عن هذا الدور. ثالثاً: مكافحة الإسلاموية الراديكالية، وهي حجة قوية في روسيا التي تعاني من تهديدات إرهابية داخلية (بيسلان، مترو موسكو) ولديها جالية مسلمة كبيرة. رابعاً: الوفاء بالتحالفات، فروسيا تريد إظهار نفسها كحليف مخلص لا يتخلى عن أصدقائه، على عكس ما فعلته الولايات المتحدة مع مبارك. خامساً: الدرس الليبي، حيث تعتبر روسيا أن تدخل الناتو في ليبيا عام 2011 تجاوز تفويض الأمم المتحدة وأدى إلى الفوضى، لذا ترفض تكرار السيناريو في سوريا. سادساً: مبدأ عدم التدخل، حيث ترفض روسيا أي تغيير للنظام يتم من الخارج، وتعتبر أن هذا المبدأ ضروري لحماية سيادتها ومصالحها في جوارها (مثل أوكرانيا).

يختتم الفصل بعرض عملي لسياسة العرقلة الروسية في الأمم المتحدة، مسجلاً حالات استخدام الفيتو الثلاثي في فبراير ويوليو 2012 ويونيو 2014 لمنع إدانة النظام السوري. كما يتناول الحادثة البارزة المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، حيث يصف كيف لعب بوتين ورقة دبلوماسية ذكية باقتراحه وضع هذه الأسلحة تحت إشراف دولي في سبتمبر 2013 (في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز)، مما حال دون التدخل العسكري الأمريكي. وأخيراً، يتبع الفصل تطور الموقف الروسي إلى التدخل العسكري المباشر في أواخر سبتمبر 2015، مشيراً إلى أن الضربات الجوية الروسية الأولى استهدفت وفقاً لتقارير غربية جماعات معارضة معتدلة وليس بالكامل تنظيم الدولة الإسلامية.

في هذا الفصل، هناك حجتان قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص. الأولى هي التفسير المزدوج لسياسات بوتين: هل هو واقعي بارد يحسب المصالح فقط، أم هو أيديولوجي له رهاب من الثورات الشعبية ويرى نفسه في بشار الأسد؟ يميل كتّاب مثل شيبتسوفا وكرامر بقوة إلى التفسير الثاني، معتبرين أن السياسة الخارجية أداة لبقاء النظام. الحجة الأخرى هي مسألة توقعات الخبراء الروس. ففي الوقت الذي كان فيه خبراء مثل ترينين وبوغدانوف يعترفون في 2012 بأن سقوط نظام الأسد محتمل وأن المعارضة تحقق تقدماً، كان القرار السياسي الأعلى يتعارض مع هذه التحليلات، مما يكشف عن انفصال بين التحليل العقلاني والإرادة السياسية المطلقة لـ بوتين، التي تعتبر بقاء الأسد شرطاً لبقاء شرعيته هو.

11.150–173▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل العلاقة المتقلبة بين الولايات المتحدة وسوريا، منذ مرحلة الحرب الباردة وحتى العام 2015، مُركّزاً على عجز الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن وضع استراتيجية واضحة وفعالة تجاه النظام السوري. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن السياسة الأمريكية تجاه سوريا ظلت متأرجحة بين التهديد والعقاب من جهة، والتفاوض الانتقائي من جهة أخرى، دون أن تتمكن من فرض إرادتها أو تحقيق أهدافها المعلنة، لا سيما فيما يتعلق بإسقاط نظام بشار الأسد أو وقف التدخلات السورية في المنطقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تاريخ العلاقات الثنائية. يبدأ بعرض جذور التوتر إبان الحرب الباردة، حيث نظرت سوريا إلى سياسة الاحتواء الأمريكية على أنها إرث للهيمنة الغربية، مما دفعها نحو التحالف مع الاتحاد السوفيتي. يستعرض الفصل بعد ذلك فترة الستينيات والسبعينيات، مسلطاً الضوء على العلاقة الاستثنائية التي نشأت بين حافظ الأسد ووزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، التي تميزت بالصراحة والدهاء السياسي من الجانبين، على الرغم من العداء المبدئي بين البلدين. ثم ينتقل إلى مرحلة التوترات الجديدة بعد كامب ديفيد، وغزو العراق للكويت، حيث تحسنت العلاقات مؤقتاً لمشاركة سوريا في التحالف الدولي عام 1990-1991.

يتناول الفصل بالتفصيل فترة حكم بشار الأسد، ويصفها بأنها فترة مضطربة. كان السبب الرئيسي للتوتر هو معارضة سوريا الشديدة لغزو العراق عام 2003. يعرض الفصل المنطق السوري القائل بأن إسقاط صدام حسين هو مجرد مرحلة أولى في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي يستهدف سوريا بعد ذلك. لتجنب هذا المصير، اتبعت سوريا استراتيجية واضحة: تعرقل النجاح الأمريكي في العراق لتجعلهم ينشغلون بمستنقع جديد، وتُبقي على خيار الأسد كبديل وحيد عن الفوضى والتطرف. يصف الفصل بالتفصيل "عملية التقويض" التي قامت بها المخابرات السورية، حيث ساعدت المقاتلين الإسلاميين للذهاب إلى العراق مع إظهار أنها تكافح الإرهاب، في مسرحية مزدوجة الهدف.

يستعرض الفصل الزيارة الشهيرة لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول إلى دمشق في 3 مايو 2003، حاملاً قائمة من المطالب التي اعتبرتها سوريا كشروط للخضوع، ومنها وقف دعم الفصائل الفلسطينية وإنهاء التدخل في لبنان. ويوضح كيف أن النظام السوري، بدلاً من الامتثال، تضاعف في مقاومته. ينتقل الفصل بعدها إلى حقبة الرئيس باراك أوباما، موصِفاً سياستها بأنها "تغيير في الاستمرارية". بينما رفض أوباما فكرة الحرب الجديدة وسعى إلى حوار تدريجي مع سوريا، إلا أن العلاقات ظلت متجمدة بسبب استمرار الخلافات حول الملفات الأساسية مثل لبنان وإيران وحزب الله والملف النووي السوري.

عند اندلاع الاحتجاجات السورية في مارس 2011، يصف الفصل تردد واشنطن الواضح. كانت الولايات المتحدة عالقة في حربي العراق وأفغانستان من ناحية، ومكبلة بنتائج الأزمة المالية وتراجع شعبية التدخلات العسكرية من ناحية أخرى. ينتقد الفصل بشدة التصريحات المبكرة لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي وصفت الأسد بـ"المُصلح"، وتأخر الرئيس أوباما خمسة أسابيع فقط لإدانة العنف وبأقل من المطلوب. يوضح الفصل أن أسباب التقاعس الأمريكي كانت متعددة: الخوف من سيناريو ما بعد الأسد، وغياب بديل معتدل وقوي، ورغبة بعض اللاعبين الإقليميين (مثل إسرائيل وتركيا والسعودية ولبنان) في بقاء النظام، حتى لو لأسباب مختلفة.

بالرغم من مطالبة أوباما في 18 أغسطس 2011 لـبشار الأسد بالتنحي، وفرض عقوبات اقتصادية، وبدء تدريب مقاتلي المعارضة، يصف الفصل هذه السياسات بأنها فاشلة وغير فعّالة. يُظهر الفصل التناقض الكبير في السياسة الأمريكية: تُريد إسقاط الأسد لكنها ترفض التدخل العسكري، وتسلح المعارضة لكنها تشترط عليها محاربة داعش فقط وليس النظام السوري. يبلغ الفصل ذروة النقد بعرضه للفشل الذريع لبرنامج "التدريب والتجهيز" الأمريكي، حيث يعترف الجنرال لويد أوستن، قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، في سبتمبر 2015، بأنه من بين 5400 مقاتل كان من المخطط تدريبهم، لم يبق في ساحة المعركة سوى "4 أو 5" مقاتلين فقط. الفشل كان كاملاً لدرجة أن البنتاغون اعترف بفقدانه مكان المقاتلين الذين دربهم.

يعترف الفصل بوجود حدود واضحة في السياسة الأمريكية. فقد شلت روسيا والصين أي قرار في مجلس الأمن. كان الخوف من "الانزلاق" إلى حرب جديدة أكبر من أي دافع للتدخل. يكشف التحليل عن أسئلة مفتوحة تُطرح حتى نهاية الفصل: هل تواطأت إدارة أوباما مع روسيا وإيران؟ هل كانت السياسة الأمريكية مجرد ردود فعل غير مترابطة؟ النص لا يقدم إجابة قاطعة، بل يصف الفوضى الاستراتيجية.

يختتم الفصل بتحليل "السياسة الخالية من الاستراتيجية" التي تنسب لناقد مثل دويل مكمانوس. يرى الفصل أن إرث سياسة جورج بوش الابن (عقيدة الشرق الأوسط الكبير) ظل يطارد إدارة أوباما. بينما انسحبت أمريكا من المنطقة تاركة فراغاً كبيراً، تدخل فلاديمير بوتين بثقل عسكري كبير لدعم نظام الأسد وليعلن نفسه الحكم الجديد في المنطقة. يشير الكاتب إلى مفارقة تاريخية مفادها أن السياسة الروسية - رغم العداء الظاهري - في محاربة التطرف وإبقاء النظام، خدمت في النهاية المصالح الأمريكية التي أرادت فقط "الخدمة الدنيا" دون الخوض في حرب جديدة.

12.174–198▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل العلاقة المعقدة والمضطربة بين فرنسا وسوريا، منذ فترة الانتداب الفرنسي وحتى نهاية عام 2015، مُبيّناً كيف أن هذه العلاقة اتسمت بالتقلب بين محاولات التقارب والقطيعة الحادة، وانتهت بسياسة فرنسية وُصفت بأنها غير فعالة ومتناقضة أحياناً. الموضوع المحوري هو بحث فرنسا عن دور يواكب تاريخها في المنطقة، في مواجهة فشل سياساتها المتعاقبة مع النظام السوري، وتخبطها في التعامل مع الثورة السورية ثم الحرب التي تلت ذلك.

يبدأ الفصل باستعراض تاريخ العلاقات منذ الانتداب (1920-1941)، مشيراً إلى أن فرنسا لم تتفهم القومية السورية وواجهتها باستغلال الانقسامات الطائفية مما خلق تراكمات سلبية. يذكر الفصل أحداثاً مفصليّةً مثل التنازل المؤسف عن لواء الإسكندرية لصالح تركيا عام 1939، وهو ما لم تسامحه الذاكرة السورية، ورفض البرلمان الفرنسي التصديق على معاهدة الاستقلال. بعد الاستقلال، غالباً ما شهدت العلاقات تقلبات سياسية ودبلوماسية، كان أبرزها الاندفاعة الأولى للتقارب بين جاك شيراك والرئيس الشاب بشار الأسد في مطلع الألفية، والتي انتهت بخيبة أمل كبيرة من الجانب الفرنسي حين رأى أن بشار الأسد لم ينفذ أي إصلاح حقيقي، وأصبح سجين نظامه ومصالحه العائلية.

مع الحرب على العراق في 2003، بدأ مسار الانفصال بين البلدين. فبعد أن تعاونا لمنع التدخل الأمريكي، اختلفا حين انتهت الحرب، حيث أرادت فرنسا أن يكسب الأمريكيون السلام أيضاً لاستقرار المنطقة، بينما رأت دمشق ذلك تهديداً لوجود نظامها. ازداد التوتر مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في 2005، واتهام سوريا بالضلوع فيه. يصف الفصل سياسات نيكولا ساركوزي بأنها كانت انقلاباً مفاجئاً و "مفاجأة إلهية" للنظام السوري، حيث فتح حواراً معه وأعاد دمشق إلى الواجهة مقابل تعهدات مبهمة بشأن لبنان. لكن سوريا لم تلتزم، واستمرت في مراوغاتها، مما جعل التقارب يشبه مسلسلاً من المماطلة والوعود غير المنجزة.

عند اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، كان الموقف الفرنسي متأرجحاً بين تبنّي خطاب أخلاقي يدين النظام، وتردد واضح في دعم المعارضة عملياً. بعد فترة قصيرة من التردد، انتقلت فرنسا إلى موقف أكثر حزماً يقضي بأن النظام فقد شرعيته ويجب أن يرحل. لكن الفصل يوضح تناقضاً صارخاً: فعلى المستوى الدولي، كانت فرنسا تدافع بخطاب متصلّب لمعارضة الأسد، بينما كانت هذه المواقف لا تتوافق مع سياساتها الفعلية التي اتسمت بالهشاشة وغياب الدعم الكافي. يبرز الفصل حالة "الصفعة" التي تلقتها فرنسا من أوباما في صيف 2013، عندما تراجعت الولايات المتحدة عن توجيه ضربات رداً على استخدام الأسلحة الكيميائية، تاركة باريس وحيدة ومعرّضة، مما أضعف مصداقيتها.

بعد هجمات باريس في نوفمبر 2015، شنّ الرئيس فرانسوا أولاند حملة قصف على تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا، لكن الفصل ينتقد هذه السياسة واصفاً إياها بأنها جاءت متأخرة وسطحية. ويعرض آراء دبلوماسيين وخبراء فرنسيين ينتقدون فشل باريس في بناء استراتيجية واضحة تجمع بين الدعم العسكري للمعارضة المعتدلة (التي تُركت دون سلاح كافٍ) والحوار مع الأطراف الفاعلة مثل روسيا وإيران، مما جعل فرنسا معزولة منساقة دون تأثير حقيقي. يصف الفصل هذه السياسة بأنها "انتهازية بلا سيناريو"، تركزت على شعار غير قابل للتطبيق هو "لا الأسد ولا داعش"، وافتقرت إلى الحلفاء الفعليين والقدرة على فرض حلول.

في الجزء الثاني من الفصل، ينتقل الكاتب إلى تحليل دور الاتحاد الأوروبي، الذي يصفه بأنه "قزم سياسي كريم" أو "تابع لأمريكا". على عكس خطابه السياسي المتأخر، كان دور الاتحاد الأوروبي غائباً سياسياً، ومقتصراً على العقوبات الاقتصادية الجزئية (تجميد أصول، حظر سفر) التي لم تؤثر في النظام، لأنه استعاض عنها بعلاقاته مع روسيا والصين. لكن من الناحية المالية، كان الاتحاد الأوروبي المموّل الأكبر للمساعدات الإنسانية والتنموية في سوريا ودول الجوار، حيث خصّص أكثر من 3.35 مليار يورو (في فترة محددة) وحوالي 4 مليارات يورو إضافية لمساعدات النازحين.

يختتم الفصل بانتقاد لاذع للانقسامات الداخلية الأوروبية حول أزمة اللاجئين التي ظهرت بوضوح في صيف 2015، حيث رفضت دول مثل المجر وسلوفاكيا استقبال حصصهم المقررة. بالإضافة إلى غياب أي تأثير سياسي حقيقي، مع بقاء معظم الدول الأوروبية خلف موقف واشنطن. يورد الفصل قول دبلوماسي سابق إن تعامل الاتحاد الأوروبي مع الأزمة هو "فشل" حيث توقف سقف الاستقبال في فرنسا عند 3000 لاجئ فقط، مما يظهر عجزاً واضحاً بين المواقف المعلنة والإمكانيات الفعلية لاستقبال المحتاجين.

13.199–232▼ ملخص

يُحلل هذا الفصل الأول من الكتاب تطور العلاقة بين إيران وسوريا، من تحالف استراتيجي أقامه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في عام 1979 مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة الخميني، إلى علاقة تبعية ووصاية أصبحت فيها إيران بمثابة "العراب المتطفل" على نظام الرئيس الحالي بشار الأسد. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن إيران، مستغلة ضعف وخبرة بشار الأسد السياسية والعسكرية، تمكنت من التحول من حليف له حدود واضحة وضعها والده، إلى قوة مهيمنة تقرر مصير الحرب السورية وتوجه مسارها وفق مصالحها الوطنية أولاً.

يسير الفصل عبر عدة خطوات متسلسلة لتدعيم هذه الفكرة، مبتدئاً بجذور التحالف في فترة حرب الثمانينيات بين إيران والعراق، حيث كانت سوريا حليفاً استراتيجياً وحيداً لإيران ضد خصمهما المشترك صدام حسين. يوضح الفصل كيف كان حافظ الأسد يضبط العلاقة ويضع "حدوداً" للوجود الإيراني، متسامحاً مع النشاط الديني الشيعي المتنامي في سوريا مثل تحويل مرقد السيدة زينب في دمشق إلى مقصد ديني سنوي لـ 600 ألف إلى مليون زائر إيراني، لكنه كان يمنع أي محاولات للتبشير العلني أو جعل سوريا "أرضاً للبعثة".

ثم ينتقل الفصل إلى فترة حكم بشار الأسد، والتي شهدت تغيراً جذرياً. يصف المؤلف كيف سمح بشار، منذ بداية ولايته الأولى، للإيرانيين بالتمدد اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، مستثمرين المليارات من الدولارات في قطاعات الطاقة والصناعة والعقارات. يضرب مثلاً على هذا التطفل بإجبار المسؤولين السوريين للشركات الفرنسية الراغبة في بناء مترو دمشق على جعل الإيرانيين شركاء. هذا التمدد أثار قلقاً متزايداً لدى الشعب السوري الذي رأى في تحكم إيران بشبكات الاتصال الرئاسية ومشاركتها في أبحاث الأسلحة المحظورة مع كوريا الشمالية تهديداً للسيادة الوطنية. ويورد الفصل أن البعض رأى في اغتيال عماد مغنية في دمشق عام 2008، وهو قيادي كبير في حزب الله، رد فعل من أوساط في النظام السوري ضد نفوذ إيران المتصاعد.

يتناول الفصل بالتفصيل آليات التمدد الإيراني، خاصة في المجالين الديني والعقاري. يصف كيف بدأ الإيرانيون يستحوذون على الفنادق والممتلكات في قلب دمشق القديمة، بدعم من مسؤولين سوريين، مما أدى إلى تهجير قسري لسكان مسيحيين وسنة، وخلق حدود طائفية جديدة داخل المدينة تحت مسمى "تشييع" الأحياء. يخصص المؤلف فقرات لوصف استياء علماء الدين السنة والشيوخ من المظاهر العلنية والتكفيرية للطقوس الشيعية مثل عاشوراء، والتي كان النظام السوري يمنعها سابقاً في الأماكن العامة حفاظاً على التعايش. كما ينتقد الفصل سياسة منح الجنسية السورية لمئات من الأجانب الشيعة وفتح عقارات المهجرين أمامهم، معتبراً ذلك جزءاً من مخطط لتغيير التركيبة الديموغرافية.

في تحليله لأسباب هذا التمدد، يقدم الفصل حججاً للباحثين مثل برنارد هوركاد وفاريبا أديلخاه وتيري كوفيل، الذين يرون أن حسابات إيران في سوريا كانت استراتيجية ووطنية بالأساس وليست دينية محضة. يذكرون أن دعم إيران لسوريا وحزب الله هو جزء من محور للمقاومة ضد إسرائيل وللحفاظ على منفذها الوحيد إلى العالم العربي. ويستشهدون بمثال دعم إيران لأرمينيا المسيحية على جارتها أذربيجان المسلمة، وتفضيلها لطاجيك السنة على هزارة الشيعة في أفغانستان، لإثبات أن المصلحة الوطنية هي التي تغلب في قرارات طهران. يعترف الفصل بوجود احتجاجات داخل إيران نفسها على هذا الإنفاق الخارجي، مثل غضب عائلات ضحايا زلزال بام في 2003 عندما تعهد الرئيس أحمدي نجاد بدفع 5000 دولار لكل عائلة شهيد من حزب الله في لبنان.

مع بدء الثورة السورية في مارس 2011، يصف الفصل انقساماً في الموقف الإيراني، حيث حاول أحمدي نجاد في البداية التوفيق بين دعم الحوار وقمع النظام، بينما كان المرشد الأعلى خامنئي والحرس الثوري يدفعان بقوة نحو القمع. هذا التردد تلاشى سريعاً، وتحول دعم إيران من استشاري إلى عسكري مباشر. يصف الفصل بالتفصيل كيف بدأ ضباط ومرشدون عسكريون إيرانيون وقناصة إيرانيون في الظهور بحلول صيف 2011، ثم تبعهم آلاف المقاتلين الشيعة من لبنان (حزب الله)، والعراق (جيش المهدي)، وأفغانستان (الهزارة)، وباكستان، واليمن (الحوثيون)، ضمن أكثر من عشرين ميليشيا شيعية مختلفة مثل لواء أبو الفضل العباس وسرايا الخراساني. يورد الفصل تقديرات تتراوح بين 20 إلى 25 ألف مقاتل شيعي صيف 2014، لترتفع إلى 40 ألف مقاتل بحلول منتصف 2015، وهو رقم يقترب من عدد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.

يركز الفصل على تغير طبيعة الصراع بعد مجازر البيضاء وبانياس في مايو 2013، حيث مهدت هذه المجازر التي وصفت بـ "التطهير العرقي" للسنة في الممر الغربي من سوريا لتحول الحرب إلى حرب طائفية صريحة. يوضح كيف أن المشاركة العلنية لحزب الله في معركة القصير في ربيع 2013 كانت نقطة تحول رئيسية، كلفت الحزب ما يقرب من مئة قتيل وشوهت صورته كطرف مقاوم لإسرائيل. ويسجل الفصل اعترافاً ضمنياً بأنه لا توجد إحصاءات موثقة بالكامل للمجازر التي ارتكبتها هذه الميليشيات، لكنه ينقل أن مركزاً دولياً لحقوق الإنسان أفاد في يونيو 2014 عن رصد 74 مجزرة أسفرت عن 4835 ضحية نصفهم من النساء، بالإضافة إلى اختطاف وإخفاء 2456 شخصاً. كما يُحمّل الفصل النظام السوري وحلفاءه الإيرانيين مسؤولية إطلاق سراح سجناء جهاديين من السجون لاستخدامهم كورقة لتبرير القمع الوحشي تحت شعار محاربة "الإرهاب".

في ختام الفصل، يؤكد المؤلف على أن إيران أصبحت "صاحبة القرار الخفي"، حيث لم يعد بشار الأسد قادراً على رفض أي طلب لها. يقدم مثالاً على ذلك بالخسوف الذي تعرض له رستم غزالة، رئيس الأمن السياسي السوري، الذي أُذلّ وتوفي بعد أن عبر علناً عن استيائه من تزايد سيطرة الضباط الإيرانيين على إدارة الحرب، وهو ما يعبر عن استياء متزايد في صفوف ضباط الجيش السوري حتى داخل النظام نفسه. ويخلص الفصل إلى أن طهران لم تكن تسعى فقط لإبقاء الأسد في الحكم، بل إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية والديموغرافية لسوريا لصالح الطائفة الشيعية لضمان نفوذها الدائم. يشير الفصل إلى أن سقوط الموصل في يونيو 2014 شكل منعطفاً إجبارياً أعاد توجيه الكثير من المقاتلين العراقيين من سوريا إلى بلادهم، مما اضطر حزب الله لتعويض هذا الفراغ وحتى تجنيد سوريين في صفوفه.

14.233–259▼ ملخص

يُحلّل هذا الفصل من كتاب "الكابوس السوري" العلاقة المعقدة والمتقلبة بين سوريا وتركيا، بدءاً من عداوة تاريخية عميقة وصولاً إلى تحالف استراتيجي قصير الأمد، ثم انهياره ليصبح "كابوساً" حقيقياً لأنقرة.

يبدأ الفصل بوصف جذور الخلاف، وأبرزها قضية لواء الإسكندرون (محافظة هاتاي حالياً) التي تنازلت عنها فرنسا لتركيا في 23 يونيو 1939 لضمان حيادها في الحرب العالمية الثانية، وهو ما ترفض سوريا الاعتراف به. كما يذكر الفصل أزمة عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي كان مقيماً في سوريا واستخدمته دمشق كوسيلة ضغط، مما دفع تركيا لتهديدها بغزو عسكري في 1998، واضطرت سوريا حينها لطرده وتوقيع اتفاق أضنة.

بعد هذه الذروة من التوتر، يصف الفصل تحولاً دراماتيكياً في العلاقات بقيادة بشار الأسد ورجب طيب أردوغان. من عام 2004، بدأت زيارات متبادلة رفيعة المستوى وتوجت بإلغاء التأشيرات ورفع التبادل التجاري الذي قفز من 796 مليون دولار في 2006 إلى 1.75 مليار في 2008. وأبرز مظاهر التقارب كان تشكيل "مجلس التعاون الاستراتيجي" في ديسمبر 2009، والذي طمح للوصول إلى تكامل اقتصادي. لعبت تركيا دور الوسيط في محادثات سلام سورية-إسرائيلية غير مباشرة عام 2008، لكنها توقفت بعد الحرب على غزة. يوضح الفصل أن سوريا رأت في تركيا ثقلاً موازناً لعلاقتها مع إيران، بينما رأت تركيا في سوريا بوابة للعالم العربي والخليج.

ومع ذلك، يكشف الفصل أن هذا التقارب أخفى مشاكل جوهرية لم تُحل، مثل استمرار المطالبة السورية بالإسكندرون وخلافات حول مياه الفرات. كما اختلفت الرؤيتان تجاه حماس (تكتيكي لسوريا واستراتيجي لتركيا) ولبنان، حيث سعت تركيا لدعم خصوم سوريا مثل سعد الحريري، مما أظهر أجندات متعارضة. ويعترف الفصل بوجود "غموض جوهري" لم يُبدد.

ينتقل الفصل إلى نقطة التحول الحاسمة مع اندلاع الثورة السورية في 2011. اعتقدت تركيا بادئ الأمر أن علاقاتها الوثيقة مع الأسد تمكنها من إقناعه بالإصلاح، وأرسلت له مسؤولين كباراً مثل أحمد داود أوغلو. لكن بعد إصرار الأسد على الحل العسكري ورفضه للنصائح التركية، تحولت أنقرة إلى أشد الداعمين للمعارضة. استضافت تركيا المعارضة في إسطنبول وشكلت الجيش السوري الحر، وطالبت برحيل الأسد. يُشير الفصل إلى أن تركيا اعتقدت أن أيام النظام معدودة، وأن دعمها الثوار سيؤتي ثماره سريعاً.

يدرس الفصل بالتفصيل "الكوابيس" التي واجهتها تركيا نتيجة تدخلها. كان أولها تدفق اللاجئين الذي بلغ 2.5 مليون لاجئ، مما شكل عبئاً إنسانياً وأمنياً واقتصادياً هائلاً. ثانياً، تسبب دعمها لمجموعات مسلحة متنوعة في خلق مشاكل أمنية داخلية، حيث اتُهمت بالتساهل مع فصائل جهادية مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ووثقت صحيفة جمهوريت التركية في مايو 2015 تورط جهاز الاستخبارات (MIT) في تسليم أسلحة لهذه الجماعات. ثالثاً، برزت المعضلة الكردية: تحالف الولايات المتحدة مع وحدات حماية الشعب الكردية (PYD)، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، لقتال داعش، وهو ما اعتبرته تركيا تهديداً وجودياً، خاصة بعد معركة كوباني التي لم تحرك تركيا فيها ساكناً، مما عمق الكراهية الكردية تجاهها.

أخيراً، يخلص الفصل إلى أن تركيا خسرت الكثير سياسياً. انهارت سياستها "صفر مشاكل مع الجيران"، وأفسدت علاقاتها مع دول عربية مثل مصر، وتوترت مع إسرائيل، وفقدت نفوذها كوسيط. كما أدى إسقاطها لطائرة روسية في نوفمبر 2015 إلى مواجهة مع موسكو، بينما شعرت بالتهميش من قبل واشنطن التي أقصتها من مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران، والتي جلبت لموسكو وتل أبيب نفوذاً إقليمياً على حساب أنقرة. ينهي الفصل بتقييم قاسٍ للباحثين: "الكابوس السوري" كشف فشل الدبلوماسية التركية وحدود قوتها، ووقوعها ضحية أخطائها الاستراتيجية، تاركاً إياها في عزلة إقليمية وأزمات داخلية عميقة من فساد وتفجيرات، بدلاً من المكانة التي كانت تطمح إليها.

15.260–272▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على موقف دول الخليج العربية (أعضاء مجلس التعاون الخليجي) من الأزمة السورية، وكيف تشكّل هذا الموقف وتطوّر تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية، أبرزها صعود الجماعات الجهادية (خاصة داعش) والتنافس مع إيران. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الدول، رغم وحدة هدفها المتمثل في إسقاط نظام بشار الأسد واحتواء النفوذ الإيراني، انقسمت في استراتيجياتها وولاءاتها، مما أدى إلى سياسات متضاربة أحياناً، وتوترات داخلية، وإعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تطور هذا الموقف. يبدأ بوصف الصدمة الأولى التي سببتها انتفاضات تونس ومصر لدى الأنظمة الملكية الخليجية، وخوفها من "العدوى". ويضرب مثالاً على ذلك بقمعه الوحشي لاحتجاجات الأغلبية الشيعية في البحرين في مارس 2011 بواسطة قوات سعودية وإماراتية. ينتقل بعدها إلى المرحلة التالية، حيث بدأت بعض دول الخليج، بعد تردد، بدعم المعارضة السورية. ويفصل الفصل اختلافات هذا الدعم:

  • السعودية، التي مالث إلى دعم التيارات السلفية بدلاً من الإخوان المسلمين، واتخذت إجراءات أمنية لاحقاً لمنع تدفق المقاتلين والأموال إلى الجماعات الجهادية، وأصدرت قائمة بالمنظمات الإرهابية في فبراير 2014 شملت داعش وجبهة النصرة.
  • قطر، التي ركزت دعمها على الإخوان المسلمين، واستخدمت قنواتها الإعلامية مثل الجزيرة، وأقامت تحالفاً وثيقاً مع تركيا، ووقعت معها اتفاقاً دفاعياً في ديسمبر 2014.
  • الكويت، التي لعبت دوراً مهماً في تمويل الجماعات الإسلامية، قبل أن تشدد الرقابة على التبرعات.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً لمناقشة اتهامات تمويل قطر للإرهاب. يقدم المؤلف حججاً تفند هذه الاتهامات، مستنداً إلى تحليل نبيل العنصري، الذي يرى أن دعم قطر لم يذهب للجماعات الجهادية بل للإخوان، ويذكر خمسة أسباب رئيسية: انضمام قطر للتحالف الدولي ضد داعش، وانتقاد داعش لقطر، ومصادر تمويل داعش الذاتية (النفط، الفدية، الضرائب)، وتصريحات مسؤولين فرنسيين نفت ذلك، وإصدار قطر لقانون لمكافحة الإرهاب في سبتمبر 2014. لكنه يعترف بإمكانية وجود أفراد قاموا بجمع تبرعات بشكل غير رسمي.

بعد ذلك، يتناول الفصل "حملة تشويه قطر" التي تقودها الإمارات العربية المتحدة، والتي أنفقت ملايين الدولارات على الضغط في الولايات المتحدة (14 مليون دولار في 2013) لنشر فكرة تمويل قطر للإرهاب. يظهر هذا كجزء من صراع أوسع بين أعضاء مجلس التعاون حول دعم الثورات العربية.

أما الحجج القابلة للنقاش في الفصل، فتتجلى في تحليل الموقف السعودي. فبينما يصف إجراءات صارمة ضد الجهاديين، يقر بوجود "غموض" في موقف المملكة، التي تنتهج سياسة طائفية معادية للشيعة، مما يخلق بيئة حاضنة للفكر المتطرف. كما يعترف بأن القرارات السعودية كانت تتسم بالتردد في نهاية حكم الملك عبد الله، قبل أن تتغير مع تولي الملك سلمان في يناير 2015، الذي أعطى أولوية لمواجهة الخطر الجهادي والتهديد الإيراني، كما يتجسد في تدخله العسكري في اليمن.

في النهاية، يخلص الفصل إلى أن الأزمة السورية عمقت الانقسامات داخل مجلس التعاون، وأدت إلى تنافس سعودي-إيراني محموم، وأجبرت كل الدول على مواجهة مشترك، وهو تهديد داعش، مع استمرار الخلافات حول شرعية الإخوان المسلمين، وهو الملف الذي ظل سبباً رئيسياً لتباين المواقف بين قطر من جهة، والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى.

16.273–302▼ ملخص

يُركّز هذا الفصل على الآثار الجانبية المدمرة للحرب الأهلية السورية، ويسلط الضوء بشكل خاص على لبنان و الأردن بصفتهما أكثر الدولين المجاورين تضرراً، بالإضافة إلى معاناة الفلسطينيين المقيمين في سوريا. يوضح الكاتب أن هذه التداعيات لا تحظى بتغطية إعلامية كافية في الغرب، لأن الاهتمام ينصب على الفظائع داخل سوريا وتوسع تنظيم الدولة الإسلامية.

يبدأ الفصل بتحليل العلاقات الصعبة وغير المتكافئة بين سوريا ولبنان منذ استقلالهما بعد الحرب العالمية الثانية. يصف الكاتب سلسلة من الخلافات التجارية والسياسية، بدءاً من رفع سعر القمح وإغلاق الحدود عام 1948، وصولاً إلى إعلان سوريا الانفصال الاقتصادي عام 1950. كان التدخل العسكري السوري في لبنان عام 1976 نقطة تحول رئيسية، حيث استخدمته سوريا لفرض الوصاية وإضعاف النظام السياسي اللبناني لصالح استراتيجيتها الإقليمية. ويرى الكاتب أن هذا الاحتلال، الذي استمر لعقود، تحول إلى أداة إثراء للضباط السوريين و المخابرات.

يستعرض الفصل تفاصيل الانسحاب السوري القسري من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، وهو حدث يرجح الكاتب تورط المخابرات السورية فيه. ثم يشرح كيف واصلت سوريا ممارسة نفوذها عبر وكلائها المحليين، مستهدفةً شخصيات سياسية معارضة مثل سمير قصير و جورج حاوي و جبران تويني و بيار الجميل، في محاولة لإفشال نتائج الاستحقاقات الانتخابية وإثبات أن لبنان لا يمكن أن يستقر إلا تحت السيطرة السورية. يصف الفصل استراتيجية سوريا بأنها "عمل تقويضي" منظم يهدف إلى إضعاف الدولة اللبنانية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تبعات الحرب السورية على لبنان. يصف تدفق نحو 1.2 مليون لاجئ سوري إلى بلد يبلغ عدد سكانه 4.5 مليون نسمة، مما يشكل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية والخدمات والاقتصاد، ويجعل أكثر من شخص من أصل ثلاثة في لبنان غير لبناني. يذكر الفصل أن لبنان أُغلقت حدوده أمام اللاجئين في أكتوبر 2014، وأن المساعدات الدولية لا تغطي سوى 46% من الاحتياجات. على المستوى الاقتصادي، تكبدت البلاد خسائر تقدر بنحو ملياري يورو في عام 2013 وحده، نتيجة تراجع التجارة والسياحة، ومعاناة القطاع المصرفي وانهيار سوق العمل.

أما على الصعيد الاجتماعي والسياسي، فيشرح الفصل الانقسام الحاد بين اللبنانيين: فبينما يتعاطف أنصار تيار 14 آذار مع الثوار السوريين، يقدم حزب الله دعماً غير مشروط لنظام بشار الأسد. يتطرق الفصل إلى محاولات احتواء الأزمة، مثل إعلان بعبدا في يونيو 2012 الداعي لـ"النأي بالنفس"، لكنه يلاحظ فشل البرلمان في انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولاية ميشال سليمان في مايو 2014، وتأجيل الانتخابات النيابية أكثر من مرة. على الرغم من ذلك، يشير الفصل إلى نجاح الأجهزة الأمنية و حزب الله في منع انهيار البلاد بشكل كامل، ويذكر حوادث أمنية كبرى مثل تفجير ضاحية بيروت الجنوبية في 12 نوفمبر 2015 الذي أوقع 44 قتيلاً، واقتحام عرسال في أغسطس 2014.

يخصص الفصل قسماً آخر لعلاقات سوريا والأردن، التي يصفها بأنها مضطربة ومليئة بالحلقات المفرغة من التوتر والمصالحة. يبدأ من أحلام الملك عبدالله الأول التوسعية، مروراً بحرب أيلول الأسود عام 1970، وصولاً إلى الفترة الأكثر ظلمة بين 1981 و1986 التي شهدت هجوماً سورياً على البعثات الدبلوماسية الأردنية. يذكر الفصل أن الملك حسين اضطر إلى تغيير سياسته والاعتذار لـدمشق عام 1985، معترفاً بأن مسلحين انطلقوا من الأردن لاستهدافها. ومع ذلك، يعود التوتر مجدداً بعد توقيع الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1994، مما أدى إلى قطع سوريا لعلاقاتها الدبلوماسية معها مجدداً.

مع اندلاع الثورة السورية من درعا، كان الملك عبدالله الثاني أول زعيم عربي يدعو بشار الأسد للتنحي في نوفمبر 2011. يصف الفصل السياسة الأردنية بأنها حذرة ومتأرجحة بين ضغوط الحليفين الأمريكي و السعودي من جهة، والخوف من زعزعة الاستقرار الداخلي من جهة أخرى. تسبب أزمة اللاجئين السوريين، والذين بلغ عددهم 622,000 بحلول ربيع 2015، في ضغط هائل على الاقتصاد الأردني، الذي يعاني من ارتفاع الأسعار وانهيار السياحة وتراجع تحويلات المغتربين. لكن الموقف الأردني تحول بشكل جذري مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية والاغتيال الوحشي للطيار الأردني، مما دفع عمان للمشاركة الفاعلة في الضربات الجوية ضمن التحالف الدولي.

يختتم الفصل بمناقشة وضع الفلسطينيين في سوريا، واصفاً إياه بـ"النكبة الجديدة". يذكر أن أكثر من نصف مليون فلسطيني كانوا يعيشون في سوريا، ويتمتعون بحقوق تكاد تكون مساوية للشعب السوري، باستثناء الجنسية وحق الانتخاب. مع بدء الحرب، التزمت الغالبية الصمت حياداً، لكن الوضع تغير بعد قصف النظام لمخيم اليرموك في ديسمبر 2012، مما أسفر عن مقتل 160 شخصاً وفرار ثلاثة أرباع سكانه. يتعرض الفلسطينيون للقمع من الطرفين: النظام السوري وحلفاؤه، وفصائل المعارضة و تنظيم الدولة الإسلامية، الذين قاموا بنهب وتدمير منازلهم. نتيجة لذلك، نزح 270,000 منهم داخل سوريا، بينما فر 100,000 إلى الخارج، غالبيتهم إلى لبنان و الأردن و أوروبا، وخاصة السويد و ألمانيا. ويختتم الفصل باقتباس من لاجئ فلسطيني يقول إنهم يعيشون "الكابوس الحقيقي" و"العقوبة المزدوجة"، وأن الحل النهائي بأيدي القوى الكبرى وليس بأيديهم.

17.303–327▼ ملخص

ملخص الفصل الخامس: إسرائيل لاعب ثانوي، مراقب يقظ

يدور هذا الفصل حول الموقف الإسرائيلي من الحرب الأهلية السورية، ويخلص إلى أن إسرائيل، رغم تدخلاتها المحدودة، لا تسعى إلى إسقاط نظام بشار الأسد، بل تفضل بقاءه كـ "شر معروف" يضمن استقرار الجبهة. الهدف الاستراتيجي الأهم لإسرائيل يظل تحقيق سلام مستقر، ولم تغير الحرب الأهلية هذا الهدف، مع إبقاء الخيار مفتوحاً للتدخل حسب الحاجة. يرى صانعو القرار الإسرائيلي أن بقاء نظام الأسد أفضل من الفوضى التي قد تلي سقوطه، خاصة مع صعود الجماعات الجهادية. التهديد الأكبر بالنسبة لإسرائيل ليس داعش، بل التمركز الإيراني في سوريا.

يبدأ الفصل بعرض تاريخي موجز لمحاولات السلام الفاشلة بين إسرائيل وسوريا، بدءاً من مكالمة إسحق رابين للرئيس المصري حسني مبارك في أكتوبر 1995، والتي أعقبها اغتيال رابين، ثم محاولات لاحقة من قبل إيهود باراك وإيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو. يستشهد الكاتب بالمقال الذي كتبه إفرايم هليفي، الرئيس السابق للموساد، في مجلة فورين أفيرز، والذي يرى فيه أن العلاقة مع نظام الأسد تقوم على احترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وأن استقرار سوريا هو هدف إسرائيلي دائم، وأن العمليات الإسرائيلية المحدودة لا تعني نية للتدخل بشكل أوسع أو الإطاحة بالأسد. ويشير الفصل إلى سخرية السوريين من تصريحات النظام حول "اختيار زمان ومكان الرد".

ينتقل الفصل إلى تحليل المصلحة الإسرائيلية في "إضعاف" إيران عبر سوريا. يرى هليفي أن الملفين السوري والإيراني متصلان، وأن إضعاف إيران في سوريا يوجه ضربة لبرنامجها النووي. ويرى أن سوريا هي "كعب أخيل" إيران، وسقوط النظام سيكون هزيمة مروعة لها. لكنه يرفض التدخل الإسرائيلي المباشر في الصراع، ويدعو إلى حوار مع روسيا والغرب. يعرض الكاتب بعد ذلك وجهة نظر سيلفان سايبل، الذي ينقل عن مسؤول إسرائيلي قوله إن مصلحة إسرائيل تكمن في "أن يذبح السوريون بعضهم حتى آخر واحد"، وهو رأي يرفضه هليفي بشدة محذراً من أن فوز القاعدة أو الإسلاميين المتطرفين سيكون كارثة على إسرائيل.

يوضح الفصل أن القلق الإسرائيلي الأكبر ينصب على إيران وليس على داعش. ينقل الكاتب عن البروفيسور إيلان غرايلسامر قوله إن إسرائيل تفضل نظاماً مستقراً، وأنها غير قلقة من داعش عسكرياً لأنها لا تشكل تهديداً وجودياً، بينما يثير الاتفاق النووي مع إيران مخاوف حقيقية، ليس من قصف محتمل، بل من نهاية عهد منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، مما قد يدفع دولاً مثل السعودية ومصر لامتلاك السلاح النووي. ويناقش الفصل المعضلة الإسرائيلية المتمثلة في وجود بديلين غير مقبولين: فوز الجهاديين أو بقاء نظام الأسد الضعيف والمستند إلى إيران القوية. القلق يمتد إلى الفوضى التي تجذب الإسلاميين المتطرفين إلى حدود إسرائيل.

يتناول الفصل أيضاً بعض النتائج الإيجابية للحرب من وجهة نظر إسرائيلية، مثل تحسن العلاقات مع دول الخليج بفضل الخوف المشترك من إيران. فبعد دعم إسرائيل لاستضافة الإمارات لمقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) في أبوظبي، حصلت إسرائيل على تمثيل رسمي هناك. كما يصف دوري غولد، مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، السعودية بأنها "حليف لإسرائيل" في مكافحة الإرهاب. وفي سياق المساعدات الإنسانية، يشير الفصل إلى أن مستشفى في نهريا شمال إسرائيل استقبل جرحى من المعارضة السورية، ما يؤكد وجود اتصالات بين إسرائيل وبعض فصائل المعارضة.

بخصوص حزب الله، يستبعد الفصل قيام إسرائيل بعملية عسكرية ضده، لأسباب منها أن الرأي العام الإسرائيلي غير مستعد لحرب كبيرة بعد جولة مع حماس في صيف 2014، وأن إضعاف الحزب في سوريا يُعتبر تطوراً إيجابياً. ويرى سيلفان سايبل أن تجربة حرب 2006 الكارثية تمنع المغامرة مجدداً في لبنان. وأخيراً، يتناول الفصل العلاقة المعقدة مع روسيا. التدخل الروسي في سبتمبر 2015 أقلق إسرائيل من احتمال وصول صواريخ أرض-جو متطورة لحزب الله. زيارة نتنياهو لموسكو في 21 سبتمبر 2015 أكدت مخاوفه من أن إيران وسوريا تسعيان لفتح جبهة في الجولان. بالمقابل، يقدم الفصل تقارير عن تعاون استخباراتي إسرائيلي-روسي، حيث قدمت إسرائيل معلومات استخباراتية عن المعارضة مقابل ضمانات بوقف تدفق الأسلحة لحزب الله وحرية الحركة الجوية لإسرائيل في سوريا.

يختتم الفصل بتأكيد أن القضية السورية، وإن لم تؤثر يومياً على حياة الإسرائيليين، فإنها تشغل الطبقة السياسية، التي تتساءل عن الموقف الذي ينبغي اتخاذه تجاه الجهاديين وإيران وحلفائها. وفي نهاية الفصل، يورد الكاتب قائمة بأبرز الحوادث بين سوريا وإسرائيل منذ عام 2011، والتي تتراوح بين قصف مدفعي وقتلى في الجولان، وضربات جوية إسرائيلية استهدفت قوافل أسلحة لحزب الله ومراكز أبحاث سورية، وصولاً إلى إسقاط طائرة حربية سورية بصاروخ باتريوت.

تقدم الحجج في الفصل صورة واضحة للعقلية الإسرائيلية تجاه سوريا، القائمة على براغماتية أمنية تفضل الاستقرار النسبي الذي يوفره نظام الأسد على فوضى الخيارات البديلة، وتركز على مواجهة التهديد الإيراني كأولوية قصوى. يظهر الفصل أيضاً تعدد الأصوات داخل إسرائيل بين من يدعو للانكفاء ومن يدعو للتعاون مع روسيا وحتى المعارضة السورية، لكن الإجماع يبدو منعقداً على أن إسرائيل لاعب مراقب وحذر، وليس فاعلاً رئيسياً.